إنكار التوحيد والنبوّة، وهي قولهم:
ما أَنْزَلَ اللَّهُ عَلى بَشَرٍ مِنْ شَيْءٍ [الآية ٩١] وفي هذا إنكار للتوحيد أيضا، لأنهم لم يقدّروا الله فيها حقّ قدره، لأنه لا يليق به أن يخلقهم ويتركهم من غير أن يرشدهم، وقد أمر النبي (ص) أن يسألهم: مَنْ أَنْزَلَ الْكِتابَ الَّذِي جاءَ بِهِ مُوسى نُوراً وَهُدىً لِلنَّاسِ [الآية ٩١] وذكر أنهم جعلوه قراطيس يبدون بعضها، ويخفون منها ما فيه البشارة بالنبي (ص) ، وقد علموا من هذا ما لم يعلموه هم ولا آباؤهم ثم أمره أن يخبرهم بأن الذي أنزله هو الله، وحينئذ يبطل قولهم ما أَنْزَلَ اللَّهُ عَلى بَشَرٍ مِنْ شَيْءٍ ثم ذكر أنه أنزل القرآن مصدقا لهذا الكتاب لينذر مكة ومن حولها، وأن الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ يُؤْمِنُونَ بِهِ [الآية ٩٢] لأنه يدعوهم إليها، ثم ذكر أنه لا يوجد أظلم ممّن افترى عليه كذبا أو ادّعى أنه يوحى إليه، ولم يوح إليه شيء أو أنه يمكنه أن ينزل مثل ما أنزل الله، فكيف يفتري النبي (ص) مثل هذا الكتاب عليه؟ ثم ذكر أنهم في حال الموت يخبرهم الملائكة بأنهم سيجزون عذاب الهون بقولهم عليه غير الحقّ، واستكبارهم عن آياته، وأنهم يجيئونه فرادى كما خلقهم أوّل مرة، وليس معهم ما أعطاهم من المال وغيره في دنياهم، ولا شفعاؤهم الذين زعموا أنهم شركاء فيهم.
ثم أخذ في ذكر ما يبطل هذا الزعم، فذكر أنه فالق الحب والنوى، إلى غير هذا ممّا ذكره في إثبات قدرته وعلمه وحكمته، ولا يصح معه أن يكون هناك شريك له ثم ذكر أنهم مع هذا جعلوا له شركاء من الجن، وجعلوا له بنين وبنات من الملائكة وغيرهم، ورد عليهم بأنه بديع السماوات والأرض، فأنى يكون له ولد ولم تكن له صاحبة؟
إلى غير هذا مما ذكره في الرد عليهم ثم ذكر أنه قد جاءهم من هذا بصائر من ربهم، فمن أبصر فلنفسه، ومن عمي فعليها، وأنه كذلك يصرف الآيات حتى تصل إلى نهاية الكمال، ويزعموا أنها نتيجة دراسة وعلم، ثم أمر النبي (ص) أن يتبع ما أوحي إليه من تلك الآيات، ويعرض عن المشركين وما يقترحونه من الآيات على سبيل التعنّت وذكر أنه لو شاء ما أشركوا، وأنه لم يجعله حفيظا ولا وكيلا عليهم، فليس عليه إلا أن يبلغهم، ثم نهاهم أن يسبّوا آلهتهم، لئلا يسبّوه عدوا بغير علم:
стр. 597
كَذلِكَ زَيَّنَّا لِكُلِّ أُمَّةٍ عَمَلَهُمْ ثُمَّ إِلى رَبِّهِمْ مَرْجِعُهُمْ فَيُنَبِّئُهُمْ بِما كانُوا يَعْمَلُونَ (١٠٨) .
شبهتهم الرابعة على التوحيد والنبوة الآيات [١٠٩- ١١٧]
ثم قال تعالى: وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمانِهِمْ لَئِنْ جاءَتْهُمْ آيَةٌ لَيُؤْمِنُنَّ بِها قُلْ إِنَّمَا الْآياتُ عِنْدَ اللَّهِ وَما يُشْعِرُكُمْ أَنَّها إِذا جاءَتْ لا يُؤْمِنُونَ (١٠٩) فذكر أنهم أقسموا به جهد أيمانهم لئن جاءتهم آية ليؤمننّ بها، ثم أجابهم بأنه يعلم أنهم لا يؤمنون بها إذا جاءتهم وإن وقع ذلك الحلف منهم، وأنه لو جاءهم بها تتحوّل أفئدتهم وأبصارهم عنها كما تحوّلت عن الآيات التي تتلى عليهم، وأنه لو أجابهم إلى ما يطلبون وزاد عليه بأن حشر عليهم كل شيء قبلا ما كانوا ليؤمنوا إلّا بمشيئته، فلا وجه لهم في تعليق إيمانهم على تلك الآيات التي يقترحونها ثم ذكر سبحانه أنه كذلك جعل لكل نبيّ عدوّا من شياطين الإنس والجن، يزخرف بعضهم إلى بعض بمثل ما زخرف المشركون بقسمهم، ليخدعوا بذلك من ينخدع بهم ثم ذكر أن الدليل على صدقه قد كمل بحكمه به، وهو الحكم الذي لا يطلب بعده حكم، كما كمل بشهادة المؤمنين من أهل الكتاب به، فلا يصحّ أن يلتفت بعد ذلك إلى ما يطلبونه من تلك الآيات، وقد تمّ حكم الله بذلك صدقا وعدلا ثم ذكر أنه لا يصح له بعد ذلك أن يطيعهم فيما يقترحون من طلب الآيات، وأنه إن أطاعهم في ذلك يضلّونه عن سبيل الحق ولا يصل إلى ما يريده من إيمانهم، لأنهم لا يتّبعون إلا الظنّ وإن هم إلّا يخرصون إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ مَنْ يَضِلُّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ (١١٧) .
إبطال بدعة لهم في الحلال والحرام الآيات [١١٨- ١٢٣]
ثم قال تعالى: فَكُلُوا مِمَّا ذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ إِنْ كُنْتُمْ بِآياتِهِ مُؤْمِنِينَ (١١٨) فانتقل إلى إبطال بدعة لهم في شركهم، وهي تحليل ما لم يذكر اسم الله عليه من الميتة ونحوها تنويعا لضروب الكلام، وتصريفا لفنون الجدال، وكانوا يقولون للمسلمين:
إنكم تعبدون الله، فما قتله الله أحقّ أن تأكلوه ممّا قتلتموه أنتم. فأمر المسلمين أن يعرضوا عن قولهم ويأكلوا ممّا ذكر اسمه سبحانه عليه ثم ذكر لهم أنه قد
стр. 598
فصّل لهم ما حرّم عليهم ولم يبح لهم الميتة إلّا عند الضرورة، وأنّ هؤلاء المشركين يريدون أن يضلّوهم عنه ﷻ بأهوائهم وجهالاتهم ثم أمرهم أن يتركوا ذلك الإثم، ما ظهر منه وما بطن، ونهاهم أن يأكلوا ممّا لم يذكر اسمه عليه، وحذّرهم من الاستماع إلى ذلك الجدال الذي يوحي به شياطين المشركين إليهم ثم ضرب لهم مثلا ميّز به حال المؤمنين من الكافرين، وهو أنه لا يصحّ أن يجعل من كان ميتا بالشرك فأحياه الله تعالى بالإيمان كمن غرق في ظلمات الشرك، فصار بحيث لا يمكنه الخروج منها ثم ذكر أنه في هذه الظلمات زين للكافرين ما كانوا يعملون وَكَذلِكَ جَعَلْنا فِي كُلِّ قَرْيَةٍ أَكابِرَ مُجْرِمِيها لِيَمْكُرُوا فِيها وَما يَمْكُرُونَ إِلَّا بِأَنْفُسِهِمْ وَما يَشْعُرُونَ (١٢٣) .
شبهتهم الخامسة على التوحيد والنبوة الآيات [١٢٤- ١٣٥]
ثم قال تعالى: وَإِذا جاءَتْهُمْ آيَةٌ قالُوا لَنْ نُؤْمِنَ حَتَّى نُؤْتى مِثْلَ ما أُوتِيَ رُسُلُ اللَّهِ [الآية ١٢٤] فذكر شبهتهم الخامسة في إنكار التوحيد والنبوة، وعاد بهذا إلى السياق الأول وقد حكوا عن الوليد بن المغيرة أنه قال:
والله لو كانت النبوّة حقّا، لكنت أنا أحقّ بها من محمّد، فإنّي أكثر منه مالا وولدا. وحكوا عن غيره من المشركين، أنهم قالوا: لن نؤمن حتّى يحصل لنا مثل هذا المنصب. فأجابهم عن ذلك بأنه تعالى: أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسالَتَهُ [الآية ١٢٤] ، ثمّ توعّدهم بأنهم سيصيبهم صغار عنده على ذلك التعالي، وذكر أن من يرد هدايته يشرح صدره للإسلام، ومن يرد أن يضلّه يجعل صدره ضيّقا حرجا، فيتعنّت بمثل ما يتعنّت به أولئك المشركون ثم ذكر ﷻ أن صراطه مستقيم، قد فصّله لمن يتذكرون، وأن لهم دار السلام بما كانوا يعملون ثم ذكر أنه سيحشر أولئك المشركين من الجنّ والإنس، فيخبر الجنّ بأنهم قد أكثروا من الإضلال تبكيتا لهم، ويبكّت الإنس على قبول إغوائهم، فيجيب الإنس بأنه قد استمتاع بعضهم ببعض، وصاروا الآن إلى أجلهم الذي أجّله لهم، فيقضي عليهم بجعل النار مثواهم، وكذلك يجمع بينهم في النار، ويولي بعضهم بعضا فيها بما كانوا يكسبون. ثم ذكر أنه
стр. 599
يسألهم أيضا: ألم يأتكم رسل يقصّون عليكم آياتي وينذرونكم لقاء يومكم هذا؟ فيعترفون بذلك ويشهدون على أنفسهم أنهم كانوا كافرين. ثم ذكر أن ذلك العذاب، إنّما كان بعد بعث الأنبياء، لأنه لا يليق بعد، له أن يهلك القرى قبل تنبيهها من غفلتها، وأنّ ثوابه وعقابه على درجات بقدر الأعمال، وأنه غنيّ ذو رحمة، لو شاء لعجّل لهم العذاب في الدنيا، واستخلف من بعدهم من يشاء من خلقه، وأن ما يوعدون من ذلك لآت، وما هم بمعجزين قُلْ يا قَوْمِ اعْمَلُوا عَلى مَكانَتِكُمْ إِنِّي عامِلٌ فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ مَنْ تَكُونُ لَهُ عاقِبَةُ الدَّارِ إِنَّهُ لا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ (١٣٥) .
إبطال بدع لهم في الحلال والحرام الآيات [١٣٦- ١٤٧]
ثم قال تعالى: وَجَعَلُوا لِلَّهِ مِمَّا ذَرَأَ مِنَ الْحَرْثِ وَالْأَنْعامِ نَصِيباً [الآية ١٣٦] فذكر من بدعهم في شركهم، أنهم جعلوا له سبحانه نصيبا مما ذرأ من حرثهم وأنعامهم ونصيبا لآلهتهم، فإن نما نصيب آلهتهم دون نصيبه تركوا نصيبها لها، وقالوا لو شاء نمّى نصيب نفسه، وإن نما نصيبه دون نصيبها قالوا لا بد لها من نفقة، فأخذوا نصيبه، فأعطوه لسدنتها. ثم ذكر منها أنهم كانوا ينحرون أولادهم لآلهتهم، وكان الرجل يقوم في الجاهلية فيحلف لئن ولد له كذا وكذا غلاما لينحرنّ أحدهم ثم ذكر منها حجرهم لبعض أنعامهم، وتحريم ظهور بعضها، وتحريم ذكر اسم الله على بعضها، وجعل ما في بطون بعضها خالصة لذكورهم محرّما على أزواجهم، وقتلهم أولادهم سفها بغير علم، وتحريمهم ما رزقهم الله من الطيبات افتراء عليه: قَدْ ضَلُّوا وَما كانُوا مُهْتَدِينَ (١٤٠) .
ثم بيّن حكمه في ذلك، فذكر أنه سبحانه هو الذي أنشأ جنّات معروشات وغير معروشات، والنخل والزرع وغيرهما، وأمر الناس أن يأكلوا منها ويؤدوا حقه فيها يوم حصادها ثم ذكر أنه أنشأ من الأنعام حمولة تحمل أثقالنا، وأنشأ منها فرشا يفرش للذبح، وأمر الناس أن يأكلوا منها ولا يتّبعوا فيها الشيطان فيما زيّنه من تلك البدع، وذكر أنه أباح من ذلك ثمانية أزواج ذكر وأنثى من كل من الضأن والمعز
стр. 600
والإبل والبقر، ثم توعّدهم على افتراء ما حرّموه منها، وأمر النبي (ص) أن يخبرهم بأنه لا يجد فيما أوحى إليه محرّما من ذلك، إلّا أن يكون ميتة، أو دما مسفوحا، أو غير ذلك مما ذكره ثم ذكر أنه حرم على اليهود كل ذي ظفر وغيره مما حرمه عليهم عقابا لهم على بغيهم، وتوعدهم إذا كذبوه في ذلك فقال فَإِنْ كَذَّبُوكَ فَقُلْ رَبُّكُمْ ذُو رَحْمَةٍ واسِعَةٍ وَلا يُرَدُّ بَأْسُهُ عَنِ الْقَوْمِ الْمُجْرِمِينَ (١٤٧) .
شبهتهم السادسة على التوحيد والنبوة الآيات [١٤٨- ١٥٨]
ثم قال تعالى: سَيَقُولُ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شاءَ اللَّهُ ما أَشْرَكْنا وَلا آباؤُنا [الآية ١٤٨] فذكر شبهتهم السادسة على التوحيد والنبوة، وهي قولهم: لو شاء الله ما أشركنا ولا آباؤنا ولا حرمنا من دونه من شيء، وإذا كان ذلك بإرادته كان راضيا عنه. ثم رد عليهم بأن من قبلهم اعتمد على مثل هذا في تكذيب الرسل حتى ذاق عذابه، فعلم أنه كان واهما. وبأنهم يزعمون ذلك من غير أن يكون عندهم به علم، وبأن الحجة البالغة لله عليهم بمعجزاته التي أيد بها رسله، وبأنه لا أحد يشهد لهم على زعمهم أن الله حرّم ما حرّموه على أنفسهم ثم أمر النبي (ص) أن يتلو ما حرّمه عليهم من الشرك به وما ذكر معه وذكر أن هذا هو صراطه المستقيم الذي يجب عليهم أن يتّبعوه ولا يتّبعوا غيره من السبل التي تفرّقهم عن سبيله، وأنه أنزل التوراة على موسى هدى ورحمة لقومه، وأنزل القرآن لئلّا يحتجّ من كفر بعد التوراة بأنه لم ينزل عليهم كتاب كما أنزل على اليهود والنصارى من قبلهم، وأنه لو أنزل عليهم كتاب لكانوا أهدى منهم ثم ذكر أنه قد جاءهم ذلك الكتاب الذي يقطع عذرهم، وأنه لا يوجد أظلم منهم إذ صدفوا عن آياته بعد أن ظهر صدقها لهم، وأوعدهم على ذلك بما أعده لهم من سوء العذاب وذكر أنهم إذا كانوا ينتظرون بإيمانهم أن تأتيهم الملائكة أو غير ذلك من اقتراحاتهم، فإن إيمانهم لا ينفع في ذلك الوقت يَوْمَ يَأْتِي بَعْضُ آياتِ رَبِّكَ لا يَنْفَعُ نَفْساً إِيمانُها لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِنْ قَبْلُ أَوْ كَسَبَتْ فِي إِيمانِها خَيْراً قُلِ انْتَظِرُوا إِنَّا مُنْتَظِرُونَ (١٥٨)
стр. 601
الخاتمة الآيات [١٥٩- ١٦٥]
ثمّ قال تعالى: إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكانُوا شِيَعاً لَسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ إِنَّما أَمْرُهُمْ إِلَى اللَّهِ ثُمَّ يُنَبِّئُهُمْ بِما كانُوا يَفْعَلُونَ (١٥٩) فذكر أن النبي (ص) ليس في شيء من أولئك المشركين الذين فرّقوا دينهم، لأنه بلّغهم رسالته، وكل إنسان لا يسأل إلّا عن عمله مَنْ جاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثالِها وَمَنْ جاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَلا يُجْزى إِلَّا مِثْلَها [الآية ١٦٠] ثم أمره أن يذكر لهم أنّ ما أتى به هو دين أبيهم إبراهيم الذي لم يكن من المشركين، وأنّ صلاته ونسكه ومحياه ومماته لله الذي لا شريك له، وأنه لا يمكنه أن يطلب الى غيره وهو تعالى ربّ كل شيء، وأنّ الرسول (ص) يتحمل تبعة عمله في ذلك كما يتحملون تبعة عملهم، ثم إلى ربهم مرجعهم فيحكم بينهم في خلافهم ثم ذكر أنه جلّ وعلا خلقهم ليجعلهم خلائف الأرض، وأنه رفع بعضهم فوق بعض درجات ليبلوهم في ما آتاهم إِنَّ رَبَّكَ سَرِيعُ الْعِقابِ وَإِنَّهُ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ (١٦٥) .
стр. 602
المبحث الثالث أسرار ترتيب سورة «الأنعام» «١»
قال بعضهم: مناسبة هذه السورة لآخر المائدة: أنها افتتحت بالحمد، وتلك ختمت بفصل القضاء، وهما متلازمتان كما قال تعالى: وَتَرَى الْمَلائِكَةَ حَافِّينَ مِنْ حَوْلِ الْعَرْشِ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَقُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْحَقِّ وَقِيلَ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ (٧٥) [الزّمر] .
وقد ظهر لي بفضل الله مع ما قدمت الإشارة إليه في آية زُيِّنَ لِلنَّاسِ [آل عمران: ١٤] . أنه لما ذكر في آخر المائدة لِلَّهِ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَما فِيهِنَّ وَهُوَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (١٢٠) [المائدة: ١٢٠] على سبيل الإجمال، افتتح هذه السورة بشرح ذلك وتفصيله.
فبدأ بذكر: أنه خلق السماوات والأرض، وضم إليه أنه جعل الظلمات والنور، وهو بعض ما تضمنه قوله تعالى: وَما فِيهِنَّ في آخر المائدة.
وضمن قوله: الْحَمْدُ لِلَّهِ أول الأنعام أن له ملك جميع المحامد، وهو من بسط: لِلَّهِ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَما فِيهِنَّ (١٢٠) في آخر المائدة.
ثم ذكر سبحانه، أنه خلق النوع الإنساني، وقضى له أجلا مسمّى، وجعل له أجلا آخر للبعث وأنه ﷻ ، منشئ القرون قرنا بعد قرن، ثم قال: قُلْ لِمَنْ ما فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ [الآية ١٢] . فأثبت له ملك جميع المنظورات. ثم قال وَلَهُ ما سَكَنَ فِي اللَّيْلِ وَالنَّهارِ [الآية ١٣] فأثبت له ملك جميع المظروفات
стр. 603
لظرفي الزمان. ثم ذكر أنه خلق سائر الحيوان، من الدواب والطير، ثم خلق النوم واليقظة، والموت والحياة، ثم أكثر في أثناء السورة من ذكر الخلق والإنشاء لما فيهن، من النيرين، والنجوم، وفلق الإصباح، وخلق الحب والنوى، وإنزال الماء، وإخراج النبات والثمار بأنواعها، وإنشاء جنات معروشات وغير معروشات، والأنعام، ومنها حمولة وفرش. وكل ذلك تفصيل لملكه سبحانه، ما فيهن: وهذه مناسبة جليلة.
ثم لما كان المقصود من هذه السورة بيان الخلق والملك، أكثر فيها من ذكر الرب الذي هو بمعنى المالك والخالق والمنشئ، واقتصر فيها على ما يتعلق بذلك من بدء الخلق الإنساني والكوني، والملكي والشيطاني، والحيواني والنباتي، وما تضمنته من الوصايا، فكلّها متعلّق بالقوام والمعاش الدنيوي، ثم أشار إلى أشراط الساعة.
فقد جمعت هذه السورة المخلوقات بأسرها، وما يتعلّق بها، وما يرجع إليها، فظهر بذلك مناسبة افتتاح السور المكية بها، وتقديمها على ما تقدم نزوله منها.
وهي في جمعها الأصول والعلوم والمصالح الدنيوية، نظير سورة البقرة في جمعها العلوم والمصالح الدينية.
وما ذكر فيها من العبادات المحضة، فعلى سبيل الإيجاز والإيماء، كنظير ما وقع في البقرة من علوم بدء الخلق ونحوه، فإنه على سبيل الاختصار والإشارة.
فإن قلت: فلم لم يفتتح القرآن بهذه السورة مقدّمة على سورة البقرة، مادام بدء الخلق مقدّما على الأحكام والتعبّدات؟.
قلت: للإشارة إلى أن مصالح الدين والاخرة مقدّمة على مصالح المعاش والدنيا، وأن المقصود إنما هو العبادة، فقدم ما هو الأهم في نظر الشرع «١» ، ولأن علم بدء الخلق كالفضلة، وعلوم الأحكام والتكاليف متعين على كل
стр. 604
واحد. فلذلك ينبغي ألا ينظر في علم بدء الخلق وما جرى مجراه من التواريخ، إلا بعد النظر في علم الأحكام وإتقانه.
ثم ظهر لي بحمد الله وجه آخر، أكثر إتقانا مما تقدم. وهو أنه لما ذكر في سورة المائدة يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُحَرِّمُوا طَيِّباتِ ما أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ وَلا تَعْتَدُوا [الآية ٨٧] إلى آخره، فأخبر عن الكفار أنهم حرموا أشياء مما رزقهم الله افتراء عليه، وكان القصد بذلك تحذير المؤمنين أن يحرموا شيئا مما أحل الله، فيشابهوا بذلك الكفار في صنيعهم وكان ذكر ذلك على سبيل الإيجاز، ساق هذه السورة لبيان ما حرمه الكفار في صنيعهم، فأتى به على الوجه الأبين والنمط الأكمل، ثم جادلهم فيه، وأقام الدلائل على بطلانه، وعارضهم وناقضهم، إلى غير ذلك مما اشتملت عليه القصة «١» فكانت هذه السورة شرحا لما تضمنته المائدة من ذلك على سبيل الإجمال، وتفصيلا وبسطا، وإتماما، وإطنابا.
وافتتحت بذكر الخلق والملك «٢» ، لأنّ الخالق والمالك هو الذي له التصرّف في ملكه، ومخلوقاته، إباحة ومنعا، تحريما وتحليلا، فيجب ألّا يتعدّى عليه بالتصرف في ملكه.
وكانت هذه السورة بأسرها متعلقة بالفاتحة، من وجه كونها شارحة لإجمال قوله تعالى: رَبِّ الْعالَمِينَ (٢) . وللبقرة من حيث شرحها لإجمال قوله تعالى: الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ [البقرة: ٢١] .
وقوله جلّ وعلا: هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ ما فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً [البقرة: ٢٩] .
وبال عمران من جهة تفصيلها لقوله تعالى: وَالْأَنْعامِ وَالْحَرْثِ [آل عمران:
١٤] . وقوله جلّ وعلا: كُلُّ نَفْسٍ ذائِقَةُ الْمَوْتِ [آل عمران: ١٨٥] . وبالنساء من جهة ما فيها من بدء الخلق، والتقبيح لما حرموه على أزواجهم،
стр. 605
وقتل البنات بالوأد «١» .
وبالمائدة من حيث اشتمالها على الأطعمة بأنواعها «٢» .
وفي افتتاح السور المكية بها وجهان آخران من المناسبة.
الأول: افتتاحها بالحمد.
والثاني: مشابهتها للبقرة، المفتتح بها السور المدنية، من حيث أن كلا منهما نزل مشيّعا. ففي حديث أحمد:
«البقرة سنام القرآن وذروته، نزل مع كل آية منها ثمانون ملكا» «٣» . وروى الطبراني وغيره من طرق: «أن الأنعام شيّعها سبعون ألف ملك» . وفي رواية:
«خمسمائة ملك» «٤» .
ووجه آخر، وهو: أن كل ربع من القرآن افتتح بسورة أولها الحمد. وهذه للربع الثاني، والكهف للربع الثالث، وسبأ وفاطر للربع الرابع.
وجميع هذه الوجوه التي استنبطتها من المناسبات بالنسبة للقرآن كنقطة من بحر.
ولما كانت هذه السورة لبيان بدء الخلق، ذكر فيها ما وقع عند بدء الخلق، وهو قوله تعالى: كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ [الآية ٥٤] .
ففي الصحيح: «لما فرغ الله من الخلق، وقضى القضية، كتب كتابا عنده فوق العرش: إنّ رحمتي سبقت غضبي» «٥» .
стр. 606
المبحث الرابع مكنونات سورة «الأنعام» «١»
١- وَقالُوا لَوْلا أُنْزِلَ عَلَيْهِ مَلَكٌ [الآية ٨] .
سمّى ابن إسحاق من القائلين:
زمعة بن الأسود، والنّضر بن الحارث ابن كلدة، وعبدة بن عبد يغوث، وأبيّ بن خلف، والعاصي بن وائل.
أخرجه ابن أبي حاتم.
٢- وَلا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَداةِ وَالْعَشِيِّ [الآية ٥٢] .
نزلت في نفر، سمّي منهم:
صهيب، وبلال، وعمّار، وخباب، وسعد بن أبي وقّاص، وابن مسعود، وسلمان الفارسي كما خرّجته في «أسباب النزول» «٢» .
стр. 607
٣- وَإِذْ قالَ إِبْراهِيمُ لِأَبِيهِ [الآية ٧٤] .
قال ابن عباس: اسمه تارح «١» .
أخرجه ابن أبي حاتم، من طريق الضّحّاك عنه.
وأخرج عن السّدّي مثله «٢» . ٤- رَأى كَوْكَباً [الآية ٧٦] .
قال زيد بن علي: هو الزّهرة.
وقال الزّهري «٣» : هو المشتري.
أخرجهما ابن أبي حاتم.
٥- فَإِنْ يَكْفُرْ بِها هؤُلاءِ [الآية ٨٩] .
يعني: أهل مكة «٤» .
стр. 608
٦- فَقَدْ وَكَّلْنا بِها قَوْماً [الآية ٨٩] .
يعني: أهل المدينة، والأنصار.
أخرجه ابن أبي حاتم، من طريق علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس «١» .
وأخرج عن أبي رجاء العطاردي «٢» :
فَقَدْ وَكَّلْنا بِها قَوْماً قال: هم الملائكة.
٧- إِذْ قالُوا ما أَنْزَلَ اللَّهُ عَلى بَشَرٍ مِنْ شَيْءٍ [الآية ٩١] .
قال ابن عباس: قال ذلك اليهود «٣» .
وقال مجاهد: مشركو قريش. وقال السّدّي: فنحاص اليهودي.
وقال سعيد بن جبير: مالك بن الضّيف «٤» .
أخرجهم ابن أبي حاتم «٥» .
٨- وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرى عَلَى اللَّهِ كَذِباً [الآية ٩٣] . قال السّدّي: نزلت في عبد الله بن أبي سرح.
٩- أَوْ قالَ أُوحِيَ إِلَيَّ [الآية ٩٣] .
قال قتادة: نزلت في مسيلمة، والأسود العنسي «٦» .
١٠- وَمَنْ قالَ سَأُنْزِلُ مِثْلَ ما أَنْزَلَ اللَّهُ [الآية ٩٣] .
قال الشّعبي «٧» : هو عبد الله بن أبيّ بن سلول. أخرج ذلك ابن أبي حاتم.
١١- أَوَمَنْ كانَ مَيْتاً فَأَحْيَيْناهُ [الآية ١٢٢] .
قال زيد بن أسلم وغيره: نزلت في عمر بن الخطاب.
وقال عكرمة: في عمّار بن ياسر.
١٢- كَمَنْ مَثَلُهُ فِي الظُّلُماتِ [الآية ١٢٢] .
стр. 609
قال الضّحّاك وزيد: نزلت في أبي جهل.
أخرج ذلك ابن أبي حاتم «١» .
١٣- لَهُمْ دارُ السَّلامِ [الآية ١٢٧] .
قال قتادة: هي الجنّة. أخرجه ابن أبي حاتم «٢» .
١٤- عَلى طائِفَتَيْنِ مِنْ قَبْلِنا [الآية ١٥٦] .
قال ابن عباس: هم اليهود، والنّصارى. أخرجه ابن أبي حاتم «٣» . ١٥- يَوْمَ يَأْتِي بَعْضُ آياتِ رَبِّكَ [الآية ١٥٨] .
هو طلوع الشمس من مغربها كما ورد في حديث مرفوع عند «مسلم» وغيره «٤» .
وقال ابن مسعود: طلوع الشمس، والقمر من مغربهما. أخرجه الفريابي «٥» .
١٦- إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكانُوا شِيَعاً [الآية ١٥٩] .
قال النبي (ص) : «هم الخوارج» .
стр. 610
أخرجه ابن أبي حاتم من حديث أبي أمامة «١» .
وأخرجه الطبراني «٢» من حديث عائشة، بلفظ: «هم أصحاب البدع، والأهواء» . وقال قتادة: هم اليهود، والنّصارى.
أخرجه عبد الرزاق «٣» .
وأخرج ابن أبي حاتم مثله عن السّدّي.
стр. 611
المبحث الخامس لغة التنزيل في سورة «الأنعام» «١»
١- قال تعالى: أَلَمْ يَرَوْا كَمْ أَهْلَكْنا مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ قَرْنٍ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ ما لَمْ نُمَكِّنْ لَكُمْ [الآية ٦] .
أقول: دلالة القرن على الزمان مشهورة وحدّه عشر سنين أو عشرون أو ثلاثون أو أربعون أو خمسون أو ستون أو سبعون أو ثمانون أو مائة أو مائة وعشرون. والغالب هو مائة سنة.
والعدد الأخير هو المعروف في عصرنا، وليس شيئا من المقادير الأخرى، فيقال القرن الرابع عشر الهجري، وحدّه من ١٣٠١ إلى ١٤٠٠.
ولكن للقرن دلالات أخرى في العربية القديمة، فهو الأمّة من الناس هلكت، ولم يبق منها أحد، وهذا متحقّق في الآية موضع بحثنا، كما هو متحقق في آيات أخرى منها: وَلَقَدْ أَهْلَكْنَا الْقُرُونَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَمَّا ظَلَمُوا [يونس: ١٣] .
ولعل سبب إطلاق القرن على الأمّة، وعلى قدر من السنين في الوقت نفسه مردّه إلى علاقة أحدهما بالآخر بنوع من الاتّصال والملابسة.
٢- وقال تعالى: وَمِنْهُمْ مَنْ يَسْتَمِعُ إِلَيْكَ وَجَعَلْنا عَلى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَنْ يَفْقَهُوهُ وَفِي آذانِهِمْ وَقْراً [الآية ٢٥] .
أي: ومنهم من يستمع إليك حين تتلو القرآن. روي أنّه اجتمع أبو سفيان، والوليد، والنضر، وعتبة، وشيبة، وأبو جهل، وأضرابهم يستمعون تلاوة رسول الله (ص) فقالوا
стр. 612
للنضر: يا أبا قتيلة، ما يقول محمّد؟
فقال: والذي جعلها بيته، يعني الكعبة، ما أدري ما يقول، إلّا أنّه يحرّك لسانه ويقول أساطير الأولين، مثل ما حدّثكم عن القرون الماضية.
فقال أبو سفيان: إنّي لأراه حقّا. فقال أبو جهل: كلّا، فنزلت الآية. والأكنّة:
الأغطية، وهي جمع كنان.
والمعنى غطّيت قلوبهم بأغطية لئلّا يفقهوا آيات الله، أي: لكي لا يفقهوها أقول: حذفت لام التعليل كما حذفت أداة النفي «لا» قبل الفعل «يفقهوه» للعلم به من قرينة الحال، وهذا نمط من إيجاز لغة التنزيل، وهو معرض من معارض البلاغة.
٣- وقال تعالى: وَلَوْ تَرى إِذْ وُقِفُوا عَلَى النَّارِ فَقالُوا يا لَيْتَنا نُرَدُّ وَلا نُكَذِّبَ بِآياتِ رَبِّنا [الآية ٢٧] .
والمعنى: ولو ترى إذ أروا النّار....
إن الفعل: «وقف» في الآية مبني للمفعول.
والفعل وقف، والمصدر وقف ووقوف، خلاف الجلوس وهو لازم، تقول: وقفت الدابّة تقف وقوفا. ووقفت الدابّة وقفا، أي: وقّفتها أو أوقفتها، وهو فعل متعدّ نعرفه كثيرا في الأدب القديم، قال امرؤ القيس:
وقوفا بها صحبي عليّ مطيّهم ... يقولون لا تهلك أسى وتجمّل
ومثل قول طرفة:
وقوفا بها صحبي عليّ مطيّهم ... يقولون لا تهلك أسى وتجلّد
ومن ذلك قول النابغة:
وقفت فيها سراة اليوم أسألها ... عن حال نعم أمونا عبر أسفار
هذا هو «وقف» الفعل المتعدي، وهو ما لا وجود له في العربية المعاصرة، بل عدل عنه إلى المزيد فيقال: أوقفت السيّارة، ومثله المضاعف: وقّفها.
على أن الفعل في الآية موضع بحثنا «وقفوا» بمعنى أروا وأدخلوا النار فعرفوا مقدار عذابها، كما تقول:
وقفت على ما عند فلان، تريد قد فهمته وتبيّنته.
٤- وقال تعالى: قَدْ نَعْلَمُ إِنَّهُ لَيَحْزُنُكَ الَّذِي يَقُولُونَ فَإِنَّهُمْ لا يُكَذِّبُونَكَ وَلكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآياتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ (٣٣) .
إنّ الأداة «قد» في قَدْ نَعْلَمُ من
стр. 613
الآية بمعنى «ربّما» ، الذي يجيء لزيادة الفعل وكثرته، كقول زهير:
أخو ثقة لا تهلك الخمر ماله ولكنّه قد يهلك المال نائله وقد علق الشيخ أحمد بن المنير الإسكندري في حاشيته «الارتشاف» فقال: ومثلها، (أي: مسألة «قد» ) في قوله تعالى: وَقَدْ تَعْلَمُونَ أَنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ [الصّفّ: ٥] فإنّه يكثر علمهم برسالته، ويؤكّده بظهور آياته، حتّى يقيم عليهم الحجّة في جمعهم بين متناقضين: أذيّته، ورسوخ علمهم برسالته.
ومنه أيضا قول الشاعر:
قد أترك القرن مصفرّا أنامله أقول: هذه الفائدة من خصائص العربية في اللغة القديمة، أي: أن «قد» تدخل على الفعل المضارع، وتفيد التكثير، بعكس الشائع الكثير وهو التقليل.
أقول: قد يكون بقي شيء من إفادة التقليل ل «قد» مع المضارع في اللغة العربية المعاصرة، إلّا أن إفادة التكثير لا نجد له مكانا وذلك لأن المعربين من الأدباء وغيرهم قد أضاعوا الكثير من خصائص هذه وجهلوا مكانها.
ومن المفيد أن نقف عند قول الزمخشري: أن «قد» في «قد نعلم» بمعنى «ربّما» .
أود أن أقول: إن «ربّما» تفيد التقليل، وهي كذلك في العربية القديمة ولكنها تفيد التكثير أيضا. فماذا بقي منها في العربية المعاصرة؟ لم يبق من ذلك إلا إفادة التقليل وقد يضاف إلى التقليل، الشك والاحتمال الضعيف «١» .
وفي هذه الآية جاء: قَدْ نَعْلَمُ إِنَّهُ.
وهمزة «إن» مكسورة وقد جرينا في العربية على فتح الهمزة، إذا صحّ أن تؤوّل هي ومعمولاها بمصدر في موضع المفعول به للفعل «نعلم» .
غير أن القراءة جرت بالكسر: وهذه سنة متبعة وعلينا قبولها، ولا يصح سبكها بالمصدر ثم الفعل «يحزن» مثل «ينصر» ، وقرئ أيضا بضم الياء.
والقراءة بالفتح هي المثبتة، وهي الشهيرة، على أن الفعل ثلاثي «حزن يحزن» والفعل متعدّ.
стр. 614
أقول: وكون هذا الفعل متعدّيا، معروف مشهور في العربية القديمة، ولا وجود له في العربية المعاصرة فإذا أريد تجاوزه إلى المفعول به، قالوا «أحزن» مزيدا بالهمزة.
وجاء في «الصحاح» أنّ «حزن» لغة قريش، و «أحزن» لغة تميم. والمصدر الحزن. وأمّا الحزن فمصدر «حزن» اللازم.
أقول:
لم أهتد في استقرائي منذ زمان بعيد إلى استعمال «حزن» المتعدي بصيغة المضي، فكلّ الذي وجدته من نصوص هو استعمال «يحزن» ، ويؤيّد دعواي هذه ما ورد في لغة التنزيل، فقد جاء الفعل متعدّيا بصيغة «يفعل» في تسع آيات، منها قوله تعالى:
فَلا يَحْزُنْكَ قَوْلُهُمْ إِنَّا نَعْلَمُ ما يُسِرُّونَ وَما يُعْلِنُونَ (٧٦) [يس] .
٥- وقال تعالى: وَما تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلَّا يَعْلَمُها [الآية ٥٩] .
أريد أن أقف على قوله تعالى: إِلَّا يَعْلَمُها فأقول: هذا هو أسلوب القرآن يأتي الفعل بعد أداة الاستثناء في الجملة الحالية، وليس من واو كما نجد عند المعربين، ولا سيما في عصرنا الحاضر، يقال:
ما رأيته إلا ووجدته مشغولا بمسألة مشكلة.
وكأن الأسلوب الفصيح القول: ما رأيته إلا وجدته مشغولا بمسألة مشكلة.
ومثل هذا قوله تعالى: وَما تَأْتِيهِمْ مِنْ آيَةٍ مِنْ آياتِ رَبِّهِمْ إِلَّا كانُوا عَنْها مُعْرِضِينَ (٤) .
وقوله تعالى: وَما يَأْتِيهِمْ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِؤُنَ (١١) [الحجر] .
٦- وقال تعالى: قُلْ هُوَ الْقادِرُ عَلى أَنْ يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذاباً مِنْ فَوْقِكُمْ أَوْ مِنْ تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ أَوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعاً [الآية ٦٥] .
أَوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعاً بمعنى أن يخلطكم فرقا مختلفين على أهواء شتّى، كلّ فرقة منكم مشايعة لإمام. ومعنى خلطهم: أن ينشب القتال بينهم فيختلطوا ويشتبكوا في ملاحم القتال.
وكتيبة لبّستها بكتيبة ... حتى إذا التبست نفضت لها يدي «١»
стр. 615
واللّبس واللّبس: اختلاط الأمر، ولبس عليه الأمر يلبسه لبسا فالتبس، إذا خلطه عليه حتى لا يعرف جهته.
وعلى هذا، فرّق بالفعل بين معنى الخلط وبين قولهم: لبس الثوب فهذه الأخيرة مثل «علم» ، والتي تفيد الخلط مثل «ضرب» . كما فرّق بالمصدر، فمصدر قولهم: لبس الثوب «اللّبس» بضم اللام، أما ما يفيد الخلط فهو «اللّبس» بفتح اللام.
وقالوا: لا بس الرجل الأمر بمعنى خالطه ولا بست فلانا: عرفت باطنه.
أقول: هذه هي الملابسة، أمّا أن يراد بها الالتباس كما في اللغة المعاصرة، فهو أمر جديد حدث عن طريق الاتساع، لأنّ الكلمة تفيد المخالطة. وقد كنا عرضنا لشيء من مادة «لبس» .
٧- وقال تعالى: وَإِذا رَأَيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ فِي آياتِنا فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ [الآية ٦٨] .
المراد بقوله تعالى: يَخُوضُونَ فِي آياتِنا، أي: في الاستهزاء بها والطعن فيها.
أقول: جاءت مادة «الخوض» ، فعلا، ومصدرا، واسم فاعل في إحدى عشرة آية، وفي جميعها قد انصرف «الخوض» إلى الدخول في الباطل وما لا ينبغي، ومن ذلك قوله تعالى:
فَوَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ (١١) الَّذِينَ هُمْ فِي خَوْضٍ يَلْعَبُونَ (١٢) [الطور] .
غير أننا نجد «الخوض» ، مستعملا في العربية المعاصرة غير متصف بهذه الخصوصية المعنوية، فهو عام يكون في الخير والشر، والحق والباطل، يقال مثلا: «كنا نخوض في مختلف الشؤون» ، والشؤون تكون حقا وباطلا، وقد تكون كلها حقا. وهذا يعني أن المعربين قد جهلوا الكثير من خصائص هذه اللغة العريقة.
٨- وقال تعالى: وَذَرِ الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَهُمْ لَعِباً وَلَهْواً وَغَرَّتْهُمُ الْحَياةُ الدُّنْيا وَذَكِّرْ بِهِ أَنْ تُبْسَلَ نَفْسٌ بِما كَسَبَتْ لَيْسَ لَها مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيٌّ وَلا شَفِيعٌ وَإِنْ تَعْدِلْ كُلَّ عَدْلٍ لا يُؤْخَذْ مِنْها [الآية ٧٠] .
قوله تعالى: وَذَكِّرْ بِهِ، أي:
بالقرآن، والمراد ب أَنْ تُبْسَلَ نَفْسٌ أي: مخافة أن تسلم النفس إلى الهلكة والعذاب، وترتهن بسوء كسبها. وأصل الإبسال: المنع، لأن المسلم إليه يمنع
стр. 616
المسلم، قال عوف بن الأحوص الباهلي:
وإبسالي بنىّ بغير جرم ... بعوناه ولا بدم مراق «١»
ومنه: هذا عليك بسل، أي: حرام محظور.
وأبسلت فلانا: أسلمته للهلاك فهو مبسل.
ومثل هذا قوله تعالى من الأنعام:
أُولئِكَ الَّذِينَ أُبْسِلُوا بِما كَسَبُوا [الآية ٧٠] .
أي: أسلموا بجرائمهم، وقيل:
ارتهنوا، وقيل أهلكوا «٢» .
أقول: وهذا من الكلم الشريف الذي اشتملت عليه لغة القرآن، وليس لنا شيء منه في العربية المعاصرة.
إننا لم نعرف في عربيتنا المعاصرة من مادة «بسل» إلا الباسل والبسالة فنقول: الجيش الباسل، وأبدى المحارب بسالة، ولا نعرف الفعل «بسل» .
٩- وقال تعالى: يَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ [الآية ٧٣] .
ورد «الصّور» في عشر من الآيات، وفي جميعها يرد الفعل «نفخ وينفخ» بالبناء للمفعول، فما الصّور هذا؟
وفي «الصّور» قولان أحدهما: أنه بفتح الواو جمعا لصورة، كما في قراءة لقوله تعالى: يَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ وَنَحْشُرُ الْمُجْرِمِينَ يَوْمَئِذٍ زُرْقاً (١٠٢) [طه] .
والثاني: أنه القرن الذي ينفخ فيه.
أقول: وأما من قال: إن الصّور «بفتح الواو» هو المراد، وهو جمع صورة، فهو أبو علي.
وقال أبو الهيثم: اعترض قوم فأنكروا أن يكون الصّور قرنا، كما أنكروا العرش والميزان والصّراط، وادّعوا أن الصّور جمع الصورة كما أن الصّوف جمع الصّوفة، والثّوم جمع الثّومة، ورووا ذلك عن أبي عبيدة.
قال أبو الهيثم وهذا خطأ فاحش، وتحريف لكلمات الله، ، عن مواضعها لأن الله، سبحانه، قال:
وَصَوَّرَكُمْ فَأَحْسَنَ صُوَرَكُمْ [غافر:
٦٤] ففتح الواو.
стр. 617
قال: ولا نعلم أحدا من القرّاء قرأها: (فأحسن صوركم) ، وكذلك قال: وَنُفِخَ فِي الصُّورِ [الكهف: ٩٩] ، فمن قرأ: (ونفخ في الصّور) ، أو قرأ:
(فأحسن صوركم) فقد افترى الكذب وبدّل كتاب الله.
أقول: وأنا أميل إلى قول أبي علي عن أبي عبيدة وهو أن «الصور» جمع صورة كالصوف جمع صوفة، أو أنه «الصّور» جمع الصورة، وذلك يبعد عنا فكرة التجسيم والتمثيل التي تكون في «القرن» ينفخ فيه.
١٠- وَحاجَّهُ قَوْمُهُ قالَ أَتُحاجُّونِّي فِي اللَّهِ وَقَدْ هَدانِ [الآية ٨٠] .
الكلام على وَقَدْ هَدانِ فالنون مكسورة، والأصل: «وقد هداني» والياء مطلوبة لأنها ضمير المتكلم وهي المفعول به، وقد حذفت هذه الياء واجتزئ عنها بكسرة قصيرة. أقول:
«قصيرة» لأنها حركة قصيرة بالقياس إلى الياء التي هي كسرة أو حركة طويلة.
ولماذا هذا الاجتزاء؟ سبب ذلك أن الوقف الجائز بعد هَدانِ يسوّغه وجود حركة قصيرة ولو كانت طويلة، لما حسن الوقف، لأن الوقف على النون الساكنة، أوقع على السمع من الوقف على الياء، أي: المدّ الطويل كما هو أحسن من الوقف على الكسر، وهذا من لطائف حسن الأداء، الذي تقتضيه قراءة القرآن، وإحسان تلك القراءة.
١١- وقال تعالى: أُولئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُداهُمُ اقْتَدِهْ [الآية ٩٠] .
الكلام على اقْتَدِهْ، والهاء فيها صوت اقتضاه الوقف الذي هو أولى من الوصل في هذه الآية، وذلك أن الوقف لو كان على «الدال» لوجب إسكان الدال، وبذلك يختلّ الفعل، ويلتبس معناه بالأمر من «اقتاد» ، فجيء بالهاء وهو صوت حلقي يحسن السكوت عليه ألا ترى أن العرب في باب النداء والندبة والاستغاثة، وقفوا على الهاء فقالوا يا غوثاه، ويا زيداه، ووا حرّ قلباه، وغير ذلك.
١٢- وقال تعالى: وَما قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ [الآية ٩١] .
والمعنى: ما عظّموا الله حقّ تعظيمه.
وقال الخليل: ما وصفوه حقّ صفته.
стр. 618
أقول: هذا هو «القدر» بمعنى التعظيم الذي تحوّل إلى «التقدير» في لغة المعاصرين، يقولون: فلان حظي بالتقدير والاحترام. على أن «التقدير» في فصيح العربية القديمة ليس من هذا، وتقدير الله الخلق، تيسيره كلّا منهم، لما علم أنهم صائرون إليه من السعادة والشقاء، كذا قال المفسّرون والتقدير أيضا تعيين المقدار والدرجة والحدّ.
قال تعالى: وَبارَكَ فِيها وَقَدَّرَ فِيها أَقْواتَها فِي أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ [فصلت: ١٠] .
وقال تعالى: إِنَّهُ فَكَّرَ وَقَدَّرَ (١٨) [المدّثّر] .
وقال تعالى: وَالْقَمَرَ قَدَّرْناهُ مَنازِلَ [يس: ٣٩] .
وقال تعالى: قَوارِيرَا مِنْ فِضَّةٍ قَدَّرُوها تَقْدِيراً (١٦) [الإنسان] .
١٣- وقال تعالى: وَالْمَلائِكَةُ باسِطُوا أَيْدِيهِمْ [الآية ٩٣] .
أقول: واسم الفاعل «باسطو» مضاف إلى معموله، والمعنى يبسطون أيديهم، وهذا يعني أن الدلالة الزمنية هي حكاية الحال الماضية، ومن أجل ذلك وجبت الإضافة، ولم يجب النصب، وقد كنا أشرنا إلى هذا الموضوع وأوضحناه.
١٤- وقال تعالى: وَلَقَدْ جِئْتُمُونا فُرادى كَما خَلَقْناكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ [الآية ٩٤] .
أريد أن أقف على قوله تعالى أَوَّلَ مَرَّةٍ، والمضاف إلى المصدر حكمه حكم المصدر مفعولا مطلقا.
أقول: درج المعاصرون على جرّ «أوّل» باللام فيقولون: حدث لأوّل مرّة، والفصيح: حدث أوّل مرّة.
١٥- وقال تعالى: إِنَّ اللَّهَ فالِقُ الْحَبِّ وَالنَّوى [الآية ٩٥] .
اسم الفاعل في الآية أضيف إلى معموله، وامتنع النّصب. وانظر الآية:
٩٣.
١٦- وقال تعالى: بَدِيعُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ [الآية ١٠١] .
قالوا: من إضافة الصفة المشبّهة إلى فاعلها، كقولك: فلان بديع الشّعر، أي: بديع شعره. كقولك: فلان ثبت الغدر، أي: ثابت فيه، والمعنى أنه عديم النّظير والمثل فيها.
وقيل: البديع بمعنى المبدع «١» .
стр. 619
أقول: إن قولهم: البديع بمعنى المبدع أكثر وجاهة، وذلك لأنّ المبدع هو الموجد، والخالق، والبادئ، وأن بدأ وبدع وبده واحد في الأصل والمعنى واحد. وعلى هذا فالمبدع، مقابلا للبديع في الآية، يعضده الاشتقاق.
١٧- وقال تعالى: وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمانِهِمْ لَئِنْ جاءَتْهُمْ آيَةٌ لَيُؤْمِنُنَّ بِها قُلْ إِنَّمَا الْآياتُ عِنْدَ اللَّهِ وَما يُشْعِرُكُمْ أَنَّها إِذا جاءَتْ لا يُؤْمِنُونَ (١٠٩) .
أقول القسم في غاية الإغلاظ.
وقد كنت عرضت للايات المصدّرة ب «لئن» وأشرنا إلى اللام أنها موطئة للقسم، ومن أجل ذلك فافعل بعدها جواب للقسم، وقد أكّد بالنون لأنه الجواب المتصل باللام، المثبت المستقبل في دلالته الزمنية.
وعلى هذا، فأسلوب المعاصرين ومن سبقهم ممن أشرنا إليهم من الشعراء، غير فصيح، في جعل الجواب للشرط، يدل عليه اقترانه بالفاء التي هي فاء الجزاء. وَما يُشْعِرُكُمْ، بمعنى (وما يدريكم) ، أن الآية التي تقترحونها إِذا جاءَتْ لا يُؤْمِنُونَ يعني أنا أعلم أنها إذا جاءت لا يؤمنون بها، وأنتم لا تدرون بذلك.
وذلك أن المؤمنين كانوا يطمعون في إيمانهم إذا جاءت تلك الآية، ويتمنّون مجيئها. فكأنّه، ، قال وما يدريكم أنهم لا يؤمنون. على معنى أنكم لا تدرون ما سبق علمي به من أنهم لا يؤمنون به.
ألا ترى إلى قوله تعالى: كَما لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ أَوَّلَ مَرَّةٍ [الآية ١١٠] .
وقيل: «أنّها» بمعنى «لعلّها» من قول العرب: ائت السوق أنّك تشتري لحما.
وقال امرؤ القيس:
عوجا على الطّلل المحيل لأنّنا «١» ... نبكي الدّيار كما بكى ابن خذام
ويقوّيها قراءة أبيّ: (لعلّها إذا جاءت لا يؤمنون) .
وقرئ بالكسر على أن الكلام قد تمّ قبله بمعنى: وما يشعركم ما يكون منهم «٢» .
стр. 620
١٨- وقال تعالى: وَقالُوا هذِهِ أَنْعامٌ وَحَرْثٌ حِجْرٌ لا يَطْعَمُها إِلَّا مَنْ نَشاءُ بِزَعْمِهِمْ [الآية ١٣٨] .
أقول: حجر بمعنى محجور مثل الذّبح والطّحن، وهذا باب كبير في العربية، وهو ما جاء على «فعل» بكسر فسكون ومعناه مفعول.
ولعل هذه الأبنية السماعية التي تؤدّي ما تؤدّيه الأبنية القياسية، قد سبقت الأبنية القياسية، ومن أجل ذلك احتفظت العربية ببقاياها. ألا ترى أن «فعلة» في كثير من الألفاظ تؤدّي معنى «مفعول» ، نحو اللّقمة والكسوة والضحكة ونحو ذلك، ومثل ذلك ما ورد على «فعل» بفتحتين كالحلب والسلب والجلب والعلل والنّهل.
١٩- وقال تعالى: وَقالُوا ما فِي بُطُونِ هذِهِ الْأَنْعامِ خالِصَةٌ لِذُكُورِنا وَمُحَرَّمٌ عَلى أَزْواجِنا [الآية ١٣٩] .
قال الزمخشري «١» : كانوا يقولون في أجنّة البحائر والسوائب: ما ولد منها حيّا، فهو خالص للذكور، لا تأكل منه الإناث.
وأنّث لفظ (خالصة) للحمل على المعنى، لأنّ (ما) في معنى الأجنّة، وذكّر لفظ (محرّم) للحمل على اللفظ.
ويجوز أن تكون التاء في «خالصة» للمبالغة مثلها في راوية الشعر. وأن تكون مصدرا وقع موقع الخالص، كالعاقبة، أي: ذو خالصة.
أقول: ولا أرى قوله الثاني في أن التاء للمبالغة وجيها، والوجه الأول هو الحسن والصواب، وذلك أن لغة القرآن هي لغة العرب، وقد درج العرب على مراعاة اللفظ مرّة ومراعاة المعنى أخرى فإذا اقتضت الحال المراعاة مرّتين، حمل عليهما للتجانس وأظن أن هذه هي الحكمة اللطيفة، التي جرت عليها لغة القرآن، والله تعالى أعلم.
ويحسن أن نشير إلى قول الزمخشري «البحائر والسوائب» بشيء من الشرح فنقول:
أقول: البحيرة والسائبة من قوله تعالى:
ما جَعَلَ اللَّهُ مِنْ بَحِيرَةٍ وَلا سائِبَةٍ وَلا وَصِيلَةٍ وَلا حامٍ وَلكِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ [المائدة: ١٠٣] .
стр. 621
قيل: البحيرة من الإبل التي بحرت أذنها، أي: شقّت طولا، ويقال: هي التي خلّيت بلا راع.
وقال الأزهري، قال أبو إسحاق النحويّ: أثبت ما روينا عن أهل اللغة، في البحيرة، أنها الناقة كانت إذا نتجت خمسة أبطن فكان آخرها ذكرا، بحروا أذنها، أي: شقّوها، وأعفوا ظهرها من الركوب والحمل والذبح، ولا تحلّأ عن ماء ترده، ولا تمنع من مرعى، وإذا لقيها المعيي المنقطع به لم يركبها.
وقيل: البحيرة الشاة إذا ولدت خمسة أبطن، فكان آخرها ذكرا، بحروا أذنها، أي: شقّوها وتركت فلا يمسّها أحد.
قال الأزهري: والقول هو الأوّل لما جاء في حديث أبي الأحوص الجشمي عن أبيه، أن النبيّ (ص) قال له: أربّ إبل أنت أم ربّ غنم؟ فقال: من كلّ قد آتاني الله فأكثر، فقال: هل تنتج إبلك وافية آذانها فتشقّ فيها وتقول:
بحر؟ يريد جمع البحيرة.
أقول: وهذا من عاداتهم ومعتقدهم الذي درجوا عليه بالباطل فجاء الإسلام وأبطله.
وأمّا «السائبة» فهي أن الرجل في الجاهلية كان إذا قدم من سفر بعيد، أو برئ من علّة، أو نجته دابّة من مشقّة أو حرب قال: ناقتي سائبة، أي: تسيّب فلا ينتفع بظهرها، ولا تحلّأ عن ماء، ولا تمنع من كلأ، ولا تركب.
وقيل: بل كان ينزع من ظهرها فقارة أو عظما فتعرف بذلك فأغير على رجل من العرب، فلم يجد دابة فركب سائبة، فقيل: أتركب حراما؟ فقال:
يركب الحرام من لا حلال له، فذهبت مثلا «١» .
وجاء في الصحاح: السائبة الناقة التي كانت تسيّب في الجاهلية، لنذر ونحوه «٢» .
وهذه أيضا آبدة من أوابدهم التي درجوا عليها، وسنأتي إلى الوصيلة فنقول: الوصيلة كانت في الشّاء خاصّة، فكانت الشّاة إذا ولدت أنثى فهي لهم، وإذا ولدت ذكرا فهو
стр. 622
لآلهتهم، فإذا ولدت ذكرا وأنثى، قالوا: وصلت أخاها فلم يذبحوا الذّكر لآلهتهم، هذا هو قول المفسّرين للاية.
وقال غيرهم:
الوصيلة الناقة التي وصلت بين عشرة أبطن، وهي من الشّاء التي ولدت سبعة أبطن عناقين عناقين، فإن ولدت في السابع عناقا، قيل: وصلت أخاها، فلا يشرب لبن الأمّ إلّا الرجال دون النساء، وتجري مجرى السائبة.
وقال أبو عرفة: الوصيلة من الغنم كانوا إذا ولدت الشاة ستّة أبطن، نظروا، فإن كان السابع ذكرا ذبح، وأكل منه الرجال والنساء، وإن كانت أنثى تركت في الغنم، وإن كانت أنثى وذكرا، قالوا: وصلت أخاها فلم يذبح، وكان لبنها حراما على النساء.
على أن في الوصيلة أقوالا أخرى ليست بعيدة عن هذه الرسوم الجاهلية.
وأما الحامي: فهو الفحل من الإبل يضرب الضّراب المعدود، قيل: عشرة أبطن، فإذا بلغ ذلك قالوا: هذا حام، أي: حمى ظهره فيترك فلا ينتفع منه بشيء ولا يمنع من ماء ولا مرعى.
وقد أبطل الإسلام هذه الرسوم الجاهلية، وجعلها حلالا كغيرها من الحلال، وبذلك صرّحت الآية.
٢٠- وقال تعالى: وَمِنَ الْأَنْعامِ حَمُولَةً وَفَرْشاً [الآية ١٤٢] .
قال الفراء: «الحمولة» ما أطاق العمل والحمل. و «الفرش» : الصّغار.
وقال أبو إسحاق: أجمع أهل اللغة على أن الفرش صغار الإبل.
وقال بعض المفسّرين: «الفرش» صغار الإبل، وإن البقر والغنم من الفرش، والذي جاء في التفسير يدلّ عليه قوله ثَمانِيَةَ أَزْواجٍ مِنَ الضَّأْنِ اثْنَيْنِ وَمِنَ الْمَعْزِ [الآية ١٤٣] فلما جاء هذا بدلا من قوله تعالى:
حَمُولَةً وَفَرْشاً جعله للبقر والغنم مع الإبل «١» .
٢١- وقال تعالى: أَنْ تَقُولُوا إِنَّما أُنْزِلَ الْكِتابُ عَلى طائِفَتَيْنِ مِنْ قَبْلِنا وَإِنْ كُنَّا عَنْ دِراسَتِهِمْ لَغافِلِينَ (١٥٦) .
أريد أن أقف قليلا على «الدراسة» ، وينبغي أن أرجع إلى الآية ١٠٥ من هذه السورة، وهي:
стр. 623
وَكَذلِكَ نُصَرِّفُ الْآياتِ وَلِيَقُولُوا دَرَسْتَ وَلِنُبَيِّنَهُ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ (١٠٥) .
وقد قرئت هذه الآية: (وليقولوا دارست) . والمعنى كما قالوا: درست كتب أهل الكتاب وأمّا دارست أي:
ذاكرتهم. وقرئ: (درست) و (درست) ، أي: هذه أخبار قد عفت وامّحت.
أقول: وهذه القراءة الأخيرة لا تعدل قوّة القراءة الأولى ووضوحها، التي اتّفق أكثر القراء وأهل العلم عليها.
وقرأ ابن عباس ومجاهد:
(دارست) ، وفسّرها: قرأت على اليهود وقرءوا عليك.
وقرئ: (درست) أي: قرئت وتليت.
والمصدر في هذا الفعل بمعنى القراءة الدّرس كالمصدر في «درس» بمعنى «عفا وامّحى» . أما الدراسة بمعنى القراءة، فهي خاصة بهذه الدلالة. والدّرس بمعنى القراءة من الأصول القديمة في مجموعة اللغات السامية، ومن المعلوم أن المدراش عند العبرانيين هو البيت الذي يدرسون فيه، نظير «المدرسة» في العربية التي استحدثت للمكان في العصور الإسلامية.
ودلالة الدرس على القراءة لها شواهد من كلام الله العزيز، كقوله:
أَمْ لَكُمْ كِتابٌ فِيهِ تَدْرُسُونَ (٣٧) [القلم] .
وَما آتَيْناهُمْ مِنْ كُتُبٍ يَدْرُسُونَها [سبأ: ٤٤] .
стр. 624
المبحث السادس المعاني اللغوية في سورة «الأنعام» «١»
قال تعالى: أَلَمْ يَرَوْا كَمْ أَهْلَكْنا مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ قَرْنٍ مَكَّنَّاهُمْ [الآية ٦] ثم قال في الآية نفسها ما لَمْ نُمَكِّنْ لَكُمْ كأنه أخبر النبي (ص) ثم خاطبه معهم كما قال سبحانه حَتَّى إِذا كُنْتُمْ فِي الْفُلْكِ وَجَرَيْنَ بِهِمْ [يونس: ٢٢] فجاء بلفظ الغائب، وهو يخاطب، لأنه هو المخاطب.
فأمّا قوله وَأَجَلٌ مُسَمًّى عِنْدَهُ [الآية ٢] ف (أجل) على الابتداء وليس على قَضى.
وقال تعالى: كَتَبَ عَلى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ لَيَجْمَعَنَّكُمْ [الآية ١٢] بنصب لام (ليجمعنّكم) لأن معنى (كتب) كأنه قال «والله ليجمعنّكم» ثم أبدل فقال تعالى في الآية نفسها: الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ أي: ليجمعنّ الذين خسروا أنفسهم «٢» .
وقال تعالى: أَغَيْرَ اللَّهِ أَتَّخِذُ وَلِيًّا فاطِرِ السَّماواتِ [الآية ١٤] على النعت. وقرأ بعضهم (فاطر) بالرفع على الابتداء أي: هو فاطر «٣» .
стр. 625
وقال تعالى إِنِّي أُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ أَوَّلَ مَنْ أَسْلَمَ وَلا تَكُونَنَّ [الآية ١٤] أي: وقيل لي: «لا تكوننّ» .
وقال تعالى: ثُمَّ لَمْ تَكُنْ فِتْنَتُهُمْ إِلَّا أَنْ قالُوا وَاللَّهِ رَبِّنا [الآية ٢٣] على الصفة «١» . وقرأ بعضهم (ربّنا) «٢» على:
يا ربّنا. وأمّا (والله) فبالجرّ على القسم، ولو لم تكن فيه الواو نصبت فقلت «الله ربّنا» . ومنهم من يجرّ بغير واو لكثرة استعمال هذا الاسم وهذا في القياس رديء. وقد جاء مثله شاذّا قولهم «٣» [من الرجز وهو الشاهد التاسع والثمانون بعد المائة] :
وبلد عاميّة أعماؤه «٤»
وإنّما هو: ربّ بلد وقال «٥» : [من الوافر وهو الشاهد التسعون بعد المائة] :
نهيتك عن طلابك أمّ عمرو ... بعاقبة «٦» وأنت إذ صحيح
يقول: «حينئذ» فالقى «حين» وأضمرها «٧» . وصارت الواو عوضا من «ربّ» في «وبلد» . وقد يضعون «بل» في هذا الموضع. قال الشاعر «٨» : [من الرجز وهو الشاهد الحادي والتسعون بعد المائة] :
ما بال عين عن كراها قد جفت ... مسبلة تستنّ لمّا عرفت
стр. 626
دارا لليلى بعد حول قد عفت بل جوز تيهاء كظهر الحجفت «١» فيمن قال «طلحت» «٢» وقال تعالى: وَجَعَلْنا عَلى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَنْ يَفْقَهُوهُ وَفِي آذانِهِمْ وَقْراً [الآية ٢٥] وواحد «الأكنّة» : الكنان. و «الوقر» في الأذن بالفتح، و «الوقر» على الظهر بالكسر. وقال يونس «٣» «سألت رؤبة» «٤» فقال: «وقرت أذنه» «توقر» إذا كان فيها «الوقر» . وقال أبو زيد «٥» :
«سمعت العرب تقول: «أذن موقورة» فهذا يقول: «وقرت» . قال الشاعر «٦» [من الرمل وهو الشاهد الثاني والتسعون بعد المائة] :
وكلام سيّئ قد وقرت ... أذني «٧» منه وما بي من صمم
وقال تعالى إِلَّا أَساطِيرُ الْأَوَّلِينَ (٢٥) فبعضهم يزعم أنّ واحده «أسطورة» وبعضهم «إسطارة» «٨» ، ولا أراه إلّا من الجمع الذي ليس له واحد، نحو «عباديد» و «مذاكير» و «أبابيل» «٩» .
وقال بعضهم: «واحد الأبابيل» : إبّيل، وقال بعضهم: إبّول» مثل: «عجّول» ولم أجد العرب تعرف له واحدا «١٠» .
فأمّا «الشّماطيط» فإنهم يزعمون أنّ واحده «شمطاط» . وكل هذه لها واحد
стр. 627
إلّا أنه ليس يستعمل، ولم يتكلّم به لأنّ هذا المثال لا يكون إلّا جميعا.
وسمعت العرب الفصحاء يقولون:
«أرسل إبله أبابيل «١» » يريدون «جماعات «فلم يتكلّم لها بواحد.
وأمّا قوله تعالى وَيَنْأَوْنَ عَنْهُ [الآية ٢٦] فانه من: «نأيت» «ينأى» نأيا» .
وقال تعالى وَلا نُكَذِّبَ بِآياتِ رَبِّنا وَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (٢٧) نصب لأنّه جواب للتمني «٢» وما بعد الواو كما بعد الفاء، وإن شئت رفعت «٣» وجعلته على مثل اليمين، كأن القول «ولا نكذّب والله بآيات ربّنا ونكون والله من المؤمنين» «٤» . هذا إذا كان هذا الوجه منقطعا من الأول. والرفع وجه الكلام، وبه نقرأ الآية. وإذا نصب جعلها واو عطف، فكأنهم قد تمنّوا ألّا يكذبوا وأن يكونوا «٥» . وهذا، والله أعلم، لا يكون، لأنهم لم يتمنّوا الإيمان، إنّما تمنّوا الردّ، وأخبروا أنهم لا يكذبون، ويكونون من المؤمنين.
وقال تعالى: أَلا ساءَ ما يَزِرُونَ (٣١) من «وزر» «يزر» «وزرا» ويقال أيضا:
«وزر» ف «هو موزور» . وزعم يونس «٦» أنّ الاثنين يقالان.
وقال تعالى: قَدْ نَعْلَمُ إِنَّهُ لَيَحْزُنُكَ [الآية ٣٣] بكسر «إنّ» لدخول اللام الزائدة بعدها.
وقال تعالى: وَلَقَدْ جاءَكَ مِنْ نَبَإِ الْمُرْسَلِينَ (٣٤)
стр. 628
قال العرب: «قد أصابنا من مطر» و «قد كان من حديث» «١» .
وقال تعالى: نَفَقاً فِي الْأَرْضِ أَوْ سُلَّماً فِي السَّماءِ [الآية ٣٥] ف «النفق» ليس من «النفقة» ولكنه من «النّافقاء» ، يريد دخولا في الأرض.
وقال تعالى: وَلا طائِرٍ يَطِيرُ بِجَناحَيْهِ إِلَّا أُمَمٌ أَمْثالُكُمْ [الآية ٣٨] يريد: جماعة أمة.
وقال سبحانه: فَإِنِ اسْتَطَعْتَ أَنْ تَبْتَغِيَ نَفَقاً فِي الْأَرْضِ أَوْ سُلَّماً فِي السَّماءِ [الآية ٣٥] ولم يقل «فافعل» بل أضمر. وقال الشاعر «٢» [من الخفيف وهو الشاهد الثاني والثلاثون بعد المائة] :
فبحظّ ممّا نعيش ولا تذ ... هب بك التّرّهات في الأهوال
فأضمر فعش أو فعيشي.
وقال تعالى: أَرَأَيْتَكُمْ إِنْ أَتاكُمْ عَذابُ اللَّهِ أَوْ أَتَتْكُمُ السَّاعَةُ أَغَيْرَ اللَّهِ تَدْعُونَ [الآية ٤٠] فهذا الذي بعد التاء من قوله تعالى: أَرَأَيْتَكُمْ إنما جاء للمخاطبة. وتركت التاء مفتوحة كما كانت للواحد، وهي مثل كاف «رويدك زيدا» إذا قلت: «أرود زيدا» . فهذه الكاف ليس لها موضع فتسمّى بجرّ ولا رفع ولا نصب، وانما هي من المخاطبة مثل كاف «ذاك» . ومثل ذلك قول العرب: «أبصرك زيدا» يدخلون الكاف للمخاطبة، وإنّما هي «أبصر زيدا» .
قال تعالى: أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَخَذَ اللَّهُ سَمْعَكُمْ وَأَبْصارَكُمْ [الآية ٤٦] ثم قال يَأْتِيكُمْ بِهِ [الآية ٤٦] بحمله على السمع، أو على ما أخذ منهم.
قال تعالى فَتَطْرُدَهُمْ فَتَكُونَ مِنَ الظَّالِمِينَ (٥٢) بالنصب جوابا لقوله جلّ وعلا ما عَلَيْكَ مِنْ حِسابِهِمْ مِنْ شَيْءٍ [الآية ٥٢] .
وفي الآية الرابعة والخمسين قراءتان الأولى: كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ أَنَّهُ مَنْ عَمِلَ [الآية ٥٤] «٣»
стр. 629
وأَنَّهُ مَنْ عَمِلَ مِنْكُمْ سُوءاً بِجَهالَةٍ ثُمَّ تابَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَصْلَحَ فَأَنَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٥٤) «١» ف (أنّه) بدل من (الرحمة) أي: كتب أنّه من عمل. وأمّا (فإنّه) «٢» فعلى الابتداء أي: فله المغفرة والرّحمة فهو غفور رحيم «٣» . وقرأ بعضهم (فإنّه) أراد به الاسم وأضمر الخبر. أراد «فإنّ» «٤» .
وفي قوله تعالى: وَلِتَسْتَبِينَ سَبِيلُ الْمُجْرِمِينَ (٥٥) ورد تأنيث السبيل، على لغة أهل الحجاز «٥» وقرأ بعضهم وَلِتَسْتَبِينَ «٦» يعني النبيّ (ص) . وقرأ بعضهم (وليستبين سبيل) «٧» في لغة بني تميم «٨» .
وفي قوله تعالى: قَدْ ضَلَلْتُ إِذاً [الآية ٥٦] قراءة أخرى هي ضللت «٩» .
فمن قرأ ضَلَلْتُ فمن تضلّ «١٠» ومن قرأ «ضللت» فمن تضلّ «١١» .
стр. 630
وقال تعالى: وَما تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلَّا يَعْلَمُها وَلا حَبَّةٍ فِي ظُلُماتِ الْأَرْضِ وَلا رَطْبٍ وَلا يابِسٍ إِلَّا فِي كِتابٍ مُبِينٍ (٥٩) بالجر على (من) أو بالرفع على (تسقط) «١» ، وإن شئت جعلته على الابتداء، وتقطعه من الأول.
وقال تعالى: تَدْعُونَهُ تَضَرُّعاً وَخُفْيَةً [الآية ٦٣] وقال أيضا وَخِيفَةً [الأعراف: ٢٠٥] . و «الخفية» : الإخفاء و «الخيفة» من الخوف والرّهبة.
وقال تعالى: أَوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعاً [الآية ٦٥] لأنها من «لبس» «يلبس» «لبسا» .
وقال تعالى: أَنْ تُبْسَلَ نَفْسٌ بِما كَسَبَتْ [الآية ٧٠] وهي من «أبسل» «إبسالا» .
وقال تعالى: أُولئِكَ الَّذِينَ أُبْسِلُوا [الآية ٧٠] .
حَيْرانَ في قوله تعالى: حَيْرانَ لَهُ أَصْحابٌ [الآية ٧١] «فعلان» له «فعلى» فهو لا ينصرف في المعرفة ولا النكرة.
وأمّا قوله تعالى: إِلَى الْهُدَى ائْتِنا [الآية ٧١] فإنّ الألف التي في (ائتنا) ألف وصل ولكن بعدها همزة من الأصل هي التي في «أتى» وهي الياء التي في قولك «ائتنا» ، ولكنها لم تهمز حينما ظهرت ألف الوصل. لأن ألف الوصل مهموزة إذا استؤنفت، فكرهوا اجتماع همزتين.
وقال تعالى: وَأُمِرْنا لِنُسْلِمَ لِرَبِّ الْعالَمِينَ (٧١) يقول: «إنّما أمرنا كي نسلم لربّ العالمين» كما قال وَأُمِرْتُ لِأَنْ أَكُونَ أَوَّلَ الْمُسْلِمِينَ (١٢) [الزّمر] أي:
إنما أمرت بذلك.
ثم قال تعالى وَأَنْ أَقِيمُوا الصَّلاةَ وَاتَّقُوهُ [الآية ٧٢] أي: وأمرنا أن أقيموا الصّلاة واتّقوه. أو يكون وصل الفعل باللّام، والمعنى: أمرت أن أكون.
والوصل باللام أيضا في قوله تعالى:
لِرَبِّهِمْ يَرْهَبُونَ (١٥٤) [الأعراف] .
وقوله تعالى: وَيَوْمَ يَقُولُ كُنْ فَيَكُونُ [الآية ٧٣] أضيف (يوم) إلى (كن فيكون) وهو نصب وليس له خبر ظاهر، والله أعلم. وهو على ما فسّرت لك.
وقال تعالى: يَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ
стр. 631
[الآية ٧٣] وقرأ بعضهم (ينفخ) عالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهادَةِ [الآية ٧٣] «١» .
وقوله تعالى: وَإِذْ قالَ إِبْراهِيمُ لِأَبِيهِ آزَرَ [الآية ٧٤] قرئ آزَرَ بالفتح بدلا من لِأَبِيهِ «٢» . وقد قرئت رفعا على النداء «٣» كأنه قال «يا آزر» . وقال الشاعر [من الرجز وهو الشاهد الثالث والتسعون بعد المائة] :
إنّ عليّ الله أن تبايعا ... تقتل صبحا أو تجيء طائعا «٤»
فأبدل «تقتل صبحا» من «تبايع» .
في قوله تعالى: فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ [الآية ٧٦] قرأ «٥» بعضهم:
(أجنّ) . وقال الشاعر [من الطويل وهو الشاهد الرابع والتسعون بعد المائة] :
فلمّا أجنّ اللّيل بتنا كأنّنا ... على كثرة الأعداء محترسان
وقال [من الرجز وهو الشاهد الخامس والتسعون بعد المائة] :
أجنّك اللّيل ولمّا تشتف
فجعل «الجنّ» مصدرا ل «جنّ» .
وقد يستقيم أن يكون «أجنّ» ويكون هذا مصدره، كما قال «العطاء» و «الإعطاء» . وأما قوله تعالى:
أَكْنَنْتُمْ فِي أَنْفُسِكُمْ [البقرة: ٢٣٥] فإنهم يقولون في مفعولها: «مكنون» ويقول بعضهم «مكنّ» وتقول: «كننت الجارية» إذا صنتها و: «كننتها من الشّمس» و «أكننتها من الشّمس» أيضا.
ويقولون «هي مكنونة»
стр. 632
و «مكنّة» «١» وقال الشاعر [من البسيط وهو الشاهد السادس والتسعون بعد المائة] :
قد كنت أعطيهم مالي وأمنحهم ... عرضي وعندهم في الصّدر مكنون
لأنّ قيسا تقوله: «كننت العلم» فهو «مكنون» . وتقول بنو تميم «أكننت العلم» ف «هو مكنّ» ، و «كننت الجارية ف «هي مكنونة» . وفي كتاب الله : أَوْ أَكْنَنْتُمْ فِي أَنْفُسِكُمْ [البقرة: ٢٣٥] وقال تعالى: كَأَنَّهُنَّ بَيْضٌ مَكْنُونٌ (٤٩) [الصافات] وقال الشاعر «٢» [من الكامل وهو الشاهد السابع والتسعون بعد المائة] :
قد كنّ يكنن «٣» الوجوه تستّرا ... فاليوم «٤» حين بدون «٥» للنّظّار
وقيس تنشد «قد كن يكنن» .
وقوله تعالى: فَلَمَّا أَفَلَ [الآية ٧٦] فهو من «يأفل» «أفولا» .
وأما قوله تعالى، كما ورد في التنزيل حكاية على لسان إبراهيم (ع) يقول للشمس: هذا رَبِّي [الآية ٧٨] فقد يجوز على «هذا الشيء الطالع ربّي» «٦» .
أو على أنّه ظهرت الشمس وقد كانوا يذكرون الربّ في كلامهم، قال لهم:
هذا رَبِّي. وإنما هذا مثل ضربه لهم ليعرفوا إذا هو زال أنه ينبغي ألّا يكون مثله إلها، وليدلّهم على وحدانية الله، وأنه ليس مثله سبحانه، شيء. وقال الشاعر [من الرجز وهو الشاهد الثامن والتسعون بعد المائة] :
مكثت حولا ثمّ جئت قاشرا ... لا حملت منك كراع حافرا
قال تعالى: وَمِنْ ذُرِّيَّتِهِ داوُدَ وَسُلَيْمانَ [الآية ٨٤] يعني: وَوَهَبْنا لَهُ
стр. 633
وَمِنْ ذُرِّيَّتِهِ داوُدَ وَسُلَيْمانَ «١» وكذلك وَزَكَرِيَّا وَيَحْيى وَعِيسى [الآية ٨٥] .
ووَ الْيَسَعَ [الآية ٨٦] «٢» وقرأ بعضهم: (واللّيسع) «٣» ونقرأ بالخفيفة.
وقال تعالى: فَبِهُداهُمُ اقْتَدِهْ [الآية ٩٠] . بالوقف على هاء (اقتده) وكلّ شيء من بنات الياء والواو في موضع الجزم، فالوقف عليه بالهاء، ليلفظ به كما كان.
وقال تعالى: وَهذا كِتابٌ أَنْزَلْناهُ مُبارَكٌ مُصَدِّقُ الَّذِي [الآية ٩٢] بالرفع على الصفة، أو بالنصب على الحالية ل أَنْزَلْناهُ.
وقال تعالى وَالْمَلائِكَةُ باسِطُوا أَيْدِيهِمْ أَخْرِجُوا أَنْفُسَكُمُ [الآية ٩٣] فنراه يريد: يقولون أَخْرِجُوا أَنْفُسَكُمُ والله أعلم. وكأن في قوله باسِطُوا أَيْدِيهِمْ دليلا على ذلك لأنه قد أخبر أنهم يريدون منهم شيئا.
قرئ قوله تعالى: فالِقُ الْإِصْباحِ [الآية ٩٦] بجعله مصدرا من «أصبح» «٤» . وبعضهم يقرأ (فالق الأصباح) «٥» على أنها جمع «الصّبح» .
وقال تعالى وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ حُسْباناً [الآية ٩٦] أي: بحساب.
حذفت الباء، كما من قوله تعالى:
أَعْلَمُ مَنْ يَضِلُّ عَنْ سَبِيلِهِ [الآية ١١٧] أي: أعلم بمن يضلّ.
و «الحسبان» جماعة «الحساب» مثل «شهاب» و «شهبان» «٦» ، ومثله الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ بِحُسْبانٍ (٥) [الرحمن] أي:
بحساب.
стр. 634
وقال تعالى: أَنْشَأَكُمْ مِنْ نَفْسٍ واحِدَةٍ فَمُسْتَقَرٌّ وَمُسْتَوْدَعٌ [الآية ٩٨] فنراه يعني: فمنها مستقرّ ومنها مستودع والله أعلم.
وقال تعالى: فَأَخْرَجْنا مِنْهُ خَضِراً [الآية ٩٩] نراه يريد «الأخضر» كقول العرب: «أرنيها نمرة أركها مطرة» «١» .
وقال تعالى: وَمِنَ النَّخْلِ مِنْ طَلْعِها قِنْوانٌ دانِيَةٌ [الآية ٩٩] ثم قال:
وَجَنَّاتٍ مِنْ أَعْنابٍ [الآية ٩٩] أي:
«وأخرجنا به جنّات من أعناب» .
ثم قال وَالزَّيْتُونَ [الآية ٩٩] وواحد: «القنوان» : قنو، وكذلك «الصّنوان» واحدها: «صنو» .
وقال تعالى: فَيَسُبُّوا اللَّهَ عَدْواً بِغَيْرِ عِلْمٍ [الآية ١٠٨] والأصل من «العدوان» . تقول: «عدا عدوا علينا» مثل «ضربه ضربا» «٢» .
وقال تعالى: وَما يُشْعِرُكُمْ أَنَّها إِذا جاءَتْ لا يُؤْمِنُونَ (١٠٩) وفسّر على «لعلّها» «٣» كما تقول العرب: «اذهب إلى السوق أنّك تشتري لي شيئا» أي:
لعلّك. وقال الشاعر «٤» [من الرجز وهو الشاهد التاسع والتسعون بعد المائة] :
قلت لشيبان ادن من لقائه ... أنّا نغذّي القوم من شوائه «٥»
في معنى «لعلّنا» .
قال تعالى: وَحَشَرْنا عَلَيْهِمْ كُلَّ شَيْءٍ قُبُلًا [الآية ١١١] أي: قبيلا قبيلا، جماعة «القبيل» «القبل» . ويقال
стр. 635
«قبلا» «١» أي: عيانا. وتقول: «لا قبل لي بهذا» أي: لا طاقة. وتقول: «لي قبلك حق» أي: عندك.
وقال تعالى: وَلِتَصْغى إِلَيْهِ أَفْئِدَةُ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ [الآية ١١٣] هي من «صغوت» «يصغا» مثل «محوت» «يمحا» .
وقال جل شأنه وَجَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكاءَ الْجِنَّ [الآية ١٠٠] على البدل كما قال إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ (٥٢) صِراطِ اللَّهِ [الشورى] . وقال الشاعر «٢» [من الوافر وهو الشاهد المئتان] :
ذريني إنّ أمرك لن يطاعا ... وما ألفيتني حلمي مضاعا
وقال [من البسيط وهو الشاهد الحادي بعد المائتين] :
إنّي وجدتك يا جرثوم من نفر ... جرثومة اللّؤم لا جرثومة الكرم
وقال الاخر «٣» [من البسيط وهو الشاهد الخامس والخمسون بعد المائة] :
إنّا وجدنا بني جلّان كلّهم ... كساعد الضّبّ لا طول ولا عظم
وقال «٤» [من الرجز وهو الشاهد الثاني بعد المائتين] :
ما للجمال مشيها وئيدا ... أجندلا يحملن أم حديدا
ويقال: ما للجمال مشيها وئيدا. كما قيل [من الوافر وهو الشاهد الثالث بعد المائتين] :
فكيف ترى عطيّة حين تلقى ... عظاما هامهنّ فراسيات
وقال تعالى: وَما لَكُمْ أَلَّا تَأْكُلُوا مِمَّا ذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ [الآية ١١٩] أي،