← Улюм аль-Кур’ан

Улюм аль-Кур’ан · id 21769

الموسوعة القرآنية خصائص السور

جعفر شرف الدين

Полный текст (3 064 стр.). Показаны 806–845 · переход к 811.

стр. 806

المبحث الثالث أسرار ترتيب سورة «التوبة» «١» أقول: قد عرف وجه مناسبتها، ونزيد هنا أن صدرها «٢» تفصيل لإجمال قوله تعالى: وَإِمَّا تَخافَنَّ مِنْ قَوْمٍ خِيانَةً فَانْبِذْ إِلَيْهِمْ عَلى سَواءٍ [الأنفال: ٥٨] . وآيات الأمر بالقتال متصلة بقوله سبحانه هناك: وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ [الأنفال: ٦٠] . ولذا قال هنا في قصة المنافقين: وَلَوْ أَرادُوا الْخُرُوجَ لَأَعَدُّوا [الآية ٤٦] . ثم إن بين السورتين تناسبا من وجه آخر، وهو: أنه سبحانه، في الأنفال، تولّى قسمة الغنائم، وجعل خمسها خمسة أخماس «٣» ، وفي براءة تولّى قسمة الصدقات، وجعلها لثمانية أضعاف «٤» .

стр. 807

المبحث الرابع مكنونات سورة «التوبة» «١» ١- بَراءَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى الَّذِينَ عاهَدْتُمْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (١) . سمّى منهم مجاهد: خزاعة، ومدلجا. أخرجه ابن أبي حاتم «٢» . ٢- فَسِيحُوا فِي الْأَرْضِ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ [الآية ٢] . قال الزّهري: نزلت في شوّال (الأربعة أشهر) «٣» شوال، وذو القعدة، وذو الحجة، والمحرم «٤» . وقال مجاهد: هي من عشرين من آخر ذي الحجّة، الى عشرة تخلو من ربيع الاخر. أخرجهما ابن أبي حاتم. ويؤيد الأولى قوله تعالى فَإِذَا انْسَلَخَ الْأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ [الآية ٥] . ٣- وَأَذانٌ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى النَّاسِ يَوْمَ الْحَجِّ الْأَكْبَرِ [الآية ٣] . فسّر في أحاديث مرفوعة ب «يوم النّحر» . أخرج ذلك التّرمذي من حديث

стр. 808

عليّ، وعمرو بن الأحوص «١» وابن جرير «٢» من حديث ابن عمر. وأخرجه عن ابن عباس، والمغيرة بن شعبة موقوفا. وروى ابن أبي حاتم عن المسور بن مخرمة أنه: يوم عرفة. وأخرج مثله عن عمر، وابن عباس موقوفا. وأخرجه ابن جرير «٣» عن عليّ، وابن الزّبير. وقال سعيد بن المسيّب: هو: اليوم الثاني من يوم النّحر. أخرجه ابن أبي حاتم. ٤- إِلَّا الَّذِينَ عاهَدْتُمْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ [الآية ٤] . قال ابن عباس: هم قريش. وقال محمد بن عباد بن جعفر: هم بنو جذيمة بن عامر، من بني بكر بن كنانة «٤» . وقال مجاهد: بنو مذحج، وخزاعة. أخرج ذلك أبن أبي حاتم. ٥- إِلَّا الَّذِينَ عاهَدْتُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ [الآية ٧] . قال ابن عباس: هم قريش. أخرجه بن أبي حاتم. ٦- فَقاتِلُوا أَئِمَّةَ الْكُفْرِ [الآية ١٢] . قال قتادة: هم أبو سفيان، وأبو جهل، وأميّة بن خلف، وسهيل بن عمرو، وعتبة بن ربيعة. أخرجه ابن أبي حاتم «٥» .

стр. 809

٧- وَيَشْفِ صُدُورَ قَوْمٍ مُؤْمِنِينَ (١٤) . قال مجاهد، والسّدّي، وعكرمة: هم خزاعة. أخرج ذلك ابن أبي حاتم «١» . ٨- يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرامَ بَعْدَ عامِهِمْ هذا [الآية ٢٨] . هو سنة تسع من الهجرة «٢» . ٩- وَقالَتِ الْيَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ [الآية ٣٠] . سمّي منهم: سلام بن مشكم، ونعمان بن أوفى، ومحمد بن دحية، وشاس بن قيس، ومالك بن الضّيف. أخرجه ابن أبي حاتم «٣» عن ابن عباس. وأخرج ابن المنذر عن ابن جريج «٤» قال: قالها رجل واحد اسمه فنحاص. ١٠- إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللَّهِ اثْنا عَشَرَ شَهْراً فِي كِتابِ اللَّهِ يَوْمَ خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ مِنْها أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ [الآية ٣٦] . قال (ص) : «ثلاث «٥» متواليات: ذو القعدة، وذو الحجّة، والمحرم، ورجب مضر: الذي بين جمادى وشعبان» . أخرجه الشيخان «٦» ، من حديث أبي بكرة. ١١- إِذْ هُما فِي الْغارِ [الآية ٤٠] . هو غار ثور، جبل بمكة. ١٢- إِذْ يَقُولُ لِصاحِبِهِ لا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنا [الآية ٤٠] .

стр. 810

هو أبو بكر ﵁ «١» . ١٣- وَفِيكُمْ سَمَّاعُونَ لَهُمْ [الآية ٤٧] . قال مجاهد: هم عبد الله بن أبيّ بن سلول، ورفاعة بن التابوت، وأوس بن قيظيّ. أخرجه ابن أبي حاتم «٢» . ١٤- وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ ائْذَنْ لِي وَلا تَفْتِنِّي [الآية ٤٩] . هو الجد بن قيس، كما أخرجه الطبراني من حديث ابن عباس «٣» . ١٥- وَمِنْهُمْ مَنْ يَلْمِزُكَ فِي الصَّدَقاتِ [الآية ٥٨] . هو ذو الخويصرة. كما أخرجه البخاري من حديث أبي سعيد الخدري «٤» . ١٦- إِنَّمَا الصَّدَقاتُ لِلْفُقَراءِ وَالْمَساكِينِ وَالْعامِلِينَ عَلَيْها وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ [الآية ٦٠] . سمّي من المؤلّفة في عهده (ص) : أبيّ بن شريق، وأحيحة بن أمية بن خلف، وأسد «٥» بن حارثة، والأقرع بن حابس، وجبير بن مطعم، والحارث بن هشام، وحرملة بن هودة، وخالد بن هودة «٦» ، وحكيم بن حزام، وحكم «٧» بن طليق، وحويطب بن عبد العزّى، وخالد بن قيس السهمي، وزيد الخيل، والسائب بن أبي السائب،

стр. 811

وسهيل بن عمرو، وشيبة بن عثمان، وسفيان بن عبد الأسد «١» ، وأبو سفيان بن حرب، وابناه: معاوية، ويزيد، وأبو السنابل بن بعكك، وصفوان بن أمية، وعبد الرحمن بن يربوع، وعيينة بن حصن الفزاري، وعمرو بن الأهتم التميمي، والعباس بن مرداس السّلمي، ومخرمة بن نوفل، وسعيد بن يربوع، وقيس بن عدي، وعمرو بن وهب، وهشام بن عمرو، والنّضر بن الحارث ومطيع بن الأسود، وأبو جهم بن حذيفة، وعلقمة بن علاثة، وعمير بن مرداس، وقيس بن مخرمة، وعكرمة بن عامر، وعمرو بن ورقة، ولبيد بن ربيعة، والمغيرة بن الحارث، وهشام بن الوليد المخزومي. ١٧- وَمِنْهُمُ الَّذِينَ يُؤْذُونَ النَّبِيَّ [الآية ٦١] . نزلت في نبتل بن الحارث. كما أخرجه ابن ابي حاتم، عن ابن عباس «٢» . ١٨- وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ إِنَّما كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ [الآية ٦٥] . نزلت في عبد الله بن أبيّ. كما أخرجه ابن أبي حاتم «٣» من حديث ابن عمر. وقيل: هو وديعة بن ثابت «٤» ذكره السّهيلي. ١٩- إِنْ نَعْفُ عَنْ طائِفَةٍ مِنْكُمْ [الآية ٦٦] . هو مخشي «٥» بن حميّر. كما أخرجه ابن أبي حاتم، عن كعب بن مالك. وأخرج من طريق الضّحّاك، عن ابن عباس قال: الطائفة، الرجل، والنّفر «٦» .

стр. 812

٢٠- وَالْمُؤْتَفِكاتِ [الآية ٧٠] . قال محمد بن كعب القرظي: حدّثت أنّهنّ كنّ خمسا: ضبعة، ومغيرة، وعمرة، ودوما، وسدوم: وهي القرية العظمى أخرجه أبن أبي حاتم. ٢١- يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ ما قالُوا [الآية ٧٤] . نزلت في الجلاس بن سويد بن الصامت. أخرجه ابن أبي حاتم، عن ابن عباس وكعب بن مالك «١» . ٢٢- وَهَمُّوا بِما لَمْ يَنالُوا [الآية ٧٤] . قال ابن عباس: همّ رجل، يقال له: الأسود، بقتل النبي (ص) . أخرجه ابن أبي حاتم «٢» . ٢٣- وَمِنْهُمْ مَنْ عاهَدَ اللَّهَ لَئِنْ آتانا مِنْ فَضْلِهِ لَنَصَّدَّقَنَّ وَلَنَكُونَنَّ مِنَ الصَّالِحِينَ (٧٥) . نزلت في ثعلبة بن حاطب. أخرجه الطّبراني، وغيره من حديث أبي أمامة «٣» . زاد ابن إسحاق: ومعتّب بن قشير. ٢٤- الَّذِينَ يَلْمِزُونَ الْمُطَّوِّعِينَ [الآية ٧٩] . سمّي من المطّوّعين: عبد الرحمن بن عوف، وعاصم بن عدي. ومن الذين لا يَجِدُونَ إِلَّا جُهْدَهُمْ [الآية ٧٩] : أبو عقيل، ورفاعة بن سعد «٤» في آثار أخرجها ابن أبي حاتم.

стр. 813

وأبو خيثمة الأنصاري. أخرجه ابن جرير «١» . ٢٥- وَقالُوا لا تَنْفِرُوا فِي الْحَرِّ [الآية ٨١] . قال ذلك رجل من بني سلمة. أخرجه ابن جرير «٢» عن محمّد بن كعب. ٢٦- فَإِنْ رَجَعَكَ اللَّهُ إِلى طائِفَةٍ مِنْهُمْ [الآية ٨٣] . قال قتادة: ذكر لنا أنهم كانوا اثني عشر رجلا [من المنافقين] . أخرجه ابن جرير «٣» . ٢٧- وَجاءَ الْمُعَذِّرُونَ مِنَ الْأَعْرابِ [الآية ٩٠] . قال السّدّي: من قرأها خفيفة، [قال] : بنو مقرّن. ومن قرأها مشدّدة، قال الذين لهم عذر. وقال ابن إسحاق «٤» : ذكر لي أنهم نفر من بني غفار. أخرج ذلك ابن أبي حاتم. ٢٨- وَلا عَلَى الَّذِينَ إِذا ما أَتَوْكَ [الآية ٩٢] . سمّي منهم العرباض بن سارية. في حديث أخرجه الحاكم في «المستدرك» «٥» . وعبد الله بن مغفّل «٦» المزني، وعمرو المزني: جد كثير بن عبد الله بن عمرو، وعبد الله بن الأزرق الأنصاري، وأبو ليلى الأنصاري. في آثار أخرجها ابن أبي حاتم. وقال مجاهد: هم بنو مقرّن «٧» من مزينة. أخرجه ابن أبي حاتم. وقال محمد بن كعب القرظي: هم سبعة نفر: سالم بن عمير، وحرمي بن عمرو- ويقال: هرمي، ويقال: حزم-

стр. 814

وأبو ليلى: عبد الرحمن بن كعب، وسلمان بن صخر، وأبو عبلة: عبد الرحمن بن زيد «١» ، وعمرو بن غنمة «٢» ، وعبد الله بن عمرو المزني، أخرجه ابن جرير «٣» . وسمّي منهم: علبة بن زيد الحارثي «٤» في أثر عند ابن مردويه. وثعلبة بن زيد الأنصاري من بني حرام في أثر في «تفسير عبد الغني بن سعيد الثقفي» . ٢٩- وَمِنَ الْأَعْرابِ مَنْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ [الآية ٩٩] . قال مجاهد: هم بنو مقرّن من مزينة. أخرجه ابن أبي حاتم. وكانوا عشرة فيما أخرجه ابن جرير «٥» . ٣٠- وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهاجِرِينَ وَالْأَنْصارِ [الآية ١٠٠] . قال أبو موسى الأشعري، وسعيد بن المسيّب: هم الذين صلّوا القبلتين. وقال الشّعبي: هم أهل بيعة الرضوان. أخرج ذلك ابن أبي حاتم. وقال محمد بن كعب، وعطاء بن يسار: هم أهل بدر. وقال الحسن: هم من أسلم قبل الفتح. أخرجهما سنيد «٦» . ٣١- وَمِمَّنْ حَوْلَكُمْ مِنَ الْأَعْرابِ مُنافِقُونَ [الآية ١٠١] . قال مولى ابن عباس: هم جهينة، ومزينة، وأشجع، وأسلم، وغفار، أخرجه ابن المنذر. ٣٢- وَآخَرُونَ اعْتَرَفُوا بِذُنُوبِهِمْ [الآية ١٠٢] . قال ابن عباس: هم سبعة، أبو لبابة وأصحابه.

стр. 815

وقال زيد بن أسلم: ثمانية، منهم: أبو لبابة، وكردم، ومرداس. وقال قتادة: سبعة من الأنصار، منهم: جد بن قيس، وأبو لبابة، وجذام، وأوس. أخرج ذلك ابن أبي حاتم. ٣٣- وَآخَرُونَ مُرْجَوْنَ لِأَمْرِ اللَّهِ [الآية ١٠٦] . قال مجاهد: هم هلال بن أميّة، ومرارة، وكعب بن مالك. أخرجه ابن أبي حاتم. ٣٤- وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مَسْجِداً [الآية ١٠٧] . هم أناس من الأنصار. ٣٥- لِمَنْ حارَبَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ [الآية ١٠٧] . هو أبو «١» عامر الراهب. أخرجه ابن أبي حاتم عن ابن عباس. وأخرج من وجه آخر عنه، قال: هم رجال من الأنصار، منهم: بخزج «٢» : جدّ عبد الله بن حنيف، ووديعة بن خذام، ومجمّع بن جارية الأنصاري. وأخرج عن سعيد بن جبير قال: هم حي، يقال لهم: بنو غنم. وقال ابن إسحاق: الذين بنوا [مسجد الضرار] اثنا عشر رجلا: خذام «٣» بن خالد، من بني «٤» عبيد بن زيد، أحد بني عمرو بن عوف، [ومن

стр. 816

داره أخرج مسجد الشقاق] «١» وثعلبة بن حاطب، من بني عبيد، وهو إلى بني أمية بن زيد، ومعتّب بن قشير، من بني ضبيعة بن زيد، وعباد بن حنيف، أخو سهل بن حنيف، من بني عمرو بن عوف وجارية بن عامر، وابناه: مجمّع بن جارية، وزيد بن جارية ونبتل بن الحارث، وهو من بني ضبيعة، وبحدج، وهو من بني ضبيعة، وبجاد بن عثمان وهو من بني ضبيعة، ووديعة بن ثابت، وهو إلى بني أمية [ابن زيد] «٢» رهط أبي لبابة بن عبد المنذر «٣» . ٣٦- لَمَسْجِدٌ أُسِّسَ عَلَى التَّقْوى مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ أَحَقُّ أَنْ تَقُومَ فِيهِ [الآية ١٠٨] . أخرج مسلم «٤» عن أبي سعيد الخدري مرفوعا أنه: المسجد النبويّ. وأخرجه أحمد «٥» عن أبيّ بن كعب، وسهل بن سعد مرفوعا، وأخرجه ابن جرير عن ابن عمر وزيد بن ثابت، وأبي سعيد موقوفا. وأخرج عن ابن عباس أنه: مسجد قباء «٦» .

стр. 817

٣٧- فِيهِ رِجالٌ يُحِبُّونَ أَنْ يَتَطَهَّرُوا [الآية ١٠٨] . هم بنو عمرو بن عوف من الأنصار، منهم: عويم بن ساعدة. قال ابن جرير «١» : لم يبلغنا أنه سمّي منهم غيره. ٣٨- وَعَلَى الثَّلاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا [الآية ١١٨] . هم هلال، ومرارة، وكعب «٢» . ٣٩- وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ (١١٩) . قال ابن عمر: مع محمد (ص) ، وأصحابه. وقال الضّحّاك: مع أبي بكر، وعمر، وأصحابهما. وقال السّدّي: مع هلال، ومرارة، وكعب. أخرج ذلك ابن أبي حاتم. ٤٠- قاتِلُوا الَّذِينَ يَلُونَكُمْ مِنَ الْكُفَّارِ [الآية ١٢٣] . قال الحسن: يعني [الرّوم، و] «٣» الدّيلم. أخرجه ابن أبي حاتم.

стр. 818

المبحث الخامس لغة التنزيل في سورة «التوبة» » ١- وقال تعالى: إِلَّا الَّذِينَ عاهَدْتُمْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ ثُمَّ لَمْ يَنْقُصُوكُمْ شَيْئاً وَلَمْ يُظاهِرُوا عَلَيْكُمْ أَحَداً فَأَتِمُّوا إِلَيْهِمْ عَهْدَهُمْ إِلى مُدَّتِهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ (٤) . قوله تعالى: وَلَمْ يُظاهِرُوا عَلَيْكُمْ أَحَداً، أي: لم يعاونوا عدوّا لكم. أقول: والمظاهرة: المعاونة، والتظاهر التعاون. وقال تعالى: وَإِنْ تَظاهَرا عَلَيْهِ [التحريم: ٤] ، أي تعاونا، والظهير العون. وقوله تعالى: تَظاهَرُونَ عَلَيْهِمْ [البقرة: ٨٥] ، أي تتعاونون. وقوله تعالى: وَظاهَرُوا عَلى إِخْراجِكُمْ [الممتحنة: ٩] ، أي: عاونوا. واستظهر عليه بالأمر: استعان. وفي حديث علي ﵁، يستظهر بحجج الله وبنعمته على كتابه. أقول: وقد اجتهد المعاصرون في إثبات «التظاهرة» ، و «المظاهرة» ، لتكون مؤدية لما هو في اللغات الغربية الحديثة أو: لأن الفعل في هذين الاسمين الأعجميين يعني في العربية، «أظهر، وأبان، وأعلن» فكانت «التظاهرة» أو «المظاهرة» في العربية الجديدة يقابلون بها الكلمتين الأعجميتين. وهذا يعني، أن هذين المولّدين

стр. 819

الجديدين، ليس فيهما من فكرة «التعاون» ، التي هي في «تظاهر» و «ظاهر» . ٢- وقال تعالى: فَإِذَا انْسَلَخَ الْأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ وَخُذُوهُمْ [الآية ٥] . المراد بقوله تعالى: وَخُذُوهُمْ: وأسروهم، والأخيذ: الأسير. أقول: وهذا من معاني الفعل «أخذ» ، الذي ينصرف إلى عدة معان. ٣- وقال تعالى: كَيْفَ وَإِنْ يَظْهَرُوا عَلَيْكُمْ لا يَرْقُبُوا فِيكُمْ إِلًّا وَلا ذِمَّةً [الآية ٨] . قوله تعالى: وَإِنْ يَظْهَرُوا عَلَيْكُمْ، أي: يغلبوكم، أقول، ولم يكن لهذا الفعل معنى الغلبة والفوز إلا بمجيء (عليكم) بعده، فاستعمال «على» يشعر بهذا. وقوله تعالى: لا يَرْقُبُوا فِيكُمْ إِلًّا، أي: لا يراعوا حلفا، وقيل: قرابة، وأنشد لحسّان: لعمرك إنّ إلّك من قريش ... كإلّ السّقب من رأل النّعام وقيل: إنه بمعنى «الإله» ، وقرئ «إيلا» وهو بمعناه. أقول: إن «الإلّ» مضاعفا، و «الإيل» بالمدّ، والإله بمعنى، وكلّه واحد في الأصل، وهو من المواد القديمة في مجموعة اللغات السامية. وقد كنا أشرنا إلى هذه المادة في آية سابقة. ٤- وقال تعالى: وَلَمْ يَتَّخِذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلا رَسُولِهِ وَلَا الْمُؤْمِنِينَ وَلِيجَةً [الآية ١٦] . ووليجة الرجل: بطانته وخاصّته ودخلته، وقال أبو عبيدة: الوليجة البطانة، وهي مأخوذة من ولج يلج ولوجا ولجة إذا دخل، أي: ولم يتّخذوا بينهم وبين الكافرين، دخيلة مودّة. ٥- وقال تعالى: ثُمَّ أَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلى رَسُولِهِ وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ [الآية ٢٦] . وقالوا: المعنى: رحمته التي سكنوا بها، وآمنوا. أقول: والسكينة من كلم القرآن الخاصّ، بمعنى اختصّ به، وهي بهذا المعنى في ثلاث آيات، ومنها أيضا: فَأَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ وَأَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَمْ تَرَوْها [الآية ٤٠] . والسكينة: الوداعة والوقار، وقوله،

стр. 820

عز وجل: إِنَّ آيَةَ مُلْكِهِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ التَّابُوتُ فِيهِ سَكِينَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَبَقِيَّةٌ [البقرة: ٢٤٨] . قال الزجاج: معناه فيه ما تسكنون به، إذا أتاكم. وفي الحديث: نزلت عليهم السكينة، تحملها الملائكة، أي: الرحمة. ٦- وقال تعالى: وَقالَتِ الْيَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ وَقالَتِ النَّصارى الْمَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ ذلِكَ قَوْلُهُمْ بِأَفْواهِهِمْ يُضاهِؤُنَ قَوْلَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَبْلُ [الآية ٣٠] . المضاهاة مشاكلة الشيء بالشيء، وقد يهمز «ضاهأ» ، ومنه القراءة المشهورة، في الآية التي وقفنا عليها. وضاهيت الرجل: شاكلته وعارضته، وفلان ضهيّ فلان، أي: نظيره وشبيهه. وقد استعملت المضاهاة بمعنى المعارضة والمماثلة في الأدب، ومن ذلك «مضاهاة كليلة ودمنة» لابن الهبّارية، أي: أن الشاعر نظم الحكايات نظما. ومن الحقّ، أن نلاحظ أنّ «المهموز» في العربية تسهّل همزته غالبا، فيتحوّل الهمز إلى مدّ، نحو أومأ وأومى، وربأ وربا وغير ذلك. ٧- وقال تعالى: إِنَّمَا النَّسِيءُ زِيادَةٌ فِي الْكُفْرِ [الآية ٣٧] . النسيء: تأخير حرمة الشهر إلى شهر آخر، وذلك أنهم كانوا أصحاب حروب وغارات فإذا جاء الشهر الحرام وهم محاربون، شقّ عليهم ترك المحاربة، فيحلّونه ويحرّمون مكانه شهرا آخر، حتّى رفضوا تخصيص الأشهر الحرم بالتحريم، فكانوا يحرّمون من شقّ شهور العام أربعة أشهر، وذلك قوله تعالى: لِيُواطِؤُا عِدَّةَ ما حَرَّمَ اللَّهُ [الآية ٣٧] ، أي: ليوافقوا العدّة التي هي الأربعة ولا يخالفوها، وقد خالفوا التخصيص الذي هو أحد الواجبين، وربما زادوا في عدد الشهور فجعلوها ثلاثة عشر، أو أربعة عشر ليتّسع لهم الوقت. ولذلك قال عزّ وعلا إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللَّهِ اثْنا عَشَرَ شَهْراً [الآية ٣٦] . أقول: ونسأ الشيء: ينسأه نساء وأنسأه: أخّره، والاسم النّسيئة والنّسيء ونسأ الله في أجله، وأنسأ أجله: أخّره.

стр. 821

وفي الحديث عن أنس بن مالك: من أحبّ أن يبسط له في رزقه، وينسأ في أجله، فليصل رحمه. والنّسء: التأخير يكون في العمر والدّين. ومن هذه الدلالة اللغوية، أي: التأخير، أخذ العرب الجاهليون مادة «النسيء» ، فصارت من رسومهم ومصطلحهم، وإليها أشارت الآية الكريمة. ٨- وقال تعالى: لَوْ كانَ عَرَضاً قَرِيباً وَسَفَراً قاصِداً لَاتَّبَعُوكَ وَلكِنْ بَعُدَتْ عَلَيْهِمُ الشُّقَّةُ [الآية ٤٢] . العرض: ما عرض لك من منافع الدنيا. يقال: الدنيا عرض حاضر، يأكل منه البرّ والفاجر، أي: لو كان ما دعوا إليه غنما قريبا سهل المنال، و «سفرا قاصدا» أي: وسطا مقاربا. أقول في قوله تعالى: وَسَفَراً قاصِداً لا أرى أن المراد به «الوسط المقارب» ، إذ لا يمكن أن يأتلف مع «العرض القريب» ، الذي يسبقه في الآية، ولكني أرى أن يكون «السفر القاصد» هو ما يعبّر عنه في اللغة المعاصرة ب «السفر المباشر» ، وسنأتي إلى المباشر بعد هذا. ألا ترى أنه قال: إنهم سيتبعونك لو دعوتهم الى مغنم قريب من عرض الدنيا، وسفر مباشر (يريد أقرب منه) ، ولهرعوا إليك؟ أقول: لو أن المعاصرين أطالوا النظر في كلمات الله، لرأوا فيها ما يسدّ حاجاتهم اللغوية، وما يضطربون فيه من مصطلح حديث. إنهم قالوا: سفر مباشر، وبداية مباشرة، وطريقة مباشرة، كما قالوا سفر غير مباشر، وبداية غير مباشرة، وطريقة غير مباشرة، ويريدون بالنمط الأول ما يشرع فيه على الفور أو في الحال، وبالنمط الثاني ما لا يشرع فيه في الحال، بل يتمهّل فيه ويتريّث. ولا أدري كيف فهموا «المباشرة» على هذا النحو، ذلك بأن فصيح «المباشرة» أن تلي الأمر بنفسك. وعلى كل حال لا نستطيع أن نحمل وصف الشيء ب «المباشر» في عربيتنا المعاصرة على الخطأ، ولكننا، نقول: إنها لغة جديدة مولّدة، أدّى إليها التطور في الدلالة، وهذا شيء يعرض لجميع اللغات، فقد تتغيّر المعاني، فيظهر جديد، ويختفي قديم.

стр. 822

٩- وقال تعالى: لَوْ خَرَجُوا فِيكُمْ ما زادُوكُمْ إِلَّا خَبالًا وَلَأَوْضَعُوا خِلالَكُمْ [الآية ٤٧] . الخبال: الفساد والشر. والخبل والخبل والخبل والخبال: الجنون، ويقال به خبال، أي: مسّ. وهذا هو المعروف المشهور، ممّا بقي من الكلمة في اللغة المعاصرة. وأما الخبال بمعنى الفساد والشر، كما في الآية فنظيره قوله تعالى: لا يَأْلُونَكُمْ خَبالًا [آل عمران: ١١٨] . قال الزجاج: هو الفساد وذهاب الشيء، وأنشد بيت أوس: أبني لبينى لستم بيد ... إلا يدا مخبولة العضد وقوله تعالى: وَلَأَوْضَعُوا خِلالَكُمْ، بمعنى ولسعوا بينكم بالتضريب والنمائم، وإفساد ذات البين. وقال الفرّاء: الإيضاع السّير بين القوم. والأصل من قول العرب: أوضع الراكب ووضعت الناقة، وهو السير والعدو، فكأنّ الآية: وَلَأَوْضَعُوا خِلالَكُمْ، تلمح الى هذا الأصل، لأنّ الموضع يسعى بالإفساد، ففي الكلمة «سعي» بمعنى السير والعدو. ١٠- وقال تعالى: وَمِنْهُمُ الَّذِينَ يُؤْذُونَ النَّبِيَّ وَيَقُولُونَ هُوَ أُذُنٌ قُلْ أُذُنُ خَيْرٍ لَكُمْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ [الآية ٦١] . الأذن: الرجل الذي يصدّق كلّ ما يسمع ويقبل قول كل أحد، سمّي بالجارحة التي هي آلة السماع كأنّ جملته أذن سامعة، ونظيره قولهم للربيئة «عين» . وإيذاؤهم له: هو قولهم فيه «هو أذن» . وأذن خير كقولك: رجل صدق، تريد الجودة والصلاح، كأنه قيل: نعم هو أذن، ولكن نعم الأذن. ويجوز أن يريد: هو أذن في الخير والحق، وفيما يجب سماعه وقبوله، وليس بأذن في غير ذلك. أقول: واستعارة الأذن لهذا النوع من المعاني الشريفة، ما زال معروفا في العربية المعاصرة، فيقال: هو أذن صاغية، أي: مطيع، ولكن هذه «الأذن الصاغية» تكون في الخير والشر على السواء. ١١- وقال تعالى: أَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّهُ مَنْ يُحادِدِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَأَنَّ لَهُ نارَ جَهَنَّمَ [الآية ٦٣] .

стр. 823

المحادّة: المخالفة ومنع ما يجب عليك، والمعاداة والمنازعة وهي مفاعلة من الحدّ، وحادّ يحادّ. وقد فكّ الإدغام في الآية، وحقه أيضا ألا يفكّ، لغرض صوتي، لأن الفعل مجزوم، وينبغي تحريكه بالكسر لمكان سكون اللام بعده. ١٢- وقال تعالى: الَّذِينَ يَلْمِزُونَ الْمُطَّوِّعِينَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ فِي الصَّدَقاتِ [الآية ٧٩] . أي: الَّذِينَ يَلْمِزُونَ الْمُطَّوِّعِينَ، أي: المتطوعين المتبرعين. والمطوّعة: الذين يتطوّعون للجهاد، أدغمت التاء في الطاء، كما في وَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْراً [البقرة: ٨٣] وهو التفعّل من الطاعة. ١٣- وقال تعالى: فَإِنْ رَجَعَكَ اللَّهُ إِلى طائِفَةٍ مِنْهُمْ فَاسْتَأْذَنُوكَ لِلْخُرُوجِ [الآية ٨٣] . أقول: الفعل «رجع» في هذه الآية متعدّ، والكاف هي المفعول به، فكما يكون «رجع» لازما كقوله تعالى: صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لا يَرْجِعُونَ (١٨) [البقرة] . وقد جاء الفعل لازما في طائفة كبيرة من الآيات، أمّا مجيئه متعدّيا، فهو قليل، منه الآية التي أثبتناها، وقوله تعالى: فَرَجَعْناكَ إِلى أُمِّكَ كَيْ تَقَرَّ عَيْنُها وَلا تَحْزَنَ [طه: ٤٠] وفي ست آيات أخرى. أقول: وليس في العربية المعاصرة إلا الفعل اللازم، فإذا أريد المتعدي صير إلى المزيد بالهمزة «أرجع» . ١٤- وقال تعالى: وَجاءَ الْمُعَذِّرُونَ مِنَ الْأَعْرابِ [الآية ٩٠] . المعذّرون: هم الذين لا عذر لهم، ولكن يتكلّفون عذرا وأما المعذرون فهم الذين لهم عذر. وقرأها ابن عباس ساكنة العين، وكان يقول: والله لكذا أنزلت. وذهب إلى أن المعذرين الذين لهم عذر، والمعذرين الذين يعتذرون بلا عذر، كأنهم المقصّرون الذين لا عذر لهم فكأن الأمر عنده أن المعذّر بالتشديد، هو المظهر للعذر اعتلالا من غير حقيقة له في العذر، وهو لا عذر له، والمعذر الذي له عذر. والمعذّر الذي ليس بمحقّ على جهة المفعّل، وهو في الأصل

стр. 824

المعتذر، فأدغمت التاء في الذال، لقرب المخرجين. ١٥- وقال تعالى: وَمِمَّنْ حَوْلَكُمْ مِنَ الْأَعْرابِ مُنافِقُونَ وَمِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ مَرَدُوا عَلَى النِّفاقِ [الآية ١٠١] . قوله تعالى: مَرَدُوا عَلَى النِّفاقِ، أي: تمهّروا فيه، وهو من مرن فلان عمله، ومرد عليه: إذا درب به وضري، حتى لان عليه، ومهر فيه. أقول: ودلالة «مرد» على المرانة والتمهّر، من لغة التنزيل العزيز، التي لا نجدها في غير هذه الآية الكريمة.

стр. 825

المبحث السادس المعاني اللغوية في سورة «التوبة» «١» قال: وَأَذانٌ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ [الآية ٣] أَنَّ اللَّهَ بَرِيءٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ [الآية ٣] أي: بأنّ الله بريء ورسوله كذلك وَأَنَّ اللَّهَ مُخْزِي الْكافِرِينَ [الآية ٢] أي: بأن الله. وقال: فَإِذَا انْسَلَخَ الْأَشْهُرُ الْحُرُمُ [الآية ٥] فجمع السياق على أدنى العدد لأنّ معناها «الأربعة» وذلك أن «الأشهر» إنّما تكون إذا ذكرت معها «الثلاثة» الى «العشرة» فإذا لم تذكر «الثلاثة» الى «العشرة» فهي «الشّهور» . وقال تعالى: وَاقْعُدُوا لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ [الآية ٥] وألقى السياق «على» ، قال الشاعر [من الوافر وهو الشاهد السادس والخمسون] : نغالي اللّحم للأضياف نيئا ... ونبذله إذا نضج القدور أراد: نغالي باللحم «٢» . وقال تعالى: وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجارَكَ [الآية ٦] فابتدأ بعد «إن» ، وأن يكون رفع أحد على فعل مضمر أقيس الوجهين، لأنّ حروف المجازاة لا يبتدأ بعدها. إلّا أنهم قد قالوا ذلك في (أن) لتمكّنها وحسنها إذا وليتها الأسماء، وليس بعدها فعل مجزوم في اللفظ، كما قال الشاعر [من البسيط وهو الشاهد الثامن والسبعون بعد المائة] :

стр. 826

عاود هراة وأن معمورها خربا «١» . وقال «٢» الاخر [من الكامل وهو الشاهد الرابع والعشرون بعد المائتين] : لا تجزعي أن منفسا أهلكته ... وإذا هلكت فعند ذلك فاجزعي وقد زعموا أن قول الشاعر «٣» [من الطويل وهو الشاهد الخامس والعشرون بعد المائتين] : أتجزع أن نفس أتاها حمامها ... فهلّا الّتي عن بين جنبيك تدفع «٤» لا ينشد إلا رفعا، وقد سقط الفعل على شيء من سببه. وهذا قد ابتدئ بعد «أن» وان شئت جعلته رفعا بفعل مضمر. وقال تعالى: كَيْفَ يَكُونُ لِلْمُشْرِكِينَ عَهْدٌ عِنْدَ اللَّهِ وَعِنْدَ رَسُولِهِ إِلَّا الَّذِينَ [الآية ٧] فهذا استثناء خارج من أول الكلام. والَّذِينَ في موضع نصب. وقال تعالى: كَيْفَ وَإِنْ يَظْهَرُوا عَلَيْكُمْ لا يَرْقُبُوا فِيكُمْ [الآية ٨] فأضمر «كيف لا تقتلونهم» والله أعلم «٥» . وقال تعالى: وَهَمُّوا بِإِخْراجِ الرَّسُولِ [الآية ١٣] لأنك تقول «هممت بكذا» و «أهمّني كذا» . وقال تعالى: فِي مَواطِنَ كَثِيرَةٍ [الآية ٢٥] لا تنصرف. وكذلك كل جمع ثالث حروفه ألف، وبعد الألف حرف ثقيل، أو اثنان خفيفان فصاعدا، فهو لا ينصرف في المعرفة ولا النكرة، نحو «محاريب» و «تماثيل» و «مساجد» وأشباه ذلك، إلّا أن يكون في آخره الهاء، فإن كانت في آخره الهاء انصرف في النكرة نحو «طيالسة» و «صياقلة» . وإنما منع العرب من صرف هذا الجمع، أنه مثال لا يكون للواحد ولا يكون إلّا للجمع والجمع أثقل من الواحد. فلما كان هذا المثال لا يكون إلّا للأثقل لم

стр. 827

يصرف. وأمّا الذي في آخره الهاء، فانصرف لأنّها منفصلة كأنّها اسم على حيالها. والانصراف إنّما يقع في آخر الاسم فوقع على الهاء، فلذلك انصرف فشبه ب «حضرموت» ، و «حضرموت» مصروف في النكرة. وقال تعالى: وَإِنْ خِفْتُمْ عَيْلَةً [الآية ٢٨] وهو «الفقر» ، تقول: «عال» «يعيل» «عيلة» أي: «افتقر» . و «أعال» «إعالة» : إذا صار صاحب عيال «١» . و «عال عياله» و «هو يعولهم» «عولا» و «عيالة» . وقال سبحانه: ذلِكَ أَدْنى أَلَّا تَعُولُوا (٣) أي: ألّا تعولوا العيال. و «أعال الرجل» «يعيل» إذا صار ذا عيال «٢» . وقال تعالى: وَقالَتِ الْيَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ [الآية ٣٠] وقد طرح بعضهم التنوين، وذلك رديء، لأنه إنّما يترك التنوين، إذا كان الاسم يستغني عن الابن، وكان ينسب الى اسم معروف. فالاسم هاهنا لا يستغني. ولو قلت «وقالت اليهود عزير» لم يتمّ كلاما إلّا أنه قد قرئ وكثر وبه نقرأ على الحكاية «٣» كأنهم أرادوا «وقالت اليهود نبيّنا عزير ابن الله» . وقال تعالى: وَيَأْبَى اللَّهُ إِلَّا أَنْ يُتِمَّ نُورَهُ [الآية ٣٢] لأن أَنْ يُتِمَّ اسم كأنه «يأبى الله إلّا إتمام نوره» . وقال تعالى: يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ [الآية ٣٤] ثم قال: يُحْمى عَلَيْها فِي نارِ جَهَنَّمَ [الآية ٣٥] فجعل الكلام على الاخر. وقال الشاعر «٤» [من المنسرح وهو الشاهد الستون] : نحن بما عندنا وأنت بما ... عندك راض والرأي مختلف وقال تعالى:

стр. 828

إِنَّمَا النَّسِيءُ زِيادَةٌ فِي الْكُفْرِ [الآية ٣٧] وهو التأخير. وتقول «أنسأته الدّين» إذا جعلته إليه يؤخّره هو. و: «نسأت عنه دينه» أي: أخّرته عنه. وإنّما قلت: «أنسأته الدّين» لأنّك تقول: «جعلته له يؤخّره» و «نسأت عنه دينه» «فأنا أنسّئه» أي: أؤخّره. وكذلك «النّساء في العمر» يقال: «من سرّه النّساء في العمر» «١» ، ويقال «عرق النّسا» غير مهموز. وقال تعالى: لِيُواطِؤُا [الآية ٣٧] لأنّها من «واطأ» ومثله (هي أشدّ وطاء) «٢» أي: مواطأة، وهي المواتاة وبعضهم قرأ «وطا» «٣» أي: قياما. وقال تعالى: اثَّاقَلْتُمْ إِلَى الْأَرْضِ [الآية ٣٨] لأنّه من «تثاقلتم» ، فأدغمت التاء في الثاء، فسكنت، فأحدث لها ألفا، ليصل إلى الكلام بها. وقال تعالى: وَكَلِمَةُ اللَّهِ هِيَ الْعُلْيا [الآية ٤٠] لأنه لم يحمله على (جعل) وحمله على الابتداء. وقال تعالى: وَلكِنْ كَرِهَ اللَّهُ انْبِعاثَهُمْ [الآية ٤٦] جعل من «بعثته» ف «انبعث» وسمعت من العرب، من يقول: «لو دعينا لاندعينا» . وتقول: «انبعث انبعاثا» أي: «بعثته» ف «انبعث انبعاثا» وتقول: «انقطع به» إذا تكلّم، فانقطع به، ولا تقول «قطع به» . وقال تعالى: انْفِرُوا خِفافاً وَثِقالًا [الآية ٤١] في هذه الحال، إن شئت قرأت «انفروا» في لغة من قال «ينفر» وان شئت (انفروا) . وقال تعالى: عَفَا اللَّهُ عَنْكَ لِمَ أَذِنْتَ لَهُمْ [الآية ٤٣] لأنّه استفهام، أي: «لأيّ شيء» . وقال تعالى: لَوْ يَجِدُونَ مَلْجَأً أَوْ مَغاراتٍ أَوْ مُدَّخَلًا [الآية ٥٧] لأنه من

стр. 829

«ادّخل» «يدّخل» «١» وقال بعضهم: (مدخلا) «٢» جعله من «دخل» «يدخل» وهي فيما أعلم أردأ الوجهين. ويذكرون أنها في قراءة أبيّ «٣» (مندخلا) «٤» أراد شيئا بعد شيء. وإنما قرئت (مغارات) «٥» لأنها من «أغار» فالمكان «مغار» «٦» قال الشاعر [من البسيط وهو الشاهد الحادي والسبعون بعد المائة] : الحمد لله ممسانا ومصبحنا ... بالخير صبّحنا ربّي ومسّانا لأنّها من «أمسى» و «أصبح» ، وإذا وقفت على «ملجأ» قلت «ملجئا» لأنه نصب منوّن، فتقف بالألف، نحو قولك «رأيت زيدا» . وقال تعالى: ثانِيَ اثْنَيْنِ [الآية ٤٠] وكذلك ثالِثُ ثَلاثَةٍ [المائدة: ٧٣] وهو كلام العرب. وقد يجوز «ثاني واحد» و «ثالث اثنين» وفي كتاب الله ما يَكُونُ مِنْ نَجْوى ثَلاثَةٍ إِلَّا هُوَ رابِعُهُمْ وَلا خَمْسَةٍ إِلَّا هُوَ سادِسُهُمْ [المجادلة: ٧] وقال ثَلاثَةٌ رابِعُهُمْ كَلْبُهُمْ [الكهف: ٢٢] وخَمْسَةٌ سادِسُهُمْ كَلْبُهُمْ [الكهف: ٢٢] وسَبْعَةٌ وَثامِنُهُمْ كَلْبُهُمْ [الكهف: ٢٢] . وقال تعالى: وَمِنْهُمْ مَنْ يَلْمِزُكَ [الآية ٥٨] «٧» وقرأ بعضهم: (يلمزك) «٨» . وقال تعالى: قُلْ أُذُنُ خَيْرٍ لَكُمْ [الآية ٦١] أي: هو أذن خير لا أذن شرّ «٩» . وقرأ بعضهم (أذن خير

стр. 830

لكم) «١» والاولى أحسنهما، لأنك لو قلت «هو أذن خير لكم» لم يكن في حسن هُوَ أُذُنٌ قُلْ أُذُنُ خَيْرٍ لَكُمْ وهذا جائز على ان تجعل (لكم) صفة «الأذن» . وقال تعالى: وَرَحْمَةٌ لِلَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ [الآية ٦١] أي: وهو رحمة. وقرأ بعضهم قوله تعالى: أَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّهُ مَنْ يُحادِدِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَأَنَّ لَهُ [الآية ٦٣] . بكسر الألف، لأنّ الفاء التي هي جواب المجازاة، ما بعدها مستأنف «٢» . وقال تعالى: يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ لَكُمْ لِيُرْضُوكُمْ [الآية ٦٢] و «سيحلفون بالله لكم ليرضوكم» «٣» ولا أعلمه إلّا على قوله «ليرضنّكم» كما قال الشاعر «٤» [من الطويل وهو الشاهد السادس والعشرون بعد المائتين] : إذا قلت قدني قال بالله حلفة ... لتغني عنّي ذا أنائك أجمعا «٥» أي: لتغنينّ عني. وهو نحو وَلِتَصْغى إِلَيْهِ أَفْئِدَةُ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ [الأنعام: ١١٣] أي: ولتصغينّ. وقال تعالى: فَرِحَ الْمُخَلَّفُونَ بِمَقْعَدِهِمْ خِلافَ رَسُولِ اللَّهِ [الآية ٨١] أي: مخالفة. وقرأ بعضهم (خلف) «٦»

стр. 831

و (خلاف) أصوبهما، لأنّهم خالفوا مثل «قاتلوا قتالا» ولأنه مصدر «خالفوا» . وقرأ: وَجاءَ الْمُعَذِّرُونَ [الآية ٩٠] خفيفة لأنها من «أعذروا» «١» وقرأ بعضهم الْمُعَذِّرُونَ ثقيلة يريد: «المعتذرون» «٢» . ولكنه ادغم التاء في الذال كما قال يَخِصِّمُونَ (٤٩) [يس] وبها نقرأ. وقد يكون (المعذرون) » بكسر العين، لاجتماع الساكنين، وإنّما فتح لأنّه حوّل فتحة التاء عليها. وقد يكون أن تضم العين تتبعها الميم «٤» وهذا مثل مُرْدِفِينَ (٩) [الأنفال] «٥» . وقال تعالى: عَلَيْهِمْ دائِرَةُ السَّوْءِ [الآية ٩٨] «٦» كما تقول: «هذا رجل السّوء» وقال الشاعر «٧» [من الطويل وهو الشاهد السابع والعشرون بعد المائتين] : وكنت كذئب السّوء لمّا رأى دما ... بصاحبه يوما أحار على الدّم وقد قرئت (دائرة السّوء) «٨» ، وذا ضعيف لأنك إذا قلت «كانت عليهم دائرة السّوء» كان أحسن من «رجل السوء» ألا ترى أنك تقول: «كانت عليهم دائرة الهزيمة» لأنّ الرجل لا

стр. 832

يضاف إلى السّوء، كما يضاف هذا، لأنّ هذا يفسر به الخير والشر، كما نقول: «سلكت طريق الشرّ» و «تركت طريق الخير» «١» . وقال تعالى: وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهاجِرِينَ وَالْأَنْصارِ [الآية ١٠٠] «٢» وقرأ بعضهم: (والأنصار) «٣» رفع عطفه على وَالسَّابِقُونَ والوجه هو الجرّ، لأن السابقين الأولين كانوا من الفريقين جميعا. وقال تعالى: هارٍ فَانْهارَ بِهِ [الآية ١٠٩] فذكروا أنه من «يهور» وهو مقلوب وأصله «هائر» ولكن قلب مثل ما قلب «شاك السّلاح» وإنما هو «شائك» . وقال تعالى: خُذْ مِنْ أَمْوالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِها [الآية ١٠٣] فقوله تعالى وَتُزَكِّيهِمْ بِها على الابتداء، وان شئت جعلته من صفة الصدقة، ثم جيء بها توكيدا. وكذلك تُطَهِّرُهُمْ «٤» . وقال تعالى: يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَيُؤْمِنُ لِلْمُؤْمِنِينَ [الآية ٦١] أي: يصدّقهم كما تقول للرجل «أنا ما يؤمن لي بأن أقول كذا وكذا» أي: ما يصدقني. وقال تعالى: أُسِّسَ عَلَى التَّقْوى مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ أَحَقُّ [الآية ١٠٨] . أي: «منذ أوّل يوم» لأنّ من العرب من يقول «لم أره من يوم كذا» يريد «منذ أوّل يوم» يريد به «من أوّل الأيّام» كقولك «لقيت كلّ رجل» تريد به «كلّ الرّجال» «٥» . قال تعالى: وَآخَرُونَ مُرْجَوْنَ [الآية ١٠٦] «٦» (من أرجيت) «٧» . وقرأ

стр. 833

بعضهم: (وآخرون مرجئون) من «أرجأت» «١» . وقال بَنَوْا رِيبَةً فِي قُلُوبِهِمْ إِلَّا أَنْ تَقَطَّعَ [الآية ١١٠] «٢» و (تقطّع) «٣» في قول بعضهم وكل حسن. وقال تعالى: التَّائِبُونَ الْعابِدُونَ [الآية ١١٢] إلى رأس الآية ثم فسر وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ (١١٢) لأنّ قوله سبحانه- والله أعلم- التَّائِبُونَ إنّما هو تفسير لقوله جلّ وعلا إِنَّ اللَّهَ اشْتَرى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ [الآية ١١١] ثم فسّر فقال «هم التّائبون» . ثم قال تعالى: ما كانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ [الآية ١١٣] أي «وما كان لهم استغفار للمشركين» وقال وَما كانَ لِنَفْسٍ أَنْ تُؤْمِنَ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ [يونس: ١٠٠] . أي ما كان لها الايمان إلّا بإذن الله. وقال: إِلَّا عَنْ مَوْعِدَةٍ وَعَدَها إِيَّاهُ [الآية ١١٤] يريد «إلّا من بعد موعدة» كما تقول: «ما كان هذا الشرّ إلّا عن قول كان بينكما» أي: عن ذلك صار. وقال تعالى: مِنْ بَعْدِ ما كادَ يَزِيغُ قُلُوبُ [الآية ١١٧] «٤» وقرأ بعضهم: (تزيغ) «٥» جعل السياق في

стр. 834

(كاد) و (كادت) اسما مضمرا، ورفع القلوب على (يزيغ) ، وان شئت رفعتها على (كاد) وجعلت (يزيغ) حالا، وإن شئت جعلته مشبها ب «كان» فأضمرت في (كاد) اسما، وجعلت يَزِيغُ قُلُوبُ في موضع الخبر. وقال تعالى وَظَنُّوا أَنْ لا مَلْجَأَ [الآية ١١٨] وهي هكذا إذا وقفت عليها، ولا تقول (ملجئا) لأنه ليس هاهنا نون. ألا ترى أنك لو وقفت على «لا خوف» لم تلحق ألفا. وأمّا «لو يجدون ملجأ» فالوقف عليه بالألف، لأن النصب فيه منوّن. وقال تعالى: وَلْيَجِدُوا فِيكُمْ غِلْظَةً [الآية ١٢٣] «١» وبها نقرأ، وقرأ بعضهم (غلظة) «٢» وهما لغتان «٣» . وقال تعالى: أَيُّكُمْ زادَتْهُ هذِهِ إِيماناً [الآية ١٢٤] «٤» ف «أيّ» مرفوع بالابتداء، لسقوط الفعل على الهاء، فان قلت: «ألا تضمر في أوّله فعلا» كما في قوله تعالى أَبَشَراً مِنَّا واحِداً [القمر: ٢٤] فلأن قبل «بشر» حرف استفهام وهو أولى بالفعل و (أيّ) استغني به عن حرف الاستفهام فلم يقع قبله شيء هو أولى بالفعل فصارت مثل قولك «زيد ضربته» . ومن نصب «زيدا ضربته» في الخبر نصب «أيّ» هاهنا «٥» . وقال تعالى: نَظَرَ بَعْضُهُمْ إِلى بَعْضٍ هَلْ يَراكُمْ مِنْ أَحَدٍ [الآية ١٢٧] . كأنه قال: «قال بعضهم لبعض» لأنّ نظرهم في هذا المكان، كان إيماء أو شبيها به، والله أعلم. وقال تعالى:

стр. 835

عَزِيزٌ عَلَيْهِ ما عَنِتُّمْ [الآية ١٢٨] بجعل (ما) اسما وعَنِتُّمْ من صلته. وقال تعالى خَلَطُوا عَمَلًا صالِحاً وَآخَرَ سَيِّئاً [الآية ١٠٢] فيجوز في العربية أن تكون «باخر» كما تقول: «استوى الماء والخشبة» أي: «بالخشبة» و «خلطت الماء والّلبن» أي «باللّبن» .

стр. 836

المبحث السابع لكل سؤال جواب في سورة «التوبة» «١» إن قيل: لأي سبب تركت كتابة البسملة في أول هذه السورة، بخلاف سائر السور؟ قلنا: لمّا تشابهت، هي والأنفال، واختلفت الصحابة في كونهما سورتين أو سورة واحدة، تركت بينهما فرجة، عملا بقول من قال هما سورتان وتركت البسملة بينهما، عملا بقول من قال هما سورة واحدة. وممّن قال بذلك قتادة ﵀. الثاني: أن اسم الله تعالى سلام وأمان، و «براءة» فيها قتل المشركين، ومحاربتهم، فلا يناسب كتابتها. فإن قيل: لم قال تعالى: وَإِنْ نَكَثُوا أَيْمانَهُمْ مِنْ بَعْدِ عَهْدِهِمْ وَطَعَنُوا فِي دِينِكُمْ فَقاتِلُوا أَئِمَّةَ الْكُفْرِ [الآية ١٢] وخصّ الأمر بالقتال بأئمة الكفر، مع أنّ النكث والطّعن ليس مخصوصا بهم، بل هو مسند إلى جميع المشركين؟ قلنا المراد بأئمّة الكفر، رؤوس المشركين وقادتهم. وقيل كفّار مكة، لأنهم كانوا قدوة جميع العرب في الكفر فكأنّ النكث والطعن لم يوجد إلّا منهم، لمّا كانوا هم الأصل فيه، فلذلك خصّهم بالذكر. فإن قيل: لم قال تعالى وَقالَتِ الْيَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ وَقالَتِ النَّصارى الْمَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ [الآية ٣٠] ونحن نسأل اليهود والنصارى عن ذلك فينكرونه ويجحدونه؟ قلنا: طائفة من اليهود، وطائفة من

стр. 837

النصارى، هم الذين يقولون ذلك لا كلّهم، فالألف واللام للعهد، لا للجنس، ولا للاستغراق، أو أطلق اسم الكل وأريد البعض، كما قال تعالى: إِذْ قالَتِ الْمَلائِكَةُ يا مَرْيَمُ [آل عمران: ٤٥] وإنّما قال لها جبريل وحده. فإن قيل: ما الحكمة في قوله تعالى ذلِكَ قَوْلُهُمْ بِأَفْواهِهِمْ [الآية ٣٠] وقول كل أحد، إنّما يكون بفمه. قلنا: معناه أنه قول لا تعضده حجة أو برهان، إنما هو مجرد لفظ لا أصل له. وقيل ذكر ذلك للمبالغة في الرد عليهم، والإنكار لقولهم، كما يقول الرجل لغيره، أنت قلت لي ذلك بلسانك. فإن قيل: دين الحق هو من جملة الهدى، فما الحكمة في عطفه على الهدى في قوله تعالى هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدى وَدِينِ الْحَقِّ [الآية ٣٣] ؟ قلنا: المراد بالهدى هنا القرآن، وبدين الحق الإسلام، وهما متغايران. الثاني أنه، وإن كان داخلا في جملة الهدى، ولكنّه خصّه بالذكر تشريفا له، وتفضيلا، كما في قوله تعالى: حافِظُوا عَلَى الصَّلَواتِ وَالصَّلاةِ الْوُسْطى [البقرة: ٢٣٨] وقوله تعالى: وَمَلائِكَتِهِ وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ وَمِيكالَ [البقرة: ٩٨] . فإن قيل: لم قال تعالى لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ [الآية ٣٣] ، ولم يقل على الأديان كلّها، مع أنه أظهره على الأديان كلها؟ قلنا: المراد بالدّين هنا اسم الجنس، واسم الجنس المعرّف باللام، يفيد معنى الجمع، كما في قولهم: كثر الدرهم والدينار في أيدي الناس. فإن قيل: لم قال تعالى وَلا يُنْفِقُونَها فِي سَبِيلِ اللَّهِ [الآية ٣٤] والمذكور الذهب والفضة، فأعاد الضمير على أحدهما؟ قلنا: أعاد الضمير على الفضّة لأنها أقرب المذكورين، أو لأنها أكثر وجودا في أيدي الناس، فيكون كنزها أكثر ونظيره قوله تعالى وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلاةِ وَإِنَّها لَكَبِيرَةٌ [البقرة: ٤٥] . الثاني: أنه أعاد الضمير على المعنى، لأن المكنوز دنانير ودراهم وأموال، ونظيره قوله تعالى وَإِنْ طائِفَتانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا [الحجرات: ٩] لأنّ كل طائفة مشتملة على عدد كثير، وكذا

стр. 838

قوله تعالى هذانِ خَصْمانِ اخْتَصَمُوا فِي رَبِّهِمْ [الحج: ١٩] يعني المؤمنين والكافرين. الثالث: أن العرب إذا ذكرت شيئين يشتركان في المعنى، تكتفي بإعادة الضمير على أحدهما، استغناء بذكره عن ذكر الاخر، لمعرفة السامع باشتراكهما في المعنى، ومنه قول حسان بن ثابت: إنّ شرخ الشّباب والشعر الأسود ... ما لم يعاص كان حنونا ولم يقل ما لم يعاصيا وقول الاخر: فمن يك أمسى بالمدينة رحله ... فإني وقيّار بها لغريب ولم يقل لغريبان، ومنه قوله تعالى: وَاللَّهُ وَرَسُولُهُ أَحَقُّ أَنْ يُرْضُوهُ [الآية ٦٢] وقوله تعالى يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلا تَوَلَّوْا عَنْهُ [الأنفال: ٢٠] وليس قوله تعالى: وَإِذا رَأَوْا تِجارَةً أَوْ لَهْواً انْفَضُّوا إِلَيْها [الجمعة: ١١] وقوله تعالى: وَمَنْ يَكْسِبْ خَطِيئَةً أَوْ إِثْماً ثُمَّ يَرْمِ بِهِ بَرِيئاً [النساء: ١١٢] من هذا القبيل: لأن الإضمار جعل عن أحدهما لوجود لفظة أو، وهي لإثبات أحد المذكورين، فمن جعله نظير هذا فقد سها، إلا أن يثبت أنّ أو في هاتين الآيتين بمعنى الواو وفي هاتين الآيتين لطيفة، وهي أن الكلام لما اقتضى إعادة الضمير على أحدهما أعاده في الآية الأولى على التجارة، وإن كانت أبعد، ومؤنثة أيضا لأنها أجذب لقلوب العباد عن طاعة الله تعالى من اللهو، لأن المشتغلين بها أكثر من المشتغلين باللهو، أو لأنها أكثر نفعا من اللهو، أو لأنها كانت أصلا، واللهو تبعا، وأعاده في الآية الثانية على الإثم رعاية لمرتبة القرب والتذكير. فإن قيل: ما الحكمة في قوله تعالى: إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللَّهِ اثْنا عَشَرَ شَهْراً [الآية ٣٦] وهي عند الناس أيضا كذلك في كل ملة، سواء أكانت الشهور قمرية أم شمسية؟ قلنا: الحكمة فيه، أن يعلم أن هذا التقسيم والعدد ليس مما أحدثه الناس، وابتدعوه بعقولهم من ذات أنفسهم، وإنما هو أمر أنزله الله سبحانه، في كتبه على ألسنة رسله. فإن قيل: لم قال تعالى فَلا تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أَنْفُسَكُمْ [الآية ٣٦] خصّ الأربعة الحرم بذلك، وظلم النفس منهي عنه في كل زمان؟ قلنا: قال ابن عباس ﵄، الضمير في قوله تعالى

стр. 839

فِيهِنَّ راجع إلى قوله سبحانه اثْنا عَشَرَ شَهْراً لا الأربعة الحرم فقط، فاندفع السؤال. الثاني: أن الضمير راجع إلى الأربعة الحرم فقط، إمّا لأنها أقرب، أو لما قاله الفراء: إن العرب تقول في العشرة وما دونها لثلاث ليال خلون، وأيام خلون، فإذا جاوزت العشرة قالت خلت ومضت، للفرق بين القليل وهو العشرة فما دونها، وبين الكثير وهو ما زاد عليها، ولهذا قال في الاثني عشر: منها، وقال في الأربعة: فيهن. فعلى هذا يكون تخصيصها بالذكر، إمّا لمزيد فضلها وحرمتها عندهم في الجاهلية، فيكون ظلم النفس فيها أقبح، ونظيره قوله تعالى فَلا رَفَثَ وَلا فُسُوقَ وَلا جِدالَ فِي الْحَجِّ [البقرة: ١٩٧] وإن كان ذلك منهيّا عنه في غير الحجّ أيضا، أو لأن المراد بالظلم النسيء، وهو كان مخصوصا بها، أو قتال الكفار فيها ابتداء، أو ترك قتالهم إذا ابتدءوا، وذلك كلّه مخصوص بها؟ فإن قيل: الشهر مذكّر فقياسه فيها؟ قلنا: الضمير بالهاء والنون، لا يختص بالمؤنّث، ولو اختص، فالمراد بقوله فِيهِنَّ ساعات الأشهر، وهي مؤنثة. فإن قيل: لم قال تعالى: فَلا تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أَنْفُسَكُمْ [الآية ٣٦] والإنسان لا يظلم نفسه، بل يظلم غيره؟ قلنا: لا نسلّم أنه لا يظلم نفسه، قال الله تعالى وَمَنْ يَعْمَلْ سُوءاً أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ [النساء: ١١٠] وقال تعالى: وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ [الطلاق: ١] . الثاني، أن معناه فلا يظلم بعضكم بعضا كما قال تعالى وَإِذْ أَخَذْنا مِيثاقَكُمْ لا تَسْفِكُونَ دِماءَكُمْ [البقرة: ٨٤] وقال تعالى فَتُوبُوا إِلى بارِئِكُمْ فَاقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ [البقرة: ٥٤] وقال تعالى وَلا تَلْمِزُوا أَنْفُسَكُمْ [الحجرات: ١١] . الثالث، أن معناه فلا تنقصوا حظ أنفسكم من الاخرة بالمعصية فإنّ من عصى، فقد ظلم نفسه بنقصه ثوابها، وتوجيه العقاب والذم إليها، وإليه الإشارة بقوله تعالى وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ [الطلاق: ١] . الرابع، أنّ كل ظالم لغيره، فهو ظالم لنفسه في الحقيقة لأن ضرر ظلمه في حق المظلوم، ينقطع عن قريب، لأنه لا يتعدى الدنيا، وضرر ظلمه في حق

стр. 840

نفسه، يراه في الاخرة حيث لا ينقطع، أو يكون أشد وأدوم. فإن قيل: قوله تعالى إِنَّمَا النَّسِيءُ زِيادَةٌ فِي الْكُفْرِ [الآية ٣٧] يدل على قبول الكفر للزيادة والنقصان فكذلك الإيمان الذي هو ضده، فيكون حجة للشافعي رحمة الله عليه في قوله: الإيمان يقبل الزيادة والنقصان. قلنا: معناه زيادة معصية في الكفر. فإن قيل: قوله تعالى لا يَسْتَأْذِنُكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ [الآية ٤٤] إن كان نهيا فأين الجزم؟ وإن كان نفيا فقد وقع المنفي، لأنّ كثيرا من المؤمنين المخلصين استأذنوه في التخلّف عن الجهاد لعذر، ويعضده قوله تعالى إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَإِذا كانُوا مَعَهُ عَلى أَمْرٍ جامِعٍ لَمْ يَذْهَبُوا حَتَّى يَسْتَأْذِنُوهُ [النور: ٦٢] فقيل إن المراد به، كلّ أمر طاعة اجتمعوا عليه، كالجهاد، والجمعة، والعيد، ونحوها؟ قلنا: هو نهي بصيغة النفي، كقوله تعالى: فَلا رَفَثَ وَلا فُسُوقَ وَلا جِدالَ فِي الْحَجِّ [البقرة: ١٩٧] . الثاني: قال ابن عباس، ﵄، هي منسوخة بقوله تعالى لَمْ يَذْهَبُوا حَتَّى يَسْتَأْذِنُوهُ. الثالث: أنّ المراد بقوله تعالى يَسْتَأْذِنُكَ الَّذِينَ [الآيتان ٤٤- ٤٥] الاستئذان في التخلّف عن الجهاد من غير عذر، وكذا المراد بالآية التي بعدها، وبقوله سبحانه: لَمْ يَذْهَبُوا حَتَّى يَسْتَأْذِنُوهُ إباحة الاستئذان في التخلّف عن الأمر الجامع لعذر، فلا نسخ لإمكان العمل بالآيتين، لأن محل الحكم مختلف، وهو وجود العذر وعدمه. فإن قيل: لم قال تعالى وَقِيلَ اقْعُدُوا مَعَ الْقاعِدِينَ (٤٦) أخبر أنهم أمروا بالقعود، وذمهم على القعود، والتخلف عن الخروج للجهاد، والاستئذان في القعود؟ قلنا: ليس في الآية ما يدلّ على أن الله تعالى، هو الأمر لهم، فقيل الأمر لهم بذلك هو الشيطان بالوسوسة والتزيين. الثاني أنّ بعضهم أمر بعضا. الثالث أن النبي (ص) قال لهم ذلك غضبا عليهم. الرابع أنه أمر توبيخ وتهديد من الله تعالى لهم، كقوله تعالى اعْمَلُوا ما شِئْتُمْ [فصلت: ٤٠] يعضده قوله تعالى مَعَ الْقاعِدِينَ أي مع

стр. 841

النساء والصبيان والزّمنى «١» الذين شأنهم القعود والجثوم في البيوت. فإن قيل: إذا كان الله تعالى، علم أنّ المنافقين لو خرجوا مع المؤمنين للجهاد ما زادوهم إلّا خبالا: أي فسادا، ولأوضعوا خلالهم: أي ولأسرعوا السعي بينهم بالنمائم، فلم أمرهم سبحانه، بالخروج مع المؤمنين؟ قلنا: أمرهم بالخروج لإلزامهم الحجّة، ولإظهار نفاقهم. فإن قيل: قوله تعالى: قُلْ أَنْفِقُوا طَوْعاً أَوْ كَرْهاً لَنْ يُتَقَبَّلَ مِنْكُمْ إِنَّكُمْ كُنْتُمْ قَوْماً فاسِقِينَ (٥٣) يدل على أن الفسق يمنع قبول الطاعات؟ قلنا: المراد بالفسق هنا، الفسق بالكفر والنفاق، لا مطلق الفسق، وذلك محبط للطاعات، ومانع من قبولها ويعضده قوله وَما مَنَعَهُمْ أَنْ تُقْبَلَ مِنْهُمْ نَفَقاتُهُمْ [الآية ٥٤] . فإن قيل: لم عدل في آية الصدقات «٢» عن اللام إلى «في» في المصارف الأربعة الأخيرة؟ قلنا: للتنبيه على أنهم أقوى في استحقاق الصدقة ممّن سبق ذكره لأن «في» للظرفية والوعاء، فنبه بها على أنهم أحقّاء بأن توضع فيهم الصدقات، ويجعلوا مصبّا لها، لما ورد في فكّ الرقاب من الكتابة أو الرّقّ أو الأسر وفي فكّ الغارمين عن الدّين من التخليص والإنقاذ وفي سبيل الله، يشمل السياق الغازي الفقير، أو المنقطع في الحجّ، والفقير البيّن الفقر وكذلك ابن السبيل جامع بين الفقر والغربة عن الأهل والمال ولا يرد المؤلّفة قلوبهم، لأن بعضهم كفّار، وبعضهم مسلمون ضعيفو النية في الإسلام، فكيف يعارض بهم من ذكرنا. أو لأن الله تعالى علم أن وجوب إعطائهم سينسخ، فلذلك جعلهم في القسم المقدم الذي هو أضعف. فإن قيل: لم كرر: «في» في الأربعة الأخيرة ولم يكرر اللام في الأربعة الأولى؟ قلنا: للتنبيه على ترجيح استحقاق المصرفين الأخيرين على الرقاب

стр. 842

والغارمين، من جهة أن إعادة العامل تدل على مزيد قوة تأكيد، كقولك مررت بزيد وبعمرو. فإن قيل: لم عدّي فعل الإيمان إلى الله تعالى بالباء، وإلى المؤمنين باللام، في قوله تعالى: يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَيُؤْمِنُ لِلْمُؤْمِنِينَ [الآية ٦١] ؟ قلنا: لأنه قصد التصديق بالله الذي هو ضد الكفر به، فعدّاه بالباء كما يعدّى ضدّه بها، وقصد التسليم والانقياد للمؤمنين فيما يخبرون به، لكونهم صادقين عنده، فعدّاه بما يعدّى به التسليم والانقياد، ويعضده قوله تعالى وَما أَنْتَ بِمُؤْمِنٍ لَنا وَلَوْ كُنَّا صادِقِينَ (١٧) [يوسف] وقوله تعالى أَفَتَطْمَعُونَ أَنْ يُؤْمِنُوا لَكُمْ [البقرة: ٧٥] ، وقوله تعالى فَما آمَنَ لِمُوسى إِلَّا ذُرِّيَّةٌ مِنْ قَوْمِهِ [يونس: ٨٣] وقوله تعالى أَنُؤْمِنُ لَكَ وَاتَّبَعَكَ الْأَرْذَلُونَ (١١١) [الشعراء] وأمّا قوله تعالى قالَ آمَنْتُمْ لَهُ قَبْلَ أَنْ آذَنَ لَكُمْ [طه: ٧١] فمشترك الدلالة، لأنه قال في موضع آخر قالَ فِرْعَوْنُ آمَنْتُمْ بِهِ قَبْلَ أَنْ آذَنَ لَكُمْ [الأعراف: ١٢٣] وقال ابن قتيبة في الجواب عن أصل السؤال: إن الباء واللام زائدتان، والمراد بالإيمان التصديق، فمعناه يصدق الله، ويصدق المؤمنين. فإن قيل: قوله تعالى أَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّهُ مَنْ يُحادِدِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَأَنَّ لَهُ نارَ جَهَنَّمَ خالِداً [الآية ٦٣] يدلّ على تخليد أصحاب الكبائر في النار، لأن المراد بالمحادّة المخالفة والمعاداة؟ قلنا: قوله تعالى أَلَمْ يَعْلَمُوا [الآية ٦٣] خبر عن المنافقين الذين سبق ذكرهم، فيكون المراد به المحادّة بالكفر والنفاق، وذلك موجب للتخليد في النار. فإن قيل: لم قال الله تعالى: يَحْذَرُ الْمُنافِقُونَ أَنْ تُنَزَّلَ عَلَيْهِمْ سُورَةٌ [الآية ٦٤] ، وسورة القرآن، إنما تنزل على النبي (ص) لا على المنافقين؟ قلنا: معناه أن تنزل فيهم، «فعلى» هنا بمعنى «في» كما في قوله تعالى عَلى مُلْكِ سُلَيْمانَ [البقرة: ١٠٢] وقولهم كان ذلك على عهد فلان. الثاني: أنّ الإنزال هنا بمعنى القراءة فمعناه أن تقرأ عليهم. فإن قيل: الحذر في هذه الآية واقع

стр. 843

منهم على إنزال السورة، فلم قال تعالى: قُلِ اسْتَهْزِؤُا إِنَّ اللَّهَ مُخْرِجٌ ما تَحْذَرُونَ (٦٤) . قلنا: قوله تعالى مُخْرِجٌ ما تَحْذَرُونَ (٦٤) أي مظهر ما تحذرون ظهوره من نفاقكم، بإنزال السورة وهو مناسب لقوله تعالى تُنَبِّئُهُمْ بِما فِي قُلُوبِهِمْ [الآية ٦٤] الثاني: أن معناه مظهر ومبرز ما تحذرون من إنزال السورة. فإن قيل: لم قال تعالى تُنَبِّئُهُمْ بِما فِي قُلُوبِهِمْ وإنباؤهم بما في قلوبهم، تحصيل الحاصل، لأنهم عالمون به فما فائدته؟ قلنا: معناه تنبّئهم بأن أسرارهم وما كتموه من النفاق شائعة ذائعة، وتفضحهم بظهور ما اعتقدوا أنه لا يعرفه غيرهم، ولا يطّلع عليه سواهم، وهذا ليس من تحصيل الحاصل. فإن قيل: لم قال الله تعالى: الْمُنافِقُونَ وَالْمُنافِقاتُ بَعْضُهُمْ مِنْ بَعْضٍ [الآية ٦٧] وقال بعده وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِناتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِياءُ بَعْضٍ [الآية ٧١] وكلمة «من» أدل على المشابهة والمجانسة، من حيث أنها تقتضي الجزئية والبعضية، فكانت بالمؤمنين أولى وأحرى، لأنّهم أشدّ تشابها، وتجانسا في الصفات والأخلاق؟ قلنا: المراد بقوله تعالى: بَعْضُهُمْ مِنْ بَعْضٍ أي بعضهم على دين بعض، أي على عادتهم وخلقهم بإضمار لفظة الدين أو الخلق ونحوه، لأن «من» تأتي بمعنى على، ومنه قوله تعالى: وَنَصَرْناهُ مِنَ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا [الأنبياء: ٧٧] وقوله تعالى لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِنْ نِسائِهِمْ [البقرة: ٢٢٦] أي: يحلفون على وطء نسائهم وهذا هو المعنى المراد في قوله ﵊ «فمن رغب عن سنّتي فليس مني» وقوله ﵊ «من غشّنا فليس منا» . والمراد بقوله تعالى بَعْضُهُمْ أَوْلِياءُ بَعْضٍ أي أنصارهم وأعوانهم في الدّين وكل واحدة من العبارتين صالحة، للفريقين إلا أنه خصّ المنافقين بتلك العبارة، تكذيبا لهم في حلفهم السابق، في قوله تعالى وَيَحْلِفُونَ بِاللَّهِ إِنَّهُمْ لَمِنْكُمْ [الآية ٥٦] وتقريرا لقوله تعالى وَما هُمْ مِنْكُمْ [الآية ٥٦] . فإن قيل: ما الحكمة في قوله تعالى فَاسْتَمْتَعُوا بِخَلاقِهِمْ [الآية ٦٩] مع أن

стр. 844

قوله تعالى فَاسْتَمْتَعْتُمْ بِخَلاقِكُمْ كَمَا اسْتَمْتَعَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ بِخَلاقِهِمْ [الآية ٦٩] بوضع الظاهر موضع الضمير، مغن عنه، كما قال تعالى وَخُضْتُمْ كَالَّذِي خاضُوا [الآية ٦٩] من غير تكرار؟ قلنا: الحكمة فيه، تصدير التشبيه بذم المشبه بهم، باستمتاعهم بما أوتوا من حظوظ الدنيا، واشتغالهم بشهواتهم الفانية عن النظر في العاقبة الباقية، وطلب الفلاح في الاخرة، وتهجين حالهم، وتقبيح صفتهم، ليكون التشبيه بعد ذلك أبلغ في ذم المشبّهين بأولئك الأوّلين، كما تريد أن تنبّه بعض الظلمة على سماجة فعله فتقول: أنت مثل فرعون، كان يقتل بغير حق، ويظلم ويفسق وأنت تفعل مثل فعله. وأمّا قوله تعالى وَخُضْتُمْ كَالَّذِي خاضُوا [الآية ٦٩] فإنه لمّا كان معطوفا على ما قبله وهو التشبيه المصدّر بتلك المقدّمة، أغنى ذلك عن إعادة تلك المقدّمة المذكورة، للتقبيح والتهجين. فإن قيل: قوله تعالى أُولئِكَ حَبِطَتْ أَعْمالُهُمْ فِي الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ [الآية ٦٩] فحبوط العمل، إن كان عبارة عن بطلان ثوابه، فذلك إنّما يكون في الاخرة، وإن كان عبارة عن بطلان منفعته، فأعمال المنافقين في الدنيا ليست باطلة المنفعة، لأنهم ينتفعون بها في حقن دمائهم وأموالهم، وجريان أحكام المسلمين عليهم؟ قلنا: المراد بالأعمال، إن كانت نوعي أعمالهم الدينية والدنيوية فالحبوط في الدنيا راجع إلى أعمالهم الدنيوية وهي كيدهم ومكرهم وخداعهم ونفاقهم الذي كانوا يقصدون به إطفاء نور الله تعالى، ودفع آياته وبيّناته. ويأبى الله إلا أن يتمّ نوره ولو كره الكافرون، فلم ينالوا من ذلك ما أملوه وقصدوه من إبطال دين الله تعالى، وستر نبوّة محمد (ص) . والحبوط في الاخرة، راجع إلى أعمالهم الدينية، وهي عباداتهم وطاعاتهم لأنهم فعلوها نفاقا ورياء فبطل ثوابها في الاخرة، وإن كان المراد بأعمالهم مجرّد الأعمال الدينية، فحبوطها في الدنيا هو عدم قبولها، لأن الله تعالى يقبل العبادة في الدنيا، ثم يثيب عليها في الاخرة، والمراد بحبوطها في الدنيا، عدم قبولها، وعدم إطلاق الأسماء الشريفة عليها، كالعبادة والقربة والحسنة، ونحو ذلك وهذا

стр. 845

ضد قوله تعالى وَآتَيْناهُ أَجْرَهُ فِي الدُّنْيا وَإِنَّهُ فِي الْآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ (٢٧) [العنكبوت] فدلّ على أن للطاعات أجرا معجلا في الدنيا، غير الأجر المؤجل إلى الاخرة، وهو القبول، وحسن الثناء، والذكر، وإلقاء المحبة في قلوب الخلق، كما قال تعالى إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَّحْمنُ وُدًّا (٩٦) [مريم] قيل معناه: يحبّهم، ويحبّبهم إلى عباده من غير سبب بينه وبينهم يوجب المحبة، وكذلك على العكس حال العصاة والفساق يبغضهم، ويبغّضهم إلى عباده من غير سبب بينه وبينهم يوجب البغض. فإن قيل: قوله تعالى وَما لَهُمْ فِي الْأَرْضِ مِنْ وَلِيٍّ وَلا نَصِيرٍ (٧٤) لم خصّ الأرض بالنفي، مع أن المنافقين ليس لهم وليّ ولا نصير، من عذاب الله في الأرض، ولا في السماء في الدنيا وفي الاخرة؟ قلنا: لمّا كان المنافقون لا يعتقدون الوحدانية ولا يصدّقون بالآخرة، كان اعتقادهم وجود الوليّ والنصير مقصورا على الدنيا فعبر عن الدنيا، بالأرض وخصّها بالذكر لذلك. الثاني أنه أراد بالأرض أرض الدنيا والاخرة فكأنه قال: ومالهم في الدنيا من وليّ ولا نصير. فإن قيل: لم خصّ السبعين بالذكر في قوله تعالى إِنْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ [الآية ٨٠] مع أن الله تعالى لا يغفر للمنافقين، ولو استغفر لهم الرسول (ص) ألف مرة، بدليل قوله تعالى سَواءٌ عَلَيْهِمْ أَسْتَغْفَرْتَ لَهُمْ أَمْ لَمْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ لَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ [المنافقون: ٦] ولأنّهم مشركون، والله تعالى لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ [النساء: ٤٨] ؟ قلنا: جرت عادة العرب، بضرب المثل في الآحاد بالسبعة، وفي العشرات بالسبعين، وفي المئات بسبعمائة، استعظاما لها واستكثارا لا أنهم يريدون بذكرها الحصر، فكأنه قال: إن تستغفر لهم أعظم الأعداد وأكثرها، فلن يغفر الله لهم، ويحدّده ما ذكره بعد ذلك، من بيان الصارف عن المغفرة، في قوله تعالى ذلِكَ بِأَنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ [الآية ٨٠] . فإن قيل: لو كان المراد ما ذكرتم، لما خفي ذلك على النبي (ص) وهو
следующие страницы →