إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصابُ وَالْأَزْلامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطانِ [الآية ٩٠] وهذه الأعيان كلها مخلوقات لله تعالى فأين عمل الشيطان في وجودها؟
قلنا: فيه إضمار تقديره: إنما تعاطي الخمر والميسر إلى آخره أو مباشرته إلخ.
فإن قيل: مع هذا الإضمار كيف قال تعالى من عمل الشيطان، وتعاطي الخمر والقمار ونحوهما من عمل الإنسان حقيقة؟
قلنا: إنما أضيف إلى الشيطان مجازا لأنه هو السبب في وجود الفعل بواسطته ووسوسته وتزيينه ذلك للفساق، فصار كما لو أغرى رجل رجلا بضرب آخر فضربه، فإنه يجوز أن يقال للمغري هذا من عملك.
فإن قيل: لم جمع الخمر والميسر والأنصاب والأزلام في الآية الأولى ثم خص الخمر والميسر في الآية الثانية؟
قلنا: لأن العداوة والبغضاء بين الناس تقع كثيرا بسبب الخمر والميسر وكذلك يشتغلون بهما عن الطاعة، بخلاف الأنصاب والأزلام فإن هذه المفاسد لا توجد فيها، وإن كانت فيها مفاسد أخر. وقيل إنما كرر ذكر الخمر والميسر فقط لأن الخطاب للمؤمنين بدليل قوله تعالى في الآية نفسها:
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا وهم إنما يتعاطون الخمر والميسر فقط، وإنما جمع الأربعة في الآية الأولى لإعلام المؤمنين، وأن هذه الأربعة من أعمال الجاهلية، وأنه لا فرق بين من عبد صنما أو أشرك بالله تعالى بدعوى علم الغيب، وبين من شرب الخمر أو قامر مستحلّا لهما.
فإن قيل: كيف يحسن أن يفعل الله تعالى فعلا يتوسل به إلى تحصيل علم حتى قال: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَيَبْلُوَنَّكُمُ اللَّهُ بِشَيْءٍ مِنَ الصَّيْدِ تَنالُهُ أَيْدِيكُمْ وَرِماحُكُمْ لِيَعْلَمَ اللَّهُ مَنْ يَخافُهُ بِالْغَيْبِ [الآية ٩٤] .
قلنا: معناه ليميز الله الخائف من غير الخائف عند الناس. وقيل معناه ليعلم عباد الله من يخافه بالغيب وهو قريب من الأول. وقيل معناه ليعلم الخوف واقعا كما علمه منتظرا.
فإن قيل: لم قال تعالى وَمَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمِّداً فَجَزاءٌ مِثْلُ ما قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ [الآية ٩٥] ، ووصف العمدية ليس بشرط لوجوب الجزاء، فإنه لو قتله ناسيا أو مخطئا وجب الجزاء أيضا؟
стр. 562
قلنا: عند ابن عباس وجماعة من الصحابة والتابعين ﵃، وصف العمدية شرط لوجوب الجزاء، فلا يرد عليهم السؤال، وأمّا على قول الجمهور، فإنما قيّده بوصف العمدية، لأن الواقعة التي كانت سبب نزول الآية، كانت عمدا على ما يروى عن الصحابة، أنه اعترض حمار وحش بالحديبية وهم محرمون، فطعنه ابو اليسر برمحه، فقطعه، فنزلت الآية، فخرج وصف العمدية، مخرج الواقع لا مخرج الشرط. وقال الزهري: نزل الكتاب بالعمد، ووردت السنّة بالوجوب في الخطأ.
فإن قيل: لم قال تعالى: هَدْياً بالِغَ الْكَعْبَةِ [الآية ٩٥] مع أن الشرط بلوغه الى الحرم لا غير؟
قلنا: لمّا كان المقصود من بلوغ الهدي الى الحرم تعظيم الكعبة، ذكر الكعبة تنبيها على ذلك. وقيل معناه بالغ حرم الكعبة.
فإن قيل: قوله تعالى جَعَلَ اللَّهُ الْكَعْبَةَ الْبَيْتَ الْحَرامَ قِياماً لِلنَّاسِ وَالشَّهْرَ الْحَرامَ وَالْهَدْيَ وَالْقَلائِدَ ذلِكَ لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ وَأَنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (٩٧) ، أي دلالة لهذه الأمور المذكورة على علم الله تعالى بما في السماوات وما في الأرض، وأنه بكل شيء عليم.
قلنا: ذلك إشارة إلى كل ما سبق ذكره، من الغيوب في هذه السورة، من أحوال الأنبياء والمنافقين واليهود، لا الى المذكور في هذه الآية. الثاني ان العرب كانت تسفك الدماء وتنهب الأموال، فإذا دخل الشهر الحرام، أو دخلوا الى البلد الحرام كفّوا عن ذلك، فعلم الله تعالى أنّه لو لم يجعل لهم زمانا أو مكانا يقتضي كفهم عن القتل، ونهب الأموال لهلكوا، فظهرت المناسبة.
فإن قيل: لم قال تعالى ما جَعَلَ اللَّهُ مِنْ بَحِيرَةٍ وَلا سائِبَةٍ وَلا وَصِيلَةٍ وَلا حامٍ [الآية ١٠٣] والجعل هو الخلق بدليل قوله تعالى ثُمَّ جَعَلَ مِنْها زَوْجَها [الزّمر/ ٦] وقوله تعالى وَجَعَلَ الظُّلُماتِ وَالنُّورَ [الأنعام/ الآية الأولى] ، وخالق هذه الأشياء هو الله تعالى؟
قلنا: المراد بالجعل هنا الإيجاب والأمر: أي ما أوجبها ولا أمر بها.
وقيل المراد بالجعل التحريم.
فإن قيل: قوله تعالى يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ [الآية ١٠٥] يدل
стр. 563
على عدم وجوب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وهما واجبان.
قلنا: معنى قوله أَنْفُسَكُمْ: أي أهل دينكم كما قال تعالى وَلا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ [النساء/ ٢٩] ، أي أهل دينكم.
وقيل المراد به آخر الزمان عند فساد الزمان، وتعذّر الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وهو زماننا هذا.
فإن قيل: كيف يقول الرسل: لا عِلْمَ لَنا [الآية ١٠٩] ، إذا قال الله تعالى لهم: ماذا أُجِبْتُمْ [نفسها] وهم عالمون بماذا أجيبوا؟
قلنا: هذا جواب الدهشة والحيرة، حين تطيش عقولهم من زفرة جهنم، نعوذ بالله تعالى منها، ومثله لا يفيد نفي العلم ولا إثباته. الثاني: أنهم قالوا ذلك تعريضا بالتشكّي من قومهم ولإظهار الالتجاء الى الله تعالى في الانتقام منهم، كأنهم قالوا: أنت أعلم بما أجابونا به من التصديق والتكذيب.
الثالث معناه: لا علم لنا بحقيقة ما أجابونا به لأنا نعلم ظاهره وأنت تعلم ظاهره ومضمره، ويؤيد ما بعده.
فإن قيل: أيّ معجزة لعيسى (ع) في تكليم الناس كهلا حتى قال:
تُكَلِّمُ النَّاسَ فِي الْمَهْدِ وَكَهْلًا [الآية ١١٠] .
قلنا: قد سبق جوابه في سورة آل عمران «١» مستقصى.
فإن قيل: كيف قال الحواريون هَلْ يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ أَنْ يُنَزِّلَ عَلَيْنا مائِدَةً مِنَ السَّماءِ [الآية ١١٢] شكّوا في قدرة الله تعالى على بعض الممكنات وذلك كفر، ووصفوه بالاستطاعة وذلك تشبيه، لأن الاستطاعة إنما تكون بالجوارح والحواريون خلّص أتباع عيسى (ع) ، والمؤمنون به، بدليل قوله تعالى حكاية عنهم: قالُوا آمَنَّا وَاشْهَدْ بِأَنَّنا مُسْلِمُونَ (١١١) .
قلنا: هذا استفهام عن الفعل لا عن القدرة، كما يقول الفقير للغنيّ القادر:
هل تقدر ان تعطيني شيئا، وهذا يسمّى استطاعة المطاوعة لا استطاعة القدرة، والمعنى: هل يسهل عليك ان تسأل ربك؟ كقولك لآخر: هل تستطيع ان تقوم معي؟ وأنت تعلم استطاعته لذلك.
فإن قيل: لو كان المراد هذا
стр. 564
المعنى، فلم أنكر عليهم عيسى ﵇ بقوله: اتَّقُوا اللَّهَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (١١٢) ؟
قلنا: إن إنكاره عليهم إنّما كان لأنهم أتوا بلفظ يحتمل المعنى الذي لا يليق بالمؤمن المخلص إرادته، وإن كانوا لم يريدوه.
فإن قيل: كيف قال عيسى (ع) :
وَلا أَعْلَمُ ما فِي نَفْسِكَ [الآية ١١٦] وكل ذي نفس فهو ذو جسم، لأن النفس عبارة عن الجوهر القائم بذاته المتعلّق بالجسم تعلّق التدبير، والله تعالى منزه عن الجسم.
قلنا: النفس تطلق على معنيين:
أحدهما هذا، والثاني حقيقة الشيء وذاته كما يقال: نفس الذهب والفضة محبوبة: أي ذاتهما، والمراد به في الآية ثانيا هذا المعنى. [والنّفس ترد بمعنى عند، أي تعلم ما عندي، ولا أعلم ما عندك ولعل هذا المعنى أقرب المعاني للآية الكريمة] «١» .
فإن قيل: كيف قال عيسى (ع) : ما قُلْتُ لَهُمْ إِلَّا ما أَمَرْتَنِي بِهِ [الآية ١١٧] ، مع أنه قال لهم كثيرا من الكلام المباح غير الأمر بالتوحيد؟
قلنا: معناه قلت لهم فيما يتعلق بالإله.
فإن قيل: إذا كان عيسى لم يمت، وإنّما هو حي في السماء فكيف قال فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي [الآية ١١٧] .
قلنا: أراد بالتوفّي إتمام مدة إقامته في الأرض، وإتمامه قد سبق في قوله:
إِذْ قالَ اللَّهُ يا عِيسى إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرافِعُكَ إِلَيَّ [آل عمران/ ٥٥] والسؤال إنما يتوجّه على قول من قال: إن السؤال والجواب وجدا يوم رفعه الى السماء، وأمّا من قال: إن السؤال إنّما يكون يوم القيامة وعليه الجمهور، فالجواب مطابق ولا إشكال فيه.
في قوله تعالى: إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبادُكَ وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (١١٨) .
فإن قيل: لو قال عيسى ﵇: إن تعذبهم فإنك أنت العزيز الحكيم، وإن تغفر لهم فإنهم عبادك، كان أظهر مناسبة؟
стр. 565
قلنا: معناه إن تعذّبهم فإنهم عبادك، وتصرّف المالك المطلق الحقيقي بعبيده مباح: أيّ تصرف كان، وإن تغفر لهم فإنّك أنت العزيز الحكيم، الذي لا ينقص من عزه شيء، بترك العقوبة والانتقام ممن عصاه، الحكيم في كل ما يفعله من العذاب او المغفرة.
فإن قيل: لم قال تعالى: هذا يَوْمُ يَنْفَعُ الصَّادِقِينَ صِدْقُهُمْ [الآية ١١٩] يعني يوم القيامة، والصدق نافع في الدنيا والآخرة، ولفظ الآية في قوة الحصر؟
قلنا: لمّا كان نعت الصدق في الآخرة، هو الفوز بالجنّة والنجاة من النار، ونفعه في الدنيا دون ذلك، كان كالعدم بالنسبة الى نفعه في الآخرة، فلم يقيّد به في مقابلته.
فإن قيل: قوله تعالى هذا يَوْمُ يَنْفَعُ الصَّادِقِينَ صِدْقُهُمْ [الآية ١١٩] إن أراد به صدقهم في الآخرة، فالآخرة ليست بدار عمل، وإن أراد به صدقهم في الدنيا، فليس بمطابق لما ورد فيه، وهو الشهادة لعيسى (ع) بالصدق، فبما يجيب به يوم القيامة؟
قلنا: أراد به الصدق المستمرّ، بالصادقين في دنياهم وآخرتهم وعن قتادة ﵀: متكلمان صدقا يوم القيامة، فنفع أحدهما صدقه دون الآخر: أحدهما إبليس الذي قال:
إِنَّ اللَّهَ وَعَدَكُمْ وَعْدَ الْحَقِّ وَوَعَدْتُكُمْ فَأَخْلَفْتُكُمْ [إبراهيم/ ٢٢] . وصدق يومئذ فلم ينفعه صدقه، لأنه كان كاذبا قبل ذلك، والآخر عيسى (ع) الذي كان صادقا في الدنيا والآخرة، فنفعه صدقه.
فإن قيل: ما في السموات والأرض العقلاء وغيرهم، فلماذا لم يغلّب العقلاء على غير العقلاء ولم يأت بالموصول «من» ، بل أتى بالموصول «ما» فقال، جل من قائل: لِلَّهِ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَما فِيهِنَّ [الآية ١٢٠] ؟
قلنا: لأن كلمة «ما» تتناول الأجناس كلها تناولا عاما بأصل الوضع، و «من» لا تتناول غير العقلاء بأصل الوضع، فكان استعمال «ما» في هذا الموضع أوفى.
стр. 566
المبحث الثامن المعاني المجازية في سورة «المائدة» «١»
قوله تعالى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُحِلُّوا شَعائِرَ اللَّهِ [الآية ٢] . وهذه استعارة، والمراد مستبعدات الله التي أشعرها للناس، أي بينها لهم. من قولهم: أشعرت البدنة، إذا جرحتها في سنامها ليسيل دمها، فيعلم أنها هدي لبيت الله سبحانه: وهذا الفعل علامة لها، ودلالة عليها.
وقوله تعالى: يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوانَهُ سُبُلَ السَّلامِ [الآية ١٦] وهذه استعارة. والسلام هاهنا جمع سلامة. فالمراد أنه تعالى، يدلّ من أطاعه على طريق نجاته، وسبيل أمنته، لأن طاعته تعالى إمام «٢» السلامة، فمن اتبع قياده نجا، ومن تقاعس عنه ضلّ وغوى.
وقوله تعالى: قَدْ جاءَكُمْ رَسُولُنا يُبَيِّنُ لَكُمْ عَلى فَتْرَةٍ مِنَ الرُّسُلِ [الآية ١٩] وهذه استعارة. والمراد على انقطاع الإرسال الى الأمم و ... الزمان من «٣» .... الرسل. تشبيها بحال إرسال الأنبياء إلى أممهم، ثم حال توفّيهم بعد أداء شرائعهم بثقوب النار ثم خمودها، واضطرامها ثم فتورها.
وقوله تعالى: وَلا تَرْتَدُّوا عَلى أَدْبارِكُمْ فَتَنْقَلِبُوا خاسِرِينَ (٢١) . وهذه استعارة.
ونظيرها قوله تعالى:
стр. 567
انْقَلَبْتُمْ عَلى أَعْقابِكُمْ [آل عمران/ ١٤٤] أي لا تولّوا عن دينكم وتشكوا بعد يقينكم، فتكونا كالمتقهقر الراجع، والمتقاعس الناكص.
وقوله تعالى: فَطَوَّعَتْ لَهُ نَفْسُهُ قَتْلَ أَخِيهِ فَقَتَلَهُ فَأَصْبَحَ مِنَ الْخاسِرِينَ (٣٠) وهذه استعارة. والمراد: سوّلت له، وقرّبت عليه نفسه، ففعل. وطوّعت:
فعّلت من الطوع، اي سهلت نفسه عليه ذلك، حتى أتاه طوعا، وانقاد إليه سمحا.
وقوله تعالى: أَنَّهُ مَنْ قَتَلَ نَفْساً بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسادٍ فِي الْأَرْضِ فَكَأَنَّما قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعاً وَمَنْ أَحْياها فَكَأَنَّما أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعاً [الآية ٣٢] وأحياها هنا استعارة. لأن إحياء النفس بعد موتها لا يفعله إلا الله تعالى. وإنما المراد: من استبقاها وقد استحقت القتل، واستنقذها وقد أشرفت على الموت. فجعل سبحانه فاعل ذلك بها كمحييها بعد موتها. إذا كان الاستنقاذ من الموت، كالإحياء بعد الموت.
وقوله سبحانه مِنَ الَّذِينَ قالُوا آمَنَّا بِأَفْواهِهِمْ وَلَمْ تُؤْمِنْ قُلُوبُهُمْ [الآية ٤١] ، وهذه استعارة. لأن صفة الإيمان والكفر إنما يوصف بها الإنسان دون القلب. والمراد: أنهم آمنوا بالظواهر، وكفروا بالبواطن.
قوله سبحانه: وَأَنْزَلْنا إِلَيْكَ الْكِتابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقاً لِما بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتابِ وَمُهَيْمِناً عَلَيْهِ [الآية ٤٨] .
وهذه استعارة. وقد تقدّم مثلها.
والمعنى: مصدّقا بما سلف قبله من الكتاب الذي هو الإنجيل الصحيح.
واستعير ذكر اليدين هاهنا، كما يقول القائل إذا سأله غيره عن راكب مرّ به:
هو بين يديك. أي قد سار أمامك.
ومهيمنا عليه: أي شاهدا عليه. فهذه ايضا استعارة أخرى. والمراد: أنّ ما في هذا الكتاب من وضوح الدلالة، يقوم مقام النطق بصحة الشهادة.
وقوله تعالى: وَلا تَتَّبِعْ أَهْواءَهُمْ [الآية ٤٨] . وهذه استعارة. والمراد:
ولا تطع أمرهم، ولا تجب داعيهم، فأقام سبحانه أهواءهم مقام الدعاة إلى الرّدى، والهداة إلى العمى.
وقوله تعالى: اسْتَبِقُوا الْخَيْراتِ
[الآية ٤٨] . وهذه استعارة عجيبة:
والمعنى: فبادروا فعل الخيرات إن كنتم على غير أمان من حضور الأجل، وتضييق الأمل. وذلك شبيه بسباق الخيل، لأن كل واحد من فرسانها
стр. 568
يشاحّ غيره على بلوغ الغاية المقصودة، وينافسه في الإسراع الى البغية المطلوبة.
وقوله سبحانه: فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ [الآية ٥٤] . وهذه استعارة. لأن الحبّ الذي هو ميل الطباع لا يجوز على القديم سبحانه.
وقوله سبحانه: وَقالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ وَلُعِنُوا بِما قالُوا بَلْ يَداهُ مَبْسُوطَتانِ يُنْفِقُ كَيْفَ يَشاءُ [الآية ٦٤] .
وهذه استعارة. ومعناها أن اليهود اخرجوا هذا القول مخرج الاستبخال لله سبحانه، فكذّبهم تعالى بقوله: بَلْ يَداهُ مَبْسُوطَتانِ يُنْفِقُ كَيْفَ يَشاءُ وليس المراد بذكر اليدين هاهنا الاثنتين اللتين هما اكثر من الواحدة، وإنما المراد به المبالغة في وصف النعمة. كما يقول القائل: ليس لي بهذا الأمر يدان، وليس يريد به الجارحتين، وإنما يريد المبالغة في نفي القوة على ذلك الأمر.
وربما قيل إن المراد بذلك نعمة الدنيا ونعمة الآخرة. والله أعلم أيّ ذلك أصوب. وقد أشبعنا الكلام على هذا المعنى في كتابنا الكبير.
وقوله تعالى: كُلَّما أَوْقَدُوا ناراً لِلْحَرْبِ أَطْفَأَهَا اللَّهُ [الآية ٦٤] وهذه استعارة.
لأن الحرب لا نار لها على الحقيقة، وإنما شبّهت بالنار لاحتدام قراعها، وجدّ مصاعها «١» ، وأنها تأكل أهلها، كما تأكل النار حطبها.
وقوله تعالى: وَلَوْ أَنَّهُمْ أَقامُوا التَّوْراةَ وَالْإِنْجِيلَ وَما أُنْزِلَ إِلَيْهِمْ مِنْ رَبِّهِمْ لَأَكَلُوا مِنْ فَوْقِهِمْ وَمِنْ تَحْتِ أَرْجُلِهِمْ [الآية ٦٦] . فهذه استعارة. لأن التوراة لا يصح عليها القيام، وإنما المراد لو أنهم اتبعوا حكمها. وقوله تعالى:
لَأَكَلُوا مِنْ فَوْقِهِمْ وَمِنْ تَحْتِ أَرْجُلِهِمْ [الآية ٦٦] استعارة اخرى على احد التأويلين، وهو أن يكون المراد بهذا القول العبارة عن سعة الرزق ورفاهة العيش. كما يقول القائل: فلان مغمور في النعيم والنّعمة من قرنه الى قدمه. والتأويل الآخر لأكلوا من فوقهم، أي من ثمار الشجر التي تفوت بسطة اليد، ومن تحت أرجلهم، أي من نبات الأرض الذي يباشر موطئ القدم. وقيل المراد بذلك ما يكون عن مساقط الغيث من إخصاب منابت الأرض.
стр. 569
فهذا كقوله تعالى: لَفَتَحْنا عَلَيْهِمْ بَرَكاتٍ مِنَ السَّماءِ وَالْأَرْضِ [الأعراف/ ٩٦] .
وقوله تعالى: وَلكِنْ يُؤاخِذُكُمْ بِما عَقَّدْتُمُ الْأَيْمانَ [الآية ٨٩] . على قراءة من قرأ عقدتم، وعقّدتم بالتخفيف والتشديد، دون من قرأ عاقدتم. فهذه استعارة. والمراد بها، تأكيد الأيمان، حتى تكون بمنزلة العقد المؤكد، والحبل المحصد. أو يكون المراد، أنكم عقدتموها على شيء، خلافا لليمين اللغو، التي ليست معقودة على شيء، لأنّ الفقهاء يسمّون اليمين التي على المستقبل، يمينا معقودة، فهي التي يتأتى فيها البرّ والحنث، وتجب فيها الكفّارة. واليمين على الماضي عندهم ضربان: لغو، وغموس، فاللغو كقول القائل: والله ما فعلت كذا. وفي شيء يظنّ انه لم يفعله، وو الله لقد فعلت كذا. في شيء يظنّ أنه قد فعله.
فهو اليمين على الماضي إذا وقعت كذبا. نحو قول القائل: والله ما فعلت. وهو يعلم انه قد فعل. وو اللَّه لقد فعلت. وهو يعلم انه لم يفعل.
فهذه اليمين كفّارتها التوبة والاستعفار لا غير.
وقوله تعالى: لَيَبْلُوَنَّكُمُ اللَّهُ بِشَيْءٍ مِنَ الصَّيْدِ تَنالُهُ أَيْدِيكُمْ وَرِماحُكُمْ [الآية ٩٤] .
وهذه استعارة: لأنّ الفارس هو الذي ينال القنيص برمحه. ولكن الرمح، لما كان مباشرا، حسن لهذه الحال أن يسمى نائلا.
وقوله تعالى: ذلِكَ أَدْنى أَنْ يَأْتُوا بِالشَّهادَةِ عَلى وَجْهِها [الآية ١٠٨] . وهذه استعارة. لأن الشهادة لا وجه لها.
وإنّما المراد أن يأتوا بالشهادة على جليتها وحقيقتها. وخبّر تعالى عن ذلك بالوجه لأن به تعرف حقيقة الجملة، ويفهم كنه الصورة، كما قلنا فيما تقدّم. وهذه من الاستعارات البديعة.
وقوله تعالى حاكيا عن المسيح (ع) :
تَعْلَمُ ما فِي نَفْسِي وَلا أَعْلَمُ ما فِي نَفْسِكَ [الآية ١١٦] . وهذه استعارة.
لأن القديم سبحانه لا نفس له.
والمراد: تعلم ما عندي ولا اعلم ما عندك، وتعلم حقيقتي ولا أعلم حقيقتك، أو تعلم مغيبي ولا أعلم مغيبك. فكأن فحوى ذلك: تعلم ما أعلم ولا اعلم ما تعلم. وقد استوفينا الكلام على ذلك في (حقائق التأويل) .
стр. 570
الفهرس
سورة «آل عمران»
المبحث الأول أهداف سورة «آل عمران» ٣ (١) قصة التسمية ٣ (٢) مقاصد سورة «آل عمران» ٥ العناية بأمرين عظيمين ٥ الأمر الأول: قضية الألوهية وتقرير الحق فيها ٦ (٣) وحدة الدين عند الله ٧ المسرفون في شأن عيسى (ع) ٨ (٤) بيان أسباب انصراف الناس عن الحق ٨ (٥) عظمة القرآن في تربية المؤمنين ١٠ (٦) القرآن كتاب الوجود والخلود ١٢ (٧) دروس من غزوة أحد ١٤ (٨) سنن الله ماضية وقوانينه عامة ١٦ (٩) منهج القرآن في بناء العقيدة والدفاع عنها ١٧ (١٠) أعداء يكيدون للإسلام ١٩ (١١) ثلاثة خطوط عريضة ٢٠
стр. 571
المبحث الثاني ترابط الآيات في سورة «آل عمران» ٢٣ تاريخ نزولها ووجه تسميتها ٢٣ الغرض منها وترتيبها ٢٣ ما يجب لله سبحانه من الأوصاف ٢٤ الردّ على مقالة النصارى الأولى ٢٤ الردّ على مقالتهم الثانية ٢٥ الردّ على مقالتهم الثالثة ٢٦ الردّ على مقالتهم الرابعة ٢٨ الردّ على مقالتهم الخامسة ٢٨ تثبيت المؤمنين بعد ردّ مقالاتهم ٢٩ تثبيت المؤمنين بعد أحد ٣٠ الخاتمة ٣٤ المبحث الثالث أسرار ترتيب سورة «آل عمران» ٣٥ المبحث الرابع مكنونات سورة «آل عمران» ٤١ المبحث الخامس لغة التنزيل في سورة «آل عمران» ٤٩ المبحث السادس المعاني اللغوية في سورة «آل عمران» ٦٥ المبحث السابع لكل سؤال جواب في سورة «آل عمران» ٨٧ المبحث الثامن المعاني المجازية في سورة «آل عمران» ١٠١
стр. 572
سورة النساء
المبحث الأول أهداف سورة «النساء» ١٠٧ الوصية بالنساء واليتامى ١٠٧ اليتامى ١٠٨ المال والميراث ١٠٩ تعدد الزوجات ١١٠ شبهة تفتضح وحجّة تتّضح ١١١ التضامن الاجتماعي ١١٢ المحرّمات من النساء ١١٣ الحكمة من هذا التحريم ١١٣ مصادر التشريع في الإسلام ١١٤ الاجتهاد من مصادر التشريع وبابه مفتوح أبدا ١١٥ القتال وأسباب النصر ١١٦ المبحث الثاني ترابط الآيات في سورة «النساء» ١١٩ تاريخ نزولها ووجه تسميتها ١١٩ الغرض منها وترتيبها ١١٩ براعة المطلع ١٢٠ أحكام اليتامى والسفهاء ١٢٠ أحكام الميراث ١٢١ حكم الزّنا واللواط ١٢١ أحكام متفرقة في النساء ١٢١ تحريم التعدي على المال والنفس ١٢٢ قوامة الرجال على النساء ١٢٢ حقوق الله وبعض العباد ١٢٣
стр. 573
تحريم الصلاة على السكارى والجنب ١٢٣ التحذير من أهل الكتاب ١٢٣ عودة إلى الأحكام ١٢٤ أحكام القتال ١٢٥ تحريم المحاباة في الحكم ١٢٧ أحكام أخرى في النساء ١٢٨ تحريم المحاباة في الشهادة ١٢٩ عود إلى المنافقين وأهل الكتاب ١٢٩ حكم الكلالة ١٣١ المبحث الثالث أسرار ترتيب سورة «النساء» ١٣٣ تقدّم وجوه مناسبتها ١٣٣ المبحث الرابع مكنونات سورة «النساء» ١٣٩ المبحث الخامس لغة التنزيل في سورة «النساء» ١٤٩ المبحث السادس المعاني اللغوية في سورة «النساء» ١٦٣ المبحث السابع لكل سؤال جواب في سورة «النساء» ١٨١ المبحث الثامن المعاني المجازية في سورة «النساء» ٢٠١
سورة المائدة
المبحث الأول أهداف سورة «المائدة» ٢٠٥
стр. 574
١- تاريخ النزول ٢٠٥ ٢- قصة التسمية ٢٠٦ المائدة ٢٠٦ ٣- ظواهر تنفرد بها سورة المائدة ٢٠٧ ٤- تشريع القرآن ٢٠٧ ٥- الوفاء بالعقود ٢٠٨ ٦- الظروف التي نزلت فيها السورة ٢٠٩ ٧- أفكار السورة وأحكامها ٢٠٩ ٨- النداءات الإلهية للمؤمنين ٢١٢ ٩- أهل الكتاب ٢١٣ ١٠- اليهود ٢١٥ ١١- النصارى ٢١٥ القرآن من عند الله ٢١٦ ١٢- عدالة أحكام السورة الخاصة بأهل الكتاب ٢١٦ المبحث الثاني ترابط الآيات في سورة «المائدة» ٢١٩ تاريخ نزولها ووجه تسميتها ٢١٩ الغرض منها وترتيبها ٢١٩ أحكام العقود والمناسك ٢٢٠ أحكام الوضوء والتيمم ٢٢١ التحذير من نقض العقود ٢٢١ الاعتبار بناقضي العقود من الأولين ٢٢٢ نقض المنافقين واليهود لعقودهم ٢٢٣ عود إلى ما سبق من الأحكام ٢٢٦ الخاتمة ٢٢٧
стр. 575
المبحث الثالث أسرار ترتيب سورة «المائدة» ٢٢٩ المبحث الرابع مكنونات سورة «المائدة» ٢٣٣ المبحث الخامس لغة التنزيل في سورة «المائدة» ٢٣٩ المبحث السادس المعاني اللغوية في سورة «المائدة» ٢٤٧ المبحث السابع لكل سؤال جواب في سورة «المائدة» ٢٦٣ المبحث الثامن المعاني المجازية في سورة «المائدة» ٢٨١
стр. 576
الجزء الثالث
سورة الأنعام
المبحث الأول أهداف سورة «الأنعام» »
١ كيف أنزلت ؟
سورة الأنعام سورة مكية، وهي أول سورة مكية في ترتيب المصحف. فالبقرة وآل عمران والنساء والمائدة كلّها سور مدنيّة أمّا سورة الأنعام، فهي أوّل سورة مكّيّة توضع في السبع الطوال من سور القرآن الكريم.
وقد جاءت عدّة روايات تذكر فضل سورة الأنعام وتبيّن أنّها نزلت جملة واحدة مشيّعة بالملائكة.
قال الإمام الرازي في تفسيره «مفاتيح الغيب» :
«إن هذه السورة اختصّت بنوعين من الفضيلة أحدهما أنّها نزلت دفعة واحدة، والثاني أنها شيّعها ألف من الملائكة. والسبب في ذلك أنها مشتملة على دلائل التوحيد والعدل والنبوة والمعاد وإبطال مذاهب المبطلين والملحدين» .
ويقول القرطبي:
قال العلماء: «هذه السورة أصل في محاجّة المشركين وغيرهم من المبتدعين ومن كذّب بالبعث والنشور.
وهذا يقتضي إنزالها جملة واحدة لأنها في معنى واحد من الحجة وإن تصرّف ذلك بوجوه كثيرة. وعليها بنى المتكلمون أصول الدين» .
وعدد آيات سورة الأنعام (١٦٥) آية وعدد كلماتها (٣٠٥٣) كلمة.
стр. 577
٢- لم سميت بسورة الأنعام
سمّيت هذه السورة بسورة الأنعام، والأنعام ذوات الخفّ والظّلف: وهي الإبل والبقر والغنم بجميع أنواعها، لأنّها هي السورة التي عرضت لذكر الأنعام على تفصيل لم يرد في غيرها من السور، فقد ورد ذكر الأنعام في مواضع كثيرة من القرآن عرضا أمّا سورة الأنعام، فقد جاءت بحديث طويل عن الأنعام استغرق خمس عشرة آية، من أول الآية ١٣٦ إلى آخر الآية ١٥٠. وقد تناول الحديث عن الأنعام في هذه الآيات من السورة جوانب متعددة، تتصل بعقائد المشركين، فبينت السورة ما في عقائدهم من الخلل والفساد، إذ كانوا يحرمون بعض الأنعام على أنفسهم، ويجعلون قسما من الأنعام لآلهتهم وأصنامهم، وقسما لله، ثم يجورون على القسم الذي جعلوه لله فيأخذون منه لأصنامهم.
٣- تاريخ نزول السورة
نزلت سورة الأنعام في السنة الرابعة من البعثة المحمّديّة، أي عقب أمر النبي (ص) أن يصدع بالدعوة ويعلنها للناس بعد أن أسرّ بها ثلاث سنين.
وتميّزت الفترة التي نزلت فيها سورة الأنعام بقسوة المشركين وعنفهم في مقاومة الدعوة الإسلامية وإنكارها، فقد بدأت الدعوة سرّا، ثم جهر النبي (ص) بدعوته في مكة. ونزلت سورة الأنعام بعد الجهر بالدعوة بسنة واحدة، فاستعرضت الأدلة على توحيد الله وقدرته ثم ساقت أدلة المشركين وشبههم فأبطلتها وفندتها.
وقد أخذ المشركون بالنجاح الذي صارت عليه دعوة الإسلام حتى استطاعت أن تعلن عن نفسها بعد الخفاء، وأن تتحدّى بصوت عال ونداء جهير، بعد أن كان المؤمنون بها يلجئون إلى الشعاب والأماكن البعيدة ليؤدّوا صلاتهم، ورأى المشركون أن محمدا (ص) ماض في إعلان دعوته وتلاوة ما أنزل عليه من الكتاب، وفيه إنذار لهم وتفنيد لمعتقداتهم، وتسفيه لآرائهم، وإنكار لآلهتهم، وتهكّم بأوثانهم وتقاليدهم البالية، فكان منهم من يستمع للقرآن متأثّرا بقوّته أو متذوّقا لبلاغته، ومنهم من يبعد عنه خوفا منه. يومئذ واجهت دعوة الحق أعداءها مسفرة واضحة متحدّية، ووقف هؤلاء الأعداء مشدوهين مضطربين، يشعرون
стр. 578
في أعماق نفوسهم بصدقها وكذبهم، ويترقبون يوما قريبا لانتصارها وانهزامهم، ولا يجدون لهم حيلة إلّا المكابرة والمعارضة المستميتة بما درجوا عليه من العقائد الباطلة، وبادّعائهم كذب الرسول (ص) ، وبزعمهم أن إرسال الرسل من البشر أمر لم يقع من قبل، وأن الله لو شاء إبلاغ عباده شيئا لأنزل إليهم الملائكة وأنكر كفار مكة البعث والدار الاخرة، واستماتوا في الدفاع عن عقائدهم وآلهتهم، ونسوا أن محمدا (ص) عاش فيهم عمرا طويلا لم يقل فيهم يوما قولة كاذبة، ولم يخن فيهم يوما أمانة اؤتمن عليها، وأنهم لذلك كانوا يلقبونه بالصادق الأمين.
ولكنّهم فكروا فقط في أنّ الدعوة الجديدة يجب أن تموت في مهدها، ويجب أن تكتم أنفاسها قبل أن تنبعث حرارة هذه الأنفاس إلى البلاد والقبائل والشعوب.
ووجّهت الدعوة الإسلامية بهذا النضال، وتحملت جميع مقتضياته وأثقاله، وكانت سورة الأنعام مثالا لتحقيق هذه الدعوة الإسلامية في هذه الفترة. فقد جمعت العقائد الصحيحة كلها، وعنيت بالاحتجاج لأصول الدين، وتفنيد شبه الملحدين، وإبطال العقائد الفاسدة، وتركيز مبادئ الأخلاق الفاضلة.
٤- مميزات المكي والمدني
وضع العلماء ضوابط تميّز السور المكية من المدنية، واستنبطوا خصائص الأسلوب والموضوعات التي تناولتها كل مجموعة منهما.
فمن خصائص السور المكية ما يأتي:
١- الدعوة إلى التوحيد، وعبادة الله وحده وإثبات الرسالة، وإثبات البعث والجزاء وذكر القيامة وهولها، والنار وعذابها، والجنة ونعيمها ومجادلة المشركين، بالبراهين العقلية والآيات الكونية.
٢- وضع الأسس العامة للفضائل الأخلاقية التي يقوم عليها كيان المجتمع، وفضح جرائم المشركين في سفك الدماء، وأكل أموال اليتامى ظلما، ووأد البنات، وما كانوا عليه من سوء العادات.
٣- ذكر قصص الأنبياء والأمم السابقة زجرا للكافرين حتّى يعتبروا
стр. 579
بمصير المكذّبين قبلهم، وتسلية لرسول الله (ص) حتى يصبر على أذاهم ويطمئنّ الى الانتصار عليهم.
٤- قصر الفواصل مع قوة الألفاظ، وإيجاز العبارة، بما يصخّ الآذان، ويشتدّ قرعه على المسامع، وينبّه القلوب ويحرّك الأفئدة.
ومن خصائص السور المدنية ما يأتي:
١- بيان العبادات والمعاملات، والحدود، ونظام الأسرة، والمواريث، وفضيلة الجهاد، والصلات الاجتماعية، والعلاقات الدولية في السلم والحرب، وقواعد الحكم، ومسائل التشريع.
٢- مخاطبة أهل الكتاب من اليهود والنصارى، ودعوتهم إلى الإسلام، وبيان تحريفهم لكتب الله، وتجنّيهم على الحق، واختلافهم من بعد ما جاءهم العلم بغيا بينهم.
٣- الكشف عن سلوك المنافقين، وتحليل نفسياتهم، وإزاحة الستار عن خباياهم، وبيان خطرهم على الدين.
٤- طول المقاطع والآيات في أسلوب يقرّر الشريعة ويوضح أهدافها.
٥- خصائص السور المكية واضحة في سورة الأنعام
«سورة الأنعام مثل كامل للخصائص المكية، إنها حشد من الصور الفنية العجيبة واللمسات الوجدانية الموحية، والمنطق الطبيعي الحي.. وهي كلّها من أولها إلى آخرها تنبض بإيقاع واحد، وتترقرق بماء واحد تفيض بينبوع زاخر متدفق» .
إن موضوعها الذي تعالجه من مبدئها إلى منتهاها هو موضوع العقيدة، بكلّ مقوّماتها وبكلّ مكوّناتها، وهي تأخذ بمجامع النفس البشرية وتطوف بها في الوجود كله، وراء ينابيع الحقيقة وموحياتها المستترة والظاهرة في هذا الوجود الكبير. إنها تطوف بالنفس البشرية في ملكوت السماوات والأرض، تلحظ الظلمات فيها والنور، وترقب الشمس والنجوم، وتسرح في الجنات المعروشة وغير المعروشة، والحياة الباطلة والجارية، وتقف على مصارع الأمم الخالية، وآثارها البائدة والباقية، ثم تسبح مع ظلمات البحر والبر وأسرار الغيب والنفس والحي يخرج من الميّت، والميّت يخرج من
стр. 580
الحي، ومع الحبة المستكنة في ظلام الأرض، والنطفة المستكنة في ظلام الرحم. ثم تموج بالجن والإنس، والطير والوحش، والأوّلين والآخرين والأحياء والأموات، والحفظة من الملائكة على النفس بالليل والنهار..
إنه الحشد الكوني الذي يزحم أقطار النفس، وأقطار الحس، وأقطار اللمس وأقطار الخيال.. ثمّ إنّها اللمسات المبدعة المحببة، التي تنتفض المشاهد بعدها والمعاني، أحياء تمرح في النفس والخيال. وإذا كلّ مكرور مألوف من المشاهد والمشاعر، جديد نابض، كأنما تتلقّاه النفس أول مرة، ولم يطلع عليه من قبل ضمير إنسان. إلا أنّها القدرة المبدعة تتبدّى في صورة من صورها الكثيرة، فما يقدر على بث الحياة هكذا في الصور والمشاعر والمعاني، إلا الله سبحانه الذي بث في الوجود الحياة.
٦- الأغراض الرئيسة لسورة الأنعام
إن الأغراض الرئيسة التي استهدفتها هذه السورة الكريمة هي تركيز العقائد الأساسية الثلاث التي كان المشركون يومئذ يتنازعون فيها، وهذه العقائد الأساسية هي:
أولا: توحيد الله. ويتصل بهذا إقامة الدليل على وحدة الألوهيّة، بلفت النظر إلى آثار الربوبية، وإلى صفات الله الخالق المتصرف، كما يتصل بها إبطال عقيدة الشرك، وشبهات المشركين، وتقرير أن العبادة والتوجّه والتحريم والتحليل، إنما ترجع إلى الله.
ثانيا: الإيمان برسوله الذي أرسل، وكتابه الذي أنزل، وبيان وظيفة هذا الرسول، ورد الشبهات التي تثار حول الوحي والرسالة.
ثالثا: الايمان باليوم الاخر وما يكون فيه من ثواب وعقاب وجزاء. وسوف نتناول كل غرض من هذه الأغراض بالتوضيح:
(أ) وحدة الألوهيّة:
لقد بدأت سورة الأنعام بتقرير الحقيقة الأولى في كل دين وعلى لسان كل رسول، تلك الحقيقة التي تؤمن بها الفطر السليمة ويدل عليها العالم بأرضه وسمائه. وما فيه من مخلوقات ناطقة
стр. 581
وصامتة ظاهرة وخفية وما فيه من تحوّلات وتقلّبات ونور وظلمات وهذه الحقيقة هي أن الإله الذي له (الحمد) المطلق والتنزيه الذي لا يحدّ هو الله، لأنه هو الذي «خلق» وهو الذي «جعل» فالخلق إنشاء وإبداع، والجعل تصريف وتقليب والعالم أجمع في دائرتيهما فلا ينفكّ شيء منه عن كلا هذين المظهرين: «خلق» و «جعل» . ومقتضى ذلك أنّ المخلوق المجهول، لا يمكن أن يتسامى إلى مرتبة الخالق الجاعل فيعبد كما يعبد، ويقصد كما يقصد، ذلك هو مطلع السورة الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ وَجَعَلَ الظُّلُماتِ وَالنُّورَ ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ (١) . وكل ما جاء في هذه السورة إنما هو بيان وتفصيل، أو تمثيل وتطبيق على هذه الحقيقة أحيانا بصفة مباشرة، وأحيانا بوسائط تقرّب أو تبعد.
وهذا هو المعنى الذي يعبّر عنه بعض العلماء بأنه الحكم بتوحيد الألوهيّة استدلالا بوحدانيّة الربوبيّة، وذلك في القرآن كثير. فأوّل فاتحة الكتاب:
الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ (٢) .
وأول الكهف:
الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنْزَلَ عَلى عَبْدِهِ الْكِتابَ.
وأول فاطر:
الْحَمْدُ لِلَّهِ فاطِرِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ جاعِلِ الْمَلائِكَةِ رُسُلًا.
ولو ذهبنا نتتبّع هذا المعنى لأوغلنا في التتبّع، ورأينا الكثير من الآيات، فإن هذا هو أصل الأديان كلّها وهو الحقيقة الأولى، كما تجلى ذلك في سورة الأنعام. وقد ساقت السورة عددا من الأدلّة على توحيد الله سبحانه، فهي تلفت إلى مظاهر الملك التام، والسلطان القاهر في الخلق والتصرّف الكامل، والعلم المحيط فتقول:
قُلْ لِمَنْ ما فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ قُلْ لِلَّهِ [الآية ١٢] .
وَلَهُ ما سَكَنَ فِي اللَّيْلِ وَالنَّهارِ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (١٣) .
وَعِنْدَهُ مَفاتِحُ الْغَيْبِ لا يَعْلَمُها إِلَّا هُوَ وَيَعْلَمُ ما فِي الْبَرِّ [الآية ٥٩] .
وَهُوَ الَّذِي يَتَوَفَّاكُمْ بِاللَّيْلِ وَيَعْلَمُ ما جَرَحْتُمْ بِالنَّهارِ [الآية ٦٠] .
وهي تلفت النظر إلى ملكوت السماوات والأرض، وما خلق الله من
стр. 582
شيء، لأنّ هذا النظر لا بد أن يثمر الإيمان بالله.
بل تلفت الإنسان إلى نفسه، ليتفكّر في داخله كيف خلق؟ وكيف يفكّر وكيف يعيش وكيف يموت؟
وبهذا، تكون الحجة عامّة، لكلّ ذي عقل سليم وفطرة صافية، وإخلاص في تطلّب الحقيقة من دلائلها المبثوثة في آفاق السماوات والأرض، ولذلك يقول جل شأنه:
سَنُرِيهِمْ آياتِنا فِي الْآفاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ أَوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ (٥٣) [فصلت] .
(ب) قضية الوحي والرسالة
كما تحدثت سورة الأنعام عن الألوهيّة والربوبيّة، ولفتت الناس إلى مظاهر هما في الخلق والتصرف والتدبير المحكم، تحدثت عن حقيقة ثانية تنبني على الإيمان بهذه الحقيقة الأولى:
ذلك أنّ من شأن الإله، أن يهدي عباده، ويرشدهم إلى ما تصلح به أمورهم، وتقوم عليه سعادتهم في دنياهم وأخراهم.
ومن رحمة الله بعباده، أن أرسل إليهم الرسل، وأنزل عليهم الكتاب لهداية الناس من الضلالة إلى الهدى، وإخراجهم من الظلمات إلى النور.
وقد عنيت سورة الأنعام بهذه الحقيقة، فتحدّثت، في كثير من آياتها، عن الوحي والرسالة من جوانب شتّى، بعضها يتّصل بإثبات الوحي وبيان حكمته والرد على منكريه وبعضها يرجع إلى بيان ما هو من وظيفة الرسول وما ليس من وظيفة وبعضها يتصل بموقف الناس أمام الرسالات الإلهية، وبعضها يتعلّق بالآداب التي رسمها الله للرسول، وما ينبغي أن يكون عليه سلوكه مع مخالفيه وموافقيه. قال تعالى:
وَأُوحِيَ إِلَيَّ هذَا الْقُرْآنُ لِأُنْذِرَكُمْ بِهِ وَمَنْ بَلَغَ [الآية ١٩] .
وَهُوَ الَّذِي أَنْزَلَ إِلَيْكُمُ الْكِتابَ مُفَصَّلًا وَالَّذِينَ آتَيْناهُمُ الْكِتابَ يَعْلَمُونَ أَنَّهُ مُنَزَّلٌ مِنْ رَبِّكَ بِالْحَقِّ فَلا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ (١١٤) .
تكذيب المرسلين:
عرضت السورة لموقف المكذّبين من الرسالة، وبينت أن التكذيب سنة قديمة. فعلى الرسول أن يصبر
стр. 583
ويصابر، حتى لا يضيق صدره بتكذيبهم إياه، ولا ييأس من هدايتهم.
وبيّنت السورة حسن عاقبة المرسلين.
وسوء عاقبة المكذّبين قال تعالى:
قَدْ نَعْلَمُ إِنَّهُ لَيَحْزُنُكَ الَّذِي يَقُولُونَ فَإِنَّهُمْ لا يُكَذِّبُونَكَ وَلكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآياتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ (٣٣) وَلَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ فَصَبَرُوا عَلى ما كُذِّبُوا وَأُوذُوا حَتَّى أَتاهُمْ نَصْرُنا وَلا مُبَدِّلَ لِكَلِماتِ اللَّهِ وَلَقَدْ جاءَكَ مِنْ نَبَإِ الْمُرْسَلِينَ (٣٤) .
وَلَقَدِ اسْتُهْزِئَ بِرُسُلٍ مِنْ قَبْلِكَ فَحاقَ بِالَّذِينَ سَخِرُوا مِنْهُمْ ما كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِؤُنَ (١٠) .
نبوة محمد (ص) :
أثبت القرآن الوحي والرسالة ثم أثبت نبوّة محمد (ص) بالدليل القاطع والحجة البالغة. فقد نشأ هذا النبي يتيما فقيرا أمّيا في بيئة مشركة جاهلة فمن أين له هذا الكتاب المحكم الذي اشتمل على مبادئ الإصلاح العالمي كلها؟ والذي لم يستطع العلم، في أزهى عصوره، أن يهدم حقيقة من الحقائق التي جاء بها.
إن القرآن قد تحدّى العرب ببلاغته وقوّة بيانه فعجزوا عن الإتيان بمثله، أو بعشر سور منه، أو بسورة واحدة.
وقد تحدّى القرآن الزمان كله بخلوده وصحته، وأنه لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه..
وَما قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ إِذْ قالُوا ما أَنْزَلَ اللَّهُ عَلى بَشَرٍ مِنْ شَيْءٍ [الآية ٩١] .
(ج) قضية البعث والجزاء
نزلت سورة الأنعام في السنة الرابعة من البعثة بعد أن أمر الله رسوله أن يجهر بالدعوة، وأن يعلن عن العقيدة الإلهية، ويقرر حقيقة البعث والجزاء علنا أمام المشركين.
وقد سلكت سورة الأنعام طرقا شتّى في الاستدلال على قضية البعث فقد استدلت عليه بخلق السماوات والأرض في مقدّمتها العنوانية:
الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ وَجَعَلَ الظُّلُماتِ وَالنُّورَ ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ (١) .
فمن خلق السماوات والأرض بقدرته فهو قادر على إحياء الموتى واعادة خلق الإنسان. فخلق السماوات والأرض أكبر من خلق الناس، ولكن أكثر الناس لا يعلمون.
стр. 584
وكررت هذه الحقيقة وأكدت في آياتها بصور شتى فذكرت أن البعث حق، وأن الله بيده الخلق، والأمر، والبدء، والإعادة، والحساب، والجزاء قال تعالى:
لَيَجْمَعَنَّكُمْ إِلى يَوْمِ الْقِيامَةِ لا رَيْبَ فِيهِ [الآية ١٢] .
وقال سبحانه:
ثُمَّ إِلى رَبِّكُمْ مَرْجِعُكُمْ فَيُنَبِّئُكُمْ بِما كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ (١٦٤) .
وقد استدلّ القرآن في قضية البعث والجزاء، بعديد من الأدلّة، منها أن الحكمة والعدل يقضيان بالحكم بين الناس فيما اختلفوا فيه، كما يقضيان بأن ينال المحسن إحسانه، والمسيء إساءته حتى يطهر المسيء من دنس النفس ويكون أهلا لرحمة الله الكاملة، وهذان شأنان هامّان، إذ كثيرا ما يرتحل الناس عن الدنيا دون أن يسهل طريق النقاء لمن دسّى نفسه، ودون أن يعرفوا الحق فيما اختلفوا فيه وإذا فلا بد من دار أخرى يلقى الإنسان فيها الجزاء أمام حاكم عادل، عليم خبير بكل ما قدّم الإنسان.
وقد تعرّض أحد القضاة الفرنسيين لتاريخ القضاء في فرنسا، وأصدر كتابا ذكر فيه عددا من الحالات، حكم فيها بالإعدام أو الإدانة على متّهمين، ثم برّأتهم الأيّام والحقائق وأحصى عددا من الحالات، برّأ القضاء فيها متّهمين ثم أثبتت الأيام وحقائق الأحداث أنّهم مدانون.
ثم عقّب القاضي بقوله: إنه لا بدّ من جزاء وحساب أمام قاض آخر، لا تخفى عليه خافية ولا تغيب عنه حادثة، في دار أخرى، ليعوّض الناس عن أخطاء القضاء في الدنيا، وليكون حكمه فيصلا ومنصفا للمظلومين، ورادعا للمجرمين، وفي القرآن الكريم آيات عدة تؤكد هذا المعنى، قال تعالى:
لِيَجْزِيَ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ بِالْقِسْطِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا لَهُمْ شَرابٌ مِنْ حَمِيمٍ وَعَذابٌ أَلِيمٌ بِما كانُوا يَكْفُرُونَ (٤) [يونس] .
أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئاتِ أَنْ نَجْعَلَهُمْ كَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ سَواءً مَحْياهُمْ وَمَماتُهُمْ ساءَ ما يَحْكُمُونَ
(٢١) [الجاثية] .
وَمَا الْحَياةُ الدُّنْيا إِلَّا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَلَلدَّارُ الْآخِرَةُ خَيْرٌ لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ أَفَلا تَعْقِلُونَ (٣٢) .
стр. 585
وقد لوّن القرآن ونوّع في أدلّته على إثبات البعث، وعرض مشاهد القيامة واضحة للعيان. وعرضت سورة الأنعام لشأن البعث باعتباره أمرا كائنا ليس موضع إنكار، ولا محلا لريب وصوّرت فيه مواقف المشركين، وما سيكونون عليه في ذلك اليوم، كأنهم حاضرون معروضون أمام الناس، يتأمّلهم الإنسان، ويرى فعلهم وقولهم قال تعالى:
وَيَوْمَ نَحْشُرُهُمْ جَمِيعاً ثُمَّ نَقُولُ لِلَّذِينَ أَشْرَكُوا أَيْنَ شُرَكاؤُكُمُ الَّذِينَ كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ (٢٢) ثُمَّ لَمْ تَكُنْ فِتْنَتُهُمْ إِلَّا أَنْ قالُوا وَاللَّهِ رَبِّنا ما كُنَّا مُشْرِكِينَ (٢٣) انْظُرْ كَيْفَ كَذَبُوا عَلى أَنْفُسِهِمْ وَضَلَّ عَنْهُمْ ما كانُوا يَفْتَرُونَ (٢٤) .
وقال سبحانه: وَلَقَدْ جِئْتُمُونا فُرادى كَما خَلَقْناكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَتَرَكْتُمْ ما خَوَّلْناكُمْ وَراءَ ظُهُورِكُمْ وَما نَرى مَعَكُمْ شُفَعاءَكُمُ الَّذِينَ زَعَمْتُمْ أَنَّهُمْ فِيكُمْ شُرَكاءُ لَقَدْ تَقَطَّعَ بَيْنَكُمْ وَضَلَّ عَنْكُمْ ما كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ (٩٤) .
إلى غير ذلك ممّا تضمّنته السورة من الوصف العينيّ لمظاهر البعث الذي يأخذ القلب وينير الوجدان.
٧- قصة إبراهيم الخليل
حفلت سورة الأنعام بذكر طرف من قصة إبراهيم الخليل ﵇، وإبراهيم أبو الأنبياء والرسول الذي دافع عن التوحيد، وتحدّى عبّاد الأصنام، وأخذ يتأمّل بفكره في ملكوت السماوات والأرض، ليرشد قومه، عن طريق الحوار، إلى فساد اعتقادهم ودليل خطأهم في تأليه الكواكب والقمر والشمس وغيرها.
جنّ عليه الليل، وستره الظلام، فرأى كوكبا ممّا يعبدون وهو بين جماعة منهم، يتحدّثون ويسمرون، فجاراهم في زعمهم، وحكى قولهم، فقال هذا ربي. فلما أفل هذا الكوكب، وغاب هذا النجم تحت الأفق، تفقّده فلم يجده، وبحث عنه فلم يره فقال لا أحب الالهة المتغيّرة من حال إلى حال.
ولما رأى القمر بازغا وهو أسطع نورا من ذلك الكوكب، وأكبر منه حجما، وأكثر نفعا قال كما ورد في التنزيل:
هذا رَبِّي.
لاستدراجهم واستهواء قلوبهم، فلما
стр. 586
أفل هذا أيضا واحتجب، واختفى نوره واستتر، قال كما روى القرآن الكريم، ذلك حكاية عنه:
لَئِنْ لَمْ يَهْدِنِي رَبِّي لَأَكُونَنَّ مِنَ الْقَوْمِ الضَّالِّينَ (٧٧) .
بيّن لهم أن الله خالق الهداية، ومانح التوفيق. ثم رأى إبراهيم الشمس بازغة يتألق نورها وينبعث منها شعاعها، وقد كست الدنيا جمالا، وملأت الأرض حياة وبهاء، وأرجاء الكون نورا وضياء، فقال: هذا ربي، هذا أكبر من كل الكواكب، وأكثر نفعا، وأجل شأنا، فلما أفلت كغيرها، وغابت عن عبادها، رماهم بالشرك وقال كما روى القرآن، حكاية عنه:
إِنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ (٧٨) .
فهذه الكواكب التي تنتقل من مكان إلى مكان، وتتحوّل من حال إلى حال، لا بد لها من خالق يدبرها ويحركها، وإله ينظمها ويسيّرها فهي لا تستحق عبادة ولا تعظيما.
وبعد أن أعلن إبراهيم انصرافه عن آلهتهم، وبراءته من معبوداتهم أفاض الحديث عن إخلاصه لله بعبادته وخضوعه، فقال كما ورد في محكم التنزيل:
إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ حَنِيفاً وَما أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ (٧٩) .
ولقد كان إبراهيم جريئا في إعلان إيمانه، وإخلاصه لربّه، ومجادلة قومه، وإفهامهم أن غير الله لا ينفع ولا يضرّ، وأن الله وحده هو النافع الضارّ، والمعطي المانع، وهو على كل شيء قدير. وقد ناقش إبراهيم أباه، وأوضح له طريق الهدى، وأخلص الدعاء لأبيه أن يلهمه الله طريق الهداية والرشاد، فلما تبيّن لإبراهيم أنّ أباه عدوّ لله تبرّأ منه. وهكذا كان إبراهيم عمليا في دعوته، عمليّا في هجرته وعزلته.
وقد ظهرت قدرة إبراهيم وإخلاصه وتضحيته، حينما حطّم الأصنام، ولام قومه على عبادة ما لا يسمع ولا يبصر، ولا يضر ولا ينفع، وظهرت بطولة إبراهيم حينما امتحنه الله بذبح ولده إسماعيل، فامتثل إبراهيم لأمر ربّه، وأشار القرآن الكريم إلى ذلك بقوله تعالى:
يا بُنَيَّ إِنِّي أَرى فِي الْمَنامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ فَانْظُرْ ماذا تَرى قالَ يا أَبَتِ افْعَلْ ما تُؤْمَرُ سَتَجِدُنِي إِنْ شاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّابِرِينَ (١٠٢) [الصافات] .
стр. 587
وصدق الأب في طاعة ربه، وصدق الابن في الوفاء والامتثال وعزم الأب على ذبح ابنه، وأخلص النيّة فلما ظهر منه صدق النيّة، فدي إسماعيل بكبش عظيم، وأصبحت الأضحية سنّة في كل عام، يذبحها الغنيّ المقتدر ويوزّع من لحمها على الفقراء وعلى الأصدقاء، ذكرى للتضحية والفداء، واقتداء بإبراهيم الخليل. وكم لإبراهيم من مواقف جليلة عظيمة في مصر، وفي فلسطين، وفي جوار بيت الله الحرام، وفي بناء الكعبة وهو يخلص الدعاء لله في كل عمل. وقد مدحه القرآن، ووصفه بأحسن الصفات، إذ يقول ﷻ :
إِنَّ إِبْراهِيمَ كانَ أُمَّةً قانِتاً لِلَّهِ حَنِيفاً وَلَمْ يَكُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (١٢٠) [النحل] .
٨- الوصايا العشر
افتتح الربع الأخير من سورة الأنعام، بالدعوة إلى عشر وصايا هي النهي عن الإشراك بالله، والأمر بالإحسان إلى الوالدين، والنهي عن قتل الأولاد مخافة الحاجة، والنهي عن مقاربة الفاحشة في السرّ أو العلن، والنهي عن قتل النفس التي حرّم الله قتلها. ثم أمرت الآيات بالإحسان إلى اليتيم، وإتمام الكيل والميزان كما أمرت بالعدل في كل شيء وأمرت بالوفاء بالعهد، والاستقامة على الصراط القويم.
الوصية الأولى:
من هذه الوصايا العشر التي وردت في سورة الأنعام قوله تعالى:
قُلْ تَعالَوْا أَتْلُ ما حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ أَلَّا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئاً [الآية ١٥١] ، وهي الأساس الذي يصلح عليه أمر الناس، فإنّ المجتمع الذي يقوم على إيثار الله على كلّ ما سواه هو المجتمع الفاضل المثاليّ السعيد أما المجتمع الذي يشرك بالله أحدا أو يشرك بالله شيئا، فإنه مجتمع منحلّ، تسيّره المادة الصماء التي لا روح فيها ولا صلاح ولا قرار معها.
والوصية الثانية:
وَبِالْوالِدَيْنِ إِحْساناً [الآية ١٥١] .
فالوالدان سبب في حياة الولد فيجب أن يشكرهما ويحسن إليهما، خصوصا في حالة الكبر والشيخوخة.
والوصية الثالثة:
وَلا تَقْتُلُوا أَوْلادَكُمْ مِنْ إِمْلاقٍ نَحْنُ نَرْزُقُكُمْ وَإِيَّاهُمْ [الآية ١٥١] .
стр. 588
أن قتل الإنسان لابنه اعتلال في الطبع أو خلل في العقل، فإن الولد بضعة من الوالد والشأن حتى في الحيوان أن يضحّي الوالد من أجل أولاده، ويحميهم، ويتحمل الصعاب في سبيلهم. وفي الحديث الصحيح، يقول النبي (ص) : «إن من أكبر الكبائر أن تقتل ولدك خشية أن يأكل معك» .
إذ أن الله يبسط الرزق لمن يشاء وَما مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُها [هود: ٦] .
الوصية الرابعة:
وَلا تَقْرَبُوا الْفَواحِشَ ما ظَهَرَ مِنْها وَما بَطَنَ [الآية ١٥١] .
والفواحش هي كل فعل تنكره العقول السليمة، والفطر المستقيمة، والمجتمع الذي يؤمن بأن هناك (فواحش) يجب أن تجتنب، و (محاسن) يجب أن تلتمس، هو المجتمع السليم الجدير بالنمو والارتقاء.
الوصية الخامسة:
وَلا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ ذلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ (١٥١) .
فالإنسان بنيان الله، ومن هدم بنيان الله ملعون، وبذلك يقرر الإسلام عصمة الدم الإنساني إلا بالحق ويعتبر من يعتدي على نفس واحدة بغير حق، كأنه اعتدى على الإنسانية كلها. وهو المبدأ الذي يعتبر أن الجريمة اعتداء على المجتمع كله.
والوصية السادسة:
وَلا تَقْرَبُوا مالَ الْيَتِيمِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ
[الآية ١٥٢] .
فاليتيم عارض يعرض في كل مجتمع، ومن شأن المجتمعات الناضجة أن ترعى اليتامى، وأن تحافظ على صلاحهم في أنفسهم وفي أموالهم. وعلى الوصيّ أن يعامل اليتيم كما لو كان ابنا من أبنائه فيحسن توجيهه، وتأديبه، ورعايته، وكفالته حتى ينشأ اليتيم مواطنا صالحا وعضوا نافعا.
الوصية السابعة:
وَأَوْفُوا الْكَيْلَ وَالْمِيزانَ بِالْقِسْطِ
[الآية ١٥٢] .
فالمؤمن عادل في بيعه وشرائه يضبط الكيل، ويعطي الحق، ويأخذ الحق.
الوصية الثامنة:
وَإِذا قُلْتُمْ فَاعْدِلُوا
[الآية ١٥٢] .
стр. 589
والعدل هو أساس الحكم السليم، العدل في القول، والعدل في الحكم، والعدل في الشهادة، والعدل في كل فعل وعمل.
الوصية التاسعة:
وَبِعَهْدِ اللَّهِ أَوْفُوا
[الآية ١٥٢] .
والوفاء خلة حميدة، وصفة طيبة من الصفات التي يتحقّق بها الخير والصلاح وتستقر عليها أمور الناس.
الوصية العاشرة:
وَأَنَّ هذا صِراطِي مُسْتَقِيماً فَاتَّبِعُوهُ وَلا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ [الآية ١٥٣] .
وهذه الوصية الأخيرة هي الجامعة لكل ما جاءت به دعوة الحق. فهي تدعو إلى السير على طريق الله، وشرعة الله، وأوامر الله، والابتعاد عن طرق الشيطان فطريق الله سبيل النجاح في الدنيا والاخرة، وفي سورة الفاتحة:
اهْدِنَا الصِّراطَ الْمُسْتَقِيمَ (٦) .
стр. 590
المبحث الثاني ترابط الآيات في سورة «الأنعام» «١»
تاريخ نزولها ووجه تسميتها
نزلت سورة الأنعام بمكّة بعد سورة الحجر، وقد نزلت سورة الحجر بعد ثلاث سور من سورة الإسراء، وكان الإسراء، قبل الهجرة إلى المدينة بسنة، فتكون سورة الأنعام من السور التي نزلت بين الإسراء والهجرة.
وقد سمّيت هذه السورة بهذا الاسم، لأنه فصّل فيها حكم الأنعام من الإبل، والبقر، والضأن، والمعز، وتبلغ آياتها خمسا وستين ومائة آية.
الغرض منها وترتيبها
نزلت سورة الأنعام دفعة واحدة في ذلك الزمن السابق، وتمتاز بطولها على كل السور المكّيّة ما عدا سورة الأعراف، فكان لها شأنها في ذلك حين نزولها، وقد اهتم النبي (ص) بها، فدعا الكتّاب فكتبوها من ليلتهم والغرض منها، إثبات التوحيد والنبوّة، ودحض مذاهب المبطلين والملحدين، وإبطال ما ابتدعوه من تحليل الحرام، وتحريم الحلال من الطيّبات، تقرّبا لأصنامهم وبهذا ينحصر الغرض منها في هذين المقصدين. وقد ابتدئت بإثبات التوحيد والنبوّة، تمهيدا لمناظرة المشركين فيهما وختمت ببيان أن النبي (ص) ليس في شيء منهم بعد أن قام بإبطال شبهاتهم، وأن ما أتاهم به من التوحيد هو دين أبيهم إبراهيم (ع) وأن الله ما كان ليتركهم
стр. 591
من غير تكليف، وهو لم يخلقهم عبثا وإنما خلقهم، ليجعلهم خلفاءه في أرضه.
وقد ذكرت هذه السورة بعد سورة المائدة، لأنها من الطوال مثلها، ولأنه ذكر فيها كثير من أحكام الحلال والحرام، كما ذكر في سورة المائدة.
إثبات التوحيد والنبوة الآيات [١- ٧]
قال الله تعالى: الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ وَجَعَلَ الظُّلُماتِ وَالنُّورَ ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ (١) ، فذكر سبحانه أنه المستحق للحمد، لأنه الذي خلق السماوات والأرض، وجعل الظلمات والنور، واستبعد مع هذا أن يسوّي به المشركون أصنامهم التي لا تقدر على هذه الأشياء العظيمة ثم استدل على توحيده أيضا بخلقه الإنسان من طين، وبكونه لا يغيب عن علمه شيء في السماوات والأرض، وما يعمله الناس في سرهم وجهرهم، وما يكسبون من خير وشر ثم ذكر أن النبي (ص) لا يأتيهم بآية من ذلك تدلّ على نبوّته، إلا أعرضوا عنها وكذّبوا واستهزءوا بها وأنه سوف يأتيهم أنباء ما يستهزئون به، فيأخذهم بعذابه كما أخذ كثيرا من قرون قبلهم مكّنهم في الأرض ما لم يمكّن لهم ثم ذكر أنه بلغ من تعنّتهم على النبي (ص) أنه لو نزّل عليه كِتاباً فِي قِرْطاسٍ فَلَمَسُوهُ بِأَيْدِيهِمْ لَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هذا إِلَّا سِحْرٌ مُبِينٌ (٧) .
شبهتهم الأولى على التوحيد والنبوة الآيات [٨- ٣٦]
ثمّ قال تعالى: وَقالُوا لَوْلا أُنْزِلَ عَلَيْهِ مَلَكٌ وَلَوْ أَنْزَلْنا مَلَكاً لَقُضِيَ الْأَمْرُ ثُمَّ لا يُنْظَرُونَ (٨) فذكر أنهم كانوا يقولون، تعنّتا واستهزاء، إنه لو كان نبيا لأنزل عليه ملك يصدّقه في ما يدعو إليه من التوحيد والنبوة وقد أجابهم تعالى بأنه لو أنزل عليه ملكا ولم يؤمنوا به لعجّل بإهلاكهم، وهو لا يريد ذلك لهم، وبأنه لو أنزل ملكا لجعله في صورة البشر ليروه ويسمعوا كلامه، فلا يصدقون أنه ملك، ويعودون إلى اقتراح ما اقترحوه ثم ذكر أن تعجيل الإهلاك هو ما جرت به سنّته في الأمم التي كانت تقترح الآيات على رسلها تعنّتا واستهزاء، ثم لا يؤمنون بها
стр. 592
وأمرهم أن يسيروا في الأرض، ليروا بأنفسهم كيف كانت عاقبتهم.
ثم بيّن لهم- بعد أن ذكر أنه لا سبيل إلى هذه الآية- آياته على التوحيد، فأمر النبي (ص) أن يسألهم لمن ما في السماوات والأرض؟ وأن يجيبهم بأن ذلك له سبحانه، وحده لا لآلهتهم وبأن له ما سكن في الليل والنهار من الدواب وغيرها ثم أمره أن يقول لهم: إنه لا يمكنه بعد هذا أن يتّخذ غيره سبحانه وليا من أصنامهم، وإنه قد أمر أن يكون أوّل من أسلم له ولا يشرك به، وإنه يخاف، إن عصاه، عذاب يوم القيامة ثم ذكر أنه من يصرف عنه هذا العذاب فقد ﵀، وأنه إن يمسسه بضرّ فلا كاشف له غيره، وإن يمسسه بخير فهو على كل شيء قدير وَهُوَ الْقاهِرُ فَوْقَ عِبادِهِ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْخَبِيرُ (١٨) .
ثم بيّن لهم الأدلة على النبوة، فأمر النبي (ص) أن يسألهم: أي شيء أكبر شهادة؟ وأن يجيبهم بأن الله هو الأكبر شهادة لا غيره منهم ومن آلهتهم، وقد شهد له بالنبوة بما أوحي إليه من القرآن المعجز، وإذا كانوا يشهدون أن معه آلهة أخرى تساويه في الشهادة، فهو لا يشهد معهم بذلك ثم ذكر أنّ أهل الكتاب يشهدون بنبوّته أيضا، ويعرفونه كما يعرفون أبناءهم، وأن أولئك المشركين قد ضلوا وخسروا أنفسهم فلا سبيل إلى إيمانهم ثم ذكر أنه لا يوجد أضل منهم لافترائهم شركاء له وتكذيبهم بآياته، وأنه سيحشرهم جميعا ثم يسألهم عن شركائهم، فينكرون أنّهم كانوا مشركين: انْظُرْ كَيْفَ كَذَبُوا عَلى أَنْفُسِهِمْ وَضَلَّ عَنْهُمْ ما كانُوا يَفْتَرُونَ (٢٤) .
ثم انتقل إلى بيان بعض أسباب كفرهم، فذكر منها أنه جعل على قلوبهم أكنة وفي آذانهم وقرا، وأنهم إن يروا كلّ آية لا يؤمنوا بها، وليس عندهم إذا جادلوا فيها إلّا أن يقولوا إن هذا إلا أساطير الأولين ثم ذكر أنهم ينهون الناس عن الاستماع إليه، وينأون عنه، ولا يضرّون بهذا إلا أنفسهم وأنهم سيندمون عليه حينما يعرضون على النار، ويتمنّون أن يردّوا إلى الدنيا ليؤمنوا بتلك الآيات التي كذّبوا بها، ولو أنهم ردّوا إلى الدنيا لعادوا إلى تكذيبهم ثم ذكر من تلك الأسباب أنهم لا يؤمنون إلّا بالحياة الدنيا، وينكرون أن يكون هناك بعث لهم
стр. 593
وذكر أنهم سيبعثون ويعرضون عليه سبحانه، فيسألهم: أَلَيْسَ هذا بِالْحَقِّ [الآية ٣٠] فيقرّون به ولا ينكرونه، ويجازيهم على هذا بإذاقتهم عذاب النار ثمّ ذكر أنّهم قد خسروا بإنكارهم البعث، وأنهم سيندمون حين تأتيهم الساعة بغتة وهم يحملون أوزارهم على ظهورهم، وما أسوأها من أوزار لهم: وَمَا الْحَياةُ الدُّنْيا إِلَّا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَلَلدَّارُ الْآخِرَةُ خَيْرٌ لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ أَفَلا تَعْقِلُونَ (٣٢) .
ثم ذكر للنبي (ص) أنه يعلم أنه يحزنه الذي يقولون من أن ما أنزل عليه من أساطير الأولين وأنهم لا يكذبونه بهذا، وإنّما يكذبون الله، ويجحدون آياته، وأنه قد كذّب رسل من قبل، فصبروا على تكذيبهم حتى نصرهم الله عليهم وأنه إن كان كبر عليه إعراضهم واقتراحهم تلك الآيات، فليبتغ نفقا في الأرض أو سلما في السماء فيأتيهم بها إن استطاع وأنه سبحانه، لو شاء لجمعهم على الهدى من غير آية من الآيات ثم نهاه أن يكون من الجاهلين، فيحزن لإعراضهم، أو يطمع في استجابتهم: إِنَّما يَسْتَجِيبُ الَّذِينَ يَسْمَعُونَ وَالْمَوْتى يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ ثُمَّ إِلَيْهِ يُرْجَعُونَ (٣٦) .
شبهتهم الثانية على التوحيد والنبوة الآيات [٣٧- ٩٠]
ثم قال تعالى: وَقالُوا لَوْلا نُزِّلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِنْ رَبِّهِ قُلْ إِنَّ اللَّهَ قادِرٌ عَلى أَنْ يُنَزِّلَ آيَةً وَلكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَعْلَمُونَ (٣٧) فذكر أنهم اقترحوا عليه بعد ذلك آية عذاب، وردّ عليهم بأنه قادر أن ينزل عليهم ذلك، ولكنه لا يريد أن يهلكهم لحكمة لا يعلمها أكثرهم ثم ذكر أنه ما من دابّة في الأرض ولا طائر يطير بجناحيه إلا أمم أمثالهم، لينظروا في آياتها ويتركوا ما يقترحونه من ذلك تعنّتا ثم ذكر أن الذين يكذّبون بآياته في ذلك صمّ بكم، وأنه من يشأ يضلله فلا يهتدي بآية من الآيات، ومن يشأ يجعله على صراط مستقيم ثم ذكر لهم أن العذاب الذي يقترحونه لو أتاهم أو أتتهم الساعة، فإنّهم لا يدعون غيره ليكشفه عنهم، وينسون هنالك آلهتهم، فليؤمنوا به من غير أن يقترحوا ذلك العذاب الذي لا يدعون فيه غيره ثم ذكر أن أمما قبلهم اقترحوا على رسلهم مثل ذلك، ولم يؤمنوا به بعد إجابتهم إليه، فأمهلهم ومدّ لهم حبل الطغيان، ثم أخذهم بغتة فإذا هم مبلسون ثم ذكر أنه لو فعل بهم أكثر مما يقترحون
стр. 594
فأخذ سمعهم وأبصارهم وختم على قلوبهم، فإنه لا يقدر غيره على رد ذلك إليهم وأن ذلك العذاب لو نزل بهم فإنه لا يهلك به إلا القوم الظالمون، فليقلعوا عن ظلمهم ولا يقترحوا نزول العذاب عليهم ثم ذكر أنه لا يرسل المرسلين إلا مبشرين ومنذرين، ليبين أنهم لا قدرة لهم على إنزال تلك الآيات، فمن آمن فلا خوف عليه، ومن كذّب بآياته يمسّه العذاب بفسقه ثم أمر النبي (ص) أن يخبرهم بأنه لم يقل إن عنده خزائن الله، أو إنه يعلم الغيب، أو إنه ملك، حتى يصحّ لهم أن يتعنّتوا عليه باقتراح تلك الآيات، وإنّما هو رسول يتّبع ما يوحى إليه، هو من الوضوح كالفرق بين الأعمى والبصير ثم أمره أن ينذر به الذين يخافون أن يحشروا إلى ربّهم ليس لهم من دونه ولي ولا شفيع، ونهاه أن يطردهم عنه إرضاء لأولئك المتعنّتين ثم ذكر أنه فتنهم بهم ليقولوا أهؤلاء منّ الله عليهم من بيننا؟ والله أعلم حيث يضع هدايته، ثم أمره أن يكرمهم إذا جاءوه للسلام ونحوه، بعد أن نهاه عن طردهم وذكر أنه يفصّل الآيات في ذلك ليظهر الحق له في إيثارهم على الذين يريدون طردهم، ويستبين سبيل أولئك المجرمين المتعنّتين عليهم ثم أمر النبي (ص) أن يخبرهم بأنه نهي أن يعبد ما يدعون من دونه، وبأنه لا يتبع أهواءهم في اقتراح الآيات، وبأنه على بيّنة من ربّه، وقد كذبوا به مع قيام هذه البيّنة، وليس عنده ما يستعجلون به من نزول العذاب عليهم، وإنما الحكم له تعالى في أمر عذابهم، ولو أنّ عنده ما يستعجلون به لقضي بينه وبينهم بإهلاكهم، وعند الله وحده مفاتيح الغيب، فهو الذي يعلم وقت عذابهم ثمّ ذكر كمال علمه وقدرته سبحانه، وأنّه قادر على أنه يبعث عليهم عذابا من فوقهم، أو من تحت أرجلهم، أو يلبسهم شيعا، ويذيق بعضهم بأس بعض وأنهم كذبوا بهذا العذاب، وهو حقّ لا ريب فيه ثم أمر النبي (ص) أن يخبرهم بأنه ليس بوكيل عليهم، ولكلّ نبأ وقت يحصل فيه من غير خلف.
ثم أمر النبي (ص) إذا رآهم يخوضون في تكذيب آياته أن يعرض عنهم، حتى يخوضوا في حديث غيره وأخبره بأنّ الذين يتقونه من المؤمنين ليس عليهم شيء من حساب تكذيبهم، ولكنه يعظهم بذلك تنزيها لهم عن
стр. 595
سماع باطلهم، ثم أمره أن يترك الذين اتخذوا دينهم لعبا ولهوا أو خوضا في تكذيب آياته، وأن يذكّر بها قبل أن ترتهن نفس بما كسبت، ولا ينفعها من دون الله ولي ولا شفيع، ولا يقبل منها فداء عن عذابها، ولأصحابها شراب من حميم وعذاب أليم، بما كانوا يكافرون.
ثمّ أمر سبحانه، النبي (ص) أن يذكر لهم أنه لا يصح له أن يدعو من دونه ما لا ينفع ولا يضر، فيردّ على عقبه بعد هدايته له، وأنّ هداه ﷻ هو الهدى، وقد أمر هو وأتباعه أن يسلموا له، وأن يقيموا الصلاة ويتّقوه، وهو الذي يحشرون إليه، وهو الذي خلق السماوات والأرض بالحق، وإذا أراد تكوين شيء لا بد من أن يكون، وله المالك يوم ينفخ في الصّور، عالم الغيب والشهادة، وهو الحكيم الخبير.
ثم نوّه بشأن إثبات التوحيد بالنظر، فذكر أنه طريق إبراهيم (ع) ، وساق ما جرى بين إبراهيم وبين أبيه آزر في إنكاره عليه أن يتخذ أصناما آلهة وذكر سبحانه أنه أراه ملكوت السماوات والأرض ليستدل به على توحيده، فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ رَأى كَوْكَباً قالَ هذا رَبِّي [الآية ٧٦] ، فلمّا غاب علم أنه لا يصلح أن يكون ربا. وكذلك نظر في القمر والشمس، وكان قومه يعبدون هذه الكواكب ويتّخذون لها تماثيل من أصنامهم، فتبرّأ من عبادتها، وتوجّه بوجهه للّذي فطر السماوات والأرض ثم ذكر أن قومه حاجّوه في ذلك فأنكر عليهم أن يحاجّوه فيه بعد أن اهتدى إليه، ثم نوّه بشأن تلك الحجة النظرية التي اهتدى بها وذكر أنه رفع بها درجته، ووهب له ذرية صالحة قاموا بها بعده، من إسحاق ويعقوب وداود وسليمان وغيرهم من الأنبياء ثم ذكر أنّ أولئك الأنبياء هم الذين آتاهم الكتاب والحكمة والنبوة، فإن يكفر بها مشركو العرب فقد وكل بها قوما ليسوا بها بكافرين: أُولئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُداهُمُ اقْتَدِهْ قُلْ لا أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرى لِلْعالَمِينَ (٩٠) .
شبهتهم الثالثة على التوحيد والنبوة الآيات [٩١- ١٠٨]
ثم قال تعالى: وَما قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ إِذْ قالُوا ما أَنْزَلَ اللَّهُ عَلى بَشَرٍ مِنْ شَيْءٍ [الآية ٩١] . فذكر شبهتهم الثالثة في
стр. 596
إنكار التوحيد والنبوّة، وهي قولهم:
ما أَنْزَلَ اللَّهُ عَلى بَشَرٍ مِنْ شَيْءٍ [الآية ٩١] وفي هذا إنكار للتوحيد أيضا، لأنهم لم يقدّروا الله فيها حقّ قدره، لأنه لا يليق به أن يخلقهم ويتركهم من غير أن يرشدهم، وقد أمر النبي (ص) أن يسألهم: مَنْ أَنْزَلَ الْكِتابَ الَّذِي جاءَ بِهِ مُوسى نُوراً وَهُدىً لِلنَّاسِ [الآية ٩١] وذكر أنهم جعلوه قراطيس يبدون بعضها، ويخفون منها ما فيه البشارة بالنبي (ص) ، وقد علموا من هذا ما لم يعلموه هم ولا آباؤهم ثم أمره أن يخبرهم بأن الذي أنزله هو الله، وحينئذ يبطل قولهم ما أَنْزَلَ اللَّهُ عَلى بَشَرٍ مِنْ شَيْءٍ ثم ذكر أنه أنزل القرآن مصدقا لهذا الكتاب لينذر مكة ومن حولها، وأن الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ يُؤْمِنُونَ بِهِ [الآية ٩٢] لأنه يدعوهم إليها، ثم ذكر أنه لا يوجد أظلم ممّن افترى عليه كذبا أو ادّعى أنه يوحى إليه، ولم يوح إليه شيء أو أنه يمكنه أن ينزل مثل ما أنزل الله، فكيف يفتري النبي (ص) مثل هذا الكتاب عليه؟ ثم ذكر أنهم في حال الموت يخبرهم الملائكة بأنهم سيجزون عذاب الهون بقولهم عليه غير الحقّ، واستكبارهم عن آياته، وأنهم يجيئونه فرادى كما خلقهم أوّل مرة، وليس معهم ما أعطاهم من المال وغيره في دنياهم، ولا شفعاؤهم الذين زعموا أنهم شركاء فيهم.
ثم أخذ في ذكر ما يبطل هذا الزعم، فذكر أنه فالق الحب والنوى، إلى غير هذا ممّا ذكره في إثبات قدرته وعلمه وحكمته، ولا يصح معه أن يكون هناك شريك له ثم ذكر أنهم مع هذا جعلوا له شركاء من الجن، وجعلوا له بنين وبنات من الملائكة وغيرهم، ورد عليهم بأنه بديع السماوات والأرض، فأنى يكون له ولد ولم تكن له صاحبة؟
إلى غير هذا مما ذكره في الرد عليهم ثم ذكر أنه قد جاءهم من هذا بصائر من ربهم، فمن أبصر فلنفسه، ومن عمي فعليها، وأنه كذلك يصرف الآيات حتى تصل إلى نهاية الكمال، ويزعموا أنها نتيجة دراسة وعلم، ثم أمر النبي (ص) أن يتبع ما أوحي إليه من تلك الآيات، ويعرض عن المشركين وما يقترحونه من الآيات على سبيل التعنّت وذكر أنه لو شاء ما أشركوا، وأنه لم يجعله حفيظا ولا وكيلا عليهم، فليس عليه إلا أن يبلغهم، ثم نهاهم أن يسبّوا آلهتهم، لئلا يسبّوه عدوا بغير علم:
стр. 597
كَذلِكَ زَيَّنَّا لِكُلِّ أُمَّةٍ عَمَلَهُمْ ثُمَّ إِلى رَبِّهِمْ مَرْجِعُهُمْ فَيُنَبِّئُهُمْ بِما كانُوا يَعْمَلُونَ (١٠٨) .
شبهتهم الرابعة على التوحيد والنبوة الآيات [١٠٩- ١١٧]
ثم قال تعالى: وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمانِهِمْ لَئِنْ جاءَتْهُمْ آيَةٌ لَيُؤْمِنُنَّ بِها قُلْ إِنَّمَا الْآياتُ عِنْدَ اللَّهِ وَما يُشْعِرُكُمْ أَنَّها إِذا جاءَتْ لا يُؤْمِنُونَ (١٠٩) فذكر أنهم أقسموا به جهد أيمانهم لئن جاءتهم آية ليؤمننّ بها، ثم أجابهم بأنه يعلم أنهم لا يؤمنون بها إذا جاءتهم وإن وقع ذلك الحلف منهم، وأنه لو جاءهم بها تتحوّل أفئدتهم وأبصارهم عنها كما تحوّلت عن الآيات التي تتلى عليهم، وأنه لو أجابهم إلى ما يطلبون وزاد عليه بأن حشر عليهم كل شيء قبلا ما كانوا ليؤمنوا إلّا بمشيئته، فلا وجه لهم في تعليق إيمانهم على تلك الآيات التي يقترحونها ثم ذكر سبحانه أنه كذلك جعل لكل نبيّ عدوّا من شياطين الإنس والجن، يزخرف بعضهم إلى بعض بمثل ما زخرف المشركون بقسمهم، ليخدعوا بذلك من ينخدع بهم ثم ذكر أن الدليل على صدقه قد كمل بحكمه به، وهو الحكم الذي لا يطلب بعده حكم، كما كمل بشهادة المؤمنين من أهل الكتاب به، فلا يصحّ أن يلتفت بعد ذلك إلى ما يطلبونه من تلك الآيات، وقد تمّ حكم الله بذلك صدقا وعدلا ثم ذكر أنه لا يصح له بعد ذلك أن يطيعهم فيما يقترحون من طلب الآيات، وأنه إن أطاعهم في ذلك يضلّونه عن سبيل الحق ولا يصل إلى ما يريده من إيمانهم، لأنهم لا يتّبعون إلا الظنّ وإن هم إلّا يخرصون إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ مَنْ يَضِلُّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ (١١٧) .
إبطال بدعة لهم في الحلال والحرام الآيات [١١٨- ١٢٣]
ثم قال تعالى: فَكُلُوا مِمَّا ذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ إِنْ كُنْتُمْ بِآياتِهِ مُؤْمِنِينَ (١١٨) فانتقل إلى إبطال بدعة لهم في شركهم، وهي تحليل ما لم يذكر اسم الله عليه من الميتة ونحوها تنويعا لضروب الكلام، وتصريفا لفنون الجدال، وكانوا يقولون للمسلمين:
إنكم تعبدون الله، فما قتله الله أحقّ أن تأكلوه ممّا قتلتموه أنتم. فأمر المسلمين أن يعرضوا عن قولهم ويأكلوا ممّا ذكر اسمه سبحانه عليه ثم ذكر لهم أنه قد
стр. 598
فصّل لهم ما حرّم عليهم ولم يبح لهم الميتة إلّا عند الضرورة، وأنّ هؤلاء المشركين يريدون أن يضلّوهم عنه ﷻ بأهوائهم وجهالاتهم ثم أمرهم أن يتركوا ذلك الإثم، ما ظهر منه وما بطن، ونهاهم أن يأكلوا ممّا لم يذكر اسمه عليه، وحذّرهم من الاستماع إلى ذلك الجدال الذي يوحي به شياطين المشركين إليهم ثم ضرب لهم مثلا ميّز به حال المؤمنين من الكافرين، وهو أنه لا يصحّ أن يجعل من كان ميتا بالشرك فأحياه الله تعالى بالإيمان كمن غرق في ظلمات الشرك، فصار بحيث لا يمكنه الخروج منها ثم ذكر أنه في هذه الظلمات زين للكافرين ما كانوا يعملون وَكَذلِكَ جَعَلْنا فِي كُلِّ قَرْيَةٍ أَكابِرَ مُجْرِمِيها لِيَمْكُرُوا فِيها وَما يَمْكُرُونَ إِلَّا بِأَنْفُسِهِمْ وَما يَشْعُرُونَ (١٢٣) .
شبهتهم الخامسة على التوحيد والنبوة الآيات [١٢٤- ١٣٥]
ثم قال تعالى: وَإِذا جاءَتْهُمْ آيَةٌ قالُوا لَنْ نُؤْمِنَ حَتَّى نُؤْتى مِثْلَ ما أُوتِيَ رُسُلُ اللَّهِ [الآية ١٢٤] فذكر شبهتهم الخامسة في إنكار التوحيد والنبوة، وعاد بهذا إلى السياق الأول وقد حكوا عن الوليد بن المغيرة أنه قال:
والله لو كانت النبوّة حقّا، لكنت أنا أحقّ بها من محمّد، فإنّي أكثر منه مالا وولدا. وحكوا عن غيره من المشركين، أنهم قالوا: لن نؤمن حتّى يحصل لنا مثل هذا المنصب. فأجابهم عن ذلك بأنه تعالى: أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسالَتَهُ [الآية ١٢٤] ، ثمّ توعّدهم بأنهم سيصيبهم صغار عنده على ذلك التعالي، وذكر أن من يرد هدايته يشرح صدره للإسلام، ومن يرد أن يضلّه يجعل صدره ضيّقا حرجا، فيتعنّت بمثل ما يتعنّت به أولئك المشركون ثم ذكر ﷻ أن صراطه مستقيم، قد فصّله لمن يتذكرون، وأن لهم دار السلام بما كانوا يعملون ثم ذكر أنه سيحشر أولئك المشركين من الجنّ والإنس، فيخبر الجنّ بأنهم قد أكثروا من الإضلال تبكيتا لهم، ويبكّت الإنس على قبول إغوائهم، فيجيب الإنس بأنه قد استمتاع بعضهم ببعض، وصاروا الآن إلى أجلهم الذي أجّله لهم، فيقضي عليهم بجعل النار مثواهم، وكذلك يجمع بينهم في النار، ويولي بعضهم بعضا فيها بما كانوا يكسبون. ثم ذكر أنه
стр. 599
يسألهم أيضا: ألم يأتكم رسل يقصّون عليكم آياتي وينذرونكم لقاء يومكم هذا؟ فيعترفون بذلك ويشهدون على أنفسهم أنهم كانوا كافرين. ثم ذكر أن ذلك العذاب، إنّما كان بعد بعث الأنبياء، لأنه لا يليق بعد، له أن يهلك القرى قبل تنبيهها من غفلتها، وأنّ ثوابه وعقابه على درجات بقدر الأعمال، وأنه غنيّ ذو رحمة، لو شاء لعجّل لهم العذاب في الدنيا، واستخلف من بعدهم من يشاء من خلقه، وأن ما يوعدون من ذلك لآت، وما هم بمعجزين قُلْ يا قَوْمِ اعْمَلُوا عَلى مَكانَتِكُمْ إِنِّي عامِلٌ فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ مَنْ تَكُونُ لَهُ عاقِبَةُ الدَّارِ إِنَّهُ لا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ (١٣٥) .
إبطال بدع لهم في الحلال والحرام الآيات [١٣٦- ١٤٧]
ثم قال تعالى: وَجَعَلُوا لِلَّهِ مِمَّا ذَرَأَ مِنَ الْحَرْثِ وَالْأَنْعامِ نَصِيباً [الآية ١٣٦] فذكر من بدعهم في شركهم، أنهم جعلوا له سبحانه نصيبا مما ذرأ من حرثهم وأنعامهم ونصيبا لآلهتهم، فإن نما نصيب آلهتهم دون نصيبه تركوا نصيبها لها، وقالوا لو شاء نمّى نصيب نفسه، وإن نما نصيبه دون نصيبها قالوا لا بد لها من نفقة، فأخذوا نصيبه، فأعطوه لسدنتها. ثم ذكر منها أنهم كانوا ينحرون أولادهم لآلهتهم، وكان الرجل يقوم في الجاهلية فيحلف لئن ولد له كذا وكذا غلاما لينحرنّ أحدهم ثم ذكر منها حجرهم لبعض أنعامهم، وتحريم ظهور بعضها، وتحريم ذكر اسم الله على بعضها، وجعل ما في بطون بعضها خالصة لذكورهم محرّما على أزواجهم، وقتلهم أولادهم سفها بغير علم، وتحريمهم ما رزقهم الله من الطيبات افتراء عليه: قَدْ ضَلُّوا وَما كانُوا مُهْتَدِينَ (١٤٠) .
ثم بيّن حكمه في ذلك، فذكر أنه سبحانه هو الذي أنشأ جنّات معروشات وغير معروشات، والنخل والزرع وغيرهما، وأمر الناس أن يأكلوا منها ويؤدوا حقه فيها يوم حصادها ثم ذكر أنه أنشأ من الأنعام حمولة تحمل أثقالنا، وأنشأ منها فرشا يفرش للذبح، وأمر الناس أن يأكلوا منها ولا يتّبعوا فيها الشيطان فيما زيّنه من تلك البدع، وذكر أنه أباح من ذلك ثمانية أزواج ذكر وأنثى من كل من الضأن والمعز
стр. 600
والإبل والبقر، ثم توعّدهم على افتراء ما حرّموه منها، وأمر النبي (ص) أن يخبرهم بأنه لا يجد فيما أوحى إليه محرّما من ذلك، إلّا أن يكون ميتة، أو دما مسفوحا، أو غير ذلك مما ذكره ثم ذكر أنه حرم على اليهود كل ذي ظفر وغيره مما حرمه عليهم عقابا لهم على بغيهم، وتوعدهم إذا كذبوه في ذلك فقال فَإِنْ كَذَّبُوكَ فَقُلْ رَبُّكُمْ ذُو رَحْمَةٍ واسِعَةٍ وَلا يُرَدُّ بَأْسُهُ عَنِ الْقَوْمِ الْمُجْرِمِينَ (١٤٧) .
شبهتهم السادسة على التوحيد والنبوة الآيات [١٤٨- ١٥٨]
ثم قال تعالى: سَيَقُولُ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شاءَ اللَّهُ ما أَشْرَكْنا وَلا آباؤُنا [الآية ١٤٨] فذكر شبهتهم السادسة على التوحيد والنبوة، وهي قولهم: لو شاء الله ما أشركنا ولا آباؤنا ولا حرمنا من دونه من شيء، وإذا كان ذلك بإرادته كان راضيا عنه. ثم رد عليهم بأن من قبلهم اعتمد على مثل هذا في تكذيب الرسل حتى ذاق عذابه، فعلم أنه كان واهما. وبأنهم يزعمون ذلك من غير أن يكون عندهم به علم، وبأن الحجة البالغة لله عليهم بمعجزاته التي أيد بها رسله، وبأنه لا أحد يشهد لهم على زعمهم أن الله حرّم ما حرّموه على أنفسهم ثم أمر النبي (ص) أن يتلو ما حرّمه عليهم من الشرك به وما ذكر معه وذكر أن هذا هو صراطه المستقيم الذي يجب عليهم أن يتّبعوه ولا يتّبعوا غيره من السبل التي تفرّقهم عن سبيله، وأنه أنزل التوراة على موسى هدى ورحمة لقومه، وأنزل القرآن لئلّا يحتجّ من كفر بعد التوراة بأنه لم ينزل عليهم كتاب كما أنزل على اليهود والنصارى من قبلهم، وأنه لو أنزل عليهم كتاب لكانوا أهدى منهم ثم ذكر أنه قد جاءهم ذلك الكتاب الذي يقطع عذرهم، وأنه لا يوجد أظلم منهم إذ صدفوا عن آياته بعد أن ظهر صدقها لهم، وأوعدهم على ذلك بما أعده لهم من سوء العذاب وذكر أنهم إذا كانوا ينتظرون بإيمانهم أن تأتيهم الملائكة أو غير ذلك من اقتراحاتهم، فإن إيمانهم لا ينفع في ذلك الوقت يَوْمَ يَأْتِي بَعْضُ آياتِ رَبِّكَ لا يَنْفَعُ نَفْساً إِيمانُها لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِنْ قَبْلُ أَوْ كَسَبَتْ فِي إِيمانِها خَيْراً قُلِ انْتَظِرُوا إِنَّا مُنْتَظِرُونَ (١٥٨)