مسنيّة» وفي قولهم «قنية» لأنها من «قنوت» .
قال تعالى: وَالرَّكْبُ أَسْفَلَ مِنْكُمْ [الآية ٤٢] بجعل «الأسفل» ظرفا، ولو شئت قلت: «أسفل منكم» «١» إذا جعلته صفة «الركب» ولم تجعله ظرفا.
قال تعالى: وَيَحْيى مَنْ حَيَّ عَنْ بَيِّنَةٍ [الآية ٤٢] «٢» بإلزام الإدغام، إذ صار في موضع يلزمه الفتح، فصار مثل باب التضعيف. فإذا كان في موضع لا يلزمه الفتح، لم يدغم نحو بِقادِرٍ عَلى أَنْ يُحْيِيَ الْمَوْتى [الأحقاف:
٣٣ والقيامة: ٤٠] إلّا أن تشاء تخفي، وتكون في زنة متحرك، لأنها لا تلزمه، لأنك تقول «تحيي» فتسكن في الرفع وتحذف في الجزم، فكل هذا لا يمنعه الإدغام. وقرأ بعضهم: «من حيي عن بيّنة» «٣» ولم يدغم إذا كان لا يدغمه في سائر ذلك. وهذا أقبح الوجهين، لأنّ «حيي» مثل «خشي» لمّا صارت مثل غير التضعيف، أجرى الياء الآخرة مثل ياء «خشي» .
وتقول للجميع «قد حيوا» كما تقول «قد خشوا» ولا تدغم لأن ياء «خشوا» تعتل هاهنا. وقال الشاعر «٤» [من الطويل وهو الشاهد الثاني والعشرون بعد المائتين] :
وحيّ حسبناهم فوارس كهمس ... حيوا بعد ما ماتوا من الدهر أعصرا «٥»
وقد ثقّل بعضهم وتركها على ما كانت عليه، وذلك قبيح. قال الشاعر «٦» [من مجزوء الكامل وهو
стр. 772
الشاهد الثالث والعشرون بعد المائتين] :
عيّوا بأمرهم كما ... عيّت ببيضتها الحمامه «١»
جعلت له عودين من ... نشم وآخر من ثمامة «٢»
وقال تعالى: وَلَوْ تَرى إِذْ يَتَوَفَّى الَّذِينَ كَفَرُوا الْمَلائِكَةُ يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ وَأَدْبارَهُمْ وَذُوقُوا عَذابَ الْحَرِيقِ (٥٠) بإضمار الخبر، والله أعلم. وقال الشاعر [من الخفيف وهو الشاهد الحادي والثلاثون بعد المائة] :
إن يكن طبّك الدّلال فلو في ... سالف الدّهر والسنين الخوالي
يريد بقوله «فلو في سالف الدهر» أن يقول: «فلو كان في سالف الدهر لكان كذا وكذا» فحذف هذا الكلام كلّه.
قال تعالى: وَإِنْ جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَها [الآية ٦١] بتأنيث «السّلم» «٣» وهو «الصلح» وهي لغة لأهل الحجاز، ولغة العرب الكسر.
وفي قوله تعالى: فَإِنَّ حَسْبَكَ اللَّهُ [الآية ٦٢] «حسبك» اسم.
قال تعالى: ما لَكُمْ مِنْ وَلايَتِهِمْ مِنْ شَيْءٍ [الآية ٧٢] وهو في الولاء. أما في السلطان ف «الولاية» ولا أعلم كسر الواو في الأخرى إلّا لغة.
قال تعالى: وَالَّذِينَ آمَنُوا مِنْ بَعْدُ وَهاجَرُوا وَجاهَدُوا مَعَكُمْ فَأُولئِكَ مِنْكُمْ [الآية ٧٥] بجعل الخبر بالفاء كما تقول:
«الذي يأتيني فله درهمان» ، فتلحق الفاء لما صارت في معنى المجازاة.
стр. 773
المبحث السابع لكل سؤال جواب في سورة «الأنفال» «١»
إن قيل: قوله تعالى: إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ [الآية ٢] إلى آخر الآيتين، يدل على أن من لم يتصف بجميع تلك الصفات، لا يكون مؤمنا، لأن كلمة «إنّما» للحصر.
قلنا: فيه إضمار تقديره: إنّما المؤمنون إيمانا كاملا، وإنّما الكاملون في الإيمان، كما يقال الرجل من تصبّر على الشدائد، يعني الرجل الكامل.
فإن قيل: قوله تعالى: أُولئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا [الآية ٤] ينفي إرادة ما ذكرتم.
قلنا: معناه أولئك هم المؤمنون إيمانا كاملا حقّا، وقيل إنّ «حقّا» متعلق بما بعده لا بما قبله، والمؤمنون تمام الكلام.
فإن قيل: كيف يقال: إن الإيمان لا يقبل الزيادة والنقصان، وقد قال تعالى: وَإِذا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آياتُهُ زادَتْهُمْ إِيماناً [الآية ٢] ؟
قلنا: المراد هنا آثار الإيمان من الطمأنينة واليقين والخشية ونحو ذلك، لأن تظاهر الأدلة على المدلول مما يزيده رسوخا في العقائد وثبوتا فأما حقيقة الإيمان فهو التصديق والإقرار بوحدانية الله تعالى، وكما أن الإلهية الوحدانية لا تقبل الزيادة والنقصان، فكذا الإقرار بها.
فإن قيل: قوله تعالى: كَما أَخْرَجَكَ رَبُّكَ مِنْ بَيْتِكَ بِالْحَقِّ [الآية ٥] تشبيه، فأين المشبّه والمشبّه به؟
стр. 774
قلنا: معناه: امض على ما رأيته صوابا، من تنفيل الغزاة في قسمة الغنائم وإن كرهوا، كما مضيت في خروجك من بيتك للحرب بالحقّ، وهم كارهون. وقيل معناه: فاتّقوا الله وأصلحوا ذات بينكم، فهو خير لكم، وإن كرهتم، كما كان إخراجك من بيتك بالحقّ؟
فإن قيل: لم قال تعالى: لِيُحِقَّ الْحَقَّ وَيُبْطِلَ الْباطِلَ [الآية ٨] وكلاهما متعذّر، لأنه تحصيل حاصل؟
قلنا: المراد بالحق الإيمان، والباطل الشرك، فاندفع السؤال.
فإن قيل ما الحكمة من التكرار في قوله تعالى: وَيُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُحِقَّ الْحَقَّ بِكَلِماتِهِ وَيَقْطَعَ دابِرَ الْكافِرِينَ (٧) لِيُحِقَّ الْحَقَّ؟
قلنا: إنّما ذكر أوّلا، لبيان أن إرادتهم كانت متعلقة باختيار الطائفة، التي كانت فيها الغنيمة، وإرادة الله تعالى باختيار الطائفة التي في قهرها نصرة الدين، فذكره أوّلا للتمييز بين الإرادتين، ثم ذكره ثانيا لبيان الحكمة في قطع دابر الكافرين.
فإن قيل: لم قال تعالى: فَلَمْ تَقْتُلُوهُمْ وَلكِنَّ اللَّهَ قَتَلَهُمْ وَما رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلكِنَّ اللَّهَ رَمى [الآية ١٧] ومعلوم أن المؤمنين يوم بدر قتلوا الكفار، ورماهم النبي (ص) بكفّ من حصا الوادي في وجوههم، وقال:
شاهت الوجوه، فلم يبق مشرك إلّا وقع في عينيه شيء من ذلك، فشغلوا بعيونهم وانهزموا، فتبعهم المؤمنون يقتلون ويأسرون؟
قلنا: لمّا كان السبب الأقوى في قتلهم، إنّما هو مدد الملائكة وإلقاء الرعب في قلوب الكافرين، وتثبيت قلوب المؤمنين وأقدامهم، وذلك كله فعل الله تعالى، نفى الفعل عنهم ونسبه إليه، يعني إن كان ذلك في الصورة منكم فهو في الحقيقة مني، فسبيلكم الشكر دون العجب والفخر، وكذلك الرمية أثبتها لرسول الله (ص) لأن صورتها وجدت منه، ونفاها عنه لأن أثرها الذي لا يوجد مثله عن رمي البشر، فعل الله تعالى. ونظير هذا، قولك لمن يصدر عنه قول حسن أو فعل مكروه، بتسليط من هو أعلى رتبة منه: هذا ليس قولك ولا فعلك. وقيل معنى قوله تعالى: وَما رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ [الآية ١٧] وما رميت الرعب في
стр. 775
قلوبهم إذ رميت الحصا في وجوههم، ولكن الله رمى الرعب في قلوبهم.
ولأهل الحقيقة في هذه الآية وفي نظائرها من الكتاب والسنة، مباحث لا يحتملها هذا المختصر، وهي مستقصاة في كتب التصوف.
فإن قيل: لم قال تعالى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلا تَوَلَّوْا عَنْهُ [الآية ٢٠] ثنّى في الأمر، ثم أفرد في النهي؟
قلنا: كما يذكر في لغة العرب الاسم المفرد ويراد به الاثنان والجمع، فكذلك يذكر ضمير المفرد ويراد به ضمير الاثنين كقولهم: إنعام فلان ومعروفه يغشيني، والإنعام والمعروف لا ينفع مع فلان، وعليه جاء قوله تعالى: وَاللَّهُ وَرَسُولُهُ أَحَقُّ أَنْ يُرْضُوهُ [التوبة: ٦٢] أي يرضوهما، فكذا هنا معناه: ولا تولوا عنهما. الثاني أنه إن أفرد باعتبار عود الضمير إلى الله وحده لأنه الأصل، مع أن طاعة الله وطاعة رسوله متلازمتان، قال الله تعالى مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطاعَ اللَّهَ [النساء: ٨٠] وقال تعالى: إِنَّ الَّذِينَ يُبايِعُونَكَ إِنَّما يُبايِعُونَ اللَّهَ [الفتح: ١٠] فكان الإعراض عن الرسول (ص) إعراضا عن الله تعالى، فاكتفي بذكره.
الثالث أن معناه: ولا تولّوا عن هذا الأمر وعن أمثاله فالضمير للأمر لا للرسول (ص) . الرابع: إنه إنما لم يقل ولا تولّوا عنهما، لئلا يلزم منه الإخلال بالأدب من النبي (ص) عند نهيه للكفار، في قرانه بين اسمه واسم الله تعالى، في ذكرهما بلفظ واحد، من غير تقديم اسم الله، كما روي، «أن خطيبا خطب فقال: من أطاع الله ورسوله فقد رشد، ومن عصاهما فقد غوى، فقال له النبي (ص) : «بئس خطيب القوم أنت، هلّا قلت: ومن عصى الله ورسوله فقد غوى» ؟
فإن قيل: ما معنى قوله تعالى: وَلَوْ عَلِمَ اللَّهُ فِيهِمْ خَيْراً لَأَسْمَعَهُمْ [الآية ٢٣] ؟
قلنا: معناه ولو علم الله فيهم تصديقا وإيمانا في المستقبل، لأسمعهم سماع فهم وقبول أو لأنطق لهم الموتى، يشهدون بصدق نبوّتك كما طلبوا.
وقيل: معنى لَأَسْمَعَهُمْ: لرزقهم الفهم والبصيرة، وأسمعهم وحالهم هذه الحال، وهو أنه لم يعلم فيهم الخير، لتولّوا وهم معرضون، لعنادهم وجحودهم الحق، بعد ظهوره.
فإن قيل: التولّي والإعراض واحد،
стр. 776
فما الحكمة في قوله تعالى لَتَوَلَّوْا وَهُمْ مُعْرِضُونَ (٢٣) ؟
قلنا: معناه لتولّوا عن الإيمان، وأعرضوا عن البرهان، فلا تكرار.
فإن قيل: فما الحكمة في ذكر السماء في قوله تعالى: فَأَمْطِرْ عَلَيْنا حِجارَةً مِنَ السَّماءِ [الآية ٣٢] والمطر إنما يكون من السماء؟
قلنا: الجواب الاول المطر المطلق، إنما يكون من السماء ولكن المطر المضاف هنا، وهو مطر الحجارة، قد يكون من رؤوس الجبال، ومن حيطان المساكن والقصور وسقوفها فكان ذكر السماء مفيدا، لأنّ الحجارة إذا نزلت من السماء، كانت أشدّ نكاية، وأكثر ضررا. الجواب الثاني، أنه لما كانت الحجارة المسوّمة للعذاب، وهي السّجّيل معهودة النزول من السماء، ذكر السماء إشارة إلى إرادة المعهود من الحجارة، كأنه قال: فأمطر علينا حجارة من سجّيل فوضع قوله من السماء، موضع قوله من سجيل، كما يقول: صبّ عليه مسرودة من حديد، يعني درعا.
فإن قيل: لم قال تعالى وَما كانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ [الآية ٣٣] ويوم بدر عذبهم الله تعالى بالقتل والأسر، وهو فيهم؟
قلنا: معناه وأنت مقيم فيهم بمكة، وكان كذلك، لأن النبي (ص) ما دام بمكة لم يعذّبوا، فلما أخرجوه من مكة وخرجوا لحربه عذّبوا. وقيل معناه:
وما كان الله ليعذّبهم عذاب الاستئصال، وأنت فيهم. وقيل معناه:
وما كان الله ليعذّبهم العذاب الذي طلبوه، وهو إمطار الحجارة، وأنت فيهم.
فإن قيل: لم قال الله تعالى أوّلا وَما كانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ [الآية ٣٣] ، ثم قال جلّ وعلا وَما لَهُمْ أَلَّا يُعَذِّبَهُمُ اللَّهُ [الآية ٣٤] ، وهو يوهم التناقض؟
قلنا: معناه وما لهم أن لا يعذّبهم الله بعد خروجك من بينهم، وخروج المؤمنين والمستغفرين. وقيل: المراد بالعذاب الأول عذاب الاستئصال، وبالثاني عذاب غير الاستئصال، وقيل:
المراد بالأول عذاب الدنيا، وبالثاني عذاب الاخرة.
فإن قيل: وَما كانَ صَلاتُهُمْ عِنْدَ الْبَيْتِ إِلَّا مُكاءً وَتَصْدِيَةً [الآية ٣٥] والمكاء الصفير، والتصدية التصفيق، وهما ليسا بصلاة؟
стр. 777
قلنا: معناه أنهم أقاموا المكاء والتصدية، مقام الصلاة، كما يقول القائل زرت فلانا، فجعل الجفاء صلتي: أي أقام الجفاء مقام صلتي، ومنه قول الفرزدق:
أخاف زيادا أن يكون عطاؤه ... أداهم سودا أو محدرجة سمرا
أراد بالأداهم القيود وبالمحدرجة السياط، ووضعهما موضع العطاء.
فإن قيل: في قوله تعالى: قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ ما قَدْ سَلَفَ وَإِنْ يَعُودُوا فَقَدْ مَضَتْ سُنَّتُ الْأَوَّلِينَ (٣٨) لم ينته الكافرون عن الكفر، فلم قال سبحانه وَإِنْ يَعُودُوا [الآية ٣٨] والعود إلى الشيء، إنّما يكون بعد تركه والإقلاع عنه؟
قلنا: معناه إن ينتهوا عن عداوة رسول الله (ص) ومحاربته، يغفر لهم ما قد سلف من ذلك وإن يعودوا إلى قتاله وعداوته، فقد مضت سنة الأولين منهم، الذين حاق بهم مكرهم يوم بدر، أو فقد مضت سنة الذين تحزّبوا على أنبيائهم من الأمم الماضية. وقيل معناه: إن ينتهوا عن الكفر بالإيمان، يغفر لهم ما قد سلف من الكفر والمعاصي، كما قال النبي (ص) «الإسلام يجبّ ما كان قبله» وإن يعودوا إلى الكفر بالارتداد بعد ما أسلموا، فقد مضت سنة الأولين من الأمم، من أخذهم بعذاب الاستئصال.
فإن قيل: الفائدة في تقليل الكفار في أعين المؤمنين ظاهرة، وهي زوال الرعب من قلوب المؤمنين، وتثبيت أقدامهم، وزيادة اجترائهم على القتال فما فائدة تقليل المؤمنين في أعين الكفّار، حتى قال الله تعالى:
وَيُقَلِّلُكُمْ فِي أَعْيُنِهِمْ [الآية ٤٤] مع أن في ذلك زوال الرعب من قلوب الكافرين، وتثبيت أقدامهم، واجتراؤهم على القتال؟
قلنا: فائدته أن لا يستعد الكفّار كلّ الاستعداد، فيجترءوا على المؤمنين معتمدين على قلتهم، ثم تفجؤهم الكثرة فيدهشوا ويتحيّروا وأن يكون ذلك سببا يتنبه به المشركون على نصرة الحق، إذ رأوا المؤمنين مع قلّتهم في أعينهم، منصورين عليهم. وفي التقليل من الطرفين معارضة، تعرف بالتأمل.
فإن قيل: قوله تعالى وَلا تَنازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ [الآية ٤٦] يدلّ على حرمة المنازعة والجدال أيضا،
стр. 778
لأنه منازعة، فكيف تجوز المناظرة، وهي منازعة وجدال؟
قلنا: المراد بالمنازعة هنا: المنازعة في أمر الحرب والاختلاف فيه، لا المنازعة في إظهار الحق، بالحجة والبرهان، والدليل عليه أن ذلك مأمور به.
قال الله تعالى: وَجادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ [النحل: ١٢٥] لكن للجواز شروط، يندر وجودها في زمننا هذا:
أحدها، أن يكون كل المقصود منها ظهور الحق على لسان أيّ الخصمين، كما كانت مناظرة السلف، وعلامة ذلك أن لا يفرح بظهور الحق على لسانه، أكثر ممّا يفرح بظهوره على لسان خصمه.
فإن قيل: كيف قال إبليس كما ورد في التنزيل إِنِّي أَخافُ اللَّهَ [الآية ٤٨، والمائدة: ٢٨] وهو لا يخاف الله، لأنه لو خافه لما خالفه ثم أضلّ عبيده؟
قلنا: قال قتادة، لقد صدق وعد الله في قوله كما روى القرآن ذلك، حكاية عنه: إِنِّي أَرى ما لا تَرَوْنَ [الآية ٤٨] يعني جبريل والملائكة (ع) معه نازلين من السماء لنصرة المسلمين يوم بدر، وكذب في قوله إِنِّي أَخافُ اللَّهَ والله ما به مخافة الله، ولكن علم أنه لا قوة له بهم. وقيل لمّا رأى نزول الملائكة على صورة لم يرها قط، خاف قيام الساعة التي هي غاية إنظاره، فيحل به العذاب الموعود. وقيل معنى أَخافُ اللَّهَ: أعلم صدق وعده لنبيّه النصر، وقد جاء الخوف بمعنى العلم، ومنه قوله تعالى: إِلَّا أَنْ يَخافا أَلَّا يُقِيما حُدُودَ اللَّهِ [الآية ٢٢٩] ويحتمل عندي أن يكون خاف أن يحل به الملائكة ما دون الإهلاك من الأذى إذ لم يخف الإهلاك، ثم أقول: كيف تؤخذ عليه كذبة واحدة وهو أفسق الفسقة، وأكفر الكفرة، فلا عجب في كذبه، وإنما العجب في صدقه.
فإن قيل: أي مناسبة بين الشرط والجزاء في قوله تعالى: وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَإِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (٤٩) ؟
قلنا: لما أقدم المؤمنون، وهم ثلاث مائة وبضعة عشر، على قتال المشركين، وهم زهاء ألف، متوكّلين على الله، وقال المنافقون: غرّ هؤلاء دينهم حتى أقدموا على ثلاثة أمثالهم عددا، أو أكثر، قال الله تعالى ردّا على المنافقين، وتثبيتا للمؤمنين: وَمَنْ
стр. 779
يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَإِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ
(٤٩) أي غالب يسلّط القليل الضعيف، على الكثير القوي وينصره عليه، حكيم في جميع أفعاله.
فإن قيل لم قال تعالى: وَأَنَّ اللَّهَ لَيْسَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ (٥١) ولم يقل ليس بظالم، وهو أبلغ في نفي الظلم عن ذاته المقدسة؟
قلنا: قد سبق هذا السؤال، وجوابه في سورة آل عمران.
فإن قيل: قوله ذلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ لَمْ يَكُ مُغَيِّراً نِعْمَةً أَنْعَمَها عَلى قَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا ما بِأَنْفُسِهِمْ [الآية ٥٣] وذلك إشارة إلى إهلاك كفار مكة وآل فرعون، ولم تكن لهم حال مرضية غيّروها؟
قلنا: كما تغير الحال المرضية الى المسخوطة، تغير الحال المسخوطة إلى أسخط منها وأسوأ وأولئك كانوا، قبل بعث الرسول (ص) إليهم، عباد أصنام. فلما بعث الرسول (ص) إليهم بالآيات البينات، فكذّبوه، وعادوه، وسعوا في قتله، غيّروا حالهم إلى أسوأ منها، فغيّر الله تعالى، ما أنعم به عليهم من الإمهال، وعاجلهم بالعذاب.
فإن قيل: ما الحكمة من قوله تعالى: فَهُمْ لا يُؤْمِنُونَ [الآية ٥٥] بعد قوله جلّ وعلا: إِنَّ شَرَّ الدَّوَابِّ عِنْدَ اللَّهِ الَّذِينَ كَفَرُوا (٥٥) ؟
قلنا مراده، أن يبيّن أنّ شرّ الكفّار الذين كفروا، واستمرّوا على الكفر إلى وقت الموت.
فإن قيل: ما الحكمة من تكرار المعنى الواحد في مقاومة الجماعة، لأكثر منه، قبل التخفيف وبعده، في قوله تعالى إِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ عِشْرُونَ صابِرُونَ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ [الآية ٦٥] إلى قوله: وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ (٦٦) ؟
قلنا: فائدته، الدلالة على أن الحال مع القلة والكثرة واحدة لا تتفاوت بل كما ينصر الله تعالى العشرين على المائتين، ينصر المائة على الألف وكما ينصر المائة على المائتين، ينصر الألف على الألفين.
فإن قيل: لم أخبر الله تعالى عن هذه الغلبة، ونحن نشاهد الأمر بخلافها فإن المائة من الكفار، قد تغلب المائة من المسلمين، بل المائتين في بعض الأحوال؟
قلنا: إنما أخبر الله عن هذه الغلبة، بشرط الصبر، الذي هو
стр. 780
الثبات في موقف الحرب او الذي هو الموافقة بين المسلمين ظاهرا وباطنا، فمتى وجد الشرط تحقّقت الغلبة للمسلمين، مع قلتهم لا محالة. ولقائل أن يقول إن هذه الغلبة، مخصوصة بطائفة كان النبي (ص) أحدهم، وسياق الآية يدل عليه.
فإن قيل: لم قال الله تعالى: وَاللَّهُ يُرِيدُ الْآخِرَةَ [الآية ٦٧] مع أنه يريد الدنيا أيضا، لأنه لولا إرادته إيّاها لما وجدت، فما فائدة هذا التخصيص؟
قلنا: المراد بالإرادة هنا الاختيار والمحبة، لا إرادة الوجود والكون، فالمعنى أتحبّون عرض الحياة الدنيا وتختارونه، والله يختار ما هو سبب الجنة، وهو إعزاز الإسلام، بالإثخان في القتل.
стр. 781
المبحث الثامن المعاني المجازية في سورة «الأنفال» «١»
وقوله تعالى: وَإِذْ يَعِدُكُمُ اللَّهُ إِحْدَى الطَّائِفَتَيْنِ أَنَّها لَكُمْ وَتَوَدُّونَ أَنَّ غَيْرَ ذاتِ الشَّوْكَةِ تَكُونُ لَكُمْ [الآية ٧] .
وهذه استعارة عجيبة: لأن ذات الشوكة هاهنا، إحدى الطائفتين التي فيها سلاح الأبطال وآلة النزال وذلك أنّ النبي (ص) خرج بالمسلمين يطلب عير قريش، المقبلة من الشام مع أبي سفيان بن حرب، وفيها أموالها وذخائرها وعرفت قريش خروجه (ص) لذلك فخرجت لتمنع عيرها، وتقاتل دونها. فلما عرف المسلمون خبر خروج قريش للقتال، كانوا يتمنّون أن يخالفوهم إلى العير فيغنموها، ويكون ظفرهم بالطائفة التي فيها الغنم، لا الطائفة التي فيها الجد والحد. فجمع الله بينهم وبين قريش على بدر، وكانت الحرب المشهورة التي قتل فيها صناديد المشركين، واشتدّت أعضاد المؤمنين. والكناية بذات الشوكة، عن ذات السلاح والعدّة، من أشرف البلاغة وأوقع الاستعارة، تشبيها بالشوكة «٢» تخز «٣» ، والمدية التي تخرّ.
وقوله تعالى: وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ [الآية ٢٤] .
وهذه استعارة، على بعض التأويلات المذكورة في هذه الآية والمعنى أنّ
стр. 782
الله تعالى أقرب إلى العبد من قبله، فكأنه حائل بينه وبين قلبه من هذا الوجه أو يكون المعنى: أنه تعالى قادر على تبديل قلب المرء، من حال الى حال، إذا كان سبحانه موصوفا، بأنه مقلّب القلوب والمعنى انه ينقلها من حال الأمن إلى حال الخوف، ومن حال الخوف الى حال الأمن، ومن حال المساءة إلى حال السرور، ومن حال المحبوب الى حال المكروه.
وقوله تعالى: وَيَجْعَلَ الْخَبِيثَ بَعْضَهُ عَلى بَعْضٍ فَيَرْكُمَهُ جَمِيعاً فَيَجْعَلَهُ فِي جَهَنَّمَ [الآية ٣٧] .
وهذه استعارة، والمراد بها: العمل الخبيث وهو ما يستحق العقاب، ولا يصح فيه أن يركم بعضه على بعض، وإنّما يصح ذلك في الأجسام والأجرام فالمراد، إذا وصفت العمل الخبيث بالكثرة، كثرة فاعله، ومن صفات الكثرة تراكم الشيء بعضه على بعض، كالرمل الهيام «١» والسحاب الرّكام، ومعنى (جعله في جهنم) العقاب ينزل عليه بنار جهنم وقد قيل في ذلك وجه آخر، يخرج الكلام من باب الاستعارة، وهو أن يكون المراد بالخبيث هاهنا المال الذي أخذ من غير حق، وأنفق في غير حقه. فإنّ الله سبحانه، يجعله في نار جهنم مع آخذيه، من الوجوه المحرّمة، ومنفقيه في الوجوه المذمومة، على طريق العقوبة لهم والتجديد لخسرانهم، كلما كثر إليه نظرهم، كما قال سبحانه، في صفة الأموال المكنوزة الممنوعة من إخراج الزكاة: يَوْمَ يُحْمى عَلَيْها فِي نارِ جَهَنَّمَ فَتُكْوى بِها جِباهُهُمْ وَجُنُوبُهُمْ وَظُهُورُهُمْ هذا ما كَنَزْتُمْ لِأَنْفُسِكُمْ فَذُوقُوا ما كُنْتُمْ تَكْنِزُونَ (٣٥) [التوبة] .
وقوله تعالى: وَلا تَنازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ [الآية ٤٦] .
وهذه استعارة، لأنه لا ريح هناك على الحقيقة، وإنما ذلك على مخرج قول العرب: «قد هبّت ريح فلان» إذا تجددت له دولة، أو ظهرت له نعمة، ويقولون: «الريح مع فلان» أي الإقبال معه، والأقدار تساعده. وأصل ذلك أن الريح في الحرب، إذا كان مجراها مع
стр. 783
إحدى الطائفتين، كان عونا لها على أعدائها، في تفريق جموعهم وتقويض صفوفهم، وإثارة القتام «١» والغبرة في عيونهم ووجهوهم وهذه الأحوال كلها، أعوان عليها مع عدوهم، فما جاء في هذا المعنى، قول ضرار بن الخطاب الفهري:
قد أيقنوا يوم لا قونا بأنّ لنا ... ريح القتال وأصلاب الذين لقوا
أراد لنا دولة القتال وقوة الاستظهار.
ومما جاء في هذا المعنى:
أتنظران قليلا ريث غفلتهم أم تعدوان فإنّ الريح للعادي وهذا قول بعض حراب «٢» العرب يخاطب صاحبه «٣» كأنه قد تنتظران «٤» غفلة الحي مراقبة، أم تقدمان على استلاب إبلهم مزالبة «٥» . فإن الدولة للمقدم، والغنيمة للمصمم، والعدو في الأصل هو السلوك بالظلم والبغي.
يقال: عدو وعدوان، وعلى ذلك قوله تعالى: فَأَتْبَعَهُمْ فِرْعَوْنُ وَجُنُودُهُ بَغْياً وَعَدْواً [يونس: ٩٠] .
وقال بعضهم قول الشاعر: «هاهنا تعدوان» إنما أراد به عدو الأقدام، فكأنه قال أن تنجوا سالمين، ولا تتعرضا لشوكة الحي محاصرين فإنّ الإقبال للناجي بحشاشته، والرابح بسلامته، إذ كانت السلامة هي الغنيمة التي حازها، والطريدة التي استقاها.
والقول الأول هو المعتمد، وهو بغرض الشاعر أليق ألا ترى إلى البيت الأول كيف حقر فيه شأن علوف «٦» الحي إطماعا لصاحبيه فيهم، واعتدادا كنا أما عليهم «٧» ، وذلك حيث يقول:
стр. 784
يا صاحبي ألا لا حيّ بالوادي ... إلّا عبيدا «١» وإماء بين أوتادي
وقوله تعالى: وَإِنْ جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَها [الآية: ٦١] .
وهذه استعارة، والمراد بها: فإن مالوا إلى السلم ميل ثبات عليه، وركون إليه، لا ميل مكر ومخادعة وإدهان ومواربة، فسالمهم على هذا الوجه الذي طلبوا السلم عليه، وأنّث السياق «السّلم» ، لأنه بمعنى المسالمة والمخادعة، وما يجري مجرى ذلك.
وقوله تعالى: ما كانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرى حَتَّى يُثْخِنَ فِي الْأَرْضِ [الآية ٦٧] .
وهذه استعارة، والمراد بها: تغليظ الحال وكثرة القتل وذلك مأخوذ من قول القائل: قد أثخنني هذا الأمر، أي بلغ أقصى المبالغ في الثقل عليّ، والإيلام لقلبي.
стр. 785
سورة التوبة ٩
стр. 786
المبحث الأول أهداف سورة «التوبة» «١»
أسماء السورة
عرفت سورة التوبة من العهد الأول للإسلام بجملة أسماء، تدل بمجموعها على ما اشتملت عليه من المبادئ والمعاني، التي يجب مراعاتها في معاملة الطوائف كلها، مؤمنهم ومنافقهم، وكتابيّهم ومشركهم.
وأشهر هذه الأسماء «سورة التوبة» ، وهو يشير إلى ما تضمنته السورة من تسجيل توبة الله، وتمام رضوانه على المؤمنين الصادقين، الذين أخلصوا في مناصرة الدعوة، وصدقوا في الجهاد مع النبي (ص) ، حتى وصل بهم إلى الغاية المرجوّة، وذلك في قوله تعالى:
لَقَدْ تابَ اللَّهُ عَلَى النَّبِيِّ وَالْمُهاجِرِينَ وَالْأَنْصارِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ فِي ساعَةِ الْعُسْرَةِ مِنْ بَعْدِ ما كادَ يَزِيغُ قُلُوبُ فَرِيقٍ مِنْهُمْ ثُمَّ تابَ عَلَيْهِمْ إِنَّهُ بِهِمْ رَؤُفٌ رَحِيمٌ (١١٧) وَعَلَى الثَّلاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا حَتَّى إِذا ضاقَتْ عَلَيْهِمُ الْأَرْضُ بِما رَحُبَتْ وَضاقَتْ عَلَيْهِمْ أَنْفُسُهُمْ وَظَنُّوا أَنْ لا مَلْجَأَ مِنَ اللَّهِ إِلَّا إِلَيْهِ ثُمَّ تابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ (١١٨) .
ولا ريب في أن تسجيل هذه التوبة للمؤمنين- بعد أن كابدوا الجهد والمشقات في سبيل نصرة الحق- لما يقوّي روح الإيمان في قلوبهم، ويبعد بهم عن مزالق المخالفة، أو التقصير.
وقد تخلّف ثلاثة من المسلمين عن الاشتراك في الجهاد، ولم يسهموا في
стр. 787
أعباء جيش العسرة، فأمر النبي (ص) بمقاطعتهم ومعاقبتهم، ومكثوا فترة من الزمن في عزلة تامة بغرض تأديبهم وتهذيبهم، ثم تاب الله عليهم، وقبل توبتهم. وكان ذلك درسا للمسلمين حتى لا يتخلّفوا عن الجهاد ولا يقصّروا في القيام بأعباء الدين وتعاليمه.
ومن أسماء السورة «براءة» ، وهي تشير الى غضب الله ورسوله على من أشرك بالله، وجعل له سبحانه، ندّا، وشريكا وإعلام الناس في يوم الحج الأكبر.
أَنَّ اللَّهَ بَرِيءٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ [الآية ٣] .
وقد عرفت السورة بعد ذلك، بأسماء أخرى، فكانت تسمّى «الكاشفة» و «المثيرة» و «الفاضحة» و «المنكّلة» ، وغير ذلك مما حفلت به كتب التفسير، وهي ألفاظ أطلقت عليها، باعتبار ما قامت به، من كشف أسرار المنافقين، وإثارة أسرارهم، وفضيحتهم بها، وتنكيلها بهم.
ورد أنّ ابن عباس ﵁ قال: سورة التوبة هي الفاضحة، ما زالت تنزل في المنافقين وتنال منهم حتّى ظننّا أنّها لا تبقي أحدا إلّا ذكرته بقولها: ومنهم، ومنهم، ومنهم.
وهو يشير إلى ما جاء في هذه السورة من أصناف المنافقين مثل:
وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ ائْذَنْ لِي وَلا تَفْتِنِّي أَلا فِي الْفِتْنَةِ سَقَطُوا [الآية ٤٩] .
وَمِنْهُمْ مَنْ يَلْمِزُكَ فِي الصَّدَقاتِ فَإِنْ أُعْطُوا مِنْها رَضُوا وَإِنْ لَمْ يُعْطَوْا مِنْها إِذا هُمْ يَسْخَطُونَ (٥٨) .
وَمِمَّنْ حَوْلَكُمْ مِنَ الْأَعْرابِ مُنافِقُونَ وَمِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ مَرَدُوا عَلَى النِّفاقِ لا تَعْلَمُهُمْ نَحْنُ نَعْلَمُهُمْ سَنُعَذِّبُهُمْ مَرَّتَيْنِ ثُمَّ يُرَدُّونَ إِلى عَذابٍ عَظِيمٍ (١٠١) .
أين البسملة ؟
من خصائص سورة التوبة، أنه لم يذكر في أولها «بسم الله الرحمن الرحيم» ، لأنها تبدأ بإعلان الحرب الشاملة، ونبذ العهود كافّة، والبسملة تحمل روح السلام والطمأنينة، لذلك لم تبدأ بها سورة الحرب والقتال.
وربما كان سبب عدم وجود البسملة في أولها، الاشتباه في أنها جزء من
стр. 788
سورة الأنفال، خصوصا أن سورة الأنفال تحكي جهاد المسلمين في معركة بدر، وسورة التوبة تصف جهاد المسلمين في معركة تبوك. فقصة الأنفال شبيهة بقصة سورة التوبة، من ناحية الهدف العام، والتحريض على الجهاد، والتحذير من التخلّف عن أمر الله ورسوله. لذلك تركت سورة التوبة مع سورة الأنفال. ووضع بينهما فاصل السورة، ولم يكتب في أوّل التوبة «بسم الله الرحمن الرحيم» ، احترازا من الصحابة أن يضيفوا أي شيء إلى رسم القرآن، إلّا بتوجيه من النبي (ص) .
روى الترّمذي بإسناده عن ابن عباس قال: قلت لعثمان بن عفان: ما حملكم أن عمدتم إلى «الأنفال» وهي من المثاني، وإلى «براءة» وهي من المئين، وقرنتم بينهما، ولم تكتبوا بينهما سطر: «بسم الله الرحمن الرحيم» ، ووضعتموها في السبع الطوال، ما حملكم على ذلك؟
فقال عثمان: كان رسول الله (ص) ممّا يأتي عليه الزمان، وهو ينزل عليه السور ذات العدد، فكان إذا أنزل عليه الشيء، دعا بعض من كان يكتب، فيقول: ضعوا هذه الآية في السورة التي يذكر فيها كذا وكذا، وكانت «الأنفال» من أوّل ما نزل بالمدينة، وكانت «براءة» من آخر ما نزل من القرآن، وكانت قصّتها شبيهة بقصّتها، وخشيت أنها منها. وقبض رسول الله (ص) ، ولم يبيّن لنا أنها منها. فمن أجل ذلك قرنت بينهما، ولم أكتب بينهما سطر «بسم الله الرحمن الرحيم» ، ووضعتها في السبع الطوال.
أهداف سورة التوبة
سورة التوبة هي السورة التاسعة في ترتيب المصحف، وهي من السور المدنية، وقد نزلت في أواخر السنة التاسعة من الهجرة. وهي السنة التي خرج فيها النبي (ص) بالمسلمين إلى تبوك، بقصد غزو الروم، كما خرج أبو بكر في أواخر سنة تسع على رأس المسلمين، لحجّ بيت الله الحرام.
هدفان أصليان
وقد كان للسورة، بحكم هذين الحادثين العظيمين، في تاريخ الدولة
стр. 789
الإسلامية، هدفان أصليان:
أحدهما: تحديد القانون الأساسي الذي تشاد عليه دولة الإسلام. وذلك بالتصفية النهائية بين المسلمين ومشركي العرب، بإلغاء معاهدتهم، ومنعهم من الحج، وتأكيد قطع الولاية بينهم وبين المسلمين، وبوضع الأساس في قبول بقاء أهل الكتاب في جزيرة العرب، وإباحة التعامل معهم.
ثانيهما: إظهار ما كانت عليه نفوس أتباع النبي (ص) حينما استنفرهم ودعاهم إلى غزو الروم، وفي هذه الدائرة تحدّثت السورة عن المتثاقلين منهم، والمتخلّفين والمبطئين وكشفت الغطاء عن فتن المنافقين، وما انطوت عليه قلوبهم من أحقاد، وما قاموا به من أساليب النفاق.
وقد عرضت السورة من أوّلها للهدف الأول. واستغرق ذلك سبعا وثلاثين آية في أول السورة، وقد تضمنت هذه الآيات ما يأتي:
(أوّلا) تقرير البراءة من المشركين، ورفع العصمة عن أنفسهم وأموالهم.
(ثانيا) منحهم هدنة، مقدارها أربعة شهور.
(ثالثا) إعلام الناس جميعا، يوم الحج الأكبر (وهو يوم عيد الأضحى) بهذه البراءة.
(رابعا) إتمام مدة العهد، لمن حافظ منهم على العهد.
(خامسا) بيان ما يعاملون به، بعد انتهاء أمد الهدنة، أو مدة العهد.
(سادسا) تأمين المستجير حتى يسمع كلام الله.
(سابعا) بيان الأسباب التي أوجبت البراءة منهم، وصدور الأمر بقتالهم.
(ثامنا) إزالة وساوس قد يخطر في بعض النفوس، أنها تبرّر مسالمة المشركين، أو الإبقاء على عهودهم.
رحمة الله بالعباد
لقد برئ الله من المشركين ومن فعالهم، لأنّ الشرك والكفر ظلم عظيم، وجحود بحق الله الخالق الرازق، الذي يستحق العبادة وحده، لكن الله سبحانه أمهل المشركين مدة أربعة أشهر، لتمكينهم من النظر والتدبير، لاختيار ما يرون فيه مصلحتهم، من الدخول في الإسلام، أو الاستمرار على العداء.
стр. 790
ولعل الحكمة في تقدير تلك المهلة، بأربعة أشهر، أنها هي المدة التي كانت تكفي لتحقيق ما أبيح لهم من السياحة في الأرض، والتقلّب في شبه الجزيرة، على وجه يمكّنهم من التشاور والأخذ والرد، مع كل من يريدون أخذ رأيه، في تكوين الرأي الأخير. قال تعالى:
بَراءَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى الَّذِينَ عاهَدْتُمْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (١) فَسِيحُوا فِي الْأَرْضِ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ غَيْرُ مُعْجِزِي اللَّهِ وَأَنَّ اللَّهَ مُخْزِي الْكافِرِينَ (٢) .
ومن رحمة الإسلام أيضا، إباحة تأمين المشرك، وتقرير عصمة المستأمن، وقد أوجب الله على المسلمين حماية المستأمن، في نفسه وماله، ما دام في دار الإسلام، وجعل لأفراد المسلمين حق إعطاء ذلك الأمان، (فالمسلمون عدول يسعى بذمتهم أدناهم) .
والإسلام يبيح، بهذا الأمان، التبادل التجاري والصناعي والثقافي، وسائر الشؤون ما لم يتصل شيء منها بضرر الدولة. وقد كان للإسلام من مشروعية الأمان، وسيلة قوية لنشر دعوته، وإيصال كلمة الله إلى كثير من الأقاليم النائية، من غير حرب ولا قتال. قال تعالى:
وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلامَ اللَّهِ ثُمَّ أَبْلِغْهُ مَأْمَنَهُ ذلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لا يَعْلَمُونَ (٦) .
فالإسلام يمنح الجوار والأمان للمشرك، الذي يبحث عن الحقيقة، ويريد أن ينظر في الإسلام نظر تأمل ودراسة، فيسمح له بالدخول فيما بين المسلمين والتعامل معهم، والاختلاط بهم، حتى يفهم حكم الله ودعوته. فإن اطمأن ودخل الإيمان في قلبه، التحق بالمؤمنين، وصار في الحكم كالتائبين.
وإن لم يشرح صدره للإسلام وأراد الرجوع إلى جماعته، حرم اغتياله، ووجبت المحافظة عليه، حتى يصل مكان أمنه واستقراره.
وبذلك بلغ الإسلام شأوا بعيدا في حماية الفكر والنظر، وتذليل الطريق أمام الباحثين والمفكّرين، وحمايتهم حتى يصلوا إلى مواطن الأمان، أيّا كانت معتقداتهم، وصدق الله العظيم:
لا إِكْراهَ فِي الدِّينِ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ [البقرة: ٢٥٦] .
غزوة تبوك
في السنة التاسعة من الهجرة، وصلت للرسول (ص) أنباء، تفيد أن
стр. 791
الروم قد جمعوا جموعهم، واعتزموا غزو المسلمين في بلادهم، فأمر النبي (ص) أن يتجهز المسلمون، وأن يأخذوا عدّتهم، ويخرجوا إلى تبوك لقتال الروم في بلادهم، قبل أن يفاجئوه في بلده.
أعلن النبي (ص) النفير العام، وكان قلّما يخرج إلى غزوة، إلا ورّى بغيرها، مكيدة في الحرب، إلا ما كان من هذه الغزوة- غزوة تبوك- فقد صرّح بها لبعد الشّقّة، وشدة الزمان، إذ كان ذلك في شدة الحرّ، حين طابت الظلال، وأينعت الثمار، وحبّب إلى الناس المقام.
عندئذ وجد المنافقون فرصة سانحة، للتخذيل فقالوا: لا تنفروا في الحر، وخوّفوا الناس بعد الشّقّة وحذّروهم شدّة بأس الروم. وكان لهذا كله، أثره في تثاقل بعض الناس، عن الخروج للجهاد.
كذلك أخذ المنافقون يستأذنون في التخلف عن الغزو، معتذرين بالأعذار الكاذبة الواهنة، كما دبّر بعضهم المكائد للنبي (ص) في ثنايا الطريق.
ولم يكن بدّ من هذا الامتحان ليكشف الله المنافقين، ويثبّت المؤمنين الصادقين، فالشدائد هي التي تكشف الحقائق، وتظهر الخبايا.
وقد ظهر الإيمان الصادق، من المؤمنين المخلصين، فسارعوا إلى تلبية الدعوة بأموالهم وأنفسهم، يجهّزون الجيش، ويعدون العدّة، وقد خرج أبو بكر حينئذ عن كل ما يملك، كما قام بنصيب الأسد في التجهيز عثمان بن عفان، بذل الآلاف، وجهّز المئات من البعير والخيل، وجهّز هو وغيره الفقراء الأقوياء، الذين جاءوا إلى النبي (ص) بأنفسهم، ليحملهم، فقال لهم كما ورد في التنزيل:
لا أَجِدُ ما أَحْمِلُكُمْ عَلَيْهِ تَوَلَّوْا وَأَعْيُنُهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ حَزَناً أَلَّا يَجِدُوا ما يُنْفِقُونَ [الآية ٩٢] .
ثم يستمر سياق سورة «التوبة» في الحديث عن المنافقين، وما يظهر منهم من أقوال وأعمال تكشف عن نواياهم، التي يحاولون سترها فلا يستطيعون فمنهم من ينتقد النبي (ص) في توزيع الصدقات، ويتّهم عدالته في التوزيع، وهو المعصوم ذو الخلق العظيم
стр. 792
ومنهم من يقول هو أذن يستمع لكل قائل، ويصدّق كل ما يقال. ومنهم من يتخفّى بالقولة الفاجرة الكافرة، حتى إذا انكشف أمره استعان بالكذب والحلف، ليبرئ نفسه من تبعة ما قال ومنهم من يخشى أن ينزل الله على رسوله سورة، تفضح نفاقهم، وتكشفهم للمسلمين.
ثم تقارن «السورة» بين المنافقين والمؤمنين، لتبيّن الفرق الواضح بين صفات المنافقين، وصفات المؤمنين الصادقين، الذين يخلصون للعقيدة ولا ينافقون فقد خرج المؤمنون للجهاد مع رسول الله (ص) وقطعوا مسافة طويلة في الصحراء الجرداء، تقدر بنحو ٦٩٢ كيلو مترا. وكان المؤمنون يتدافعون إلى الجهاد، ويشتاقون إلى الشهادة. ولمّا أحس الروم بقدوم المسلمين، انسحبوا من أطراف بلادهم الى داخلها، فلمّا وصل المسلمون إلى تبوك، لم يجدوا للروم أثرا. وقد عقد النبي (ص) معاهدات مع أمراء الحدود، وعاد إلى المدينة مرهوب الجانب، محفوظا بعناية الله.
وقد استقبل النبي (ص) المتخلّفين عن الجهاد في غزوة تبوك، فمنهم أصحاب الأعذار الحقيقية، وهؤلاء معذورون معفون من التّبعة ومنهم القادرون الذين قعدوا بدون عذر، فعليهم تبعة التخلف، ووزر النكوص عن الجهاد.
ثم تمضي سورة التوبة، فتتحدث عن الأعراب، فتذكر طبيعتهم، وصنوفهم، ومواقفهم من الإيمان والنفاق.
ثم تقسم الجماعة الإسلامية كلّها عند غزوة تبوك، وبعدها، إلى طبقاتها ودرجاتها، وفق مقياس الإيمان والأعمال:
فهناك السابقون الأوّلون من المهاجرين والأنصار، والذين اتّبعوهم بإحسان وهناك المنافقون الذين تمرّسوا بالنفاق، وتعوّدوا عليه، سواء أكانوا من الأعراب، أم من أهل المدينة وهناك الذين خلطوا عملا صالحا وآخر سيّئا، واعترفوا بذنوبهم وهناك الذين أخطئوا وأمرهم متروك لله، إمّا يعذّبهم، وإمّا يتوب عليهم وهناك فئة أخلصت لله في الإيمان، وتخلّفت من غير عذر، ثم ندمت ندما عميقا، وضاقت الدنيا في وجهها، ولجأت إلى
стр. 793
الله، تطلب مغفرته ورحمته، فتاب الله عليهم، وألهمهم طريق التوبة والسداد، إن الله هو التواب الرحيم.
علاقات المسلمين بغيرهم
سورة التوبة، هي آخر سور القرآن نزولا وفي هذه السورة نجد القول الفصل في علاقات الأمة المسلمة بالمشركين، وبأهل الكتاب، وبالمنافقين وهذا هو موضوعها الذي تدور حوله.
لقد كانت بين المسلمين وبعض المشركين عهود، ولم يكن المشركون يحافظون على عهودهم، إلّا ريثما تلوح لهم فرصة، يحسبونها مؤاتية للكرّة على المسلمين، وكان المشركون، حتى بعد فتح مكة، يطوفون بالبيت عرايا، على عادتهم في الجاهلية، ويصفّقون، ويصفرون، مخلّين بكرامة البيت العتيق، فلم يكن بدّ من أن تخلص الجزيرة العربية للإسلام، وأن تتخلّص من الشرك.
والجهاد، هو الوسيلة لتطهير الجزيرة من رجس المشركين والمنافقين ثم تناولت السورة موضوع الجهاد بالنفس، والمال، وبيّنت شرفه وأجره.
وأنحت على المتخلّفين القاعدين، واستجاشت وجدان المسلمين الى قتال الكفار المنافقين، بما صوّرت من كيدهم للمسلمين، وحقدهم عليهم، وتمني الشر لهم، وما تحمله نفوسهم من الخصومة والبغضاء، وما وقع منهم للرسول (ص) ومن معه من المؤمنين وبذلك كانت سورة التوبة، تحمل القول الفصل في علاقات المسلمين بغيرهم، وتحدّد موقفهم الحاسم الأخير.
وقد لوّنت السورة أساليب الدعوة إلى الجهاد، فحينا تنكر على المؤمنين تثاقلهم وإخلادهم إلى الأرض، وحينا آخر تهتمّ بتطهير الجيش من عناصر الفتنة والخذلان، ومرة أخرى توضح أن سنة الله ماضية لا تتخلّف وأن من قوانين الحق سبحانه، أنّ البقاء والعزة والسلطان، إنّما هو يكون للعاملين المجاهدين أمّا المتباطئون والمتثاقلون، الذين يؤثرون حياتهم، ويضنّون بأنفسهم وأموالهم، ويخلدون إلى الأرض، ويعرضون عن دعوة الجهاد في سبيل حريتهم وبقائهم، فإنهم لا بدّ ذاهبون، وهم لا محالة مستذلّون مستعبدون.
стр. 794
فضل الرسول الأمين
تعرّضت سورة التوبة، لبيان فضل رسول الله (ص) ومكانته السامية، ومناقبه الكريمة فذكرت أن الله سبحانه أنزل السكينة عليه، وأيّده بجنود من الملائكة في يوم «حنين» ، حين انهزم المؤمنون، وولّوا مدبرين.
ومن كرامة الرسول (ص) أن الله نصره عند الهجرة مع صاحبه الصّدّيق، وكان الله معهما بتأييده وإنزاله الطمأنينة والأمان عليهما وحفظهما في الغار، حتّى عميت عنهما عيون الكفار وجعل الله كلمة المؤمنين في ارتفاع وانتصار، وشأن الكافرين في هزيمة واندحار وقد فرضت سورة التوبة على المؤمنين عدة واجبات، تجاه نبيهم منها:
١- محبّته (ص) والتزام هديه، والعمل بسنّته، كما نجد ذلك في الآية ٢٥.
٢- تحرّي مرضاته، لأن رضاه من رضا الله سبحانه، ونجد ذلك في الآية ٦٢.
٣- وجوب طاعته، والنصح له، ووجوب نصره.
٤- تحريم إيذائه، وتحريم معاداته، وتحريم القعود عن الخروج معه في الجهاد.
وتختم السورة آياتها بذكر صفات رسول الله (ص) . فهو الرحمة المهداة، لتطهير المؤمنين، وتزكيتهم، وتعليمهم، والدعاء لهم فحبّه فريضة، وبغضه كفر وحرمان. وقد تكفّل الله بنصر رسوله، حتى ولو تخلى عنه جميع الناس، فإن معه الله القوي القدير، قال تعالى:
لَقَدْ جاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ ما عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَؤُفٌ رَحِيمٌ (١٢٨) فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُلْ حَسْبِيَ اللَّهُ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَهُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ (١٢٩) .
стр. 795
المبحث الثاني ترابط الآيات في سورة «التوبة» «١»
تاريخ نزولها ووجه تسميتها
نزلت سورة التوبة بعد سورة المائدة، وكان نزولها في ذي القعدة أو ذي الحجّة من السنة التاسعة للهجرة، وكان النبي (ص) أرسل أبا بكر في أخريات ذي القعدة ليحجّ بالناس، فنزلت هذه السورة بعد سفره، وفيها نبذ العهود للمشركين جميعهم الذين لم يفوا بعهودهم، فأرسل بها عليّا ليبلّغها إلى الناس في يوم الحج الأكبر، فلحق أبا بكر في الطريق، ثم أبلغها الناس في ذلك اليوم، ثم نادى: لا يحجّ بعد العام مشرك، ولا يطوف بالبيت عريان. فتكون سورة التوبة، من السور التي نزلت بين غزوة تبوك ووفاة النبي (ص) .
وقد سميت هذه السورة باسم التوبة، لأنه ذكر في الآيتين: ١١٧ و ١١٨، توبة الله على النبي والمهاجرين والأنصار الذين اتّبعوه في ساعة العسرة، بعد ما كادَ يَزِيغُ قُلُوبُ فَرِيقٍ مِنْهُمْ [الآية ١١٧] ، وعلى الثلاثة الذين خلّفوا في غزوة تبوك، وتبلغ آياتها تسعا وعشرين ومائة آية.
الغرض منها وترتيبها
نزلت هذه السورة لتحديد علاقة المسلمين بأعدائهم في آخر عهد النبوّة، وكان أعداؤهم على ثلاثة أقسام: أوّلها مشركو العرب، وقد نبذت في هذه السورة عهود الذين لم يفوا بعهودهم منهم، وأمهلوا فيها أربعة
стр. 796
أشهر يسيحون في الأرض، وأتمّ فيها عهد من وفي بعهده إلى مدته، لتخلص جزيرة العرب للمسلمين وحدهم.
وثانيها من حاربهم من اليهود والنصارى، وقد أمروا فيها بقتالهم وقبول الجزية منهم إذا سالموهم.
وثالثها المنافقون، وقد فضحوا فيها، وكشفت أسرارهم، وأمر المسلمون بمقاطعتهم والبعد عنهم. وتنقسم هذه السورة في ذلك الى قسمين: أوّلهما في الكلام على المشركين وأهل الكتاب، وثانيهما في الكلام على المنافقين وقد استطرد في أثناء ذلك إلى بعض الحوادث التي وقعت في تاريخ نزول هذه السورة، كغزوة حنين وغزوة تبوك.
وقد ذكرت هذه السورة بعد سورة الأنفال، لما سبق من أنهما يعدّان كسورة واحدة تتمّم السبع الطوال وقد ذهب كثير من الصحابة إلى أنهما سورة واحدة، وجعل هذا هو السبب في ترك التسمية في أول هذه السورة ومما يذكر في المناسبة بين السورتين، أن سورة الأنفال ذكرت فيها العهود، وسورة التوبة ذكر فيها نبذ العهود وأن سورة الأنفال، ختمت بفرض الموالاة بين المؤمنين، وقطعها بينهم وبين الكفار وقد افتتحت بهذا سورة التوبة وأن قصة سورة التوبة، تشبه قصة سورة الأنفال، لأن كلّا منهما نزل في القتال.
الكلام على المشركين وأهل الكتاب الآيات (١- ٣٧)
قال الله تعالى بَراءَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى الَّذِينَ عاهَدْتُمْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (١) .
فأوجب البراءة من عهود المشركين، وأباح لهم أن يسيحوا في الأرض أربعة أشهر، وأمر أن يؤذنوا بهذا يوم الحجّ الأكبر فإن تابوا في مدة إمهالهم فهو خير لهم، وإن أصرّوا على كفرهم فلن يعجزوا الله في دنياهم، ولهم في الاخرة عذاب أليم ثم استثنى منهم الذين كان لهم عهد ولم ينقضوه، فأمر أن يتمّ لهم عهدهم إلى مدّتهم، ثمّ أمر بقتالهم بعد انسلاخ الأشهر الحرم حيث وجدوا، فإن تابوا كفّ عن قتالهم ثم أمر النبي (ص) أن يجير من استجاره منهم حتّى يسمع كلامه، وأن يبلغه بعد هذا مأمنه من دار قومه، ويكون حكمه في القتال كحكمهم ثم أنكر السياق أن يكون لأولئك المشركين عهد عند
стр. 797
النبي (ص) ، واستثنى منهم الذين عاهدهم عند المسجد الحرام، فأمر سبحانه أن يستقيموا لهم ما استقاموا لهم، ثم عاد السياق فأنكر أن يكون لأولئك المشركين عهد، وهم إن يظهروا على المؤمنين لا يرعوا فيهم عهدا، لأنهم غير مخلصين في عهدهم، وأكثرهم فاسقون لا قيمة للعهد عندهم ثم ذكر من فسقهم أنهم آثروا الكفر على الإيمان بثمن قليل من متاع الدنيا، وأنهم لا يرقبون في مؤمن عهدا، وأنهم هم المعتدون على المسلمين ثم ذكر أنهم إن تابوا وأقاموا الصلاة وآتوا الزكاة فهم إخوانهم في الدين وأنهم، إن نكثوا أيمانهم من بعدهم وجب قتالهم ونقض عهدهم، لأنهم لا أيمان لهم.
ثم ذكر في تسويغ قتالهم، أنهم نكثوا أيمانهم وهمّوا بإخراج الرسول من مكة، قبل أن يهاجر منها، وبدءوا المسلمين بالقتال ظلما وعدوانا ثم أمرهم بقتالهم ليعذّبهم سبحانه بأيديهم ويخزيهم، وينصرهم عليهم، ويشفي صدورهم منهم وذكر أنه لم يكن ليتركهم، من غير أن يميز بالجهاد بين الصادقين في إيمانهم وغيرهم، ولم يكن ليترك المشركين يعمرون المسجد الحرام بكفرهم، لأن الأحقّ بعمارته الذين يؤمنون بالله واليوم الاخر ويقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة ثم أنكر على المشركين أن يسوّوا بين ذلك، وما يقومون به من سقاية الحاج، وعمارة المسجد الحرام وحكم بأن المؤمنين أعظم درجة عنده منهم.
ثم نهى المؤمنين بعد البراءة من عهود الكفار، أن يتّخذوا آباءهم وإخوانهم أولياء، إن آثروا الكفر على الإيمان وأوعدهم إن آثروا آباءهم وأبناءهم وإخوانهم وأزواجهم وعشيرتهم وأموالهم وتجارتهم، عليه وعلى رسوله والجهاد في سبيله، أن يتربّصوا حتى يأتي سبحانه بأمره ثم ذكر أنه ﷻ نصرهم في مواطن كثيرة ليؤثروه على غيره وخصّ من هذه المواطن يوم حنين، إذ أعجبتهم كثرتهم فلم تغن عنهم شيئا، وضاقت عليهم الأرض بما رحبت ثم ولّوا مدبرين. ثم أنزل سكينته على النبي ومن ثبت معه، وهزم أعداءهم ثم ذكر أنه يتوب على من يشاء منهم، والله غفور رحيم يا أَيُّهَا الَّذِينَ
стр. 798
آمَنُوا إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرامَ بَعْدَ عامِهِمْ هذا وَإِنْ خِفْتُمْ عَيْلَةً فَسَوْفَ يُغْنِيكُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ إِنْ شاءَ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ حَكِيمٌ
(٢٨) .
ثم أمرهم أن يقاتلوا الذين لا يؤمنون بالله ولا باليوم الاخر، ولا يحرّمون ما حرّم الله ورسوله، ولا يدينون دين الحقّ من أهل الكتاب، حتى يعطوا الجزية وكانوا قد حاربوهم، وانضموا إلى المشركين عليهم ثم أثبت ما ذكره من كفرهم، بأن اليهود يقولون عزير ابن الله، والنصارى يقولون المسيح ابن الله، يضاهئون المشركين قبلهم، في زعمهم أن له أولادا من الملائكة وغيرهم وأثبته أيضا باتّخاذهم أحبارهم ورهبانهم أربابا يطيعونهم من دونه سبحانه، ثم ذكر أنهم يريدون أن يطفئوا نوره، وهو دين الإسلام، بأفواههم، ليسوّغ ما أمر به من قتالهم ثم ذكر أن كثيرا من أحبارهم ورهبانهم ليأكلون أموال الناس بالباطل، ويصدونهم عن سبيله وأن الذين يكنزون منهم الذهب والفضة، ولا ينفقونها في سبيله، لهم عذاب أليم يَوْمَ يُحْمى عَلَيْها فِي نارِ جَهَنَّمَ فَتُكْوى بِها جِباهُهُمْ وَجُنُوبُهُمْ وَظُهُورُهُمْ هذا ما كَنَزْتُمْ لِأَنْفُسِكُمْ فَذُوقُوا ما كُنْتُمْ تَكْنِزُونَ (٣٥) .
ثم ختم الكلام على الفريقين، ببيان ما يحلّ القتال فيه، وما يحرم من شهور السنة، فذكر أن عدة الشهور اثنا عشر شهرا، وأنّ منها أربعة حرما، يحرّم القتال عليهم فيها، ويجب عليهم قتال المشركين كافّة فيما عداها، كما يقاتلونهم كافة ثم حرّم عليهم النّسيء، وهو تأخير الأشهر الحرم عن مواضعها من السنة، إذا صادفتهم وهم في حرب، أو لم يوافق الحج فيها موسم تجارتهم، ليواطئوا عدة ما حرّم الله فَيُحِلُّوا ما حَرَّمَ اللَّهُ زُيِّنَ لَهُمْ سُوءُ أَعْمالِهِمْ وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكافِرِينَ [الآية ٣٧] .
الكلام على المنافقين الآيات (٣٨- ١٢٩)
ثم قال تعالى يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ما لَكُمْ إِذا قِيلَ لَكُمُ انْفِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ اثَّاقَلْتُمْ إِلَى الْأَرْضِ [الآية ٣٨] ، فذكر ما حصل من المنافقين في غزوة تبوك، وكانت في وقت الصيف وشدّة الحر وما حصل في غزو
стр. 799
الروم، وهي دولة قوية ليست كمن قاتلوهم من قبائل العرب، فتثاقل عنها المنافقون واستعظموا غزو الروم، وأثّروا في بعض المؤمنين، وقد بدأ بلومهم على تثاقلهم، إذا قيل لهم انفروا في سبيله، وإيثارهم الحياة الدنيا على الاخرة ثم ذكر أنهم إلّا ينفروا يعذّبهم، ويستبدل قوما غيرهم، ولا يضرّوا النبي (ص) ، وأنهم إلّا ينصروه فقد نصره في هجرته من مكة ثاني اثنين، وقد جزع رفيقه وهما في الغار أن يدركهما المشركون، فقال له كما ورد في التنزيل لا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنا [الآية ٤٠] فأنزل سكينته عليه، وأيّده بجنود من عنده، وجعل كلمة الكافرين السّفلى، وكلمته هي العليا ثم أمرهم أن ينفروا خفافا وثقالا، ويجاهدوا بأموالهم وأنفسهم ورغّبهم في ذلك، بأنه خير لهم لو كانوا يعلمون ثم عاد السياق إلى توبيخهم على تثاقلهم، فذكر سبحانه، أنه لو كان دعاهم إلى عرض قريب من الدنيا، أو سفر سهل لاتّبعوه طمعا في منافع الدنيا، ولكن طال السفر عليهم في هذه الغزوة، وأيسوا من الفوز بالغنائم، فتثاقلوا عنها، وسيحلفون بالله، أنهم لو استطاعوا الخروج لخرجوا، وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّهُمْ لَكاذِبُونَ (٤٢) [الآية] ، ثم عاتب تعالى النبي (ص) على إذنه لهم بالقعود، وكان من الخير ألّا يأذن لهم، حتّى يعلم الصادقين في عذرهم من الكاذبين ثم ذكر أن الذين يؤمنون به وباليوم الاخر، لا يستأذنون في الجهاد بأموالهم وأنفسهم، لأنهم يعلمون عظيم ما أعدّ لهم في ذلك اليوم، إذا استشهدوا في الجهاد، وإنما يستأذن في الجهاد الذين لا يؤمنون بذلك من المنافقين ولو أنهم أرادوا الخروج، لأعدوا له عدّته، وخرجوا مع المجاهدين ولكنه علم المصلحة في عدم خروجهم، فثبّطهم عن الخروج ولو خرجوا، لأوقعوا الفتنة في صفوف المسلمين، وأطلعوا أعداءهم على أسرارهم، كما فعلوا مثل هذا من قبل، في غزوة أحد وغيرها.
ثم قسّمهم في النفاق إلى أقسام، أولها: الذين إذا طلبوا للجهاد ذهبوا إلى النبي (ص) وعرضوا عليه أن يعينوه بأموالهم، على أن يأذن لهم في القعود، ولا يفتنهم بعدم الإذن فسقطوا في الفتنة من حيث يظهرون البراءة منها. ثم ذكر السياق بعد هذا،
стр. 800
أنه إن أصاب الرسول (ص) فوز ساءهم، وإن أصيب بمكروه، فرحوا بحذرهم وعدم خروجهم وأمر النبي (ص) أن يذكر لهم، أنه لن يصيب المسلمين إلا ما كتب لهم وأنهم لا يتربّصون بهم إلا إحدى الحسنيين: النصرة أو الشهادة أمّا هم فسيصابون بعذاب من عند الله، أو بأيدي المسلمين ثم ذكر لهم أنّ ما ينفقونه طوعا أو كرها، ليقعدوا في نظيره عن القتال، لن يتقبله منهم لفسقهم، وكفرهم، وعدم إخلاصهم في صلاتهم وإنفاقهم ثم نهى النبيّ (ص) أن تعجبه أموالهم وأولادهم، لأنه يريد أن يعذّبهم بها في الدنيا، بإنفاقها فيما يكرهون، وهو أشقّ شيء عليهم وتزهق أنفسهم، وهم كافرون، فيعذّبون في الاخرة أيضا. ثم ذكر أنهم، مع هذا، يحلفون أنهم من المسلمين، وما هم منهم، ولكنهم قوم جبناء، يفرقون من الجهاد لَوْ يَجِدُونَ مَلْجَأً أَوْ مَغاراتٍ أَوْ مُدَّخَلًا لَوَلَّوْا إِلَيْهِ وَهُمْ يَجْمَحُونَ (٥٧) .
وثانيها: الذين يطعنون على النبي (ص) في الصدقات المفروضة، ويزعمون أنه يخص بها أقاربه وأهل مودته فإن أعطوا منها، رضوا وإن لم يعطوا، سخطوا ولو أنهم رضوا بقسمة الله ورسوله فيها، ونصيبهم منها، لكان خيرا لهم ثم ذكر في الجواب عن طعنهم، أنّ هذه الصدقات لها مصارف معلومة، من الفقراء ومن ذكرهم، وهي مصارف لا تراعى فيها قرابة ولا مودة، وإنّما تراعى فيها المصلحة والحاجة.
وثالثها: الذين يؤذون النبي (ص) ويقولون هو أذن، لأنه يسمع ما يقال فيهم وقد أمره سبحانه أن يذكر لهم أنه أذن خير لهم، لأنه يؤمن بالله ويخافه، فلا يقدم على أذى أحد، ولا يسمع إلا للمؤمنين الصادقين، الذين يريدون المصلحة بنقل أخبارهم ثم ذكر أنهم إذا بلغ عنهم ما يقولون، يحلفون للمسلمين أنهم لم يقولوه ليرضوهم، والله ورسوله أحق أن يرضوه، بترك ما يقولونه من الإثم ثم ذكر أنهم حين يفعلون ذلك، يحذرون أن تنزل عليهم سورة تفضحهم به وأمر النبيّ (ص) أن يأمرهم بأن يفعلوا ما يفعلونه من الاستهزاء به وغيره، فإن الله مخرج ما يحذرون من أسرارهم،
стр. 801
بهذه السورة التي أنزلها فيهم ثم ذكر أنه إذا سألهم عما يبلغ عنهم، اعتذروا عنه، بأنه كان على وجه اللعب لا على وجه الجدّ، وردّ عليهم بأنه لا محلّ للّعب في أمر الله وآياته ورسوله، إلى غير ذلك ممّا ذكره في الردّ عليهم ثم ذكر أن المنافقين والمنافقات بعضهم من بعض، فلا يوالي بعضهم إلّا بعضا، لأنهم يستأمرون بالمنكر وينهون عن المعروف، إلى غير هذا ممّا لا يصحّ موالاتهم عليه.
ثم ذكر سبحانه، أنه أعدّ لهم على ذلك نار جهنّم خالدين فيها وذكر أنه سينالهم ما نال من كان قبلهم، ممّن كانوا أشدّ منهم قوة، وأكثر أموالا وأولادا، كقوم نوح، وعاد، وثمود، وقوم إبراهيم، وغيرهم.
ثم ذكر أن المؤمنين يجب أن يكون بعضهم أولياء بعض، لأنهم يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر على عكس ما يفعله المنافقون وذكر ما أعدّ لهم من الثواب، كما ذكر ما أعدّ للمنافقين من العذاب ثم أمر النبي (ص) أن يجاهدهم بالتغليظ والتشديد عليهم، ثم أعاد السياق ما ذكره سبحانه، من حلفهم وإنكارهم ما يقولونه بعد الأمر بجهادهم، ليؤكد ثانيا أنهم قالوه.
ورابعها: الذين عاهدوا الله إن أغناهم أن يتصدّقوا من أموالهم، فلمّا آتاهم ما طلبوا بخلوا بصدقاتهم، فجازاهم على ذلك بأن أعقبهم نفاقا لا يفارقهم الى يوم القيامة، وهددهم بأنه يعلم سرّهم ونجواهم ولا يخفى عليه، جلّت قدرته، شيء من أحوالهم ثم ذكر أنهم مع بخلهم بالصدقات يطعنون المطّوعين من المؤمنين فيها، والذين لا يجدون ما يتصدقون به إلا جهد المقلّ، فيسخرون منهم ويزعمون أنهم يقصدون الرياء والسمعة، وأن الله غنيّ عن صدقة المقلّ منهم ثم ذكر أنه جازاهم سخرية بسخرية، ولهم عذاب أليم، ونهى النبي (ص) أن يستغفر لهم كما يستغفر للمسلمين وذكر أنه لا يغفر لهم، ولو استغفر لهم سبعين مرة، لأنهم كفروا به وبرسوله وهو لا يهدي القوم الفاسقين.
ولما انتهى السياق من بيان أقسامهم، عاد إلى أصل الكلام في تثاقلهم وتخلّفهم عن غزوة تبوك، فذكر ما كان من فرحهم بتخلّفهم، وكراهتهم للجهاد
стр. 802
بأموالهم وأنفسهم، وتثبيطهم الناس عن هذه الغزوة وأوعدهم الله وسبحانه، على ذلك بما أوعدهم به، ثم أمر النبي (ص) ألّا يأذن لهم في الخروج بعد ذلك إذا استأذنوه فيه، وألّا يشركهم معه في قتال عدو، ونهاه نهيا قاطعا أن يصلّي على أحد منهم مات، وأن يقوم على قبره وأن تمتدّ عينه إلى أموالهم وأولادهم، كما كان يفعل قبل ذلك من أخذ أموالهم، وقبول تخلفهم ثم وبّخ أصحاب الأموال منهم على ما كانوا يفعلونه من ذلك، ورضاهم بأن يقعدوا مع الخوالف من النساء والولدان ثم ذكر أن الرسول والمؤمنين على خلاف ما يفعل أولئك المنافقون، وأنه أعدّ لهم على ذلك ما أعدّ من جنات النعيم.
ثم شرع السياق في بيان ما حصل من منافقي الأعراب في تلك الغزوة، وكان ما سبق في منافقي المدينة، فذكر، جلّت قدرته، أن المعذّرين منهم جاءوا ليؤذن لهم في القعود، وهم الذين يعتذرون بلا عذر، وأن بعضهم قعد ولم يعتذر جراءة على الله ورسوله فأوعدهم سبحانه، بأنهم سيصيبهم عذاب أليم ثم نفي الحرج عمّن قعد بعذر لضعفه أو لأنه لا يجد الأهبة والزاد والراحلة، فهؤلاء ليس عليهم من سبيل، والله غفور رحيم، إنما السبيل على الذين يستأذنون وهم أغنياء، ولا ضعف فيهم ثم ذكر أنهم سيعتذرون إليهم بعد رجوعهم من الغزو، ونهى النبي (ص) عن قبول عذرهم وذكر أنهم سيحلفون لهم أنهم لم يقدروا على الخروج، ليعرضوا عنهم ولا يوبّخوهم وأمرهم أن يعرضوا عنهم، إعراض مقت وسخط ثم ذكر أن منافقي الأعراب أشدّ كفرا ونفاقا وجهلا من منافقي المدينة وأن منهم من يعتقد أن ما ينفقه في سبيل الله غرامة وخسران، ويتربص بالمسلمين الدوائر بظهور أعدائهم عليهم ثم ذكر أن من الأعراب من يخلص في إيمانه، وأنه سيدخلهم في رحمته وأن السابقين الأوّلين من المهاجرين والأنصار والذين اتّبعوهم بإحسان، لهم درجات أعلى منهم، لأن الأعراب، وإن أخلصوا في إيمانهم، ليس لهم مثل سبقهم وجهادهم.
ثم ذكر أن من الأعراب وأهل
стр. 803
المدينة منافقين مردوا على النفاق وأن النبي (ص) لا يعلمهم، وهو سبحانه، يعلمهم، وسيعذّبهم مرتين في الدنيا والاخرة وأن منهم آخرين اعترفوا بذنوبهم، وخلطوا عملا صالحا وآخر سيّئا وذلك بخروجهم مع النبي (ص) في سائر الغزوات، وتخلّفهم في هذه الغزوة وأنه قد قبل توبتهم، وغفر لهم وكانوا قد تأخّروا عن تقديم زكواتهم قبل توبتهم، فأمر النبي (ص) أن يأخذها منهم، لتتمّ توبتهم بها ثم ذكر أنه هو الذي يقبل التوبة عن عباده، ويأخذ الصدقات ترغيبا فيها لمن لم يتب، وأمرهم أن يعملوا الصالحات، لتكفّر ما مضى من سيئاتهم وأخبرهم بأنه يرى عملهم، ترغيبا وترهيبا لهم ثم ذكر أن منهم آخرين ندموا على ما فعلوا، ولكنهم أحجموا عن الحضور الى النبي (ص) ، وإظهار التوبة، خوفا منه أو خجلا واستحياء، وأنهم مرجون لأمره، فإما يعذّبهم وإمّا يوفّقهم لتكميل التوبة، لأن الندم وحده لا يكفي فيها، ثم ذكر أن منهم الذين اتّخذوا مسجدا قبيل غزوة تبوك، يضارّون به مسجد قباء، ويفرّقون به بين المؤمنين ونهى النبيّ (ص) أن يصلّي فيه، وذكر أن مسجد قباء الذي أسس على التقوى، من أول يوم، أحقّ بذلك وأجدر وكان قد أمر النبي (ص) بتخريبه، فذكر أنه لا يزال بنيانهم بعد تخريبه ريبة في قلوبهم، إِلَّا أَنْ تَقَطَّعَ قُلُوبُهُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (١١٠) .
ولما انتهى من ذكر ما فعلوه في تلك الغزوة، ذكر أنه اشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم، بأنّ لهم الجنة، فلا يصحّ لمسلم أن يبخل بنفسه وماله في الجهاد، كما يبخل أولئك المنافقون، وأنه وعد المجاهدين بذلك وعدا عليه حقّا في التوراة والإنجيل والقرآن، ولا يوجد من هو أوفى بعهده منه. ثمّ أمرهم أن يستبشروا بذلك البيع الرابح، وأخبرهم بأن ذلك هو الفوز العظيم، ومدحهم بأنهم التائبون العابدون، إلى غير ذلك من الصفات التي امتازوا بها على المنافقين، وجعلتهم يبذلون أنفسهم وأموالهم، في سبيل الله، راضين مطمئنين.
ثم نهى النبي (ص) والمؤمنين عن الاستغفار لأولئك المنافقين بعد أن بيّن ما حصل منهم، لأن هذا أشد
стр. 804
عقوباتهم، فكرر النهي عنه تأكيدا له، وذكر انه لا يصح أن يقتدوا، في هذا، باستغفار إبراهيم لأبيه، لأنه لم يستغفر له إلّا بعد أن وعده أن يؤمن، فلما لم يف بوعده تبرّأ منه، وترك الاستغفار له ثم ذكر أنه لا يؤاخذهم بما سبق منهم فيضلّهم، لأنه لا يؤاخذ قوما بعد إذ هداهم، حتى يبيّن لهم ما يتّقون، ثم ذكّرهم بكمال علمه، وواسع ملكه، لينقادوا لنهيه، ويستغنوا به، عن أولئك المنافقين.
وكان قد حصل من النبي (ص) والمؤمنين بعض ما يؤاخذون عليه في تلك الغزوة، كإذنه (ص) للمنافقين في القعود، وتأثّر بعض المؤمنين بتثبيط المنافقين. فذكر أنه تاب عليهم من تلك الزلّات وعلى الثلاثة الذين تخلّفوا منهم، ثم ندموا وتابوا، وهم كعب بن مالك وهلال بن أمية ومرارة بن الربيع، فتاب عليهم بعد أن ضاقت عليهم الأرض بما رحبت، وضاقت عليهم أنفسهم، وظنّوا أن لا ملجأ من الله إلّا إليه وأمرهم بأن يتّقوه، ويكونوا مع الصادقين.
ثم ذكر أنه ما كان لأهل المدينة، ومن حولهم من الأعراب، على العموم، أن يتخلفوا عن النبي (ص) ، لأنهم لا يصيبهم شيء في الجهاد، ولا ينالون ظفرا على العدو، إلّا كتب لهم به عمل صالح، ولا ينفقون نفقة، ولا يقطعون واديا إلّا كتب لهم ثم ذكر أنه لا يكلفهم كلّهم أن ينفروا إلى النبي (ص) ، وإنّما يكلفهم أن تنفر من كل فرقة منهم طائفة إليه، ليتفقّهوا في الدين، ويشاركوه في الجهاد، وينذروا قومهم إذا رجعوا إليهم.
ثم أمر المؤمنين أن يقاتلوا الذين يلونهم من الكفار، وهم المنافقون وقد أمر النبي (ص) بجهادهم فيما سبق، فأعاده تأكيدا له، والمراد من قتالهم، أن يظهروا العداوة لهم بالتشديد والتغليظ عليهم كما سبق ثمّ حرّضهم عليهم، فذكر أنهم إذا أنزلت سورة من القرآن، فمنهم من يقول:
أَيُّكُمْ زادَتْهُ هذِهِ إِيماناً [الآية ١٢٤] وأجاب عن قولهم بأن المؤمنين يزدادون بها إيمانا. وأما هم فيزدادون بها نفاقا إلى نفاقهم ثم وبّخهم بأنهم يفتنون في نفاقهم كُلِّ عامٍ مَرَّةً أَوْ مَرَّتَيْنِ ثُمَّ لا يَتُوبُونَ وَلا هُمْ
стр. 805
يَذَّكَّرُونَ
(١٢٦) . ومنهم من ينظر عند نزولها، هل يراه أحد إذا انصرف كراهة لسماعها، ثم ينصرفون إلى دورهم صَرَفَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لا يَفْقَهُونَ (١٢٧) .
ثم ذكر لهم من أمر النبي (ص) ما لا يصحّ معه أن ينافقوه، وهو أنه رسول لهم من أنفسهم، عزيز عليه ما هم فيه من العنت، حريص عليهم بالمؤمنين، رؤوف رحيم فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُلْ حَسْبِيَ اللَّهُ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَهُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ (١٢٩) .
стр. 806
المبحث الثالث أسرار ترتيب سورة «التوبة» «١»
أقول: قد عرف وجه مناسبتها، ونزيد هنا أن صدرها «٢» تفصيل لإجمال قوله تعالى: وَإِمَّا تَخافَنَّ مِنْ قَوْمٍ خِيانَةً فَانْبِذْ إِلَيْهِمْ عَلى سَواءٍ [الأنفال:
٥٨] . وآيات الأمر بالقتال متصلة بقوله سبحانه هناك: وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ [الأنفال: ٦٠] . ولذا قال هنا في قصة المنافقين: وَلَوْ أَرادُوا الْخُرُوجَ لَأَعَدُّوا [الآية ٤٦] .
ثم إن بين السورتين تناسبا من وجه آخر، وهو: أنه سبحانه، في الأنفال، تولّى قسمة الغنائم، وجعل خمسها خمسة أخماس «٣» ، وفي براءة تولّى قسمة الصدقات، وجعلها لثمانية أضعاف «٤» .
стр. 807
المبحث الرابع مكنونات سورة «التوبة» «١»
١- بَراءَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى الَّذِينَ عاهَدْتُمْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (١) .
سمّى منهم مجاهد: خزاعة، ومدلجا. أخرجه ابن أبي حاتم «٢» .
٢- فَسِيحُوا فِي الْأَرْضِ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ [الآية ٢] .
قال الزّهري: نزلت في شوّال (الأربعة أشهر) «٣» شوال، وذو القعدة، وذو الحجة، والمحرم «٤» .
وقال مجاهد: هي من عشرين من آخر ذي الحجّة، الى عشرة تخلو من ربيع الاخر.
أخرجهما ابن أبي حاتم.
ويؤيد الأولى قوله تعالى فَإِذَا انْسَلَخَ الْأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ [الآية ٥] .
٣- وَأَذانٌ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى النَّاسِ يَوْمَ الْحَجِّ الْأَكْبَرِ [الآية ٣] .
فسّر في أحاديث مرفوعة ب «يوم النّحر» .
أخرج ذلك التّرمذي من حديث
стр. 808
عليّ، وعمرو بن الأحوص «١» وابن جرير «٢» من حديث ابن عمر.
وأخرجه عن ابن عباس، والمغيرة بن شعبة موقوفا.
وروى ابن أبي حاتم عن المسور بن مخرمة أنه: يوم عرفة.
وأخرج مثله عن عمر، وابن عباس موقوفا.
وأخرجه ابن جرير «٣» عن عليّ، وابن الزّبير.
وقال سعيد بن المسيّب: هو: اليوم الثاني من يوم النّحر.
أخرجه ابن أبي حاتم.
٤- إِلَّا الَّذِينَ عاهَدْتُمْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ [الآية ٤] .
قال ابن عباس: هم قريش.
وقال محمد بن عباد بن جعفر: هم بنو جذيمة بن عامر، من بني بكر بن كنانة «٤» .
وقال مجاهد: بنو مذحج، وخزاعة.
أخرج ذلك أبن أبي حاتم.
٥- إِلَّا الَّذِينَ عاهَدْتُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ [الآية ٧] .
قال ابن عباس: هم قريش.
أخرجه بن أبي حاتم.
٦- فَقاتِلُوا أَئِمَّةَ الْكُفْرِ [الآية ١٢] .
قال قتادة: هم أبو سفيان، وأبو جهل، وأميّة بن خلف، وسهيل بن عمرو، وعتبة بن ربيعة. أخرجه ابن أبي حاتم «٥» .
стр. 809
٧- وَيَشْفِ صُدُورَ قَوْمٍ مُؤْمِنِينَ (١٤) .
قال مجاهد، والسّدّي، وعكرمة:
هم خزاعة.
أخرج ذلك ابن أبي حاتم «١» .
٨- يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرامَ بَعْدَ عامِهِمْ هذا [الآية ٢٨] .
هو سنة تسع من الهجرة «٢» .
٩- وَقالَتِ الْيَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ [الآية ٣٠] .
سمّي منهم: سلام بن مشكم، ونعمان بن أوفى، ومحمد بن دحية، وشاس بن قيس، ومالك بن الضّيف.
أخرجه ابن أبي حاتم «٣» عن ابن عباس.
وأخرج ابن المنذر عن ابن جريج «٤» قال: قالها رجل واحد اسمه فنحاص.
١٠- إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللَّهِ اثْنا عَشَرَ شَهْراً فِي كِتابِ اللَّهِ يَوْمَ خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ مِنْها أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ [الآية ٣٦] .
قال (ص) : «ثلاث «٥» متواليات: ذو القعدة، وذو الحجّة، والمحرم، ورجب مضر: الذي بين جمادى وشعبان» .
أخرجه الشيخان «٦» ، من حديث أبي بكرة.
١١- إِذْ هُما فِي الْغارِ [الآية ٤٠] .
هو غار ثور، جبل بمكة.
١٢- إِذْ يَقُولُ لِصاحِبِهِ لا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنا [الآية ٤٠] .
стр. 810
هو أبو بكر ﵁ «١» .
١٣- وَفِيكُمْ سَمَّاعُونَ لَهُمْ [الآية ٤٧] .
قال مجاهد: هم عبد الله بن أبيّ بن سلول، ورفاعة بن التابوت، وأوس بن قيظيّ. أخرجه ابن أبي حاتم «٢» .
١٤- وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ ائْذَنْ لِي وَلا تَفْتِنِّي [الآية ٤٩] .
هو الجد بن قيس، كما أخرجه الطبراني من حديث ابن عباس «٣» .
١٥- وَمِنْهُمْ مَنْ يَلْمِزُكَ فِي الصَّدَقاتِ [الآية ٥٨] .
هو ذو الخويصرة. كما أخرجه البخاري من حديث أبي سعيد الخدري «٤» .
١٦- إِنَّمَا الصَّدَقاتُ لِلْفُقَراءِ وَالْمَساكِينِ وَالْعامِلِينَ عَلَيْها وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ [الآية ٦٠] .
سمّي من المؤلّفة في عهده (ص) :
أبيّ بن شريق، وأحيحة بن أمية بن خلف، وأسد «٥» بن حارثة، والأقرع بن حابس، وجبير بن مطعم، والحارث بن هشام، وحرملة بن هودة، وخالد بن هودة «٦» ، وحكيم بن حزام، وحكم «٧» بن طليق، وحويطب بن عبد العزّى، وخالد بن قيس السهمي، وزيد الخيل، والسائب بن أبي السائب،