وَأَقِيمُوا وُجُوهَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ [الآية ٢٩] استعارة.
لأن الوجه لا يصحّ عليه القيام.
والمعنى: «فوجّهوا وجوهكم عند كل مسجد» . ويجوز أن يكون معنى ذلك: «فتوجّهوا بجملتكم نحو كل مسجد» . لأن وجه الشيء عبارة عن جملته.
وقوله تعالى: إِنَّ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا وَاسْتَكْبَرُوا عَنْها لا تُفَتَّحُ لَهُمْ أَبْوابُ السَّماءِ [الآية ٤٠] استعارة. والمراد لا يصلون إلى الجنة ولا يتسهّل لهم السبيل إليها، ولا يستحقّون بأعمالهم الدخول إليها. ومثل ذلك قوله سبحانه: فَفَتَحْنا أَبْوابَ السَّماءِ بِماءٍ مُنْهَمِرٍ (١١) [القمر] أي سهّلنا خروجه من السماء إلى الأرض، ورفعنا الحواجز بينه وبين الخلق.
وقوله تعالى: لَهُمْ مِنْ جَهَنَّمَ مِهادٌ وَمِنْ فَوْقِهِمْ غَواشٍ [الآية ٤١] وهذه استعارة. وقد مضى في (آل عمران) إلّا أنّ الزيادة هاهنا قوله سبحانه: وَمِنْ فَوْقِهِمْ غَواشٍ فكأنه جعل لهم من النار أمهدة مفترشة وأغشية مشتملة، فيكون استظلالهم بحرها، كاستقرارهم على جمرها. نعوذ بالله من ذلك.
وقوله سبحانه: وَنَزَعْنا ما فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ [الآية ٤٣] . وهذه استعارة. لأنه ليس هناك شيء يتأتّى نزعه على الحقيقة. والمعنى: أزلنا ما في صدورهم من الغلّ بإنسائهم إيّاه، وبإحداث أبدال له تشغل أماكنه من قلوبهم، وتشفع مواقعه من صدورهم.
وقال بعض المفسّرين: معنى ذلك:
أهل الجنة لا يحسد بعضهم بعضا على علوّ المنزلة فيها، والبلوغ إلى مشارف رتبها. والحسد: الغلّ.
وقوله تعالى: وَنُودُوا أَنْ تِلْكُمُ الْجَنَّةُ أُورِثْتُمُوها بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (٤٣) وهذه استعارة خفيّة. وقد تكون استعارة خفيّة، واستعارة جليّة. وذلك أن حقيقة الميراث في الشرع، هو ما انتقل إلى الإنسان من ملك الغير بعد موته على جهة الاستحقاق.
فأما صفة الله تعالى بأنه الوارث لخلقه، كقوله سبحانه: وَكُنَّا نَحْنُ الْوارِثِينَ (٥٨) [القصص] وكقوله:
وَلِلَّهِ مِيراثُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ [آل عمران: ١٨٠ الحديد: ١٠] فهو مجاز.
والمراد: أنه سبحانه الباقي بعد فناء الخلق، وتقوّض السماء والأرض.
وقد استعمل ذلك أيضا في نزول قوم ديار قوم بعدهم، وأخذ قوم أموال
стр. 737
قوم بعد إجلائهم وحربهم. فقال سبحانه في هذه السورة: وَأَوْرَثْنَا الْقَوْمَ الَّذِينَ كانُوا يُسْتَضْعَفُونَ مَشارِقَ الْأَرْضِ وَمَغارِبَهَا الَّتِي بارَكْنا فِيها [الآية ١٣٧] .
وقال تعالى في موضع آخر: وَأَوْرَثَكُمْ أَرْضَهُمْ وَدِيارَهُمْ وَأَمْوالَهُمْ وَأَرْضاً لَمْ تَطَؤُها [الأحزاب: ٢٧] وليس يصحّ في ميراث الجنّة مثل هذه المعاني التي ذكرت، لأن الجنة لا يسكنها قوم بعد قوم قد فارقوها وانتقلوا عنها. فقوله سبحانه:
أَنْ تِلْكُمُ الْجَنَّةُ أُورِثْتُمُوها على الأصل الذي قدّمناه استعارة. ويكون المعنى الذي يسوّغ هذه الاستعارة، أنّ هؤلاء المؤمنين لمّا عملوا في الدار الدنيا أعمالا استحقّوا عليها الجزاء والثواب، ولم يصحّ أن يوفّر عليهم ذلك إلا في الجنّة، وهي من الدار الاخرة فكأنّهم استحقّوا دخولها.
فحسن من هذا الوجه أن يوصفوا بأنهم أورثوها، وإن لم يكن سكناهم لها بعد سكنى قوم آخرين انتقلوا عنها.
وسوّغ ذلك أيضا اختلاف حال الدّارين، وانتقالهم من الأولى إلى الآخرة. فكأنّ ما عملوه في الدار الأولى كان سببا لما وصلوا إليه في الدار الاخرة، كما يستحقّ الميراث بالسبب.
وقوله تعالى: الَّذِينَ يَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَيَبْغُونَها عِوَجاً [الآية ٤٥] وهذه استعارة، فإن، سبيل الله سبحانه:
دينه. ومعنى وَيَبْغُونَها عِوَجاً أي يبتغون عنها المتحاول، ويطلبون منها الفسح والمخارج، ويوهمون بالشّبهات أنّها معوجّة غير قويمة، ومضطربة غير مستقيمة.
وقوله تعالى: خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ وَضَلَّ عَنْهُمْ ما كانُوا يَفْتَرُونَ (٥٣) وقد مضى نظير ذلك في أوّل السورة.
وقوله سبحانه: يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهارَ يَطْلُبُهُ [الآية ٥٤] وهذه استعارة.
стр. 738
سورة الأنفال ٨
стр. 739
المبحث الأول أهداف سورة «الأنفال» «١»
أهداف السورة
من الأسباب المباشرة لنزول سورة الأنفال معالجة شؤون حدثت بين المسلمين في غزوة بدر منها كراهتهم للخروج إلى بدر حينما دعاهم الرسول إلى الخروج، وكراهتهم للقتال حينما وصلوا إلى بدر وتحتّم عليهم أن يقاتلوا.
ومنها اختلافهم بعد تمام النصر في قسمة الغنائم.
ومنها اختلاف الرأي في معاملة الأسرى أيقبلون منهم الفداء أم يقتلونهم؟
وفي جو هذه الشؤون عرضت السورة لما يجب أن يكون عليه المسلمون في خاصة أنفسهم، من جهة امتثال الأمر، والإخلاص، والحيطة والحذر من الأعداء، وتذكّر نعم الله عليهم، والآداب التي يجب مراعاتها في أثناء القتال، وفيما يتصل به، من إعداد العدّة، والمحافظة على العهود، وعلاقة بعضهم ببعض، حتى يكونوا أهلا لما وعدهم الله من النصر والتأييد وحتى يفوزوا بدرجات المغفرة والرضا عند الله.
ولا يفهم من ذلك أن كراهة القتال كانت طابعا عاما بل كانت رغبة فريق قليل ونفر محدود، كان يفضّل الغنيمة والحصول على التجارة على القتال، لكن بقية الجيش كان على استعداد للتضحية والفداء، وكان القرآن يوحّد
стр. 740
الهدف، ويرشد الجميع إلى أن القتال أفضل لأن فيه انتصافا للمؤمنين، وإعلاء لكلمة الله، ودحرا للطغيان، وتحطيما لطواغيت الكفر، وردعا للمشركين، وقد استشار النبي (ص) المسلمين قبل بدء المعركة: هل يقدم على القتال؟ أم يعود إلى المدينة؟
فأدلى أبو بكر وعمر برأيهما، ثم قام المقداد بن عمرو فقال: يا رسول الله، امض لما أراك الله، فنحن معك والله لا نقول لك كما قال بنو إسرائيل لموسى:
فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقاتِلا إِنَّا هاهُنا قاعِدُونَ (٢٤) [المائدة] ولكن نقول:
اذهب أنت وربك فقاتلا إنا معكما مقاتلون.
ثم قال النبي (ص) «أشيروا عليّ أيها الناس» ، فقام سعد بن معاذ زعيم الأنصار، وقال: يا رسول الله، آمنا بك وصدّقناك، وشهدنا أن ما جئت به هو الحق، وأعطيناك على ذلك عهودنا ومواثيقنا على السمع والطاعة، فامض لما أردت فنحن معك فو الذي بعثك بالحق نبيّا، لو استعرضت بنا هذا البحر فخضته لخضناه معك، وما تخلّف منا رجل واحد، وما نكره أن تلقى بنا عدوّنا غدا إنّا لصبر في الحرب وصدق في اللقاء، لعل الله يريك منّا ما تقرّ به عينك. وعندئذ أشرق وجه الرسول (ص) بالمسرّة، وقال لأصحابه سيروا وابشروا، فإن الله وعدني إحدى الحسنيين العير أو النفير، وقد فرّت العير فلم يبق إلا النفير فسار المسلمون، وكلهم أمل في النصر وتأييد الله.
صور من معركة بدر
نزلت سورة الأنفال في غزوة بدر، وهي الموقعة الفاصلة في تاريخ الإسلام والمسلمين، بل في تاريخ البشرية كلها إلى يوم الدين. الموقعة التي قدّر المسلمون أن تكون غايتها غنيمة أموال المشركين، وقدّر رب المسلمين أن تكون فاصلا بين الحق والباطل، وأن تكون مفرق الطريق في تاريخ الإسلام، ثم تكون مفرق الطريق في خط سير التاريخ الإنساني العام، وفيها ظهرت الاماد البعيدة، بين تدبير البشر لأنفسهم فيما يحسبونه الخير، وتدبير رب البشر لهم، ولو كرهوه في أول الأمر.
نزلت سورة الأنفال في غزوة بدر، فتضمّنت الكثير من دستور السلم
стр. 741
والحرب، ودستور الغنائم والأسرى، ودستور المعاهدات والمواثيق وتضمنت بعد ذلك، الكثير من دستور النصر والهزيمة، وبتضمّنها لأسباب النصر والهزيمة، ولواجبات المجاهدين في الإعداد والاستعداد، ثم ترك الأمر بعد ذلك لله، وما النصر إلا من عند الله. ثم إنها تضمنت بعد ذلك، مشاهد من الموقعة ومشاهد من حركات النفوس قبل المعركة، وفي ثناياها وبعدها. مشاهد حية تعيد إلى المشاعر وقع المعركة، وصورها وسماتها، كأن القارئ يراها. وإلى جوار المعركة استطراد السياق أحيانا إلى صور من حياة الرسول (ص) وحياة أصحابه في مكة، حينما كانوا قليلا مستضعفين في الأرض يخافون أن يتخطّفهم الناس وصور من حياة المشركين قبل هجرة الرسول (ص) من بين ظهرانيهم ومن بعدها وأمثلة من مصائر الكافرين من قبل- كدأب آل فرعون والذين من قبلهم- والدأب معناه الصفة والشأن، أي إن شأن الكافرين واحد في تكذيب الرسل، واستحقاق العقاب وبذلك تقرر السورة سنّة الله، التي لا تتخلّف في نصر المؤمنين وهزيمة المكذبين.
الغنائم
لقد افتتحت السورة بالحديث عن الأنفال. وهي الغنائم التي يغنمها المسلمون في جهادهم لإعلاء كلمة الله. وقد ثار بين أهل بدر جدال حول تقسيمها بعد النصر في المعركة، فردهم الله إلى كلمته وحكمه فيها، ردهم إلى تقواه وطاعته، وطاعة رسوله، واستجاش فيهم وجدان التقوى والإيمان، ثم ذكّرهم بما أرادوا هم لأنفسهم من الغنيمة وما أراد الله لهم من النصر، وكيف سارت المعركة وهم قلة لا عدد لهم ولا عدة، وأعداؤهم كثرة في الرجال والعتاد، وكيف ثبتهم الله سبحانه بمدد من الملائكة، وبالمطر يستقون منه، ويثبت الأرض تحت أقدامهم فلا تسوخ في الرمال، وبالنعاس يغشاهم، فيسكب عليهم السكينة والاطمئنان، ويلقي الرعب في قلوب أعدائهم، وينزل بهم شديد العقاب. قال تعالى:
إِذْ يُغَشِّيكُمُ النُّعاسَ أَمَنَةً مِنْهُ وَيُنَزِّلُ عَلَيْكُمْ مِنَ السَّماءِ ماءً لِيُطَهِّرَكُمْ بِهِ وَيُذْهِبَ عَنْكُمْ رِجْزَ الشَّيْطانِ وَلِيَرْبِطَ عَلى قُلُوبِكُمْ وَيُثَبِّتَ بِهِ الْأَقْدامَ (١١) .
стр. 742
الحرب والسلام
تضمنت سورة الأنفال دراسة كاشفة وتصويرا ملموسا، للمواقف الناجحة والحروب الهادفة كما رسمت السورة، مع سورة أخرى في القرآن الكريم، أسباب النصر في الميدان، ومن هذه الأسباب ما يأتي:
١- إخلاص النية، والرغبة في الشهادة، وإيثار الاخرة على الدنيا، وتحمّل تبعات الحرب وآلام القتال.
٢- الثبات في اللقاء، وتذكّر الله سبحانه في العسر واليسر، وعدم الفرار من الميدان، وبذل النفس والنفيس في سبيل الله.
٣- إعداد العدّة، وتجهيز أدوات القتال والتدريب عليها، مع وحدة الصف، وتماسك القوى، وترابط المقاتلين.
٤- التوكل على الله، والالتجاء إليه بعد الأخذ في الأسباب، وطاعة القائد وتنفيذ الأوامر، والمحافظة على النظام وأخذ الحذر.
٥- البعد عن التنازع والاختلاف في حال القتال وما يتعلق به، فإن النزاع والخلاف من أكبر الأسباب في إذهاب القوة وتمكين الأعداء: وَلا تَنازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ [الآية ٤٦] .
أي لا تختلفوا، فإنّ الخلاف يؤدي الى الضعف والهزيمة، وضياع القوة والدولة.
٦- عدم تصديق الخلافات والأراجيف، ومصاولة اليأس والقنوط، والقضاء على أساليب العدو وعلى الحرب النفسية التي يشنها، رغبة منه في تثبيط الهمم والتيئيس من النصر.
ثم يأمر الله المؤمنين في سورة الأنفال، أن يثبتوا في كل قتال، مهما خيّل إليهم في أول الأمر من قوة أعدائهم. فإن الله هو الذي يقتل، وهو الذي يرمي، وهو الذي يدبّر، وما هم إلا أسباب ظاهرة لتنفيذ إرادة الله.
وسخر القرآن من المشركين الذين كانوا قبل الموقعة يستفتحون، فيطلبون أن تدور الدائرة على أضل الفريقين وأقطعهما للرحم، فيقول:
إِنْ تَسْتَفْتِحُوا فَقَدْ جاءَكُمُ الْفَتْحُ [الآية ١٩] .
ويحذر المسلمين أن يتشبهوا بالكفار والمنافقين الذين يسمعون
стр. 743
بآذانهم، ولكنهم لا يسمعون بقلوبهم، لأنهم لا يستجيبون ولا يهتدون.
ثم تدعو السورة إلى الاستجابة لله وللرسول إذا دعاهم لما يحييهم، ولو خيّل إليهم أن فيه القتل والموت، وتذكّرهم كيف كانوا قليلا مستضعفين يخافون أن يتخطّفهم الناس، فأعزّهم الله ونصرهم، وأنهم، إذا اتقوا الله جعل لهم فرقانا من النصر الكامل، ذلك فوق تكفير السيئات وغفران الذنوب، وما ينتظرهم من فضل الله الذي تتضاءل دونه المغانم والأموال.
وكما وضعت سورة الأنفال صفحة في كتاب الإسلام عن الجهاد، فإنها قابلتها بصفحة أخرى عن السلم لمن يجنح إليه ويختار الهدنة. ويتّضح لنا من السورة، أن السلم هو القاعدة في الإسلام، أما الحرب فطارئة لدفع الباطل وإقرار الحق ثم يدعو الإسلام إلى السلم دعوته إلى الجهاد، ويحافظ على العهد ما وفي به المعاهدون، ويؤمّن المخالفين للإسلام في العقيدة من كل اعتداء غادر، ويحصر الحروب في أضيق نطاق تقضي به ضرورة تأمين السلم والحق والعدل.
يقول :
وَإِنْ جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَها وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (٦١) .
والتعبير عن الميل إلى السلم بالجنوح، تعبير لطيف، يلقي ظل الدعة الرقيق، فهي حركة جناح يميل إلى السلم، ويرخي ريشه في وداعة واطمئنان، فإذا الجوّ من حوله طمأنينة وسلام.
وهناك حالة استثنائية واحدة، هي حالة جزيرة العرب، التي سيجيء في سورة براءة، نبذ عهود المشركين فيها جميعا، وتخليصها من الشرك كافّة، لتكون موطنا خالصا للإسلام.
صفات المؤمنين
تعرّضت سورة الأنفال لبيان صفات المؤمنين، كما ورد تحديد هذه الصفات في أول سورة «البقرة» وأول سورة «المؤمنون» ، وفي سورة «الفرقان» وفي كثير من السور.
وإذا استوعبنا هذه الآيات، وجدناها تدور حول تحديد المؤمن- الذي يريده الله- بمن يجمع بين سلامة العقيدة وسلامة الخلق، وصلاح العمل، وبمن يكون في ذلك كله، مثالا صادقا، وصورة صحيحة لأوامر الله وإرشاداته.
стр. 744
وقد وصف الله المؤمنين في سورة الأنفال بخمس صفات هي: وجل القلوب عند ذكر الله، وزيادة الإيمان عند تلاوة آياته، والتوكل على الله وحده، وإقامة الصلاة، والإنفاق مما رزق الله. ثم بيّن أنهم بهذه الصفات يكونون أهل الإيمان حقا، ويكون لهم عند الله درجات عالية في الجنة.
فالمؤمن حقّا يراقب مولاه، ويرجو رحمته، ويخشى عقابه، ويخشع عند تذكّر آياته وهو في خشوعه وخضوعه وعبادته، مخلص القلب، ثابت اليقين.
ومن صفات المؤمن، زيادة إيمانه ورسوخ عقيدته عند تلاوة القرآن وتدبر آياته، ومعرفة أحكامه وأسراره كما أن إقامته للصلاة وأداءه للزكاة، تقتضيان هذا الإيمان سلوكا وتطبيقا، ممّا يزيّن الإيمان في القلب ويزيده ثقة ويقينا.
فالصلاة في حقيقتها، مناجاة، ومناداة، وخشوع، وخضوع، وقراءة، ودعاء. ومن ثمرتها، طهارة المؤمن من الفحشاء والمنكر، وتهذيب الغرائز، وتقويم السلوك، وتربية الضمير. والزكاة فيها تكافل المجتمع، وترابط الأغنياء والفقراء.
وفي سورة الأنفال، حثّ على الإنفاق من كل ما رزق الله، وهو يشمل، كما فصّل الفقهاء، زكاة الأموال، وزكاة الزروع والثمار، وزكاة الماشية، وزكاة الرّكاز وكل ما يستخرج من باطن الأرض، وزكاة التجارة. ولا نكاد نجد آية عرضت للصلاة، إلا وتذكر الإنفاق في سبيل الله. كما أنا لا نكاد نجد آية تعرضت لأوصاف المؤمنين، وتهملهما أو تهمل أحدهما.
فقد جعل الله إقامة الصلاة، مثالا لبذل النفس في سبيله، وجعل الإنفاق مثالا لبذل المال في سبيله.
وبذلك يتّسم الإيمان بطابع تهذيب النفس وطهارة القلب، كما يتّسم بأنه دافع عملي إلى السلوك النافع، والعمل الصالح الذي يؤدي إلى إصلاح المجتمع، وتماسك الأمة، وتقوية روابط المودة والرحمة والألفة بين الناس.
نداءات إلهية للمؤمنين
أخذت سورة الأنفال تنادي المؤمنين ست مرات بوصف الإيمان. في النداء الأول: تأمرهم بالثبات في الميدان، والشجاعة في القتال وتنهاهم عن الفرار من المعركة، وتتوعد الفارّ من
стр. 745
ميدان القتال بعذاب السعير، وغضب الله العليّ القدير. والنداء الثاني:
يشتمل على الأمر بطاعة الله ورسوله وقد امتثل المسلمون لذلك الأمر فانقادوا لأحكام الله، وبذلوا أنفسهم وأموالهم في سبيله سبحانه. وهذا الطريق هو طريق النصر للسابقين واللاحقين:
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ [الآية ٢٠] .
والنداء الثالث: الاستجابة لله وللرسول، وتغليب أمرهما على كل ما سواهما، من أوامر، وفي الحديث الشريف:
«ثلاث من كنّ فيه وجد حلاوة الإيمان: أن يكون الله ورسوله أحبّ إليه ممّا سواهما، وأن يحبّ المرء لا يحبّه إلّا لله، وأن يكره أن يعود في الكفر كما يكره أن يقذف في النار» .
النداء الرابع: دعوة إلى ترك الخيانة، والبعد عن إفشاء أسرار الأمة:
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَخُونُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ وَتَخُونُوا أَماناتِكُمْ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ (٢٧) .
النداء الخامس: دعوى إلى تقوى الله في أحكامه وسننه، وبيان أن التقوى شجرة مثمرة، وأعظم ثمارها النور الذي يبصّر صاحبه بالحق، والعدل، وطريق الصلاح والهدى.
النداء السادس: يأمر بذكر الله، وتلاوة كتابه، وينهى عن الفرقة والتنازع والاختلاف، ويحثّ على الصبر والتمسّك بالوحدة والجماعة، حيث يقول :
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُوا وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيراً لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (٤٥) .
стр. 746
المبحث الثاني ترابط الآيات في سورة «الأنفال» «١»
تاريخ نزول السورة ووجه تسميتها
نزلت سورة الأنفال بعد سورة البقرة، وكان نزولها بعد غزوة بدر، وكانت غزوة بدر في السنة الثانية من الهجرة، فتكون سورة الأنفال من السّور التي نزلت بين غزوة بدر وصلح الحديبية.
وقد سميت هذه السورة بهذا الاسم، لقوله تعالى في أوّلها: يَسْئَلُونَكَ عَنِ الْأَنْفالِ قُلِ الْأَنْفالُ لِلَّهِ وَالرَّسُولِ والأنفال هي الغنائم، وتبلغ آياتها خمسا وسبعين آية.
الغرض منها وترتيبها
نزلت سورة الأنفال في غزوة بدر لتشرح وقائعها، وتستخلص وجوه العبر منها، وكانوا قد تنازعوا بعدها في قسمة الأنفال، لأن النبي (ص) قسم على من حضرها وبعض من لم يحضرها، فأعطى ممن لم يحضرها عثمان بن عفان، لأنه تركه على ابنته رقيّة زوجه وكانت مريضة، وأعطى طلحة بن عبيد الله وسعيد بن زيد، وكان قد بعثهما للتجسس على العير، وثلاثتهم من المهاجرين، وكذلك أعطى خمسة من الأنصار، وقيل إن من باشر القتال فقتل وأسر نازع من كان يقف مع النبي (ص) ، فقال الأولون:
الغنائم لنا لأننا قتلنا وهزمنا. وقال الآخرون كنا ردءا لكم، ولو انهزمتم
стр. 747
لا نحزتم إلينا، فلا تذهبوا بالغنائم دوننا.
فسألوا النبي (ص) عن حكمها، فنزلت هذه السورة تجيبهم في أولها بأن قسمة الأنفال لله ورسوله، لأن الله هو الذي نصرهم ومكّنهم منها، فدبّر لهم ما دبّر في هذه الغزوة، وأمدّهم بما أمدّهم به من الملائكة، إلى غير هذا ممّا ذكره في هذا السياق ثم تجيبهم بعد هذا ببيان مصرف الأنفال، وقد فصلت في هذا قسمتها، وبيّن السياق أنّ خمسها لله وللرسول ولذي القربي واليتامى والمساكين وابن السبيل، وأيد حقهم في خمسها بمثل ما أيد به حق الله والرسول في قسمتها، ومضى السياق في هذا إلى آخر السورة.
وقد ذكرت هذه السورة بعد سورة «الأعراف» ، لأن فيها تحقيق ما أنذر به المشركون في هذه السورة، ولأنها تعدّ هي وسورة التوبة، كسورة واحدة متممة للسبع الطوال.
تفويض قسمة الأنفال لله والرسول الآيات (١- ٤٠)
قال الله تعالى: يَسْئَلُونَكَ عَنِ الْأَنْفالِ قُلِ الْأَنْفالُ لِلَّهِ وَالرَّسُولِ فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَصْلِحُوا ذاتَ بَيْنِكُمْ وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (١) فذكر جلّ وعلا أن قسمة الأنفال من حقه وحق رسوله، وأمرهم أن يتقوه ويصلحوا ذات بينهم، ويطيعوا ما يؤمرون به، إن كانوا مؤمنين، لأن المؤمنين هم الذين إذا ذكر الله وجلت قلوبهم، وإذا تليت عليهم آياته زادتهم إيمانا، إلى غير هذا مما ذكره من صفاتهم.
ثم ذكر سبحانه أنه لا يفعل في تقسيم الأنفال إلا ما فيه مصلحتهم، وإن خفيت عليهم. كما أخرجه من بيته يوم بدر بوعده الحق من النصر على المشركين، وإنّ فريقا منهم لكارهون لقتالهم، ثم ذكر إذ يعدهم إحدى الطائفتين وهي النفير أنّها لهم، وأنهم ودّوا أن غير ذات الشوكة وهي العير تكون لهم، وأنه يريد أن يحق الحق بتسليطهم على ذات النفير، وأن يقطع دابر الكافرين.
ثم ذكر إذ يستغيثونه فأمدّهم بألف من الملائكة مردفين، وأنه لم يجعل هذا الإمداد إلا بشرى لهم، ولتطمئن به قلوبهم، وما النصر إلا من عنده وحده سبحانه، وليس بالملائكة ولا بغيرهم،
стр. 748
ثم ذكر إذ يغشّيهم النوم ليحصل لهم به الأمن، وما أنزل عليهم من المطر ليطهّرهم به ويذهب عنهم وسوسة الشيطان، وكان المشركون قد سبقوا إلى الماء وغلبوا عليه، وطمعوا أن تكون لهم الغلبة به، وقد عطش المؤمنون وخافوا، وأعوزهم الماء للشرب والطهارة.
ثم ذكر إذ يوحي إلى الملائكة أنه معهم، وأمره لهم بتثبيت المؤمنين، وإخباره لهم بأنه سيلقي الرعب في قلوب المشركين، وأمره لهم بأن يضربوهم فوق الأعناق ويضربوا منهم كل بنان، لأنهم شاقّوا الله ورسوله، والله شديد العقاب، فليذوقوا هذا العذاب في الدنيا ولهم في الاخرة عذاب النار، ثم ذكر نهيه للمؤمنين أن يولّوهم الأدبار عند لقائهم، ووعيده لمن يفعل هذا منهم.
ثم ذكر أنه مع هذا لا يكون المؤمنون هم الذين قتلوهم، ولكنه هو الذي قتلهم بتدبيره لهم، وقد أراد ذلك ليبلي المؤمنين بلاء حسنا على ما أصابهم من المشركين قبل هذه الغزوة، ويوهن كيدهم بمن قتل من صناديدهم، ثم ذكر للمشركين أنهم إن يستنصروا بالهتهم فقد جاءهم استنصارهم بنصر المؤمنين عليهم، وإن ينتهوا عن القتال فهو خير لهم، وإن يعودوا إليه يعد إليهم بمثل ذلك النصر، ولن تغني عنهم فئتهم شيئا ولو كثرت.
ثم أخذ السياق في وعظهم بما يناسب مقام هذه الوقائع، فأمرهم سبحانه أن يستجيبوا له ولرسوله، ولا يتنازعوا فيما يدعوهم إليه، كما تنازعوا في تقسيم الأنفال، وفي دعوتهم إلى القتال، ثم حذّرهم أن يصيبهم بالخلاف والتنازع فتنة تعمّ الظالم وغيره منهم، وأمرهم أن يذكروا وهم قليل مستضعفون بمكة، فاواهم في المدينة ونصرهم بفضل طاعتهم، وإذعانهم له ولرسوله.
ثم نهاهم أن يخونوا الله ورسوله بالتّجسّس للأعداء وغيره، وأمرهم أن يعلموا أن أموالهم وأولادهم فتنة لهم، فلا يقاتلوا لأجل الغنائم، ولا يفتتنوا بها، كما افتتنوا في غنائم بدر، ثم ذكر لهم أنهم إن يتقوه ينصرهم على الكفار، ويغفر لهم ما حصل منهم.
ثمّ ذكر ما كان من مكر المشركين
стр. 749
بالنبي (ص) في ليلة الهجرة، وأنه سبحانه مكر بهم فدبّر أمره حتى نجّاه منهم. وأنهم كانوا إذا تتلى عليهم آياته في إنذارهم ووعيدهم، لم يؤمنوا بها، وسألوه أن يمطرهم حجارة من السماء، أو يأتيهم بعذاب أليم إن كانت من عنده، وأنه ما كان ليعذّبهم والنبي معهم في مكة، وهم يستغفرونه، ويتوبون إليه، واحدا بعد واحد.
ثم ذكر أنهم يستحقون ما طلبوه من العذاب، لأنهم يصدّون عن المسجد الحرام، ولم تكن صلاتهم فيه إلا صفيرا وتصفيقا، ثم ذكر أنه أذاقهم ما طلبوه من العذاب يوم بدر، وأنهم سيغلبون بعد هذا، ثم يحشرون إلى جهنّم، فيذوقون عذابها بعد عذاب الدنيا، ثم أمر النبي (ص) أن يذكر لهم، أنهم إن ينتهوا عن كفرهم يغفر لهم ما سلف منهم، وإن يعودوا إلى القتال فسيصيبهم ما أصاب أمم الكفر قبلهم وأمر المؤمنين أن يستمرّوا في قتالهم حتى لا يفتنوهم في دينهم، ويكون الدين كله لله، فإن انتهوا عن الكفر والقتال فإن الله بما يعلمون بصير وَإِنْ تَوَلَّوْا فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَوْلاكُمْ نِعْمَ الْمَوْلى وَنِعْمَ النَّصِيرُ (٤٠) .
مصرف الأنفال الآيات (٤١- ٧٥)
ثم قال تعالى وَاعْلَمُوا أَنَّما غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبى وَالْيَتامى وَالْمَساكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ [الآية ٤١] ، فذكر أن خمس الأنفال يصرف لمن ذكرهم، والباقي، وهو أربعة أخماسها، يصرف للغانمين ثم أيد حقه وحق المذكورين في الخمس، بأنه جلّ وعلا الذي أنزل النصر يوم بدر، وقد نزلوا بالعدوة الدّنيا بعيدين عن الماء، ونزل المشركون بالعدوة القصوى قريبين منه، ولو تواعد الفريقان على القتال لاختلفوا في الميعاد، لقلّة المسلمين وكثرة المشركين، ولكنّ الله جمع بينهم على هذا الحال ليكون النصر معجزة من المعجزات لِيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَنْ بَيِّنَةٍ وَيَحْيى مَنْ حَيَّ عَنْ بَيِّنَةٍ [الآية ٤٢] ثم أيده أيضا بأنه الذي أراهم للنبي (ص) في منامه قليلا ليقدموا على قتالهم، ثم قلّلهم في أعين المؤمنين بعد التقائهم بهم لتقوى قلوبهم، ثم ذكر ما كان من أمره لهم أن يثبتوا ويستعينوا به ويطيعوا رسوله، وما كان من نهيه لهم أن يتنازعوا ويخرجوا كالمشركين بطرا
стр. 750
ورئاء الناس، وقد غرّهم الشيطان وأخبرهم بأنه جار لهم، فلما تراءت الفئتان للقتال فرّ منهم، لأنه رأى ما لم يروه من مدد الملائكة للمؤمنين ثم ذكر ما كان من استحقار المنافقين واليهود، لقلّة عددهم ورميهم لهم بالغرور لخروجهم بهذا العدد القليل، مع أن من يتوكل على الله ينصره ولو كان قليل العدد، ثم ذكر ما كان من الملائكة الذين سلّطهم على المشركين يتوفّونهم ويضربون وجوههم وأدبارهم، ويأمرونهم أن يذوقوا عذاب الحريق بما قدمت أيديهم ثم ذكر أنه أخذهم بهذا أخذ آل فرعون والذين كفروا من قبلهم بذنوبهم، لأنه لا يغيّر نعمة أنعمها على قوم حتى يغيّروا ما بأنفسهم.
ثم ذكر أن أولئك المنافقين واليهود الذين رموا المؤمنين بالغرور لقلة عددهم شر الدوابّ عنده، لجهلهم ونقضهم عهودهم عهدا بعد عهد ثم أمر النبي (ص) إذا وجدهم في الحرب، أن يفعل بهم ما يشرد به من خلفهم من أعدائه، وإذا خاف منهم خيانة أن ينبذ إليهم عهدهم نبذا ظاهرا، بألّا يبادرهم بالحرب قبل علمهم بنبذ العهد.
ثم أوعد الكفار جميعا، بأنه لا يعجزه أن يصيبهم بمثل ما أصابهم يوم بدر، وأمر المؤمنين أن يعدّوا لقتالهم ما استطاعوا من آلات الحرب ليرهبوهم بذلك، ويرهبوا من يبطن لهم العداوة من المنافقين واليهود، ثم أمره إذا جنحوا بعد ذلك للسلم أن يجنح لها وذكر أنهم إن يريدوا خداعه بها فإنه هو حسبه، وهو الذي أيّده بنصره وبالمؤمنين، ثم أمره أن يحرّضهم دائما على القتال، ووعدهم بأنهم إن يكن منهم عشرون صابرون يغلبوا مائتين، وإن يكن منهم مائة صابرة تغلب ألفا، ثم خفف عنهم وأمرهم أن يثبتوا المائة منهم لمائتين، والألف لألفين.
ثم عاتب النبي (ص) والمسلمين على اتخاذهم الأسرى في غزوة بدر، لأنه لا يصح له اتخاذ الأسرى من الكفار إلا بعد أن يثخن فيهم بالقتل، ليضعف جمعهم، ويقلّ عددهم ثم ذكر أنهم آثروا الأسر طمعا في الفداء، ولولا أنه لا يعذب إلّا بعد الإنذار لمسّهم فيما أخذوا عذاب عظيم ثم أباح لهم بأن يأكلوا ممّا أخذوه من الفداء، لئلّا يفهموا من ذلك أنه محرّم عليهم ثم أمره أن يذكر لمن قاتل مع
стр. 751
المشركين من مسلمي مكة وأسر معهم، أنه إن يعلم في قلوبهم خيرا يؤتهم خيرا ممّا أخذ منهم، وأنهم إن يريدوا خيانته بعد إطلاقهم فقد خانوه من قبل فأمكن منهم ثمّ رغّبهم في الهجرة، فجعل ولاية الإسلام للمهاجرين والأنصار، وقطع الولاية بين من هاجر ومن لم يهاجر منهم، وأجاز للمهاجرين والأنصار إن استنصروهم أن ينصروهم إلا على من عاهدوهم من المشركين وجعل الكفار بعضهم أولياء بعض، فلا يصح للمسلمين أن يوالوهم ويقاتلوا معهم وذكر أن المهاجرين والأنصار، هم المؤمنون حقّا لا غيرهم ممّن لم يهاجر، وأن الذين آمنوا من بعد ذلك وهاجروا، فهم من المؤمنين حقّا أيضا ثم أبطل الإرث بسبب الهجرة والنصرة، وجعله لذوي القرابة، فقال جلّ شأنه وَأُولُوا الْأَرْحامِ بَعْضُهُمْ أَوْلى بِبَعْضٍ فِي كِتابِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ [الآية ٧٥] .
стр. 752
المبحث الثالث أسرار ترتيب سورة «الأنفال» «١»
اعلم أن وضع هذه السورة وبراءة هنا، ليس بتوقيف من الرسول (ص) والصحابة، كما هو الراجح في سائر السور، بل اجتهاد من عثمان ﵁.
وقد كان يظهر في بادئ الرأي: أن المناسب إيلاء الأعراف بيونس وهود، لاشتراك كل منها في اشتمالها على قصص الأنبياء، وأنها مكية النزول، خصوصا أن الحديث ورد في فضل السبع الطوال، وعدّوا السابعة يونس، وكانت تسمّى بذلك، كما أخرجه البيهقي في الدلائل «٢» . ففي فصلها من الأعراف، بسورتين هما الأنفال وبراءة، فصل للنظير عن سائر نظائره، هذا مع قصر سورة الأنفال، بالنسبة إلى الأعراف وبراءة.
وقد استشكل ابن عباس حبر الأمة قديما ذلك. فأخرج أحمد وأبو داود والتّرمذي والنّسائي وابن حبّان والحاكم، عن ابن عباس، قال، قلت لعثمان: ما حملكم على أن عمدتم إلى الأنفال وهي من المثاني «٣» ، وإلى براءة وهي من المئين «٤» ، فقرنتم بينهما، ولم
стр. 753
تكتبوا بينهما «بسم الله الرحمن الرحيم» ووضعتموها في السبع الطوال؟ فقال عثمان: كان رسول الله (ص) ينزل عليه السور ذوات العدد، فكان إذا نزل عليه الشيء دعا بعض من كان يكتب، فيقول: ضعوا هؤلاء الآيات في السورة التي يذكر فيها كذا وكذا، وكانت الأنفال من أوائل ما نزل، وكانت براءة من آخر القرآن نزولا، وكانت قصّتها شبيهة بقصتها، فظننت أنها منها، فقبض رسول الله (ص) ولم يبيّن لنا أنها منها، فمن أجل ذلك قرنت بينهما ولم أكتب بينهما بسم الله الرحمن الرحيم «١» ، ووضعتها في السبع الطوال «٢» .
فانظر إلى ابن عباس ﵁، كيف استشكل على عثمان ﵁ أمرين: وضع «الأنفال» و «براءة» في أثناء السبع الطوال، مفصولا بهما بين السادسة والسابعة، ووضع الأنفال وهي قصيرة مع السور الطويلة. وانظر كيف أجاب عثمان ﵁، أولا بأنه لم يكن عنده في ذلك توقيف، فإنه استند إلى اجتهاد، وأنه قرن بين «الأنفال» و «براءة» لكونها شبيهة بقصتها في اشتمال كل منهما على القتال، ونبذ العهود، وهذا وجه بيّن المناسبة جليّ، فرضي الله عن الصحابة، ما أدقّ أفهامهم! وأجزل آراءهم! وأعظم أحلامهم! وأقول: يتم بيان مقصد عثمان ﵁ في ذلك بأمور فتح الله بها:
الأول: أنه جعل الأنفال قبل براءة مع قصرها، لكونها مشتملة على البسملة، فقدّمها لتكون لفظة منها، وتكون «براءة» بخلوّها من البسملة كتتمّتها وبقيّتها، ولهذا قال جماعة من السلف: إن «الأنفال» و «براءة» سورة
стр. 754
واحدة، لا سورتان «١» . الثاني: أنه وضع براءة هنا لمناسبة الطول، فإنه ليس في القرآن بعد الأعراف أنسب ل «يونس» منها، وذلك كاف في المناسبة.
الثالث: أنه خلّل بالسورتين (الأنفال وبراءة) أثناء السبع الطوال المعلوم ترتيبها في العصر الأول، للإشارة إلى أن ذلك أمر صادر لا عن توقيف، وإلى أن رسول الله (ص) قبض قبل أن يبيّن محلهما، فوضعا كالموضع المستعار بين السبع الطوال، بخلاف ما لو وضعتا بعد السبع الطوال، فإنه كان يوهم أن ذلك محلهما بتوقيف، وترتيب السبع الطوال يرشد إلى دفع هذا الوهم «٢» .
فانظر إلى هذه الدقيقة التي فتح الله بها، ولا يغوص عليها إلّا غوّاص.
الرابع: أنه لو أخّرهما وقدّم «يونس» ، وأتى بعد «براءة» ب «هود» ، كما في مصحف أبيّ بن كعب، لمراعاة مناسبة السبع الطوال، وإيلاء بعضها بعضا، لفات مع ما أشرنا إليه أمر آخر آكد في المناسبة. فإنّ الأولى بسورة يونس أن تولّى بالسور الخمس التي بعدها، لما اشتركت فيه من الاشتمال على القصص، ومن الافتتاح بالذكر، وبذكر الكتاب، ومن كونها مكّيات، ومن تناسب- ما عدا «الحجر» في المقدار- وبالتسمية باسم نبي، و «الرعد» اسم «٣» ملك، وهو مناسب لأسماء الأنبياء.
فهذه ستة وجوه في مناسبة الاتصال بين «يونس» وما بعدها، وهي آكد من ذلك الوجه السابق في تقديم «يونس» بعد «الأعراف» .
ولبعض هذه الأمور، قدّمت «سورة الحجر» على «النحل» ، مع كونها أقصر منها، ولو أخرت «براءة» عن هذه السور الست المناسبة جدا بطولها، لجاءت بعد عشر سور أقصر منها، بخلاف وضع «سورة النحل» بعد
стр. 755
«الحجر» ، فإنها ليست ك «براءة» في الطول.
ويشهد لمراعاة الفواتح في مناسبة الوضع ما ذكرنا من تقديم «الحجر» على «النحل» ، لمناسبة ذوات (الر) قبلها، وما تقدم من تقديم «آل عمران» على «النساء» ، وإن كانت أقصر منها لمناسبة «البقرة» ، مع الافتتاح ب (الم) ، وتوالي الطواسين والحواميم، وتوالي «العنكبوت» و «الروم» و «القمر» و «السجدة» ، لافتتاح كلّ منها ب (الم) ، ولهذا قدّمت «السجدة» على الأحزاب، التي هي أطول منها.
هذا ما فتح الله به.
وأما ابن مسعود، فقدّم في مصحفه «البقرة» على «النساء» ، و «آل عمران» ، و «الأعراف» ، و «الأنعام» ، و «المائدة» ، و «يونس» ، فراعى الطوال، وقدم الأطول فالأطول. ثم ثنّى بالمئين، فقدّم «براءة» ، ثم «النحل» ، ثم «هود» ، ثم «يوسف» ، ثم «الكهف» . وهكذا الأطول فالأطول، وذكر «الأنفال» بعد «النور» «١» .
ووجه مناسبتها لها: أنّ كلّا منهما مدنية، ومشتملة على أحكام، وأن في «النور» وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ [النور: ٥٥] .
وفي الأنفال: وَاذْكُرُوا إِذْ أَنْتُمْ قَلِيلٌ مُسْتَضْعَفُونَ فِي الْأَرْضِ تَخافُونَ [الآية ٢٦] .
ولا يخفى ما بين الآيتين من المناسبة، فإن الأولى مشتملة على الوعد بما حصل، وفي الثانية تذكير به.
стр. 756
المبحث الرابع مكنونات سورة «الأنفال» «١»
يَسْئَلُونَكَ عَنِ الْأَنْفالِ [الآية ١] .
سمّي من السائلين: سعد بن أبي وقّاص. كما أخرجه أحمد وغيره «٢» .
وأخرج ابن أبي حاتم من طريق ابن أبي طلحة، عن ابن عباس: أن السّائلين قرابة النبي (ص) .
٢- وَإِنَّ فَرِيقاً مِنَ الْمُؤْمِنِينَ لَكارِهُونَ (٥) .
سمّي منهم: أبو أيوب الأنصاري.
ومن الفريق الذين لم يكرهوا:
المقداد. أخرج ذلك ابن أبي حاتم وابن مردويه من حديث أبي أيوب.
٣- إِحْدَى الطَّائِفَتَيْنِ [الآية ٧] .
هما: أبو سفيان، وأصحابه، وأبو جهل وأصحابه وهي ذات الشوكة «٣» .
٤- إِنْ تَسْتَفْتِحُوا [الآية ١٩] .
أخرج الحاكم»
عن عبد الله بن ثعلبة بن صعير «٥» ، قال: كان المستفتح
стр. 757
أبو جهل وأخرج ابن أبي حاتم مثله عن عروة بن الزبير وعطية.
٥- إِنَّ شَرَّ الدَّوَابِّ عِنْدَ اللَّهِ الصُّمُّ الْبُكْمُ [الآية ٢٢] .
قال ابن عباس: هم نفر من بني عبد الدّار. أخرجه ابن أبي حاتم «١» .
٦- وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا [الآية ٣٠] .
سمّي منهم- وهم المجتمعون في دار النّدوة: عتبة، وشيبة ابنا ربيعة، وأبو سفيان، وطعيمة بن عدي، وجبير بن مطعم، والحارث بن عامر، والنضر بن الحارث، وأبو البختري بن هشام، وزمعة بن الأسود، وحكيم بن حزام، وأبو جهل، وأمية بن خلف، ونبيه ومنبّه ابنا الحجّاج «٢» .
٧- لَوْ نَشاءُ لَقُلْنا مِثْلَ هذا [الآية ٣١] .
قاله: النّضر بن الحارث: أخرجه ابن جرير وغيره، عن سعيد بن جبير «٣» .
٨- قال (تعالى) : وَإِذْ قالُوا اللَّهُمَّ إِنْ كانَ هذا هُوَ الْحَقَّ [الآية ٣٢] .
وقال ذلك: أبو جهل كما أخرجه البخاري عن أنس.
وأخرجه ابن أبي حاتم، عن طريق سعيد بن جبير، عن ابن عباس: أنّ قائل ذلك: النّضر بن الحارث «٤» .
وأخرج عن قتادة قال: قال ذلك سفلة هذه الأمّة، وجهلتها.
٩- إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يُنْفِقُونَ أَمْوالَهُمْ لِيَصُدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ [الآية ٣٦] .
قال الحكم بن عتيبة «٥» : نزلت في أبي سفيان. أخرجه ابن أبي حاتم.
وأخرج ابن إسحاق عن مشايخه:
أنها نزلت في ابي سفيان، ومن كان له في العير من قريش تجارة.
١٠- وَما أَنْزَلْنا عَلى عَبْدِنا يَوْمَ الْفُرْقانِ [الآية ٤١] .
стр. 758
قال ابن عباس: هو يوم بدر، فرق الله فيه بين الحقّ والباطل.
أخرجه ابن أبي حاتم.
١١- وَالرَّكْبُ أَسْفَلَ مِنْكُمْ [الآية ٤٢] .
قال عبّاد بن عبد الله بن الزّبير: يعني أبا سفيان، وأصحابه نحو الساحل.
أخرجه ابن أبي حاتم.
١٢- وَإِنِّي جارٌ لَكُمْ [الآية ٤٨] .
عنى سراقة بن مالك بن جعشم.
أخرجه ابن أبي حاتم، عن ابن عباس.
١٣- إِنِّي أَرى ما لا تَرَوْنَ [الآية ٤٨] .
قال ابن عباس: رأى جبريل، والملائكة. أخرجه ابن أبي حاتم.
١٤- إِذْ يَقُولُ الْمُنافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ غَرَّ هؤُلاءِ دِينُهُمْ [الآية ٤٩] .
سمّي من القائلين: عتبة بن ربيعة في حديث أخرجه الطبراني في «الأوسط» عن أبي هريرة «١» .
وسمّى منهم مجاهد خمسة: (أبا) «٢» قيس بن الوليد بن المغيرة، وأبا قيس ابن الفاكه بن المغيرة، والحارث بن زمعة، وعليّ بن أمية بن خلف، والعاصي بن منبّه. أخرجه ابن جرير «٣» .
١٥- وَإِمَّا تَخافَنَّ مِنْ قَوْمٍ خِيانَةً [الآية ٥٨] .
قال ابن شهاب: نزلت في بني قريظة. أخرجه أبو الشيخ.
١٦- وَآخَرِينَ مِنْ دُونِهِمْ لا تَعْلَمُونَهُمُ اللَّهُ يَعْلَمُهُمْ [الآية ٦٠] .
ورد في حديث مرفوع: أنهم الجنّ.
أخرجه ابن أبي حاتم «٤» .
وقال مجاهد: قريظة «٥» .
стр. 759
وقال السّدّي: أهل فارس «١» .
وقال ابن اليمان: الشياطين التي في الدّور.
أخرج ذلك ابن أبي حاتم «٢» .
١٧- وَمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (٦٤) .
نزلت لما أسلم معه (ص) أربعون آخرهم عمر. كما أخرجه الطّبراني وغيره.
وقال الزّهري: يقال: نزلت في الأنصار. أخرجه ابن أبي حاتم.
١٨- يا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِمَنْ فِي أَيْدِيكُمْ مِنَ الْأَسْرى [الآية ٧٠] .
سمّي منهم: العبّاس، وعقيل، ونوفل بن الحارث، وسهيل بن بيضاء «٣» .
стр. 760
المبحث الخامس لغة التنزيل في سورة «الأنفال» «١»
١- قال تعالى: يَسْئَلُونَكَ عَنِ الْأَنْفالِ قُلِ الْأَنْفالُ لِلَّهِ وَالرَّسُولِ [الآية ١] .
الأنفال: جمع نفل وهو الغنيمة، وإنّما سألوا عنها لأنها كانت حراما على من كان قبلهم، فأحلّها الله لهم.
وقيل أيضا: إنه (ص) نفّل في السرايا، فكرهوا ذلك في تأويله:
كَما أَخْرَجَكَ رَبُّكَ مِنْ بَيْتِكَ بِالْحَقِّ وَإِنَّ فَرِيقاً مِنَ الْمُؤْمِنِينَ لَكارِهُونَ (٥) كذلك تنفّل من رأيت، وإن كرهوا، وكان سيدنا رسول الله (ص) جعل لكل من أتى بأسير شيئا، فقال بعض الصحابة:
يبقى آخر الناس بغير شيء.
قال الأزهري: وجماع معنى النفل والنافلة، ما كان زيادة على الأصل.
وسمّيت الغنائم أنفالا، لأنّ المسلمين فضّلوا بها على سائر الأمم، الذين لم تحلّ لهم الغنائم.
وصلاة التطوّع نافلة، لأنها زيادة أجر لهم، على ما كتب لهم من ثواب ما فرض عليهم.
ونفل النبي (ص) السرايا في البدأة الرّبع، وفي القفلة الثلث، تفضيلا لهم على غيرهم من أهل العسكر، بما عانوا من أمر العدوّ، وقاسوه من الدأب والتعب، وباشروه من القتال والخوف.
وكل عطيّة تبرّع بها معطيها، من صدقة أو عمل خير، نافلة.
والنّفل: الهبة والعطيّة في التطوّع.
وتنفّل فلان على أصحابه: إذا أخذ
стр. 761
أكثر مما أخذوا، عند الغنيمة.
ونفّلت فلانا على فلان: فضّلته.
والنّفل والنافلة: ما يفعله الإنسان، ممّا لا يجب عليه.
أقول: وهذه من الموادّ القديمة التي اكتسبت في حياتهم معاني محددة، فكانت من رسومهم ومصطلحهم.
على أننا لا نجد الآن من هذه الذخيرة اللغوية، إلا قول المعاصرين:
«ومن نافلة القول» ، يريدون بها الزيادة غير الواجبة.
٢- وقال تعالى: وَإِذْ يَعِدُكُمُ اللَّهُ إِحْدَى الطَّائِفَتَيْنِ أَنَّها لَكُمْ وَتَوَدُّونَ أَنَّ غَيْرَ ذاتِ الشَّوْكَةِ تَكُونُ لَكُمْ [الآية ٧] .
الطائفتان هما العير والنّفير.
والنفير نفير قريش، الذين كانوا نفروا إلى بدر، ليمنعوا عير أبي سفيان.
ويقال: فلان لا في العير ولا في النفير، قيل هذا المثل لقريش من بين العرب، وذلك أن النبي (ص) لمّا هاجر إلى المدينة ونهض منها لتلقّي عير قريش، سمع مشركو قريش بذلك، فنهضوا ولقوه ببدر، ليأمن عيرهم المقبل من الشام مع أبي سفيان، فكان من أمرهم ما كان، ولم يكن تخلّف عن العير والقتال إلا زمن أو من لا خير فيه، فكانوا يقولون لمن لا يستصلحونه لمهمّ: فلان لا في العير ولا في النفير، فالعير ما كان منهم مع أبي سفيان، والنفير ما كان منهم مع عتبة بن ربيعة قائدهم يوم بدر.
وغَيْرَ ذاتِ الشَّوْكَةِ، هي العير لأنه لم يكن فيها إلا أربعون فارسا و «الشوكة» كانت في النفير لعددهم وعدّتهم.
والشّوكة: الحدّة مستعارة من واحدة الشوك، ويقال: شوك القنا لشباها.
ومنها قولهم: شائك السلاح أي:
تتمنّون أن تكون لكم العير.
أقول: وأصل الشوكة كما قلنا واحدة الشوك، ولحدّتها وما تؤدّي من الأذى، أطلقت على القوة والسلاح، وهكذا كانت مواد العربية البدوية مصدرا، أمدّ العربية بموادّ كثيرة من اللغة العالية، ومنها مواد الحضارة.
٣- وقال تعالى: مَنْ يُشاقِقِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَإِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقابِ
(١٣) .
والمشاقّة والشّقاق، غلبة العداوة
стр. 762
والخلاف، وشاقّه يشاقّه مشاقّة وشقاقا:
خالفه.
وقال الزجاج في قوله تعالى:
وَإِنَّ الظَّالِمِينَ لَفِي شِقاقٍ بَعِيدٍ (٥٣) [الحج] .
الشّقاق: العداوة بين فريقين، والخلاف بين اثنين سمّي ذلك شقاقا، لأنّ كلّ فريق من فريقي العداوة قصد شقّا، أي ناحية غير شقّ صاحبه.
أقول: والكثير ممّا جاء على «فاعل» من المضاعف أن يدغم في الماضي والمضارع، غير أن الفعل في الآية قد قرئ بفكّ الإدغام، وحرّك بالكسر لسكون اللام بعده، وذلك خير من إبقاء الإدغام، وتحريكه بكسر أو فتح لوقوع الساكن بعده، ولولا هذا لكان الإدغام واجبا، وهذا شيء من لطائف هذه اللغة الشريفة، على أن العربية تجيز إبقاء الإدغام في مثل هذه الحال، وسيأتي شيء من هذا.
٤- وقال تعالى: وَمَنْ يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ إِلَّا مُتَحَرِّفاً لِقِتالٍ أَوْ مُتَحَيِّزاً إِلى فِئَةٍ فَقَدْ باءَ بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ [الآية ١٦] .
المراد بقوله تعالى: مُتَحَرِّفاً لِقِتالٍ هو الكرّ بعد الفرّ، يخيّل الى عدوّه أنه منهزم، ثم يعطف عليه. وهو باب من خدع الحرب ومكايدها.
أقول: و «التّحرّف» بهذه الخصوصية المعنوية من الكلم المفيد، الذي ينبغي أن يصار إليه في مثل هذه الأحوال والظروف في عصرنا فهو من الكلم الخاص، الذي يخص ظرفا خاصا، كما يخصّ جماعة المعنيين بالقتال.
وطبيعي أن «التحرّف» من معنى الميل، والعدول إلى جهة ما.
وأما قوله تعالى: أَوْ مُتَحَيِّزاً إِلى فِئَةٍ، أي: منحازا إلى جماعة أخرى من المسلمين، سوى الفئة التي هو فيها.
والتحوّز والتحيّز سواء وهو التّنحّي.
أقول: و «التّحيّز» في عربيتنا المعاصرة هو الميل إلى جهة ما، وهي في الكثير الجهة السائرة في طريق الباطل وغير الحق، فإذا قيل: فلان متحيّز فكأنّهم قالوا: فلان جائر يميل مع الباطل.
وأما التحوّز فلا نعرفه في العربية المعاصرة.
стр. 763
٥- وقال تعالى: وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِيُثْبِتُوكَ [الآية ٣٠] .
المراد بقوله تعالى: لِيُثْبِتُوكَ ليسجنوك أو يوثقوك أو يثخنوك بالضرب والجرح، من قولهم: ضربوه حتى أثبتوه لا حراك به ولا براح، وفلان مثبت وجعا، وقرئ: «ليثبّتوك» ، بالتشديد.
وقرأ النّخعي: ليبيتوك من البيات.
وعن ابن عباس: ليقيّدوك، وهو دليل لمن فسّره بالإيثاق.
٦- وقال تعالى: إِنْ هذا إِلَّا أَساطِيرُ الْأَوَّلِينَ (٣١) .
وأَساطِيرُ الْأَوَّلِينَ، ما سطره الأوّلون من الأمم السالفة، أي: ما كتبوه.
ولمّا كانت كتابات هؤلاء وما سطروه وما خلفوه من رموز كذبا، أطلقت «الأساطير» على الأباطيل والأكاذيب.
وقد جاء أَساطِيرُ الْأَوَّلِينَ في تسع آيات مختلفات بهذا المعنى.
وقال أهل اللغة: الأساطير واحدتها إسطار وإسطارة بالكسر، وأسطير وأسطيرة وأسطور وأسطورة بالضم.
وقالوا أيضا الأساطير جمع الأسطورة كالأحاديث جمع الأحدوثة.
وقال آخرون: الأساطير جمع أسطار، وأسطار جمع سطر، فكأنه جمع الجمع.
ومنهم من قال: الأساطير لا واحد لها.
أقول: ومن العجيب أننا لم نقف إلا على «الأساطير» بلفظ الجمع، فلم نجد الأسطور ولا الأسطورة، ولا الأسطير، ولا الأسطيرة، ولا الإسطارة.
وعندي أن هذه المواد استحدثت بعد أن رأى اللغويون الكلمة مجموعة «أساطير» ، فذهبوا إلى هذه المواد المفترضة، قياسا على نظائره، فالذي قال: إن مفردها أسطورة قاسها على الأحاديث والأحدوثة، ومثل هذا سائر ما افترضوه من المفرد، لهذه الكلمة المجموعة.
وأرى أن من ذهب إلى أنها جمع أسطار، وأسطار جمع سطر، مثل السطور على حق، فالكلمة جمع الجمع وهي تعني ما كتبه الأولون من سطور، أي: كتابات.
стр. 764
غير أن المعاصرين أجروها مجرى الأحاديث والألاعيب فقالوا: مفردها أسطورة، فما الأسطورة في اصطلاح أهل عصرنا؟
أقول: إن الكثير من المسمّيات في هذا العصر، أخذ فحواها، وعرفت حقائقها من اللغات الأجنبية، ومن هذه مادة «الميثولوجيا» «١» التي تعني حكايات غريبة فيها أخبار، وحقائق، وشخوص، ومخلوقات، وسرد يرمي إلى فكرة أخلاقية، أو دينية، أو اجتماعية من عادات وتقاليد وغيرها، وربّما لا ترمي إلى شيء، وهي تشتمل على أناسيّ، وحيوانات، وطيور، ومخلوقات أخرى غريبة من الإنس والجن، بعضها إنسان وبعضها حيوان غريب.
وهذه المواد الأدبية التاريخية القديمة حفلت بها الآداب القديمة في العراق، ومصر، وسائر بلاد العرب، واليونان، والرومان، والهند، والصين وغيرها.
وقد أشير إليها في عصرنا هذا لدى الدارسين العرب، فماذا يستعيرون لها من الأسماء العربية؟ لقد استعاروا «الأساطير» لهذه المواد بما اشتملت عليه من رسوم وتقاليد وشخوص، وما يضطرب فيها المخلوقات، من هنا لزموا المفرد الذي أشارت إليه المعجمات العربية القديمة، فكانت «الأسطورة» بهذا المعنى المعروف.
ثم حاول نفر من الدارسين إلى الكتابة في الأساطير العربية، فذهبوا إلى أن «أوابد» العرب في معتقدهم، وعاداتهم، وسلوكهم شيء من الأساطير.
٧- وقال تعالى: وَما كانَ صَلاتُهُمْ عِنْدَ الْبَيْتِ إِلَّا مُكاءً وَتَصْدِيَةً [الآية ٣٥] .
المكاء من المصادر الدالة على الأصوات، وهو الصفير، ومكا الإنسان يمكو مكوا ومكاء: صفر بفيه.
ومنه المكّاء، كأنه سمّي بذلك لكثرة مكائه، وهو طائر في ضرب القنبرة يألف الريف، وجمعه مكاكيّ.
والتصدية تفعلة من الصّدى، أو من صد يصدّ صديدا، أي: ضجّ. وهذا يعني أن الصلة واضحة بين المعتلّ والمضاعف. أي: أنّهم جعلوا المكاء
стр. 765
والتصدية في موضع الصلاة، وذلك أنّهم كانوا يطوفون بالبيت عراة:
الرجال والنساء، وهم مشبّكون بين أصابعهم، يصفرون فيها ويصفّقون، وكانوا يفعلون نحو ذلك، إذا قرأ رسول الله (ص) في صلاته، يخلطون عليه.
أقول: والمكاء والتصدية، من الكلم ذي الدلالة التاريخية المفيدة.
٨- وقال تعالى: وَقاتِلُوهُمْ حَتَّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ [الآية ٣٩] .
أقول: إن الفعل «تكون» ، فعل على نمط الأفعال التي تكتفي بالمرفوع الفاعل. وهو الذي يدعوه النحاة، «التام» غير الناقص الذي يقتضي مرفوعا ومنصوبا. وهذا الضرب من الفعل كثير في العربية القديمة، قليل جدا في العربية المعاصرة، بل قل: إن المعاصرين يجهلونه، فلا يرد في كلامهم وأدبهم.
ومثله قوله تعالى: إِلَّا تَفْعَلُوهُ تَكُنْ فِتْنَةٌ فِي الْأَرْضِ وَفَسادٌ كَبِيرٌ (٧٣) .
وقوله تعالى: وَحَسِبُوا أَلَّا تَكُونَ فِتْنَةٌ [المائدة: ٧١] .
وقوله تعالى: إِنَّما أَمْرُهُ إِذا أَرادَ شَيْئاً أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ (٨٢) [يس] .
وغير ذلك من الآيات.
وأنت تقف على الفعل التام في الأدب القديم، وفي أسلوب القصص كأن يقال: فكان اليوم الثالث، وحدث فيه كذا وكذا.
٩- وقال تعالى: لِيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَنْ بَيِّنَةٍ وَيَحْيى مَنْ حَيَّ عَنْ بَيِّنَةٍ [الآية ٤٢] .
أقول: هذه هي القراءة المشهورة، وقرأ أهل المدينة: «ويحيا من حيي عن بينة» .
قال الفرّاء: كتابتها على الإدغام بياء واحدة، وهي أكثر قراءات القراء، وإنما أدغموا الياء في الياء، وكان ينبغي ألّا يفعلوا لأن الياء، الأخيرة لزمها النصب في «فعل» ، فأدغم لمّا التقى حرفان متحرّكان من جنس واحد، قال: ويجوز الإدغام في الاثنين، للحركة اللازمة للياء الأخيرة، فتقول:
حيّا، وحيّيا.
وينبغي للجمع أن لا يدغم إلا بياء، لأنّ الياء يصيبها الرفع وما قبلها مكسور، فينبغي لها أن تسكّن فتسقط بواو الجماعة، وربّما أظهرت العرب الإدغام في الجمع إرادة تأليف
стр. 766
الأفعال، وأن تكون كلها مشددة، فقالوا في حييت حيّوا، وفي عييت عيّوا، قال وأنشدني بعضهم:
يحدن بنا عن كلّ حيّ كأنّما ... أخاريس عيّوا بالسّلام وبالكتب
قال: وأجمعت العرب على إدغام «التحية» لحركة الياء الأخيرة، كما استحبّوا إدغام «حيّ» و «عيّ» للحركة اللازمة فيهما، فأما إذا سكنت الياء الأخيرة فلا يجوز الإدغام مثل: «يحيي ويعيي، وقد جاء في الشعر الإدغام في مثل هذا الموضع، وهو قوله:
وكأنّها بين النّساء سبيكة ... تمشي بسدّة بيتها فتعيّى
أقول: ومن الواجب أن نقف قليلا على هذه الألفاظ المشكلة لفائدتها اللغوية التاريخية، ولنهتدي إلى مكان علم الأصوات من الناحية التطبيقية.
١٠- وقال تعالى: وَإِنْ جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ [الآية ٦١] .
السّلم تؤنث تأنيث نقيضها، وهي الحرب، قال:
السّلم تأخذ منها ما رضيت به ... والحرب يكفيك من أنفاسها جرع
وقرئ بفتح السين وكسرها.
أقول: والسّلم في العربية المعاصرة مذكر، يقال السّلم العالمي.
١١- وقال تعالى: ما كانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرى حَتَّى يُثْخِنَ فِي الْأَرْضِ [الآية ٦٧] .
أقول: كنا عرضنا للفعل «كان» ، وهي مكتفية بالمرفوع الفاعل، تلك التي سمّاها النحويون «التامة» .
وفي هذا، تأتي «كان» مرة ثانية في قوله تعالى: ما كانَ لِنَبِيٍّ، والمعنى ما صح له وما استقام، وهذا معنى جديد للفعل يجعلها تامة أيضا مكتفية بالمرفوع نظير «يكون» ، التي تليها في الآية نفسها، ومعناها الحصول والثبوت، وهي تامة أيضا مكتفية بالفاعل «أسرى» .
١٢- وقال تعالى: وَالَّذِينَ كَفَرُوا بَعْضُهُمْ أَوْلِياءُ بَعْضٍ [الآية ٧٣] .
أقول: كنت قد عرضت لدلالة «بعض» على الإفراد، وأتيت بشواهد من لغة التنزيل، وها أنا أقف على هذه الآية لأشير إلى أن كلمة «بعض» فيها، تدل على الجمع دلالة صريحة، وفي هذا ردّ على من زعم أنها تدل على الواحد ليس غير.
стр. 767
المبحث السادس المعاني الغوية في سورة «الأنفال» «١»
الواحد من «الأنفال» : «النّفل» وقال تعالى: كَما أَخْرَجَكَ رَبُّكَ مِنْ بَيْتِكَ بِالْحَقِّ [الآية ٥] فهذه الكاف يجوز أن تكون على قوله أُولئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا [الآية ٤] .
كَما أَخْرَجَكَ رَبُّكَ مِنْ بَيْتِكَ بِالْحَقِّ «٢» وقال بعض أهل العلم كَما أَخْرَجَكَ رَبُّكَ مِنْ بَيْتِكَ بِالْحَقِّ فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَصْلِحُوا ذاتَ بَيْنِكُمْ [الآية ١] بإضافة «ذات» إلى «البين» وجعله (ذات) لأن بعض الأشياء يوضع عليه اسم مؤنث، وبعضه يذكّر نحو «الدار» و «الحائط» أنّثت «الدار» وذكّر «الحائط» «٣» .
وقال تعالى: وَإِذْ يَعِدُكُمُ اللَّهُ إِحْدَى الطَّائِفَتَيْنِ أَنَّها لَكُمْ [الآية ٧] فقوله تعالى: أَنَّها بدل من قوله إِحْدَى الطَّائِفَتَيْنِ وقال جلّ شأنه: غَيْرَ ذاتِ الشَّوْكَةِ [الآية ٧] فأنّث لأنه يعني «الطائفة» «٤» .
وقال: فَاضْرِبُوا فَوْقَ الْأَعْناقِ [الآية ١٢] معناها: «اضربوا الأعناق» «٥» كما تقول: «رأيت نفس زيد» تريد «زيدا» .
стр. 768
وَاضْرِبُوا مِنْهُمْ كُلَّ بَنانٍ [الآية ١٢] واحد «البنان» «البنانة» .
وقال تعالى: ذلِكُمْ فَذُوقُوهُ وَأَنَّ لِلْكافِرِينَ [الآية ١٤] كأنّ ذلِكُمْ جعل خبرا لمبتدأ، أو مبتدأ أضمر خبره حتى كأنه قيل: «ذلكم الأمر» و «الأمر ذلكم» . ثم قال تعالى وَأَنَّ لِلْكافِرِينَ عَذابَ النَّارِ [الآية ١٤] أي: الأمر ذلكم وهذا، فلذلك انفتحت «أنّ» . ومثل ذلك قوله وَأَنَّ اللَّهَ مُوهِنُ كَيْدِ الْكافِرِينَ (١٨) وأمّا قول الشاعر «١» [من البسيط وهو الشاهد العشرون بعد المائتين] :
ذاك وإنّي على جاري لذو حدب ... أحنو عليه كما «٢» يحنى على الجار
فإنما كسر «إنّ» لدخول اللام. قال الشاعر «٣» : [من الطويل وهو الشاهد الحادي والعشرون بعد المائتين] :
وأعلم علما ليس بالظنّ أنّه ... إذا ذلّ مولى المرء فهو ذليل
وإنّ لسان المرء ما لم تكن له ... حصاة على عوراته لدليل
فكسر الثانية لأن اللام بعدها. ومن العرب من يفتحها، لأنه لا يدري أن بعدها لاما، وقد سمع مثل ذلك من العرب، في قوله تعالى بقراءة غير صحيحة: أَفَلا يَعْلَمُ إِذا بُعْثِرَ ما فِي الْقُبُورِ (٩) وَحُصِّلَ ما فِي الصُّدُورِ (١٠) إِنَّ رَبَّهُمْ بِهِمْ يَوْمَئِذٍ لَخَبِيرٌ (١١) [العاديات] ففتح وهو غير ذاكر للّام، فوقع في غلط قبيح في القراءة «٤» .
وقال تعالى: وَما رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلكِنَّ اللَّهَ رَمى تقول العرب: «والله ما ضربت غيره» وإنما ضربت أخاه كما تقول: «ضربه الأمير» والأمير لم يل ضربه. مثل هذا في كلام العرب كثير.
وقال جلّ وعلا:
стр. 769
وَاتَّقُوا فِتْنَةً لا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً [الآية ٢٥] فليس قوله سبحانه والله أعلم تُصِيبَنَّ بجواب، ولكنه نهي بعد أمر، ولو كان جوابا ما دخلت النون.
وقال جلّ شأنه: اللَّهُمَّ إِنْ كانَ هذا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ [الآية ٣٢] بنصب (الحقّ) لأن (هو) - والله أعلم- جعلت هاهنا صلة في الكلام، زائدة توكيدا كزيادة (ما) «١» . ولا تزاد إلّا في كل فعل لا يستغني عن خبر، ليست «هو» بصفة ل «هذا» لأنك لو قلت:
«رأيت هذا هو» لم يكن كلاما، ولا تكون هذه المضمرة من صفة الظاهرة، ولكنها تكون من صفة المضمرة، في نحو قوله تعالى: وَلكِنْ كانُوا هُمُ الظَّالِمِينَ [الزخرف: ٧٦] وتَجِدُوهُ عِنْدَ اللَّهِ هُوَ خَيْراً وَأَعْظَمَ أَجْراً ( [المزّمّل: ٢٠] لأنك تقول «وجدته هو» و «أتاني هو» فتكون صفة، وقد تكون في هذا المعنى أيضا غير صفة، ولكنها تكون زائدة كما كان في الأوّل. وقد تجري في جميع هذا مجرى الاسم، فيرفع ما بعده إن كان ما قبله ظاهرا أو مضمرا، في لغة لبني تميم «٢» في قوله تعالى بقراءة من قرأ:
(إِنْ كانَ هذا هُوَ الْحَقَّ) «٣» و (وَلكِنْ كانُوا هُمُ الظَّالِمِينَ) «٤» و (تَجِدُوهُ عِنْدَ اللَّهِ هُوَ خَيْراً وَأَعْظَمَ أَجْراً) «٥» كما تقول «كانوا آباؤهم الظالمون» إنما جعلوا هذا المضمر نحو قولهم «هو و «هما» و «أنت» زائدا في هذا المكان. ولم يجعل في مواضع الصفة، لأنه فصل، أراد أن يبيّن به أنه ليس بصفة ما بعده لما قبله، ولم يحتج الى هذا في الموضع الذي يكون له خبر.
وقال تعالى: وَما لَهُمْ أَلَّا يُعَذِّبَهُمُ اللَّهُ [الآية ٣٤] ف «أن» هاهنا زائدة-
стр. 770
والله أعلم. وقد عملت «١» وقد جاء في الشعر، قال «٢» [من البسيط وهو الشاهد السابع والأربعون بعد المائة] :
لو لم تكن غطفان لا ذنوب لها ... إليّ لامت ذوو أحسابها عمرا «٣»
وقوله تعالى: وَلَوْ تَواعَدْتُمْ لَاخْتَلَفْتُمْ فِي الْمِيعادِ وَلكِنْ لِيَقْضِيَ اللَّهُ أَمْراً كانَ مَفْعُولًا [الآية ٤٢] وأمر الله كله مفعول ولكن أراد أن يقصّ الاحتجاج عليهم، وقطع العذر قبل إهلاكهم.
وقال: وَما كانَ صَلاتُهُمْ عِنْدَ الْبَيْتِ إِلَّا مُكاءً وَتَصْدِيَةً [الآية ٣٥] بالنصب على خبر «كان» .
وقرأ بعضهم: (لِيَمِيزَ اللَّهُ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ) [الآية ٣٧] «٤» جعله من «ميّز» مثقلة وخففها آخرون فقالوا لِيَمِيزَ «٥» من «ماز» «يميز» وبها نقرأ.
وقرأ بعضهم: إِذْ أَنْتُمْ بِالْعُدْوَةِ الدُّنْيا [الآية ٤٢] «٦» وقرأ آخرون:
«بالعدوة» «٧» وبالأولى نقرأ، وهما لغتان «٨» . وقال بعض العرب الفصحاء: «العدية» فقلب الواو ياء، كما تقلب الياء واوا في نحو «شروى» و «بلوى» ، لأنّ ذلك يفعل بها فيما هو نحو من ذا، نحو «عصيّ» و «أرض
стр. 771
مسنيّة» وفي قولهم «قنية» لأنها من «قنوت» .
قال تعالى: وَالرَّكْبُ أَسْفَلَ مِنْكُمْ [الآية ٤٢] بجعل «الأسفل» ظرفا، ولو شئت قلت: «أسفل منكم» «١» إذا جعلته صفة «الركب» ولم تجعله ظرفا.
قال تعالى: وَيَحْيى مَنْ حَيَّ عَنْ بَيِّنَةٍ [الآية ٤٢] «٢» بإلزام الإدغام، إذ صار في موضع يلزمه الفتح، فصار مثل باب التضعيف. فإذا كان في موضع لا يلزمه الفتح، لم يدغم نحو بِقادِرٍ عَلى أَنْ يُحْيِيَ الْمَوْتى [الأحقاف:
٣٣ والقيامة: ٤٠] إلّا أن تشاء تخفي، وتكون في زنة متحرك، لأنها لا تلزمه، لأنك تقول «تحيي» فتسكن في الرفع وتحذف في الجزم، فكل هذا لا يمنعه الإدغام. وقرأ بعضهم: «من حيي عن بيّنة» «٣» ولم يدغم إذا كان لا يدغمه في سائر ذلك. وهذا أقبح الوجهين، لأنّ «حيي» مثل «خشي» لمّا صارت مثل غير التضعيف، أجرى الياء الآخرة مثل ياء «خشي» .
وتقول للجميع «قد حيوا» كما تقول «قد خشوا» ولا تدغم لأن ياء «خشوا» تعتل هاهنا. وقال الشاعر «٤» [من الطويل وهو الشاهد الثاني والعشرون بعد المائتين] :
وحيّ حسبناهم فوارس كهمس ... حيوا بعد ما ماتوا من الدهر أعصرا «٥»
وقد ثقّل بعضهم وتركها على ما كانت عليه، وذلك قبيح. قال الشاعر «٦» [من مجزوء الكامل وهو
стр. 772
الشاهد الثالث والعشرون بعد المائتين] :
عيّوا بأمرهم كما ... عيّت ببيضتها الحمامه «١»
جعلت له عودين من ... نشم وآخر من ثمامة «٢»
وقال تعالى: وَلَوْ تَرى إِذْ يَتَوَفَّى الَّذِينَ كَفَرُوا الْمَلائِكَةُ يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ وَأَدْبارَهُمْ وَذُوقُوا عَذابَ الْحَرِيقِ (٥٠) بإضمار الخبر، والله أعلم. وقال الشاعر [من الخفيف وهو الشاهد الحادي والثلاثون بعد المائة] :
إن يكن طبّك الدّلال فلو في ... سالف الدّهر والسنين الخوالي
يريد بقوله «فلو في سالف الدهر» أن يقول: «فلو كان في سالف الدهر لكان كذا وكذا» فحذف هذا الكلام كلّه.
قال تعالى: وَإِنْ جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَها [الآية ٦١] بتأنيث «السّلم» «٣» وهو «الصلح» وهي لغة لأهل الحجاز، ولغة العرب الكسر.
وفي قوله تعالى: فَإِنَّ حَسْبَكَ اللَّهُ [الآية ٦٢] «حسبك» اسم.
قال تعالى: ما لَكُمْ مِنْ وَلايَتِهِمْ مِنْ شَيْءٍ [الآية ٧٢] وهو في الولاء. أما في السلطان ف «الولاية» ولا أعلم كسر الواو في الأخرى إلّا لغة.
قال تعالى: وَالَّذِينَ آمَنُوا مِنْ بَعْدُ وَهاجَرُوا وَجاهَدُوا مَعَكُمْ فَأُولئِكَ مِنْكُمْ [الآية ٧٥] بجعل الخبر بالفاء كما تقول:
«الذي يأتيني فله درهمان» ، فتلحق الفاء لما صارت في معنى المجازاة.
стр. 773
المبحث السابع لكل سؤال جواب في سورة «الأنفال» «١»
إن قيل: قوله تعالى: إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ [الآية ٢] إلى آخر الآيتين، يدل على أن من لم يتصف بجميع تلك الصفات، لا يكون مؤمنا، لأن كلمة «إنّما» للحصر.
قلنا: فيه إضمار تقديره: إنّما المؤمنون إيمانا كاملا، وإنّما الكاملون في الإيمان، كما يقال الرجل من تصبّر على الشدائد، يعني الرجل الكامل.
فإن قيل: قوله تعالى: أُولئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا [الآية ٤] ينفي إرادة ما ذكرتم.
قلنا: معناه أولئك هم المؤمنون إيمانا كاملا حقّا، وقيل إنّ «حقّا» متعلق بما بعده لا بما قبله، والمؤمنون تمام الكلام.
فإن قيل: كيف يقال: إن الإيمان لا يقبل الزيادة والنقصان، وقد قال تعالى: وَإِذا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آياتُهُ زادَتْهُمْ إِيماناً [الآية ٢] ؟
قلنا: المراد هنا آثار الإيمان من الطمأنينة واليقين والخشية ونحو ذلك، لأن تظاهر الأدلة على المدلول مما يزيده رسوخا في العقائد وثبوتا فأما حقيقة الإيمان فهو التصديق والإقرار بوحدانية الله تعالى، وكما أن الإلهية الوحدانية لا تقبل الزيادة والنقصان، فكذا الإقرار بها.
فإن قيل: قوله تعالى: كَما أَخْرَجَكَ رَبُّكَ مِنْ بَيْتِكَ بِالْحَقِّ [الآية ٥] تشبيه، فأين المشبّه والمشبّه به؟
стр. 774
قلنا: معناه: امض على ما رأيته صوابا، من تنفيل الغزاة في قسمة الغنائم وإن كرهوا، كما مضيت في خروجك من بيتك للحرب بالحقّ، وهم كارهون. وقيل معناه: فاتّقوا الله وأصلحوا ذات بينكم، فهو خير لكم، وإن كرهتم، كما كان إخراجك من بيتك بالحقّ؟
فإن قيل: لم قال تعالى: لِيُحِقَّ الْحَقَّ وَيُبْطِلَ الْباطِلَ [الآية ٨] وكلاهما متعذّر، لأنه تحصيل حاصل؟
قلنا: المراد بالحق الإيمان، والباطل الشرك، فاندفع السؤال.
فإن قيل ما الحكمة من التكرار في قوله تعالى: وَيُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُحِقَّ الْحَقَّ بِكَلِماتِهِ وَيَقْطَعَ دابِرَ الْكافِرِينَ (٧) لِيُحِقَّ الْحَقَّ؟
قلنا: إنّما ذكر أوّلا، لبيان أن إرادتهم كانت متعلقة باختيار الطائفة، التي كانت فيها الغنيمة، وإرادة الله تعالى باختيار الطائفة التي في قهرها نصرة الدين، فذكره أوّلا للتمييز بين الإرادتين، ثم ذكره ثانيا لبيان الحكمة في قطع دابر الكافرين.
فإن قيل: لم قال تعالى: فَلَمْ تَقْتُلُوهُمْ وَلكِنَّ اللَّهَ قَتَلَهُمْ وَما رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلكِنَّ اللَّهَ رَمى [الآية ١٧] ومعلوم أن المؤمنين يوم بدر قتلوا الكفار، ورماهم النبي (ص) بكفّ من حصا الوادي في وجوههم، وقال:
شاهت الوجوه، فلم يبق مشرك إلّا وقع في عينيه شيء من ذلك، فشغلوا بعيونهم وانهزموا، فتبعهم المؤمنون يقتلون ويأسرون؟
قلنا: لمّا كان السبب الأقوى في قتلهم، إنّما هو مدد الملائكة وإلقاء الرعب في قلوب الكافرين، وتثبيت قلوب المؤمنين وأقدامهم، وذلك كله فعل الله تعالى، نفى الفعل عنهم ونسبه إليه، يعني إن كان ذلك في الصورة منكم فهو في الحقيقة مني، فسبيلكم الشكر دون العجب والفخر، وكذلك الرمية أثبتها لرسول الله (ص) لأن صورتها وجدت منه، ونفاها عنه لأن أثرها الذي لا يوجد مثله عن رمي البشر، فعل الله تعالى. ونظير هذا، قولك لمن يصدر عنه قول حسن أو فعل مكروه، بتسليط من هو أعلى رتبة منه: هذا ليس قولك ولا فعلك. وقيل معنى قوله تعالى: وَما رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ [الآية ١٧] وما رميت الرعب في
стр. 775
قلوبهم إذ رميت الحصا في وجوههم، ولكن الله رمى الرعب في قلوبهم.
ولأهل الحقيقة في هذه الآية وفي نظائرها من الكتاب والسنة، مباحث لا يحتملها هذا المختصر، وهي مستقصاة في كتب التصوف.
فإن قيل: لم قال تعالى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلا تَوَلَّوْا عَنْهُ [الآية ٢٠] ثنّى في الأمر، ثم أفرد في النهي؟
قلنا: كما يذكر في لغة العرب الاسم المفرد ويراد به الاثنان والجمع، فكذلك يذكر ضمير المفرد ويراد به ضمير الاثنين كقولهم: إنعام فلان ومعروفه يغشيني، والإنعام والمعروف لا ينفع مع فلان، وعليه جاء قوله تعالى: وَاللَّهُ وَرَسُولُهُ أَحَقُّ أَنْ يُرْضُوهُ [التوبة: ٦٢] أي يرضوهما، فكذا هنا معناه: ولا تولوا عنهما. الثاني أنه إن أفرد باعتبار عود الضمير إلى الله وحده لأنه الأصل، مع أن طاعة الله وطاعة رسوله متلازمتان، قال الله تعالى مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطاعَ اللَّهَ [النساء: ٨٠] وقال تعالى: إِنَّ الَّذِينَ يُبايِعُونَكَ إِنَّما يُبايِعُونَ اللَّهَ [الفتح: ١٠] فكان الإعراض عن الرسول (ص) إعراضا عن الله تعالى، فاكتفي بذكره.
الثالث أن معناه: ولا تولّوا عن هذا الأمر وعن أمثاله فالضمير للأمر لا للرسول (ص) . الرابع: إنه إنما لم يقل ولا تولّوا عنهما، لئلا يلزم منه الإخلال بالأدب من النبي (ص) عند نهيه للكفار، في قرانه بين اسمه واسم الله تعالى، في ذكرهما بلفظ واحد، من غير تقديم اسم الله، كما روي، «أن خطيبا خطب فقال: من أطاع الله ورسوله فقد رشد، ومن عصاهما فقد غوى، فقال له النبي (ص) : «بئس خطيب القوم أنت، هلّا قلت: ومن عصى الله ورسوله فقد غوى» ؟
فإن قيل: ما معنى قوله تعالى: وَلَوْ عَلِمَ اللَّهُ فِيهِمْ خَيْراً لَأَسْمَعَهُمْ [الآية ٢٣] ؟
قلنا: معناه ولو علم الله فيهم تصديقا وإيمانا في المستقبل، لأسمعهم سماع فهم وقبول أو لأنطق لهم الموتى، يشهدون بصدق نبوّتك كما طلبوا.
وقيل: معنى لَأَسْمَعَهُمْ: لرزقهم الفهم والبصيرة، وأسمعهم وحالهم هذه الحال، وهو أنه لم يعلم فيهم الخير، لتولّوا وهم معرضون، لعنادهم وجحودهم الحق، بعد ظهوره.
فإن قيل: التولّي والإعراض واحد،