← Улюм аль-Кур’ан

Улюм аль-Кур’ан · id 21769

الموسوعة القرآنية خصائص السور

جعفر شرف الدين

Полный текст (3 064 стр.). Показаны 351–390 · переход к 356.

стр. 351

أن يطيل قليلا جدا من الكسرة بعد الهاء، بحيث يتولد من ذلك شيء من مدّ طويل. كل هذا يرمي إلى أن تجوّد التلاوة فيتأتّى من ذلك عربيّة فائقة الأداء ناصعة البيان. ثم إنّ هذا يظهر أن للعربية نظاما في أصوات المد واللين، قصيرها وطويلها، وأن هذا النظام أداة حكيمة في مجيء هذه اللغة رشيقة البناء في مفرداتها وجملها، فقد يقصر الصوت حتى يؤول إلى حركة هي الفتحة والكسرة والضمة، وقد يطول فيكون أصوات المد التي تدعى ألفا وواوا وياء «١» . على أن طول ما يدعى ب «الحركات» ليس ثابتا، فقد يختلف نفر عن آخر في هذا الطول، وقد تختلف الفتحة في طولها عن نظيرتها الفتحة الأخرى في الكلمة الواحدة، ومثل ذلك يقال في الكسرة والضمة، ألا ترى أن الضمة في «حسام» غير الضمة في «كسر» المبنيّ للمجهول. وإذا كان الناس متفاوتين في إخراج هذه الأصوات القصيرة بحسب طولها، فهم متفاوتون أيضا في إعطاء شيء من هذه الفتحة إلى شيء من تلك الكسرة. وهم متفاوتون أيضا في الأصوات الطويلة، فقد يختلف اثنان في مدّ كلمة «شاعر» مثلا، فبعضهم يمد الفتح فيكون الألف، وآخر يقصر الفتح قليلا، فيحمل الضيم على كسرة «العين» فتطول قليلا «٢» . ومن أجل حسن الأداء يصار إلى القصر كما أشرنا في أصوات اللين، ألا ترى أن «يا» ، أداة النداء يتحقق فيها المدّ كاملا، إذا وليها صوت متحرك فتقول: «يا عبد الله» ، ولكنها تقصر كثيرا حتى تتحول إلى صوت قصير هو الفتحة إذا وليها صوت ساكن نحو: «يا ابن مالك» . ولقد كان مقدار المدّ مظهرا من مظاهر اللهجات الخاصة في العربية الواسعة الرقعة. وما أظن أن كلمة «سلسل» ، وكلمة «سلسال» ، وهما بمعنى، إلّا شيء من هذا.

стр. 352

ثم ألا ترى أن طائفة من العرب في عصرنا يقولون «عمود» ، وآخرين يقولون: «عامود» في نطقهم الدارج. ٨- وقال تعالى: قُلِ اللَّهُمَّ مالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشاءُ وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشاءُ وَتُعِزُّ مَنْ تَشاءُ وَتُذِلُّ مَنْ تَشاءُ بِيَدِكَ الْخَيْرُ إِنَّكَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٢٦) . تشتمل هذه الآية على فقر متسقة النظام، متساوقة يكاد يتصل بعضها ببعض، وهذا النظام يتيح لمن يتلو أن يعمد إلى ضرب من التقسيم يسعفه بوقفات إن شاء، لا تنال من الوحدة الموضوعية التي تجعل من هذه الأقسام ما يأخذ بعضها برقاب بعض. ومثل هذا يتحقق في الآية اللاحقة ٢٧: تُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهارِ وَتُولِجُ النَّهارَ فِي اللَّيْلِ وَتُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَتُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَتَرْزُقُ مَنْ تَشاءُ بِغَيْرِ حِسابٍ (٢٧) . قلت: إن هذه الفقر تتيح لمن يتلو أن يقف وقفات، إن أحسّ أنّ الوقف يحسن في تجويد التلاوة، والوقف جائز، على أنه أحسن من الوصل، وقد يكون العكس، وهو جواز الوقف في حين يكون الوصل أولى. هذا كله من الرّخص فسحة للقارئ في تجويد التلاوة المحكمة. ٩- وقال تعالى: كُلَّما دَخَلَ عَلَيْها زَكَرِيَّا الْمِحْرابَ وَجَدَ عِنْدَها رِزْقاً [الآية ٣٧] . أقول: لا بد من وقفة على الفعل «دخل» ، واستعماله في لغة التنزيل. لقد دلّ استقراؤنا للآيات التي اشتملت على هذا الفعل أنه لا بد أن يتطلب ما يتعلق به من الأسماء التي تفيد «المكانية» . وفي هذه الحالة، يصل الفعل إلى مدخوله من غير أداة واسطة كحروف الخفض، ولنجتزئ من الآيات الكثيرة التي تفيد هذه الخصوصية بالآيات التي سنوردها: قال تعالى: ١- وَدَخَلَ الْمَدِينَةَ عَلى حِينِ غَفْلَةٍ مِنْ أَهْلِها [القصص/ ١٥] . ٢- أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ [البقرة/ ٢١٤] . ٣- لا تَدْخُلُوا بُيُوتَ النَّبِيِّ إِلَّا أَنْ يُؤْذَنَ لَكُمْ [الأحزاب/ ٥٣] . ٤- ادْخُلُوها بِسَلامٍ آمِنِينَ (٤٦) [الحجر] .

стр. 353

ومثل هذه الآيات آيات أخرى استعمل فيها الفعل هذا الاستعمال. وقد يطوى ذكر المكان الذي يصير إليه الداخل، فيكون الدخول على الآدميين، وهنا لا بد من حرف الجر «على» كما في الآيات التي نوردها: وَلَمَّا دَخَلُوا عَلى يُوسُفَ آوى إِلَيْهِ أَخاهُ [يوسف/ ٦٩] . إِذْ دَخَلُوا عَلى داوُدَ فَفَزِعَ مِنْهُمْ [ص/ ٢٢] . وَالْمَلائِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مِنْ كُلِّ بابٍ (٢٣) [الرّعد] . وقد يظهر المكان المدخول فيه مع ذكر الآدميين كقوله تعالى: كُلَّما دَخَلَ عَلَيْها زَكَرِيَّا الْمِحْرابَ وَجَدَ عِنْدَها رِزْقاً [الآية ٣٧] . وقد استعمل فعل الدخول في بضع آيات، قاصرا لازما غير متصل بمتعلق به كقوله تعالى: كُلَّما دَخَلَتْ أُمَّةٌ لَعَنَتْ أُخْتَها. [الأعراف/ ٣٨] . وَلكِنْ إِذا دُعِيتُمْ فَادْخُلُوا [الأحزاب/ ٥٣] . لا تَدْخُلُوا مِنْ بابٍ واحِدٍ وَادْخُلُوا مِنْ أَبْوابٍ مُتَفَرِّقَةٍ [يوسف/ ٦٧] . ومن غير شك أن المتعلق وهو الاسم المكاني، أو المدخول عليهم من الآدميين قد طوي ذكره في هذه الآية لعدم الحاجة إليه، وعلى هذا فالاستعمال واحد. هذا كله يتصل باستعمال فعل الدخول في المحسوسات من الأسماء الدالة على الأمكنة والظروف المكانية، واستعماله في الدخول على العاقل من الآدميين، فإذا كان الدخول في الأمور العقلية، أو ما يدعى بأسماء المعاني فالاستعمال يختلف، وذلك أن الفعل يتطلب في هذه الحال حرف الجر «في» أو «الباء» كقوله تعالى: وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْواجاً (٢) [النصر] . وَقَدْ دَخَلُوا بِالْكُفْرِ وَهُمْ قَدْ خَرَجُوا بِهِ [المائدة/ ٦١] . وقد يحمل على استعمال الفعل في الأمور المعنوية قوله تعالى: فَادْخُلِي فِي عِبادِي (٢٩) وَادْخُلِي جَنَّتِي (٣٠) [الفجر] . والمراد بالدخول في العباد الاتصال بهم والعيش بينهم فجاز استعمال «في» ، في حين عطف عليه قوله:

стр. 354

وَادْخُلِي جَنَّتِي (٣٠) وذلك لأن المدخول فيه من الأسماء الدالة على المكان. ومن المفيد أن نشير إلى أن استعمال هذا الفعل يجاوز حقيقته مجازا لعلاقة من العلاقات، فيصير الدخول بالزوج أي: المرأة بمعنى البناء بها، والتزوج منها كقوله تعالى: فَإِنْ لَمْ تَكُونُوا دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَلا جُناحَ عَلَيْكُمْ [النساء/ ٢٣] . ١٠- قال تعالى: وَمَكَرُوا وَمَكَرَ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْماكِرِينَ (٥٤) . أقول: لا أريد أن أعرض لمكر بني إسرائيل، وكيف قابلهم الله على مكرهم جزاء وعقوبة، ولكني أود أن أقف على المكر ومعناه، وكيف ساغ أن ينسب إلى الله، جلّ شأنه. قال تعالى: وَمَكَرُوا مَكْراً وَمَكَرْنا مَكْراً وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ (٥٠) [النمل] . قال أهل العلم بالتأويل: المكر من الله تعالى جزاء سمّي باسم مكر المجازى، كما قال تعالى: وَجَزاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُها [الشورى/ ٤٠] . فالثانية ليست بسيّئة في الحقيقة، ولكنها سمّيت سيئة لازدواج الكلام، وكذلك قوله تعالى: فَمَنِ اعْتَدى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ [البقرة/ ١٩٤] . فالأول ظلم، والثاني ليس بظلم، ولكنه سمّي باسم الذّنب ليعلم أنّه عقاب عليه وجزاء به، ويجري مجرى هذا القول قوله تعالى: إِنَّ الْمُنافِقِينَ يُخادِعُونَ اللَّهَ وَهُوَ خادِعُهُمْ [النساء/ ١٤٢] . وفي حديث الدعاء: «اللهم امكر لي ولا تمكر بي» . قال ابن الأثير: مكر الله إيقاع بلائه بأعدائه دون أوليائه. أقول: هذه حقيقة المكر، وهذه حقيقة نسبته إلى الله، جلّ وعزّ، ولم يلتفت أهل العربية في عصرنا إلى حسن استعمال هذه الكلمة في لغة التنزيل، بل ظلّت الكلمة على ما نعرف من دلالة الخديعة والاحتيال. ١١- وقال تعالى: ضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ أَيْنَ ما ثُقِفُوا إِلَّا بِحَبْلٍ مِنَ اللَّهِ وَحَبْلٍ مِنَ النَّاسِ [الآية ١١٢] . الفعل «ثقف» بهذه الدلالة عرفته لغة التنزيل في ست آيات، في أربع منها جاء مبنيا للمعلوم، وفي اثنتين ورد

стр. 355

مبنيا للمجهول، والآية التي ذكرناها إحدى هاتين، والفعل فيها بمعنى الوجود. وقد كنا أشرنا إلى هذا بإيجاز كما في الآية ١٩١ من سورة البقرة: وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ أي: حيث وجدتموهم وقوله تعالى: ضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ أَيْنَ ما ثُقِفُوا بمعنى أينما وجدوا. أقول: لم يبق هذا الفعل بهذه الدلالة في العربية المعاصرة، على أننا لا نجده بهذه الدلالة في العربية القديمة، ولم يرد من ذلك إلا بيت واحد ذكره أهل المعجمات غير منسوب إلى قائل. إن هذا يعني أن لغة القرآن قد أكدت هذا الفعل بهذا المعنى الواضح. أما دلالة الفعل الأخرى فهي قولنا: ثقف الشيء ثقفا وثقافا وثقوفة، أي: حذقه. ورجل بيّن الثّقافة وهو ثقف وثقف إذا كان ضابطا لما يحويه قائما به. وثقف الخلّ ثقافة فهو ثقف وثقيف، أي: حذق وحمض جدا. والثّقافة والثّقافة: العمل بالسيف. والثّقاف: ما تسوّى به الرماح، وتثقيفها تسويتها. أقول: هذا أكثر ما أثر في العربية من هذه الكلمة فما حالها اليوم. لعل من حياة المواد اللغوية، والمسيرة التي تنتابها، ما يذكّرنا بمختلف نماذج الكائن الحي في دنيانا هذه، فمن نشأة وحياة واستمرار إلى نكوص وانزواء ففناء، أو إلى استحالة أخرى تقطع الصلة بين الأول والآخر. ولعل من هذا أيضا ما كتب لمادة «الثقافة» في عصرنا هذا. إن «الثقافة» ، في موادنا اللغوية المعاصرة، كلمة ذات مدلول كبير واسع، يتصل بالحضارة والفكر والعلم والخلق وسائر ضروب السلوك البشري. ولعل من الصعب أن يصار إلى تعريفها تعريفا يستوفى فيه ما يجب أن يشتمل عليه. وما كان لهذه الكلمة أن تنال ما نالته لولا الأثر الأجنبي، الذي عرض لما يحزبنا نحن العرب في شؤون الفكر والعلم، وسائر مواد الحضارة المعاصرة. إن هذا الأثر الأجنبي هو ما نعانيه من الرغبة في ترجمة المعاني الأجنبية، وأخصّ منها الغربية في عصرنا الحديث. لقد واجه أهل الفكر في عصرنا مادة: وعرفوا شيئا من

стр. 356

دلالاتها في اللغات الغربية، وقد أفضى إلى هذه الدلالات، من غير شك، علاقات عدة هي المشابهة والقرينة، كما أفضى إليها التطور اللغوي التاريخي، الذي يندرج في حقول مختلفة. إذا كانت هذه الكلمة تعني «الفلاحة» ، أو «الزراعة» ، فلا شك أنها، بسبب من المشابهة بعد مسيرة تطورية، إنما تعني التربية والسلوك والمرانة. ومن أجل هذا، اقتضى جماع هذه المواد والأفكار أن يثقل رصيد هذه الكلمة ويزداد ثقلا يوما بعد يوم. فماذا صنع المترجمون العرب؟ لقد أخذوا هذه الكلمة الواسعة فنظروا إليها بما يخدم السلوك والتربية، فدخلت في عداد المعجم التربوي التعليمي، ثم كتب لها أن تتسع فتغزو دوائر أخرى. ثم كيف اختاروا مادة «ثقف» للدلالة الجديدة الوافدة؟ لقد وجدوا أن في هذه المادة العربية كلمة «ثقاف» ، وهو من أسماء الآلات والأدوات، والثّقاف ما تقوّم به الرماح وتسوّى، فاشتقوا منه مصدرا هو «الثقافة» ، لما في الأصل، وهو اسم الآلة، من معنى التقويم والتسوية والتعديل، وكل ذلك يدخل في معاني التربية القائمة على تقويم السلوك البشري. وعلى هذا نستطيع أن نقول: إن العربية البدوية، بثروتها القديمة ذات الأصول البدوية، قد أمدّت العربية الحضارية بمصدر لغوي كبير، أفضى إلى مواد الحضارة المشهورة، كالعقل والحكمة، والحكم والحكومة، والنقد والبناء، والجمال وغير ذلك مما عرف في المعاني الحضارية. ولو أنك أعملت الفكر لاهتديت بيسر إلى تلك الأصول البدوية التي أوشك أن يمحي أثرها. ١٢- وقال تعالى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا بِطانَةً مِنْ دُونِكُمْ لا يَأْلُونَكُمْ خَبالًا [الآية ١١٨] . أريد أن أقف على الفعل «ألا، يألو» . قالوا: ألا يألو ألوا وألوّا وأليّا، وألّى يؤلّي تألية. ومثلهما ائتلى بمعنى قصّر وأبطأ، قال:

стр. 357

وإنّ كنائني لنساء صدق ... فما ألّى بنيّ ولا أساؤوا والعرب تقول: أتاني فلان في حاجة فما ألوت ردّه، أي: ما استطعت. وأتاني في حاجة فألوت فيها، أي: اجتهدت. وقال الأصمعي: يقال: ما ألوت جهدا، أي: لم أدع جهدا. وقوله تعالى: لا يَأْلُونَكُمْ خَبالًا الآية، أي: لا يقصّرون في فسادكم. وقولهم: لا آلوك نصحا ولا آلوك جهدا، والمعنى: لا أمنعك نصحا ولا أنقصكه. أقول: هذا هو المعنى الذي ما نزال نستعمله في عربيتنا المعاصرة فنقول: فلان لا يألو جهدا في عمله، أي: لا يقصر، ولا ينقص من جهده. ولكني أميل إلى أن أقرر أن المعاصرين التزموا، في عربيتهم المعاصرة، في الألفاظ والجمل والأبنية والصفات، نماذج لا يحيدون عنها قيد أنملة، وكأنّ العربية خلت من وجوه القول في هذه المسألة إلا ما ألفوا استعماله وسنشير إلى هذا الالتزام كلما عرض شيء من ذلك. ألا ترى أنهم لزموا في الاستعمال الفعل المضارع المنفي ب «لا» ، ولم يدركوا أن الماضي «ألا» قد استعمله أهل الفصاحة طوال العصور. ولعل نفرا من العارفين بشيء من العلم اللغوي يقولون: «لم يأل جهدا» إذا ما أرادوا المضيّ. وكنا قد مررنا بإيجاز على هذه المادة الغنية المعطاء. ١٣- وقال تعالى: إِذْ هَمَّتْ طائِفَتانِ مِنْكُمْ أَنْ تَفْشَلا وَاللَّهُ وَلِيُّهُما [الآية ١٢٢] . أقول: لنا في هذه الآية قولان: الأول في كلمة «همّت» ، والثاني في قوله: «تفشلا» . فأما الأول، فقد قالوا: همّ بالشيء يهمّ همّا: نواه وأراده وعزم عليه. وأهمّه الأمر: أقلقه وحزنه. وقوله تعالى: وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ وَهَمَّ بِها لَوْلا أَنْ رَأى بُرْهانَ رَبِّهِ [يوسف/ ٢٤] . غير أني أريد أن أشير إلى الفعل «همّ» في الآية ١٢٢ من سورة آل عمران. في قوله: إِذْ هَمَّتْ طائِفَتانِ مِنْكُمْ أَنْ تَفْشَلا ومثله في [الآية ١١٣

стр. 358

من سورة النساء] : وَلَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ وَرَحْمَتُهُ لَهَمَّتْ طائِفَةٌ مِنْهُمْ أَنْ يُضِلُّوكَ. إن الفعل «همّ» ، في كلتا الآيتين، قد أتبع بالمصدر المؤوّل من «أن والفعل» ، وهذا الاستعمال يذكّرنا بطائفة من الأفعال، أفرد لها النحاة بابا أسموه أفعال المقاربة والرجاء والشروع، وهي كاد وكرب وأوشك، وعسى وحرى واخلولق، وجعل وأخذ وشرع وقام وأنشأ ونحوها. قلت: إن الفعل «همّ» في الآيتين يذكرنا بهذه الأفعال في استعمالها من حيث أنها يليها «أن والفعل» «١» . ألا ترى أن في قوله تعالى إِذْ هَمَّتْ طائِفَتانِ شيئا من معنى «أوشك» واستعمالها واحد. وكان على النحاة الأوائل أن يقفوا على هذا الاستعمال، ويشيروا إلى هذه العلاقة كما أفصحت عنها لغة التنزيل العزيز. وأما القول الثاني، فهو في معنى «الفشل» ، لقد قالوا: الفشل: الرجل الضعيف الجبان، وفشل الرجل فشلا، أي: كسل وضعف وتراخى وجبن ... وعلى هذا يخرّج الفعل في الآية المذكورة. ومثله في قوله تعالى: حَتَّى إِذا فَشِلْتُمْ وَتَنازَعْتُمْ فِي الْأَمْرِ [الآية ١٥٢] . وقوله تعالى: وَلَوْ أَراكَهُمْ كَثِيراً لَفَشِلْتُمْ وَلَتَنازَعْتُمْ فِي الْأَمْرِ [الأنفال/ ٤٣] . وقوله تعالى: وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلا تَنازَعُوا فَتَفْشَلُوا [الأنفال/ ٤٦] . أقول: فكيف آل الفعل في العربية المعاصرة؟ لقد صار الفعل «فشل» ، بمعنى خاب وأخفق في مسعاه، يقال: فشل الولد في المدرسة، وفشل المشروع الفلاني، وفشلت التجربة. أيكون هذا التحول في المعنى والدلالة ضربا من الاتساع صارت

стр. 359

الكلمة به تعني الإخفاق والخيبة من الضعف والجبن والتراخي؟ «١» . ١٤- وقال تعالى: بَلى إِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا وَيَأْتُوكُمْ مِنْ فَوْرِهِمْ هذا [الآية ١٢٥] . قال الزمخشري: مِنْ فَوْرِهِمْ هذا من قولك: قفل من غزوته، وخرج من فوره إلى غزوة أخرى، وجاء فلان ورجع من فوره. ومنه قول أبي حنيفة، ﵀: الأمر على الفور لا على التراخي، وهو مصدر من: فارت القدر، إذا غلت، فاستعير للسرعة، ثم سمّيت به الحالة التي لا ريث فيها، ولا تفريج على شيء من صاحبها. فقيل: خرج من فوره، كما تقول: خرج من ساعته، لم يلبث. أقول: إن الاستعمال الجديد في العربية المعاصرة «على الفور» في قولهم مثلا: جاء فلان وخرج على الفور، أو فورا، ليس جديدا ذلك أن العربية في العصر العباسي عرفت هذا ودليلنا قول أبي حنيفة المذكور قبل قليل.

стр. 360

المبحث السادس المعاني اللغوية في سورة «آل عمران» «١» أما قوله: الْحَيُّ الْقَيُّومُ (٢) فإنّ الْقَيُّومُ على زنة: «الفيعول» ولكن الياء الساكنة إذا كانت قبل واو متحركة قلبت الواو ياء. وأصله «القيووم» و «الدّيّان» : «الفيعال» و «الدّيّار» : «الفيعال» وهي من «دار» «يدور» وأصله «الديوار» ولكن الواو قلبت ياء. وأما مُصَدِّقاً لِما بَيْنَ يَدَيْهِ [الآية ٣] فنصب على الحال. وقال: هُدىً لِلنَّاسِ [الآية ٤] ف هُدىً في موضع نصب على الحال ولكن هدى مقصور فهو متروك على حال واحد. وقال هُنَّ أُمُّ الْكِتابِ [الآية ٧] ولم يقل: «أمهات» كما تقول للرجل: «ما لي نصير» فيقول: «نحن نصيرك» وهو يشبه «دعني من تمرتان» . قال «٢» [من الرجز وهو الشاهد الثاني والخمسون بعد المائة] : تعرّضت لي بمكان حلّ ... تعرّض المهرة في الطول تعرّضا لم تأل عن قتلا لي «٣» فجعله على الحكاية لأنه كان منصوبا

стр. 361

قبل ذلك كما ترى، كما تقول: «نودي» «الصلاة الصلاة» «أي: تحكي قوله: «الصلاة الصلاة» وقال بعضهم «١» : إنّما هي «أن قتلا لي» ولكنه جعله عينا لأنّ من لغته في «أن» «عن» «٢» . والنصب على الأمر كأنك قلت: «ضربا لزيد» . وقال: كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنا [الآية ٧] لأن «كلّ» قد يضمر فيها كما قال: إِنَّا كُلٌّ فِيها [غافر/ ٤٨] يريد: كلّنا فيها. ولا تكون «كلّ» مضمرا فيها وهي صفة انما تكون مضمرا فيها إذا جعلتها اسما فلو كان «إنّا كلّا فيها» على الصفة لم يجز لأن الإضمار فيها ضعيف لا يتمكن في كل مكان. وقال: كَدَأْبِ آلِ فِرْعَوْنَ [الآية ١١] يقول: «كدأبهم في الشرّ» من «دأب» «يدأب» «دأبا» . وقال: قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا سَتُغْلَبُونَ وَتُحْشَرُونَ إِلى جَهَنَّمَ [الآية ١٢] أي: أنّكم ستغلبون. كما تقول: «قل لزيد» : «سوف تذهب» أي: أنّك سوف تذهب. وقال بعضهم: (سيغلبون) «٣» أي: قل لهم الذي أقول. والذي أقول لهم «سيغلبون» . وقال: قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ ما قَدْ سَلَفَ وَإِنْ يَعُودُوا [الأنفال/ ٣٨] فهذا لا يكون إلا بالياء في القرآن لأنه قال: يُغْفَرْ لَهُمْ «٤» . ولو كان بالتاء قال: (يغفر لكم) «٥» وهو في الكلام جائز

стр. 362

بالتاء. وتجعلها «لكم» كما فسرت لك. وقال: قَدْ كانَ لَكُمْ آيَةٌ فِي فِئَتَيْنِ الْتَقَتا فِئَةٌ تُقاتِلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَأُخْرى كافِرَةٌ [الآية ١٣] على الابتداء رفع، كأنه قال: «إحداهما فئة تقاتل في سبيل الله» «١» وقرئت جرّا على أول الكلام على البدل «٢» وذلك جائز. قال الشاعر «٣» [من الطويل وهو الشاهد الثالث والخمسون بعد المائة] : وكنت كذي رجلين: رجل صحيحة ... ورجل بها ريب من الحدثان «٤» فرفع. ومنهم من يجرّ على البدل ومنهم من يرفع على: إحداهما كذا وإحداهما كذا. وقال الشاعر [من الطويل وهو الشاهد الرابع والخمسون بعد المائة] . [و] إنّ لها جارين لن يغدرا بها ... ربيب النبيّ وابن خير الخلائف «٥» رفع، والنصب على البدل. وقال تعالى: هذا ذِكْرٌ وَإِنَّ لِلْمُتَّقِينَ لَحُسْنَ مَآبٍ (٤٩) جَنَّاتِ عَدْنٍ [ص] وان شئت جعلت «جنات» على البدل أيضا. وان شئت رفعت على خبر «إنّ» ، أو على «هنّ جنّات» فيبتدأ به. وهذا لا يكون على «إحداهما كذا» لأن ذلك المعنى ليس فيه هذا ولم يقرأه أحد بالرفع «٦» . وقال تعالى: وَجَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكاءَ الْجِنَّ [الأنعام/ ١٠٠] فنصب على البدل «٧» وقد يكون فيه الرفع على «هم الجنّ» «٨» .

стр. 363

وقال تعالى: وَكَذلِكَ جَعَلْنا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا شَياطِينَ الْإِنْسِ [الأنعام/ ١١٢] على البدل ورفع على «هم شياطين» كأنه إذا رفع قيل له، أو علم أنه يقال له «ما هم» ؟ أو «من هم» فقال: «هم كذا وكذا» . وإذا نصب فكأنه قيل له أو علم أنه يقال له «جعل ماذا» أو «جعلوا ماذا» أو يكون فعلا واقعا بالشياطين عَدُوًّا حالا، ومثله كَلَّا لَئِنْ لَمْ يَنْتَهِ لَنَسْفَعاً بِالنَّاصِيَةِ (١٥) ناصِيَةٍ كاذِبَةٍ [العلق] كأنه قيل أو علم ذلك فقال «بناصية» «١» وقد يكون فيه الرفع على قوله: «ما هي» فيقول (ناصية) «٢» والنصب على الحال. قال الشاعر [من البسيط وهو الشاهد الخامس والخمسون بعد المائة] : إنّا وجدنا بني جلّان كلّهم ... كساعد الضّبّ لا طول ولا عظم «٣» على البدل أي ك «لا طول ولا عظم» ومثل الابتداء قُلْ أَفَأُنَبِّئُكُمْ بِشَرٍّ مِنْ ذلِكُمُ النَّارُ [الحج/ ٧٢] . وقوله: قُلْ أَأُنَبِّئُكُمْ بِخَيْرٍ مِنْ ذلِكُمْ لِلَّذِينَ اتَّقَوْا عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها وَأَزْواجٌ مُطَهَّرَةٌ [الآية ١٥] كأنه قيل لهم: «ماذا لهم» ؟ و «ما ذاك» ؟ فقيل: «هو كذا وكذا» . وأمّا بِشَرٍّ مِنْ ذلِكَ مَثُوبَةً عِنْدَ اللَّهِ [المائدة/ ٦٠] فإنما هو على «أنبّئكم بشرّ من ذلك حسبا» و «بخير من ذلك حسبا» . وقوله: مَنْ لَعَنَهُ اللَّهُ [المائدة/ ٦٠] موضع جرّ على البدل من قوله بِشَرٍّ ورفع على «هو من لعنه الله» . قال تعالى: وَاللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الْمَآبِ [الآية ١٤] مهموز منها موضع الفاء لأنه من «آب» «يؤوب» وهي معتلة العين مثل «قلت» «تقول» «والمفعل» «مقال» . تقول: «آب» «يؤوب» «إيابا» قال الله تعالى: إِنَّ إِلَيْنا إِيابَهُمْ (٢٥) [الغاشية] وهو الرجوع. قال الشاعر «٤» [من الطويل وهو الشاهد السادس والخمسون بعد المائة] :

стр. 364

فألقت عصاها واستقرّ بها النّوى ... كما قرّ عينا بالإياب المسافر وأمّا «الأوّاب» فهو الراجع إلى الحق وهو من: «آب» «يؤوب» أيضا. وأمّا قوله تعالى: يا جِبالُ أَوِّبِي مَعَهُ [سبأ/ ١٠] ، فهو كما يذكرون التسبيح أو هو- والله أعلم- مثل الأوّل يقول: «ارجعي إلى الحقّ» و «الأوّاب» الراجع إلى الحقّ. وقال تعالى: الصَّابِرِينَ [الآية ١٧] الى قوله وبِالْأَسْحارِ [الآية ١٧] موضع جر على لِلَّذِينَ اتَّقَوْا [الآية ١٥] فجرّ بهذه اللام الزائدة. وقال: شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلائِكَةُ وَأُولُوا الْعِلْمِ قائِماً بِالْقِسْطِ [الآية ١٨] إنما هو «شهدوا أنّه لا إله إلّا هو قائما بالقسط» نصب قائِماً على الحال. وقال: إِلَّا مِنْ بَعْدِ ما جاءَهُمُ الْعِلْمُ بَغْياً بَيْنَهُمْ [الآية ١٩] يقول وَمَا اخْتَلَفَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ [الآية ١٩] بَغْياً بَيْنَهُمْ إِلَّا مِنْ بَعْدِ ما جاءَهُمُ الْعِلْمُ [الآية ١٩] «١» . وقال: لا يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكافِرِينَ [الآية ٢٨] بكسر يَتَّخِذِ لأنه لقيته لام ساكنة وهي نهي فكسرته. وقال الله تعالى: تَوَدُّ لَوْ أَنَّ بَيْنَها وَبَيْنَهُ أَمَداً بَعِيداً [الآية ٣٠] لأنّ «البين» هاهنا ظرف وليس باسم. ولو كان اسما لارتفع «الأمد» . فإذا جئت بشيء هو ظرف للآخر وأوقعت عليه حروف النصب فانصب نحو قولك: «إنّ عندنا زيدا» لان «عندنا» ليس باسم ولو قلت: «إنّ الذي عندنا» قلت: «زيد» لأن «الذي عندنا» اسم. وقال تعالى: ذُرِّيَّةً بَعْضُها مِنْ بَعْضٍ [الآية ٣٤] فنصبه على الحال «٢» : ويكون على البدل «٣» على قوله: إِنَّ اللَّهَ اصْطَفى آدَمَ [الآية ٣٣] وقال تعالى: إِذْ قالَتِ امْرَأَتُ عِمْرانَ رَبِّ إِنِّي نَذَرْتُ لَكَ ما فِي بَطْنِي مُحَرَّراً [الآية ٣٥] فقوله مُحَرَّراً على الحال. وقال تعالى:

стр. 365

فَتَقَبَّلَها رَبُّها بِقَبُولٍ حَسَنٍ وَأَنْبَتَها نَباتاً حَسَناً وَكَفَّلَها زَكَرِيَّا [الآية ٣٧] «١» وقال بعضهم (وكفلها «٢» زكرياء «٣» ) و (كفلها) «٤» ايضا زَكَرِيَّا «٥» وبه نقرأ وهما لغتان «٦» وقال بعضهم (وكفلها زكرياء) بكسر الفاء. ومن قال: «كفل» قال «يكفل» ومن قال «كفل» قال «٧» «يكفل» . وأما «كفل» فلم أسمعها وقد ذكرت «٨» . وقال الله تعالى: رَبِّ هَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ ذُرِّيَّةً طَيِّبَةً [الآية ٣٨] لأن النون [في «لدن» ] ساكنة مثل نون «من» وهي تترك على حال جزمها في الاضافة لأنها ليست من الأسماء التي تقع عليها الحركة، ولذلك قال: مِنْ لَدُنَّا [النساء/ ٦٧] «٩» ، وقال تعالى مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ عَلِيمٍ [النمل/ ٦] فتركت ساكنة.

стр. 366

وقال تعالى: يَرْزُقُ مَنْ يَشاءُ بِغَيْرِ حِسابٍ [الآية ٣٧] فهذا مثل كلام العرب «يأكل بغير حساب» أي: لا يتعصّب عليه ولا يضيّق عليه. وسَرِيعُ الْحِسابِ «١» وأَسْرَعُ الْحاسِبِينَ [الأنعام/ ٦٢] يقول: «ليس في حسابه فكر ولا روية ولا تذكّر» . وقال تعالى: إِنَّكَ سَمِيعُ الدُّعاءِ (٣٨) مثل «كثير الدّعاء» لأنه يجوز فيه الألف واللام تقول: «أنت السّميع الدّعاء» ومعناه «إنّك مسموع الدّعاء» أي: «إنّك تسمع ما يدعى به» . وقال تعالى: فَنادَتْهُ الْمَلائِكَةُ وَهُوَ قائِمٌ يُصَلِّي فِي الْمِحْرابِ أَنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكَ [الآية ٣٩] «٢» . ويقول من كسر همزة «إنّ» : لأنّه كأنه قال فَنادَتْهُ الْمَلائِكَةُ فقالت: (إنّ الله يبشّرك) وما بعد القول حكاية. وقال بعضهم أَنَّ اللَّهَ «٣» يقول: «فنادته الملائكة بذلك» . وقال تعالى: بِيَحْيى مُصَدِّقاً بِكَلِمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَسَيِّداً وَحَصُوراً [الآية ٣٩] وقوله وَسَيِّداً وَحَصُوراً معطوف على «مصدّقا» على الحال. وقال تعالى: وَقَدْ بَلَغَنِيَ الْكِبَرُ [الآية ٤٠] كما تقول «وقد بلغني الجهد» أي: أنا في الجهد والكبر. وقال: ثَلاثَةَ أَيَّامٍ إِلَّا رَمْزاً [الآية ٤١] يريد: «أن لا تكلّم الناس إلّا رمزا» وجعله استثناء خارجا من أول الكلام «٤» . والرمز: الإيماء. وقال: وَإِذْ قالَتِ الْمَلائِكَةُ يا مَرْيَمُ [الآية ٤٢] ف «إذ» ها هنا ليس له خبر في اللفظ. وقوله: إِذْ قالَتِ الْمَلائِكَةُ يا مَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكِ [الآية ٤٥] ويَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ ما عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُحْضَراً [الآية ٣٠] وأشباه هذا في «إذ» و «الحين» وفي «يوم» كثير. وإنما حسن ذلك للمعنى،

стр. 367

لأن القرآن انما أنزل على الأمر والذي كأنه قال لهم: «اذكروا كذا وكذا» وهذا في القرآن وارد في غير موضع و «اتّقوا يوم كذا» أو «حين كذا» . وقال الله تعالى: إِذْ يُلْقُونَ أَقْلامَهُمْ أَيُّهُمْ يَكْفُلُ مَرْيَمَ [الآية ٤٤] لأنّ كل ما كان من طلب العلم فقد يقع بعده الاستفهام. تقول: «أزيد في الدّار» ؟ و: «لتعلمنّ أزيد في الدّار» . وقال: لِنَعْلَمَ أَيُّ الْحِزْبَيْنِ [الكهف/ ١٢] أي: لننظر. وقال تعالى: لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا [هود/ ٧ والملك/ ٢] وأمّا قوله: ثُمَّ لَنَنْزِعَنَّ مِنْ كُلِّ شِيعَةٍ أَيُّهُمْ أَشَدُّ عَلَى الرَّحْمنِ عِتِيًّا (٦٩) [مريم] فلم يرتفع على مثل ما ارتفع عليه الأول لأن قوله لَنَنْزِعَنَّ ليس بطلب علم. ولكن لما فتحت «من» و «الذي» في غير موضع «أي» ، صارت غير متمكّنة، إذ فارقت أخواتها تركت على لفظ واحد وهو الضم «١» وليس بإعراب. وجعل أَشَدُّ من صلتها وقد نصبها قوم وهو قياس «٢» . وقالوا: «إذا تكلّم بها فإنّه لا يكون فيها إلّا الإعمال» . وقد قرئ (تماما على الذي أحسن) [الأنعام/ ١٥٤] برفع «أحسن» وجعله من صلة «الذي» «٣» وفتحه على الفعل أحسن «٤» . وزعموا ان بعض العرب قال: «ما أنا بالّذي قائل لك شيئا» فهذا الوجه لا يكون للاثنين إلا «ما نحن باللّذين قائلان لك شيئا» . وقال تعالى: اسْمُهُ الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ وَجِيهاً [الآية ٤٥] نصبه على الحال وَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ [الآية ٤٥] عطفه على وَجِيهاً وكذلك وَكَهْلًا [الآية ٤٦] معطوف على وَجِيهاً لأن ذلك منصوب. وأما قوله تعالى: بِكَلِمَةٍ مِنْهُ اسْمُهُ الْمَسِيحُ [الآية ٤٥] فانه جعل «الكلمة» هي «عيسى» لأنه في المعنى

стр. 368

كذلك كما قال: أَنْ تَقُولَ نَفْسٌ يا حَسْرَتى [الزمر/ ٥٦] ثم قال: بَلى قَدْ جاءَتْكَ آياتِي فَكَذَّبْتَ بِها [الزمر/ ٥٩] وكما قالوا: «ذو الثديّة» لأن يده كانت مثل الثدي. كانت قصيرة قريبة من ثديه «١» فجعلها كأن اسمها «ثديّة» ولولا ذلك لم تدخل الهاء في التصغير. وأما قوله: كَذلِكِ اللَّهُ [الآية ٤٧] فكسر الكاف لأنها مخاطبة امرأة. وإذا كانت الكاف للرجل فتحت. قال للمؤنث وَاسْتَغْفِرِي لِذَنْبِكِ إِنَّكِ كُنْتِ مِنَ الْخاطِئِينَ [يوسف/ ٢٩] . وقوله: وَيُعَلِّمُهُ الْكِتابَ وَالْحِكْمَةَ «٢» [الآية ٤٨] موضع نصب على وَجِيهاً. ورَسُولًا [الآية ٤٩] معطوف على وَجِيهاً. وقال تعالى: وَمُصَدِّقاً لِما بَيْنَ يَدَيَّ [الآية ٥٠] على قوله وَجِئْتُكُمْ [الآية ٥٠] مُصَدِّقاً لِما بَيْنَ يَدَيَّ [الآية ٥٠] لأنّه قال: قَدْ جِئْتُكُمْ بِآيَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ [الآية ٤٩] . وقال: إِنَّ اللَّهَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ [الآية ٥١] ف إِنَّ على الابتداء «٣» . وقال بعضهم: (أن) «٤» فنصب على «وجئتكم بأنّ الله ربّي وربّكم» هذا معناه. وقال تعالى: فَلَمَّا أَحَسَّ عِيسى مِنْهُمُ الْكُفْرَ [الآية ٥٢] لأنّ هذا من: «أحسّ» «يحسّ» «إحساسا» وليس من قوله تَحُسُّونَهُمْ بِإِذْنِهِ [الآية ١٥٢] إذ ذلك من «حسّ» «يحسّ» «حسّا» وهو في غير معناه لأن معنى «حسست» قتلت، و «أحسست» هو: ظننت «٥» . وقال تعالى: ثُمَّ قالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ [الآية ٥٩] رفع على الابتداء ومعناه: «كن» «فكان» كأنّه قال: «فإذا هو كائن» . وقال: الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَلا تَكُنْ مِنَ الْمُمْتَرِينَ (٦٠) يقول: «هو الحقّ من ربّك» .

стр. 369

وقال : يا أَهْلَ الْكِتابِ تَعالَوْا إِلى كَلِمَةٍ سَواءٍ بَيْنَنا وَبَيْنَكُمْ [الآية ٦٤] فجر سَواءٍ «١» لأنها من صفة الكلمة وهو «العدل» «٢» . أراد «مستوية» ولو أراد «استواء» لكان النصب «٣» . وإن شاء ان يجعله على الاستواء ويجرّ جاز، ويجعله من صفة الكلمة مثل «الخلق» ، لأن «الخلق» قد يكون صفة ويكون اسما، قال الله تعالى: الَّذِي جَعَلْناهُ لِلنَّاسِ سَواءً الْعاكِفُ فِيهِ وَالْبادِ [الحج/ ٢٥] لأن «السّواء» للآخر وهو اسم ليس بصفة فيجري على الأول، وذلك إذا أراد به الاستواء. فان أراد «مستويا» جاز أن يجري على الأول، فالرفع في ذا المعنى جيد لأنها صفة لا تغير عن حالها ولا تثنّى ولا تجمع على لفظها ولا تؤنّث، فأشبهت الأسماء. وقال تعالى: أَنْ نَجْعَلَهُمْ كَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ سَواءً مَحْياهُمْ وَمَماتُهُمْ [الجاثية/ ٢١] ف «السواء» للمحيا والممات، فهذا المبتدأ. وإن شئت أجريته على الأول وجعلته صفة مقدمة من سبب الأول فجرى عليه، فهذا إذا جعلته في معنى مستو فالرفع وجه الكلام كما فسرته لك من قوله أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ [الآية ٦٤] فهو بدل كأنه قال «تعالوا إلى أن لا نعبد إلّا الله» . وقال : وَلا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ وَلا يَنْظُرُ إِلَيْهِمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ [الآية ٧٧] فهذا مثل قولك للرجل «ما تنظر إليّ» إذا كان لا ينيلك شيئا. وقال تعالى: آمِنُوا بِالَّذِي أُنْزِلَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَجْهَ النَّهارِ وَاكْفُرُوا آخِرَهُ [الآية ٧٢] جعله ظرفا. وقال تعالى: أَنْ يُؤْتى أَحَدٌ مِثْلَ ما أُوتِيتُمْ [الآية ٧٣] يقول: وَلا تُؤْمِنُوا إِلَّا لِمَنْ تَبِعَ دِينَكُمْ قُلْ إِنَّ الْهُدى هُدَى اللَّهِ أَنْ يُؤْتى أَحَدٌ مِثْلَ ما أُوتِيتُمْ أَوْ يُحاجُّوكُمْ عِنْدَ رَبِّكُمْ [الآية ٧٣] أي: ولا تؤمنوا أن يحاجّوكم «٤» . وقال تعالى: إِلَّا ما دُمْتَ عَلَيْهِ قائِماً [الآية ٧٥] لأنّها من «دمت»

стр. 370

«تدوم» . ولغة للعرب «١» «دمت» وهي قراءة «٢» مثل «متّ» «تموت» جعله على «فعل» «يفعل» فهذا قليل. وقال تعالى: بِدِينارٍ [الآية ٧٥] أي: على دينار كما تقول: «مررت به» و «عليه» . وقال تعالى: يَلْوُونَ أَلْسِنَتَهُمْ بِالْكِتابِ [الآية ٧٨] بفتح الياء «٣» . وقال (يلوّون) «٤» بضم الياء وأحسبها يَلْوُونَ، لأنّه قال لَيًّا بِأَلْسِنَتِهِمْ [النساء/ ٤٦] «٥» فلو كان من (يلوّون) لكانت «تلوية بألسنتهم» . وقال تعالى: ثُمَّ يَقُولَ لِلنَّاسِ [الآية ٧٩] نصب على ما كانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُؤْتِيَهُ اللَّهُ [الآية ٧٩] ثُمَّ يَقُولَ لِلنَّاسِ لأنّ «ثمّ» من حروف العطف. ووَ لا يَأْمُرَكُمْ [الآية ٨٠] أيضا معطوف بالنّصب على أَنْ وإن شئت رفعت تقول (ولا يأمركم) لا تعطفه على الأوّل تريد: هو لا يأمركم «٦» . قال الله تعالى: لَما آتَيْتُكُمْ مِنْ كِتابٍ وَحِكْمَةٍ ثُمَّ جاءَكُمْ رَسُولٌ مُصَدِّقٌ لِما مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ [الآية ٨١]

стр. 371

فاللام التي مع «ما» في أول الكلام هي لام الابتداء نحو «لزيد أفضل منك» ، لأن (ما آتيتكم) اسم والذي بعده صلة. واللام التي في لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنْصُرُنَّهُ [الآية ٨١] لام القسم كأنه قال «والله لتؤمننّ به» فوكد في أول الكلام وفي آخره، كما تقول: «أما والله أن لو جئتني لكان كذا وكذا» ، وقد يستغنى عنها. ووكّد في لَتُؤْمِنُنَّ باللام في آخر الكلام وقد يستغنى عنها. جعل خبر (ما آتيتكم من كتاب وحكمة) لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ مثل «ما لعبد الله؟ والله لتأتينّه» . وإن شئت جعلت خبر (ما) مِنْ كُتُبٍ تريد (لما آتيتكم كتاب وحكمة) وتكون «من» زائدة «١» . وقال تعالى: مِلْءُ الْأَرْضِ ذَهَباً [الآية ٩١] مهموزة من «ملأت» وانتصب (ذهبا) كما تقول: «لي مثلك رجلا» أي: لي مثلك من الرجال، وذلك لأنك شغلت الاضافة بالاسم الذي دون «الذهب» وهو «الأرض» ثم جاء «الذهب» وهو غيرها فانتصب كما ينتصب المفعول إذا جاء من بعد الفاعل. وهكذا تفسير الحال، لأنك إذا قلت: «جاء عبد الله راكبا» فقد شغلت الفعل «٢» ب «عبد الله» وليس «راكب» من صفته لأن هذا نكرة وهذا معرفة. وإنما جئت به لتجعله اسما للحال التي جاء فيها. فهكذا تفسيره، وتفسير «هذا أحسن منك وجها» ، لأن «الوجه» غير الكاف التي وقعت عليها «من» و «أحسن» في اللفظ إنّما هو الذي تفضله ف «الوجه» غير ذينك في اللفظ. فلما جاء بعدهما وهو غيرهما، انتصب انتصاب «٣» المفعول به بعد الفاعل. وقال تعالى: كُلُّ الطَّعامِ كانَ حِلًّا لِبَنِي إِسْرائِيلَ [الآية ٩٣] لأنه يقال: «هذا حلال» و: «هذا حلّ» ، و «هذا حرام» و «هذا حرم» ويقال

стр. 372

وَحَرامٌ عَلى قَرْيَةٍ [الأنبياء/ ٩٥] «١» ويقال «وحرم على قرية» «٢» وتقول: «حرم عليكم ذاك» ولو قال «وحرم على قرية» «٣» كان جائزا [ولو قال] «وحرم على قرية» «٤» كان جائزا أيضا. قال الله تعالى: فَاتَّبِعُوا مِلَّةَ إِبْراهِيمَ حَنِيفاً [الآية ٩٥] نصب على الحال. وقال تعالى: إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ [الآية ٩٦] فهذا خبر «إنّ» . ثم قال: مُبارَكاً [الآية ٩٦] لأنه قد استغنى عن الخبر «٥» ، وصار مُبارَكاً نصبا على الحال. وَهُدىً لِلْعالَمِينَ [الآية ٩٦] في موضع نصب عطف عليه. والحال في القرآن كثير، ولا يكون إلا في موضع استغناء. وقال تعالى: فِيهِ آياتٌ بَيِّناتٌ مَقامُ إِبْراهِيمَ [الآية ٩٧] فرفع مَقامُ إِبْراهِيمَ لأنه يقول: فِيهِ آياتٌ بَيِّناتٌ منها مَقامُ إِبْراهِيمَ على الإضمار «٦» . وقال الله تعالى: وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْداءً [الآية ١٠٣] على التفسير بقطع الكلام عند قوله اذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ ثم فسر آية التأليف بين قلوبهم وأخبر بالذي كانوا فيه قبل التأليف، كما تقول «أسمك الحائط أن يميل» .

стр. 373

وَكُنْتُمْ عَلى شَفا حُفْرَةٍ [الآية ١٠٣] ف «الشّفا» مقصور مثل «القفا» وتثنيته بالواو تقول: «شفوان» لأنه لا يكون فيه الإمالة «١» ، فلما لم تجيء فيه الإمالة عرفت أنّه من الواو «٢» . وقال تعالى: وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ [الآية ١٠٤] و «أمّة» في اللفظ واحد، في المعنى «٣» جمع، فلذلك قال يَدْعُونَ. وقال : وَلِلَّهِ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ (١٠٩) فثنى الاسم وأظهره، وهذا مثل «أمّا زيد فقد ذهب زيد» . قال الشاعر «٤» [من الخفيف وهو الشاهد السابع والخمسون بعد المائة] : لا أرى الموت يسبق الموت شيء ... نغّص الموت ذا الغنى والفقيرا فأظهر في موضع الإضمار. وقال: لَنْ يَضُرُّوكُمْ إِلَّا أَذىً [الآية ١١١] استثناء يخرج من أول الكلام. وهو كما روى يونس «٥» عن بعض العرب، أنه قال: «ما أشتكي شيئا إلّا خيرا» . ومثله لا يَذُوقُونَ فِيها بَرْداً وَلا شَراباً (٢٤) إِلَّا حَمِيماً وَغَسَّاقاً (٢٥) [النبأ] . وقال: ضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ أَيْنَ ما ثُقِفُوا إِلَّا بِحَبْلٍ مِنَ اللَّهِ [الآية ١١٢] فهذا مثل لَنْ يَضُرُّوكُمْ إِلَّا أَذىً استثناء خارج من أول الكلام في معنى «لكنّ» وليس بأشدّ من قوله لا يَسْمَعُونَ فِيها لَغْواً إِلَّا سَلاماً [مريم/ ٦٢] . وقال: لَيْسُوا سَواءً مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ [الآية ١١٣] لأنه قد ذكرهم ثم فسره فقال: مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ أُمَّةٌ قائِمَةٌ يَتْلُونَ آياتِ اللَّهِ [الآية ١١٣] ولم يقل «وأمّة على خلاف هذه الأمّة» لأنه قد ذكر هذا كله قبل. وقال تعالى: مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ فهذا قد دل على أمة خلاف هذه.

стр. 374

وأما قوله: فَأَمَّا الَّذِينَ اسْوَدَّتْ وُجُوهُهُمْ أَكَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمانِكُمْ [الآية ١٠٦] على «فيقال لهم أكفرتم» . مثل قوله: وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِياءَ ما نَعْبُدُهُمْ [الزمر/ ٣] وهذا في القرآن كثير. وقال تعالى: آناءَ اللَّيْلِ [الآية ١١٣] وواحد «الآناء» مقصور «إنى» فاعلم وقال بعضهم: «إني» كما ترى و «إنو» وهو ساعات الليل. قال الشاعر «١» [من البسيط وهو الشاهد الثامن والخمسون بعد المائة:] السّالك الثّغر مخشيّا موارده ... في كلّ إني قضاه اللّيل ينتعل «٢» قال: وسمعته «يختعل» «٣» . وقال تعالى: كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ [الآية ١١٠] يريد «أهل أمّة» لأنّ الأمّة الطريقة. والأمّة أيضا لغة «٤» . قال النابغة «٥» [من الطويل وهو الشاهد التاسع والخمسون بعد المائة] : حلفت فلم أترك لنفسك ريبة وهل يأثمن ذو أمّة وهو طائع «٦» وقال تعالى: لا يَأْلُونَكُمْ خَبالًا

стр. 375

[الآية ١١٨] لأنها من «ألوت» و «ما آلو» «ألوا» . وقال تعالى: وَدُّوا ما عَنِتُّمْ [الآية ١١٨] يقول لا تَتَّخِذُوا بِطانَةً [الآية ١١٨] وَدُّوا أي: أحبّوا ما عَنِتُّمْ جعله من صفة «البطانة» ، جعل ما عَنِتُّمْ في موضع «العنت» . وقرأ من ذكر في الحاشية: (لا يضركم كيدهم) [الآية ١٢٠] «١» لأنه من «ضار» «يضير» و «ضرته» خفيفة «فأنا أضيره» ، وفي الرسم القرآني: لا يَضُرُّكُمْ «٢» جعله من «ضرّ» «يضرّ» وحرّك للسكون الذي قبله، لأن الحرف الثقيل بمنزلة حرفين، الأول منهما ساكن. وقرأ بعضهم: (لا يضركم) «٣» جعلها من «ضار» «يضور» وهي لغة. وقال تعالى: وَإِذْ غَدَوْتَ مِنْ أَهْلِكَ تُبَوِّئُ الْمُؤْمِنِينَ [الآية ١٢١] لأنها من «بوّأت» و «إذ» ها هنا إنّما خبرها في المعنى كما فسرت لك. وقال: بِخَمْسَةِ آلافٍ مِنَ الْمَلائِكَةِ مُسَوِّمِينَ [الآية ١٢٥] «٤» لأنهم سوّموا الخيل. وقال بعضهم (مسوّمين) معلمين لأنّهم هم سوّموا، وبها قرأ من قرأ «٥» .

стр. 376

أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ أَوْ يُعَذِّبَهُمْ [الآية ١٢٨] على لِيَقْطَعَ طَرَفاً [الآية ١٢٧] عطفه على اللام. وقال تعالى: إِنْ يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ [الآية ١٤٠] «١» قرأ بعضهم (قرح) «٢» مثل «الضعف» و «الضعف» «٣» وتقول منه «قرح» «يقرح» «قرحا» و «هو قرح» . وبعض العرب يقول: «قريح» «٤» مثل «مذل» و «مذيل» . وقال تعالى: فَقَدْ رَأَيْتُمُوهُ وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ [الآية ١٤٣] توكيدا كما تقول: «قد رأيته والله بعيني» و «رأيته عيانا» «٥» . وقال تعالى: أَفَإِنْ ماتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ [الآية ١٤٤] ولم يقل (انقلبتم) فيقطع الألف لأنه جواب المجازاة الذي وقعت عليه إن وحرف الاستفهام قد وقع على إن فلا يحتاج خبره إلى الاستفهام لأن خبرها مثل خبر الابتداء. ألا ترى أنك تقول: «أزيد حسن» ولا تقول: «أزيد أحسن» وقال الله تعالى: أَفَإِنْ مِتَّ فَهُمُ الْخالِدُونَ [الأنبياء/ ٣٤] ولم يقل (أفهم الخالدون) لأنه جواب المجازاة. وقال الله تعالى: وَما كانَ لِنَفْسٍ أَنْ تَمُوتَ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ كِتاباً مُؤَجَّلًا [الآية ١٤٥] فقوله سبحانه كِتاباً مُؤَجَّلًا توكيد، ونصبه على «كتب الله ذلك كتابا مؤجّلا» . وكذلك كل شيء في القرآن من قوله حَقًّا «٦» انما هو «أحقّ ذلك حقّا» . وكذلك وَعَدَ اللَّهُ

стр. 377

[النساء/ ١٢٢] «١» ورَحْمَةٍ مِنْ رَبِّكَ [الكهف/ ٨٢] «٢» وصُنْعَ اللَّهِ [النمل/ ٨٨] وكِتابَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ [النساء/ ٢٤] إنما هو من «صنع الله ذلك صنعا» فهذا تفسير كل شيء في القرآن من نحو هذا، وهو كثير. وقال تعالى: وَما كانَ قَوْلَهُمْ إِلَّا أَنْ قالُوا [الآية ١٤٧] : وقال: وَما كانَ جَوابَ قَوْمِهِ إِلَّا أَنْ قالُوا [الأعراف/ ٨٢] «٣» وقال: ما كانَ حُجَّتَهُمْ إِلَّا أَنْ قالُوا [الجاثية/ ٢٥] ف أَنْ قالُوا هو الاسم الذي يرفع ب وَما كانَ لأن أن الخفيفة وما عملت فيه بمنزلة الاسم، تقول: «أعجبني أن قالوا» وإن شئت رفعت أول هذا كله وجعلت الآخر في موضع نصب على خبر كان «٤» . قال الشاعر [من الطويل هو الشاهد الستون بعد المائة] : لقد علم الأقوام ما كان داءها ... بثهلان إلّا الخزي ممّن يقودها «٥» وان شئت «ما كان داؤها الا الخزي» . وقال تعالى: إِذْ تُصْعِدُونَ وَلا تَلْوُونَ عَلى أَحَدٍ [الآية ١٥٣] لأنك تقول: «أصعد» أي: مضى وسار و «أصعد الوادي» أي: انحدر فيه. وأما «صعد» فانه: ارتقى «٦» . وقال: فَأَثابَكُمْ غَمًّا بِغَمٍّ [الآية ١٥٣] أي: على غمّ. كما قال:

стр. 378

فِي جُذُوعِ النَّخْلِ [طه/ ٧١] ومعناه على جذوع النخل وكما قال: «ضربني في السيف» يريد «بالسيف» وتقول: «نزلت في أبيك» أي: على أبيك. وقال تعالى: إِنَّ الْأَمْرَ كُلَّهُ لِلَّهِ [الآية ١٥٤] «١» بنصب «كله» ، ولك رفعها إذا جعلت «كلّا» اسما كقولك: «إنّ الأمر بعضه لزيد» . وإن جعلته توكيدا نصبت. وإن شئت نصبت على البدل، لأنك لو قلت «إنّ الأمر بعضه لزيد» لجاز على البدل، والصفة لا تكون في «بعض» . قال الشاعر «٢» [من الكامل وهو الشاهد الحادي والستون بعد المائة] : إنّ السّيوف غدوّها ورواحها ... تركا فزارة مثل قرن الأعضب «٣» فابتدأ «الغدوّ» و «الرواح» وجعل الفعل لهما. وقد نصب بعضهم «غدوّها» و «رواحها» وقال: «تركت هوازن» فجعل «الترك» ل «السيوف» وجعل «الغدوّ» و «الرواح» تابعا لها كالصفة حتى صار بمنزلة «كلّها» . وتقول إِنَّ الْأَمْرَ كُلَّهُ لِلَّهِ [الآية ١٥٤] على التوكيد «٤» أجود وبه نقرأ. وقال تعالى: لَبَرَزَ الَّذِينَ كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقَتْلُ إِلى مَضاجِعِهِمْ [الآية ١٥٤] وقد قال بعضهم (القتال) «٥» و «القتل» أصوب فيما نرى، وقرأ بعضهم: (إلى قتالهم) و «القتل» أصوبهما إن شاء، لأنه قال: إِلى مَضاجِعِهِمْ. وقال: وَلِيَبْتَلِيَ اللَّهُ ما فِي صُدُورِكُمْ [الآية ١٥٤] : أي: كي يبتلي الله. وقال تعالى: وَما أَصابَكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعانِ فَبِإِذْنِ اللَّهِ [الآية ١٦٦] فجعل الخبر بالفاء لأنّ ما بمنزلة «الذي»

стр. 379

وهو في معنى «من» ، و «من» تكون في المجازاة ويكون جوابها بالفاء. وقال تعالى أَوْ كانُوا غُزًّى لَوْ كانُوا عِنْدَنا ما ماتُوا وَما قُتِلُوا [الآية ١٥٦] وواحد «الغزّى» «غاز» مثل «شاهد» و «شهّد» . وقال تعالى: وَلَئِنْ قُتِلْتُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَوْ مُتُّمْ [الآية ١٥٧] . فان قيل كيف يكون لَمَغْفِرَةٌ مِنَ اللَّهِ [الآية ١٥٧] جواب ذلك الأول؟ فكأنه حين قال وَلَئِنْ قُتِلْتُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَوْ مُتُّمْ ذكر لهم مغفرة ورحمة، إذ كان ذلك في السبيل، فقال لَمَغْفِرَةٌ يقول: «لتلك المغفرة خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ [الآية ١٥٧] «١» » . وقال: وَلَئِنْ مُتُّمْ أَوْ قُتِلْتُمْ لَإِلَى اللَّهِ تُحْشَرُونَ (١٥٨) وان شئت قلت (قتلتم) . وقال تعالى: فَبِما رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ [الآية ١٥٩] يقول: «فبرحمة» وما زائدة. وقال تعالى: وَما كانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَغُلَّ [الآية ١٦١] «٢» وقرأ بعضهم: (يغلّ) «٣» وكلّ صواب، والله أعلم، لأنّ المعنى «أن يخون» أو «يخان» . وقال: أَوَلَمَّا أَصابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ [الآية ١٦٥] فهذه الألف ألف الاستفهام دخلت على واو العطف، فكأنه قال: «صنعتم كذا وكذا ولمّا أصابتكم» ثم أدخل على الواو ألف الاستفهام. وقال: فَبِإِذْنِ اللَّهِ وَلِيَعْلَمَ الْمُؤْمِنِينَ [الآية ١٦٦] فجعل الخبر بالفاء لأنّ ما أَصابَكُمْ [الآية ١٦٦] : الذي أصابكم.

стр. 380

وقال وَلِيَعْلَمَ الْمُؤْمِنِينَ لأنّ معناه: «فهو بإذن الله» «وهو ليعلم» . وقال: الَّذِينَ قالُوا لِإِخْوانِهِمْ وَقَعَدُوا لَوْ أَطاعُونا ما قُتِلُوا قُلْ فَادْرَؤُا عَنْ أَنْفُسِكُمُ الْمَوْتَ [الآية ١٦٨] أي: قل لهم: فَادْرَؤُا عَنْ أَنْفُسِكُمُ الْمَوْتَ وأضمر «لهم» . وقال تعالى: فَزادَهُمْ إِيماناً [الآية ١٧٣] يقول: «فزادهم قولهم إيمانا» . وقال: إِنَّما ذلِكُمُ الشَّيْطانُ يُخَوِّفُ أَوْلِياءَهُ [الآية ١٧٥] يقول: «يرهب النّاس أولياءه» أي: بأوليائه. وقال: لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلا تَكْتُمُونَهُ [الآية ١٨٧] «١» يقول: «استحلفهم ليبيّننّه ولا تكتمونه» وقال «لتبيّننّه ولا تكتمونه» أي: قل لهم: «والله لتبيّننّه ولا تكتمونه» . وقال: أَنِّي لا أُضِيعُ عَمَلَ عامِلٍ مِنْكُمْ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثى [الآية ١٩٥] أي: فاستجاب: بأنّي لا أضيع عمل عامل منكم. أدخل فيه من زائدة كما تقول «قد كان من حديث» ومن ها هنا لغو لأنّ حرف النفي قد دخل في قوله لا أُضِيعُ. وقال: وَلا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ بِما آتاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ هُوَ خَيْراً لَهُمْ [الآية ١٨٠] فأراد «ولا تحسبنّ البخل هو خيرا لهم» فألقى الاسم الذي أوقع عليه الحسبان وهو «البخل» ، لأنّه قد ذكر الحسبان وذكر ما آتاهم الله من فضله فأضمرهما إذا ذكرهما. وقد جاء من الحذف ما هو أشدّ من هذا، قال الله تعالى لا يَسْتَوِي مِنْكُمْ مَنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبْلِ الْفَتْحِ وَقاتَلَ [الحديد/ ١٠] ولم يقل «ومن أنفق من بعد» لأنه لما قال أُولئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً مِنَ الَّذِينَ أَنْفَقُوا مِنْ بَعْدُ [الحديد/ ١٠] كان فيه دليل على أنه قد عناهم. وقال تعالى:

стр. 381

سَنَكْتُبُ ما قالُوا وَقَتْلَهُمُ الْأَنْبِياءَ بِغَيْرِ حَقٍّ [الآية ١٨١] وقد مضى لذلك دهر، فإنّما يعني: «سنكتب ما قالوا على من رضي به من بعدهم أيام يرضاه» . وأما قوله: لا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَفْرَحُونَ بِما أَتَوْا وَيُحِبُّونَ أَنْ يُحْمَدُوا بِما لَمْ يَفْعَلُوا فَلا تَحْسَبَنَّهُمْ [الآية ١٨٨] فإنّ: الآخرة بدل من الأولى والفاء زائدة. ولا تعجبني قراءة من قرأ الأولى بالياء «١» إذ ليس لذلك مذهب في العربية، لأنه إذا قال: لا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَفْرَحُونَ بِما أَتَوْا فإنّه لم يوقعه على شيء.

стр. 382

المبحث السابع لكل سؤال جواب في سورة «آل عمران» «١» إن قيل: ما الحكمة من قوله تعالى: نَزَّلَ عَلَيْكَ الْكِتابَ بِالْحَقِّ [الآية ٣] ثم قوله بعد ذلك: وَأَنْزَلَ التَّوْراةَ وَالْإِنْجِيلَ (٣) ؟ قلنا: إنّ القرآن أنزل منجّما، والتوراة والإنجيل نزّلا جملة واحدة. كذا أجاب الزمخشري وغيره، يرد عليه قوله تعالى بعد ذلك: وَأَنْزَلَ الْفُرْقانَ [الآية ٤] فإن الزمخشري قال: أراد به جنس الكتب السماوية لا الثلاثة المذكورة خصوصا، أو أراد به الزّبور، أو أراد به القرآن، وكرر ذكره تعظيما. ويردّ عليه أيضا قوله تعالى بعد ذلك: هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتابَ مِنْهُ آياتٌ مُحْكَماتٌ [الآية ٧] وقوله تعالى: وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِما أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَما أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ [البقرة/ ٤] وقوله تعالى: وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلا نُزِّلَ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ جُمْلَةً واحِدَةً [الفرقان/ ٣٢] والذي وقع لي فيه- والله أعلم- أن التضعيف في «نزّل» والهمزة في «أنزل» كلاهما للتعدية، لأن نزل فعل لازم في نفسه، وإذا كانا للتعدية لا يكونان لمعنى آخر وهو التكثير أو نحوه، لأنه لا نظير له، وإنما جمع بينهما والمعنى واحد، وهو التعدية جريا على عادة العرب في افتنانهم في الكلام وتصرفهم فيه على وجوه شتى، ويؤيّد هذا قوله تعالى: لَوْلا نُزِّلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِنْ رَبِّهِ [الأنعام/ ٣٧] وقال في موضع آخر لَوْلا أُنْزِلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِنْ رَبِّهِ [يونس/ ٢٠] . فإن قيل: لقد قال تعالى:

стр. 383

مِنْهُ آياتٌ مُحْكَماتٌ [الآية ٧] و «من» للتبعيض وقال في موضع آخر: كِتابٌ أُحْكِمَتْ آياتُهُ [هود/ ١] ، وهذا يقتضي كون آياته جميعها محكمة؟ قلنا المراد بقوله مِنْهُ آياتٌ مُحْكَماتٌ [الآية ٧] أي ناسخات وَأُخَرُ مُتَشابِهاتٌ [الآية ٧] أي منسوخات، وقيل المحكمات العقليات، والمتشابهات الشرعيات، وقيل المحكمات ما ظهر معناها، والمتشابهات ما كان في معناها غموض ودقة، والمراد بقوله كِتابٌ أُحْكِمَتْ آياتُهُ أن جميع القرآن صحيح ثابت، مصون من الخلل والزّلل فلا تنافي فيه. فإن قيل: لم قال سبحانه وَأُخَرُ مُتَشابِهاتٌ جعل بعضه متشابها وقال في موضع آخر: كِتاباً مُتَشابِهاً [الزّمر/ ٢٣] وصفه كله بكونه متشابها. قلنا: المراد بقوله جلّ وعلا وَأُخَرُ مُتَشابِهاتٌ ما سبق ذكره، والمراد بقوله كِتاباً مُتَشابِهاً أنه يشبه بعضه بعضا في الصحة وعدم التناقض وتأييد بعضه بعضا فلا تنافي فيه. فإن قيل: ما الحكمة من إنزال المتشابهات بالمعنى الأخير، والمقصود من إنزال القرآن إنما هو البيان والهدى، والغموض والدقة في المعاني ينافيان هذا المقصود أو يبعدانه؟ قلنا: لما كان كلام العرب ينقسم إلى ما يفهم معناه سريعا ولا يحتمل غير ظاهره، وإلى ما هو مجاز وكناية وإشارة وتلويح، والمعاني فيه متعارضة متزاحمة، وهذا القسم هو المستحسن عندهم والمستبدع في كلامهم، نزل القرآن بالنوعين تحقيقا لمعنى الإعجاز، كأنه قال: عارضوه بأي النوعين شئتم، فإنه جامع لهما. وأنزله الله محكما ومتشابها ليختبر من يؤمن به كله، ويرد علم ما تشابه منه إلى الله فيثيبه. ومن يرتاب فيه ويشك، وهو المنافق، فيعاقبه، كما ابتلى عباده بنهر طالوت وغيره، أو أراد أن يشتغل العلماء بردّ المتشابه إلى المحكم بالنظر والاستدلال والبحث والاجتهاد فيثابون على هذه العبادة. ولو كان كله ظاهرا جليا لاستوى فيه العلماء والجهال، ولماتت الخواطر بعدم البحث والاستنباط، فإن نار الفكر إنما تنقدح بزناد المشكلات، ولهذا قال بعض الحكماء: عيب الغنى أنه يورث البلادة، ويميت الخاطر وفضيلة الفقر أنه يبعث على إعمال الفكر، واستنباط الحيل في الكسب.

стр. 384

فإن قيل: قوله تعالى يَرَوْنَهُمْ مِثْلَيْهِمْ رَأْيَ الْعَيْنِ [الآية ١٣] أي ترى الفئة الكافرة الفئة المسلمة مثلي عدد نفسها، أو بالعكس على اختلاف القولين. وكيفما كان، فهو مناف لقوله تعالى في سورة الأنفال: وَإِذْ يُرِيكُمُوهُمْ إِذِ الْتَقَيْتُمْ فِي أَعْيُنِكُمْ قَلِيلًا وَيُقَلِّلُكُمْ فِي أَعْيُنِهِمْ [الأنفال/ ٤٤] لأنه يدل على أن الفئتين تساوتا في استقلال كل واحدة منهما للأخرى، فكل منهما ترى الأخرى قليلة؟ قلنا: التقليل والتكثير في حالين مختلفين، قلل الله المشركين في نظر المؤمنين أوّلا، والمؤمنين في نظر المشركين حتى اجترأت كل فئة على قتال صاحبتها فلما التقتا كثّر الله المؤمنين في نظر المشركين حتى جبنوا وفشلوا فغلبوا، وكثّر الله المشركين في نظر المؤمنين أو أراهم إياهم على ما هم عليه، وكانوا في الحقيقة أكثر من المؤمنين ليعلموا صدق ما وعدهم الله تعالى بقوله فَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِائَةٌ صابِرَةٌ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ [الأنفال/ ٦٦] ، الآية، فإن المؤمنين غلبوهم في هذه الغزاة وهي غزاة بدر. مع أنهم كانوا أضعاف عدد المؤمنين وقيل: أرى الله المسلمين المشركين مثل عدد المسلمين وكانوا ثلاثة أمثالهم لكنه قلّلهم في أعين المسلمين، وأراهم إياهم بقدر ما أعلمهم أنهم يغلبونهم لتقوى قلوبهم بما سبق من الوعد أن المائة من المؤمنين يغلبون المائتين منهم. فإن قيل: ما الحكمة من تكرار قوله لا إِلهَ إِلَّا هُوَ في قوله شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلائِكَةُ وَأُولُوا الْعِلْمِ قائِماً بِالْقِسْطِ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ [الآية ١٨] ؟ قلنا: الأول قول الله ، والثاني حكاية قول الملائكة وأولي العلم. وقال جعفر الصادق رحمه الله تعالى: الأول وصف، والثاني تعليم أي قولوا واشهدوا كما شهدت. فإن قيل: ما الحكمة من قوله تعالى وَهُمْ مُعْرِضُونَ في قوله أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيباً مِنَ الْكِتابِ يُدْعَوْنَ إِلى كِتابِ اللَّهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ يَتَوَلَّى فَرِيقٌ مِنْهُمْ وَهُمْ مُعْرِضُونَ (٢٣) والتولي والإعراض واحد كما سبق في البقرة، فلم جمع بينهما؟ قلنا: معناه: يتولون عن الداعي ويعرضون عما دعاهم إليه وهو كتاب الله، أو يتولون بأبدانهم ويعرضون عن الحق بقلوبهم، أو قلنا الذين تولوا

стр. 385

علماؤهم، والذين أعرضوا أتباعهم. فإن قيل: لم قال تعالى: بِيَدِكَ الْخَيْرُ [الآية ٢٦] خص الخير بالذكر، وبيده تعالى الخير والشر والنفع والضر أيضا؟ قلنا: لأن الكلام إنما ورد ردا على المشركين فيما أنكروه مما وعد الله تعالى به نبيّه (ص) على لسان جبريل ﵇ من فتح بلاد الروم وفارس، ووعد النبي (ص) الصحابة بذلك، فلما كان الكلام في الخير خصه بالذكر باعتبار الحال، أو أراد الخير والشر فاكتفى بأحدهما لدلالته على الآخر كقوله تعالى: سَرابِيلَ تَقِيكُمُ الْحَرَّ [النحل/ ٨١] وإنما خص الخير بالذكر لأنه المرغوب فيه المطلوب للعباد من الله تعالى. فإن قيل: لم قال تعالى يُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهارِ وَيُولِجُ النَّهارَ فِي اللَّيْلِ [الحج/ ٦١] وإيلاج الشيء في الشيء يقتضي اجتماع حقيقتهما بعد الإيلاج، كإيلاج الخيط في الإبرة والإصبع في الخاتم ونحوهما، وحقيقة الليل والنهار أنهما لا يجتمعان؟ قلنا: الإيلاج قد يكون كما ذكرتم، وقد يكون مع تبدل صفة أحدهما بغلبة صفة الآخر عليه مع بقاء ذاته فيه، كإيلاج يسير من الخبز في لبن كثير أو بالعكس، فإن الحقيقتين مجتمعتان ذاتا، وصفة إحداهما غالبة على الأخرى. كذلك الليل والنهار إذا كان الليل أربع عشرة ساعة بالنسبة إلى زمن الاعتدال، ففيه من النهار ساعتان قطعا وكذا على العكس. أو معناه يولج زمن الليل في زمن النهار وبالعكس. أو يولج الليل في النهار وبالعكس باعتبار أن ليل قوم هو نهار آخرين وبالعكس، أو معناه أنه خلق ليلا صرفا خالصا، وخلق ما هو ممتزج منهما وهو ما قبيل طلوع الشمس وقبيل غروبها. والجواب الثالث والرابع يعمان السنة بأسرها. فإن قيل: ما الحكمة من قوله تعالى وَلَيْسَ الذَّكَرُ كَالْأُنْثى [الآية ٣٦] وهو معلوم من غير ذكر؟ قلنا: الحكمة اعتذارها عما قالته ظنا، فإنها ظنت أن ما في بطنها ذكر، ولهذا نذرت أن تجعله خادما لبيت المقدس، وكان من شريعتهم صحة هذا النذر في الذكور خاصة. فلما وضعت أنثى استحيت لمّا خاب ظنها ولم يتقبّل نذرها، فقالت ذلك معتذرة، تعني ليست الأنثى بصالحة لما يصلح

стр. 386

له الذكر في خدمة المسجد، لا أنها أرادت أن الأنثى ليست كالذكر صورة أو قوة أو نحو ذلك. فلما قالت ذلك، منكرة خجلة، منّ الله عليها بتخصيص مريم بقبولها في النذر دون غيرها من الإناث فقال تعالى فَتَقَبَّلَها رَبُّها بِقَبُولٍ حَسَنٍ [الآية ٣٧] . فإن قيل: المستعمل في مثله إدخال حرف النفي على القاصر، وحرف التشبيه على الكامل كقولهم: ليست الفضة كالذهب، وليس العبد كالحر، فوزانه: وليست الأنثى كالذكر. قلنا: لما كان جعل الأصل فرعا، والفرع أصلا في التشبيه في حالة الإثبات، يقتضي المبالغة في المشابهة كقولهم: القمر كوجه زيد، والبحر ككفه، كان جعل الأصل فرعا والفرع أصلا، في حالة النفي، يقتضي نفي المبالغة في المشابهة لا نفي المشابهة، وذلك هو المقصود هنا، لأن المشابهة واقعة بين الذكر والأنثى في أعم الأوصاف وأغلبها. ولهذا يقاد أحدهما بالآخر. وإنما أرادت أم مريم نفي المشابهة بينهما في صحة النذرية خادما للبيت المقدس لا غير، فلذلك عكس الثاني أن ذلك قوله تعالى، والمعنى: ليس الذكر الذي طلبت أن يكون خادما للكنيسة كالأنثى التي وهبت لما علم الله من جعلها وابنها آية للعالمين. وهو تفسير للتعظيم والتفخيم المجمل في قوله تعالى وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِما وَضَعَتْ [الآية ٣٦] وهي لا تعرف مقدار شرفه، واللام في الذكر والأنثى للعهد. هذا كله قول الزمخشري وتمامه في الكشاف. وقال الفقيه أبو الليث رحمه الله تعالى: قال بعضهم: هذا قول الله تعالى لمحمد (ع) : أي وليس الذكر كالأنثى يا محمد. وقال بعضهم: هو من كلام أم مريم. فإن قيل: كيف نادت الملائكة زكريا وهو قائم يصلي في المحراب وأجابها وهو في الصلاة، كما قال الله تعالى فَنادَتْهُ الْمَلائِكَةُ وَهُوَ قائِمٌ يُصَلِّي [الآية ٣٩] ؟ قلنا: المراد بقوله يصلي: أن يدعو كقوله تعالى وَلا تَجْهَرْ بِصَلاتِكَ وَلا تُخافِتْ بِها [الإسراء/ ١١٠] ، أي بدعائك. فإن قيل: ما فائدة تخصيص يحيى (ع) بقوله تعالى: أَنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكَ بِيَحْيى مُصَدِّقاً بِكَلِمَةٍ مِنَ اللَّهِ [الآية ٣٩]

стр. 387

وكل واحد من المؤمنين مصدق بجميع كلمات الله تعالى؟ قلنا: معناه مصدقا بعيسى الذي كان خلقه بكلمة من الله تعالى، وهو قوله «كن» من غير واسطة أب في الوجود، وكان تصديق يحيى بعيسى أسبق من تصديق كل أحد في الوجود أو في الرتبة. فإن قيل: زكريا سأل الولد بقوله هَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ ذُرِّيَّةً طَيِّبَةً [الآية ٣٨] والله تعالى بشّره بيحيى (ع) على لسان الملائكة، فكيف أنكر بعد هذا كله قدرة الله تعالى على إعطائه الولد حتى قال رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِي غُلامٌ وَقَدْ بَلَغَنِيَ الْكِبَرُ وَامْرَأَتِي عاقِرٌ [الآية ٤٠] . قلنا: إنما قاله على سبيل الاستفهام والتعجب من عظيم قدرة الله تعالى، لا على طريق الإنكار والاستبعاد، أو اشتبه عليه كيف ينجب الولد وهو شيخ وامرأته عاقر، أو تزول عنهما هاتان الصفتان لكشف الحال تقديره: أنّى يكون لي غلام وقد بلغني الكبر وامرأتي عاقر. ولقائل أن يقول: آخر الآية لا يناسب هذا الجواب. فإن قيل: ما فائدة تكرار ذكر الاصطفاء في قوله تعالى إِنَّ اللَّهَ اصْطَفاكِ وَطَهَّرَكِ وَاصْطَفاكِ [الآية ٤٢] . قلنا: الاصطفاء الأول: العبادة التي هي خدمة البيت المقدس وتخصيصها بقبولها في النذر مع كونها أنثى، والاصطفاء الثاني: لولادة عيسى (ع) ، أو أعيد ذكر الاصطفاء ليفيد بقوله عَلى نِساءِ الْعالَمِينَ (٤٢) فيندفع بأنها مصطفاة على الرجال. فإن قيل: لم نفى حضور النبي ﵊ في زمن مريم بقوله تعالى وَما كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يُلْقُونَ أَقْلامَهُمْ [الآية ٤٤] ، وذلك معلوم عندهم لا شك فيه، وترك نفي استماعه ذلك الخبر من حفّاظه، وهو الذي كانوا يتوهمونه؟ قلنا: كان معلوما أيضا عندهم علما يقينيّا أنه ليس من أهل القراءة والرواية، وكانوا منكرين للوحي فلم يبق إلا المشاهدة والحضور وهما في غاية الاستحالة، فنفيا من طريق التهكم بالمنكرين للوحي مع علمهم أنه لا قراءة له ولا رواية، ونظيره قوله تعالى: وَما كُنْتَ بِجانِبِ الْغَرْبِيِّ (٤٤) وَما كُنْتَ بِجانِبِ الطُّورِ [القصص] . فإن قيل: لم قال اسمه المسيح عيسى بن مريم والخطاب مع مريم،

стр. 388

وهي تعلم أن الولد الذي بشرت به يكون ابنها؟ قلنا: لأن الأبناء ينسبون إلى الآباء لا إلى الأمهات فأعلمت، بنسبه إليها، أنه يولد من غير أب، فلا ينسب إلا إلى أمه. فإن قيل: أي معجزة لعيسى (ع) في تكليم الناس كهلا، وأي خصوصية له في هذا حتى قال وَيُكَلِّمُ النَّاسَ فِي الْمَهْدِ وَكَهْلًا [الآية ٤٦] ؟ قلنا: معناه ويكلم الناس في هاتين الحالتين بكلام الأنبياء من غير تفاوت بين حال الطفولة وحال الكهولة التي يستحكم فيها العقل وينبأ فيها الأنبياء، فكأنه قال: ويكلم الناس في المهد كما يكلمهم كهلا. وقال الزّجّاج: هذا خرج مخرج البشارة لمريم أنه ﵊ سيبقى إلى زمن الكهولة، فهو بشارة لها بطول عمره، وقيل المقصود منه أن الزمان يؤثر فيه كما يؤثر في غيره، وينقله من حال إلى حال ولو كان إلها لم يجز عليه التغيّر. فإن قيل: لم قال تعالى إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرافِعُكَ إِلَيَّ [الآية ٥٥] والله تعالى رفعه ولم يتوفّه؟ قلنا: لما هدده اليهود بالقتل بشّره الله بأنه إنما يقبض روحه بالوفاة لا بالقتل، والواو لا تفيد الترتيب، فلا يلزم من الآية موته قبل رفعه. الثاني أن فيه تقديما وتأخيرا: أي أني رافعك ومتوفيك. والثالث أن معناه: قابضك من الأرض تاما وافيا في أعضائك وجسدك لم ينالوا منك شيئا، من قولهم: توفيت حقي على فلان إذا استوفيته تاما وافيا. الرابع أن معناه: أني متوفيك في نفسك بالنوم من قوله تعالى اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِها وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنامِها [الزمر/ ٤٢] ورافعك إليّ وأنت نائم حتى لا تخاف، بل تستيقظ وأنت في السماء. فإن قيل: لم قال تعالى إِنَّ مَثَلَ عِيسى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ [الآية ٥٩] ، وآدم خلق من التراب وعيسى خلق من الهواء، وآدم خلق من غير أب وأم، وعيسى خلق من أم. قلنا: المراد به التشبيه في وجوده بغير واسطة أب، والتشبيه لا يقتضي المماثلة من جميع الوجوه بل من بعضها. فإن قيل: لم خص أهل الكتاب بأن منهم أمينا وخائنا بقوله سبحانه وَمِنْ

стр. 389

أَهْلِ الْكِتابِ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِقِنْطارٍ يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ [الآية ٧٥] ، والمسلمون وغيرهم من أهل الملل كذلك منهم الأمين والخائن. قلنا: إنما خصهم باعتبار واقعة الحال، فإن سبب نزول الآية أن عبد الله بن سلام أودع ألفا ومائتي أوقية من الذهب فأدى الأمانة فيها، وفنحاص بن عازوراء أودع دينارا فخانه، ولأن خيانة أهل الكتاب للمسلمين تكون عن استحلال بدليل آخر الآية، بخلاف خيانة المسلم للمسلم فلذلك خصهم بالذكر. فإن قيل: لم قال تعالى وَلَهُ أَسْلَمَ مَنْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ طَوْعاً وَكَرْهاً [الآية ٨٣] وأكثر الجن والإنس كفرة؟ قلنا: المراد بهذا الاستسلام والانقياد لما قضاه الله عليهم وقدره من الحياة والموت والمرض والصحة والشقاء والسعادة ونحو ذلك. فإن قيل: لم قال تعالى إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بَعْدَ إِيمانِهِمْ ثُمَّ ازْدادُوا كُفْراً لَنْ تُقْبَلَ تَوْبَتُهُمْ [الآية ٩٠] ومعلوم أن المرتد، وإن ازداد ارتداده كفرا، فانه مقبول التوبة؟ قلنا: نزلت الآية في قوم ارتدّوا ثم أظهروا التوبة بالقول لستر أحوالهم والكفر في ضمائرهم، قاله ابن عباس. وقيل نزلت في قوم تابوا عن ذنوبهم غير الشرك وقيل معناه: لن تقبل توبتهم وقت حضور الموت. فإن قيل: لم قال تعالى إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ [الآية ٩٦] وكم من بيت بني قبل الكعبة من زمن آدم إلى زمن إبراهيم ﵇؟ قلنا: معناه أن أول بيت وضع قبلة للناس ومكان عبادة لهم، أو وضع مباركا للناس، أو لأن ابن عباس قال: أول من بناه آدم (ع) ، لما هبط من السماء أوحى الله تعالى إليه أن ابن لي بيتا في الأرض، وافعل حوله نحو ما رأيت الملائكة تفعل حول عرشي، فبناه وجعل يطوف حوله. فإن قيل: لم قال الله تعالى كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ [الآية ١١٠] ولم يقل أنتم خير أمة؟ قلنا: معناه كنتم في سابق علم الله، أو كنتم يوم أخذ الميثاق على الذرية، فأراد الإعلام بكون ذلك صفة أصلية فيهم لا عارضة متجددة، أو معناه خلقتم ووجدتم، فهي «كان» التامة،

стр. 390

و «خير أمة» نصب على الحال وتمام الكلام في «كان» يذكر في قوله تعالى إِنَّهُ كانَ فاحِشَةً وَمَقْتاً [النساء/ ٢٢] . فإن قيل: لم قال تعالى وَلَوْ آمَنَ أَهْلُ الْكِتابِ لَكانَ خَيْراً لَهُمْ [الآية ١١٠] ولا يصحّ أن يقال: هذا خير من هذا إلا إذا كان في كل واحد منهما خير، مع أن غير الإيمان لا خير فيه حتى يقال: إن الإيمان خير منه؟ قلنا: معناه أنّ إيمانهم بمحمد (ص) مع إيمانهم بموسى وعيسى (ع) ، خير من إيمانهم بموسى وعيسى عليهما الصلاة والسلام فقط. فإن قيل: لم قال تعالى: ثَلُ ما يُنْفِقُونَ فِي هذِهِ الْحَياةِ الدُّنْيا كَمَثَلِ رِيحٍ فِيها صِرٌّ [الآية ١١٧] ، والمقصود: تشبيه نفقة الكفار وأموالهم في تحصيل المفاخر وطلب الصيت والسمعة، أو ما ينفقونه في الطاعات مع وجود الكفر، أو ما ينفقونه في عداوة رسول الله (ص) ، تشبيه ذلك كله بالزرع الذي أصابته ريح شديدة البرد فأهلكته فضاع ولم ينتفع به، والتشبيه في الحقيقة بالزرع، وفي لفظ الآية بالريح؟ قلنا: فيه إضمار تقديره: مثل إهلاك ما ينفقون كمثل إهلاك ريح فيها صرّ، أو مثل ما ينفقون كمثل مهلك ريح، ونظيره قوله تعالى مَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ [البقرة/ ٢٦١] ، وقوله تعالى وَمَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا كَمَثَلِ الَّذِي يَنْعِقُ [البقرة/ ١٧١] الآية. وقال ثعلب: فيه تقديم وتأخير تقديره: كمثل حرث قوم ظلموا أنفسهم أصابته ريح فيها صرّ فأهلكته. فإن قيل: لم قال تعالى إِنْ تَمْسَسْكُمْ حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْ وَإِنْ تُصِبْكُمْ سَيِّئَةٌ يَفْرَحُوا بِها [الآية ١٢٠] فوصف الحسنة بالمس، والسيئة بالإصابة؟ قلنا: المس مستعار بمعنى الإصابة توسعة في العبارة: وإلا كان المعنى واحدا، ألا ترى إلى قوله تعالى في الفريقين: ما أَصابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللَّهِ وَما أَصابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ فَمِنْ نَفْسِكَ [النساء/ ٧٩] وقوله إِنَّ الْإِنْسانَ خُلِقَ هَلُوعاً (١٩) إِذا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُوعاً (٢٠) - وَإِذا مَسَّهُ الْخَيْرُ مَنُوعاً (٢١) [المعارج] . فإن قيل: لم قال تعالى وَسارِعُوا [الآية ١٣٣] والنبي عليه أفضل التحية يقول: «العجلة من الشيطان والتأني من الرحمن» ؟ قلنا: قد استثنى النبيّ (ص) خمسة
следующие страницы →