← Улюм аль-Кур’ан

Улюм аль-Кур’ан · id 21769

الموسوعة القرآنية خصائص السور

جعفر شرف الدين

Полный текст (3 064 стр.). Показаны 666–705 · переход к 671.

стр. 666

النار أنهم وجدوا ما وعدهم ربّهم حقّا، فهل وجدوا ما وعدوا به من العذاب حقّا؟ فيجيبونهم بأنهم وجدوه حقّا ثم ذكر أنه يوجد على الأعراف بين الجنة والنار رجال يعرفون كلّا من أهل الجنة والنار بسيماهم وينادونهم بما ذكره في ندائهم، وأن أصحاب النار ينادون أصحاب الجنة أن يفيضوا عليهم من الماء، أو بما رزقهم الله، فيجيبونهم بأن الله حرّمهما على الكافرين الذين اغترّوا بدنياهم، وأنه ينساهم في آخرتهم كما نسوا لقاءها ثم ذكر سبحانه أنه جاءهم بكتاب فصّله على علم وجعله هدى ورحمة فقطع به عذرهم، ووبّخهم على انتظارهم تأويل ما أنذرهم به من العذاب وذكر أنه يوم يأتي تأويله، يعترفون بأنّ ما أنذروا به حق، ثم يسألون عن شفعاء يشفعون لهم، أو أن يردّوا ليعملوا أعمالا غير أعمالهم. ثم أخذ السّياق في إبطال اعتقادهم في أولئك الشفاء، فذكر أنه سبحانه ربّهم الذي خلق السماوات والأرض في ستة أيام إلخ، وأمرهم أن يدعوه جلّ شأنه تضرّعا وخفية، ولا يفسدوا في الأرض بعد أن أصلحها ومكّن لهم فيها وأن يدعوه خائفين عذابه، راجين رحمته، لأن رحمته قريب من المحسنين ثم ذكر تعالى أنه هو الذي يرسل الرياح بشرا بين يدي رحمته، لتحمل السحاب الى البلد الميّت فتحييه، وأنه كذلك يحيي الموتى لعلهم يتذكرون وَالْبَلَدُ الطَّيِّبُ يَخْرُجُ نَباتُهُ بِإِذْنِ رَبِّهِ وَالَّذِي خَبُثَ لا يَخْرُجُ إِلَّا نَكِداً كَذلِكَ نُصَرِّفُ الْآياتِ لِقَوْمٍ يَشْكُرُونَ (٥٨) . قصة نوح وقومه الآيات [٥٩- ٦٤] ثم قال تعالى: لَقَدْ أَرْسَلْنا نُوحاً إِلى قَوْمِهِ فَقالَ يا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ ما لَكُمْ مِنْ إِلهٍ غَيْرُهُ إِنِّي أَخافُ عَلَيْكُمْ عَذابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ (٥٩) فذكر أن نوحا أمر قومه بأن يعبدوا الله وحده وأنذرهم، إن لم يطيعوه، بعذاب يوم عظيم وأنهم أجابوه بأنهم يرونه في ضلال مبين، وأنه أجابهم بأنه لا ضلالة به، ولكنّه رسول من الله إليهم، وأنه ينصح لهم ويعلم من الله مالا يعلمون ثم ذكر أنهم أصرّوا على تكذيبه فأنجاه سبحانه، والذين معه في الفلك وَأَغْرَقْنَا الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا إِنَّهُمْ كانُوا قَوْماً عَمِينَ (٦٤) .

стр. 667

قصة هود وقومه الآيات [٦٥- ٧٢] ثم قال تعالى: وَإِلى عادٍ أَخاهُمْ هُوداً قالَ يا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ ما لَكُمْ مِنْ إِلهٍ غَيْرُهُ أَفَلا تَتَّقُونَ (٦٥) ، فذكر أنّ هودا أمر قومه بعبادة الله وحده، وأنهم أجابوه عن ذلك بتسفيهه وتكذيبه، وأنه أجابهم بأنه ليس به سفاهة، ولكنه رسول من الله ناصح لهم أمين ثم وبخهم أن يعجبوا أن جاءهم ذكر من ربهم على رجل منهم لينذرهم ويذكّرهم بنعمته عليهم، إذ جعلهم خلفاء من بعد قوم نوح، وزادهم في الخلق بسطة، ثم ذكر أنهم أصرّوا على تكذيبه فأنجاه سبحانه، والذين معه رحمة منه وَقَطَعْنا دابِرَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا وَما كانُوا مُؤْمِنِينَ (٧٢) . قصة صالح وقومه الآيات [٧٣- ٧٩] ثم قال تعالى وَإِلى ثَمُودَ أَخاهُمْ صالِحاً قالَ يا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ ما لَكُمْ مِنْ إِلهٍ غَيْرُهُ [الآية ٧٣] فذكر أن صالحا أمر قومه بعبادة الله وحده، وأنّه جاءهم بناقة الله آية لهم، وأنّه حذّرهم أن يمسّوها بسوء فيأخذهم عذاب أليم، وأنه ذكّرهم بنعمة الله عليهم إذ جعلهم خلفاء من بعد عاد، ثم ذكر أنهم أصروا على تكذيبه، فأخذتهم الرجفة، فأهلكتهم فَتَوَلَّى عَنْهُمْ وَقالَ يا قَوْمِ لَقَدْ أَبْلَغْتُكُمْ رِسالَةَ رَبِّي وَنَصَحْتُ لَكُمْ وَلكِنْ لا تُحِبُّونَ النَّاصِحِينَ (٧٩) . قصة لوط وقومه الآيات [٨٠- ٨٤] ثم قال تعالى: وَلُوطاً إِذْ قالَ لِقَوْمِهِ أَتَأْتُونَ الْفاحِشَةَ ما سَبَقَكُمْ بِها مِنْ أَحَدٍ مِنَ الْعالَمِينَ (٨٠) ، فذكر أن لوطا استنكر من قومه الفاحشة التي لم يسبقهم أحد إليها وهي إتيانهم الرجال من دون النساء، وأنهم أجابوه بتامرهم على إخراجه هو وأهله من قريتهم، فأنجاهم الله إلّا امرأته كانت من الغابرين وَأَمْطَرْنا عَلَيْهِمْ مَطَراً فَانْظُرْ كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الْمُجْرِمِينَ (٨٤) . قصة شعيب وقومه الآيات (٨٥- ١١٢) ثم قال تعالى: وَإِلى مَدْيَنَ أَخاهُمْ شُعَيْباً قالَ يا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ ما لَكُمْ مِنْ إِلهٍ غَيْرُهُ [الآية ٨٥] فذكر أن شعيبا أمر قومه أن يعبدوا الله وحده

стр. 668

ويوفوا الكيل والميزان، ولا يبخسوا الناس أشياءهم، ولا يفسدوا في الأرض بعد إصلاحها ثم ذكر أن بعضهم استكبر، وأراد أن يخرج شعيبا هو ومن آمن به من قريتهم، وأنه سبحانه أخذهم بالرجفة فأهلكهم وكانوا هم الخاسرين فَتَوَلَّى عَنْهُمْ وَقالَ يا قَوْمِ لَقَدْ أَبْلَغْتُكُمْ رِسالاتِ رَبِّي وَنَصَحْتُ لَكُمْ فَكَيْفَ آسى عَلى قَوْمٍ كافِرِينَ (٩٣) . ثم عقّب على هذه القصص، ببيان أنّ هذا شأنه في كلّ قرية أرسل فيها نبيّا، فلا يأخذها بعذاب الاستئصال دفعة واحدة، بل يأخذها أوّلا بالشدائد والأمراض، ثم يزيل عنهم ذلك، ويأتيهم بالخصب والرخاء، فلا يؤثّر فيهم شيء من ذلك وينسبون ما أصابهم منه إلى عادة الزمان، فيأخذهم بغتة وهم لا يشعرون ولو أنهم آمنوا، لفتح عليهم بركات السماء والأرض بالمطر والنبات. ثمّ وبّخ أهل القرى الحاضرة على أمنهم أن يصيبهم ما أصاب تلك القرى من بأسه بياتا وهم نائمون، أو ضحًى وهم يلعبون وعلى أمنهم مكره بهم، فلا يأمنه إلا القوم الخاسرون وعلى أنه لم يتبيّن لهم بعد أن ورثوا أرضهم وقصّ عليهم أخبارهم، أنه لو يشاء أصابهم كما أصابهم، ولكنّه طبع على قلوبهم فهم لا يسمعون ثمّ ذكر أنه قصّ عليه من أنباء تلك القرى، وأنّهم كانوا سواء في أنهم يكذبون بعد نزول المعجزات كما كذبوا من قبلها، وينسون عهدهم أن يؤمنوا بعد نزولها وَما وَجَدْنا لِأَكْثَرِهِمْ مِنْ عَهْدٍ وَإِنْ وَجَدْنا أَكْثَرَهُمْ لَفاسِقِينَ (١٠٢) . قصة موسى وفرعون وبني إسرائيل الآيات [١٠٣- ١٧٤] ثم قال تعالى: ثُمَّ بَعَثْنا مِنْ بَعْدِهِمْ مُوسى بِآياتِنا إِلى فِرْعَوْنَ وَمَلَائِهِ فَظَلَمُوا بِها فَانْظُرْ كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ (١٠٣) فذكر أنه بعث موسى إلى فرعون وقومه بآياته، وأنّهم كذّبوا بها فأهلكهم ثمّ فصّل ذلك، فذكر أن موسى أخبر فرعون بأنه رسوله إليه، وطلب منه أن يرسل معه بني إسرائيل إلى الأرض التي وعدوا بها وأنّ فرعون طلب منه آية تدل على صدقه، فألقى عصاه فإذا هي ثعبان مبين، ونزع يده فإذا هي بيضاء للناظرين، فلما رأى قومه ذلك زعموا أنه سحر، وطلبوا منه

стр. 669

أن يجمع السحرة ليغلبوه بسحرهم ثمّ ذكر ما كان من السحرة وإيمانهم حين ظهر لهم عجزهم، وما كان من إصرار فرعون وقومه على الكفر بعد عجز سحرتهم، ومضيهم في الانتقام من بني إسرائيل بقتل أبنائهم واستحياء نسائهم فأمر موسى بني إسرائيل أن يستعينوا على ذلك بالصبر، ووعدهم أن يهلك الله عدوّهم ويستخلفهم في الأرض ثمّ ذكر ما كان من أخذه قوم فرعون بالسنين، ونقص من الثمرات، وأنّهم كانوا إذا أصيبوا بذلك لا يتّعظون به، بل يشتدّ كفرهم، ويزعمون أنّه من شؤم موسى وقومه عليهم ثمّ ذكر أنه أرسل عليهم بعد ذلك الطوفان والجراد والقمل والضفادع والدم فاستكبروا ولم يؤمنوا ثم أوقع عليهم الرّجز وهو الطاعون، فذهبوا إلى موسى ليدعو ربه أن يرفعه عنهم، ووعدوه عند رفعه أن يؤمنوا به ويرسلوا معه بني إسرائيل فلمّا كشف الرجز عنهم نكثوا عهدهم، فانتقم الله تعالى منهم بإغراقهم في البحر، وأورث بني إسرائيل الأرض التي بارك فيها، ودمّر ما كان يصنع فرعون وقومه وما كانوا يعرشون. ثم ذكر ما كان من بني إسرائيل بعد أن أنجاهم وأغرق آل فرعون، وأنهم جاوزوا البحر، فأتوا على قوم يعبدون الأصنام، فطلبوا من موسى أن يجعل لهم إلها مثلهم، فجهّلهم وبيّن لهم بطلان عبادة الأصنام، وأنه لا يليق بهم بعد أن أنجاهم الله من آل فرعون أن يعبدوا غيره ثم ذكر أن موسى (ع) تغيّب عن قومه أربعين ليلة، ليتلقّى التوراة فيها عن ربّه، واستخلف أخاه هارون على قومه، وأنه لما جاء لميقات ربّه، وكلّمه، طلب منه أن يراه وأنه لم يجبه الى ذلك، وطلب منه أن ينظر إلى الجبل، وقد تجلّى له فاندكّ وتفرّق، وخرّ هو صعقا من هول ما رأى فلمّا أفاق أظهر له التوبة من طلب رؤيته، فقبل توبته وأنزل عليه التوراة مكتوبة في الألواح وأمره أن يأخذها بقوّة، وأن يأمر قومه أن يأخذوا بأحسنها إذا كان فيها تخيير بين حسن وأحسن ووعدهم بأنه سيدخلهم الأرض التي وعدهم بها، وذكر أنه سيصرف عن آياته أصحابها الذين يتكبّرون فيها ويؤثرون سبيل الغيّ على سبيل الرشد، لأنهم كذبوا بآياته وغفلوا عنها، فحبطت أعمالهم ولا يجزون إلا ما كانوا يعملون ثم ذكر أن قوم موسى اتخذوا من بعده من حليّهم

стр. 670

عجلا جسدا له خوار فعبدوه من دونه سبحانه، وأنّهم ندموا على ذلك، ورأوا أنهم قد ضلّوا وطلبوا رحمة الله ومغفرته لذنبهم، وأن موسى رجع إليهم غضبان أسفا لما فعلوا، وألقى الألواح وأخذ برأس أخيه هارون يجرّه إليه فاعتذر له بأنهم استضعفوه وكادوا يقتلونه، فطلب من ربه أن يغفر له ولأخيه ويرحمهم جميعا ولا يؤاخذهم بما فعلوا وقد أجيب بأنّ الذين اتخذوا العجل وزيّنوا عبادته لهم سينالهم غضب من ربهم وذلّة في الدنيا، لأنهم سيعودون إلى عصيان ربهم، وقد فعلوا ذلك، بعد أن فتحوا الأرض الموعودة لهم وبأنّ الذين لم يقعوا في العبادة مثلهم وأساؤوا بعدم مفارقتهم، ثمّ تابوا وآمنوا، ستغفر سيئاتهم. ثم ذكر سبحانه، أن موسى اختار سبعين رجلا منهم لميقاته ليعتذروا عن ذلك الفعل، وأنه أخذهم بالرجفة إظهارا لغضبه ممّا فعلوا، فتوجّه موسى إليه بالدعاء أن يغفر لهم ويرحمهم، ولا يؤاخذهم بما فعل السفهاء منهم وأنه ﷻ أجابه بأنه يعذّب من يشاء ولا يسأل عمّا يفعل، وأنّ رحمته وسعت كلّ شيء حتّى العاصين من عباده، وسيكتبها للذين يتّقون ويؤتون الزكاة ويؤمنون به، ويتّبعون الرسول النبي الأمي حين يبعث إليهم، وهو الذي يجدونه مكتوبا عندهم في التوراة والإنجيل، يأمرهم بالمعروف وينهاهم عن المنكر، إلى غير هذا مما ذكره في البشارة بمحمد (ص) ، ثم استطرد السّياق من ذلك إلى أمره سبحانه للرسول (ص) بعد هذه البشارة أن يذكر للناس أنه رسول الله إليهم جميعا وأن يأمرهم باتباعه لعلّهم يهتدون ثم ذكر تعالى أن من قوم موسى أمّة يهدون بالحق، فلا ينكرون تلك البشارة. ثم عاد السياق إلى موسى وقومه، فذكر أن الله ﷻ قطّعهم اثنتي عشرة أسباطا، وأنه أوحى إليه إذا استسقوه أن يضرب بعصاه الحجر، فانفجرت منه اثنتا عشرة عينا بعددهم وأنه ظلّل عليهم الغمام وأنزل عليهم المنّ والسلوى، وأنّهم ما ظلموه سبحانه، إذ عصوه بعد هذا، ولكن ظلموا أنفسهم ثمّ ذكر من عصيانهم أنه أمرهم بسكنى القرية التي وعدهم بها، وهي بيت المقدس، وأن يقولوا حين دخولها حطّة ويدخلوا الباب سجّدا، فبدّلوا ذلك وقالوا حنطة،

стр. 671

فطلبوا ذلك ولم يطلبوا حطّ الخطايا عنهم، ثم ذكر أيضا قصة الذين اعتدوا منهم في السبت، وأنهم أصرّوا على اعتدائهم ولم يسمعوا للذين وعظوهم، فأخذهم بعذاب بئيس بما كانوا يفسقون، وجعلهم في طباع القردة والخنازير من الشره والطمع، وبعث عليهم من يسومهم الذّل والصّغار إلى يوم القيامة، وبدّد شملهم في الأرض طوائف محكومة لأهلها، منهم الصالحون وهم الذين لم يصيروا في طباع القردة والخنازير، ومنهم دون ذلك وهم الذين صاروا في طباعها، وانحرفوا عمّا جاءت به التوراة من الأخلاق الفاضلة ثمّ ذكر أنه بلاهم بالحسنات والسّيئات لعلهم يرجعون إلى فضائل دينهم، فخلف من بعدهم خلف انحرفوا عنه أكثر منهم، يأخذون الرّشا على تحريف التوراة، ويزعمون أنه سيغفر ذلك لهم، مع أنهم يصرّون عليه ولا يقلعون عنه وقد أخذ عليهم عهد التوراة أن يحافظوا عليها ولا يحرّفوها، وهم يدرسون ذلك فيها ويعرفونه والدار الاخرة خير من تلك الرشوة التي يأخذونها على التحريف والذين يتمسّكون بالتوراة ولا يحرّفونها لا يضيع أجرهم فيها، ثمّ ذكر أنه أخذ هذا العهد عليهم حين رفع الجبل فوقهم، وأمرهم أن يأخذوا التوراة بقوّة ويحافظوا عليها، ثمّ ذكر أنه أخذ على بني آدم جميعا عهده يوم خلقهم، أن يعترفوا بأنه ربّهم ويطيعوه، وأنّهم شهدوا على أنفسهم يوم أخذه عليهم لئلّا يدّعوا يوم القيامة أنهم غفلوا عنه، أو أنهم أشركوا كما أشرك آباؤهم تقليدا لهم، فلا يصح أن يؤخذوا بما فعلوه قبلهم وَكَذلِكَ نُفَصِّلُ الْآياتِ وَلَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ (١٧٤) . قصة عالم لم يعمل بعلمه الآيات [١٧٥- ١٧٧] ثم قال تعالى: وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِي آتَيْناهُ آياتِنا فَانْسَلَخَ مِنْها فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطانُ فَكانَ مِنَ الْغاوِينَ (١٧٥) فذكر نبأ عالم أتاه علم كتبه فلم يعمل به، فتولّاه الشيطان حتّى أضلّه وصار مثله كمثل الكلب في خسّته وذلّته. ثمّ ذكر أن هذا مثل الذين كذّبوا بآياته وأمر النبي (ص) أن يقصّ عليهم ذلك المثل لعلهم يتفكرون ساءَ مَثَلًا الْقَوْمُ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا وَأَنْفُسَهُمْ كانُوا يَظْلِمُونَ (١٧٧) .

стр. 672

الخاتمة الآيات [١٧٨- ٢٠٦] ثمّ قال تعالى: مَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِي وَمَنْ يُضْلِلْ فَأُولئِكَ هُمُ الْخاسِرُونَ (١٧٨) فذكر ان الهداية والإضلال بيده وحده ﷻ ، فمن يهده فهو المهتدي ومن يضلله فأولئك هم الخاسرون ثمّ ذكر أنه خلق لجهنم كثيرا من الجن والإنس لا يعتبرون بما قصّه من ذلك، لأنهم لا يفقهون ولا يبصرون ولا يسمعون، فهم كالأنعام بل هم أضلّ ثمّ ذكر أن له سبحانه الأسماء الحسنى، وأمرهم أن يدعوه بها ولا يتّبعوا الذين يلحدون في أسمائه من أولئك الجهلاء وأنّ ممّن خلقه، أمة يهدون بالحق، فلا يلحدون في أسمائه وأنّ الذين كذّبوا بآياته، سيستدرجهم، ثمّ يأخذهم بغتة كما أخذ أولئك الأولين ثمّ وبّخهم على ترك التفكير في أمر النبي (ص) ليعلموا أنه ليس به جنّة، وإنما هو نذير مبين كما وبّخهم لأنّهم لم ينظروا في ملكوت السماوات والأرض ليعرفوا خالقهم، وفيما ينذرهم به، ليعلموا أنه قد اقترب أجلهم ثمّ ذكر أن من يضلله فلا يهتدي بشيء من ذلك، ويتركهم في طغيانهم يعمهون. ثمّ ذكر سبحانه أنهم سألوا النبيّ (ص) عن ساعة ذلك العذاب أيّان مرساها؟ فأجابهم النبيّ (ص) بأنّ علمها عند الله وحده، وهي لا تأتيهم إلّا بغتة من غير سابق علم، وبأنه لم يدّع لهم أنه يملك لنفسه نفعا أو ضرّا، أو يعلم الغيب حتى يكون إليه ذلك الأمر وإنما يرجع ذلك إلى مشيئة الله وإرادته، وما هو إلا نذير وبشير لقوم يؤمنون. ثم أخذ السّياق يبين لهم فساد شركهم، فذكر سبحانه أنه هو الذي خلقهم من نفس واحدة وجعل منها زوجها، فلمّا حملت منه دعوا الله لَئِنْ آتَيْتَنا صالِحاً لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ (١٨٩) فلمّا آتاهما ما طلبا جعل أولادهما له شركاء فيما آتاهما ثمّ وبخهم على أن يشركوا به مالا يخلق شيئا وهم يخلقون، إلى غير هذا مما ذكره في إبطال شركهم، ثم أمر النبي (ص) أن يأمرهم بدعوة شركائهم لكيده، تعجيزا لهم، وأن يذكر لهم أن وليّه الله الذي نزّل الكتاب وهو يتولّى الصالحين وأنّ هؤلاء الشركاء لا يستطيعون نصرهم ولا نصر أنفسهم، ثمّ ذكر سبحانه أن

стр. 673

النبي (ص) إن يدعهم إلى الهدى لا يسمعوا ينظرون إليه وهم لا يبصرون وأمره أن يأخذ بما شرعه له من العفو والأمر بالمعروف والإعراض عن الجاهلين، وأن يستعيذ به ﷻ إذا اعتراه من الشيطان نزغ، لأن هذا هو سبيل المتّقين إذا مسّهم الشيطان بطائف منه ثمّ ذكر أنه إذا لم يأتهم بآية ممّا يقترحونه، قالوا لولا اقترحتها على الله، وأمره أن يجيبهم بأنه لا يتّبع إلا ما يوحى إليه، فلا يقترح شيئا عليه وبأنه، قد أتاهم بصائر من القرآن تغني عن غيره من المعجزات ثمّ أمرهم أن يستمعوا له وينصتوا إذا قرئ عليهم لعلّهم يرحمون وأمر النبي (ص) أن يذكره تضرّعا وخيفة، ودون الجهر من القول بالغدوّ والآصال ونهاه أن يكون من الغافلين إِنَّ الَّذِينَ عِنْدَ رَبِّكَ لا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبادَتِهِ وَيُسَبِّحُونَهُ وَلَهُ يَسْجُدُونَ (٢٠٦) .

стр. 674

المبحث الثالث أسرار ترتيب سورة «الأعراف» «١» أقول: مناسبة وضع هذه السورة عقب سورة الأنعام فيما ألهمني الله سبحانه: أن سورة الأنعام لما كانت لبيان الخلق، وقال فيها: هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ طِينٍ [الأنعام: ٢] وقال في بيان القرون كَمْ أَهْلَكْنا مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ قَرْنٍ [الأنعام: ٦] ، وأشير فيها إلى ذكر المرسلين، وتعداد كثير منهم، وكانت الأمور الثلاثة على وجه الإجمال، لا التفصيل، ذكرت هذه السورة عقبها، لأنها مشتملة على شرح الأمور الثلاثة وتفصيلها. فبسط فيها قصة خلق آدم أبلغ بسط، بحيث لم تبسط في سورة كما بسطت فيها «٢» . وذلك تفصيل إجمال قوله: خَلَقَكُمْ مِنْ طِينٍ [الأنعام: ٢] ثم فصلت قصص المرسلين وأممهم، وكيفية إهلاكهم، تفصيلا تامّا شافيا مستوعبا، لم يقع نظيره في سورة غيرها «٣» ، وذلك بسط حال القرون المهلكة ورسلهم، فكانت هذه السورة شرحا لتلك الآيات الثلاث. وأيضا، فذلك تفصيل قوله تعالى: وَهُوَ الَّذِي جَعَلَكُمْ خَلائِفَ الْأَرْضِ [الأنعام: ١٦٥] . ولهذا صدّر هذه السورة بخلق آدم الذي جعله الله في الأرض

стр. 675

خليفة «١» وقال في قصة عاد: جَعَلَكُمْ خُلَفاءَ مِنْ بَعْدِ قَوْمِ نُوحٍ [الآية ٦٩] وفي قصة ثمود: جَعَلَكُمْ خُلَفاءَ مِنْ بَعْدِ عادٍ [الآية ٧٤] . وأيضا فقد قال تعالى في الأنعام: كَتَبَ عَلى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ [الأنعام: ١٢] . وهو موجز، وبسطه هنا بقوله: وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ فَسَأَكْتُبُها لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ [الآية ١٥٦] . إلى آخره. فبيّن من كتبها لهم. وأما وجه ارتباط أول هذه السورة باخر الأنعام فهو: أنه تقدم هناك: وَأَنَّ هذا صِراطِي مُسْتَقِيماً فَاتَّبِعُوهُ [الأنعام: ١٥٣] وقوله تعالى: وَهذا كِتابٌ أَنْزَلْناهُ مُبارَكٌ [الأنعام: ١٥٥] فافتتح هذه السورة أيضا باتباع الكتاب في قوله جل شأنه: كِتابٌ أُنْزِلَ إِلَيْكَ [الآية ٢] إلى اتَّبِعُوا ما أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ [الآية ٣] . وأيضا لمّا تقدم تعالى في الأنعام: ثُمَّ يُنَبِّئُهُمْ بِما كانُوا يَفْعَلُونَ (١٥٩) ثُمَّ إِلى رَبِّكُمْ مَرْجِعُكُمْ فَيُنَبِّئُكُمْ بِما كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ (١٦٤) . قال في مفتتح هذه السورة: فَلَنَسْئَلَنَّ الَّذِينَ أُرْسِلَ إِلَيْهِمْ وَلَنَسْئَلَنَّ الْمُرْسَلِينَ (٦) . فَلَنَقُصَّنَّ عَلَيْهِمْ بِعِلْمٍ [الآية ٧] . وذلك شرح التنبئة المذكورة. وأيضا فلمّا قال سبحانه في الأنعام: مَنْ جاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثالِها [الأنعام: ١٦٠] . وذلك لا يظهر إلا في الميزان، افتتح هذه السورة بذكر الوزن، فقال: وَالْوَزْنُ يَوْمَئِذٍ الْحَقُّ [الآية ٨] ثمّ ذكر من ثقلت موازينه، وهو من زادت حسناته على سيّئاته، ثمّ من خفّت موازينه، وهو من زادت سيّئاته على حسناته ثمّ ذكر بعد ذلك أصحاب الأعراف، وهم قوم استوت حسناتهم وسيّئاتهم.

стр. 676

المبحث الرابع مكنونات سورة «الأعراف» «١» ١- فَأَذَّنَ مُؤَذِّنٌ [الآية ٤٤] . في «تفسير أبي حيّان «٢» » . قيل: هو إسرافيل. وقيل: جبريل. وقيل ملك غير معيّن. ٢- وَعَلَى الْأَعْرافِ رِجالٌ [الآية ٤٦] . ورد في أحاديث مرفوعة أنهم قوم استوت حسناتهم وسيئاتهم «٣» . أخرجه ابن مردويه، وأبو الشيخ من حديث جابر بن عبد الله، والبيهقي في «البعث» من حديث حذيفة. وأخرجه سعيد بن منصور، وعبد الرزاق «٤» ، وغيرهما عن حذيفة موقوفا «٥» . وأخرجه ابن أبي حاتم عن ابن عباس موقوفا. وأخرج الطبراني «٦» من حديث أبي سعيد الخدري، والبيهقي من حديث أبي هريرة مرفوعا، أنهم قوم قتلوا في سبيل الله، وهم عصاة لآبائهم.

стр. 677

وأخرج البيهقي عن أنس مرفوعا: أنهم مؤمنو الجنة. وأخرج هو، وأبو الشيخ من طريق سليمان التيمي، عن أبي مجلز «١» : أنهم من الملائكة. قال سليمان: قلت لأبي مجلز: الله يقول: (رجال) ، وأنت تقول: (الملائكة) ! قال هم ذكور، ليسوا بإناث «٢» . وأخرج ابن أبي حاتم عن مجاهد قال: هم قوم صالحون، فقهاء، علماء. وأخرج أيضا عن الحسن قال: هم قوم كان فيهم عجب. وأخرج عن مسلم بن يسار قال: هم قوم كان عليهم دين. وفي «العجائب» للكرماني: قيل: هم الأنبياء. وقيل: الملائكة. وقيل: العلماء. وقيل: الصّالحون. وقيل: الشّهداء، وهم عدول الاخرة. وقيل: قوم استوت حسناتهم وسيّئاتهم. وقيل قوم قتلوا في الجهاد عصاة لآبائهم «٣» . وقيل: قوم رضي عنهم آباؤهم، دون أمّهاتهم وأمّهاتهم دون آبائهم. وقيل: هم الذين ماتوا في الفترة، ولم يبدّلوا دينهم. وقيل: أولاد الزنا. وقيل: أولاد المشركين. وقيل: المشركون. انتهى. ٣- فَأَتَوْا عَلى قَوْمٍ يَعْكُفُونَ عَلى أَصْنامٍ لَهُمْ [الآية ١٣٨] .

стр. 678

قال قتادة: أتوا على لخم وجذام «١» . أخرجه ابن أبي حاتم. وأخرج عن أبي قدامة قال: سمعت أبا عمران الجوني، قال: هل تدري من القوم الذين مرّ بهم بنو إسرائيل يَعْكُفُونَ عَلى أَصْنامٍ لَهُمْ؟ قلت: لا أدري! قال: هم قومك: لخم وجذام. ٤- وَواعَدْنا مُوسى ثَلاثِينَ لَيْلَةً وَأَتْمَمْناها بِعَشْرٍ [الآية ١٤٢] . قال ابن عباس: ذو القعدة، وعشر ذي الحجة. أخرجه ابن أبي حاتم من طريق عطاء عنه، وأخرج مثله عن أبي العالية، وغيره. ٥- سَأُرِيكُمْ دارَ الْفاسِقِينَ (١٤٥) . قال مجاهد: مصيرهم في الاخرة. وقال الحسن: جهنّم. أخرجهما ابن أبي حاتم. وقد تصفّحت الرواية الأولى على بعض الكبار، فقال: مصر. ذكره الحافظ أبو الفضل العراقي في «شرح ألفية الحديث» «٢» . ٦- وَسْئَلْهُمْ عَنِ الْقَرْيَةِ الَّتِي كانَتْ حاضِرَةَ الْبَحْرِ [الآية ١٦٣] . قال ابن عباس: هي «أيلة» «٣» . أخرجه ابن أبي حاتم، من طريق عكرمة عنه. وأخرج من وجه آخر عن عكرمة عنه قال: هي قرية يقال لها: «مدين» «٤» بين أيلة والطّور.

стр. 679

وأخرج عن ابن شهاب قال: هي طبرية. وأخرج عن عبد الرحمن بن زيد بن أيلم قال: هي قرية يقال لها: «مقنا» بين مدين وعينونا «١» . ٧- وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِي آتَيْناهُ آياتِنا فَانْسَلَخَ مِنْها [الآية ١٧٥] . قال ابن مسعود: هو بلعم بن أبراء «٢» . أخرجه الطبراني وغيره «٣» . وقال ابن عباس: بلعم. وفي رواية: بلعام بن باعر «٤» ، من بني إسرائيل. أخرجه أبو الشيخ من طرق عنه. وأخرج ابن أبي حاتم، من طريق العوفي عنه قال: هو رجل يدعى بلعم من أهل اليمن. وأخرج الطبراني وابن أبي حاتم، عن عبد الله بن عمرو قال: هو أمية بن أبي الصّلت «٥» . وأخرج ابن أبي حاتم، من طريق قتادة، عن ابن عباس قال: هو صيفي بن الراهب. وأخرج عن الشعبي قال: ابن عباس: هو بلعم بن باعوراء. وتقول ثقيف: هو أمية بن أبي الصلت. وتقول

стр. 680

الأنصار: هو الراهب الذي بني له مسجد الشقاق. وأخرج عن قتادة قال: هذا مثل ضربه الله لمن عرض عليه الهدى، فأبى أن يقبله وتركه. وفي «العجائب» للكرماني: قيل: إنه فرعون. والآيات: آيات موسى. ٨- وَمِمَّنْ خَلَقْنا أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالْحَقِّ وَبِهِ يَعْدِلُونَ (١٨١) . هي هذه الأمّة. أخرجه ابن أبي حاتم عن قتادة من قوله، وعن الربيع بن أنس «١» مرفوعا إلى النبي (ص) مرسلا «٢» . وأخرجه أبو الشيخ عن ابن جريج قال: ذكر لنا أن النبي (ص) قال: «هذه أمتي» . ٩- يَسْئَلُونَكَ عَنِ السَّاعَةِ [الآية ١٨٧] . سمّي منهم: حمل بن قشير، وشمويل بن زيد «٣» . ١٠- هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ واحِدَةٍ وَجَعَلَ مِنْها زَوْجَها [الآية ١٨٩] . الآية كلّها في آدم وحواء. كما أخرجه التّرمذي، والحاكم من حديث سمرة مرفوعا «٤» . وأخرجه ابن أبيّ عن ابن عباس، وغيره.

стр. 681

المبحث الخامس لغة التنزيل في سورة «الأعراف» «١» ١- قال تعالى: فَلا يَكُنْ فِي صَدْرِكَ حَرَجٌ مِنْهُ [الآية ٢] . قالوا: الحرج الشكّ منه، كقوله: فَإِنْ كُنْتَ فِي شَكٍّ مِمَّا أَنْزَلْنا إِلَيْكَ [يونس: ٩٤] . وسمي الشكّ حرجا، لأنّ الشاكّ ضيّق الصدر حرجه، كما أنّ المتيقّن منشرح الصدر منفسحه. أي: لا تشكّ في أنّه منزّل من الله، ولا تحرج من تبليغه «٢» . أقول: والأصل في «الحرج» الضّيق، ولنتسع قليلا في «الحرج» فنقول الحرج والحرج الإثم، والحارج الإثم. والحرج والحرج والمتحرّج: الكافّ عن الإثم. ورجل متحرّج، كقولهم: رجل متأثّم ومتحوّب ومتحنّث، يلقي الحرج والحوب والإثم عن نفسه. قال الأزهري: وهذه حروف جاءت معانيها مخالفة لألفاظها. وأحرجه، أي: آثمه، والتحريج: التضييق. وفي الحديث: «حدّثوا عن بني إسرائيل ولا حرج» . قال ابن الأثير: الحرج في الأصل الضيق، ويقع على الإثم والحرام، وقيل: الحرج أضيق الضيق، ومعناه أي لا بأس عليكم ولا إثم أن تحدّثوا عنهم ما سمعتم.

стр. 682

وحرج صدره يحرج حرجا: ضاق فلم ينشرح لخير، فهو حرج وحرج فمن قال: حرج، ثنّى وجمع، ومن قال: حرج، أفرد لأنه مصدر. وقوله تعالى: يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقاً حَرَجاً [الأنعام: ١٢٥] وحرجا. قال الفرّاء: قرأها عمر وابن عبّاس، حرجا، وقرأ الناس: حرجا. أقول: فإذا فسّرنا الآية موضع بحثنا على «الشكّ» ، فذلك من كون أن الشاكّ ضيّق الصدر متحرّج غير منشرح، ومثل هذا كثير في العربية، ومنه الإصر، وغيره. ٢- وقال تعالى وَكَمْ مِنْ قَرْيَةٍ أَهْلَكْناها فَجاءَها بَأْسُنا بَياتاً أَوْ هُمْ قائِلُونَ (٤) . والمعنى فجاءها بأسنا وهم بائتون، أو هم قائلون، فالمصدر بتأويل الحال، أي: بائتين. ومثل هذه الآية، قوله تعالى: أَفَأَمِنَ أَهْلُ الْقُرى أَنْ يَأْتِيَهُمْ بَأْسُنا بَياتاً وَهُمْ نائِمُونَ (٩٧) . والبيات: البيتوتة مصدر الفعل بات يبيت، وقالوا يبات. والبيتوتة مثل مصادر أخرى وهي الغيبوبة، والصيرورة، والسيرورة، والشيعوعة والقيمومة، والحيلولة، والطيرورة، وكذلك القيلولة. وكنت لحظت في أن هذه المصادر، تلمح إلى أن أصل الفعل الأجوف هو المضاعف الثلاثي ألا ترى أنّنا نقول ضير وضرّ وضرر، وغبّ وغيب، وجبّ وجيب ولو استقريت سائر هذه المواد بشيء من لطف الصنعة، لوصلت الى هذه النتيجة التي لمحناها. ثم ماذا عن القيلولة التي ترجع إليها كلمة «قائلون» في الآية؟ القائلة: الظهيرة، يقال: أتانا عند القائلة، وقد تكون بمعنى القيلولة أيضا، وهي النّوم في الظهيرة. وفي «المحكم» : أن القائلة نصف النهار، والقيلولة نصف النهار، وقال يقيل قيلا ومقالا ومقيلا، الأخيرة عن سيبويه. وكأن المعاصرين قد ابتعدوا قليلا حينما أضافوا كلمة «نوم» الى «القيلولة» ، فقالوا: نوم القيلولة، ويريدون بذلك نوم الظهيرة. ٣- وقال تعالى: وَالْوَزْنُ يَوْمَئِذٍ الْحَقُّ فَمَنْ ثَقُلَتْ مَوازِينُهُ فَأُولئِكَ هُمُ

стр. 683

الْمُفْلِحُونَ (٨) وَمَنْ خَفَّتْ مَوازِينُهُ فَأُولئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ بِما كانُوا بِآياتِنا يَظْلِمُونَ (٩) . والمراد: وزن الأعمال والتمييز بين راجحها وخفيفها، والمعنى: والوزن يوم يسأل الله الأمم ورسلهم الوزن الحقّ، أي: العدل. ومن ثقلت موازينه، أي: من رجحت أعماله الموزونة، وهي الحسنات فهو من المفلحين، ومن خفّت موازينه إشارة الى سيئاته، فقد خسر نفسه. أقول: وصف الحسنات وأعمال الخير بالثّقل حينما توزن تعبير جميل، ما زال أهل عصرنا يستخدمون شيئا منه فيقولون رجل ذو وزن، أي: ذو قدر عظيم ومكانة، ويقولون في دارجتهم العامّية، فلان موزون بالمعنى نفسه، ويقال في طائفة من الألسن الدارجة: هو ثقيل بإبدال القاف كافا ثقيلة «ثكيل» وبكسر الثاء، وهي لغة قديمة في فعيل، إنها لغة تميم. على أن الفصيحة تأبى الوصف ب «الثقيل» ، لهذا المعنى وهو: من رجحت موازينه، والثقيل في الفصيحة القديمة والمعاصرة البليد الجامد الحسّ. على أن الفصيحة قد شاع فيها «ثقل الموازين» ، لمن كثرت حسناته ورجحت أعماله الحسنة، ويحسن بنا أن نشير إلى أن «الخفيف» قد يكون صفة إيجابية في العربية الفصيحة، فيقال: فلان خفيف الظل، ويكون صفة غير مقبولة في الألسن الدارجة. فالرجل الخفيف هو غير الرزين العاقل المستحي، وهو الشعشاع غير المتأدّب المتحرّج. ٤- وقال تعالى: قالَ فَاهْبِطْ مِنْها فَما يَكُونُ لَكَ أَنْ تَتَكَبَّرَ فِيها فَاخْرُجْ إِنَّكَ مِنَ الصَّاغِرِينَ (١٣) . المعنى: فما يصحّ لك ان تتكبّر فيها وتعصي. وهذا من لطيف استعمال الفعل «يكون» وهو شيء آخر غير «كان» ذات العمل الخاص، وهو رفع المسند إليه ونصب المسند. والمراد ب «الصاغرين» أهل الصّغار والهوان. والصّغار: الذّلّ والضّيم وكذلك الصّغر، والمصدر الصّغر بالتحريك وصغر فلان يصغر صغرا وصغارا فهو صاغر، إذا رضي بالضيم.

стр. 684

قال تعالى: حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صاغِرُونَ (٢٩) [التوبة] . أي: أذلّاء. أقول: فرّق في العربية بين الفعل ذي الدلالة المحسوسة، والفعل ذي الدلالة المجرّدة أو المعنوية، فالصّغر ضد الكبر، وهو في الجسم والسن، والصّغر والصّغار، الذل والهوان، والفعل صغر في الأول، وصغر في الثاني. ٥- وقال تعالى: ثُمَّ لَآتِيَنَّهُمْ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ وَعَنْ أَيْمانِهِمْ وَعَنْ شَمائِلِهِمْ [الآية ١٧] . الأيمان جمع يمين وهو الجهة اليمنى، والشّمائل جمع شمال وهو الجهة اليسرى. وكذلك اليد اليمين، واليد الشّمال وفلان ينعم بيمينه، ويقبض بشماله. والشّمال: الطّبع، والجمع شمائل أيضا، والشّمال: الخلق. وقلّما نجد كلمة «الشمال» في كلامهم بل نجدها مفردة. على أن الشّمال قد وردت في الشعر، قال عبد يغوث بن وقاص: ألم تعلما أن الملامة نفعها قليل، وما لومي أخي من شماليا وقال صخر بن عمرو الشريد أخو الخنساء: أبى الشّتم أنّي قد أصابوا كريمتي وأن ليس إهداء الخنى من شماليا وقال آخر: هم قومي وقد أنكرت منهم شمائل بدّلوها من شمالي أمّا الريح التي تهبّ من جهة الشمال فهي شمال، وشمأل وشأمل. ٦- وقال تعالى: قالَ اخْرُجْ مِنْها مَذْؤُماً مَدْحُوراً [الآية ١٨] . وقوله تعالى: «مذءوما» من ذأمه إذا ذمّه. أقول: والذأم، مهموزا: الذّمّ ومثله الذّام. ومن هنا نلمح القرابة بين المهموز والأجوف والمضاعف، وكنا قد أشرنا إلى الصلة بين المضاعف والأجوف، ومنه الذّامّ والذّم. ٧- وقال تعالى: وَقاسَمَهُما إِنِّي لَكُما لَمِنَ النَّاصِحِينَ (٢١) . أي: وأقسم لهما إِنِّي لَكُما لَمِنَ النَّاصِحِينَ (٢١) .

стр. 685

فإن قلت: المقاسمة أن تقسم لصاحبك ويقسم لك، تقول: قاسمت فلانا: حالفته، وتقاسما، تحالفا، ومنه قوله تعالى: قالُوا تَقاسَمُوا بِاللَّهِ لَنُبَيِّتَنَّهُ وَأَهْلَهُ [النّمل: ٤٩] «١» . وأقسمت: حلفت: وأصله من القسامة. وقال ابن عرفة في قوله تعالى: كَما أَنْزَلْنا عَلَى الْمُقْتَسِمِينَ (٩٠) [الحجر] . هم الذين تقاسموا وتحالفوا على كيد الرسول (ص) والقسامة: الذين يحلفون على حقّهم ويأخذون. وفي الحديث: «نحن نازلون بخيف «٢» بني كنانة حيث تقاسموا على الكفر» . وتقاسموا من القسم اليمين، أي تحالفوا، يريد لمّا تعاهدت قريش على مقاطعة بني هاشم وترك مخالطتهم «٣» . أقول: لم يبق لنا من هذه الذخيرة اللغوية في العربية المعاصرة إلّا أقسم من الحلف، أي: اليمين أمّا اقتسم، وقاسم، وتقاسم فكلّه يرجع الى القسم، وهو القطع والقصّ، والقسم: الجزء. ٨- وقال تعالى: وَطَفِقا يَخْصِفانِ عَلَيْهِما مِنْ وَرَقِ الْجَنَّةِ [الآية ٢٢] . أي: وجعلا يخصفان. وقد ورد الفعل طفق في قوله تعالى: وَطَفِقا يَخْصِفانِ عَلَيْهِما مِنْ وَرَقِ الْجَنَّةِ [طه: ١٢١] . وفي قوله تعالى: فَطَفِقَ مَسْحاً بِالسُّوقِ وَالْأَعْناقِ (٣٣) [ص] . هذا كلّ ما نعرف عن استعمال «طفق» في العربية فلم يؤثر استعمالها في غير هذه الآيات الكريمة. وقالوا: طفق بالفتح لغة رديئة، وهي ملازمة لحالة المضيّ فلم يرد يطفق ولا المصدر، فهو نظير كرب، وحرى، وعسى، في أنها وردت جامدة على هذه الهيئة، وليس من أبنية أخرى. ٩- وقال تعالى

стр. 686

يا بَنِي آدَمَ قَدْ أَنْزَلْنا عَلَيْكُمْ لِباساً يُوارِي سَوْآتِكُمْ وَرِيشاً [الآية ٢٦] . و «الريش» : لباس الزينة استعير من ريش الطير، لأنه لباسه وزينته، أي: أنزلنا عليكم لباسين: لباسا يواري سوآتكم، ولباسا يزينكم. قرأ عثمان، ﵁: ورياشا، جمع ريش. أقول: والرّيش والرّياش: الخصب والمعاش والمال والأثاث واللباس الحسن الفاخر. وأكبر الظن، أنّ هذه المعاني قد جاءت من «الريش» في الآية الكريمة التي تفيد الزينة. والرّياش في عصرنا، تفيد ما يفرش من البسط والزرابيّ، ونحو ذلك. ١٠- وقال تعالى إِنَّهُ يَراكُمْ هُوَ وَقَبِيلُهُ مِنْ حَيْثُ لا تَرَوْنَهُمْ [الآية ٢٧] . المراد ب «قبيله» جنوده من الشياطين. والقبيل: الجماعة من الناس، يكونون من الثلاثة فصاعدا، من قوم شتّى كالزّنج والرّوم والعرب وقد يكونون من نحو واحد وربما كان القبيل من أب واحد كالقبيلة. وللقبيل دلالات أخرى هي: يقال: ما يعرف قبيلا من دبير: يريد القبل والدّبر. والقبيل: طاعة الرّبّ تعالى، والدبير معصيته. والقبيل: باطن الفتل والدبير ظاهره، أو ما أقبل به على الصدر، والدبير: ما أدبر به عنه. والقبيل: فوز القدح في القمار، والدبير: خيبة القدح. والقبيل: الكفيل والعريف. على أنّنا لا نملك من كلّ هذه المادّة في هذه الدّلالات إلّا شيئا واحدا، لا نجد له أصلا واضحا قديما وذلك قولهم مثلا: اجتمعت أشياء كثيرة في البيت، من أثاث ورياش ولباس وغير ذلك من هذا القبيل، أي من هذه الأشياء وما يشبهها. ١١- وقال تعالى حَتَّى يَلِجَ الْجَمَلُ فِي سَمِّ الْخِياطِ [الآية ٤٠] . الجمل معروف وهو الحيوان. ولنرجع إلى القراآت، فقد ذكر أنّ ابن عباس قرأ: (حتى يلج الجمّل) ، بضم فتشديد، وهي الحبال المجموعة. وروي عن أبي طالب أنه قال: رواه القرّاء (الجمّل) بتشديد الميم، قال: ونحن نظن أنه أراد التخفيف.

стр. 687

قال أبو طالب: وهذا لأن الأسماء إنما تأتي على فعل مخفّف، والجماعة تجيء على فعّل مثل صوّم وقوّم. قال أبو الهيثم: قرأ أبو عمرو والحسن وهي قراءة ابن مسعود: حتى يلج الجمل، مثل النّغر في التقدير. فأما الجمل بالتخفيف فهو الحبل الغليظ، وكذلك (الجمّل) مشدّد، وهما قراءتان لابن عبّاس. قال ابن جني: هو الجمل على مثال نغر، والجمل على مثال قفل، والجمل على مثال طنب، والجمل على مثال مثل. قال ابن برّي: وعليه فسّر قوله تعالى حَتَّى يَلِجَ الْجَمَلُ فِي سَمِّ الْخِياطِ، فأمّا الجمل فجمع جمل، كأسد وأسد. والجمل: الجماعة من الناس. وحكي عن عبد الله وأبيّ: حتى يلج الجمّل. أقول: لقد عدل عن الجمل، وهو الحيوان إلى الجمل والجمّل وهو الحبل الغليظ والعدول وجه مقبول. وأما الخياط فهو المخيط، والخياط بوزن فعال، من أوزان الآلة والأداة نحو الصّمام، والقناع، والعفاص، والوكاء، والسّداد واللّثام وكثير غير ذلك. ولعل هذا من الأبنية القديمة قبل أن يكون للالة أبنية قياسية هي: مفعل، ومفعلة، ومفعال نحو مبرد، ومجرفة، ومكسار. ١٢- وقال تعالى: وَنادى أَصْحابُ الْجَنَّةِ أَصْحابَ النَّارِ أَنْ قَدْ وَجَدْنا ما وَعَدَنا رَبُّنا [الآية ٤٤] . قالوا: «أن» ، في قوله تعالى أَنْ قَدْ وَجَدْنا يحتمل أن تكون مخفّفة من الثقيلة، وأن تكون مفسّرة كالتي في الآية السابقة. وَنُودُوا أَنْ تِلْكُمُ الْجَنَّةُ [الآية ٤٣] . أقول: أن تكون مفسّرة أوجه، ذلك أنها تتصدّر الكلام الذي نودي به ولعلّهم جعلوها مخفّفة من الثقيلة، لأن الجملة التي جاءت بعدها قد صدّرت ب «قد» ، وعندهم أنّ المخففة إن وقع خبرها جملة فعلية، فلا يخلو: إما أن يكون الفعل متصرّفا أو غير متصرف، فإن كان غير متصرف لم يؤت بفاصل وإن كان متصرّفا غير دعاء، فصل بفاصل في الأكثر، والفاصل هو «قد» أو حرف التنفيس، أو حرف نفي، أو لو.

стр. 688

أقول: فلمّا سبق الفعل في الآية المذكورة «قد» ، ذهبوا إلى أنّ «أن» مخفّفة من الثقيلة. والذي يعضد أنها مفسّرة، ما ورد من الآيات التي صدرت بفعل النداء وهو: نادى، ونودوا، كما في الآية الثالثة والأربعين من هذه السورة، وقد أشرنا إلى ذلك، والآية السادسة والأربعين، من هذه السورة أيضا، وفيها قوله تعالى: وَنادَوْا أَصْحابَ الْجَنَّةِ أَنْ سَلامٌ عَلَيْكُمْ والآية الخمسين من السورة نفسها، وفيها قوله تعالى: وَنادى أَصْحابُ النَّارِ أَصْحابَ الْجَنَّةِ أَنْ أَفِيضُوا عَلَيْنا مِنَ الْماءِ. ١٣- وقال تعالى: وَعَلَى الْأَعْرافِ رِجالٌ يَعْرِفُونَ كُلًّا بِسِيماهُمْ [الآية ٤٦] . «الأعراف» ، أعراف الحجاب، وهو السور المضروب بين الجنّة والنار، وهي أعاليه، جمع عرف، استعير من عرف الفرس وعرف الديك. أقول: وهذا من معالم الاخرة التي أثبتتها لغة التنزيل كالصّراط وعلّيّين، وغيرهما. ١٤- وقال تعالى: وَعَلَى الْأَعْرافِ رِجالٌ يَعْرِفُونَ كُلًّا بِسِيماهُمْ [الآية ٤٦] . السيما: هي العلامة التي أعلمهم الله تعالى بها. وقد جاءت «السيما» في ست آيات من سور مختلفة بهذا المعنى الذي ذكرناه، ومنها: سِيماهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ [الفتح: ٢٩] . ولقد أدرج أهل المعجمات «السيما» في «سوم» وقالوا فيها: والسّومة والسّيمة والسّيماء والسّيمياء: العلامة، وسوّم الفرس: جعل عليه السيّمة، أي: العلامة، وقالوا: إنّ «السّيما» ياؤها واو. وللكلمة عدّة صيغ، ومنها المدّ «سيماء» وهي لغة. قلت: أدرج أهل المعجمات هذه الكلمة في «سوم» ، وهي ألصق ب «الوسم» وليس شيئا أن يحدث القلب في الأصوات في الكلمات العربية، ألا ترى أنهم قالوا: ساوى وواسى مثلا «١» . ١٥- وقال تعالى:

стр. 689

حَتَّى إِذا أَقَلَّتْ سَحاباً ثِقالًا سُقْناهُ لِبَلَدٍ مَيِّتٍ فَأَنْزَلْنا بِهِ الْماءَ [الآية ٥٧] . قال الزمخشري «١» : سحائب ثقالا بالماء جمع سحابة. والضمير في «سقناه» يرجع للسحاب على اللفظ، ولو حمل على المعنى كالثقال لأنث كما لو حمل الوصف على اللفظ لقيل ثقيلا. أقول: السّحاب في العربية يراعى فيه اللفظ في الغالب، أي: أنه مفرد كالماء والهواء، وإن كان في الحقيقة شيئا لا يتبيّن فيه الإفراد من الجمع، وهو شيء كثير كالغمام والماء والهواء، ولكثرته روعي المعنى في الآية، فجاء الوصف «ثقالا» ، بصيغة الجمع. ثم جاء الضمير فعاد على السحاب في لفظه المفرد، فبدا هذا النمط الخاص في الآية من المراعاة. أقول: هذه من خصائص لغة القرآن التي احتفظت بخصائص العربية القديمة. ١٦- وقال تعالى: قالَ الْمَلَأُ مِنْ قَوْمِهِ إِنَّا لَنَراكَ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ (٦٠) . «الملأ» في الآية تعني: الأشراف والسادة، وقيل: الرجال ليس معهم نساء. وسمّوا بذلك لأنهم ملاء بما يحتاج إليه. أقول: ولنا أن نقول إن الفعل ملؤ يملؤ ملاءة فهو مليء، أي: صار مليئا، أي: ثقة. هذا هو المليء وهو ليس بعيدا من جماعة «الملأ» ، ولكن المعاصرين استعملوه بمعنى «ملئان» و «مملوء» . ١٧- قالَ يا قَوْمِ لَيْسَ بِي ضَلالَةٌ [الآية ٦١] . أقول إن كلمة «قوم» منادى مضاف إلى ياء المتكلم، فهو «يا قومي» ، غير أن العربية في أدائها السليم، تفرض أن يجتزأ بالكسرة عن المدّ الطويل وهو الياء، وأرى أن ذلك بسبب طول الكلمة، فأداة النداء «يا» ، تشتمل على مدّ طويل، يكون هو والمنادى تركيبا طويلا لا يحتمل الياء الأخيرة، فقصر المدّ، واكتفي بالكسرة، ومثله: يا ربّ، ثم استحسن هذا الحذف فبقيت «ربّ» في لغة الدعاء مع حذف «يا» منها.

стр. 690

١٨- وقال تعالى: إِنَّهُمْ كانُوا قَوْماً عَمِينَ (٦٤) . لم يجئ الجمع «عميا» جمع أعمى، ولا عميانا، وإنما جاء «عمين» جمعا ل «عم» ، وهو الصفة على «فعل» ، لتجمع بالياء والنون على شاكلة أواخر الآيات (الفواصل) ، مختومة بالنون. فقد جاءت الفواصل بالنون فهي ترحمون، وتعلمون، وتفلحون وغيرها. وقالوا: وقرئ عامين، وقالوا: إن «العمي» يدلّ على عمى ثابت، والعامي على عمى حادث. ومن النادر أن يأتي الوصف على «فاعل» من الفعل اللازم على «فعل» مثل «فرح» فهو ضجر ولا يقال ضاجر، وهو طرب ولا يقال طارب، وهو حزن ولا يقال حازن، ولكنهم قالوا: عام وعم على السواء وهذا من لطائف العربية. ١٩- وقال تعالى: فَاذْكُرُوا آلاءَ اللَّهِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (٦٩) . الآلاء: النّعم، والمفرد ألى وإلى وإلي. والعجيب أن الكلمة لا نراها إلا جمعا فأمّا قول الأعشى: أبيض لا يرهب الهزال ولا يقطع رحما، ولا يخون إلا فنادر، لا نجد له شاهدا آخر، وقال فيه ابن سيده: يجوز أن يكون «إلا» هنا واحد آلاء الله، ويجوز ان يكون مخفّفا من الإلّ الذي هو العهد. أقول: وقد يشيع في العربية الجمع، وينسى المفرد نحو «أرجاء» ، وقلّما يوجد «رجا» مستعملا، ومثله «آناء» كآناء الليل، وقلما نجد «إنّى» وهو المفرد. ٢٠- وقال تعالى: وَإِلى عادٍ أَخاهُمْ هُوداً [الآية ٦٥] . قال الزمخشري: و «أخاهم» عطف على «نوحا» . أقول: كيف يجوز عطف على معطوف عليه قبله بكلام طويل، أي في قوله تعالى: لَقَدْ أَرْسَلْنا نُوحاً إِلى قَوْمِهِ (٥٩) . والذي أراه أن «أخاهم» في الآية الخامسة والستين، منصوب بفعل محذوف للعلم به، وهو «أرسلنا» ، فكأننا نقرأ: وإلى عاد أرسلنا أخاهم هودا. ونستطيع أن نقول مثل هذا في قوله تعالى:

стр. 691

وَإِلى ثَمُودَ أَخاهُمْ صالِحاً [الآية ٧٣] أي: أرسلنا أخاهم صالحا. ٢١- وقال تعالى: وَلا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ (٧٤) . قرأ جميع القراء «تعثوا» بفتح الثاء من عثي يعثى عثوّا، وهو أشدّ الفساد. وفي الفعل «عثي» لغتان: هما عثا يعثو عثوّا، وعاث يعيث عيثا، ولم يقرأ بهما. أقول: وليس لنا من هذا الفعل في العربية المعاصرة إلّا عاث يعيث. وحقيقة عثي يعثى، مقلوب عاث يعيث، كما قال كراع. ولكنهم قالوا: إن اللغة الجيدة عثي يعثى. وقد كنا عرضنا لهذا الفعل في آية سابقة. ٢٢- وقال تعالى: فَأَنْجَيْناهُ وَأَهْلَهُ إِلَّا امْرَأَتَهُ كانَتْ مِنَ الْغابِرِينَ (٨٣) . أي: من الذين غبروا في ديارهم، أي: بقوا فهلكوا، والتذكير لتغليب الذكور على الإناث. وغبر الشيء يغبر غبورا: مكث وذهب وغبر الشيء: بقي. والغابر: الباقي، والغابر: الماضي. ومن هنا قالوا: هو من الأضداد. أقول: ولعلّ هذا كلّه جاء من أنّ الغابر، باقيا أو ماضيا، إنّما يكون سائرا عابرا: أي: متحرّكا. ومن هنا كانت العلاقة بين غبر، وعبر علاقة أصيلة. ٢٣- وقال تعالى: رَبَّنَا افْتَحْ بَيْنَنا وَبَيْنَ قَوْمِنا بِالْحَقِّ وَأَنْتَ خَيْرُ الْفاتِحِينَ (٨٩) . أي: ربّنا احكم بيننا، والفتاحة الحكومة، أي الحكم بين المتخاصمين، أو أظهر أمرنا حتّى يتفتّح ما بيننا وبين قومنا. أقول: وهذا من الكلم الشريف الذي اشتملت عليه لغة القرآن، والفتّاح، من صفة الله، هو الحاكم. وهو الفتّاح العليم. والفتّاح من أسماء الله تعالى الحسنى. وفي حديث ابن عباس: ما كنت أدري ما قوله- : رَبَّنَا افْتَحْ بَيْنَنا وَبَيْنَ قَوْمِنا حتّى سمعت بنت ذي يزن تقول لزوجها: تعال أفاتحك، أي: أحاكمك، ومنه: «لا تفاتحوا أهل القدر» ، أي: لا تحاكموهم. أقول: وليس في عربيّتنا المعاصرة

стр. 692

شيء من هذا، فهل أدركنا ضعف هذه اللغة التي صرنا إليها؟ فكيف يراد لها أن تكون لغة العصر والحضارة الجديدة، بغير الجد والعمل الدائب والرجوع الى الأصول! ٢٤- وقال تعالى: حَقِيقٌ عَلى أَنْ لا أَقُولَ عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ [الآية ١٠٥] . قال الزمخشري «١» : حَقِيقٌ عَلى أَنْ لا أَقُولَ عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ، فيه أربع قراءات: المشهورة، وحقيق عليّ أن لا أقول، وهي قراءة نافع، وحقيق أن لا أقول، وهي قراءة عبد الله، وحقيق بأن لا أقول، وهي قراءة أبيّ. وفي القراءة المشهورة إشكال، ولا تخلو من وجوه: أحدها: أن تكون مما يقلب من الكلام لأمن الإلباس كقوله: نزلت بخيل لا هوادة بينها ... وتشقى الرّماح بالضّياطرة الحمر ومعناه: وتشقى الضياطرة بالرّماح. والثاني: أن ما لزمك فقد لزمته، فلما كان قول الحق حقيقا عليه، كان هو حقيقا على قول الحق، أي: لازما له. والثالث: أن يضمّن «حقيق» معنى حريص كما ضمّن «هيّجني» معنى «ذكّرني» في بيت الكتاب «٢» . والرابع: وهو الأوجه والأدخل في نكت القرآن: أن يغرق موسى في وصف نفسه بالصدق في ذلك المقام، ولا سيما وقد روي أن عدو الله فرعون قال له لما قال: «إني رسول من ربّ العالمين» : كذبت، فيقول: أنا حقيق على قول الحق، أي: واجب علي قول الحق، أن أكون أنا قائله والقائم به، ولا يرضى إلّا بمثلي ناطقا به. ٢٥- وقال تعالى: لَأُقَطِّعَنَّ أَيْدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ مِنْ خِلافٍ [الآية ١٢٤] . «من خلاف» ، أي من كل شقّ طرفا، وهذا يعني قطع اليد اليمنى مع الرجل اليسرى. فكلمة «الخلاف» مصطلح تاريخي خاص.

стр. 693

٢٦- وَلَقَدْ أَخَذْنا آلَ فِرْعَوْنَ بِالسِّنِينَ [الآية ١٣٠] . المراد ب «السنين» سنين القحط. والسنة من الأسماء الغالبة كالدّابّة والنجم، ونحو ذلك وقد اشتقوا منها، فقالوا: أسنت القوم، بمعنى أقحطوا. أقول: إن دلالة «السنة» على القحط، وصيرورتها من الأسماء الغالبة كالدّابة والنّجم، إنما جاءت في الأصل من الوصف أو الإضافة، كأن يقال: سنة شديدة أو سنة قحط، ثم جرّدت من الوصف أو الإضافة للعلم بها وشيوعها، فصارت «سنة» ، وقد يشير الى صحة هذا التعليل ما يقال لدى العامة من أن «السنة سنة» ، يريدون بها سنة شديدة تأخذ بخناقهم. قال، وقد اشتقوا منها: أسنت القوم بمعنى أقحطوا وقد كنا أشرنا إلى هذا. قلت: ومن ذلك قول ابن الزّبعرى: عمرو العلا هشم الثريد لقومه ورجال مكّة مسنتون عجاف ولنسرّح الطرف في سعة هذه المفردة الغنية، فماذا فيها؟: قالوا: أسنى القوم إذا أقاموا سنة في موضع. ويقال: تسنّت فلان كريمة آل فلان، إذا تزوّجها في سنة القحط. وجاء في «الصحاح» : يقال تسنّتها إذا تزوّج رجل لئيم امرأة كريمة لقلّة مالها، وكثرة ماله. والسّنتة والمسنتة: الأرض التي لم يصبها مطر فلم تنبت. قال أبو حنيفة: فإن كان بها يبيس من يبيس عام أوّل، فليست بمسنتة ولا تكون مسنتة حتى لا يكون بها شيء. وعام سنيت ومسنت: جدب. وسانتوا الأرض: تتبّعوا نباتها. أقول: وإذا كانت العربية قد أفادت من التاء في «السنة» فولدت هذه الفوائد الكثيرة، فقد أفادت من «الهاء» «١» ،

стр. 694

وهي نظيرة التاء، وكلاهما علامة تأنيث فولّدت فوائد أخرى هي هذه: قالوا: سنهت النخلة وتسنّهت إذا أتى عليها السّنون. ولقد ابتعد اللغويون المتقدّمون في النظر الى المواد الثنائية، مثل شفة وسنة وعضة وغيرها وزعموا أنها ثلاثية حذفت لامها، واللام إما هاء وإما واو على خلاف بينهم، ولذلك قالوا: تسنّهت فجعلوا اللام هاء، وقالوا تسنّيت عنده إذا أقمت عنده سنة، وكأن اللام واو لقولهم في التصغير سنيّة، وفي الجمع سنوات، والذي ذهب الى الهاء قال: سنيهة في التصغير وسنهات في الجمع. وعندي، أنّ الفوائد اللغوية التي جاءت فيها الهاء، قامت على اعتبار هاء التأنيث أصلا، كما عدّت التاء أصلا، وهي للتأنيث. وكما قالوا تسنّهت عنده، قالوا تسنّيت إذا أقمت عنده سنة. وقالوا: سانهه مسانهة وسناها، أي: عامله بالسنة أو استأجره لها. وسانهت النخلة، وهي سنهاء: حملت سنة ولم تحمل أخرى، قال سويد بن الصامت: فليست بسنهاء ولا رجّبيّة ... ولكن عرايا في السنين الجوائح والسّنهاء: التي أصابتها السنة المجدبة، وقد تكون النخلة التي حملت عاما ولم تحمل آخر، وقد تكون التي أصابها الجدب، وأضرّ بها فنفى ذلك عنها. وقالوا: طعام سنه وسن إذا أتت عليه السّنون وسنه الطعام والشراب سنها وتسنّة: تغيّر، وقال تعالى: فَانْظُرْ إِلى طَعامِكَ وَشَرابِكَ لَمْ يَتَسَنَّهْ [البقرة: ٢٥٩] . والتّسنّه: التّكرّج الذي يقع على الخبز، والشّراب وغيره. وقرئت الآية: (لم يتسنّ) لمن نظر الى أنّ الواو هي لام الكلمة في الأصل. وكثير من هذا قد كنا أشرنا إليه في آيات سابقة. ٢٧- وقال تعالى: وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَطَّيَّرُوا بِمُوسى وَمَنْ مَعَهُ، أَلا إِنَّما طائِرُهُمْ عِنْدَ اللَّهِ [الآية ١٣١] .

стр. 695

يطّيّروا، أي: يتطيّروا، أي: يتشاءموا. و «طائرهم عند الله» أي: سبب خيرهم وشرّهم عند الله. وأصل الطائر: ما تيمّنت به أو تشاءمت، وأصله في الجناح. وقالوا للشيء يتطيّر به من الإنسان وغيره: طائر الله لا طائرك. فرفعوه على إرادة: هذا طائر الله، وفيه معنى الدعاء، وإن شئت نصبت أيضا. وقال ابن الأنباري: معناه فعل الله لا فعلك وما تتخوّفه. وقال اللّحياني: يقال: طير الله لا طيرك، وطائر الله لا طائرك، وصباح الله لا صباحك. قال: يقولون هذا كلّه إذا تطيّروا من الإنسان، والنصب على معنى: نحبّ طائر الله، وقيل بنصبهما على معنى أسأل الله طائر الله لا طائرك. والمصدر: الطّيرة. وجرى له الطائر بأمر كذا، وقال : أَلا إِنَّما طائِرُهُمْ عِنْدَ اللَّهِ [الآية ١٣١] المعنى ألا إنّما الشؤم الذي يلحقهم، هو الذي وعدوا به في الاخرة، لا ما ينالهم في الدنيا. ومن هنا كان الطائر الحظّ، وطائر الإنسان عمله الذي قلّده، وقيل: رزقه وهذا يعني، أن الطائر يكون الحظّ في الخير والشر. وفي حديث أمّ العلاء الأنصارية: اقتسمنا المهاجرين، فطار لنا عثمان بن مظعون، أي: حصل نصيبنا منهم عثمان. ومنه حديث رويفع: إن كان أحدنا في زمان رسول الله (ص) ، ليطير له النصل، وللآخر القدح. معناه: إن الرّجلين كانا يقتسمان السّهم فيقع لأحدهما نصله، وللآخر قدحه. وطائر الإنسان: ما حصل له في علم الله مما قدّر له ومنه الحديث: «بالميمون طائره» ، أي: بالمبارك حظّه. ويجوز أن يكون أصله من الطير السانح والبارح. وقوله- وَكُلَّ إِنسانٍ أَلْزَمْناهُ طائِرَهُ فِي عُنُقِهِ [الإسراء: ١٣] . قيل: حظّه، وقيل: عمله. أقول: ولقد أمدّ «الطير» ، وهو من المخلوقات المعروفة العربية بقدر من الفوائد، ذلك أنّهم قرنوا بعضها بالخير

стр. 696

وبعضها بالشر، فكان السانح منها وكان البارح، والسانح ما أتى عن يمينك من ظبي أو طائر، وهو أمارة يمن وخير والبارح ما أتاك من ذلك عن يسارك، وهو أمارة شؤم وشر. ٢٨- وقال تعالى: فَلَمَّا كَشَفْنا عَنْهُمُ الرِّجْزَ إِلى أَجَلٍ هُمْ بالِغُوهُ إِذا هُمْ يَنْكُثُونَ (١٣٥) . «إذا هم ينكثون» جواب «لمّا» ، يعني فلما كشفناه عنهم فأجاءوا «١» النكث، وبادروا لم يؤخّروه، ولكن لمّا كشف عنهم نكثوا. أقول: جاءت الجملة الاسمية من المبتدأ والخبر بعد «إذا» الفجائية، وعلى هذا جرى أسلوب لغة التنزيل. ثم جدّ في العربية منذ أزمان قولهم: خرجت فإذا به ماش في الطريق، والجديد المولّد هو خفض الضمير بالباء وهذا هو الأسلوب المتّبع في العربية المعاصرة. ومثل هذه الآية، قوله تعالى: إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَوْا إِذا مَسَّهُمْ طائِفٌ مِنَ الشَّيْطانِ تَذَكَّرُوا فَإِذا هُمْ مُبْصِرُونَ (٢٠١) . ٢٩- وقال تعالى: إِنَّ هؤُلاءِ مُتَبَّرٌ ما هُمْ فِيهِ وَباطِلٌ ما كانُوا يَعْمَلُونَ (١٣٩) . «إنّ هؤلاء» ، أي: عبدة الأصنام الذين مرّ بهم بنو إسرائيل، ورأوهم يعكفون على أصنام لهم فسألوا موسى (ع) أن يجعل لهم إلها كما لهؤلاء آلهة، فقال كما ورد في التنزيل: إِنَّ هؤُلاءِ مُتَبَّرٌ ما هُمْ فِيهِ، أي: مدمّر مكسّر ما هم فيه، من قولهم: إناء متبرّ إذا كان فضاضا، أي: فتاتا، أو يقال لكسار الذهب: تبر. والمعنى: يتبّر الله ويهدم دينهم الذي هم عليه. وفي حديث علي (ع) عجز حاضر ورأي متبرّ، أي: مهلك، والتّبار الهلاك. وقال- وَكُلًّا تَبَّرْنا تَتْبِيراً (٣٩) [الفرقان] . ٣٠- وقال تعالى: قالَ يا مُوسى إِنِّي اصْطَفَيْتُكَ عَلَى النَّاسِ بِرِسالاتِي وَبِكَلامِي [الآية ١٤٤] . والمعنى اخترتك على أهل زمانك وآثرتك عليهم برسالاتي وبكلامي. والاصطفاء: الاختيار، واصطفاه اختاره، وهو افتعال من الصّفوة، ومنه النبيّ المصطفى- صلوات الله عليه- أي: اصطفاه ربّه، أي: اختاره.

стр. 697

والصفوة، مثلثة الصاد، خيار كل شيء. وقد كان مع الاختيار في الآية الإيثار، وما أرى ذلك إلا من استعمال الخافض «على» . وقد جاء الاصطفاء بمعنى الاختيار مع الإيثار، باستعمال الخافض في عدة آيات هي: قال تعالى: أَصْطَفَى الْبَناتِ عَلَى الْبَنِينَ (١٥٣) [الصافات] . وَاصْطَفاكِ عَلى نِساءِ الْعالَمِينَ (٤٢) [آل عمران] . قالَ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفاهُ عَلَيْكُمْ [البقرة: ٢٤٧] . ونجد هذا الفعل بمعنى الاختيار دون الإيثار، وذلك لخلوّ الآيات من حرف الخفض «على» كما في قوله تعالى: إِنَّ اللَّهَ اصْطَفاكِ وَطَهَّرَكِ [آل عمران: ٤٢] . إِنَّ اللَّهَ اصْطَفى لَكُمُ الدِّينَ [البقرة: ١٣٢] . قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ وَسَلامٌ عَلى عِبادِهِ الَّذِينَ اصْطَفى [النمل: ٥٩] . لَوْ أَرادَ اللَّهُ أَنْ يَتَّخِذَ وَلَداً لَاصْطَفى مِمَّا يَخْلُقُ ما يَشاءُ [الزمر: ٤] . ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنا مِنْ عِبادِنا [فاطر: ٣٢] . وَلَقَدِ اصْطَفَيْناهُ فِي الدُّنْيا [البقرة: ١٣٠] . اللَّهُ يَصْطَفِي مِنَ الْمَلائِكَةِ رُسُلًا وَمِنَ النَّاسِ [الحج: ٧٥] . وَإِنَّهُمْ عِنْدَنا لَمِنَ الْمُصْطَفَيْنَ الْأَخْيارِ (٤٧) [ص] . ٣١- وقال تعالى: وَلَمَّا سُقِطَ فِي أَيْدِيهِمْ وَرَأَوْا أَنَّهُمْ قَدْ ضَلُّوا قالُوا لَئِنْ لَمْ يَرْحَمْنا رَبُّنا وَيَغْفِرْ لَنا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخاسِرِينَ (١٤٩) . والمعنى: ولما اشتدّ ندمهم وحسرتهم على عبادة العجل، لأنّ من اشتدّ ندمه وحسرته، يعضّ يده غمّا، فتصير يده مسقوطا فيها. أقول: وسقط في أيديهم بمعنى وقع البلاء في أيديهم، أي: وجدوه وجدان من يده فيه، يقال ذلك للنادم عند ما يجده مما كان خفي عليه، ويقال: سقط في يده وأسقط، وبغير الألف أفصح. وقيل، معناه: صار الذي كان يضربه، ملقّى في يده. أقول: وهذا من جملة أفعال جاءت

стр. 698

على بناء المفعول مثل: حمّ وغمّ وهرع وهزل وغيرها، وهي مسندة إلى الفاعل في الحقيقة. ٣٢- وقال تعالى: وَأَخَذَ بِرَأْسِ أَخِيهِ يَجُرُّهُ إِلَيْهِ قالَ ابْنَ أُمَّ إِنَّ الْقَوْمَ اسْتَضْعَفُونِي [الآية ١٥٠] . «ابن أمّ» ، منادى حذفت منه أداة النداء، وقرئ بالفتح تشبيها بخمسة عشر، وبالكسر على طرح ياء الإضافة وابن أمي بالياء، وابن إمّ بكسر الهمزة والميم. أقول: قولهم تشبيها بخمسة عشر، أرادوا بها أن «ابن» و «أم» ، قد اتّحدا بالإضافة، فكأنّهما ركّبا تركيبا لازما وقد جرت العربية في المركّبات على تحريكهما بالفتح نحو: بين بين، وصباح مساء، وبيت بيت، وبابا بابا، وهرج مرج، وشذر مذر وغير ذلك. ولا أريد أن أقول كما قال الأقدمون: إنّهم اختاروا الفتحة لخفّتها، ولكن أقول: كذا درجوا عليه، وكذا وردت لغتهم. ٣٣- وقال تعالى: وَلَمَّا سَكَتَ عَنْ مُوسَى الْغَضَبُ أَخَذَ الْأَلْواحَ [الآية ١٥٤] . قال أهل اللغة المراد ب «سكت الغضب» سكن الغضب، وهو قول الزجّاج. وقال المفسّرون يجوز أن يكون المعنى على القلب، أي: سكت موسى عن الغضب كما تقول: أدخلت القلنسوة في رأسي، والمعنى أدخلت رأسي في القلنسوة. أقول: إطلاق السكوت على هدوء الغضب من الاستعارات الجميلة التي حفلت بها لغة التنزيل، فلا حاجة إلى هذا التخريج. ٣٤- وقال تعالى: وَاخْتارَ مُوسى قَوْمَهُ سَبْعِينَ رَجُلًا [الآية ١٥٥] . والمعنى: من قومه سبعين رجلا، فحذف الجار، فأوصل الفعل إلى الاسم، كقوله: ومنّا الذي اختير الرجال سماحة وجودا إذا هبّ الرّياح الزعازع أي: ومنّا الذي اختاره الناس من بين الرجال، ف «الرجال» نصب على نزع الخافض. أقول: إن مسألة نزع الخافض يمكن أن نفسر بها مجيء الأفعال اللازمة التي تأتي متعدية أيضا، فقولهم: التقاه لا بد أن يكون أصله

стр. 699

التقى به. ثم نزع الخافض فأوصل الفعل الى الضمير. ولعل الكثير من الأفعال المتعدية كانت لازمة في الأصل، ثم صير الى هذه الطريقة التماسا للخفة التي آلت إلى الإيجاز. ٣٥- وقال تعالى وَاكْتُبْ لَنا فِي هذِهِ الدُّنْيا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ إِنَّا هُدْنا إِلَيْكَ [الآية ١٥٦] . والمعنى لقوله تعالى هُدْنا إِلَيْكَ تبنا إليك، وهو قول مجاهد، وسعيد بن جبير، وإبراهيم. قال ابن سيدة: عدّاه بإلى لأنّ فيه معنى «رجعنا» ، وقيل: معناه تبنا ورجعنا وقربنا من المغفرة، وكذلك قوله تعالى: فَتُوبُوا إِلى بارِئِكُمْ [البقرة: ٥٤] . أقول: وليس لأهل اللغة أن يعقدوا صلة بين هذا الفعل وبين الفعل «هادوا» في قوله تعالى: إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هادُوا [البقرة: ٦٢، والمائدة: ٦٩، والحج: ١٧] ، ذلك بأن هذا الفعل الأخير يرجع الى «يهود» ، وهو اسم قبيلة نسب إليها اليهود. ولنعد الى مادة «هاد يهود» التي وردت في الآية في كلامنا عليها فنقول: المتهوّد: المتوصّل بهوادة إليه، وهو المتقرّب. والتهويد والتّهواد والتهوّد: الإبطاء في السّير واللين والترفّق. والتهويد: المشي الرّويد كالدّبيب ونحوه، وهو السّير الرفيق. وفي حديث ابن مسعود: «إذا كنت في الجدب، فأسرع السير ولا تهوّد» . أي: لا تفتر، وكذلك التهويد في المنطق، وهو الساكن، يقال: غناء مهوّد، قال الراعي: وخود من اللائي تسمّعن بالضّحى ... قريض الرّدافى بالغناء المهود والتهويد أيضا النوم. وتهويد الشراب: إسكاره. وهوّده الشراب إذا فتّره فأنامه، وقال الأخطل: ودافع عنّي يوم جلّق غمزه ... وصمّاء تنسيني الشراب المهوّدا أقول: إن معنى «هاد» في الآية بمعنى التوبة أو الرجوع في قوله تعالى: إِنَّا هُدْنا إِلَيْكَ، واستفيد هذا المعنى من التضمين، الذي دلّ عليه الخافض «إلى» ، فقد نقل من «السير» وهو المعنى القديم، إلى «التوبة» وهي

стр. 700

«الرجوع» أيضا، فاقتضى استعمال «إلى» . ولمّا كان أصل المعنى السير والترفق، فهو قريب من الفتور، فقالوا: «هوّد الشراب» . ألا ترى أن في ذلك شيئا من مقلوب «هدأ» مثلا؟ ثم من المفيد أن نذكر أن العامة في الحواضر العراقية يقولون: «هوّد الألم» ، في الكلام على الجراحات والأوجاع. ٣٦- وقال تعالى: وَقَطَّعْناهُمُ اثْنَتَيْ عَشْرَةَ أَسْباطاً أُمَماً [الآية ١٦٠] . والمراد ب «الأسباط» القبائل، ومن أجل ذلك قيل: اثْنَتَيْ عَشْرَةَ مطابقة. وحقيقة الأسباط أولاد الولد جمع سبط، والسبط مذكر، ولكنه أريد به القبيلة، وهم أسباط اليهود من ولد يعقوب (ع) . ٣٧- وَقُولُوا حِطَّةٌ [الآية ١٦١] . وَإِذْ قُلْنَا ادْخُلُوا هذِهِ الْقَرْيَةَ فَكُلُوا مِنْها حَيْثُ شِئْتُمْ رَغَداً وَادْخُلُوا الْبابَ سُجَّداً وَقُولُوا حِطَّةٌ نَغْفِرْ لَكُمْ خَطاياكُمْ [البقرة: ٥٨] . وقال الزجّاج: معناه قولوا مسألتنا حطّة، أي: حطّ ذنوبنا عنّا، أو أمرنا حطّة، قال: ولو قرئت (حطّة) بالنصب كان وجها في العربية، كأنه قيل لهم: قولوا احطط عنّا ذنوبنا حطّة، فحرّفوا هذا القول وقالوا لفظة غير هذه اللفظة التي أمروا بها، وجملة ما قالوا أنّه أمر عظيم، سمّاهم الله به فاسقين. وقال الفرّاء: قولوا ما أمرتم به حطّة، أي: هي حطّة، فخالفوا إلى كلام بالنّبطية، فذلك قوله تعالى: فَبَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُوا قَوْلًا غَيْرَ الَّذِي قِيلَ لَهُمْ [البقرة: ٥٩] . وروى سعيد بن جبير عن ابن عباس: أنهم قالوا «حنطة» حينما بدّلوا. ٣٨- وقال تعالى: إِذْ يَعْدُونَ فِي السَّبْتِ إِذْ تَأْتِيهِمْ حِيتانُهُمْ يَوْمَ سَبْتِهِمْ شُرَّعاً [الآية ١٦٣] . والمعنى إذ يتجاوزون حدّ الله فيه، وهو اصطيادهم في يوم السبت، وقد نهوا عنه، وأمروا بأن لا يشتغلوا فيه بغير العبادة. والسّبت: مصدر سبت اليهود، إذا عظّموا سبتهم بترك الصيد والاشتغال بالتعبّد. أقول: السبت من الكلم السامي

стр. 701

القديم، الذي أفادت منه العربية، ودخل في عداد الكلمات المتصرّفة، فكان منه الفعل والمصدر. ٣٩- وقال تعالى: وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكَ لَيَبْعَثَنَّ عَلَيْهِمْ إِلى يَوْمِ الْقِيامَةِ مَنْ يَسُومُهُمْ سُوءَ الْعَذابِ [الآية ١٦٧] . قوله تعالى: تَأَذَّنَ رَبُّكَ بمعنى عزم ربّك، وهو «تفعّل» من الإيذان وهو الإعلام، لأنّ العازم على الأمر يحدّث نفسه به، ويوذنها بفعله، وأجري مجرى فعل القسم، كعلم الله وشهد الله، ولذلك أجيب بما يجاب به القسم، وهو قوله تعالى لَيَبْعَثَنَّ، والمعنى: وإذ حتم ربّك، وكتب على نفسه، ليبعثنّ على اليهود إلى يوم القيامة «١» . ٤٠- وقال تعالى: وَإِذْ نَتَقْنَا الْجَبَلَ فَوْقَهُمْ كَأَنَّهُ ظُلَّةٌ وَظَنُّوا أَنَّهُ واقِعٌ بِهِمْ خُذُوا ما آتَيْناكُمْ بِقُوَّةٍ وَاذْكُرُوا ما فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (١٧١) . قوله تعالى: وَإِذْ نَتَقْنَا الْجَبَلَ فَوْقَهُمْ بمعنى قلعناه ورفعناه، كقوله سبحانه: وَرَفَعْنا فَوْقَكُمُ الطُّورَ [البقرة: ٦٣] . ومنه نتق السّقاء، إذا نفضه ليقتلع الزّبدة منه «٢» . أقول: وهذا من الكلم العربي القديم الذي حفظته لغة القرآن. قالوا: نتقت الغرب من البئر، أي: جذبته بمرّة. وفي الحديث في صفة مكّة والكعبة: أقلّ نتائق الدنيا مدرا. والنّتائق جمع نتيقة، فعيلة بمعنى مفعولة من النّتق، وهو أن يقلع الشيء فيرفعه من مكانه ليرمي به. هذا هو الأصل، وأراد بها هاهنا البلاد لرفع بنائها وشهرتها في موضعها. ٤١- وقال تعالى: مَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِي وَمَنْ يُضْلِلْ فَأُولئِكَ هُمُ الْخاسِرُونَ (١٧٨) . قوله تعالى: فَهُوَ الْمُهْتَدِي حمل على اللفظ، وقوله سبحانه فَأُولئِكَ هُمُ الْخاسِرُونَ، حمل على المعنى. أقول: يريد أن لفظ «من» مفرد في وضعه، جمع في معناه.

стр. 702

والحقيقة أن لفظ «من» يكون مفردا وجمعا في المعنى. وكأن الآية حين حمل الجزء الأخير منها على المعنى، فجاء قوله تعالى فَأُولئِكَ هُمُ الْخاسِرُونَ، كان ذلك مراعاة للسياق الذي درجت عليه السورة، فالفواصل كلها بالنون، ومن أجل ذلك حمل على المعنى. ٤٢- وقال تعالى: وَلِلَّهِ الْأَسْماءُ الْحُسْنى فَادْعُوهُ بِها وَذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمائِهِ [الآية ١٨٠] . قوله تعالى: وَذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمائِهِ، أي واتركوا تسمية الذين يميلون عن الحق والصواب فيها، فيسمّونه بغير الأسماء الحسنى. أقول: اشتهر الإلحاد بأنه الكفر بالله، والإشراك به والشك فيه، وهذا مجاز، حقيقته الميل والعدول عن الشيء، وقد جاء في الآية على الحقيقة. ويعرض للألفاظ ان يشتهر فيها المجاز، وتترك الحقيقة هذا كثير، نتبيّنه في جمهرة كبيرة من الكلم. ٤٣- وقال تعالى: وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا سَنَسْتَدْرِجُهُمْ مِنْ حَيْثُ لا يَعْلَمُونَ (١٨٢) . قوله تعالى: سَنَسْتَدْرِجُهُمْ، أي سنستدنيهم قليلا قليلا إلى ما يهلكهم، ونضاعف عقابهم. أقول: و «الاستدراج» من الكلم المعروف في اللغة المعاصرة، ويراد به استدناء المرء بضرب من الحيلة والمخادعة، لأخذه بشيء، والإفادة منه. ٤٤- وقال تعالى: يَسْئَلُونَكَ كَأَنَّكَ حَفِيٌّ عَنْها [الآية ١٨٧] . السؤال عن الساعة وعن موعدها، وقوله تعالى كَأَنَّكَ حَفِيٌّ عَنْها معناه: كأنك عالم بها. وحقيقته: كأنك بليغ في السؤال عنها، لأن من بالغ في المسألة عن الشيء والتنقير عنه، استحكم علمه فيه ورصن وهذا التركيب، معناه المبالغة. ومنه إحفاء الشارب، واحتفاء البقل: استئصاله. وأحفى في المسألة إذا ألحف. وحفى بفلان وتحفّى به: بالغ في البرّ به «١» وجاء في «الانتصاف» «٢» : وفي

стр. 703

هذا النوع من التكرير نكتة لا تلفى إلّا في الكتاب العزيز ... وذاك أن المعهود في أمثال هذا التكرير أن الكلام إذا بني على مقصد، واعترض في أثنائه عارض، فأريد الرجوع لتتميم المقصد الأول، وقد بعد عهده، طرّي بذكر المقصد الأول لتتصل نهايته ببدايته، وقد تقدّم لذلك في الكتاب العزيز أمثال، وهذا منها، فإنه لما ابتدأ الكلام بقوله تعالى: يَسْئَلُونَكَ عَنِ السَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْساها، ثم، اعترض ذكر الجواب المضمّن في قوله سبحانه: قُلْ إِنَّما عِلْمُها عِنْدَ رَبِّي، إلى قوله بَغْتَةً، أريد تتميم سؤالها عنها بوجه من الإنكار عليهم، وهو المضمّن في قوله جلّ وعلا: كَأَنَّكَ حَفِيٌّ عَنْها وهو شديد التعلق بالسؤال، وقد بعد عهده فطرّي ذكره تطرية عامة ولا نراه أبدا يطرى إلا بنوع من الإجمال، كالتذكرة للأوّل مستغنى عن تفصيله بما تقدّم، فمن ثمّ قيل: يَسْئَلُونَكَ، ولم يذكر المسؤول عنه وهو الساعة، اكتفاء بما تقدم، فلما كرّر السؤال لهذه الفائدة، كرّر الجواب أيضا مجملا، فقيل: قُلْ إِنَّما عِلْمُها عِنْدَ اللَّهِ. أقول: واستعمال «حفيّ» في العربية المعاصرة يكون بتطلّبه الباء حرف جر بعده، فيقال: هو حفيّ بما فاز به. ٤٥- وقال تعالى: قُلِ ادْعُوا شُرَكاءَكُمْ ثُمَّ كِيدُونِ فَلا تُنْظِرُونِ (١٩٥) . قوله تعالى: فَلا تُنْظِرُونِ بكسر النون، اجتزئ بالكسرة عن الياء. لم يكن ذلك من خطّ المصحف الذي جرى على نمط خاص، وإنما كان ذلك لسبب صوتي، هو أنّ أواخر الآيات قد ختمت بالنون في الأسماء والأفعال نحو الشاكرين وصامتين والصالحين ويؤمنون ويشركون وغيرها وإنما حرّكت النون في هذه الآية بالكسرة، كي يستغنى عنها عند الوقف على آخر الآية، فتكون كسائر الفواصل الأخرى ولا يتأتّى ذلك، لو أثبتت الياء. وإذا كان هذا هو السبب في حذف الياء والاستغناء عنها بالكسرة، فما السبب في حذف الياء في الذي يسبق قوله تعالى: فَلا تُنْظِرُونِ، وهو قوله سبحانه: كِيدُونِ؟ الجواب عن هذا: أن الياء حذفت استحسانا لتأتي الكلمة مشاكلة للكلمة الأخرى التي ختمت بها الآية قوله: فَلا تُنْظِرُونِ. والمشاكلة في الأصوات كثيرة في لغة التنزيل، وهي تؤدي غرضا صوتيا

стр. 704

يرمي الى حسن الأداء والتلاوة. ٤٦- وقال تعالى خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجاهِلِينَ (١٩٩) قال الزمخشري «١» : «العفو» ضد الجهد، أي: خذ ما عفا لك من أفعال الناس، وأخلاقهم، وما أتي منهم، وتسهّل من غير كلفة، ولا تداقّهم، ولا تطلب منهم الجهد وما يشقّ عليهم حتى لا ينفروا كقوله (ص) : يسّروا ولا تعسّروا. قال الشاعر: خذي العفو منّي تستديمي مودّتي ... ولا تنطقي في سورتي حين أغضب وقيل: خذ الفضل وما تسهّل من صدقاتهم. أقول: والعفو بهذه الخصوصية المعنوية أصل المعنى، وقولنا: عفو الخاطر، ما جاء سهلا على البديهة من غير قصد ولا رويّة. ٤٧- وقال تعالى: وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ [الآية ٢٠٠] . والمعنى وإما ينخسنّك منه نخس، بأن يحملك بوسوسته على خلاف ما أمرت به، فاستعذ بالله. أقول: النزغ والنخس والنّسغ واحد، وكذلك الندغ. ونزغه: طعنه بيد أو رمح. ونسغت الواشمة بالإبرة. والنغز في الألسن الدراجة كالنسغ بالإبرة، وهو منه على القلب والإبدال. ٤٨- وقال تعالى: وَإِذا لَمْ تَأْتِهِمْ بِآيَةٍ قالُوا لَوْلا اجْتَبَيْتَها [الآية ٢٠٣] . واجتبى الشيء بمعنى جباه لنفسه، أي: جمعه، أو جبي إليه فاجتباه، أي: أخذه. ومعنى قوله تعالى لَوْلا اجْتَبَيْتَها: هلا اجتمعتها، افتعالا من عند نفسك، لأنهم كانوا يقولون: ما هذا إِلَّا إِفْكٌ مُفْتَرىً [سبأ: ٤٣] أو هلّا أخذتها منزلة عليك مقترحة؟ «٢» . وقال ثعلب: معناه: جئت بها من نفسك. وقال الفرّاء: هلّا اجتبيتها، بمعنى هلا اختلقتها وافتعلتها من قبل نفسك.

стр. 705

وقال الزّجّاج في قوله تعالى: وَكَذلِكَ يَجْتَبِيكَ رَبُّكَ [يوسف: ٦] . معناه وكذلك يختارك ويصطفيك. وهذا المعنى يرد في ثماني آيات. أقول: لم يبق شيء من هذا الفعل المفيد في العربية المعاصرة، وكان خليقا بالكتّاب أن يعودوا إليه. ٤٩- وقال تعالى: وَإِذا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا [الآية ٢٠٤] . توجب الآية الاستماع والإنصات، عند قراءة القرآن في الصلاة وغير الصلاة. وقيل: كانوا يتكلّمون في الصلاة، فنزلت. أقول: ألا ترى أن المجرّد من أنصت وهو «نصت» غير وارد في الاستعمال وهو والفعل «صمت» شيء واحد، ثم جاء القلب المكاني ليحدث خصوصية معنوية في أنصت.
следующие страницы →