← Улюм аль-Кур’ан

Улюм аль-Кур’ан · id 21769

الموسوعة القرآنية خصائص السور

جعفر شرف الدين

Полный текст (3 064 стр.). Показаны 631–670 · переход к 636.

стр. 631

[الآية ٧٣] وقرأ بعضهم (ينفخ) عالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهادَةِ [الآية ٧٣] «١» . وقوله تعالى: وَإِذْ قالَ إِبْراهِيمُ لِأَبِيهِ آزَرَ [الآية ٧٤] قرئ آزَرَ بالفتح بدلا من لِأَبِيهِ «٢» . وقد قرئت رفعا على النداء «٣» كأنه قال «يا آزر» . وقال الشاعر [من الرجز وهو الشاهد الثالث والتسعون بعد المائة] : إنّ عليّ الله أن تبايعا ... تقتل صبحا أو تجيء طائعا «٤» فأبدل «تقتل صبحا» من «تبايع» . في قوله تعالى: فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ [الآية ٧٦] قرأ «٥» بعضهم: (أجنّ) . وقال الشاعر [من الطويل وهو الشاهد الرابع والتسعون بعد المائة] : فلمّا أجنّ اللّيل بتنا كأنّنا ... على كثرة الأعداء محترسان وقال [من الرجز وهو الشاهد الخامس والتسعون بعد المائة] : أجنّك اللّيل ولمّا تشتف فجعل «الجنّ» مصدرا ل «جنّ» . وقد يستقيم أن يكون «أجنّ» ويكون هذا مصدره، كما قال «العطاء» و «الإعطاء» . وأما قوله تعالى: أَكْنَنْتُمْ فِي أَنْفُسِكُمْ [البقرة: ٢٣٥] فإنهم يقولون في مفعولها: «مكنون» ويقول بعضهم «مكنّ» وتقول: «كننت الجارية» إذا صنتها و: «كننتها من الشّمس» و «أكننتها من الشّمس» أيضا. ويقولون «هي مكنونة»

стр. 632

و «مكنّة» «١» وقال الشاعر [من البسيط وهو الشاهد السادس والتسعون بعد المائة] : قد كنت أعطيهم مالي وأمنحهم ... عرضي وعندهم في الصّدر مكنون لأنّ قيسا تقوله: «كننت العلم» فهو «مكنون» . وتقول بنو تميم «أكننت العلم» ف «هو مكنّ» ، و «كننت الجارية ف «هي مكنونة» . وفي كتاب الله : أَوْ أَكْنَنْتُمْ فِي أَنْفُسِكُمْ [البقرة: ٢٣٥] وقال تعالى: كَأَنَّهُنَّ بَيْضٌ مَكْنُونٌ (٤٩) [الصافات] وقال الشاعر «٢» [من الكامل وهو الشاهد السابع والتسعون بعد المائة] : قد كنّ يكنن «٣» الوجوه تستّرا ... فاليوم «٤» حين بدون «٥» للنّظّار وقيس تنشد «قد كن يكنن» . وقوله تعالى: فَلَمَّا أَفَلَ [الآية ٧٦] فهو من «يأفل» «أفولا» . وأما قوله تعالى، كما ورد في التنزيل حكاية على لسان إبراهيم (ع) يقول للشمس: هذا رَبِّي [الآية ٧٨] فقد يجوز على «هذا الشيء الطالع ربّي» «٦» . أو على أنّه ظهرت الشمس وقد كانوا يذكرون الربّ في كلامهم، قال لهم: هذا رَبِّي. وإنما هذا مثل ضربه لهم ليعرفوا إذا هو زال أنه ينبغي ألّا يكون مثله إلها، وليدلّهم على وحدانية الله، وأنه ليس مثله سبحانه، شيء. وقال الشاعر [من الرجز وهو الشاهد الثامن والتسعون بعد المائة] : مكثت حولا ثمّ جئت قاشرا ... لا حملت منك كراع حافرا قال تعالى: وَمِنْ ذُرِّيَّتِهِ داوُدَ وَسُلَيْمانَ [الآية ٨٤] يعني: وَوَهَبْنا لَهُ

стр. 633

وَمِنْ ذُرِّيَّتِهِ داوُدَ وَسُلَيْمانَ «١» وكذلك وَزَكَرِيَّا وَيَحْيى وَعِيسى [الآية ٨٥] . ووَ الْيَسَعَ [الآية ٨٦] «٢» وقرأ بعضهم: (واللّيسع) «٣» ونقرأ بالخفيفة. وقال تعالى: فَبِهُداهُمُ اقْتَدِهْ [الآية ٩٠] . بالوقف على هاء (اقتده) وكلّ شيء من بنات الياء والواو في موضع الجزم، فالوقف عليه بالهاء، ليلفظ به كما كان. وقال تعالى: وَهذا كِتابٌ أَنْزَلْناهُ مُبارَكٌ مُصَدِّقُ الَّذِي [الآية ٩٢] بالرفع على الصفة، أو بالنصب على الحالية ل أَنْزَلْناهُ. وقال تعالى وَالْمَلائِكَةُ باسِطُوا أَيْدِيهِمْ أَخْرِجُوا أَنْفُسَكُمُ [الآية ٩٣] فنراه يريد: يقولون أَخْرِجُوا أَنْفُسَكُمُ والله أعلم. وكأن في قوله باسِطُوا أَيْدِيهِمْ دليلا على ذلك لأنه قد أخبر أنهم يريدون منهم شيئا. قرئ قوله تعالى: فالِقُ الْإِصْباحِ [الآية ٩٦] بجعله مصدرا من «أصبح» «٤» . وبعضهم يقرأ (فالق الأصباح) «٥» على أنها جمع «الصّبح» . وقال تعالى وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ حُسْباناً [الآية ٩٦] أي: بحساب. حذفت الباء، كما من قوله تعالى: أَعْلَمُ مَنْ يَضِلُّ عَنْ سَبِيلِهِ [الآية ١١٧] أي: أعلم بمن يضلّ. و «الحسبان» جماعة «الحساب» مثل «شهاب» و «شهبان» «٦» ، ومثله الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ بِحُسْبانٍ (٥) [الرحمن] أي: بحساب.

стр. 634

وقال تعالى: أَنْشَأَكُمْ مِنْ نَفْسٍ واحِدَةٍ فَمُسْتَقَرٌّ وَمُسْتَوْدَعٌ [الآية ٩٨] فنراه يعني: فمنها مستقرّ ومنها مستودع والله أعلم. وقال تعالى: فَأَخْرَجْنا مِنْهُ خَضِراً [الآية ٩٩] نراه يريد «الأخضر» كقول العرب: «أرنيها نمرة أركها مطرة» «١» . وقال تعالى: وَمِنَ النَّخْلِ مِنْ طَلْعِها قِنْوانٌ دانِيَةٌ [الآية ٩٩] ثم قال: وَجَنَّاتٍ مِنْ أَعْنابٍ [الآية ٩٩] أي: «وأخرجنا به جنّات من أعناب» . ثم قال وَالزَّيْتُونَ [الآية ٩٩] وواحد: «القنوان» : قنو، وكذلك «الصّنوان» واحدها: «صنو» . وقال تعالى: فَيَسُبُّوا اللَّهَ عَدْواً بِغَيْرِ عِلْمٍ [الآية ١٠٨] والأصل من «العدوان» . تقول: «عدا عدوا علينا» مثل «ضربه ضربا» «٢» . وقال تعالى: وَما يُشْعِرُكُمْ أَنَّها إِذا جاءَتْ لا يُؤْمِنُونَ (١٠٩) وفسّر على «لعلّها» «٣» كما تقول العرب: «اذهب إلى السوق أنّك تشتري لي شيئا» أي: لعلّك. وقال الشاعر «٤» [من الرجز وهو الشاهد التاسع والتسعون بعد المائة] : قلت لشيبان ادن من لقائه ... أنّا نغذّي القوم من شوائه «٥» في معنى «لعلّنا» . قال تعالى: وَحَشَرْنا عَلَيْهِمْ كُلَّ شَيْءٍ قُبُلًا [الآية ١١١] أي: قبيلا قبيلا، جماعة «القبيل» «القبل» . ويقال

стр. 635

«قبلا» «١» أي: عيانا. وتقول: «لا قبل لي بهذا» أي: لا طاقة. وتقول: «لي قبلك حق» أي: عندك. وقال تعالى: وَلِتَصْغى إِلَيْهِ أَفْئِدَةُ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ [الآية ١١٣] هي من «صغوت» «يصغا» مثل «محوت» «يمحا» . وقال جل شأنه وَجَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكاءَ الْجِنَّ [الآية ١٠٠] على البدل كما قال إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ (٥٢) صِراطِ اللَّهِ [الشورى] . وقال الشاعر «٢» [من الوافر وهو الشاهد المئتان] : ذريني إنّ أمرك لن يطاعا ... وما ألفيتني حلمي مضاعا وقال [من البسيط وهو الشاهد الحادي بعد المائتين] : إنّي وجدتك يا جرثوم من نفر ... جرثومة اللّؤم لا جرثومة الكرم وقال الاخر «٣» [من البسيط وهو الشاهد الخامس والخمسون بعد المائة] : إنّا وجدنا بني جلّان كلّهم ... كساعد الضّبّ لا طول ولا عظم وقال «٤» [من الرجز وهو الشاهد الثاني بعد المائتين] : ما للجمال مشيها وئيدا ... أجندلا يحملن أم حديدا ويقال: ما للجمال مشيها وئيدا. كما قيل [من الوافر وهو الشاهد الثالث بعد المائتين] : فكيف ترى عطيّة حين تلقى ... عظاما هامهنّ فراسيات وقال تعالى: وَما لَكُمْ أَلَّا تَأْكُلُوا مِمَّا ذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ [الآية ١١٩] أي،

стр. 636

والله أعلم، «وأيّ شيء لكم في ألّا تأكلوا» وكذلك وَما لَنا أَلَّا نُقاتِلَ [البقرة: ٢٤٦] يقول: «أيّ شيء لنا في ترك القتال» . ولو كانت (أن) زائدة لارتفع الفعل، ولو كانت في معنى «وما لنا وكذا» لكانت «وما لنا وألّا نقاتل» . في قوله تعالى: وَإِنَّ كَثِيراً لَيُضِلُّونَ بِأَهْوائِهِمْ [الآية ١١٩] أوقع السّياق (أنّ) على النكرة لأنّ الكلام إذا طال، احتمل، ودل بعضه على بعض. وقال تعالى: وَكَذلِكَ جَعَلْنا فِي كُلِّ قَرْيَةٍ أَكابِرَ مُجْرِمِيها لِيَمْكُرُوا فِيها [الآية ١٢٣] فالبناء على «أفاعل» ، وذلك أنه يكون على وجهين يقول «هؤلاء الأكابر» و «الأكبرون» وقال نُنَبِّئُكُمْ بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمالًا [الكهف: ١٠٣] وواحداهم «أخسر» مثل «الأكبر» . وقال تعالى وَكَذلِكَ زَيَّنَ لِكَثِيرٍ مِنَ الْمُشْرِكِينَ قَتْلَ أَوْلادِهِمْ شُرَكاؤُهُمْ [الآية ١٣٧] لأن الشركاء زيّنوا. ثمّ قال سبحانه لِيُرْدُوهُمْ [الآية ١٣٧] من «أردى» «إرداء» . وقال حِجْرٌ لا يَطْعَمُها [الآية ١٣٨] و «الحجر» «الحرام» وقد قرئت بالضم (حجر) «١» ، وقد يكون اللفظان في معنى واحد. وقد يكون «الحجر» : العقل، قال الله تعالى: هَلْ فِي ذلِكَ قَسَمٌ لِذِي حِجْرٍ (٥) [الفجر] أي ذي عقل. وقال بعضهم: «لا يكون في قوله تعالى: وَحَرْثٌ حِجْرٌ [الآية ١٣٨] إلا الكسر. وليس ذا بشيء لأنه حرام. وأما «حجر المرأة» ففيه الفتح والكسر، و «حجر اليمامة» «٢» بالفتح، و «الحجر» ما حجرته، وهو قول أصحاب الحجر. وقوله : وَقالُوا ما فِي بُطُونِ هذِهِ الْأَنْعامِ خالِصَةٌ لِذُكُورِنا وَمُحَرَّمٌ عَلى أَزْواجِنا وَإِنْ يَكُنْ مَيْتَةً فَهُمْ فِيهِ شُرَكاءُ [الآية ١٣٩] . وقد يجوز الرفع لأنّ المؤنّث قد يذكّر فعله. و (خالصة) أنثت لتحقيق الخلوص كأنه لما حقّق لهم الخلوص، أشبه

стр. 637

الكثرة، فجرى مجرى «راوية» و «نسّابة» «١» . وقوله تعالى جَنَّاتٍ [الآية ١٤١] بالجرّ لأن تاء الجميع في موضع النصب، مجرورة بالتنوين. ثم قال تعالى: وَمِنَ الْأَنْعامِ حَمُولَةً وَفَرْشاً [الآية ١٤٢] أي: وأنشأ من الأنعام حمولة وفرشا. ثم قال تعالى: ثَمانِيَةَ أَزْواجٍ [الآية ١٤٣] أي: أنشأ حمولة وفرشا ثمانية أزواج. أي: أنشأ ثمانية أزواج، على البدل «٢» أو التبيان أو على الحال «٣» . وقوله تعالى: مِنَ الضَّأْنِ اثْنَيْنِ وَمِنَ الْمَعْزِ اثْنَيْنِ [الآية ١٤٣] أي على تقدير (أنشأ) قبل الآية، والله أعلم. وإنّما قال ثَمانِيَةَ أَزْواجٍ لأنّ كلّ واحد «زوج» . تقول للاثنين: «هذان زوجان» وقال الله وَمِنْ كُلِّ شَيْءٍ خَلَقْنا زَوْجَيْنِ [الذاريات: ٤٩] وتقول للمرأة، «هي زوج» «٤» و «هي زوجة» «٥» و: «هو زوجها» . وقال تعالى: وَجَعَلَ مِنْها زَوْجَها [الأعراف: ١٨٩] يعني المرأة وقال أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ [الأحزاب: ٣٧] وقال بعضهم: «الزوجة» وقال الأخطل [من البسيط وهو الشاهد السابع والعشرون بعد المائة] : زوجة أشمط مرهوب بوادره ... قد صار في رأسه التخويص والنزع وقد يقال للاثنين أيضا: «هما زوج» و «الزوج» النّمط يطرح على الهودج. قال لبيد [من الكامل وهو الشاهد السادس والعشرون بعد المائة] : من كلّ محفوف يظلّ عصيّه ... زوج عليه كلّة وقرامها وأمّا الضَّأْنِ [الآية ١٤٣] فمهموز وهو جماع على غير واحد. ويقال (الضئين) مثل «الشعير» وهو جماعة

стр. 638

«الضأن» والأنثى «ضائنة» والجماعة: «الضوائن» . والْمَعْزِ [الآية ١٤٣] جمع على غير واحد، وكذلك «المعزى» ، فأمّا «المواعز» فواحدتها «الماعز» و «الماعزة» والذكر الواحد «ضائن» فيكون «الضأن» جماعة «الضائن» مثل «صاحب» و «صحب» و «تاجر» و «تجر» وكذلك «ماعز» و «معز» . وقرأ بعضهم (ضأن) «١» و (معز) «٢» جعله جماعة «الضائن» و «الماعز» مثل «خادم» و «خدم» ، و «حافد» و «حفدة» مثله، إلّا أنّه ألحق فيه الهاء. وأمّا قوله تعالى آلذَّكَرَيْنِ حَرَّمَ أَمِ الْأُنْثَيَيْنِ [الآية ١٤٣] فالنصب فيه ب «حرّم» . وقال تعالى: فَإِنَّهُ رِجْسٌ أَوْ فِسْقاً [الآية ١٤٥] أي: «إلّا أن يكون ميتة أو فسقا فإنّه رجس» . وقال تعالى: وَمِنَ الْبَقَرِ وَالْغَنَمِ حَرَّمْنا عَلَيْهِمْ شُحُومَهُما إِلَّا ما حَمَلَتْ ظُهُورُهُما أَوِ الْحَوايا [الآية ١٤٦] فواحد «الحوايا» : «الحاوياء» «والحاوية» . ويريد تعالى بقوله، والله أعلم، وَمِنَ الْبَقَرِ وَالْغَنَمِ أي: والبقر والغنم حرمنا عليهم. ولكنه أدخل فيها «من» والعرب تقول: «قد كان من حديث» يريدون: «قد كان حديث» وإن شئت قلت «ومن الغنم حرّمنا الشّحوم» كما تقول: «من الدّار أخذ النّصف والثلث» فأضفت على هذا المعنى كما تقول: «من الدّار أخذ نصفها» و «من عبد الله ضرب وجهه» . وقال هَلُمَّ شُهَداءَكُمُ [الآية ١٥٠] لأن «هلمّ» قد تكون للواحد والاثنين والجماعة «٣» . وكأنّ قوله تعالى

стр. 639

أَنْ تَقُولُوا إِنَّما أُنْزِلَ الْكِتابُ عَلى طائِفَتَيْنِ مِنْ قَبْلِنا [الآية ١٥٦] على ثُمَّ آتَيْنا مُوسَى الْكِتابَ [الآية ١٥٤] كراهية أَنْ تَقُولُوا إِنَّما أُنْزِلَ الْكِتابُ عَلى طائِفَتَيْنِ مِنْ قَبْلِنا [الآية ١٥٦] . وقال تعالى إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكانُوا شِيَعاً [الآية ١٥٩] وقرأ بعضهم (فارقوا) «١» من «المفارقة» . وقال تعالى: فَلَهُ عَشْرُ أَمْثالِها [الآية ١٦٠] على العدد كما تقول: «عشر سود» فان قلت كيف قال (عشر) و «المثل» مذكر؟ فإنّما أنّث لأنه أضيف إلى مؤنث وهو في المعنى أيضا «حسنة» أو «درجة» ، فإن أنّث على ذلك فهو وجه. وقرأ بعضهم (عشر أمثالها) «٢» جعل «الأمثال» من صفة «العشر» . وما كان من صفة لا تضاف الى العدد. ولكن يقال «هم عشرة قيام» لا يقال: «عشرة قيام» .

стр. 640

المبحث السابع لكل سؤال جواب في سورة «الأنعام» «١» إن قيل: لم جمعت الظلمة دون النور في قوله تعالى وَجَعَلَ الظُّلُماتِ وَالنُّورَ؟ [الآية الأولى] . قلنا: ترك جمعه استغناء عنه بجمع الظلمة قبله فإنه يدل عليه، كما ترك جمع الأرض أيضا استغناء عنه بجمع السماء قبله في قوله تعالى: الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ [الآية الأولى] . الثاني أن الظلمة اسم، والنور مصدر، والمصادر لا تجمع. فإن قيل: ما الحكمة من قوله تعالى وَجَهْرَكُمْ [الآية ٣] بعد قوله سبحانه يَعْلَمُ سِرَّكُمْ ومعلوم أن من يعلم السر يعلم الجهر بالطريق الأولى؟ قلنا: إنّما ذكره للمقابلة كما في قوله تعالى: فَمَنْ تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ وَمَنْ تَأَخَّرَ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ [البقرة: ٢٠٣] في بعض الوجوه. فإن قيل: لم خصّ السكون بالذكر دون الحركة في قوله تعالى: وَلَهُ ما سَكَنَ فِي اللَّيْلِ وَالنَّهارِ [الآية ١٣] على قول من فسره بما يقابل الحركة؟ قلنا: لأن السكون أغلب الحالتين على كل مخلوق من الحيوان والجماد، ولأن الساكن من المخلوقات أكثر عددا من المتحرك أو لأنّ كلّ متحرّك يصير إلى السكون من غير عكس أو لأنّ السكون هو الأصل والحركة حادثة عليه وطارئة. وقيل فيه إضمار تقديره: ما سكن وتحرك، فاكتفى بأحدهما اختصارا لدلالته على مقابله، كما في قوله تعالى: سَرابِيلَ تَقِيكُمُ الْحَرَّ [النحل: ٨١] أي والبرد.

стр. 641

فإن قيل: لم قال تعالى: وَهُوَ يُطْعِمُ وَلا يُطْعَمُ [الآية ١٤] ولم يقل وهو ينعم ولا ينعم عليه، وهذا أعمّ لتناوله الإطعام وغيره؟ قلنا لأن الحاجة إلى الرزق أمسّ فخصّ بالذكر. والثاني أن كون المطعم آكلا متغوّطا أقبح من كونه منعما عليه، فلذلك ذكره. فإن قيل: في قوله تعالى: ثُمَّ لَمْ تَكُنْ فِتْنَتُهُمْ إِلَّا أَنْ قالُوا وَاللَّهِ رَبِّنا ما كُنَّا مُشْرِكِينَ (٢٣) كيف يكذبون يوم القيامة بعد معاينة حقائق الأمور، وقد بُعْثِرَ ما فِي الْقُبُورِ (٩) وَحُصِّلَ ما فِي الصُّدُورِ (١٠) [العاديات] ؟ قلنا: المبتلى يوم القيامة ينطق بما ينفعه وبما يضرّه لعدم التمييز بسبب الحيرة والدهشة، كحال المبتلى المعذّب في الدنيا يكذب على نفسه وعلى غيره، ويتكلم بما يضرّه، ألا تراهم يقولون كما ورد في التنزيل رَبَّنا أَخْرِجْنا مِنْها [المؤمنون: ١٠٧] وقد أيقنوا بالخلود فيها، وقالوا يا مالِكُ لِيَقْضِ عَلَيْنا رَبُّكَ [الزخرف: ٧٧] وقد علموا أنه لا يُقْضى عَلَيْهِمْ فَيَمُوتُوا وَلا يُخَفَّفُ عَنْهُمْ مِنْ عَذابِها [فاطر: ٣٦] . فإن قيل: كيف الجمع بين هذه الآية وبين قوله تعالى: وَلا يَكْتُمُونَ اللَّهَ حَدِيثاً (٤٢) [النساء] ؟ قلنا: القيامة مواقف مختلفة ففي بعضها لا يكتمون، وفي بعضها يحلفون كاذبين، كما قال فَوَ رَبِّكَ لَنَسْئَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ (٩٢) عَمَّا كانُوا يَعْمَلُونَ (٩٣) [الحجر] وقال تعالى: فَيَوْمَئِذٍ لا يُسْئَلُ عَنْ ذَنْبِهِ إِنْسٌ وَلا جَانٌّ (٣٩) [الرحمن] وقيل إن حلفهم كاذبين يكون قبل شهادة جوارحهم عليهم وَلا يَكْتُمُونَ اللَّهَ حَدِيثاً يكون بعد شهادتها عليهم. فإن قيل: لم قال تعالى: وَلَلدَّارُ الْآخِرَةُ خَيْرٌ لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ [الآية ٣٢] وهو خير لغير المتّقين أيضا كالأطفال والمجانين؟ قلنا: إنّما خصّهم بالذكر، لأنهم الأصل فيها من حيث أنّ درجتهم أعلى، وغيرهم تبع لهم. فإن قيل: ما الحكمة من التعبير في قوله تعالى فَلا تَكُونَنَّ مِنَ الْجاهِلِينَ (٣٥) مخاطبا الرسول محمدا (ص) ونحن نعلم أنه جلّ وعلا قد خاطب النبي نوحا (ص) بقوله: إِنِّي أَعِظُكَ أَنْ تَكُونَ مِنَ الْجاهِلِينَ (٤٦) [هود] أي خاطبه بألين الخطابين، مع أن

стр. 642

محمدا (ص) أعظم رتبة، وأعلى منزلة منه؟ قلنا: لأن نوحا ﵊، كان معذورا في جهله بمطلوبه، لأنه تمسّك بوعد الله تعالى في إنجاء أهله، وظنّ أن ابنه من أهله وأمّا محمد (ص) فما كان معذورا، لأنه كبر عليه كفرهم، مع علمه أن كفرهم وإيمانهم بمشيئة الله تعالى، وأنهم لا يهتدون إلّا أن يهديهم الله. فإن قيل: إذا بعث الله تعالى الموتى من قبورهم، فقد رجعوا إلى الله بالحياة بعد الموت، فما الحكمة من قوله تعالى: وَالْمَوْتى يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ ثُمَّ إِلَيْهِ يُرْجَعُونَ (٣٦) ؟ قلنا: المراد به وقوفهم بين يديه للحساب والجزاء، وذلك غير البعث وهو إحياؤهم بعد الموت فلا تكرار فيه. فإن قيل: قوله تعالى: وَقالُوا لَوْلا نُزِّلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِنْ رَبِّهِ قُلْ إِنَّ اللَّهَ قادِرٌ عَلى أَنْ يُنَزِّلَ آيَةً [الآية ٣٧] لو صح من النبي (ص) هذا الجواب لصح لكل من ادّعى النبوة، وطولب بآية أن يقول إن الله قادر على أن ينزّل آية؟ قلنا: إذا ثبتت نبوته بما شاء الله من المعجزة، يصح له أن يقول ذلك، بخلاف ما إذا لم تثبت نبوته، والنبي (ص) كانت قد ثبتت نبوته بالقرآن، وانشقاق القمر، وغيرهما. فإن قيل: ما الحكمة من قوله تعالى: وَما مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ [الآية ٣٨] والدابّة لا تكون إلّا في الأرض، لأن الدابة في اللغة اسم لما يدبّ على وجه الأرض وما الحكمة في قوله تعالى وَلا طائِرٍ يَطِيرُ بِجَناحَيْهِ [الآية ٣٨] والطيران لا يكون إلا بالجناح؟ قلنا: فيه فوائد: الأولى للتأكيد كقولهم: هذه نعجة أنثى، وقولهم كلمته بلساني، ومشيت إليه برجلي، وكما قال الله تعالى لا تَتَّخِذُوا إِلهَيْنِ اثْنَيْنِ [النحل: ٥١] وقال تعالى: يَقُولُونَ بِأَلْسِنَتِهِمْ ما لَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ [الفتح: ١١] . الثانية نفي توهّم المجاز فإنه يقال: طار فلان في أمر كذا إذا أسرع فيه، وطار الفرس إذا أسرع الجري. الثالثة زيادة التعميم والإحاطة كأنه قال جميع الدواب الدابة وجميع الطيور الطائرة. فإن قيل: قوله تعالى: قُلْ أَرَأَيْتَكُمْ إِنْ أَتاكُمْ عَذابُ اللَّهِ أَوْ أَتَتْكُمُ السَّاعَةُ

стр. 643

[الآية ٤٠] إلى أن قال فَيَكْشِفُ ما تَدْعُونَ إِلَيْهِ [الآية ٤١] ومن جملة ما ذكر الدعاء فيه عذاب الساعة وهو لا يكشف عن المشركين؟ قلنا: لم يخبر عن الكشف مطلقا، بل مقيّدا بشرط المشيئة، وعذاب الساعة، لو شاء كشفه عن المشركين لكشفه. فإن قيل: قوله تعالى: قُلْ لا أَقُولُ لَكُمْ عِنْدِي خَزائِنُ اللَّهِ وَلا أَعْلَمُ الْغَيْبَ وَلا أَقُولُ لَكُمْ إِنِّي مَلَكٌ [الآية ٥٠] كيف ذكر القول في الجملة الأولى والثالثة، وترك ذكره في الجملة الثانية؟ قلنا: لما كان الإخبار بالغيب كثيرا ممّا يدّعيه البشر كالكهنة والمنجّمين وواضعي الملاحم، ثم إنّ كثيرا من الجهّال يعتقدون صحة أقاويلهم ويعملون بمقتضى أخبارهم، بالغ في سلبه عن نفسه بسلب حقيقته عنه بخلاف الإلهية والملكية، فإن انتفاءهما عنه وعن غيره من البشر ظاهر. فاكتفي في نفيهما، بنفي القول، إذ غير الدعوى فيهما لا تتصور في نفس الأمر ولا في زعم الناس، بخلاف علم الغيب فافترقا، والمراد بقوله تعالى قُلْ لا أَقُولُ لَكُمْ عِنْدِي خَزائِنُ [الآية ٥٠] أي لا أدّعي الإلهية، كذا قاله بعض المفسرين. فإن قيل: قوله تعالى: وَكَذلِكَ نُفَصِّلُ الْآياتِ وَلِتَسْتَبِينَ سَبِيلُ الْمُجْرِمِينَ (٥٥) لم ذكر سبيل المجرمين ولم يذكر سبيل المؤمنين، وكلاهما محتاج إلى بيانه؟ قلنا: لأنه إذا ظهر سبيل المجرمين، ظهر سبيل المؤمنين أيضا بالضرورة إذ السبيل سبيلان لا غير. فإن قيل: لم قال تعالى: وَيَعْلَمُ ما جَرَحْتُمْ بِالنَّهارِ [الآية ٦٠] أي ما كسبتم، وهو يعلم ما جرحوا ليلا ونهارا؟ قلنا: لأن الكسب أكثر ما يكون بالنهار لأنه زمان حركة الإنسان، والليل زمان سكونه، لقوله تعالى: وَمِنْ رَحْمَتِهِ جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهارَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ [القصص: ٧٣] بعد قوله سبحانه مَنْ إِلهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُمْ بِلَيْلٍ تَسْكُنُونَ فِيهِ [القصص: ٧٢] . فإن قيل: قال تعالى: ثُمَّ رُدُّوا إِلَى اللَّهِ مَوْلاهُمُ الْحَقِّ [الآية ٦٢] يعني مولى جميع الخلائق. وقال في موضع آخر وَأَنَّ الْكافِرِينَ لا مَوْلى لَهُمْ (١١) [محمّد] ؟ قلنا: المولى الأول بمعنى المالك أو

стр. 644

الخالق أو المعبود، والمولى الثاني بمعنى الناصر فلا تنافي بينهما. فإن قيل: لم خصّ قَوْلُهُ الْحَقُّ وَلَهُ الْمُلْكُ [الآية ٧٣] بيوم القيامة، فقال تعالى: قَوْلُهُ الْحَقُّ وَلَهُ الْمُلْكُ يَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ [الآية ٧٣] مع أن قوله الحق في كل وقت، وله الملك في كل زمان؟ قلنا: لأن ذلك اليوم، ليس لغيره فيه ملك، بوجه من الوجوه، وفي الدنيا لغيره ملك، خلافة عنه أو هبة منه وإنعاما، بدليل قوله تعالى في حق داود ﵇ وَآتاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ وَالْحِكْمَةَ [البقرة: ٢٥١] وقوله وَاللَّهُ يُؤْتِي مُلْكَهُ مَنْ يَشاءُ [البقرة: ٢٤٧] وقوله في ذلك اليوم هو الحق الذي لا يدفعه أحد من العباد، ولا يشك فيه شاكّ من أهل العناد، لانكشاف الغطاء فيه للكل، وانقطاع الدعاوى والخصومات، ونظيره قوله تعالى وَالْأَمْرُ يَوْمَئِذٍ لِلَّهِ (١٩) [الانفطار] وإن كان الأمر له في كل زمان، وكذا قوله تعالى لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ [غافر: ١٦] ؟ فإن قيل: لم قال تعالى في معرض الامتنان وَوَهَبْنا لَهُ إِسْحاقَ وَيَعْقُوبَ [الآية ٨٤] ولم يذكر إسماعيل مع أنه كان هو الابن الأكبر؟ قلنا: لأن إسحاق وهب له من حرة وإسماعيل من أمة وإسحاق وهب له من عجوز عقيم، فكانت المنّة فيه أظهر. فإن قيل: لم قال تعالى في وصف القرآن وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ يُؤْمِنُونَ بِهِ [الآية ٩٢] وكثير ممّن يؤمن بالآخرة من اليهود والنصارى وغيرهم لا يؤمن به؟ قلنا: معناه والذين يؤمنون بالآخرة إيمانا نافعا مقبولا، هم الذين يؤمنون به إما تصديقا به قبل إنزاله لما بشّر به موسى وعيسى عليهما الصلاة والسلام، أو اتّباعا له بعد إنزاله والأمر كذلك، فإن من لم يصدق موسى وعيسى عليهما الصلاة والسلام في بشارتهما بمحمد (ص) وبالقرآن أو كان بعد بعثه ولم يؤمن به، فإيمانه بالآخرة غير معتدّ به ولا معتبر. فإن قيل: لم أفرد قوله سبحانه تعالى أَوْ قالَ أُوحِيَ إِلَيَّ [الآية ٩٣] بعد قوله وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرى عَلَى اللَّهِ كَذِباً [الآية ٩٣] وذلك أيضا افتراء؟ قلنا: لأنّ الأول عام، والثاني خاص، والمقصود الإنكار فيهما، ولا

стр. 645

يلزم من وجود العام وجود الخاص، ولكن يلزم من الذمّ على العامّ وإنكاره، الذمّ على الخاصّ وإنكاره لا محالة وما نحن فيه من هذا القبيل، والجواب المحقّق أن يقال إن هذا الخاص لمّا كان مخصوصا بمزيد قبح من بين أنواع الافتراء خصّه بالذكر، تنبيها على مزيد العقاب فيه والإثم. فإن قيل: ما الحكمة في قوله تعالى: خَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ [الآية ١٠٢] بعد قوله سبحانه بَدِيعُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ أَنَّى يَكُونُ لَهُ وَلَدٌ وَلَمْ تَكُنْ لَهُ صاحِبَةٌ وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ [الآية ١٠١] ؟ قلنا: ذكره أوّلا استدلالا به على نفي الولد، ثم ذكره ثانيا توطئة وتمهيدا لقوله تعالى: فَاعْبُدُوهُ [الآية ١٠٢] فإن كونه خالق كل شيء يقتضي تخصيصه بالعبادة والطاعة، فكانت الإعادة لفائدة جديدة. فإن قيل: في قوله تعالى: لا تُدْرِكُهُ الْأَبْصارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصارَ [الآية ١٠٣] كيف خص الأبصار بإدراكه لها، ولم يقل وهو يدرك كل شيء مع أنه أبلغ في التمدح؟ قلنا: لوجهين: أحدهما مراعاة المقابلة اللفظية، فإنه نوع من البلاغة. الثاني أن هذه الصفة خاصة بينه وبين الأبصار أنه يدركها، بمعنى الإحاطة بها وهي لا تدركه، فأما غيره مما يدرك الأبصار فهي تدركه أيضا، فلهذا خصها بالذكر. فإن قيل: لم قال تعالى: وَهُوَ الَّذِي أَنْزَلَ إِلَيْكُمُ الْكِتابَ مُفَصَّلًا [الآية ١١٤] ولم يقل وهو الذي أنزل إليّ مع أنه سبحانه قال في موضع آخر: وَأَنْزَلْنا إِلَيْكَ الْكِتابَ [المائدة: ٤٨] ؟ قلنا: لمّا كان إنزاله إلى النبي (ص) ليبلغه إلى الخلق ويهديهم به، كان في الحقيقة منزلا إليهم، لكن بواسطة النبي (ص) فصلح إضافة الإنزال إليه وإليهم. فإن قيل: في قوله تعالى: فَكُلُوا مِمَّا ذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ إِنْ كُنْتُمْ بِآياتِهِ مُؤْمِنِينَ (١١٨) كيف علّق الكون من المؤمنين بأكل الذبيحة المسمّى عليها، والكون من المؤمنين حاصل، وإن لم تؤكل الذبيحة أصلا؟ قلنا: المراد إعتقاد الحلّ لا نفس الأكل، فإن بعض من كان يعتقد حل الميتة من العرب كان يعتقد حرمة الذبيحة.

стр. 646

فإن قيل: لم أبهم فاعل التزيين هنا فقال تعالى كَذلِكَ زُيِّنَ لِلْكافِرِينَ ما كانُوا يَعْمَلُونَ (١٢٢) وقال سبحانه في آية أخرى زَيَّنَّا لَهُمْ أَعْمالَهُمْ [النمل: ٤] وقال في آية أخرى وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطانُ أَعْمالَهُمْ [النمل: ٢٤] فمن هو مزيّن الأعمال للكفار في الحقيقة؟ قلنا: التزيين من الشيطان بالإغواء والإضلال والوسوسة وإيراد الشبه، ومن الله تعالى بخلق جميع ذلك، فصحّت الإضافتان. فإن قيل: لم قال تعالى: امَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ [الآية ١٣٠] والرسل إنما كانت من الإنس خاصة؟ قلنا: المراد برسل الجن هم الذين سمعوا القرآن من النبي (ص) وولّوا إلى قومهم منذرين، كما قال تعالى: وَإِذْ صَرَفْنا إِلَيْكَ نَفَراً مِنَ الْجِنِّ يَسْتَمِعُونَ الْقُرْآنَ [الأحقاف: ٢٩] . الثاني: أنه كقوله تعالى: يَخْرُجُ مِنْهُمَا اللُّؤْلُؤُ وَالْمَرْجانُ (٢٢) [الرحمن] والمراد من أحدهما، لأنه إنّما يخرج من الملح. والثالث: أنه بعث إليهم رسل منهم، قاله الضحّاك ومقاتل. فإن قيل: لم ذكر شهادتهم على أنفسهم في قوله تعالى: امَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ [الآية ١٣٠] ، والمعنى فيهما واحد؟ قلنا: المعنى المشهود به متعدّد وإن كان في الشهادة واحدا، إلا أنهم في الأولى شهدوا على أنفسهم بتبليغ الرسل وإنذارهم، وفي الثانية شهدوا على أنفسهم بالكفر، وهما متغايران. فإن قيل: كيف أقرّوا في هذه الآية بالكفر وشهدوا على أنفسهم به، وجحدوه في قوله تعالى: وَاللَّهِ رَبِّنا ما كُنَّا مُشْرِكِينَ (٢٣) ؟ قلنا: مواقف القيامة ومواطنها مختلفة، ففي بعضها يقرّون وفي بعضها يجحدون، أو يكون المراد هنا شهادة أعضائهم عليهم حينما يختم على أفواههم، كما قال تعالى الْيَوْمَ نَخْتِمُ عَلى أَفْواهِهِمْ وَتُكَلِّمُنا أَيْدِيهِمْ وَتَشْهَدُ أَرْجُلُهُمْ [يس: ٦٥] . فإن قيل: ما الحكمة في قوله تعالى: سَفَهاً بِغَيْرِ عِلْمٍ [الآية ١٤٠] والسّفه لا يكون إلا عن جهل؟ قلنا: معنى قوله تعالى بِغَيْرِ عِلْمٍ بغير حجة، وقيل بغير علم، بمقدار

стр. 647

قبحه ومقدار العقوبة فيه، وعلى الوجهين لا يكون مستفادا من الأوّل. فإن قيل: ما الحكمة في قوله تعالى وَما كانُوا مُهْتَدِينَ (١٤٠) بعد قوله سبحانه في الآية نفسها قَدْ ضَلُّوا؟ قلنا: الحكمة فيه الإعلام بأنهم بعد ما ضلوا لم يهتدوا مرّة أخرى، فإنّ من الناس من يضلّ ثمّ يهتدي بعد ضلاله. فإن قيل: ما الحكمة في قوله تعالى إِذا أَثْمَرَ [الآية ١٤١] بعد قوله سبحانه كُلُوا مِنْ ثَمَرِهِ [الآية ١٤١] ومعلوم أنه إنما يؤكل من ثمره إذا أثمر؟ قلنا: الحكمة فيه نفي توهّم توقف الإباحة على الإدراك والنضج، بدلالته على الإباحة من أول إخراج الثمر. فإن قيل: قوله تعالى: قُلْ لا أَجِدُ فِي ما أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّماً [الآية ١٤٥] ، وفي القرآن تحريم أكل الربا ومال اليتيم ومال الغير بالباطل وغير ذلك؟ قلنا: محرّما مما كانوا يحرمونه في الجاهلية. فإن قيل: لم قال تعالى فَإِنْ كَذَّبُوكَ فَقُلْ رَبُّكُمْ ذُو رَحْمَةٍ واسِعَةٍ [الآية ١٤٧] والموضع موضع العقوبة، فكان يحسن أن يقال فيه ذو عقوبة شديدة أو عظيمة ونحو ذلك؟ قلنا: إنّما قال ذلك نفيا للاغترار بسعة رحمته في الاجتراء على معصيته، وذلك أبلغ في التهديد ومعناه- والله أعلم-: لا تغترّوا بسعة رحمته، فإنه مع ذلك لا يرد عذابه عنكم. وقيل معناه: فقل ربّكم ذو رحمة واسعة للمطيعين، ولا يرد عذابه عن العاصين. فإن قيل: لم قال تعالى قُلْ تَعالَوْا أَتْلُ ما حَرَّمَ رَبُّكُمْ [الآية ١٥١] ثم فسره بعشرة أحكام خمسة منها واجبة، والتلاوة وصف للفظ لا للمعنى، كي لا يقال أضدادها محرمة؟ قلنا: قوله تعالى: أَتْلُ ما حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ لا ينفي تلاوة غيره فقد تلا ما حرم وتلا غيره أيضا. الثاني أن فيه إضمارا تقديره: أتل ما حرم ربكم عليكم وأوجب. فإن قيل: لم خصّ مال اليتيم بالنهي عن قربانه بغير الأحسن، ومال البالغ أيضا كذلك؟ قلنا: إنّما خصه بالنهي لأن طمع الطامعين فيه أكثر، لضعف مالكه

стр. 648

وعجزه، وقلة الحافظين له والناصرين، بخلاف مال البالغ. الثاني: أن التخصيص لمجموع الحكمين وهما النهي عن قربانه بغير الأحسن، ووجوب قربانه بالأحسن، أو جواز قربانه بالأحسن بغير إذن مالكه، ومجموع الحكمين مختص بمال اليتيم، وهذا هو الجواب عن كونه مغيّبا ببلوغ الأشد، لأن المجموع ينتفي ببلوغ الأشد لانتفاء الحكم الثاني وقيل إن الغاية لمحذوف، تقديره: حتى يبلغ، فسلّموه إليه. فإن قيل: لم خصّ العدل بقوله تعالى: وَإِذا قُلْتُمْ فَاعْدِلُوا [الآية ١٥٢] ولم يقل: وإذا فعلتم فاعدلوا، والحاجة إلى العدل في الفعل أمسّ، لأن الضرر الناشئ من الجور الفعلي، أقوى من الضرر الناشئ من الجور القولي؟ قلنا: إنّما خصه بالقول ليعلم وجوب العدل في الفعل بالطريق الأولى، كما قال تعالى: فَلا تَقُلْ لَهُما أُفٍّ [الإسراء: ٢٣] ولم يقل: ولا تشتمهما ولا تضربهما لما قلنا. فإن قيل: كيف الجمع بين قوله تعالى وَلا تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى [الآية ١٦٤] «١» وقوله سبحانه وَلَيَحْمِلُنَّ أَثْقالَهُمْ وَأَثْقالًا مَعَ أَثْقالِهِمْ [العنكبوت: ١٣] وقوله عزّ وعلا لِيَحْمِلُوا أَوْزارَهُمْ كامِلَةً يَوْمَ الْقِيامَةِ وَمِنْ أَوْزارِ الَّذِينَ يُضِلُّونَهُمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ [النحل: ٢٥] وقد جاء في الحديث المشهور «من عمل سيئة، فعليه وزرها ووزر من عمل بها، إلى يوم القيامة» . قلنا: المراد بالآية الأولى وزر لا يكون مضافا إليها بمباشرة أو تسبّب، لتحقيق إضافته إلى غيرها على الكمال. أما إذا لم يكن كذلك فهو وزرها من وجه فتزره. وقيل معناه: لا تزره طوعا كما زعم المشركون بقولهم للنبي (ص) : ارجع إلى ديننا ونحن كفلاء بما يلحقك من تبعة في دينك. وقول الذين كفروا للذين آمنوا كما ورد في التنزيل اتَّبِعُوا سَبِيلَنا وَلْنَحْمِلْ خَطاياكُمْ [العنكبوت: ١٢] إلى قوله تعالى: عَمَّا كانُوا يَفْتَرُونَ (١٣) [العنكبوت] ومعنى باقي النصوص أنها تحمله كرها، فلا تنافي بينهما.

стр. 649

المبحث الثامن المعاني المجازية في سورة «الأنعام» «١» في قوله تعالى: فَقُطِعَ دابِرُ الْقَوْمِ الَّذِينَ ظَلَمُوا وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ (٤٥) استعارة. لأن الأصل في هذه اللفظة: دابرة الفرس، وجمعها دوابر، وهي ما يلي حافره من خلفه. ودابرة الطائر: هي الشاخصة التي خلف رجله، وتدعى الصّيصيّة «٢» أيضا. فالمراد بقوله سبحانه: فَقُطِعَ دابِرُ الْقَوْمِ الَّذِينَ ظَلَمُوا والله أعلم: أي قطعت عنهم الأمداد اللاحقة بهم من خلفهم، والتالون لهم في غيّهم وضلالهم. أو قطع خلفهم من نسلهم، فلم تثبت لهم ذرّيّة، ولم يبق لهم بقية. وفي قوله سبحانه: قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَخَذَ اللَّهُ سَمْعَكُمْ وَأَبْصارَكُمْ وَخَتَمَ عَلى قُلُوبِكُمْ [الآية ٤٦] استعارة. والمراد بالأخذ هاهنا، إبطال حواسّهم. وإذا بطلت، فكأنّها قد أخذت منهم، وغيّبت عنهم. وفي قوله تعالى: وَعِنْدَهُ مَفاتِحُ الْغَيْبِ لا يَعْلَمُها إِلَّا هُوَ [الآية ٥٩] واستعارة. والمراد: وعنده الوصلة إلى علم الغيب، فإذا شاء فتحه لأنبيائه وملائكته، وإن شاء أغلق عنهم علمه، ومنعهم فهمه. وعبّر تعالى عن ذلك بالمفاتح، وهي أحسن عبارة، وأوقع استعارة. لأنّ كل ما يتوصل به إلى فتح المبهم، وبيان المستعجم سمّي بذلك. ألا ترى إلى قول الرجل لصاحبه إذا أشكل عليه أمر، أو اختلّ له حفظ:

стр. 650

افتح عليّ، أي: بيّن لي، وفهّمني ما غرب عنّي. وفي قوله تعالى: وَإِذا رَأَيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ فِي آياتِنا فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ [الآية ٦٨] استعارة. والمراد بها إثارة أحاديث الآيات ليستشفّوا بواطنها، ويعلموا حقائقها، كالخابط في غمرة الماء، لأنه يثير قعرها، ويسبر غمرها. وقد مضى الكلام على نظير ذلك في (النساء) . وفي قوله سبحانه: وَسِعَ رَبِّي كُلَّ شَيْءٍ عِلْماً [الآية ٨٠] استعارة. لأن صفة الشيء بأنه يسع غيره، لا يطلق إلّا على الأجسام التي فيها الضّيق والاتّساع، والحدود والأقطار. تعالى الله عن ذلك علوّا كبيرا. فالمراد أن علمه سبحانه يحيط بكل شيء، فلا تخفى عليه خافية، ولا تدقّ عنه غامضة. وفي قوله سبحانه: وَلِتُنْذِرَ أُمَّ الْقُرى وَمَنْ حَوْلَها [الآية ٩٢] استعارة. والمراد بأمّ القرى مكّة، وإنّما سماها سبحانه بذلك، لأنها كالأصل للقرى، فكلّ قرية فإنما هي طارئة عليها، ومضافة إليها. وفي قوله تعالى: وَلَوْ تَرى إِذِ الظَّالِمُونَ فِي غَمَراتِ الْمَوْتِ [الآية ٩٣] استعارة عجيبة. لأنه سبحانه شبه الذين يعتورهم كرب الموت وغصصه، بالذين تتقاذفهم غمرات الماء ولججه. وقد سميت الكربة غمرة لأنها تغمر قلب الإنسان، آخذة بكظمه، وخاتمة على متنفسه. والأصل في جميع ذلك غمرة الماء. وفي قوله تعالى: يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَمُخْرِجُ الْمَيِّتِ مِنَ الْحَيِّ [الآية ٩٥] استعارة على بعض الأقوال، ومعناها أنه سبحانه يشق الحبة الميتة، والنواة اليابسة، فيخرج منها ورقا خضرا «١» ، ونباتا ناضرا، ويخرج الحبّ اليابس الذاوي من النبت الحي النامي. وقال بعضهم: يخرج الإنسان الحي من النطفة وهي موات، ويخرج النطفة الموات من الإنسان الحيّ. والله أعلم بالصواب. وقوله سبحانه: وَخَرَقُوا لَهُ بَنِينَ وَبَناتٍ بِغَيْرِ عِلْمٍ [الآية ١٠٠] استعارة.

стр. 651

والمراد أنهم دعوا له سبحانه بنين وبنات بغير علم، وذلك مأخوذ من «الخرق» وهي الأرض الواسعة، وجمعها خروق، لأنّ الريح تتخرّق فيها، أي تتسع. والخرق من الرجال: الكثير العطاء، فكأنّه يتخرق. «والخرقة» جماعة الجراد مثل الحرقة، والخريق: الريح الشديدة الهبوب. فكأنّ معنى قوله تعالى: وَخَرَقُوا لَهُ أي اتّسعوا في دعوى البنين والبنات له، وهم كاذبون في ذلك. والاختراق، والاختراع، والانتسال بمعنى واحد، وهو الادعاء للشيء على طريق الكذب والزور. وفي قوله سبحانه: يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُوراً [الآية ١١٢] استعارة. لأن الزخرف في لغة العرب: الزينة. ومن ذلك قولهم: دار مزخرفة أي مزيّنة. فكأنه تعالى قال: يزيّنون لهم القول ليغترّوا به، وينخدعوا بظاهره، كما يستغرّ بظاهر جميل، على باطن مدخول. وفي قوله تعالى: وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَأَبْصارَهُمْ كَما لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ أَوَّلَ مَرَّةٍ [الآية ١١٠] استعارة. لأن تقليب القلوب والأبصار على الحقيقة وإزالتها عن مواضعها، وإقلاقها عن مناصبها لا يصحّ، والبنية صحيحة والجملة حيّة متصرّفة. وإنما المراد، والله أعلم، أنّا نرميها بالحيرة والمخافة، جزاء على الكفر والضلالة. فتكون الأفئدة مسترجعة لتعاظم أسباب المخاوف، وتكون الأبصار منزعجة لتوقّع طلوع المكاره. وقد قيل: إنّ المراد بذلك تقليبها على قراميص «١» الجمر في نار جهنم، وذلك يخرج الكلام عن حيّز الاستعارة إلى حيز الحقيقة. وفي قوله تعالى: وَلِتَصْغى إِلَيْهِ أَفْئِدَةُ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ [الآية ١١٣] . وهذه استعارة. والمعنى: ولتميل إليه أفئدة هؤلاء المذكورين. ويقال: صغى فلان إلى فلان. أي مال إليه. وصغوه معه: أي ميله. ومنه أصغى بسمعه إلى الكلام. إذا أماله إلى جهته، ليقرب من استماعه. وميل القلب إلى المعتقدات، كميل السمع إلى المسموعات. وفي قوله تعالى:

стр. 652

لَهُمْ دارُ السَّلامِ عِنْدَ رَبِّهِمْ [الآية ١٢٧] . استعارة. والمراد: لهم محل الأمنة والسلامة والمنجاة من المخافة. وتلك صفة الجنة. والسلام هاهنا: جمع سلامة «١» . وفي قوله تعالى: الُوا شَهِدْنا عَلى أَنْفُسِنا وَغَرَّتْهُمُ الْحَياةُ الدُّنْيا [الآية ١٣٠] استعارة. لأنهم لمّا اغترّوا بالحياة الدنيا، حسن أن يقال إنها غرّتهم. ولما كان فيها ما تميل إليه شهواتهم، جاز أن يقال: إنّها استمالت شهواتهم. وفي قوله تعالى: وَلا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ [الآية ١٥٣] استعارة. والسّبل التي هي الطرق لا تتفرّق بهم، وإنما هم الذين يفارقون نهجها، ويتّبعون عوجها. وفي قوله سبحانه: وَلا تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى [الآية ١٦٤] استعارة. والمعنى: ولا تحمل حاملة حمل أخرى. يريد تعالى في يوم القيامة. أي لا يخفف أحد عن أحد ثقلا، ولا يشاطره حملا. لأنّ كل إنسان في ذلك اليوم مشغول بنفسه، ومفدوح «٢» بحمله. وليس أن هناك على الحقيقة أحمالا على الظهور، وإنما هي أثقال الآثام والذنوب. ونظير ذلك قوله تعالى: وَاتَّقُوا يَوْماً لا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئاً [البقرة: ٤٨ و ١٢٣] «٣» .

стр. 653

سورة الأعراف ٧

стр. 654

المبحث الأول أهداف سورة «الأعراف» «١» سورة الأعراف هي السورة السابعة في الترتيب المصحفي وهي إحدى السور التي بدئت ببعض حروف التهجي المص (١) ، ولم يتقدم عليها، من هذا النوع، سوى ثلاث سور سبقتها في تاريخ النزول وهي: ن، ق، ص. ويبلغ عدد السور التي بدئت بحروف التهجي تسعا وعشرين سورة، وكلّها سور مكية ما عدا البقرة وآل عمران. وعدد آيات سورة الأعراف مائتان وست آيات، عدد كلماتها ٣٣١٥ كلمة. ١- معنى فواتح السور ليس لهذه الفواتح في اللغة العربية معان مستقلة، ولم يرد من طريق صحيح عن النبيّ (ص) ، بيان للمراد منها. بيد أنه قد أثرت عن السلف آراء متعددة في معاني هذه الحروف. وهذه الآراء، على كثرتها، ترجع إلى رأيين اثنين. أحدهما: أنها جميعا مما استأثر الله به ولا يعلم معناه أحد سواه، وهذا رأي كثير من الصحابة والتابعين. وثانيهما: أن لها معنى. وقد ذهبوا في معناها مذاهب شتى: ١- فمنهم من قال: إنها أسماء للسّور التي بدئت بها، أو أن كلّا منها علامة على انتهاء سورة والشروع في أخرى.

стр. 655

٢- ومنهم من قال: إنها «رموز» لبعض أسماء الله تعالى وصفاته. ٣- ومنهم من قال: إن المقصود منها هو تنبيه السامعين وإيقاظهم، وسياسة النفوس المعرضة عن القرآن، واستدراجها للاستماع إليه، واستمالة العقول بشيء غريب على السمع للانتباه والإصغاء للقرآن. وأشهر آراء علماء البلاغة والبيان: أن هذه الحروف ذكرت للتحدي وبيان إعجاز القرآن، وأن الخلق عاجزون عن الإتيان بمثل القرآن مع أنه مركّب من هذه الحروف المقطّعة التي يتخاطبون بها، وفي هذا دلالة على أنه ليس من صنع بشر، بل تنزيل من حكيم حميد. ويرى ابن جرير الطبري أن أفضل الآراء في معنى فواتح السور هو اشتمالها على جميع الوجوه التي ذكرها العلماء في معانيها. فهي أسماء للسورة، وهي رموز، وهي حروف للتنبيه والتحدي ... إلخ. وسورة الأعراف هي السورة المكية الثانية في ترتيب المصحف، وهي تتسم بتلك السمات العامة التي أسلفنا إليها في الحديث عن سورة الأنعام. ثم تتميز بطابعها الخاص بعد ذلك من ناحية الموضوعات التي تعالجها والسياق الذي تسير فيه. وموضوع السورة الرئيس هو الإنذار، إنذار من يتولون غير الله، ومن يكذبون بآيات الله، ومن يستكبرون عن طاعة الله، ومن ينسون الله، ومن لا يشكرون نعمته، إنذارهم بهلاك الدنيا وعذاب الاخرة، وذلك فوق الخزي والهوان والنسيان. تبدأ السورة بالإنذار، ثم تسلك بهذا المعنى سبلا شتى وتتصرف فيه تصرفات كثيرة، وترسم له صورا متعددة، وتلمس به المشاعر لمسات مختلفة. فتارة يتّخذ السياق شكل القصة: قصة آدم مع إبليس، ثم قصص نوح وهود وصالح وشعيب وموسى، مع أقوامهم لتنتهي كل قصة بالعذاب والنكال لمن يخالفون أمر الله وتارة يتّخذ شكل مشهد من مشاهد القيامة أو مشاهد الاحتضار تنكشف فيه مصائر المكذّبين، والمتكبّرين، ومصائر الطائعين، لله ربّ العالمين. ويتخلل القصص والمشاهد ما يتّسق مع الجو العام من توجيه الأنظار والقلوب، والدعوة إلى التوبة والإنابة،

стр. 656

قبل أن يحلّ العقاب، ويتحقق الإنذار، والإشارة إلى عواقب المكذبين من الأمم الخالية التي حقّ عليها النذير. كل ذلك يرد في تناسق مطلق، بين السياق والقصة، أو السياق والمشهد، أو السياق والتوجيهات، فتبدو القصص والمشاهد والتوجيهات كلها أجزاء من هذا السياق العام ملوّنة بلونه، مظلّلة بجوّه، محقّقة للغرض الذي يتجه إليه موضوع السورة الرئيس من البدء حتى الختام. ٢- مقاصد السورة ومزاياها مهّدت سورة الأعراف لمقاصدها ببيان عظمة الكتاب، وجلال هدايته، وقوة حجته في توضيح الدعوة، وإنذار المخالفين بها. ثم تناولت أهداف الدعوة في مكة، وهي تقرير رسالة الإسلام وبيان أصول هذه الدعوة: توحيد الله في العبادة والتشريع، وتقرير البعث والجزاء، وتقرير الوحي والرسالة بوجه عام، وتقرير رسالة محمد (ص) بوجه خاص. وتلك هي أصول الدعوة الدينية التي كانت لأجلها جميع الرسالات الإلهية. وقد سلكت السورة، في طريقة عرض هذه الحقائق، أسلوبين بارزين، أحدهما أسلوب التذكير بالنعم، والاخر أسلوب التخويف من العذاب والنّقم. أمّا أسلوب التذكير بالنعم، فتراه واضحا في لفتها أنظار الناس إلى ما يلمسونه ويحسّونه من نعمة تمكينهم في الأرض، ونعمة خلقهم وتصويرهم في أحسن تقويم، ونعمة تمتّع الإنسان بما في هذا الكون من خيرات، سخّرها الله له. أمّا أسلوب الإنذار والتخويف، فهو ظاهر في جو السورة، وفي قصص الأنبياء فيها. وقد استغرق هذا القصص أكثر من نصفها، وقد ساقت لنا السورة ما دار بين الأنبياء وأقوامهم، وسجّلت السورة جزاء المكذبين بأمر الله الخارجين على دعوة رسله وهدايتهم، وهي ظاهرة تكررت الإشارة إليها في سور القرآن المكية، تحذيرا لأهل مكة أن يصيبهم ما أصاب الأمم من قبلهم. ٣- عرض إجمالي لأجزاء السورة سورة الأعراف أول سورة طويلة نزلت من القرآن الكريم، وهي أطول

стр. 657

سورة في المكّيّ. وهي أول سورة عرضت لتفصيل في قصص الأنبياء مع أممهم. وقد نزلت بين جملتين من السور المكية: يكثر في الجملة التي نزلت قبلها السور القصيرة، التي تعرف بسور «المفصّل» «١» ويكثر في الجملة التي نزلت بعدها السور المتوسطة التي تعرف بسور «المئين» «٢» . وتطالعنا سورة الأعراف بالحديث عن عظمة القرآن. وتأمرنا باتّباعه وتحذّرنا من مخالفته. وتحثّنا على العمل الذي تثقل به موازيننا يوم القيامة «٣» في بداية تعدّ براعة استهلال أو عنوان لما تشتمل عليه السورة. وهي سمة غالبة في سور القرآن حيث نجد الآيات الأولى منها عنوانا معبّرا عن أهدافها وسماتها. وفي أول سورة الأعراف يقول سبحانه: المص (١) كِتابٌ أُنْزِلَ إِلَيْكَ فَلا يَكُنْ فِي صَدْرِكَ حَرَجٌ مِنْهُ لِتُنْذِرَ بِهِ وَذِكْرى لِلْمُؤْمِنِينَ (٢) اتَّبِعُوا ما أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ وَلا تَتَّبِعُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِياءَ قَلِيلًا ما تَذَكَّرُونَ (٣) . ثم ساقت لنا السورة بأسلوب منطقي بليغ قصة آدم مع إبليس. وكيف أن إبليس قد خدعه بأن أغراه بالأكل من الشجرة المحرّمة. فلمّا أكل منها هو وزوجته، بَدَتْ لَهُما سَوْآتُهُما وَطَفِقا يَخْصِفانِ عَلَيْهِما مِنْ وَرَقِ الْجَنَّةِ [الآية ٢٢] . ثمّ وجهت إلى بني آدم نداء، في أواخر هذا الرّبع، نهتهم فيه عن الاستجابة لوسوسة الشيطان. قال تعالى: يا بَنِي آدَمَ لا يَفْتِنَنَّكُمُ الشَّيْطانُ كَما أَخْرَجَ أَبَوَيْكُمْ مِنَ الْجَنَّةِ يَنْزِعُ عَنْهُما لِباسَهُما لِيُرِيَهُما سَوْآتِهِما إِنَّهُ يَراكُمْ هُوَ وَقَبِيلُهُ مِنْ حَيْثُ لا تَرَوْنَهُمْ إِنَّا جَعَلْنَا الشَّياطِينَ أَوْلِياءَ لِلَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ (٢٧) . وفي الرّبع الثاني منها، نراها تأمرنا بأن نأخذ زينتنا عند كل مسجد، وتخبرنا بأن الله- تعالى- قد أباح لنا أن نتمتّع بالطيّبات التي أحلّها لنا،

стр. 658

وتبشّرنا بحسن العاقبة متى اتّبعنا الرسل الذين أرسلهم الله لهدايتنا ثمّ تسوق لنا، في بضع آيات، عاقبة المكذبين لرسل الله، وكيف أن كلّ أمّة من أمم الكفر، عند ما تقف بين يدي الله للحساب، فإنها تلعن أختها. قال تعالى: كُلَّما دَخَلَتْ أُمَّةٌ لَعَنَتْ أُخْتَها حَتَّى إِذَا ادَّارَكُوا فِيها جَمِيعاً قالَتْ أُخْراهُمْ لِأُولاهُمْ رَبَّنا هؤُلاءِ أَضَلُّونا فَآتِهِمْ عَذاباً ضِعْفاً مِنَ النَّارِ قالَ لِكُلٍّ ضِعْفٌ وَلكِنْ لا تَعْلَمُونَ (٣٨) وَقالَتْ أُولاهُمْ لِأُخْراهُمْ فَما كانَ لَكُمْ عَلَيْنا مِنْ فَضْلٍ فَذُوقُوا الْعَذابَ بِما كُنْتُمْ تَكْسِبُونَ (٣٩) . ثم تبيّن السورة بعد ذلك عاقبة المؤمنين فتقول: وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ لا نُكَلِّفُ نَفْساً إِلَّا وُسْعَها أُولئِكَ أَصْحابُ الْجَنَّةِ هُمْ فِيها خالِدُونَ (٤٢) . وفي أواخر هذا الرّبع، وأوائل الرّبع الثالث منها، نراها تسوق لنا تلك المحاورات التي تدور بين أصحاب الجنة وأصحاب النار، وتحكي لنا ما يحصل بينهم من نداءات ومجادلات، تنتهي بأن يقول أصحاب النار لأصحاب الجنة على سبيل التذلل والتوسل، كما ورد في التنزيل: وَنادى أَصْحابُ النَّارِ أَصْحابَ الْجَنَّةِ أَنْ أَفِيضُوا عَلَيْنا مِنَ الْماءِ أَوْ مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ قالُوا إِنَّ اللَّهَ حَرَّمَهُما عَلَى الْكافِرِينَ (٥٠) . فيجيبهم أصحاب الجنة كما ورد في التنزيل أيضا: إِنَّ اللَّهَ حَرَّمَهُما عَلَى الْكافِرِينَ (٥٠) الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَهُمْ لَهْواً وَلَعِباً وَغَرَّتْهُمُ الْحَياةُ الدُّنْيا. ثم تسوق لنا السورة بعد ذلك جانبا من مظاهر نعم الله على خلقه، وتدعونا إلى شكره عليها لكي يزيدنا من فضله. وفي الرّبع الرابع منها، وفي أواخر الثالث تحدثنا عن قصة نوح مع قومه. ثمّ عن قصّة هود مع قومه، ثمّ عن قصة صالح مع قومه. ثمّ عن قصة لوط مع قومه، ثمّ عن قصّة شعيب مع قومه، ولقد ساقت لنا، خلال حديثها عن هؤلاء الأنبياء مع أقوامهم، من العبر والعظات، ما يهدي القلوب، ويشفي الصدور، ويحمل العقلاء على الاستجابة لهدى الأنبياء والمرسلين. أمّا في الرّبع الخامس منها، فقد

стр. 659

بيّنت لنا سنن الله في خلقه، ومن مظاهر هذه السنن أنه- سبحانه- لا يعاقب قوما إلا بعد الابتلاء والاختبار وأنّ الناس لو آمنوا واتقوا لفتح- سبحانه- عليهم بركات من السماء والأرض وأن الذين يأمنون مكر خالقهم، هم القوم الخاسرون. قال تعالى: تِلْكَ الْقُرى نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْبائِها وَلَقَدْ جاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّناتِ فَما كانُوا لِيُؤْمِنُوا بِما كَذَّبُوا مِنْ قَبْلُ كَذلِكَ يَطْبَعُ اللَّهُ عَلى قُلُوبِ الْكافِرِينَ (١٠١) وَما وَجَدْنا لِأَكْثَرِهِمْ مِنْ عَهْدٍ وَإِنْ وَجَدْنا أَكْثَرَهُمْ لَفاسِقِينَ (١٠٢) . ثم عقبت على ذلك، ببيان أن الله تعالى قد ساق قصص السابقين للعظة والاعتبار. ثم أسهبت السورة في الحديث عن قصة موسى (ع) فقصّت علينا في زهاء سبعين آية، استغرقت الربع السادس والسابع والثامن، ما دار بينه وبين فرعون من محاولات ومناقشات، وما حصل بينه وبين السّحرة من مجادلات ومساجلات انتهت بأن قال السحرة كما روى القرآن حكاية عنهم: قالُوا آمَنَّا بِرَبِّ الْعالَمِينَ (١٢١) رَبِّ مُوسى وَهارُونَ (١٢٢) . ثم حكت لنا ما لقيه موسى من قومه بني إسرائيل من تكذيب وجهالات، ممّا يدلّ على أصالتهم في التمرد والعصيان، وعراقتهم في الكفر والطغيان. وفي الرّبع التاسع منها، حدّثتنا عن العهد الذي أخذه الله على البشر بأن يعبدوه ولا يشركوا به شيئا ثمّ حدثتنا عن التفكير والتدبير في ملكوت السماوات والأرض، وبينت لنا أن موعد قيام الساعة لا يعلمه سوى علّام الغيوب، وأن الرسل الكرام وظيفتهم تبليغ رسالات الله، ثم هم بعد ذلك لا يملكون لأنفسهم نفعا ولا ضرا. أما في الربع العاشر والأخير، فقد اهتمّت السورة الكريمة بإقامة الأدلة على وحدانية الله، وأنكرت على المشركين شركهم، ودعت الناس إلى مكارم الأخلاق ومحاسن الشيم: خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجاهِلِينَ (١٩٩) . وأمرتهم بأن يكثروا من التضرع والدعاء:

стр. 660

وَاذْكُرْ رَبَّكَ فِي نَفْسِكَ تَضَرُّعاً وَخِيفَةً وَدُونَ الْجَهْرِ مِنَ الْقَوْلِ بِالْغُدُوِّ وَالْآصالِ وَلا تَكُنْ مِنَ الْغافِلِينَ (٢٠٥) إِنَّ الَّذِينَ عِنْدَ رَبِّكَ لا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبادَتِهِ وَيُسَبِّحُونَهُ وَلَهُ يَسْجُدُونَ (٢٠٦) . ٤- قصة آدم ذكرت قصة آدم في سورة البقرة، ثم أكملت سورة الأعراف حلقات هذه القصة. وذكرت أنّ الله تعالى خلق آدم (ع) وأمر الملائكة بالسجود له إظهارا لفضله، وتنويها بما يكون له من شأن، بعد أن سألوا عن الحكمة في خلقه، وقد ركّبت فيه الشهوة والغضب، وبهما يفسد في الأرض ويسفك الدماء. وذكرت السورة موقف إبليس وإباءه السجود والامتثال لأمر الله، كما ذكرت قصة تأثّر آدم بوسوسة الشيطان، وإغرائه إيّاه بالأكل من الشجرة، وكيف كانت عاقبة آدم في الهبوط من الراحة والاطمئنان إلى الكدّ والتعب، وإلى مكافحة عوامل الشر التي بنيت الحياة عليها، وعلى ما يقابلها من عوامل الخير ومطالبة الإنسان بأن يقف مع جانب العقل والرسالة الإلهية، اللذين يشدّان أزره في التغلب على عوامل الشر. لقد كان آدم في نعيم الجنة يتمتّع بما فيها من كل ما تشتهي الأنفس، وتلذّ به الأعين، ويتنقّل بين أشجارها، ويتفيّأ ظلالها، ويتفكّه بثمارها، ويرتوي من عذب مياهها، وشاركته زوجته هذه المتعة. ولكنّ الشيطان أغراهما بالأكل من الشجرة وأقسم لهما بأنه من الناصحين. فلمّا أطاعا الشيطان، وأكلا من الشجرة، سلب الله عنهما نعمته وحرمهما جنته: وَناداهُما رَبُّهُما أَلَمْ أَنْهَكُما عَنْ تِلْكُمَا الشَّجَرَةِ وَأَقُلْ لَكُما إِنَّ الشَّيْطانَ لَكُما عَدُوٌّ مُبِينٌ (٢٢) . وقد ندم آدم وحواء أشد الندم، وتابا إلى الله توبة نصوحا، فتاب الله عليهما وأمرهما أن يهبطا إلى الأرض ليكدحا ويعملا، فتعمر الأرض وتنتشر الحياة في جنباتها. وقد حذّر الله آدم وذرّيّته من الشيطان وإغرائه وبيّن سبحانه أن على المؤمن أن يلجأ إلى ربه، وأن يستعين بهداه، وألّا يخلد الى الهوى وألا ييأس من رحمة الله. فقد فتح الله باب التوبة على مصراعيه حتّى يتوب إليه التائبون ويلجأ إليه المؤمنون. فكلّ

стр. 661

بني آدم خطّاؤون وخير الخطّائين التوّابون. والمؤمن يتسامى بغرائزه، وينتصر على شهواته، وينهى نفسه عن الهوى، ويحملها على طريق الفلاح والاستقامة. قال تعالى: وَنَفْسٍ وَما سَوَّاها (٧) فَأَلْهَمَها فُجُورَها وَتَقْواها (٨) قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاها (٩) وَقَدْ خابَ مَنْ دَسَّاها (١٠) [الشمس] . ٥- نعمة الثياب والزينة تحدثت سورة الأعراف عن نعم الله تعالى على بني آدم، ومن هذه النعم نعمة الملبس الذي يستر الناس به عورتهم ويجمّلون به أنفسهم، هيّأ الله لهم مادّته من القطن والصوف والحرير وما إليها، وألهمهم، بما خلق فيهم من غرائز، طرق استنباتها، وطرق صناعتها، بالغزل والنسيج والخياطة ولفت أنظارهم إلى أن تقوى الله في الانتفاع بتلك النعمة، واستخدامها في طاعة الله وشكره. وبذلك تستر الثياب العورة، وتكون مصدر نعمة لا نقمة. قال تعالى: يا بَنِي آدَمَ قَدْ أَنْزَلْنا عَلَيْكُمْ لِباساً يُوارِي سَوْآتِكُمْ وَرِيشاً وَلِباسُ التَّقْوى ذلِكَ خَيْرٌ ذلِكَ مِنْ آياتِ اللَّهِ لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ (٢٦) . وفي هذا تنبيه إلى ان الحضارة الحقّة ليست في كشف المفاتن، ولا في إظهار العورات، وإنّما الحضارة الحقّة في السير على سنّة الله، وهدى رسله وتعاليم أنبيائه. توسّط الإسلام في شأن الزينة من الآيات المشهورة قوله تعالى: يا بَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ (٣١) . ومن هذه الآية تلمح سماحة الإسلام ويسره، فهو يأمر بالنظافة، ويدعو إلى التجمّل والتزيّن، ويحث على التمتّع بالطيبات. وفي الحديث الشريف يقول النبي (ص) : «إنّ الله نظيف يحبّ النّظافة، جميل يحبّ الجمال، طيّب يحبّ الطّيبين» . وقد جاء الإسلام دينا وسطا، فقد نهى عن التبذير والإسراف، وحذّر من الشح والبخل، وأمر بالقصد والاعتدال قال تعالى:

стр. 662

قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبادِهِ وَالطَّيِّباتِ مِنَ الرِّزْقِ [الآية ٣٢] . فهو سبحانه خلق الإنسان بيده، ونفخ فيه من روحه، وفضّله على كثير من المخلوقات، وسخّر له الكون بما فيه من سماء مرفوعة، وأرض مبسوطة، وجبال راسية، وبحار جارية، وليل مظلم، ونهار مضيء وأمره أن يستمتاع بالطيّبات، وأن يبتعد عن المحرّمات فهناك حدود بيّنها الله، فالحلال بيّن، والحرام بيّن وظاهر، وبينهما أمور مشتبهات فيها شبهة وإثم فمن ابتعد عن الشبهات فقد سلم عرضه ودينه ومن وقع في الشبهات، كانت الشبهات طريقا إلى الحرام، كراع يرعى حول الحمى يوشك أن يقع فيه. وصدق الله العظيم: قُلْ إِنَّما حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَواحِشَ ما ظَهَرَ مِنْها وَما بَطَنَ وَالْإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ [الآية ٣٣] .

стр. 663

المبحث الثاني ترابط الآيات في سورة «الأعراف» «١» تاريخ نزولها ووجه تسميتها نزلت سورة الأعراف بعد سورة «ص» وقبل سورة «الجنّ» ، وكان نزول سورة «الجنّ» مع رجوع النبي (ص) من الطائف، وكان قد سافر إليها سنة عشر من بعثته ليعرض الإسلام على أهلها، فيكون نزول سورة الأعراف فيما بين الهجرة إلى الحبشة والإسراء. وقد سميت هذه السورة بهذا الاسم لقوله تعالى وَنادى أَصْحابُ الْأَعْرافِ رِجالًا يَعْرِفُونَهُمْ بِسِيماهُمْ قالُوا ما أَغْنى عَنْكُمْ جَمْعُكُمْ وَما كُنْتُمْ تَسْتَكْبِرُونَ (٤٨) وتبلغ آياتها ستّا ومائتي آية. الغرض منها وترتيبها يقصد من هذه السورة الإنذار والاعتبار بقصص الأولين وأحوالهم، وقد أخذ المشركون في هذا الترهيب والترغيب، بعد أن أخذوا في سورة الأنعام بطريق النظر والدليل، ولهذا ذكرت هذه السورة بعدها، ولأنها أيضا تشبهها في الطول، وقد فصّل فيها من أخبار الأولين ما أجمل في سورة الأنعام. وقد ابتدئت هذه السورة بمقدّمة في إنذار المشركين إجمالا بما حصل لأولئك الأولين، ثم أتبع هذا بتفصيل أخبارهم وبيان ما حصل لهم، ثم ختمت ببيان أنّ الهدى والإضلال بيد الله، فمن يهده ينتفع بهذا القصص،

стр. 664

ومن يضلله لا ينتفع به، إلى غير هذا مما يأتي في هذه الخاتمة. المقدمة الآيات [١- ٩] قال الله تعالى: المص (١) كِتابٌ أُنْزِلَ إِلَيْكَ فَلا يَكُنْ فِي صَدْرِكَ حَرَجٌ مِنْهُ لِتُنْذِرَ بِهِ وَذِكْرى لِلْمُؤْمِنِينَ (٢) فذكر أن القرآن كتاب أنزل الى النبي (ص) ، ونهاه أن يضيق صدره من تكذيب المشركين له، لينذر به المشركين ويذكّر المؤمنين، وفي هذا براعة مطلع للغرض المقصود من هذه السورة، ثم أمرهم أن يتّبعوا ما أنزل إليهم من ربهم ولا يتّبعوا غيره من أوليائهم، وأنذرهم إجمالا بأنه كم أهلك قبلهم من قرية بعذاب جاءهم بياتا أو هم قائلون، فلما جاءهم العذاب اعترفوا بظلمهم فلم ينفعهم اعترافهم، ثم ذكر أنه سيجمعهم ومن أرسلوا إليهم فيسألهم عن أمرهم، ويقصّ عليهم ما يعلمه من أعمالهم، ويزن أعمالهم بالحقّ فَمَنْ ثَقُلَتْ مَوازِينُهُ فَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (٨) وَمَنْ خَفَّتْ مَوازِينُهُ فَأُولئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ بِما كانُوا بِآياتِنا يَظْلِمُونَ (٩) . قصة آدم وإبليس الآيات [١٠- ٥٨] ثم قال تعالى: وَلَقَدْ مَكَّنَّاكُمْ فِي الْأَرْضِ وَجَعَلْنا لَكُمْ فِيها مَعايِشَ قَلِيلًا ما تَشْكُرُونَ (١٠) ، فذكر نعمته عليهم بالتمكين لهم في الأرض تمهيدا لقصة آدم. لأنه أول من مكّن له فيها، ثم ذكر أنه خلقه ثم صوّره ثمّ أمر الملائكة بالسّجود له تكريما لخلقه، وأن إبليس امتنع عن السجود له عنادا واستكبارا، وأنه جازاه على هذا باللعن والطرد من الجنة، وجعل وظيفته أقبح وظيفة وهي الوسوسة بالشر، ثم ذكر أنه أسكن آدم وزوجته الجنة ونهاهما، عن الأكل من شجرة منها عيّنها لهما، وأنّ إبليس احتال عليهما حتّى أكلا منها فبدت لهما سوآتهما وطفقا يخصفان عليهما من ورق الجنة حياء، ثم ذكر أنه ناداهما بنهيه لهما فاعترفا بذنبهما، فأمرهما بأن يهبطا من الجنة إلى الأرض، وأوقع العداوة فيها بين ذرّيتهم وبين إبليس، وجعل لهم فيها مستقرّا ومتاعا إلى أن يرجعهم إليه. ثم ذكر أنه أنزل عليهما وعلى ذريتهما، بعد هبوطهما إلى الأرض، لباسا يواري سوآتهم، وأن لباس التقوى

стр. 665

خير من ذلك اللباس، ثم حذرهم أن يفتنهم إبليس كما فتن أبويهم في الجنة، وذكر أنه، هو وقبيله، يأتونهم من حيث لا يرونهم، وأنه قد جعلهم أولياء للذين لا يؤمنون، وإذا فعلوا فاحشة قالوا وجدنا عليها آباءنا، وزعموا أن الله أمرهم بها، ثم أمر النبي (ص) أن يخبرهم بأنه لا يأمر بالفحشاء، وإنما يأمر بالقسط وأن يقيموا وجوههم عند كل مسجد ويدعوه مخلصين له، ثم ذكر أنه سيعيدهم كما بدأهم فريقين: فريقا هداه، وفريقا حقّت عليه الضّلالة لأنهم اتّخذوا الشياطين أولياء من دونه ويحسبون أنهم مهتدون، ثم أمرهم أن يأخذوا ما أنزل عليهم من اللباس عند كل مسجد، وأن يأكلوا ويشربوا ولا يسرفوا في لباسهم وأكلهم وشربهم، وكانوا في الجاهلية يطوفون عراة بالبيت، الرجال بالنهار والنساء بالليل. ويقولون لا نطوف في ثياب أصبنا فيها الذنوب، وكان منهم متنسكون لا يأكلون من الطعام إلا قوتا ولا يأكلون دسما ثمّ أمر النبي (ص) أن يسألهم سؤال تعجيز عمّن حرّم عليهم الزينة والطيّبات من الرزق، وذكر لهم أنه إنما حرّم الفواحش ما ظهر منها وما بطن، والإثم والبغي والشرك والكذب عليه، في تحريم ما حرموه على أنفسهم، وهدّدهم بأنه إذا كان يمهلهم على ذلك فلأنّ كل أمّة لها أجل فَإِذا جاءَ أَجَلُهُمْ لا يَسْتَأْخِرُونَ ساعَةً وَلا يَسْتَقْدِمُونَ (٣٤) . ثم ذكر أنه أوحى إلى آدم (ع) وذريته حين هبطوا الى الأرض، أنه إذا أتاهم رسل يقصّون عليهم آياته، فمن آمن بهم فلا خوف عليه، ومن كذّب واستكبر فجزاؤه الخلود في النار ثم فصّل وعيدهم، فذكر أنه لا يوجد أظلم ممّن افترى عليه وكذّب بآياته، وأنهم ينالون نصيبهم في الحياة من العمر والرزق، ثم يتوفّاهم ملائكة الموت، ويسألونهم عن شركائهم ليدفعوا عنهم، فيجيبون بأنهم ضلّوا عنهم، ويعترفون بكفرهم وهناك يأمرهم بأن يدخلوا النار فيمن دخلها قبلهم من أمم الجن والإنس، فيتلاومون فيها بما ذكره من تلاومهم ثم ذكر أنهم لا تفتح لهم أبواب السماء ولا يدخلون الجنة، حتى يلج الجمل في سمّ الخياط، والى غير هذا ممّا ذكر في وعيدهم. ثم أخذ السياق في تفصيل وعد المؤمنين، فذكر من نعيمهم في الجنة ما ذكر، ثم ذكر أنهم ينادون أصحاب

стр. 666

النار أنهم وجدوا ما وعدهم ربّهم حقّا، فهل وجدوا ما وعدوا به من العذاب حقّا؟ فيجيبونهم بأنهم وجدوه حقّا ثم ذكر أنه يوجد على الأعراف بين الجنة والنار رجال يعرفون كلّا من أهل الجنة والنار بسيماهم وينادونهم بما ذكره في ندائهم، وأن أصحاب النار ينادون أصحاب الجنة أن يفيضوا عليهم من الماء، أو بما رزقهم الله، فيجيبونهم بأن الله حرّمهما على الكافرين الذين اغترّوا بدنياهم، وأنه ينساهم في آخرتهم كما نسوا لقاءها ثم ذكر سبحانه أنه جاءهم بكتاب فصّله على علم وجعله هدى ورحمة فقطع به عذرهم، ووبّخهم على انتظارهم تأويل ما أنذرهم به من العذاب وذكر أنه يوم يأتي تأويله، يعترفون بأنّ ما أنذروا به حق، ثم يسألون عن شفعاء يشفعون لهم، أو أن يردّوا ليعملوا أعمالا غير أعمالهم. ثم أخذ السّياق في إبطال اعتقادهم في أولئك الشفاء، فذكر أنه سبحانه ربّهم الذي خلق السماوات والأرض في ستة أيام إلخ، وأمرهم أن يدعوه جلّ شأنه تضرّعا وخفية، ولا يفسدوا في الأرض بعد أن أصلحها ومكّن لهم فيها وأن يدعوه خائفين عذابه، راجين رحمته، لأن رحمته قريب من المحسنين ثم ذكر تعالى أنه هو الذي يرسل الرياح بشرا بين يدي رحمته، لتحمل السحاب الى البلد الميّت فتحييه، وأنه كذلك يحيي الموتى لعلهم يتذكرون وَالْبَلَدُ الطَّيِّبُ يَخْرُجُ نَباتُهُ بِإِذْنِ رَبِّهِ وَالَّذِي خَبُثَ لا يَخْرُجُ إِلَّا نَكِداً كَذلِكَ نُصَرِّفُ الْآياتِ لِقَوْمٍ يَشْكُرُونَ (٥٨) . قصة نوح وقومه الآيات [٥٩- ٦٤] ثم قال تعالى: لَقَدْ أَرْسَلْنا نُوحاً إِلى قَوْمِهِ فَقالَ يا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ ما لَكُمْ مِنْ إِلهٍ غَيْرُهُ إِنِّي أَخافُ عَلَيْكُمْ عَذابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ (٥٩) فذكر أن نوحا أمر قومه بأن يعبدوا الله وحده وأنذرهم، إن لم يطيعوه، بعذاب يوم عظيم وأنهم أجابوه بأنهم يرونه في ضلال مبين، وأنه أجابهم بأنه لا ضلالة به، ولكنّه رسول من الله إليهم، وأنه ينصح لهم ويعلم من الله مالا يعلمون ثم ذكر أنهم أصرّوا على تكذيبه فأنجاه سبحانه، والذين معه في الفلك وَأَغْرَقْنَا الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا إِنَّهُمْ كانُوا قَوْماً عَمِينَ (٦٤) .

стр. 667

قصة هود وقومه الآيات [٦٥- ٧٢] ثم قال تعالى: وَإِلى عادٍ أَخاهُمْ هُوداً قالَ يا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ ما لَكُمْ مِنْ إِلهٍ غَيْرُهُ أَفَلا تَتَّقُونَ (٦٥) ، فذكر أنّ هودا أمر قومه بعبادة الله وحده، وأنهم أجابوه عن ذلك بتسفيهه وتكذيبه، وأنه أجابهم بأنه ليس به سفاهة، ولكنه رسول من الله ناصح لهم أمين ثم وبخهم أن يعجبوا أن جاءهم ذكر من ربهم على رجل منهم لينذرهم ويذكّرهم بنعمته عليهم، إذ جعلهم خلفاء من بعد قوم نوح، وزادهم في الخلق بسطة، ثم ذكر أنهم أصرّوا على تكذيبه فأنجاه سبحانه، والذين معه رحمة منه وَقَطَعْنا دابِرَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا وَما كانُوا مُؤْمِنِينَ (٧٢) . قصة صالح وقومه الآيات [٧٣- ٧٩] ثم قال تعالى وَإِلى ثَمُودَ أَخاهُمْ صالِحاً قالَ يا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ ما لَكُمْ مِنْ إِلهٍ غَيْرُهُ [الآية ٧٣] فذكر أن صالحا أمر قومه بعبادة الله وحده، وأنّه جاءهم بناقة الله آية لهم، وأنّه حذّرهم أن يمسّوها بسوء فيأخذهم عذاب أليم، وأنه ذكّرهم بنعمة الله عليهم إذ جعلهم خلفاء من بعد عاد، ثم ذكر أنهم أصروا على تكذيبه، فأخذتهم الرجفة، فأهلكتهم فَتَوَلَّى عَنْهُمْ وَقالَ يا قَوْمِ لَقَدْ أَبْلَغْتُكُمْ رِسالَةَ رَبِّي وَنَصَحْتُ لَكُمْ وَلكِنْ لا تُحِبُّونَ النَّاصِحِينَ (٧٩) . قصة لوط وقومه الآيات [٨٠- ٨٤] ثم قال تعالى: وَلُوطاً إِذْ قالَ لِقَوْمِهِ أَتَأْتُونَ الْفاحِشَةَ ما سَبَقَكُمْ بِها مِنْ أَحَدٍ مِنَ الْعالَمِينَ (٨٠) ، فذكر أن لوطا استنكر من قومه الفاحشة التي لم يسبقهم أحد إليها وهي إتيانهم الرجال من دون النساء، وأنهم أجابوه بتامرهم على إخراجه هو وأهله من قريتهم، فأنجاهم الله إلّا امرأته كانت من الغابرين وَأَمْطَرْنا عَلَيْهِمْ مَطَراً فَانْظُرْ كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الْمُجْرِمِينَ (٨٤) . قصة شعيب وقومه الآيات (٨٥- ١١٢) ثم قال تعالى: وَإِلى مَدْيَنَ أَخاهُمْ شُعَيْباً قالَ يا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ ما لَكُمْ مِنْ إِلهٍ غَيْرُهُ [الآية ٨٥] فذكر أن شعيبا أمر قومه أن يعبدوا الله وحده

стр. 668

ويوفوا الكيل والميزان، ولا يبخسوا الناس أشياءهم، ولا يفسدوا في الأرض بعد إصلاحها ثم ذكر أن بعضهم استكبر، وأراد أن يخرج شعيبا هو ومن آمن به من قريتهم، وأنه سبحانه أخذهم بالرجفة فأهلكهم وكانوا هم الخاسرين فَتَوَلَّى عَنْهُمْ وَقالَ يا قَوْمِ لَقَدْ أَبْلَغْتُكُمْ رِسالاتِ رَبِّي وَنَصَحْتُ لَكُمْ فَكَيْفَ آسى عَلى قَوْمٍ كافِرِينَ (٩٣) . ثم عقّب على هذه القصص، ببيان أنّ هذا شأنه في كلّ قرية أرسل فيها نبيّا، فلا يأخذها بعذاب الاستئصال دفعة واحدة، بل يأخذها أوّلا بالشدائد والأمراض، ثم يزيل عنهم ذلك، ويأتيهم بالخصب والرخاء، فلا يؤثّر فيهم شيء من ذلك وينسبون ما أصابهم منه إلى عادة الزمان، فيأخذهم بغتة وهم لا يشعرون ولو أنهم آمنوا، لفتح عليهم بركات السماء والأرض بالمطر والنبات. ثمّ وبّخ أهل القرى الحاضرة على أمنهم أن يصيبهم ما أصاب تلك القرى من بأسه بياتا وهم نائمون، أو ضحًى وهم يلعبون وعلى أمنهم مكره بهم، فلا يأمنه إلا القوم الخاسرون وعلى أنه لم يتبيّن لهم بعد أن ورثوا أرضهم وقصّ عليهم أخبارهم، أنه لو يشاء أصابهم كما أصابهم، ولكنّه طبع على قلوبهم فهم لا يسمعون ثمّ ذكر أنه قصّ عليه من أنباء تلك القرى، وأنّهم كانوا سواء في أنهم يكذبون بعد نزول المعجزات كما كذبوا من قبلها، وينسون عهدهم أن يؤمنوا بعد نزولها وَما وَجَدْنا لِأَكْثَرِهِمْ مِنْ عَهْدٍ وَإِنْ وَجَدْنا أَكْثَرَهُمْ لَفاسِقِينَ (١٠٢) . قصة موسى وفرعون وبني إسرائيل الآيات [١٠٣- ١٧٤] ثم قال تعالى: ثُمَّ بَعَثْنا مِنْ بَعْدِهِمْ مُوسى بِآياتِنا إِلى فِرْعَوْنَ وَمَلَائِهِ فَظَلَمُوا بِها فَانْظُرْ كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ (١٠٣) فذكر أنه بعث موسى إلى فرعون وقومه بآياته، وأنّهم كذّبوا بها فأهلكهم ثمّ فصّل ذلك، فذكر أن موسى أخبر فرعون بأنه رسوله إليه، وطلب منه أن يرسل معه بني إسرائيل إلى الأرض التي وعدوا بها وأنّ فرعون طلب منه آية تدل على صدقه، فألقى عصاه فإذا هي ثعبان مبين، ونزع يده فإذا هي بيضاء للناظرين، فلما رأى قومه ذلك زعموا أنه سحر، وطلبوا منه

стр. 669

أن يجمع السحرة ليغلبوه بسحرهم ثمّ ذكر ما كان من السحرة وإيمانهم حين ظهر لهم عجزهم، وما كان من إصرار فرعون وقومه على الكفر بعد عجز سحرتهم، ومضيهم في الانتقام من بني إسرائيل بقتل أبنائهم واستحياء نسائهم فأمر موسى بني إسرائيل أن يستعينوا على ذلك بالصبر، ووعدهم أن يهلك الله عدوّهم ويستخلفهم في الأرض ثمّ ذكر ما كان من أخذه قوم فرعون بالسنين، ونقص من الثمرات، وأنّهم كانوا إذا أصيبوا بذلك لا يتّعظون به، بل يشتدّ كفرهم، ويزعمون أنّه من شؤم موسى وقومه عليهم ثمّ ذكر أنه أرسل عليهم بعد ذلك الطوفان والجراد والقمل والضفادع والدم فاستكبروا ولم يؤمنوا ثم أوقع عليهم الرّجز وهو الطاعون، فذهبوا إلى موسى ليدعو ربه أن يرفعه عنهم، ووعدوه عند رفعه أن يؤمنوا به ويرسلوا معه بني إسرائيل فلمّا كشف الرجز عنهم نكثوا عهدهم، فانتقم الله تعالى منهم بإغراقهم في البحر، وأورث بني إسرائيل الأرض التي بارك فيها، ودمّر ما كان يصنع فرعون وقومه وما كانوا يعرشون. ثم ذكر ما كان من بني إسرائيل بعد أن أنجاهم وأغرق آل فرعون، وأنهم جاوزوا البحر، فأتوا على قوم يعبدون الأصنام، فطلبوا من موسى أن يجعل لهم إلها مثلهم، فجهّلهم وبيّن لهم بطلان عبادة الأصنام، وأنه لا يليق بهم بعد أن أنجاهم الله من آل فرعون أن يعبدوا غيره ثم ذكر أن موسى (ع) تغيّب عن قومه أربعين ليلة، ليتلقّى التوراة فيها عن ربّه، واستخلف أخاه هارون على قومه، وأنه لما جاء لميقات ربّه، وكلّمه، طلب منه أن يراه وأنه لم يجبه الى ذلك، وطلب منه أن ينظر إلى الجبل، وقد تجلّى له فاندكّ وتفرّق، وخرّ هو صعقا من هول ما رأى فلمّا أفاق أظهر له التوبة من طلب رؤيته، فقبل توبته وأنزل عليه التوراة مكتوبة في الألواح وأمره أن يأخذها بقوّة، وأن يأمر قومه أن يأخذوا بأحسنها إذا كان فيها تخيير بين حسن وأحسن ووعدهم بأنه سيدخلهم الأرض التي وعدهم بها، وذكر أنه سيصرف عن آياته أصحابها الذين يتكبّرون فيها ويؤثرون سبيل الغيّ على سبيل الرشد، لأنهم كذبوا بآياته وغفلوا عنها، فحبطت أعمالهم ولا يجزون إلا ما كانوا يعملون ثم ذكر أن قوم موسى اتخذوا من بعده من حليّهم

стр. 670

عجلا جسدا له خوار فعبدوه من دونه سبحانه، وأنّهم ندموا على ذلك، ورأوا أنهم قد ضلّوا وطلبوا رحمة الله ومغفرته لذنبهم، وأن موسى رجع إليهم غضبان أسفا لما فعلوا، وألقى الألواح وأخذ برأس أخيه هارون يجرّه إليه فاعتذر له بأنهم استضعفوه وكادوا يقتلونه، فطلب من ربه أن يغفر له ولأخيه ويرحمهم جميعا ولا يؤاخذهم بما فعلوا وقد أجيب بأنّ الذين اتخذوا العجل وزيّنوا عبادته لهم سينالهم غضب من ربهم وذلّة في الدنيا، لأنهم سيعودون إلى عصيان ربهم، وقد فعلوا ذلك، بعد أن فتحوا الأرض الموعودة لهم وبأنّ الذين لم يقعوا في العبادة مثلهم وأساؤوا بعدم مفارقتهم، ثمّ تابوا وآمنوا، ستغفر سيئاتهم. ثم ذكر سبحانه، أن موسى اختار سبعين رجلا منهم لميقاته ليعتذروا عن ذلك الفعل، وأنه أخذهم بالرجفة إظهارا لغضبه ممّا فعلوا، فتوجّه موسى إليه بالدعاء أن يغفر لهم ويرحمهم، ولا يؤاخذهم بما فعل السفهاء منهم وأنه ﷻ أجابه بأنه يعذّب من يشاء ولا يسأل عمّا يفعل، وأنّ رحمته وسعت كلّ شيء حتّى العاصين من عباده، وسيكتبها للذين يتّقون ويؤتون الزكاة ويؤمنون به، ويتّبعون الرسول النبي الأمي حين يبعث إليهم، وهو الذي يجدونه مكتوبا عندهم في التوراة والإنجيل، يأمرهم بالمعروف وينهاهم عن المنكر، إلى غير هذا مما ذكره في البشارة بمحمد (ص) ، ثم استطرد السّياق من ذلك إلى أمره سبحانه للرسول (ص) بعد هذه البشارة أن يذكر للناس أنه رسول الله إليهم جميعا وأن يأمرهم باتباعه لعلّهم يهتدون ثم ذكر تعالى أن من قوم موسى أمّة يهدون بالحق، فلا ينكرون تلك البشارة. ثم عاد السياق إلى موسى وقومه، فذكر أن الله ﷻ قطّعهم اثنتي عشرة أسباطا، وأنه أوحى إليه إذا استسقوه أن يضرب بعصاه الحجر، فانفجرت منه اثنتا عشرة عينا بعددهم وأنه ظلّل عليهم الغمام وأنزل عليهم المنّ والسلوى، وأنّهم ما ظلموه سبحانه، إذ عصوه بعد هذا، ولكن ظلموا أنفسهم ثمّ ذكر من عصيانهم أنه أمرهم بسكنى القرية التي وعدهم بها، وهي بيت المقدس، وأن يقولوا حين دخولها حطّة ويدخلوا الباب سجّدا، فبدّلوا ذلك وقالوا حنطة،
следующие страницы →