القديم، الذي أفادت منه العربية، ودخل في عداد الكلمات المتصرّفة، فكان منه الفعل والمصدر.
٣٩- وقال تعالى: وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكَ لَيَبْعَثَنَّ عَلَيْهِمْ إِلى يَوْمِ الْقِيامَةِ مَنْ يَسُومُهُمْ سُوءَ الْعَذابِ [الآية ١٦٧] .
قوله تعالى: تَأَذَّنَ رَبُّكَ بمعنى عزم ربّك، وهو «تفعّل» من الإيذان وهو الإعلام، لأنّ العازم على الأمر يحدّث نفسه به، ويوذنها بفعله، وأجري مجرى فعل القسم، كعلم الله وشهد الله، ولذلك أجيب بما يجاب به القسم، وهو قوله تعالى لَيَبْعَثَنَّ، والمعنى: وإذ حتم ربّك، وكتب على نفسه، ليبعثنّ على اليهود إلى يوم القيامة «١» .
٤٠- وقال تعالى: وَإِذْ نَتَقْنَا الْجَبَلَ فَوْقَهُمْ كَأَنَّهُ ظُلَّةٌ وَظَنُّوا أَنَّهُ واقِعٌ بِهِمْ خُذُوا ما آتَيْناكُمْ بِقُوَّةٍ وَاذْكُرُوا ما فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (١٧١) .
قوله تعالى: وَإِذْ نَتَقْنَا الْجَبَلَ فَوْقَهُمْ بمعنى قلعناه ورفعناه، كقوله سبحانه: وَرَفَعْنا فَوْقَكُمُ الطُّورَ [البقرة: ٦٣] .
ومنه نتق السّقاء، إذا نفضه ليقتلع الزّبدة منه «٢» .
أقول: وهذا من الكلم العربي القديم الذي حفظته لغة القرآن.
قالوا: نتقت الغرب من البئر، أي:
جذبته بمرّة.
وفي الحديث في صفة مكّة والكعبة:
أقلّ نتائق الدنيا مدرا. والنّتائق جمع نتيقة، فعيلة بمعنى مفعولة من النّتق، وهو أن يقلع الشيء فيرفعه من مكانه ليرمي به. هذا هو الأصل، وأراد بها هاهنا البلاد لرفع بنائها وشهرتها في موضعها.
٤١- وقال تعالى: مَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِي وَمَنْ يُضْلِلْ فَأُولئِكَ هُمُ الْخاسِرُونَ (١٧٨) .
قوله تعالى: فَهُوَ الْمُهْتَدِي حمل على اللفظ، وقوله سبحانه فَأُولئِكَ هُمُ الْخاسِرُونَ، حمل على المعنى.
أقول: يريد أن لفظ «من» مفرد في وضعه، جمع في معناه.
стр. 702
والحقيقة أن لفظ «من» يكون مفردا وجمعا في المعنى. وكأن الآية حين حمل الجزء الأخير منها على المعنى، فجاء قوله تعالى فَأُولئِكَ هُمُ الْخاسِرُونَ، كان ذلك مراعاة للسياق الذي درجت عليه السورة، فالفواصل كلها بالنون، ومن أجل ذلك حمل على المعنى.
٤٢- وقال تعالى: وَلِلَّهِ الْأَسْماءُ الْحُسْنى فَادْعُوهُ بِها وَذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمائِهِ [الآية ١٨٠] .
قوله تعالى: وَذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمائِهِ، أي واتركوا تسمية الذين يميلون عن الحق والصواب فيها، فيسمّونه بغير الأسماء الحسنى.
أقول: اشتهر الإلحاد بأنه الكفر بالله، والإشراك به والشك فيه، وهذا مجاز، حقيقته الميل والعدول عن الشيء، وقد جاء في الآية على الحقيقة.
ويعرض للألفاظ ان يشتهر فيها المجاز، وتترك الحقيقة هذا كثير، نتبيّنه في جمهرة كبيرة من الكلم.
٤٣- وقال تعالى: وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا سَنَسْتَدْرِجُهُمْ مِنْ حَيْثُ لا يَعْلَمُونَ (١٨٢) .
قوله تعالى: سَنَسْتَدْرِجُهُمْ، أي سنستدنيهم قليلا قليلا إلى ما يهلكهم، ونضاعف عقابهم.
أقول: و «الاستدراج» من الكلم المعروف في اللغة المعاصرة، ويراد به استدناء المرء بضرب من الحيلة والمخادعة، لأخذه بشيء، والإفادة منه.
٤٤- وقال تعالى: يَسْئَلُونَكَ كَأَنَّكَ حَفِيٌّ عَنْها [الآية ١٨٧] .
السؤال عن الساعة وعن موعدها، وقوله تعالى كَأَنَّكَ حَفِيٌّ عَنْها معناه:
كأنك عالم بها.
وحقيقته: كأنك بليغ في السؤال عنها، لأن من بالغ في المسألة عن الشيء والتنقير عنه، استحكم علمه فيه ورصن وهذا التركيب، معناه المبالغة. ومنه إحفاء الشارب، واحتفاء البقل: استئصاله.
وأحفى في المسألة إذا ألحف.
وحفى بفلان وتحفّى به: بالغ في البرّ به «١» وجاء في «الانتصاف» «٢» : وفي
стр. 703
هذا النوع من التكرير نكتة لا تلفى إلّا في الكتاب العزيز ... وذاك أن المعهود في أمثال هذا التكرير أن الكلام إذا بني على مقصد، واعترض في أثنائه عارض، فأريد الرجوع لتتميم المقصد الأول، وقد بعد عهده، طرّي بذكر المقصد الأول لتتصل نهايته ببدايته، وقد تقدّم لذلك في الكتاب العزيز أمثال، وهذا منها، فإنه لما ابتدأ الكلام بقوله تعالى: يَسْئَلُونَكَ عَنِ السَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْساها، ثم، اعترض ذكر الجواب المضمّن في قوله سبحانه:
قُلْ إِنَّما عِلْمُها عِنْدَ رَبِّي، إلى قوله بَغْتَةً، أريد تتميم سؤالها عنها بوجه من الإنكار عليهم، وهو المضمّن في قوله جلّ وعلا: كَأَنَّكَ حَفِيٌّ عَنْها وهو شديد التعلق بالسؤال، وقد بعد عهده فطرّي ذكره تطرية عامة ولا نراه أبدا يطرى إلا بنوع من الإجمال، كالتذكرة للأوّل مستغنى عن تفصيله بما تقدّم، فمن ثمّ قيل: يَسْئَلُونَكَ، ولم يذكر المسؤول عنه وهو الساعة، اكتفاء بما تقدم، فلما كرّر السؤال لهذه الفائدة، كرّر الجواب أيضا مجملا، فقيل: قُلْ إِنَّما عِلْمُها عِنْدَ اللَّهِ.
أقول: واستعمال «حفيّ» في العربية المعاصرة يكون بتطلّبه الباء حرف جر بعده، فيقال: هو حفيّ بما فاز به.
٤٥- وقال تعالى: قُلِ ادْعُوا شُرَكاءَكُمْ ثُمَّ كِيدُونِ فَلا تُنْظِرُونِ (١٩٥) .
قوله تعالى: فَلا تُنْظِرُونِ بكسر النون، اجتزئ بالكسرة عن الياء.
لم يكن ذلك من خطّ المصحف الذي جرى على نمط خاص، وإنما كان ذلك لسبب صوتي، هو أنّ أواخر الآيات قد ختمت بالنون في الأسماء والأفعال نحو الشاكرين وصامتين والصالحين ويؤمنون ويشركون وغيرها وإنما حرّكت النون في هذه الآية بالكسرة، كي يستغنى عنها عند الوقف على آخر الآية، فتكون كسائر الفواصل الأخرى ولا يتأتّى ذلك، لو أثبتت الياء. وإذا كان هذا هو السبب في حذف الياء والاستغناء عنها بالكسرة، فما السبب في حذف الياء في الذي يسبق قوله تعالى: فَلا تُنْظِرُونِ، وهو قوله سبحانه:
كِيدُونِ؟ الجواب عن هذا: أن الياء حذفت استحسانا لتأتي الكلمة مشاكلة للكلمة الأخرى التي ختمت بها الآية قوله: فَلا تُنْظِرُونِ.
والمشاكلة في الأصوات كثيرة في لغة التنزيل، وهي تؤدي غرضا صوتيا
стр. 704
يرمي الى حسن الأداء والتلاوة.
٤٦- وقال تعالى خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجاهِلِينَ (١٩٩) قال الزمخشري «١» :
«العفو» ضد الجهد، أي: خذ ما عفا لك من أفعال الناس، وأخلاقهم، وما أتي منهم، وتسهّل من غير كلفة، ولا تداقّهم، ولا تطلب منهم الجهد وما يشقّ عليهم حتى لا ينفروا كقوله (ص) : يسّروا ولا تعسّروا.
قال الشاعر:
خذي العفو منّي تستديمي مودّتي ... ولا تنطقي في سورتي حين أغضب
وقيل: خذ الفضل وما تسهّل من صدقاتهم.
أقول: والعفو بهذه الخصوصية المعنوية أصل المعنى، وقولنا: عفو الخاطر، ما جاء سهلا على البديهة من غير قصد ولا رويّة.
٤٧- وقال تعالى: وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ [الآية ٢٠٠] .
والمعنى وإما ينخسنّك منه نخس، بأن يحملك بوسوسته على خلاف ما أمرت به، فاستعذ بالله.
أقول: النزغ والنخس والنّسغ واحد، وكذلك الندغ. ونزغه: طعنه بيد أو رمح. ونسغت الواشمة بالإبرة.
والنغز في الألسن الدراجة كالنسغ بالإبرة، وهو منه على القلب والإبدال.
٤٨- وقال تعالى: وَإِذا لَمْ تَأْتِهِمْ بِآيَةٍ قالُوا لَوْلا اجْتَبَيْتَها [الآية ٢٠٣] .
واجتبى الشيء بمعنى جباه لنفسه، أي: جمعه، أو جبي إليه فاجتباه، أي: أخذه.
ومعنى قوله تعالى لَوْلا اجْتَبَيْتَها: هلا اجتمعتها، افتعالا من عند نفسك، لأنهم كانوا يقولون: ما هذا إِلَّا إِفْكٌ مُفْتَرىً [سبأ: ٤٣] أو هلّا أخذتها منزلة عليك مقترحة؟ «٢» .
وقال ثعلب: معناه: جئت بها من نفسك.
وقال الفرّاء: هلّا اجتبيتها، بمعنى هلا اختلقتها وافتعلتها من قبل نفسك.
стр. 705
وقال الزّجّاج في قوله تعالى: وَكَذلِكَ يَجْتَبِيكَ رَبُّكَ [يوسف: ٦] . معناه وكذلك يختارك ويصطفيك.
وهذا المعنى يرد في ثماني آيات.
أقول: لم يبق شيء من هذا الفعل المفيد في العربية المعاصرة، وكان خليقا بالكتّاب أن يعودوا إليه.
٤٩- وقال تعالى: وَإِذا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا [الآية ٢٠٤] .
توجب الآية الاستماع والإنصات، عند قراءة القرآن في الصلاة وغير الصلاة.
وقيل: كانوا يتكلّمون في الصلاة، فنزلت.
أقول: ألا ترى أن المجرّد من أنصت وهو «نصت» غير وارد في الاستعمال وهو والفعل «صمت» شيء واحد، ثم جاء القلب المكاني ليحدث خصوصية معنوية في أنصت.
стр. 706
المبحث السادس المعاني اللغوية في سورة «الأعراف» «١»
قال تعالى: كِتابٌ أُنْزِلَ إِلَيْكَ [الآية ٢] على الابتداء «٢» .
وقال: فَلا يَكُنْ فِي صَدْرِكَ حَرَجٌ مِنْهُ [الآية ٢] على النهي كما قال:
وَلا تَعْدُ عَيْناكَ عَنْهُمْ [الكهف: ٢٨] أي: «الحرج فلا يكن في صدرك» ، و: «عيناك فلا تعدوا عنهم» .
وقال تعالى: فَلَنَسْئَلَنَّ الَّذِينَ أُرْسِلَ إِلَيْهِمْ [الآية ٦] أي «لنسألنّ القوم الذين بعث إليهم وأنذروا» . وَلَنَسْئَلَنَّ الْمُرْسَلِينَ (٦) .
فَلَنَقُصَّنَّ [الآية ٧] بالنون واللام، لأنّ قوله تعالى: فَلَنَسْئَلَنَّ وَلَنَسْئَلَنَّ الْمُرْسَلِينَ على القسم.
وقال تعالى: وَجَعَلْنا لَكُمْ فِيها مَعايِشَ [الآية ١٠] فالياء غير مهموزة وقد همز بعض القراء «٣» وهو رديء لأنها ليست بزائدة.
وانما يهمز ما كان على مثال «مفاعل» إذا جاءت الياء زائدة في الواحد والألف والواو التي تكون الهمزة مكانها نحو «مدائن» لأنها «فعايل» . ومن جعل «المدائن» من
стр. 707
«دان» «يدين» لم يهمز لأن الياء حينئذ من الأصل. وأمّا «قطائع» و «رسائل» و «عجائز» و «كبائر» فإنّ هذا كلّه مهموز، لأنّ واو «عجوز» زائدة، ألا ترى أنك تقول: «عجز» وألف «رسالة» زائدة إذ تقول «أرسلت» فتذهب الألف منها. وتقول في «كبيرة» «كبرت» فتذهب الياء منها. وأما «مصايب» فكان أصلها «مصاوب» لأن الياء إذا كانت أصلها الواو، فجاءت في موضع لا بد من أن تحرك فيه، قلبت الواو في ذلك الموضع إذا كان الأصل من الواو، فلمّا قلبت صارت كأنها قد أفسدت حتى صارت كأنها الياء الزائدة، فلذلك همزت، ولم يكن القياس أن تهمز. وناس من العرب يقولون «المصاوب» وهي قياس» .
وقال تعالى: صَوَّرْناكُمْ ثُمَّ قُلْنا لِلْمَلائِكَةِ [الآية ١١] . «ثمّ» في معنى الواو «٢» ويجوز أن يكون معناه (لآدم) كما تقول للقوم:
«قد ضربناكم» وإنّما ضربت سيدهم.
وقال تعالى: ما مَنَعَكَ أَلَّا تَسْجُدَ [الآية ١٢] ومعناه: ما منعك أن تسجد، و (لا) هاهنا زائدة. وقال الشاعر «٣» [من الطويل وهو الشاهد الرابع بعد المائتين] :
أبى جوده «لا» البخل واستعجلت به ... «نعم» من فتى لا يمنع الجوع «٤» قاتله «٥»
وفسرته العرب: أبى جوده البخل «وجعلوا (لا) زائدة حشوا هاهنا وصلوا بها الكلام. وزعم يونس أنّ أبا عمرو، كان يجرّ «البخل» ولا يجعل «لا» مضافة إليه أراد: أبى جوده (لا) التي هي للبخل لأن (لا) قد تكون للجود والبخل. لأنه لو قال له: «امنع الحقّ»
стр. 708
او «لا تعط المساكين» فقال «لا» كان هذا جودا منه.
وقال تعالى: لَأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِراطَكَ الْمُسْتَقِيمَ (١٦) أي: على صراطك. كما تقول: «توجّه مكّة» أي: إلى مكة.
وقال الشاعر (من الطويل وهو الشاهد الخامس بعد المائتين) :
كأنّي إذ أسعى لأظفر طائرا ... مع النّجم في جوّ السّماء يصوب
يريد: لأظفر بطائر. فألقى الباء ونحوه أَعَجِلْتُمْ أَمْرَ رَبِّكُمْ [الآية ١٥٠] يريد: عن أمر ربكم.
وقال تعالى قالَ اخْرُجْ مِنْها مَذْؤُماً مَدْحُوراً [الآية ١٨] لأنه من «الذّأم» تقول «ذأمته» ف «هو مذءوم» والوجه الاخر من «الذم» : «ذممته» ف «هو مذموم» تقول: «ذأمته» و «ذممته» و «ذمته» كلّه في معنى واحد ومصدر: «ذمته» «الذّيم» .
وقال تعالى: لَمَنْ تَبِعَكَ مِنْهُمْ لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ [الآية ١٨] فاللام الاولى للابتداء والثانية للقسم.
وقال تعالى: فَوَسْوَسَ لَهُمَا الشَّيْطانُ [الآية ٢٠] والمعنى: فوسوس إليهما الشيطان «١» . ولكن العرب توصل بهذه الحروف كلّها الفعل، ومنهم من يقول: «غرضت» في معنى: اشتقت اليه. وتفسيرها: غرضت من هؤلاء إليه.
وقال تعالى إِلَّا أَنْ تَكُونا مَلَكَيْنِ [الآية ٢٠] كأنه يقول: ما نَهاكُما رَبُّكُما عَنْ هذِهِ الشَّجَرَةِ إِلَّا كراهة أَنْ تَكُونا «٢» كما تقول: «إيّاك أن تفعل» أي: كراهة أن تفعل.
وقال تعالى: وَطَفِقا [الآية ٢٢] وقرأ بعضهم (وطفقا) «٣» فمن قال «طفق» قال: «يطفق» «٤» ومن قال «طفق» قال «يطفق» .
وقرأ قوله تعالى: يَخْصِفانِ [الآية ٢٢] قرأه (يخصّفان) جعلها من «يختصفان» فأدغم التاء في الصاد
стр. 709
فسكنت، وبقيت الخاء ساكنة، فحرّكت الخاء بالكسر، لاجتماع الساكنين «١» .
ومنهم من يفتح الخاء ويحوّل عليها حركة التاء «٢» .
وقال تعالى: وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنا وَتَرْحَمْنا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخاسِرِينَ (٢٣) فكأنه على القسم، والله أعلم، كأنه قال:
«والله لنكوننّ من الخاسرين إن لم تغفر لنا وترحمنا» .
وقال تعالى: قَدْ أَنْزَلْنا عَلَيْكُمْ لِباساً يُوارِي سَوْآتِكُمْ وَرِيشاً وَلِباسُ التَّقْوى ذلِكَ خَيْرٌ [الآية ٢٦] برفع قوله سبحانه وَلِباسُ التَّقْوى على الابتداء، وجعل خبره في قوله تعالى: ذلِكَ خَيْرٌ «٣» وقد نصب بعضهم (ولباس التّقوى) «٤» .
وقال تعالى وَفَرِيقاً حَقَّ عَلَيْهِمُ الضَّلالَةُ [الآية ٣٠] بتذكير الفعل بسبب الفصل كما في قوله تعالى لا يُؤْخَذُ مِنْكُمْ فِدْيَةٌ [الحديد: ١٥] .
وقال تعالى: يا بَنِي آدَمَ إِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ يَقُصُّونَ عَلَيْكُمْ آياتِي فَمَنِ اتَّقى وَأَصْلَحَ فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ [الآية ٣٥] كأنّ المعنى (فأطيعوهم) .
وقال تعالى: حَتَّى يَلِجَ الْجَمَلُ فِي سَمِّ الْخِياطِ [الآية ٤٠] من «ولج» «يلج» «ولوجا» .
وقال سبحانه: لَهُمْ مِنْ جَهَنَّمَ مِهادٌ وَمِنْ فَوْقِهِمْ غَواشٍ [الآية ٤١] بكسر (غواش) لأن هذه الشين في موضع عين «فواعل» فهي مكسورة.
وأما موضع اللام منه فالياء، والياء والواو إذا كانتا بعد كسرة وهما في موضع تحرك برفع أو جرّ، صارتا ياء ساكنة في الرفع، وجرتا ونصبتا في النصب. فلمّا صارتا ياء ساكنة وأدخلت
стр. 710
عليها التنوين وهو ساكن ذهبت الياء لاجتماع الساكنين.
وقال تعالى: وَنَزَعْنا ما فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ [الآية ٤٣] وهو ما يكون في الصدور. وأما الذي يغلّ به الموثق فهو «الغلّ» .
وقال تعالى: الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدانا لِهذا [الآية ٤٣] كما قال سبحانه:
اللَّهُ يَهْدِي لِلْحَقِّ [يونس: ٣٥] وتقول العرب: «هو لا يهتدي لهذا» أي: لا يعرفه. وتقول: «هديت العروس إلى بعلها» . وتقول أيضا: أهديتها إليه» و «هديت له» وتقول: «أهديت له هديّة» . وبنو تميم يقولون «هديت العروس إلى زوجها» جعلوه في معنى «دللتها» وقيس تقول: «أهديتها» جعلوها بمنزلة الهدية.
وقال تعالى وَنُودُوا أَنْ تِلْكُمُ الْجَنَّةُ (٤٤) وأَنْ لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ [الآية ٤٤] وقال أيضا في موضع آخر:
أَنِ الْحَمْدُ لِلَّهِ [يونس: ١٠] وأَنْ قَدْ وَجَدْنا ما وَعَدَنا رَبُّنا حَقًّا [الآية ٤٤] فهذه «أنّ» الثقيلة خفّفت وأضمر فيها، ولا يستقيم أن تجعلها الخفيفة لأنّ بعدها اسما. والخفيفة لا يليها الأسماء. وقال الشاعر «١» [من البسيط وهو الشاهد السادس بعد المائتين] :
في فتية كسيوف الهند قد علموا ... أن هالك كلّ من يخفى وينتعل «٢»
وقال الشاعر «٣» [من الوافر وهو الشاهد السابع بعد المائتين] :
أكاشره وأعلم أن كلانا ... على ما ساء صاحبه حريص.
وتكون أَنْ قَدْ وَجَدْنا في معنى «أي» .
وقوله تعالى: أَنْ أَفِيضُوا عَلَيْنا مِنَ الْماءِ [الآية ٥٠] تكون «أي أفيضوا»
стр. 711
وتكون على «أن» التي تعمل في الأفعال لأنك تقول: «غاظني أن قام» و «غاظني أن ذهب» فتقع على الأفعال، وإن كانت لا تعمل فيها وفي كتاب الله وَانْطَلَقَ الْمَلَأُ مِنْهُمْ أَنِ امْشُوا [ص: ٦] معناها: أي امشوا.
وقال تعالى: فَهَلْ لَنا مِنْ شُفَعاءَ فَيَشْفَعُوا لَنا أَوْ نُرَدُّ فَنَعْمَلَ غَيْرَ الَّذِي كُنَّا نَعْمَلُ [الآية ٥٣] بنصب ما بعد الفاء، لأنه جواب استفهام.
وقوله تعالى: وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومَ مُسَخَّراتٍ بِأَمْرِهِ [الآية ٥٤] عطف على قوله سبحانه: خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ [الآية ٥٤] «١» .
وقال تعالى: إِنَّ رَحْمَتَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِنَ الْمُحْسِنِينَ (٥٦) بتذكير (قريب) وهي صفة «الرحمة» وذلك كقول العرب «ريح خريق» و «ملحفة جديد» و «شاة سديس» . وإن شئت قلت:
تفسير «الرحمة» هاهنا: المطر، ونحوه «٢» . فلذلك ذكّر. كما في قوله تعالى: وَإِنْ كانَ طائِفَةٌ مِنْكُمْ آمَنُوا [الآية ٨٧] بالتذكير على إرادة «الناس» . وإن شئت جعلته كبعض ما يذكّرون من المؤنث «٣» كقول الشاعر «٤» [من المتقارب وهو الشاهد الحادي والثلاثون] :
فلا مزنة ودقت ودقها ... ولا أرض أبقل إبقالها
وقال تعالى في أول هذه السورة:
كِتابٌ أُنْزِلَ إِلَيْكَ [الآية ٢] لِتُنْذِرَ بِهِ [الآية ٢] فَلا يَكُنْ فِي صَدْرِكَ حَرَجٌ مِنْهُ [الآية ٢] هكذا تأويلها على التقديم والتأخير. وفي كتاب الله مثل ذلك كثير، قال تعالى: اذْهَبْ بِكِتابِي هذا فَأَلْقِهْ إِلَيْهِمْ ثُمَّ تَوَلَّ عَنْهُمْ فَانْظُرْ ماذا يَرْجِعُونَ (٢٨) [النمل] والمعنى- والله أعلم- فَانْظُرْ ماذا يَرْجِعُونَ ثُمَّ تَوَلَّ عَنْهُمْ وفي كتاب الله
стр. 712
وَما أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ إِلَّا رِجالًا نُوحِي إِلَيْهِمْ فَسْئَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ (٤٣) بِالْبَيِّناتِ وَالزُّبُرِ [النحل] والمعنى- والله أعلم- وَما أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ إِلَّا رِجالًا نُوحِي إِلَيْهِمْ بِالْبَيِّناتِ وَالزُّبُرِ فَسْئَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ وفي غافر فَلَمَّا جاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّناتِ فَرِحُوا بِما عِنْدَهُمْ مِنَ الْعِلْمِ [غافر: ٨٣] .
والمعنى- والله أعلم- فَلَمَّا جاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّناتِ مِنَ الْعِلْمِ فَرِحُوا بِما عِنْدَهُمْ. وقال بعضهم فَرِحُوا بِما هو عِنْدَهُمْ مِنَ الْعِلْمِ أي:
كان عندهم العلم وهو جهل ومثل هذا في كلام العرب وفي الشعر كثير من التقديم والتأخير. يكتب الرجل:
«أمّا بعد، حفظك الله وعافاك، فإنّي كتبت إليك» فقوله «فإنّي» محمول على «أمّا بعد» وانما هو «أمّا بعد فإنّي» وبينهما كما ترى كلام. قال الشاعر [من الكامل وهو الشاهد الثامن بعد المائتين] :
خير من القوم العصاة أميرهم ... يا قوم فاستحيوا النساء الجلّس
والمعنى: خير من القوم العصاة أميرهم النّساء الجلّس يا قوم فاستحيوا.
قال الاخر «١» [من البسيط وهو الشاهد التاسع بعد المائتين] :
الشّمس طالعة ليست بكاسفة ... تبكي عليك نجوم اللّيل والقمرا «٢»
ومعناه: الشمس طالعة لم تكسف نجوم الليل والقمر لحزنها على «عمر» «٣» وذلك أنّ الشمس كلما طلعت كسفت القمر والنجوم فلم تترك لها ضوا.
وقوله تعالى أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِي حَاجَّ إِبْراهِيمَ فِي رَبِّهِ [البقرة: ٢٥٨] ثم قال أَوْ كَالَّذِي مَرَّ عَلى قَرْيَةٍ [البقرة: ٢٥٩] ف «الكاف» تزاد في الكلام.
والمعنى: «ألم تر إلى الّذي حاجّ إبراهيم في ربّه أو الّذي مرّ على قرية» .
ومثلها في القرآن. لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ [الشورى: ١١] والمعنى ليس
стр. 713
مثله شيء. لأنه ليس لله مثل «١» . وقال الشاعر «٢» [من الرجز وهو الشاهد العاشر بعد المائتين] :
فصيّروا مثل كعصف مأكول «٣»
والمعنى: فصيّروا مثل عصف، والكاف زائدة. وقال الاخر «٤» (من الرجز وهو الشاهد الحادي عشر بعد المائتين) :
وصالبات ككما يؤثفين ... فإحدى الكافين زائدة
وقوله تعالى بَدَّلْناهُمْ جُلُوداً [النساء: ٥٦] يعني غيرها في النضج، لأنّ الله يجدّدها فيكون أشدّ للعذاب عليهم. وهي تلك الجلود بعينها التي عصت الله تعالى، ولكن أذهب عنها النضج، كما يقول الرجل للرجل: «أنت اليوم غيرك أمس» وهو ذلك بعينه إلا أنه نقص منه شيء أو زاد فيه. وفي كتاب الله وَلَوْ رُدُّوا لَعادُوا لِما نُهُوا عَنْهُ وَإِنَّهُمْ لَكاذِبُونَ
(٢٨) [الأنعام] فيسأل السائل فيقول كيف كانوا كاذبين ولم يعودوا بعد. وإنما يكونون كاذبين إذا عادوا.
وقد قلتم إنه لا يقال له كافر، قبل أن يكفر، إذا علم أنه كافر. وهذا يجوز أن يكون أنّهم الكاذبون بعد اليوم كما يقول: «أنا قائم» وهو قاعد، يريد «إني سأقوم» . أو يقول تعالى وَإِنَّهُمْ لَكاذِبُونَ يعني ما وافوا به القيامة من كذبهم وكفرهم، لأنّ الذين دخلوا النار كانوا كاذبين كافرين.
وقوله تعالى وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ ناضِرَةٌ (٢٢) إِلى رَبِّها ناظِرَةٌ (٢٣) [القيامة] يقول «تنظر في رزقها وما يأتيها من الله» . يقول الرجل: «ما أنظر إلّا إليك» ولو كان نظر البصر، كما يقول بعض الناس، كان في الآية التي بعدها بيان ذلك. ألا ترى أنه قال وَوُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ باسِرَةٌ (٢٤) تَظُنُّ أَنْ يُفْعَلَ بِها فاقِرَةٌ (٢٥) [القيامة] ولم يقل:
«ووجوه لا تنظر ولا ترى» وقوله تعالى: تَظُنُّ أَنْ يُفْعَلَ بِها فاقِرَةٌ (٢٥) يدلّ
стр. 714
«الظن» هاهنا على النظر ثم الثقة بالله وحسن اليقين، ولا يدل على ما قالوا.
وكيف يكون ذلك والله سبحانه يقول لا تُدْرِكُهُ الْأَبْصارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصارَ [الأنعام: ١٠٣] وقوله تعالى وَما تَشاؤُنَ إِلَّا أَنْ يَشاءَ اللَّهُ [الإنسان:
٣٠] يعني ما تشاؤون من الخير شيئا إلّا أن يشاء الله أن تشاؤوه.
وقوله تعالى إِذا أَخْرَجَ يَدَهُ لَمْ يَكَدْ يَراها [النور: ٤٠] حمل على المعنى، وذلك أنه لا يراها وذلك أنّك إذا قلت: «كاد يفعل إنما تعني قارب الفعل ولم يفعل» فإذا قلت «لم يكد يفعل» كان المعنى أنه لم يقارب الفعل ولم يفعل على صحة الكلام. وهكذا معنى هذه الآية. إلّا أنّ اللّغة قد أجازت «لم يكد يفعل» في معنى: فعل بعد شدة، وليس هذا صحة الكلام أنه إذا قال: «كاد يفعل» فإنما يعني قارب الفعل. وإذا قال: «لم يكد يفعل» يقول: «لم يقارب الفعل» إلا أنّ اللغة جاءت على ما فسرت لك، وليس هو على صحة الكلمة.
وقال تعالى أَوَعَجِبْتُمْ أَنْ جاءَكُمْ ذِكْرٌ مِنْ رَبِّكُمْ [الآية ٦٩] كأنه قال:
«صنعوا كذا كذا وعجبوا» فقال «صنعتم كذا وكذا أو عجبتم» فهذه واو العطف دخلت عليها ألف الاستفهام.
وقال تعالى وَإِلى عادٍ أَخاهُمْ هُوداً [الآية ٦٥] وَإِلى ثَمُودَ أَخاهُمْ صالِحاً [الآية ٧٣] فكلّ هذا- والله أعلم- نصبه على الكلام الأول على قوله تعالى لَقَدْ أَرْسَلْنا نُوحاً إِلى قَوْمِهِ [الآية ٥٩] وكذلك وَلُوطاً [الآية ٨٠] ، وقال بعضهم: «واذكر لوطا» . وإنما يجيء هذا النصب على هذين الوجهين، أو يجيء على أن يكون الفعل قد عمل فيما قبله، وقد سقط بعده فعل على شيء من سببه، فيضمر له فعلا. فإنّما يكون على أحد هذه الثلاثة، وهو في القرآن كثير.
وقال تعالى خَلائِفَ الْأَرْضِ [الأنعام:
١٦٥] وقال خُلَفاءَ [الآية ٦٩] و [الآية ٧٤] وكلّ جائز، وهو جماعة «الخليفة» .
وقال تعالى وَزادَكُمْ فِي الْخَلْقِ بَصْطَةً [الآية ٦٩] أي: انبساطا.
وقال في موضع آخر بَسْطَةً فِي الْعِلْمِ وَالْجِسْمِ [البقرة: ٢٤٧] وهو مثل الأول.
وتقرأ فَذَرُوها تَأْكُلْ فِي أَرْضِ اللَّهِ [الآية ٧٣] بالجزم إذا جعلته جوابا،
стр. 715
وبالرفع إذا أردت (فذروها آكلة) . وقال تعالى وَأْمُرْ قَوْمَكَ يَأْخُذُوا بِأَحْسَنِها [الآية ١٤٥] وقال قُلْ لِلَّذِينَ آمَنُوا يَغْفِرُوا لِلَّذِينَ [الجاثية: ١٤] وفَذَرْهُمْ يَخُوضُوا وَيَلْعَبُوا [الزخرف: ٨٣] فصار جوابا في اللفظ، وليس كذلك في المعنى.
وقال تعالى: فَأَوْفُوا الْكَيْلَ وَالْمِيزانَ [الآية ٨٥] .
ثم قال تعالى: وَلا تَقْعُدُوا بِكُلِّ صِراطٍ تُوعِدُونَ [الآية ٨٦] تقول: «هم في البصرة» و «بالبصرة» و «قعدت له في الطّريق» و «بالطّريق» .
وقال تعالى كَأَنْ لَمْ يَغْنَوْا فِيهَا [الآية ٩٢] وهي من «غنيت» «تغنى» «١» «غنى» .
وقال تعالى: أَوَأَمِنَ أَهْلُ الْقُرى [الآية ٩٨] فهذه الواو للعطف دخلت عليها ألف الاستفهام.
وقال تعالى: أَوَلَمْ يَهْدِ لِلَّذِينَ يَرِثُونَ الْأَرْضَ مِنْ بَعْدِ أَهْلِها [الآية ١٠٠] أي: (أو لم يتبيّن لهم) وقرأ بعضهم (نهد) «٢» بالنون أي: «أو لم نبيّن لهم» أَنْ لَوْ نَشاءُ أَصَبْناهُمْ بِذُنُوبِهِمْ.
وقال تعالى: نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْبائِها [الآية ١٠١] «من» زائدة وأراد «قصصنا» كما تقول «هل لك في ذا» وتحذف «حاجة» .
وقال تعالى: فَما كانُوا لِيُؤْمِنُوا بِما كَذَّبُوا مِنْ قَبْلُ [الآية ١٠١] فقوله سبحانه بِما كَذَّبُوا والله أعلم يعني: «بتكذيبهم» باعتبار (ما كذّبوا) اسما للفعل والمعنى: «لم يكونوا ليؤمنوا بالتكذيب» أي لا نسمّيهم بالإيمان بالتكذيب «٣» .
وقال تعالى: وَما تَنْقِمُ مِنَّا [الآية ١٢٦] «٤» وقرأ بعضهم (وما تنقم منّا) «٥»
стр. 716
وهما لغتان «١» (نقم) ، «نقم» ، «ينقم» و «ينقم» وبالأولى نقرأ.
وقال تعالى وَقالُوا مَهْما تَأْتِنا بِهِ مِنْ آيَةٍ [الآية ١٣٢] لأن (مهما) من حروف المجازاة وجوابها (فما نحن) .
وقال تعالى وَما كانُوا يَعْرِشُونَ (١٣٧) «٢» «ويعرشون» «٣» لغتان وكذلك (نبطش) و (نبطش) «٤» ، و «يحشر» و «يحشر» ، و «يكفّ» و «يكفّ» ، و «ينفر» و «ينفر» .
وقال تعالى: الطُّوفانَ [الآية ١٣٣] وواحدتها في القياس «الطوفانة» «٥» .
وقال الشاعر «٦» [من الرمل وهو الشاهد الثاني عشر بعد المائتين] :
غيّر الجدّة من آياتها «٧» ... خرق الرّيح وطوفان المطر
وهي من «طاف» «يطوف» .
وقال تعالى: جَعَلَهُ دَكًّا [الآية ١٤٣] وهو سبحانه حين قال «جعله» كان كأنه قال «دكّه» وقرأ بعضهم (دكّاء) وإذا أراد هذا فقد أجري مجرى وَسْئَلِ الْقَرْيَةَ [يوسف: ٨٢] لأنه يقال: «ناقة دكّاء» إذا ذهب سنامها.
وقال تعالى فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ [الآية ١٤٣] على معنى «تجلّى أمره» نحو ما يقول الناس: «برز فلان لفلان» وإنّما برز جنده.
стр. 717
وأمّا قوله تعالى رَبِّ أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْكَ [الآية ١٤٣] فإنما أراد علما لا يدرك مثله إلّا في الاخرة فأعلم الله سبحانه موسى (ع) أن ذلك لا يكون في الدنيا. وقرأها بعضهم «دكّاء» «١» جعله «فعلاء» وهذا لا يشبه أن يكون.
وهو في كلام العرب: «ناقة دكّاء» أي: ليس لها سنام. والجبل مذكّر، إلّا أن يكون «جعله مثل دكّاء» وحذف «مثل» .
وقال تعالى: مِنْ حُلِيِّهِمْ [الآية ١٤٨] «٢» وقرأ بعضهم «حليّهم» «٣» و «حليّهم» «٤» عِجْلًا جَسَداً لَهُ خُوارٌ [الآية ١٤٨] وقرأ بعضهم «جؤار» «٥» وكلّ من لغات العرب.
وقال تعالى: وَلَمَّا سُقِطَ فِي أَيْدِيهِمْ [الآية ١٤٩] وقرأ بعضهم «سقط» «٦» وكلّ جائز، والعرب تقول:
«سقط في يديه» و «أسقط في أيديهم» «٧» .
وأمّا قوله تعالى: مِنْ حُلِيِّهِمْ بضم الحاء فانه «فعول» وهي جماعة «الحلي» ومن قرأ «حليّهم» في اللغة
стр. 718
الأخرى فالمكان الياء كما قالوا:
«قسيّ» و «عصيّ» .
وقال تعالى وَكادُوا يَقْتُلُونَنِي [الآية ١٥٠] بإثبات نونين، واحدة للفعل والأخرى للاسم المضمر وإنّما ثبتت في الفعل، لأنه رفع ورفع الفعل إذا كان للجميع، والاثنين بثبات النون، إلّا أن نون الجميع مفتوحة ونون الاثنين مكسورة، وقد قال تعالى: أَتَعِدانِنِي أَنْ أُخْرَجَ [الأحقاف: ١٧] وقد يجوز في هذا الإدغام والإخفاء.
وقال تعالى: اثْنَتَيْ عَشْرَةَ أَسْباطاً [الآية ١٦٠] على تقدير اثنتي عشرة فرقة، ثمّ أخبر أن الفرق أسباط، ولم يجعل العدد على الأسباط.
وقال تعالى: وَلَمَّا سَكَتَ عَنْ مُوسَى الْغَضَبُ [الآية ١٥٤] وقرأ بعضهم (سكن) «١» إلّا أنّها ليست على الكتاب، فنقرأ سَكَتَ وكلّ من كلام العرب.
وقال تعالى وَاخْتارَ مُوسى قَوْمَهُ سَبْعِينَ رَجُلًا [الآية ١٥٥] أي: اختار من قومه، فلما نزعت «من» عمل الفعل. وقال الشاعر «٢» [من الطويل وهو الشاهد الرابع عشر] :
منا الذي اختير الرجال سماحة ... وجودا «٣» إذا هبّ الرّياح الزعازع
وقال آخر «٤» [من البسيط وهو الشاهد الخامس عشر] :
أمرتك الخير فافعل ما أمرت به ... فقد تركتك ذا مال وذا نشب
وقال النابغة «٥» : [من الكامل وهو الشاهد السادس عشر] :
نبّئت زرعة والسّفاهة كاسمها ... يهدي إليّ أوابد الأشعار «٦»
وقال تعالى:
стр. 719
لِلَّذِينَ هُمْ لِرَبِّهِمْ يَرْهَبُونَ (١٥٤) كما قال إِنْ كُنْتُمْ لِلرُّءْيا تَعْبُرُونَ (٤٣) [يوسف] بوصل الفعل باللام.
وقال تعالى: وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ [الآية ١٥٦] أي: وسعت كلّ من يدخل فيها، لا تعجز عمّن دخل فيها أو يكون يعني الرحمة التي قسّمها بين الخلائق، يعطف بها بعضهم على بعض، حتى عطف البهيمة على ولدها.
وقال فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ [الآية ١٦٩] إذا قلت «خلف سوء» و «خلف صدق» فهما سواء. و «الخلف» إنّما يريد به الذي بعد ما مضى خلفا كان منه، أو لم يكن خلفا إنّما يكون يعني به القرن الذي يكون بعد القرن، و «الخلف» الذي هو بدل ممّا كان قبله، قد قام مقامه وأغنى غناه. تقول «أصبت منك خلفا» «١» .
وقال تعالى: يَأْخُذُونَ عَرَضَ هذَا الْأَدْنى [الآية ١٦٩] بإضافة «العرض» الى «هذا» وفسر «هذا» ب «الأدنى» وكل شيء فهو عرض سوى الدراهم والدنانير فإنها عين. وأما «العرض» فهو كلّ شيء عرض لك تقول: «قد عرض له بعدي عرض» أي: «أصابته بليّة وشرّ» وتقول: «هذا عرضة للشرّ» و «عرضة للخير» كلّ هذا تقوله العرب.
وقال تعالى وَلا تَجْعَلُوا اللَّهَ عُرْضَةً لِأَيْمانِكُمْ [البقرة: ٢٢٤] وتقول:
«أعرض لك الخير» و «عرض لك الخير» وقال الشاعر «٢» [من الكامل وهو الشاهد السابع عشر بعد المائتين] :
لا أعرفنّك معرضا لرماحنا ... في جفّ تغلب وارد الأمرار «٣»
و «العارض» من السحاب: ما استقبلك وهو ما ورد في قول الله فَلَمَّا رَأَوْهُ عارِضاً [الأحقاف: ٢٤]
стр. 720
وأما «الحبيّ» : فما كان من كل ناحية وتقول: «خذوه من عرض الناس» أي:
ممّا وليك منهم، وكذلك «اضرب به عرض الحائط» أي، ما وليك منه.
وأما «العرض» و «الطول» فإنه ساكن.
وأما قوله «١» [من الطويل وهو الشاهد الثامن عشر بعد المائتين] :
لهنّ عليهم عادة قد عرفنها «٢» ... إذا عرضوا الخطّيّ فوق الكواثب «٣»
وأعرضوا، فهذا لأنّ: عرض عرضا. و: «عرضت عليه المنزل عرضا» و «عرض لي أمر عرضا» هذا مصدره. و «العرض من الخير والشرّ» :
ما أصبت عرضا من الدنيا فانتفعت به تعني به الخير، و «عرض لك عرض سوء» .
وقال تعالى: مِنْهُمُ الصَّالِحُونَ وَمِنْهُمْ دُونَ ذلِكَ [الآية ١٦٨] لا أعلم أحدا يقرأها إلّا نصبا.
وقال تعالى: ساءَ مَثَلًا الْقَوْمُ [الآية ١٧٧] فجعل «القوم» هم «المثل» في اللفظ أي: مثل القوم، كما في قوله تعالى: وَسْئَلِ الْقَرْيَةَ.
وقال تعالى: وَلَقَدْ ذَرَأْنا لِجَهَنَّمَ [الآية ١٧٩] من: «ذرأ» «يذرأ» «ذرءا» .
وقال تعالى: وَذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمائِهِ [الآية ١٨٠] «٤» وقرأ بعضهم (يلحدون) «٥» جعله من «لحد» «يلحد» وهي لغة «٦» . وقال في موضع آخر
стр. 721
لِسانُ الَّذِي يُلْحِدُونَ [النحل:
١٠٣] «١» وقرأ بعضهم (يلحدون) »
وهما لغتان ويُلْحِدُونَ أكثر، وبها نقرأ ويقوّيها وَمَنْ يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحادٍ بِظُلْمٍ [الحج: ٢٥] «٣» .
وقال تعالى: وَلكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلَى الْأَرْضِ [الآية ١٧٦] ولا نعلم أحدا يقول (خلد) . وقوله (أخلد) أي: لجأ إليها.
وقال تعالى حَمَلَتْ حَمْلًا خَفِيفاً [الآية ١٨٩] لأنّ «الحمل» ما كان في الجوف و «الحمل» ما كان على الظهر.
وقال وَتَضَعُ كُلُّ ذاتِ حَمْلٍ حَمْلَها
[الحج: ٢] وأمّا قوله تعالى أَثْقَلَتْ [الآية ١٨٩] أي: «صارت ذات ثقل» كما تقول «أتمرنا» «٤» أي: «صرنا ذوي تمر» «٥» و «ألبنّا» أي: صرنا ذوي لبن» و «أعشبت الأرض» و «أكمأت» وقرأ بعضهم: (فلمّا أثقلت) «٦» .
وقال تعالى: جَعَلا لَهُ شُرَكاءَ فِيما آتاهُما [الآية ١٩٠] وقرأ بعضهم (شركا) «٧» لأنّ «الشرك» إنّما هو «الشركة» وكان ينبغي في قول من قال هذا، أن يقول «فجعلا لغيره شركا فيما آتاهما» «٨» .
وقال تعالى إِذا مَسَّهُمْ طائِفٌ مِنَ الشَّيْطانِ [الآية ٢٠١] و «الطّيف» أكثر
стр. 722
في كلام العرب. وقال الشاعر «١» [من المتقارب وهو الشاهد التاسع عشر بعد المائتين] :
ألا يا لقوم لطيف الخيال ... أرقّ من نازح ذي دلال «٢»
ونقرأها (طائف) لأنّ عامة القراء عليها.
وقال تعالى بِالْغُدُوِّ وَالْآصالِ [الآية ٢٠٥] وتفسيرها «بالغدوات» كما تقول:
«آتيك طلوع الشمس» أي: في وقت طلوع الشمس كما قال تعالى بِالْعَشِيِّ وَالْإِبْكارِ [آل عمران: ٤١ وغافر: ٥٥] وهو مثل «آتيك في الصّباح وبالمساء» وأما «الآصال» فواحدها: «أصيل» «٣» مثل: «الأشرار» واحدها: «الشّرير» و «الأيمان» واحدتها: «اليمين» .
стр. 723
المبحث السابع لكل سؤال جواب في سورة «الأعراف» «١»
إن قيل: النهي في قوله تعالى: فَلا يَكُنْ فِي صَدْرِكَ حَرَجٌ [الآية ٢] متوجّه الى الحرج فما وجهه؟
قلنا: هو من باب القول لا أرينّك هنا، معناه: لا تقم هنا فإنّك إن أقمت رأيتك، فمعنى الآية، فكن على يقين منه ولا تشكّ فيه، لأنّ المراد بالحرج الشكّ.
فإن قيل: لم قال الله تعالى أَهْلَكْناها فَجاءَها بَأْسُنا [الآية ٤] ، والإهلاك، إنّما هو بعد مجيء البأس وهو العذاب؟
قلنا: معناه أردنا إهلاكها، كقوله تعالى إِذا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ [المائدة: ٦] وقوله تعالى:
فَإِذا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ [النحل:
٩٨] .
فإن قيل: ميزان القيامة واحد، فلم قال تعالى: فَمَنْ ثَقُلَتْ مَوازِينُهُ [الآية ٨] ووَ مَنْ خَفَّتْ مَوازِينُهُ [الآية ٩] ؟
قلنا: إنما جمع، لأنّ السّياق أراد بالميزان الموزونات من الأعمال. وقيل إنما جمعه، لأنه ميزان يقوم مقام موازين، ويفيد فائدتها، لأنه يوزن به ذرّات الأعمال، وما كان منها في عظم الجبال.
فإن قيل: كيف توزن الأعمال وهي أعراض لا ثقل لها ولا جسم، والوزن من خواص الأجسام؟
قلنا: الموزون صحائف الأعمال.
الثاني أنه قد ورد أن الله تعالى يحيلها
стр. 724
في جواهر وأجسام، فتتصور أعمال المطيعين في صورة حسنة، وأعمال العاصين في صورة قبيحة، ثم يزنها والله على كل شيء قدير.
فإن قيل: لم قال تعالى: وَلَقَدْ خَلَقْناكُمْ ثُمَّ صَوَّرْناكُمْ ثُمَّ قُلْنا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ [الآية ١١] وكلمة ثم للترتيب، وخطاب الملائكة، ﵈، بالسجود، سابق على خلقنا وتصويرنا؟
قلنا: المراد ولقد خلقنا أباكم، ثم صوّرناه بطريق حذف المضاف. وقيل المراد: ولقد خلقنا أباكم، ثمّ صوّرناكم في ظهره. والقول الأول أظهر.
فإن قيل: لم قال تعالى لإبليس فَاهْبِطْ مِنْها فَما يَكُونُ لَكَ أَنْ تَتَكَبَّرَ فِيها [الآية ١٣] أي في السماء، وليس له ولا لغيره أن يتكبر في الأرض أيضا.
قلنا: لما كانت السماء مقرّ الملائكة المطيعين، الذين لا توجد منهم معصية أصلا، كان وجود المعصية منهم أقبح، فلذلك خصّ مقرهم بالذكر.
فإن قيل: لم أجيب إبليس الى الإنظار، وإنّما طلب الإنظار ليفسد أحوال عباد الله تعالى، ويغويهم؟
قلنا: لما في ذلك من ابتلاء العباد، ولما في مخالفته من عظم الثواب، ونظير ذلك ما خلقه الله تعالى في الدنيا من أصناف الزخارف، وأنواع الملاذّ والملاهي، وما ركّبه في الأنفس من الشهوات، ليمتحن بها عباده.
فإن قيل: لم قال تعالى فَوَسْوَسَ لَهُمَا الشَّيْطانُ لِيُبْدِيَ لَهُما ما وُورِيَ عَنْهُما مِنْ سَوْآتِهِما [الآية ٢٠] ولم يكن غرضه من الوسوسة كشف عورتهما، بل إخراجهما من الجنة، ويؤيّده قوله تعالى فَأَزَلَّهُمَا الشَّيْطانُ عَنْها فَأَخْرَجَهُما مِمَّا كانا فِيهِ [الآية ٣٦] ؟
قلنا: اللام في لِيُبْدِيَ لام العاقبة والصيرورة، لا لام كي، كما في قوله تعالى فَالْتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوًّا وَحَزَناً [القصص: ٨] وقول الشاعر:
لدوا للموت وابنوا للخراب ... فكلّكم يصير إلى التّراب
فإن قيل: أيّ آية لله تعالى، في اللباس والكسوة، حتى قال تعالى في آية اللباس والكسوة ذلِكَ مِنْ آياتِ اللَّهِ [الآية ٢٦] ؟
стр. 725
قلنا: معناه أنّ اللباس والكسوة للإنسان خاصة، علامة من العلامات الدالّة على أن الله تعالى فضّله على سائر الحيوانات، وقيل معناه: ذلك من نعم الله.
فإن قيل: لم قال تعالى في حقّ إبليس يَنْزِعُ عَنْهُما لِباسَهُما [الآية ٢٧] ونازع لباسهما هو الله تعالى؟
قلنا: لمّا كان ذلك السبب، بسبب وسوسته وإغوائه أضيف النزع إليه، كما يقال: أشبعني الطعام وأرواني الشراب، والمشبع والمروي في الحقيقة، إنّما هو الله تعالى، وهما سبب.
فإن قيل: لم قال تعالى كَما بَدَأَكُمْ تَعُودُونَ (٢٩) وهو بدأنا أوّلا نطفة، ثمّ علقة، ثمّ مضغة، ثمّ عظاما، ثمّ لحما كما ذكر، ونحن لا نعود عند الموت، ولا عند البعث بعد الموت، على ذلك الترتيب؟
قلنا: معناه كما بدأكم أوّلا من تراب، كذلك تعودون ترابا. وقيل معناه: كما أوجدكم أوّلا بعد العدم، كذلك يعيدكم بعد العدم، فالتشبيه في نفس الإحياء والخلق، لا في الكيفيّة والترتيب. وقيل معناه: كما بدأكم سعداء وأشقياء، كذلك تعودون، ويؤيّده تمام الآية، وقيل معناه: كما بدأكم لا تملكون شيئا كذلك تعودون، كما قال تعالى وَلَقَدْ جِئْتُمُونا فُرادى [الأنعام: ٩٤] .
فإن قيل: لم قال تعالى مخبرا عن الزينة والطيّبات قُلْ هِيَ لِلَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَياةِ الدُّنْيا [الآية ٣٢] مع أن الواقع المشاهد، أنّها لغير الذين آمنوا أكثر وأدوم؟
قلنا: فيه إضمار، تقديره: قل هي للذين آمنوا غير خالصة في الحياة الدنيا، لأن المشركين شاركوهم فيها خالصة للمؤمنين في الاخرة.
فإن قيل: لم قال تعالى: وَنُودُوا أَنْ تِلْكُمُ الْجَنَّةُ أُورِثْتُمُوها بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (٤٣) والميراث عبارة عمّا ينتقل من ميت إلى ميت، وهو مفقود هنا؟
قلنا: هو على تشبيه أهل الجنة وأهل النار، بالوارث وبالموروث عنه. وذلك أن الله تعالى، خلق في الجنة منازل للكفار على تقدير الايمان، فمن لم يؤمن منهم، جعل منزله لأهل الجنّة.
الثاني أنّ نفس دخول الجنة بفضل الله
стр. 726
ورحمته، من غير عوض، فأشبه الميراث، وإن كانت الدرجات فيها بحسب الأعمال.
فإن قيل: لم قال تعالى: أَلا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ [الآية ٥٤] أمّا الخلق بمعنى الإيجاد والإحداث، فظاهر أنه مختص به ، وأمّا الأمر فلغيره أيضا، بدليل قوله تعالى وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ [آل عمران: ١٠٤ و ١١٤ التوبة: ٧١] وقوله تعالى وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ [الآية ١٩٩] وقوله تعالى وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلاةِ [طه: ١٣٢] ؟
قلنا: المراد بالأمر هنا، قوله تعالى كُنْ عند خلق الأشياء، وهذا الأمر الذي به الخلق مخصوص به كالخلق.
الثاني أن المراد بالخلق والأمر ما سبق ذكرهما في هذه الآية، وهو خلق السماوات والأرض، وأمر تسخير الشمس والقمر والنجوم كما ذكر، وذلك مخصوص به .
فإن قيل: لم قال تعالى على لسان نوح (ع) لَيْسَ بِي ضَلالَةٌ [الآية ٦١] بالتاء، ولم يقل ليس بي ضلال كما وصفه قومه به، وذلك أشدّ مناسبة ليكون نافيا ما أثبتوه عينه؟
قلنا: الضلالة أقل من الضلال، فكان نفيها أبلغ في نفي الضلال عنه، كأنه قال: ليس بي شيء من الضلال، كما لو قيل ألك ثمر فقلت مالي ثمرة؟
كان ذلك أبلغ في النفي من قولك مالي ثمر.
فإن قيل: لم وصف الملأ بالذين كفروا في قصة هود، دون قصة نوح (ع) ؟
قلنا: لأنه كان في أشراف قوم هود، من آمن به منهم عند هذا القول، فلم يكن كل الملأ من قومه قائلين له إِنَّا لَنَراكَ فِي سَفاهَةٍ [الآية ٦٦] بخلاف قوم نوح فإنه لم يكن منهم من آمن به عند قولهم كما ورد في التنزيل إِنَّا لَنَراكَ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ (٦٠) فكان كل الملأ قائلين ذلك، هكذا أجاب بعض العلماء وهذا الجواب منقوض بقوله تعالى في سورة هود في قصة نوح (ع) فَقالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا [هود: ٢٧] ، وجواب هذا النقض، أنه يجوز أن القول كان وقع مرتين، والمرة الثانية بعد إيمان بعضهم.
فإن قيل: لم ورد على لسان صالح ﵇، قوله لقومه بعد ما أخذتهم الرجفة وماتوا يا قَوْمِ لَقَدْ أَبْلَغْتُكُمْ رِسالَةَ رَبِّي وَنَصَحْتُ لَكُمْ وَلكِنْ لا تُحِبُّونَ النَّاصِحِينَ (٧٩)
стр. 727
ولا يحسن من الحي مخاطبة الميت لعدم الفائدة؟
قلنا: هذا مستعمل في العرف، فإن من نصح إنسانا فلم يقبل منه حتى قتل أو صلب ومرّ به ناصحه، فإنه يقول له: كم نصحتك يا أخي فلم تقبل حتّى أصابك هذا. وفائدة هذا القول، حثّ السامعين له على قبول النصيحة ممّن ينصحهم، لئلّا يصيبهم ما أصاب المنصوح الذي لم يقبل النصيحة، حتّى هلك.
فإن قيل: لم قال شعيب (ع) كما ورد في التنزيل وَلا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ بَعْدَ إِصْلاحِها [الآية ٨٥] وهم ما زالوا كافرين مفسدين لا مصلحين؟
قلنا: بعد أن أصلحها الله تعالى، بالأمر بالعدل، وإرسال الرسل. وقيل معناه بعد أن أصلح الله تعالى أهلها، بحذف المضاف. وقيل معناه بعد الإصلاح فيها: أي بعد ما أصلح فيها الصالحون من الأنبياء، وأتباعهم العاملين بشرائعهم، فإضافته كاضافة قوله تعالى: بَلْ مَكْرُ اللَّيْلِ وَالنَّهارِ [سبأ: ٣٣] يعني بل مكرهم في الليل والنهار.
فإن قيل: كيف خاطبوا شعيبا (ع) بالعود في الكفر بقولهم كما ورد في التنزيل: لَنُخْرِجَنَّكَ يا شُعَيْبُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَكَ مِنْ قَرْيَتِنا أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنا [الآية ٨٨] وهو أجابهم إِنْ عُدْنا فِي مِلَّتِكُمْ بَعْدَ إِذْ نَجَّانَا اللَّهُ مِنْها [الآية ٨٩] وهو لم يكن في ملّتهم قط، لأن الأنبياء (ع) لا يجوز عليهم شيء من الكبائر خصوصا الكفر؟
قلنا: العرب تستعمل عاد بمعنى صار ابتداء، ومنه قوله تعالى حَتَّى عادَ كَالْعُرْجُونِ الْقَدِيمِ (٣٩) . الثاني، أنه قيل ذلك على طريق تغليب الجماعة على الواحد، باشتمال الكلام على الذين آمنوا منهم بعد كفرهم، وبجعلهم عائدين جميعا، إجراء للكلام على حكم التغليب وعلى ذلك أجرى شعيب (ع) جوابه.
فإن قيل: لم ورد على لسان فرعون فَأْتِ بِها بعد إِنْ كُنْتَ جِئْتَ بِآيَةٍ [الآية ١٠٦] ؟
قلنا: معناه إن كنت جئت بآية من عند الله، فأتني بها: أي أحضرها عندي.
فإن قيل: لم قال تعالى قالَ الْمَلَأُ مِنْ قَوْمِ فِرْعَوْنَ إِنَّ هذا لَساحِرٌ عَلِيمٌ (١٠٩) وفي سورة الشعراء
стр. 728
قالَ لِلْمَلَإِ حَوْلَهُ إِنَّ هذا لَساحِرٌ عَلِيمٌ (٣٤) [الشعراء] فنسب هذا القول الى فرعون؟
قلنا: قاله هو وقالوه هم فحكى تعالى قوله، ثمّ قولهم هنا.
فإن قيل: السحرة إنّما سجدوا لله تعالى طوعا، لمّا تحقّقوا معجزة موسى (ع) ، فلم قال تعالى وَأُلْقِيَ السَّحَرَةُ ساجِدِينَ (١٢٠) .
قلنا: لمّا زالت كلّ شبهة لهم بما عاينوا من آيات الله تعالى على يد نبيّه، اضطرهم ذلك الى مبادرة السجود فصاروا من غاية المبادرة، كأنّهم ألقوا الى السجود تصديقا لله ولرسوله.
فإن قيل: لم قال تعالى هنا حكاية عن السحرة الذين آمنوا وعن فرعون قالُوا آمَنَّا بِرَبِّ الْعالَمِينَ (١٢١) الى قوله سبحانه وَتَوَفَّنا مُسْلِمِينَ (١٢٦) ثمّ حكى عنهم هذا المعنى في سورة طه، وسورة الشعراء، بزيادة ونقصان في الألفاظ المنسوبة إليهم وهذه الواقعة ما وقعت إلا مرّة واحدة، فلم اختلفت عبارتهم فيها؟
قلنا: الجواب عنه، أنهم إنما تكلموا بذلك بلغتهم لا باللغة العربية، وحكى الله ذلك عنهم باللغة العربية مرارا لحكمة اقتضت التكرار والإعادة، نبيّنها في سورة الشعراء إن شاء الله تعالى، فمرّة حكاه مطابقا للفظهم في الترجمة رعاية للفظ وبعد ذلك حكاه بالمعنى جريا على عادة العرب في التفنّن في الكلام، والمخالفة بين أساليبه، لئلّا يملّ إذا تمحّض تكراره.
فإن قيل: في قوله تعالى مَهْما تَأْتِنا بِهِ مِنْ آيَةٍ لِتَسْحَرَنا بِها [الآية ١٣٢] لم سموها آية، ثم قالوا لتسحرنا بها؟
قلنا: ما سموها آية لاعتقاد أنها آية، بل حكاية لتسمية موسى (ع) على طريق الاستهزاء والسخرية.
فإن قيل: لم قال تعالى وَدَمَّرْنا ما كانَ يَصْنَعُ فِرْعَوْنُ وَقَوْمُهُ وَما كانُوا يَعْرِشُونَ (١٣٧) أي أهلكنا، وقال سبحانه في موضع آخر:
فَأَخْرَجْناهُمْ مِنْ جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ (٥٧) وَكُنُوزٍ وَمَقامٍ كَرِيمٍ (٥٨) كَذلِكَ وَأَوْرَثْناها بَنِي إِسْرائِيلَ (٥٩) [الشعراء] ؟
قلنا: معناه: ودمرنا، أي أبطلنا ما كان يصنع فرعون وقومه من المكر والمكيدة في حق موسى (ع) وَما كانُوا يَعْرِشُونَ (١٣٧) أي يبنون من الصرح الذي أمر فرعون هامان ببنائه ليصعد بواسطته الى السماء. وقيل هو
стр. 729
على ظاهره، لأن الله تعالى أورث ذلك بني إسرائيل مدّة، ثم دمّره جميعه.
فإن قيل: في قوله تعالى وَإِذْ أَنْجَيْناكُمْ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَسُومُونَكُمْ سُوءَ الْعَذابِ يُقَتِّلُونَ أَبْناءَكُمْ وَيَسْتَحْيُونَ نِساءَكُمْ وَفِي ذلِكُمْ بَلاءٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَظِيمٌ (١٤١) وَفِي ذلِكُمْ: إن كان إشارة إلى الإنجاء فليس فيه بلاء، بل هو محض نعمة، وإن كان إشارة إلى القتل والأسر، فإضافته إلى آل فرعون بقوله تعالى وَفِي ذلِكُمْ بَلاءٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَظِيمٌ أشدّ مناسبة لسياق الآية، وهو الامتنان: ولهذا قيل:
يقتّلون ويستحيون، فأضاف إليهم الفعلين.
قلنا: البلاء مشترك بين النعمة والمحنة، لأنه من الابتلاء وهو الاختبار يقال بلاه وابتلاه: أي اختبره، والله تعالى يختبر شكر عباده بالنعمة، ويختبر صبرهم بالمحنة، يؤيّده قوله تعالى وَبَلَوْناهُمْ بِالْحَسَناتِ وَالسَّيِّئاتِ [الآية ١٦٨] وقوله تعالى وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً [الأنبياء:
٣٥] فمعنى الآية، وفي ذلك الإنجاء نعمة عظيمة من ربّكم عليكم.
فإن قيل: في قوله تعالى: وَواعَدْنا مُوسى ثَلاثِينَ لَيْلَةً وَأَتْمَمْناها بِعَشْرٍ [الآية ١٤٢] المواعدة كانت أمره بالصوم في هذا العدد، فلم ذكرت الليالي مع أنها ليست محلّا للصوم، بل يقع في القلب أنّ ذكر الأيام أولى، لأنها محل الصوم الذي وقعت به المواعدة؟
قلنا: العرب في أغلب تواريخها إنّما تذكر الليالي وإن كان مرادها الأيام لأن الليل هو الأصل في الزمان، والنهار عارض لأن الظلمة سابقة في الوجود على النور. وقيل إنه كان في شريعة موسى (ع) جواز صوم الليل.
فإن قيل: ما الحكمة من قوله تعالى فَتَمَّ مِيقاتُ رَبِّهِ أَرْبَعِينَ لَيْلَةً [الآية ١٤٢] وقد علم مجموع الميقات من قوله تعالى وَواعَدْنا مُوسى ثَلاثِينَ لَيْلَةً وَأَتْمَمْناها بِعَشْرٍ [الآية ١٤٢] ؟
قلنا: فيه فوائد: إحداها التأكيد.
الثانية أن يعلم أن العشر ليال لا ساعات. الثالثة أن لا يتوهم أنّ العشر التي وقع بها الإتمام كانت داخلة في الثلاثين، يعني كانت عشرين وأتمّت بعشر، كما في قوله تعالى: وَبارَكَ فِيها وَقَدَّرَ فِيها أَقْواتَها فِي أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ [فصّلت:
١٠] على ما نذكره مشروحا في حم السجدة.
стр. 730
فإن قيل: لم قال موسى (ع) وَأَنَا أَوَّلُ الْمُؤْمِنِينَ (١٤٣) وقد كان قبله كثير من المؤمنين، وهم الأنبياء ومن آمن بهم؟
قلنا: معناه، وأنا أوّل المؤمنين بأنّك يا الله، لا ترى بالحاسّة الفانية من الجسد الفاني، في دار الفناء. وقيل معناه: وأنا أوّل المؤمنين من بني إسرائيل في زماني. وقيل أريد بالأوّل الأقوى والأكمل في الإيمان، يعني كأنّ القول: لم يكن طلبي للرؤية لشكّ عندي في وجودك أو لضعف في إيماني، بل لطلب مزيد الكرامة.
فإن قيل: لم قال تعالى: وَأْمُرْ قَوْمَكَ يَأْخُذُوا بِأَحْسَنِها [الآية ١٤٥] أي التوراة، وهم مأمورون بالعمل بكلّ ما في التوراة؟
قلنا: معناه بحسنها وكلّها حسن.
الثاني أنهم أمروا فيها بالخير ونهوا عن الشر، ففعل الخير أحسن من ترك الشر. الثالث أن فيها حسنا وأحسن كالاقتصاص والعفو، والانتصار والصبر، والواجب والمندوب والمباح، فأمروا بالأخذ بالعزائم والفضائل، وما هو أكثر ثوابا.
فإن قيل: لم قال تعالى وَاتَّخَذَ قَوْمُ مُوسى مِنْ بَعْدِهِ مِنْ حُلِيِّهِمْ عِجْلًا جَسَداً لَهُ خُوارٌ [الآية ١٤٨] واتّخاذهم العجل كان في زمن موسى (ع) بالنقل، وفي سياق الآية ما يدلّ على ذلك.
قلنا: معناه من ذهابه إلى الجبل.
وقيل من بعد الأخذ عليهم أن لا يعبدوا غير الله.
فإن قيل: لم عبّر عن الندم بالسقوط في اليد، في قوله تعالى وَلَمَّا سُقِطَ فِي أَيْدِيهِمْ [الآية ١٤٩] وأي مناسبة بينهما؟
قلنا: لأنّ من عادة من اشتدّ ندمه وحسرته على فائت، أن يعضّ يده غمّا، فتصير يده مسقوطا فيها، لأنّ فاه قد رفع فيها و «سقط» مسند إلى «في أيديهم» ، وهو من كنايات العرب كقولهم للنائم: ضرب على أذنه.
فإن قيل: لم قال تعالى غَضْبانَ أَسِفاً [الآية ١٥٠] وهما متقاربان في المعنى؟
قلنا: لأن الأسف الحزين، وقيل الشديد الغضب ففيه فائدة جديدة.
فإن قيل: لم قال تعالى أَخَذَ الْأَلْواحَ وَفِي نُسْخَتِها هُدىً وَرَحْمَةٌ [الآية ١٥٤] ولم يقل وفيها، وإنّما يقال
стр. 731
نسختها لشيء كتب مرة ثم نقل فأما أوّل مكتوب فلا يسمّى نسخة، والألواح لم تكتب من مكتوب آخر؟
قلنا: لما ألقى الألواح، قيل إنّه انكسر منها لوحان، فنسخ ما فيهما في لوح ذهب، وكان فيهما الهدى والرحمة، وفي باقي الألواح تفصيل كل شيء وقيل إنما قيل وَفِي نُسْخَتِها لأن الله تعالى لقّن موسى (ع) التوراة، ثمّ أمره فنقلها بكتابتها من صدره إلى الألواح، فسمّاها نسخة.
فإن قيل لم قال تعالى وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنْزِلَ مَعَهُ [الآية ١٥٧] أي مع النبي (ص) يعني القرآن، والقرآن إنما أنزل مع جبريل (ع) على النبي (ص) ، لا مع النبي (ص) ؟
قلنا: معه: أي مقارنا لزمانه. وقيل معه: أي عليه، وقيل معه: أي إليه، ويجوز ان يتعلّق معه باتّبعوا لا بأنزل معناه: واتبعوا القرآن المنزل مع اتباع النبي (ص) والعمل بسنّته، أو واتّبعوا القرآن كما اتّبعه هو، مصاحبين له في اتّباعه.
فإن قيل: لم قال تعالى فَبَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ قَوْلًا غَيْرَ الَّذِي قِيلَ لَهُمْ [الآية ١٦٢] وهم إنّما بدّلوا القول الذي قيل لهم، لأنهم قيل لهم وَقُولُوا حِطَّةٌ [البقرة: ٥٨] فقالوا حنطة؟
قلنا: قد سبق هذا السؤال وجوابه في سورة البقرة.
فإن قيل: لم قال تعالى قُلْنا لَهُمْ كُونُوا قِرَدَةً خاسِئِينَ [الآية ١٦٦] وانتقالهم من صورة البشر الى صورة القردة، ليس في وسعهم؟
قلنا: قد سبق هذا السؤال وجوابه في سورة البقرة.
فإن قيل: الحلم من صفات الله تعالى، فلماذا قال عزّ وعلا إِنَّ رَبَّكَ لَسَرِيعُ الْعِقابِ [الآية ١٦٧] وسرعة العقاب تنافي صفة الحلم، لأن الحليم هو الذي لا يعجّل بالعقوبة على العصاة؟
قلنا: معناه شديد العقاب. وقيل معناه سريع العقاب إذا جاء وقت عقابه، لا يردّه عنه أحد.
فإن قيل: التمسّك بالكتاب يشتمل على كل عبادة، ومنها إقامة الصلاة، فلماذا قال تعالى وَالَّذِينَ يُمَسِّكُونَ بِالْكِتابِ وَأَقامُوا الصَّلاةَ [الآية ١٧٠] .
قلنا: إنّما خصّها بالذكر، إظهارا
стр. 732
لمزيتها، لكونها عماد الدين بالحديث، وناهية عن الفحشاء والمنكر بالآية.
فإن قيل: قوله تعالى فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الْكَلْبِ إِنْ تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ [الآية ١٧٦] تمثيل لحال بلعام «١» ، فلماذا ورد بعده قوله ساءَ مَثَلًا الْقَوْمُ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا [الآية ١٧٧] والمثل لم يضرب إلّا لواحد؟
قلنا: المثل في الصورة، وإن ضرب لبلعام، ولكن أريد به كفّار مكّة كلّهم لأنهم صنعوا مع النبي (ص) ، بسبب ميلهم الى الدنيا وشهواتها، من الكيد والمكر، ما يشبه فعل بلعام مع موسى (ع) . الثاني أنّ ساءَ مَثَلًا الْقَوْمُ راجع إلى قوله تعالى مَثَلُ الْقَوْمِ لا إلى أول الآية.
فإن قيل: لم ورد على لسان النبي (ص) إِلَّا نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (١٨٨) وهو (ص) ، كان بشيرا ونذيرا للنّاس كافّة كما قال تعالى وَما أَرْسَلْناكَ إِلَّا كَافَّةً لِلنَّاسِ بَشِيراً وَنَذِيراً [سبأ: ٢٨] ؟
قلنا: المراد بقوله تعالى لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ لقوم كتب عليهم في الأزل أنهم يؤمنون، وإنّما خصّهم بالذكر، لأنهم هم المنتفعون بالإنذار والبشارة دون غيرهم، فكأنه نذير وبشير لهم خاصّة، كما قال تعالى إِنَّما أَنْتَ مُنْذِرُ مَنْ يَخْشاها (٤٥) [النازعات] ويجوز أن يكون متعلق النذير محذوفا تقديره: إن أنا إلّا نذير للكافرين وبشير لقوم يؤمنون فاستغنى بذكر أحدهما عن الاخر، كما استغنى بالجملة عن التفصيل، في تلك الآية لأن المعنى:
وما أرسلناك إلا كافّة بشيرا للمؤمنين ونذيرا للكافرين.
فإن قيل: لم قال الله تعالى حكاية عن آدم (ع) وحوّاء ﵂ جَعَلا لَهُ شُرَكاءَ فِيما آتاهُما [الآية ١٩٠] وقال فَتَعالَى اللَّهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ (١٩٠) والأنبياء معصومون عن مطلق الكبائر، فضلا عن الشرك الذي هو أكبر الكبائر؟
قلنا: المراد بقوله تعالى جَعَلا لَهُ أي جعل أولادهما بطريق حذف المضاف، وكذا قوله تعالى فِيما آتاهُما أي فيما آتى أولادهما، ويؤيّد هذا قوله تعالى فَتَعالَى اللَّهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ
стр. 733
حيث ذكر ضمير الجمع، ولم يقل يشركان ومعنى اشتراك أولادهما فيما آتاهم الله تعالى، تسميتهم أولادهم بعبد العزّى وعبد مناف، وعبد شمس، ونحو ذلك، مكان عبد الله، وعبد الرحمن، وعبد الرحيم.
وقيل الضمير في «جعلا» للولد الصالح، وهو السليم الخلق، وإنّما قيل «جعلا» لأنّ حواء كانت تلد في بطن ذكرا وأنثى. وقيل المراد بذلك تسميتها إياه عبد الحارث، والحارث اسم إبليس في الملائكة، وسبب تلك التسمية يعرف من تفسير الآية، وإنما قيل «شركاء» إقامة للواحد مقام الجمع، ولم يذهب آدم وحواء إلى أن الحارث ربه، بل قصد أنه كان سبب نجاته. وقال جمهور المفسّرين: قوله تعالى فَتَعالَى اللَّهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ في مشركي العرب خاصّة، وهو منقطع عن قصّة آدم وحواء ﵉.
стр. 734
المبحث الثامن المعاني المجازية في سورة «الأعراف» «١»
في قوله تعالى: وَمَنْ خَفَّتْ مَوازِينُهُ فَأُولئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ بِما كانُوا بِآياتِنا يَظْلِمُونَ (٩) . استعارة. لأن الخسران في التعارف إنّما هو النقص في أثمان المبيعات. وذلك يخصّ الأموال لا النفوس. إلّا أنه سبحانه لمّا جاء بذكر الموازين وثقلها وخفّتها، جاء بذكر الخسران بعدها، ليكون الكلام متّفقا، وقصص الحال متطابقا.
وكأنه سبحانه جعل نفوسهم لهم بمنزلة العروض المملوكة، إذ كانوا يوصفون بأنهم يملكون نفوسهم، كما يوصفون بأنهم يملكون أموالهم.
وذكر خسرانهم لها، لأنهم عرّضوها للخسار، وأوجبوا لها عذاب النار.
فصارت في حكم العروض المتلفات، وتجاوزوا حدّ الخسران في الأثمان، إلى حد الخسران في الأعيان.
وفي قوله سبحانه حاكيا عن إبليس:
قالَ فَبِما أَغْوَيْتَنِي لَأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِراطَكَ الْمُسْتَقِيمَ (١٦) استعارة، والصراط هنا كناية عن الدين، جعله الله سبحانه طريقا للنجاة والمفاز، وفي داري القرار والمجاز وإنما قال صراطك، لمّا كان الدين كالطريق المؤدية إلى رضا الله سبحانه ومثوبته، الموصلة إلى نعيمه وجنته. فكان إبليس- لعنه الله- إنما يوعد بالقعود على طريق الدين ليضلّ عنه كلّ قاصد، ويردّ عنه كلّ وارد، بمكره وخدائعه، وتلبيسه ووساوسه.
تشبيها بالقاعد على مدرجة بعض السّبل ليخوّف السالكين منها، ويعدل
стр. 735
بالقاصدين عنها. والمراد: لأقعدنّ لهم على صراطك المستقيم، فلمّا حذف الجارّ انتصب الصراط.
والحذف هنها أبلغ في الفصاحة، وأعرق في أصول العربية. ونظيره قول الشاعر «١» .
كما عسل الطريق الثعلب
أي عسل في الطريق.
وكلّ ما في القرآن من ذكر سبيل الله سبحانه، فالمراد به الطريق المفضية إلى طاعته عاجلا، وإلى جنّته آجلا.
وقوله سبحانه: فَدَلَّاهُما بِغُرُورٍ [الآية ٢٢] . استعارة. والمراد أنه أوقعهما في أهوائه بغروره لهما. وكل واقع في مثل ذلك فإنه نازل من علو إلى استفال، ومن كرامة إلى إذلال.
فلذلك قال تعالى: فَدَلَّاهُما بِغُرُورٍ.
وقد استقصينا الكلام على ذلك في كتابنا الكبير، عند القول فيما اختلف العلماء فيه من ذنوب الأنبياء (ع) .
وقول تعالى: يا بَنِي آدَمَ قَدْ أَنْزَلْنا عَلَيْكُمْ لِباساً يُوارِي سَوْآتِكُمْ وَرِيشاً وَلِباسُ التَّقْوى ذلِكَ خَيْرٌ [الآية ٢٦] وقد قرئ:
ورياشا «٢» ، وهما جميعا استعارة هنا «٣» . لأنّ المراد بهما اللباس.
وسمي اللباس ريشا ورياشا تشبيها بريش الطائر الذي يستر جملته. ومن كلام العرب: أعطيته رجلا بريشه. أي بكسوته.
وقال المفسّرون: معنى لباس التّقوى، ما كان من الملابس يستر العورة، لأنّ ستر العورة من أسباب التّقوى. وقرئ: «ولباس التّقوى» .
نصبا بأنزلنا عليكم. والرفع فيه على معنى الابتداء. ويكون «خير» خبرا له. فيكون المعنى: ولباس التقوى المشار إليه خير. وهذا أسدّ القولين في هذا المعنى.
وفي قوله تعالى:
стр. 736
وَأَقِيمُوا وُجُوهَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ [الآية ٢٩] استعارة.
لأن الوجه لا يصحّ عليه القيام.
والمعنى: «فوجّهوا وجوهكم عند كل مسجد» . ويجوز أن يكون معنى ذلك: «فتوجّهوا بجملتكم نحو كل مسجد» . لأن وجه الشيء عبارة عن جملته.
وقوله تعالى: إِنَّ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا وَاسْتَكْبَرُوا عَنْها لا تُفَتَّحُ لَهُمْ أَبْوابُ السَّماءِ [الآية ٤٠] استعارة. والمراد لا يصلون إلى الجنة ولا يتسهّل لهم السبيل إليها، ولا يستحقّون بأعمالهم الدخول إليها. ومثل ذلك قوله سبحانه: فَفَتَحْنا أَبْوابَ السَّماءِ بِماءٍ مُنْهَمِرٍ (١١) [القمر] أي سهّلنا خروجه من السماء إلى الأرض، ورفعنا الحواجز بينه وبين الخلق.
وقوله تعالى: لَهُمْ مِنْ جَهَنَّمَ مِهادٌ وَمِنْ فَوْقِهِمْ غَواشٍ [الآية ٤١] وهذه استعارة. وقد مضى في (آل عمران) إلّا أنّ الزيادة هاهنا قوله سبحانه: وَمِنْ فَوْقِهِمْ غَواشٍ فكأنه جعل لهم من النار أمهدة مفترشة وأغشية مشتملة، فيكون استظلالهم بحرها، كاستقرارهم على جمرها. نعوذ بالله من ذلك.
وقوله سبحانه: وَنَزَعْنا ما فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ [الآية ٤٣] . وهذه استعارة. لأنه ليس هناك شيء يتأتّى نزعه على الحقيقة. والمعنى: أزلنا ما في صدورهم من الغلّ بإنسائهم إيّاه، وبإحداث أبدال له تشغل أماكنه من قلوبهم، وتشفع مواقعه من صدورهم.
وقال بعض المفسّرين: معنى ذلك:
أهل الجنة لا يحسد بعضهم بعضا على علوّ المنزلة فيها، والبلوغ إلى مشارف رتبها. والحسد: الغلّ.
وقوله تعالى: وَنُودُوا أَنْ تِلْكُمُ الْجَنَّةُ أُورِثْتُمُوها بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (٤٣) وهذه استعارة خفيّة. وقد تكون استعارة خفيّة، واستعارة جليّة. وذلك أن حقيقة الميراث في الشرع، هو ما انتقل إلى الإنسان من ملك الغير بعد موته على جهة الاستحقاق.
فأما صفة الله تعالى بأنه الوارث لخلقه، كقوله سبحانه: وَكُنَّا نَحْنُ الْوارِثِينَ (٥٨) [القصص] وكقوله:
وَلِلَّهِ مِيراثُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ [آل عمران: ١٨٠ الحديد: ١٠] فهو مجاز.
والمراد: أنه سبحانه الباقي بعد فناء الخلق، وتقوّض السماء والأرض.
وقد استعمل ذلك أيضا في نزول قوم ديار قوم بعدهم، وأخذ قوم أموال
стр. 737
قوم بعد إجلائهم وحربهم. فقال سبحانه في هذه السورة: وَأَوْرَثْنَا الْقَوْمَ الَّذِينَ كانُوا يُسْتَضْعَفُونَ مَشارِقَ الْأَرْضِ وَمَغارِبَهَا الَّتِي بارَكْنا فِيها [الآية ١٣٧] .
وقال تعالى في موضع آخر: وَأَوْرَثَكُمْ أَرْضَهُمْ وَدِيارَهُمْ وَأَمْوالَهُمْ وَأَرْضاً لَمْ تَطَؤُها [الأحزاب: ٢٧] وليس يصحّ في ميراث الجنّة مثل هذه المعاني التي ذكرت، لأن الجنة لا يسكنها قوم بعد قوم قد فارقوها وانتقلوا عنها. فقوله سبحانه:
أَنْ تِلْكُمُ الْجَنَّةُ أُورِثْتُمُوها على الأصل الذي قدّمناه استعارة. ويكون المعنى الذي يسوّغ هذه الاستعارة، أنّ هؤلاء المؤمنين لمّا عملوا في الدار الدنيا أعمالا استحقّوا عليها الجزاء والثواب، ولم يصحّ أن يوفّر عليهم ذلك إلا في الجنّة، وهي من الدار الاخرة فكأنّهم استحقّوا دخولها.
فحسن من هذا الوجه أن يوصفوا بأنهم أورثوها، وإن لم يكن سكناهم لها بعد سكنى قوم آخرين انتقلوا عنها.
وسوّغ ذلك أيضا اختلاف حال الدّارين، وانتقالهم من الأولى إلى الآخرة. فكأنّ ما عملوه في الدار الأولى كان سببا لما وصلوا إليه في الدار الاخرة، كما يستحقّ الميراث بالسبب.
وقوله تعالى: الَّذِينَ يَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَيَبْغُونَها عِوَجاً [الآية ٤٥] وهذه استعارة، فإن، سبيل الله سبحانه:
دينه. ومعنى وَيَبْغُونَها عِوَجاً أي يبتغون عنها المتحاول، ويطلبون منها الفسح والمخارج، ويوهمون بالشّبهات أنّها معوجّة غير قويمة، ومضطربة غير مستقيمة.
وقوله تعالى: خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ وَضَلَّ عَنْهُمْ ما كانُوا يَفْتَرُونَ (٥٣) وقد مضى نظير ذلك في أوّل السورة.
وقوله سبحانه: يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهارَ يَطْلُبُهُ [الآية ٥٤] وهذه استعارة.
стр. 738
سورة الأنفال ٨
стр. 739
المبحث الأول أهداف سورة «الأنفال» «١»
أهداف السورة
من الأسباب المباشرة لنزول سورة الأنفال معالجة شؤون حدثت بين المسلمين في غزوة بدر منها كراهتهم للخروج إلى بدر حينما دعاهم الرسول إلى الخروج، وكراهتهم للقتال حينما وصلوا إلى بدر وتحتّم عليهم أن يقاتلوا.
ومنها اختلافهم بعد تمام النصر في قسمة الغنائم.
ومنها اختلاف الرأي في معاملة الأسرى أيقبلون منهم الفداء أم يقتلونهم؟
وفي جو هذه الشؤون عرضت السورة لما يجب أن يكون عليه المسلمون في خاصة أنفسهم، من جهة امتثال الأمر، والإخلاص، والحيطة والحذر من الأعداء، وتذكّر نعم الله عليهم، والآداب التي يجب مراعاتها في أثناء القتال، وفيما يتصل به، من إعداد العدّة، والمحافظة على العهود، وعلاقة بعضهم ببعض، حتى يكونوا أهلا لما وعدهم الله من النصر والتأييد وحتى يفوزوا بدرجات المغفرة والرضا عند الله.
ولا يفهم من ذلك أن كراهة القتال كانت طابعا عاما بل كانت رغبة فريق قليل ونفر محدود، كان يفضّل الغنيمة والحصول على التجارة على القتال، لكن بقية الجيش كان على استعداد للتضحية والفداء، وكان القرآن يوحّد
стр. 740
الهدف، ويرشد الجميع إلى أن القتال أفضل لأن فيه انتصافا للمؤمنين، وإعلاء لكلمة الله، ودحرا للطغيان، وتحطيما لطواغيت الكفر، وردعا للمشركين، وقد استشار النبي (ص) المسلمين قبل بدء المعركة: هل يقدم على القتال؟ أم يعود إلى المدينة؟
فأدلى أبو بكر وعمر برأيهما، ثم قام المقداد بن عمرو فقال: يا رسول الله، امض لما أراك الله، فنحن معك والله لا نقول لك كما قال بنو إسرائيل لموسى:
فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقاتِلا إِنَّا هاهُنا قاعِدُونَ (٢٤) [المائدة] ولكن نقول:
اذهب أنت وربك فقاتلا إنا معكما مقاتلون.
ثم قال النبي (ص) «أشيروا عليّ أيها الناس» ، فقام سعد بن معاذ زعيم الأنصار، وقال: يا رسول الله، آمنا بك وصدّقناك، وشهدنا أن ما جئت به هو الحق، وأعطيناك على ذلك عهودنا ومواثيقنا على السمع والطاعة، فامض لما أردت فنحن معك فو الذي بعثك بالحق نبيّا، لو استعرضت بنا هذا البحر فخضته لخضناه معك، وما تخلّف منا رجل واحد، وما نكره أن تلقى بنا عدوّنا غدا إنّا لصبر في الحرب وصدق في اللقاء، لعل الله يريك منّا ما تقرّ به عينك. وعندئذ أشرق وجه الرسول (ص) بالمسرّة، وقال لأصحابه سيروا وابشروا، فإن الله وعدني إحدى الحسنيين العير أو النفير، وقد فرّت العير فلم يبق إلا النفير فسار المسلمون، وكلهم أمل في النصر وتأييد الله.
صور من معركة بدر
نزلت سورة الأنفال في غزوة بدر، وهي الموقعة الفاصلة في تاريخ الإسلام والمسلمين، بل في تاريخ البشرية كلها إلى يوم الدين. الموقعة التي قدّر المسلمون أن تكون غايتها غنيمة أموال المشركين، وقدّر رب المسلمين أن تكون فاصلا بين الحق والباطل، وأن تكون مفرق الطريق في تاريخ الإسلام، ثم تكون مفرق الطريق في خط سير التاريخ الإنساني العام، وفيها ظهرت الاماد البعيدة، بين تدبير البشر لأنفسهم فيما يحسبونه الخير، وتدبير رب البشر لهم، ولو كرهوه في أول الأمر.
نزلت سورة الأنفال في غزوة بدر، فتضمّنت الكثير من دستور السلم