النساء والصبيان والزّمنى «١» الذين شأنهم القعود والجثوم في البيوت.
فإن قيل: إذا كان الله تعالى، علم أنّ المنافقين لو خرجوا مع المؤمنين للجهاد ما زادوهم إلّا خبالا: أي فسادا، ولأوضعوا خلالهم: أي ولأسرعوا السعي بينهم بالنمائم، فلم أمرهم سبحانه، بالخروج مع المؤمنين؟
قلنا: أمرهم بالخروج لإلزامهم الحجّة، ولإظهار نفاقهم.
فإن قيل: قوله تعالى: قُلْ أَنْفِقُوا طَوْعاً أَوْ كَرْهاً لَنْ يُتَقَبَّلَ مِنْكُمْ إِنَّكُمْ كُنْتُمْ قَوْماً فاسِقِينَ (٥٣) يدل على أن الفسق يمنع قبول الطاعات؟
قلنا: المراد بالفسق هنا، الفسق بالكفر والنفاق، لا مطلق الفسق، وذلك محبط للطاعات، ومانع من قبولها ويعضده قوله وَما مَنَعَهُمْ أَنْ تُقْبَلَ مِنْهُمْ نَفَقاتُهُمْ [الآية ٥٤] .
فإن قيل: لم عدل في آية الصدقات «٢» عن اللام إلى «في» في المصارف الأربعة الأخيرة؟
قلنا: للتنبيه على أنهم أقوى في استحقاق الصدقة ممّن سبق ذكره لأن «في» للظرفية والوعاء، فنبه بها على أنهم أحقّاء بأن توضع فيهم الصدقات، ويجعلوا مصبّا لها، لما ورد في فكّ الرقاب من الكتابة أو الرّقّ أو الأسر وفي فكّ الغارمين عن الدّين من التخليص والإنقاذ وفي سبيل الله، يشمل السياق الغازي الفقير، أو المنقطع في الحجّ، والفقير البيّن الفقر وكذلك ابن السبيل جامع بين الفقر والغربة عن الأهل والمال ولا يرد المؤلّفة قلوبهم، لأن بعضهم كفّار، وبعضهم مسلمون ضعيفو النية في الإسلام، فكيف يعارض بهم من ذكرنا. أو لأن الله تعالى علم أن وجوب إعطائهم سينسخ، فلذلك جعلهم في القسم المقدم الذي هو أضعف.
فإن قيل: لم كرر: «في» في الأربعة الأخيرة ولم يكرر اللام في الأربعة الأولى؟
قلنا: للتنبيه على ترجيح استحقاق المصرفين الأخيرين على الرقاب
стр. 842
والغارمين، من جهة أن إعادة العامل تدل على مزيد قوة تأكيد، كقولك مررت بزيد وبعمرو.
فإن قيل: لم عدّي فعل الإيمان إلى الله تعالى بالباء، وإلى المؤمنين باللام، في قوله تعالى: يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَيُؤْمِنُ لِلْمُؤْمِنِينَ [الآية ٦١] ؟
قلنا: لأنه قصد التصديق بالله الذي هو ضد الكفر به، فعدّاه بالباء كما يعدّى ضدّه بها، وقصد التسليم والانقياد للمؤمنين فيما يخبرون به، لكونهم صادقين عنده، فعدّاه بما يعدّى به التسليم والانقياد، ويعضده قوله تعالى وَما أَنْتَ بِمُؤْمِنٍ لَنا وَلَوْ كُنَّا صادِقِينَ (١٧) [يوسف] وقوله تعالى أَفَتَطْمَعُونَ أَنْ يُؤْمِنُوا لَكُمْ [البقرة: ٧٥] ، وقوله تعالى فَما آمَنَ لِمُوسى إِلَّا ذُرِّيَّةٌ مِنْ قَوْمِهِ [يونس: ٨٣] وقوله تعالى أَنُؤْمِنُ لَكَ وَاتَّبَعَكَ الْأَرْذَلُونَ (١١١) [الشعراء] وأمّا قوله تعالى قالَ آمَنْتُمْ لَهُ قَبْلَ أَنْ آذَنَ لَكُمْ [طه: ٧١] فمشترك الدلالة، لأنه قال في موضع آخر قالَ فِرْعَوْنُ آمَنْتُمْ بِهِ قَبْلَ أَنْ آذَنَ لَكُمْ [الأعراف: ١٢٣] وقال ابن قتيبة في الجواب عن أصل السؤال: إن الباء واللام زائدتان، والمراد بالإيمان التصديق، فمعناه يصدق الله، ويصدق المؤمنين.
فإن قيل: قوله تعالى أَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّهُ مَنْ يُحادِدِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَأَنَّ لَهُ نارَ جَهَنَّمَ خالِداً [الآية ٦٣] يدلّ على تخليد أصحاب الكبائر في النار، لأن المراد بالمحادّة المخالفة والمعاداة؟
قلنا: قوله تعالى أَلَمْ يَعْلَمُوا [الآية ٦٣] خبر عن المنافقين الذين سبق ذكرهم، فيكون المراد به المحادّة بالكفر والنفاق، وذلك موجب للتخليد في النار.
فإن قيل: لم قال الله تعالى:
يَحْذَرُ الْمُنافِقُونَ أَنْ تُنَزَّلَ عَلَيْهِمْ سُورَةٌ [الآية ٦٤] ، وسورة القرآن، إنما تنزل على النبي (ص) لا على المنافقين؟
قلنا: معناه أن تنزل فيهم، «فعلى» هنا بمعنى «في» كما في قوله تعالى عَلى مُلْكِ سُلَيْمانَ [البقرة: ١٠٢] وقولهم كان ذلك على عهد فلان. الثاني: أنّ الإنزال هنا بمعنى القراءة فمعناه أن تقرأ عليهم.
فإن قيل: الحذر في هذه الآية واقع
стр. 843
منهم على إنزال السورة، فلم قال تعالى: قُلِ اسْتَهْزِؤُا إِنَّ اللَّهَ مُخْرِجٌ ما تَحْذَرُونَ (٦٤) .
قلنا: قوله تعالى مُخْرِجٌ ما تَحْذَرُونَ (٦٤) أي مظهر ما تحذرون ظهوره من نفاقكم، بإنزال السورة وهو مناسب لقوله تعالى تُنَبِّئُهُمْ بِما فِي قُلُوبِهِمْ [الآية ٦٤] الثاني: أن معناه مظهر ومبرز ما تحذرون من إنزال السورة.
فإن قيل: لم قال تعالى تُنَبِّئُهُمْ بِما فِي قُلُوبِهِمْ وإنباؤهم بما في قلوبهم، تحصيل الحاصل، لأنهم عالمون به فما فائدته؟
قلنا: معناه تنبّئهم بأن أسرارهم وما كتموه من النفاق شائعة ذائعة، وتفضحهم بظهور ما اعتقدوا أنه لا يعرفه غيرهم، ولا يطّلع عليه سواهم، وهذا ليس من تحصيل الحاصل.
فإن قيل: لم قال الله تعالى:
الْمُنافِقُونَ وَالْمُنافِقاتُ بَعْضُهُمْ مِنْ بَعْضٍ [الآية ٦٧] وقال بعده وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِناتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِياءُ بَعْضٍ [الآية ٧١] وكلمة «من» أدل على المشابهة والمجانسة، من حيث أنها تقتضي الجزئية والبعضية، فكانت بالمؤمنين أولى وأحرى، لأنّهم أشدّ تشابها، وتجانسا في الصفات والأخلاق؟
قلنا: المراد بقوله تعالى:
بَعْضُهُمْ مِنْ بَعْضٍ أي بعضهم على دين بعض، أي على عادتهم وخلقهم بإضمار لفظة الدين أو الخلق ونحوه، لأن «من» تأتي بمعنى على، ومنه قوله تعالى: وَنَصَرْناهُ مِنَ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا [الأنبياء: ٧٧] وقوله تعالى لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِنْ نِسائِهِمْ [البقرة: ٢٢٦] أي: يحلفون على وطء نسائهم وهذا هو المعنى المراد في قوله ﵊ «فمن رغب عن سنّتي فليس مني» وقوله ﵊ «من غشّنا فليس منا» . والمراد بقوله تعالى بَعْضُهُمْ أَوْلِياءُ بَعْضٍ أي أنصارهم وأعوانهم في الدّين وكل واحدة من العبارتين صالحة، للفريقين إلا أنه خصّ المنافقين بتلك العبارة، تكذيبا لهم في حلفهم السابق، في قوله تعالى وَيَحْلِفُونَ بِاللَّهِ إِنَّهُمْ لَمِنْكُمْ [الآية ٥٦] وتقريرا لقوله تعالى وَما هُمْ مِنْكُمْ [الآية ٥٦] .
فإن قيل: ما الحكمة في قوله تعالى فَاسْتَمْتَعُوا بِخَلاقِهِمْ [الآية ٦٩] مع أن
стр. 844
قوله تعالى فَاسْتَمْتَعْتُمْ بِخَلاقِكُمْ كَمَا اسْتَمْتَعَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ بِخَلاقِهِمْ [الآية ٦٩] بوضع الظاهر موضع الضمير، مغن عنه، كما قال تعالى وَخُضْتُمْ كَالَّذِي خاضُوا [الآية ٦٩] من غير تكرار؟
قلنا: الحكمة فيه، تصدير التشبيه بذم المشبه بهم، باستمتاعهم بما أوتوا من حظوظ الدنيا، واشتغالهم بشهواتهم الفانية عن النظر في العاقبة الباقية، وطلب الفلاح في الاخرة، وتهجين حالهم، وتقبيح صفتهم، ليكون التشبيه بعد ذلك أبلغ في ذم المشبّهين بأولئك الأوّلين، كما تريد أن تنبّه بعض الظلمة على سماجة فعله فتقول: أنت مثل فرعون، كان يقتل بغير حق، ويظلم ويفسق وأنت تفعل مثل فعله. وأمّا قوله تعالى وَخُضْتُمْ كَالَّذِي خاضُوا [الآية ٦٩] فإنه لمّا كان معطوفا على ما قبله وهو التشبيه المصدّر بتلك المقدّمة، أغنى ذلك عن إعادة تلك المقدّمة المذكورة، للتقبيح والتهجين.
فإن قيل: قوله تعالى أُولئِكَ حَبِطَتْ أَعْمالُهُمْ فِي الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ [الآية ٦٩] فحبوط العمل، إن كان عبارة عن بطلان ثوابه، فذلك إنّما يكون في الاخرة، وإن كان عبارة عن بطلان منفعته، فأعمال المنافقين في الدنيا ليست باطلة المنفعة، لأنهم ينتفعون بها في حقن دمائهم وأموالهم، وجريان أحكام المسلمين عليهم؟
قلنا: المراد بالأعمال، إن كانت نوعي أعمالهم الدينية والدنيوية فالحبوط في الدنيا راجع إلى أعمالهم الدنيوية وهي كيدهم ومكرهم وخداعهم ونفاقهم الذي كانوا يقصدون به إطفاء نور الله تعالى، ودفع آياته وبيّناته. ويأبى الله إلا أن يتمّ نوره ولو كره الكافرون، فلم ينالوا من ذلك ما أملوه وقصدوه من إبطال دين الله تعالى، وستر نبوّة محمد (ص) .
والحبوط في الاخرة، راجع إلى أعمالهم الدينية، وهي عباداتهم وطاعاتهم لأنهم فعلوها نفاقا ورياء فبطل ثوابها في الاخرة، وإن كان المراد بأعمالهم مجرّد الأعمال الدينية، فحبوطها في الدنيا هو عدم قبولها، لأن الله تعالى يقبل العبادة في الدنيا، ثم يثيب عليها في الاخرة، والمراد بحبوطها في الدنيا، عدم قبولها، وعدم إطلاق الأسماء الشريفة عليها، كالعبادة والقربة والحسنة، ونحو ذلك وهذا
стр. 845
ضد قوله تعالى وَآتَيْناهُ أَجْرَهُ فِي الدُّنْيا وَإِنَّهُ فِي الْآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ (٢٧) [العنكبوت] فدلّ على أن للطاعات أجرا معجلا في الدنيا، غير الأجر المؤجل إلى الاخرة، وهو القبول، وحسن الثناء، والذكر، وإلقاء المحبة في قلوب الخلق، كما قال تعالى إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَّحْمنُ وُدًّا (٩٦) [مريم] قيل معناه: يحبّهم، ويحبّبهم إلى عباده من غير سبب بينه وبينهم يوجب المحبة، وكذلك على العكس حال العصاة والفساق يبغضهم، ويبغّضهم إلى عباده من غير سبب بينه وبينهم يوجب البغض.
فإن قيل: قوله تعالى وَما لَهُمْ فِي الْأَرْضِ مِنْ وَلِيٍّ وَلا نَصِيرٍ (٧٤) لم خصّ الأرض بالنفي، مع أن المنافقين ليس لهم وليّ ولا نصير، من عذاب الله في الأرض، ولا في السماء في الدنيا وفي الاخرة؟
قلنا: لمّا كان المنافقون لا يعتقدون الوحدانية ولا يصدّقون بالآخرة، كان اعتقادهم وجود الوليّ والنصير مقصورا على الدنيا فعبر عن الدنيا، بالأرض وخصّها بالذكر لذلك. الثاني أنه أراد بالأرض أرض الدنيا والاخرة فكأنه قال: ومالهم في الدنيا من وليّ ولا نصير.
فإن قيل: لم خصّ السبعين بالذكر في قوله تعالى إِنْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ [الآية ٨٠] مع أن الله تعالى لا يغفر للمنافقين، ولو استغفر لهم الرسول (ص) ألف مرة، بدليل قوله تعالى سَواءٌ عَلَيْهِمْ أَسْتَغْفَرْتَ لَهُمْ أَمْ لَمْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ لَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ [المنافقون: ٦] ولأنّهم مشركون، والله تعالى لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ [النساء: ٤٨] ؟
قلنا: جرت عادة العرب، بضرب المثل في الآحاد بالسبعة، وفي العشرات بالسبعين، وفي المئات بسبعمائة، استعظاما لها واستكثارا لا أنهم يريدون بذكرها الحصر، فكأنه قال: إن تستغفر لهم أعظم الأعداد وأكثرها، فلن يغفر الله لهم، ويحدّده ما ذكره بعد ذلك، من بيان الصارف عن المغفرة، في قوله تعالى ذلِكَ بِأَنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ [الآية ٨٠] .
فإن قيل: لو كان المراد ما ذكرتم، لما خفي ذلك على النبي (ص) وهو
стр. 846
أفصح العرب وأعلمهم بأساليب الكلام وتمثيلاته، حتّى قال لمّا نزلت هذه الآية: إن الله تعالى قد رخّص لي فسأزيد على السبعين. وفي رواية أخرى. فسأستغفر لهم أكثر من السبعين، لعلّ الله أن يغفر لهم؟
قلنا: لم يخف عليه ذلك، وإنّما أراد بما قال إظهار غلبة رحمته ورأفته، بمن بعث إليهم، كما وصفه الله تعالى بقوله لَقَدْ جاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ [الآية ١٢٨] . وفي إظهار النبي (ص) الرأفة والرحمة لطف لأمته، وحثّ لهم على التراحم، وشفقة بعضهم على بعض وهذا دأب الأنبياء (ع) ، ألا ترى إلى قول إبراهيم صلوات الله عليه كما ورد في التنزيل وَمَنْ عَصانِي فَإِنَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٣٦) [ابراهيم] .
فان قيل: لم قال تعالى ما عَلَى الْمُحْسِنِينَ مِنْ سَبِيلٍ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٩١) والمغفرة والرحمة إنما تكون للمسيئين، لا للمحسنين؟
قلنا: معناه والله غفور رحيم للمسيئين إذا تابوا، فهو متعلّق بمحذوف لا بالمحسنين، لأنهم قد سدّوا بإحسانهم طريق العقاب والذم، فليس عليهم سبيل فيهما. الثاني، أنّ المحسن من الناس، وإن تناهى في إحسانه لا يخلو من إساءة بينه وبين الله تعالى، أو بينه وبين الناس، لكنه إذا أحسن باجتناب الكبائر، غفر الله له صغائر سيئاته، ورحمه، كما قال تعالى إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبائِرَ ما تُنْهَوْنَ عَنْهُ [النساء: ٣١] .
فإن قيل قوله تعالى فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ [الآية ١٠٥] أي سيعلم، لأن السين للاستقبال، والرؤية من الله تعالى بمعنى العلم، والله تعالى عالم بعملهم حالا ومالا؟
قلنا: معناه في حقّ الله، أنه سيعلمه واقعا موجودا كما علمه غيبا، لأن الله تعالى يعلم كلّ شيء على ما هو عليه، فيعلم المنتظر منتظرا، ويعلم الواقع واقعا وأما في حق الرسول (ع) فهو على ظاهره.
فإن قيل: إن الله تعالى، قد وصف العرب بالجهل في القرآن، بقوله سبحانه وَأَجْدَرُ أَلَّا يَعْلَمُوا حُدُودَ ما أَنْزَلَ اللَّهُ عَلى رَسُولِهِ [الآية ٩٧] فكيف يصح الاحتجاج بألفاظهم وأشعارهم، على كتاب الله وسنة رسوله (ص) ؟
стр. 847
قلنا: هذا وصف من الله لهم، بالجهل في أحكام القرآن لا في ألفاظه ونحن لا نحتجّ بلغتهم في بيان الأحكام، بل نحتج بلغتهم في بيان معاني الألفاظ، لأن القرآن والسنة جاءا بلغتهم.
فإن قيل لم قال تعالى في صفة المنافقين مَرَدُوا عَلَى النِّفاقِ لا تَعْلَمُهُمْ نَحْنُ نَعْلَمُهُمْ [الآية ١٠١] وقال في موضع آخر وَلَتَعْرِفَنَّهُمْ فِي لَحْنِ الْقَوْلِ [محمد: ٣٠] .
قلنا: هذه الآية، نزلت قبل تلك الآية، فلا تناقض، لأنه نفى علمه لهم في زمان، ثم أثبته بعد ذلك في زمان آخر.
فان قيل: قوله تعالى خَلَطُوا عَمَلًا صالِحاً وَآخَرَ سَيِّئاً [الآية ١٠٢] قد جعل كلّ واحد منهما مخلوطا، فأين المخلوط به؟
قلنا: كلّ واحد مخلوط ومخلوط به، لأن معناه: خلطوا كل واحد منهما بالآخر كقولك: خلطت الماء واللبن، تريد خلطت كلّ واحد منهما بصاحبه، وفيه من المبالغة ما ليس في قولك:
خلطت الماء باللبن، لأنك بالباء جعلت الماء مخلوطا واللبن مخلوطا به، وبالواو جعلت الماء واللبن مخلوطين ومخلوطا بهما كأنك قلت:
لخلطت الماء باللبن، واللبن بالماء ويجوز أن تكون الواو بمعنى الباء، كقولهم: بعت شاة ودرهما، يعنون شاة بدرهم.
فإن قيل: لم قال تعالى وَالنَّاهُونَ عَنِ الْمُنْكَرِ [الآية ١١٢] بالواو، وما قبلها من الصفات بغير واو؟
قلنا: لأنها صفة ثامنة، والعرب تدخل الواو بعد السبعة إيذانا بتمام العدد، فإن السبعة عندهم هي العقد التام كالعشرة عندنا فأتوا بحرف العطف الدال على المغايرة بين المعطوف والمعطوف عليه، ونظيره قوله تعالى وَثامِنُهُمْ كَلْبُهُمْ [الكهف: ٢٢] بعد ما ذكر العدد مرّتين بغير واو وقوله تعالى في صفة الجنة وَفُتِحَتْ أَبْوابُها [الزمر: ٧٣] بالواو لأنها ثمانية. وقال في صفة النار، نعوذ بالله منها، فتحت أبوابها بغير واو لأنها سبعة. وليس قوله تعالى ثَيِّباتٍ وَأَبْكاراً (٥) [التحريم] من هذا القبيل، لأن الواو لو أسقطت فيه لاستحال المعنى، لتناقض الصفتين. وقيل إنّما دخلت الواو على الناهين عن المنكر، إعلاما بأن الأمر بالمعروف، ناه عن المنكر، في حال أمره بالمعروف فهما
стр. 848
صفتان متلازمتان، بخلاف باقي الصفات المذكورة، فإنها ليست متلازمة ولا ينقض هذا بقوله تعالى الرَّاكِعُونَ السَّاجِدُونَ [الآية ١١٢] لأنهما ليستا صفتين متلازمتين، لأن السجود يلزم الركوع أمّا الركوع، فلا يلزم السجود، بدليل سجود التلاوة، وسجود الشكر والزمخشري لم يتكلم على هذه الواو.
فإن قيل: لم قال تعالى لِيَجْزِيَهُمُ اللَّهُ أَحْسَنَ ما كانُوا يَعْمَلُونَ (١٢١) أي بأحسن الذي كانوا يعملون بإضمار حرف الجر، مع أنهم يجزون بحسنة أيضا، لقوله تعالى فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ (٧) [الزلزلة] ؟
قلنا: معناه بحسن الذي كانوا يعملون، وهو الطاعات كلها، لا بسيّئة وهو المعاصي، فالأحسن هنا، بمعنى الحسن وسيأتي في سورة الروم، في قوله تعالى وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ [الروم:
٢٧] وما يوضح هذا إن شاء الله تعالى.
الثاني: أن معناه، ليجزيهم الله أحسن من الذي كانوا يعملون.
فإن قيل: قوله تعالى فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَزادَتْهُمْ إِيماناً [الآية ١٢٤] يدل على أن الإيمان يقبل الزيادة؟
قلنا: قال مجاهد: معناه فزادتهم علما لأن العلم من ثمرات الإيمان، فجعل مجازا عنه، والله أعلم.
стр. 849
المبحث الثامن المعاني المجازية في سورة «التوبة» «١»
....... «٢» ....
على الحقيقة هي التقارب بالحدود مثل المسامتة، وهي المماثلة في السّمت الذي هو الجهة، وذلك من صفات الأجسام، وذوات الحدود والأقطار. فالمراد إذن بالمحادّة هاهنا كون الإنسان في غير الحدّ الذي فيه أولياء الله سبحانه. فكأنهم في حدّ، وأولياء الله سبحانه في حدّ. وكذلك الكلام في مشاقّة الله تعالى على أحد التأويلين، وهو أن يكون الإنسان في شقّ أعداء الله وحربه، لا في شقّ أوليائه وحزبه.
وحقيقة الكلام أن يكون المراد به محادّة أولياء الله على الصفة التي ذكرناها فقال تعالى: يُحادِدِ اللَّهَ [الآية ٦٣] كما قال: إِنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ [الأحزاب: ٥٧] أي يؤذون أولياء الله ورسوله، لأنّ الأذى لا يجوز على من لا تلحقه المنافع والمضار، والمساآت والمسارّ.
وفي قوله سبحانه: يَحْذَرُ الْمُنافِقُونَ أَنْ تُنَزَّلَ عَلَيْهِمْ سُورَةٌ تُنَبِّئُهُمْ بِما فِي قُلُوبِهِمْ [الآية ٦٤] وهذه استعارة. لأن السورة، نطقها من جهة البرهان، لا من جهة اللسان. فكأنه سبحانه، أراد أنّ الناس يعلمون، بهذه السورة، النازلة في المنافقين، بواطن نفوسهم، وعقائد قلوبهم.
стр. 850
وقوله سبحانه «١» : رَضُوا بِأَنْ يَكُونُوا مَعَ الْخَوالِفِ [الآية ٨٧] . [الخوالف النساء «٢» ] المقيمات في دار الحي بعد رحيل الرجال. وإنما سمّي النساء خوالف تشبيها لهنّ بالخوالف، التي واحدتهن خالفة، وهي الأعمدة تكون في أواخر بيوت الحيّ المضروبة.
فشبّهن- لكثرة لزوم البيوت- بالخوالف التي تكون في البيوت.
وقد قيل إن الخوالف أيضا زوايا البيوت، واحدتها خالفة والمعنى واحد. وقد يجوز أن يكون المراد بقوله تعالى: رَضُوا بِأَنْ يَكُونُوا مَعَ الْخَوالِفِ حقيقة الخوالف التي هي أعمدة البيوت أي رضوا بأن يكونوا في بيوتهم، فيكونوا- بالملازمة لها- كخوالفها وأعمدتها.
وقد يجوز أيضا، أن يكون الخوالف هاهنا جمع فرقة خالفة. وهي الجماعة التي تقعد عن الغزو، كالشيوخ، والنساء، وذوي العاهات، والولدان.
وممّا يقوي ذلك قوله تعالى أمام هذا الكلام: فَاقْعُدُوا مَعَ الْخالِفِينَ (٨٣) .
وكنت سمعت شيخنا أبا الفتح عثمان بن جنّي «٣» النحوي- ﵀ يقول ذلك، ويذهب إلى مثله أيضا في قوله سبحانه: وَلا تُمْسِكُوا بِعِصَمِ الْكَوافِرِ [الممتحنة: ١٠] . ويقول: هي جمع فرقة كافرة. إلا أنّ الكلام يكون على القول الأول استعارة. ويكون على هذا القول حقيقة.
وفي قوله سبحانه: وَيَتَرَبَّصُ بِكُمُ الدَّوائِرَ عَلَيْهِمْ دائِرَةُ السَّوْءِ [الآية ٩٨] استعارة. «٤» .... عليهم أيام السوء، لأن الأيام والشهور قد تسمى دوائر، على طريق الاستعارة. فليس لأنها ترجع بأعيانها، وإنّما تعود أشباهها وأمثالها، فشهر كشهر، ويوم كيوم، وساعة كساعة، وسنة كسنة. يقال دارت السنون، ودارت الشهور على
стр. 851
هذا المعنى. إلّا أن هذه اللفظة، أعني الدائرة والدوائر، قد اختص ذكرها بالمواضع المكروهة. فيقال: دارت عليهم الدوائر، إذا أهلكتهم الأيام، وأفنتهم الأعوام. ويقال: دارت لهم الدنيا. إذا وصفوا بمواتاة الإقبال، وانتظام الأحوال. فكأنّ التمييز في الخير أو الشرّ، إنما يقع بقولنا: دارت لهم، ودارت عليهم.
وفي قوله سبحانه: أَفَمَنْ أَسَّسَ بُنْيانَهُ عَلى تَقْوى مِنَ اللَّهِ وَرِضْوانٍ خَيْرٌ أَمْ مَنْ أَسَّسَ بُنْيانَهُ عَلى شَفا جُرُفٍ هارٍ فَانْهارَ بِهِ فِي نارِ جَهَنَّمَ [الآية ١٠٩] استعارة. والمراد بها ذكر ما بناه المنافقون من مسجد الضّرار «١» ، بعد ما بنى المؤمنون من المسجد المعروف بمسجد قباء «٢» . لأن المؤمنين وضعوا هذا البناء، وهم مؤمنون متّقون، عارفون موقنون، فكأنهم وضعوه على قواعد من الإيمان، وأساس من الرضوان. والمنافقون، إنما وضعوا ذلك البناء كيدا للمؤمنين، وإرصادا للمسلمين. فكأنهم وضعوه على شفا جرف هار متقوّض، وأساس واه منتقض فكأنما انهار بهم في نار جهنّم، أي أسقطهم ذلك الفعل في عذاب النار، ودائم العقاب. وهذه من أحسن الاستعارات.
وفي قوله تعالى: لا يَزالُ بُنْيانُهُمُ الَّذِي بَنَوْا رِيبَةً فِي قُلُوبِهِمْ إِلَّا أَنْ تَقَطَّعَ قُلُوبُهُمْ [الآية ١١٠] استعارة. ومعناها أن ذكر البنيان الذي بنوه لا يزال ريبة في قلوبهم، يخافون معها إنزال الله بهم ضروب العقاب، أو بسط المؤمنين عليهم لما ظاهروهم من العناد والشقاق. فهم أبدا بنفوسهم مستريبون، وعليها خائفون مشفقون.
فلا يزالون على ذلك، إلا أن تقطّع قلوبهم حسرة، وتزهق نفوسهم خيفة.
وفي قوله تعالى:
стр. 852
إِنَّ اللَّهَ اشْتَرى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ [الآية ١١١] استعارة.
وذلك أنه سبحانه لمّا أمرهم ببذل نفوسهم وأموالهم في الجهاد عن دينه، والمنافحة عن رسوله (ص) ، وضمن لهم على ذلك الخلود في النعيم، والأمان من الجحيم، كانت نفوسهم وأموالهم بمنزلة العروض المبيعة وكانت الأعواض المضمونة عنها بمنزلة الأثمان المنقودة، وكانت الصفقة رابحة، لزيادة الأثمان على السلع، وإضعاف الأعواض على القيم.
وجملة هذا الباب، أنّ العبادات كلّها كالتجارات، في أنها طلب للمنافع.
فالعبادات «٣» طلب لمنافع الاخرة، والتجارات طلب لمنافع الدنيا.
وقوله تعالى: مِنْ بَعْدِ ما كادَ يَزِيغُ قُلُوبُ فَرِيقٍ مِنْهُمْ [الآية ١١٧] استعارة. لأن حقيقة الزّيغ الاعوجاج والميل. والمراد: من بعد ما كادت قلوبهم تزول من عظم الخيفة، وتقنط من نزول الرحمة، فتكون بذلك كالشيء الزائغ بعد الاستقامة، والمستمال بعد الثبات والرصانة.
ومن الدليل على ذلك، قوله تعالى، بعد هذه الآية: حَتَّى إِذا ضاقَتْ عَلَيْهِمُ الْأَرْضُ بِما رَحُبَتْ وَضاقَتْ عَلَيْهِمْ أَنْفُسُهُمْ [الآية ١١٨] فهذه أيضا استعارة. لأن النفس بالحقيقة لا توصف بالضّيق والاتساع، وإنما المراد بذلك المراد بالقول الأول، من أنه عبارة عن انضغاط القلوب بشدّة الكرب، وبلوغها منقطع الصبر.
وقوله سبحانه: ما كانَ لِأَهْلِ الْمَدِينَةِ وَمَنْ حَوْلَهُمْ مِنَ الْأَعْرابِ أَنْ يَتَخَلَّفُوا عَنْ رَسُولِ اللَّهِ وَلا يَرْغَبُوا بِأَنْفُسِهِمْ عَنْ نَفْسِهِ [الآية ١٢٠] وهذه استعارة.
فالمراد بها، أنهم لا ينبغي لهم أن يكرموا أنفسهم، عمّا يبذل النبي (ص) فيه نفسه، ولا يحفظوا مهجهم في المواطن التي تحضر فيها مهجته، اقتداء به، واتّباعا لأثره. وهذه لفظة يستعملها أهل اللسان كثيرا، فيقولون:
رغبت بنفسي عن الضيم، وأرغب بك يا فلان عن القتل، أي أضنّ بنفسي عن أن تذلّ، وأنفس بمثلك عن أن يقتل.
стр. 853
فالظاهر، يدل على أنهم رضوا بنفوسهم عن نفس النبي (ص) .
والمراد: وما كان لهم أن يرغبوا بالنفوس. عن. «١» .... التي ينزلها نفسه، ويعرض فيها مهجته.
وقوله سبحانه: وَإِذا ما أُنْزِلَتْ سُورَةٌ فَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ أَيُّكُمْ زادَتْهُ هذِهِ إِيماناً فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَزادَتْهُمْ إِيماناً وَهُمْ يَسْتَبْشِرُونَ (١٢٤) وَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزادَتْهُمْ رِجْساً إِلَى رِجْسِهِمْ وَماتُوا وَهُمْ كافِرُونَ (١٢٥) وهذه استعارة ظاهرة. وذلك ان السّورة لا تزيد الأرجاس «٢» رجسا، ولا القلوب مرضا، بل هي شفاء للصدور، وجلاء للقلوب ولكنّ المنافقين لما ازدادوا عند نزولها عمى وعمها، وازدادت قلوبهم ارتيابا ومرضا، حسن أن يضاف ذلك الى السورة، على طريق لأهل اللسان معروفة.
وقد استقصينا الكلام على ذلك في عدة مواضع من كتابنا الكبير. فمن أراد بلوغ أقاصي هذه الطريقة، والضرب في أقطارها، والتفسّح في أعطافها، فليتتبّع مواضعها من ذلك الكتاب بمشيئة الله.
وقوله تعالى: لَقَدْ جاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ ما عَنِتُّمْ [الآية ١٢٨] وهذه استعارة.
والمراد بأنفسكم هاهنا- والله أعلم- أي من جنس أنفسكم وخلقكم، لتكونوا إليه أسكن، والى القبول منه أقرب.
ويجوز أن يكون من أنفسكم أي من قبيلكم وعشيرتكم، كما يقول القائل:
فلان من أنفس بني فلان. أي من صميم أنسابهم، وليس من وسطائهم وملاصقهم.
وقد يجوز أن يكون المراد برسول من أنفسكم، أي من أشقائكم وأعزّائكم، كما يقول القائل لذي ودّه والقريب من قلبه: أنت من نفسي، وأنت من قلبي. أي أنت شقيق النفس، وقسيم القلب.
ومما يقوّي ذلك، قوله سبحانه:
стр. 854
عَزِيزٌ عَلَيْهِ ما عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَؤُفٌ رَحِيمٌ (١٢٨) أي بحبّه لكم، وميله إليكم، يعزّ عليه أن تعنتوا وتعاندوا، فتحرموا الثواب، وتستحقوا «١» العقاب، فهو حريص على إيمانكم، رأفة بكم، وإشفاقا عليكم.
стр. 855
الفهرس
سورة الأنعام المبحث الأول أهداف سورة «الأنعام» ٣ ١- كيف أنزلت ٣ ٢- لم سميت سورة الأنعام ٤ ٣- تاريخ نزول السورة ٤ ٤- مميزات المكي والمدني ٥ ٥- خصائص السور المكية واضحة في سورة الأنعام ٦ ٦- الأغراض الرئيسة لسورة الأنعام ٧ (أ) وحدة الألوهية ٧ (ب) قضية الوحي والرسالة ٩ تكذيب المرسلين ٩ نبوة محمد (ص) ١٠ (ج) قضية البعث والجزاء ١٠ ٧- قصة إبراهيم الخليل ١٢ ٨- الوصايا العشر ١٤.
стр. 856
المبحث الثاني ترابط الآيات في سورة «الأنعام» ١٧ تاريخ نزولها ووجه تسميتها ١٧ الغرض منها وترتيبها ١٧ إثبات التوحيد والنبوة ١٨ شبهتهم الأولى على التوحيد والنّبوّة ١٨ شبهتهم الثانية على التوحيد والنّبوّة ٢٠ شبهتهم الثالثة على التوحيد والنّبوّة ٢٢ شبهتهم الرابعة على التوحيد والنّبوّة ٢٤ إبطال بدعة لهم في الحلال والحرام ٢٤ شبهتهم الخامسة على التوحيد والنّبوّة ٢٥ إبطال بدع لهم في الحلال والحرام ٢٦ شبهتهم السادسة على التوحيد والنّبوّة ٢٧ الخاتمة ٢٨ المبحث الثالث أسرار ترتيب سورة «الأنعام» ٢٩ المبحث الرابع مكنونات سورة «الأنعام ٣٣ المبحث الخامس لغة التنزيل في سورة «الأنعام» ٣٩ المبحث السادس المعاني اللغوية في سورة «الأنعام» ٥٣ المبحث السابع لكل سؤال جواب في سورة «الأنعام» ٦٩ المبحث الثامن المعاني المجازية في سورة «الأنعام» ٧٩.
стр. 857
سورة الأعراف المبحث الأول أهداف سورة «الأعراف» ٨٥ ١- معنى فواتح السور ٨٥ ٢- مقاصد السورة ومزاياها ٨٧ ٣- عرض إجمالي لأجزاء السورة ٨٧ ٤- قصة آدم ٩١ ٥- نعمة الثياب والزينة ٩٢ توسّط الإسلام في شأن الزينة ٩٢ المبحث الثاني ترابط الآيات في سورة «الأعراف» ٩٥ تاريخ نزولها ووجه تسميتها ٩٥ الغرض منها وترتيبها ٩٥ المقدمة ٩٦ قصة آدم وإبليس ٩٦ قصة نوح وقومه ٩٨ قصة هود وقومه ٩٩ قصة صالح وقومه ٩٩ قصة لوط وقومه ٩٩ قصة شعيب وقومه ٩٩ قصة موسى وفرعون وبني إسرائيل ١٠٠ قصة عالم لم يعمل بعلمه ١٠٣ الخاتمة ١٠٤ المبحث الثالث أسرار ترتيب سورة «الأعراف» ١٠٧
стр. 858
المبحث الرابع مكنونات سورة «الأعراف» ١٠٩ المبحث الخامس لغة التنزيل في سورة «الأعراف» ١١٥ المبحث السادس المعاني اللغوية في سورة «الأعراف» ١٤١ المبحث السابع لكل سؤال جواب في سورة «الأعراف» ١٥٩ المبحث الثامن المعاني المجازية في سورة «الأعراف» ١٧١.
سورة الأنفال المبحث الأول أهداف سورة «الأنفال» ١٧٧ صور من معركة بدر ١٧٨ الغنائم ١٧٩ الحرب والسلام ١٨٠ صفات المؤمنين ١٨١ نداءات إلهية للمؤمنين ١٨٢ المبحث الثاني ترابط الآيات في سورة «الأنفال» ١٨٥ تاريخ نزول السورة ووجه تسميتها ١٨٥ الغرض منها وتسميتها ١٨٥ تفويض قسمة الأنفال لله والرسول ١٨٦ مصرف الأنفال ١٨٨.
стр. 859
المبحث الثالث أسرار ترتيب سورة «الأنفال» ١٩١ المبحث الرابع مكنونات سورة «الأنفال» ١٩٥ المبحث الخامس لغة التنزيل في سورة «الأنفال» ١٩٩ المبحث السادس المعاني اللغوية في سورة «الأنفال» ٢٠٧ المبحث السابع لكل سؤال جواب في سورة «الأنفال» ٢١٣ المبحث الثامن المعاني المجازية في سورة «الأنفال» ٢٢١.
سورة التوبة المبحث الأول أهداف سورة «التوبة» ٢٢٧ أسماء السورة ٢٢٧ أين البسملة؟ ٢٢٨ أهداف سورة التوبة ٢٢٩ هدفان أصليان ٢٢٩ رحمة الله بالعباد ٢٣٠ غزوة تبوك ٢٣١ علاقات المسلمين بغيرهم ٢٣٤ فضل الرسول الأمين ٢٣٥.
стр. 860
المبحث الثاني ترابط الآيات في سورة «التوبة» ٢٣٧ تاريخ نزولها ووجه تسميتها ٢٣٧ الغرض منها وترتيبها ٢٣٧ الكلام على المشركين وأهل الكتاب ٢٣٨ الكلام على المنافقين ٢٤٠ المبحث الثالث أسرار ترتيب سورة «التوبة» ٢٤٩ المبحث الرابع مكنونات سورة «التوبة» ٢٥١ المبحث الخامس لغة التنزيل في سورة «التوبة» ٢٦٣ المبحث السادس المعاني اللغوية في سورة «التوبة» ٢٧١ المبحث السابع لكل سؤال جواب في سورة «التوبة» ٢٨٣ المبحث الثامن المعاني المجازية في سورة «التوبة» ٢٩٧.
стр. 861
الجزء الرابع
سورة يونس ١٠
стр. 862
المبحث الأول أهداف سورة «يونس» «١»
نزلت سورة يونس بعد سورة الإسراء، وكان الإسراء قبل الهجرة بسنة، فتكون سورة يونس من السور التي نزلت بين الإسراء والهجرة، فهي سورة مكية من أواخر ما نزل من القرآن بمكّة.
وقد سمّيت بهذا الاسم لذكر قصة يونس فيها، وتبلغ آياتها تسعا ومائة آية.
أهدافها الإجمالية
موضوعات هذه السورة هي موضوعات السور المكّيّة الغالبة، وهي الجدل حول مسائل العقيدة والتوجيه إلى آيات الله الكونية، وسنن الله في الأرض، والعظة بالقرون الخوالي ومصائرها، وعرض بعض القصص من هذا الجانب الذي تبرز فيه العظة واللمسات الوجدانية، التي تنتقل بالإنسان من آيات الله في الكون إلى آياته في النفس، إلى مشاهد القيامة المؤثّرة، إلى قصص الماضين ومصائرهم، كأنها جميعا حاضرة معروضة للأنظار.
وهذه السورة تتضمن شيئا من هذا كله، وينتقل السياق فيها من غرض إلى غرض، بمناسبات ظاهرة أو خفيّة بين مقاطعها، ولكن جوهرها كلّه هو هذا الجوّ، حتّى ليصعب الفصل بين مقطع ومقطع فيها، في أغلب الأحيان.
стр. 863
الدرس الأول: مظاهر قدرة الله
يبدأ القسم الأول من السورة بأحرف ثلاثة هي ألف، لام، راء، كما بدأت سورة البقرة وسورة آل عمران بأحرف مشابهة، ذكر العلماء أنها أسماء للسورة أو إشارة إلى أسماء الله تعالى وصفاته، أو هي لبيان إعجاز القرآن الكريم، أو هي مما استأثر الله تعالى بعلمه. ثم تأخذ السورة في عرض عدة أمور، هي بيان حكمة القرآن وطريقته في تنبيه الغافلين إلى تدبّر آيات الله سبحانه، في صفحة الكون وتضاعيفه: في السماء والأرض، وفي الشمس والقمر، وفي الليل والنهار، وفي مصارع القرون الأولى، وفي قصص الرسل فيهم، وفي دلائل القدرة الكامنة والظاهرة في هذا الوجود.
ثم تشرح السورة، الحكمة في الإيحاء إلى رجل من البشر، يعرفه الناس ويطمئنون إليه، ويأخذون منه، ويعطونه، بلا تكلّف ولا جفوة ولا تحرّج، وتذكر الحكمة من إرسال الرسل.
فالإنسان بطبعه مهيّأ للخير والشر، وعقله هو أداته للتمييز. ولكن هذا العقل في حاجة إلى ميزان مضبوط يعود إليه دائما كلما اختلط عليه الأمر وأحاطت به الشبهات وجذبته التيارات والشهوات. وهذا الميزان الثابت العادل هو هدى الله وشريعته.
وتلفت سورة، النظر إلى خلق السماوات والأرض وتدبير الأمر فيهما، وإظهار قدرة الله تعالى:
الَّذِي جَعَلَ الشَّمْسَ ضِياءً وَالْقَمَرَ نُوراً وَقَدَّرَهُ مَنازِلَ [الآية ٥] .
وقدر اختلاف الليل والنهار، وخلق هذا ودبّره، فهو سبحانه الذي يليق أن يكون ربّا يعبد، ولا يشرك به شيء من خلقه.
إن هذا الليل المظلم، الساكن إلّا من دبيب الرؤى والأشباح، وهذا الفجر المتفتّح في نهاية الليل كابتسامة الوليد، وهذه الحركة التي يتنفس بها الصبح فيدب النشاط في الحياة والأحياء، وهذا الطير الرائح الغادي القافز الواثب الذي لا يستقر على حال، وهذا النبت النامي المتطلع أبدا إلى النمو والحياة، وهذه الخلائق الذاهبة الآيبة في تدافع وانطلاق، وهذه الأرحام التي تدفع، والقبور التي تبلع، والحياة ماضية في طريقها كما شاء الله.
стр. 864
إن هذا الحشد من الصور والأشكال، والحركات والأحوال والرواح والذهاب والبلى والتجدد والذبول والنماء، والميلاد والممات، والحركة الدائبة في هذا الكون الهائل التي لا تنسى ولا تتوقف لحظة من ليل أو نهار. إن هذا كله ليستنهض كل همة في كيان البشر، للتأمل والتدبر والتأثر، حتى يستيقظ القلب ويتفتح لمشاهدة الآيات المبثوثة في ظواهر الكون وحناياه. والقرآن الكريم يعمد مباشرة إلى إيقاظ القلب، لتدبّر هذا الحشد من الصور والآيات، وتأمل قدرة الله في اختلاف الليل والنهار، بالطول والقصر، فيطول الليل في الشتاء، ويقصر في الصيف، ويطول النهار في الصيف، ويقصر في الشتاء. ووراء كل إبداع يد الله القدير، الذي رفع السماء وزيّنها بالنجوم وحفظها من التصدع والوقوع، وبسط، سبحانه، الأرض وثبّتها بالجبال، وزيّنها بالنبات، وأحياها بالأمطار.
إِنَّ فِي اخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهارِ وَما خَلَقَ اللَّهُ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَتَّقُونَ (٦) .
الدرس الثاني: الأدلة على وجود الله
يستهل الدرس الثاني من سورة يونس، بإعلان جزاء المؤمنين، وعاقبة المكذبين، حيث يقول سبحانه:
أَحْسَنُوا الْحُسْنى وَزِيادَةٌ ( [الآية ٢٦] .
فالجزاء الحق من جنس العمل، فمن عمل صالحا في الدنيا، أدخله الله الجنّة ومتّعه بالطيّبات، ونجّاه من النار.
ثم تستمر الآيات في بيان عقوبة المكذّبين، وجزاء الخائنين وتسوق السورة عددا من الأدلة والبراهين تنتهي كلها إلى هدف واحد، هو إشعار النفس بتوحيد الله وصدق الرسول، واليقين باليوم الآخر، والقسط في الجزاء.
تلمس الأدلة أقطار النفس، وتأخذ بها إلى آفاق الكون في جولة واسعة شاملة، جولة من الأرض إلى السماء، ومن آفاق الكون إلى آفاق النفس، ومن ماضي القرون إلى حاضر البشر، ومن الدنيا إلى الآخرة.
وقد لا حظنا في الدرس الماضي لمسات من هذه، ولكنها في هذا الدرس أظهر. فمن معرض الحشر،
стр. 865
إلى مشاهد الكون، إلى ذات النفس، وإلى التحدي بالقرآن، إلى التذكير بمصائر المكذبين من الماضين، ومن ثم لمحة عابرة عن الحشر في مشهد جديد، إلى تخويف من المفاجأة بالعذاب، وإلى تصوير علم الله الشامل الذي لا يندّ عنه شيء، إلى بعض آيات الله في الكون، إلى الإنذار بما ينتظر المفترين على الله يوم الحساب.
إنها مجموعة من اللمسات العميقة الصادقة، لا تملك نفس سليمة التلقي، صحيحة الاستجابة ألّا تستجيب لها، وألّا تتذاوب الحواجز والموانع فيها، دون هذا الفيض من المؤثّرات المستمدة من الحقائق الواقعة، ومن فطرة الكون وفطرة النفس، وطبائع الوجود. لقد كان الكفّار صادقين في إحساسهم بخطر القرآن على صفوفهم، وهم يتناهون عن الاستماع إليه، خيفة أن يجرفهم بتأثيره ويزلزل قلوبهم، وهم يريدون أن يظلوا على الشرك صامدين.
وإن سورة واحدة كهذه، أو بعض سورة، لتحمل من المؤثرات النفسية والعقلية، ما لا يحمله جمع كبير من قوى الشرك والانحراف والفسوق.
لقد أخذ القرآن على النفوس كل مسلك، ليسير بها نحو الإيمان، وساق إليها أدلّة محسوسة ملموسة حيث يقول سبحانه:
قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّماءِ وَالْأَرْضِ [الآية ٣١] .
من المطر الذي يحيي الأرض وينبت الزرع ومن طعام الأرض ونباتها وطيرها وأسماكها وحيوانها فمن سطح الأرض أرزاق، ومن أعماقها أرزاق، ومن أشعة الشمس أرزاق، ومن ضوء القمر أرزاق، حتى عفن الأرض كشف فيه عن دواء وترياق.
أَمَّنْ يَمْلِكُ السَّمْعَ وَالْأَبْصارَ [الآية ٣١] .
يهبهما القدرة على أداء وظائفهما أو يحرمهما، ويصحّحهما أو يمرضهما ويصرفهما إلى العمل أو يلهيهما. وإن تركيب العين وأعصابها، وكيفية إدراكها للمرئيات، أو تركيب الأذن وأجزائها، وطريقة إدراكها للذبذبات، لعالم وحده يدير الرؤوس عند ما يقاس هذا الجهاز أو ذاك، إلى أدق الأجهزة التي يعدّها الناس، من معجزات العلم الحديث.
وَمَنْ يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ [الآية ٣١] .
стр. 866
أي النور من الظلام، والظلام من النور والنهار من الليل، والليل من النهار والمؤمن من الكافر، والكافر من المؤمن، والنبتة من الحبة، والحبة من النبتة والفرخ من البيضة، والبيضة من الفرخ ... إلى آخر هذه المشاهدات العجيبة، وإلّا فأين كانت تكمن السنبلة في الحبة؟ وأين كان يكمن العود، وأين كانت الجذور والساق والأوراق؟.
وَمَنْ يُدَبِّرُ الْأَمْرَ كله في هذا الذي ذكر، وفي سواه من شؤون الكون وشؤون البشر؟ من يدبّر الناموس الكوني الذي ينظم حركة هذه الأفلاك على هذا النحو الدقيق؟
ومن يدبر السنن الاجتماعية التي تصرف حياة البشر.
فَسَيَقُولُونَ اللَّهُ فَقُلْ أَفَلا تَتَّقُونَ (٣١) .
أفلا تخشون الله الذي يرزقكم من السماء والأرض، والذي يملك السمع والأبصار، والذي يخرج الحيّ من الميّت ويخرج الميّت من الحيّ، الذي يدبّر الأمر كله في هذا وفي سواه.
فَذلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمُ الْحَقُّ [الآية ٣٢] .
هو سبحانه صاحب الخلق والأمر، تبارك الله رب العالمين.
الدرس الثالث: قصص الأنبياء
اشتملت الآيات (٧١- ٩٣) من سورة يونس على ذكر طرف من قصة نوح (ع) مع قومه وقصة موسى (ع) مع فرعون وملئه. وقد تحقق فيهما عاقبة المكذّبين، وهلاك المخالفين لأوامر الله وهدى رسله، والقصص في القرآن يجيء في السياق ليؤدي وظيفة فيه، ويتكرّر القصص في المواضع المختلفة بأساليب تتفق مع مواضعه من السياق والحلقات التي تعرض منه في موضع تفي بحاجة ذلك الموضع. وتلاحظ فيما عرض من قصتي نوح وموسى (ع) هنا، وفي طريقة العرض، مناسبة ذلك لموقف المشركين في مكّة من النبي (ص) والقلة المؤمنة معه، واعتزاز هذه القلة المؤمنة بإيمانها في وجه الكثرة والقوة والسلطان، كما تلحظ المناسبة الواضحة بين القصص والتعقيبات التي تتخلله وتتلوه.
قصة نوح
بدأت قصة نوح (ع) من الحلقة الأخيرة، حلقة التحدي الأخير بعد الإنذار الطويل والتذكير والتكذيب،
стр. 867
ولا يذكر في هذه الحلقة موضوع السفينة ولا من ركب فيها ولا الطوفان ولا التفصيلات الواردة في سور أخرى. لأن الهدف هنا هو إبراز التحدي الذي واجه نوحا (ع) من قومه، واستعانته بالله تعالى، ونجاته ومن معه وهم قلة، وهلاك المكذبين له وهم كثرة وقوة. لذلك يختصر السياق هنا تفصيلات القصة التي يقصها إلى حلقة واحدة، ويختصر تفصيلات الحلقة الواحدة إلى نتائجها الأخيرة وهي نجاة نوح (ع) ومن آمن معه في السفينة واستخلافهم في الأرض على قلّتهم، وإغراق المكذبين على قوّتهم وكثرتهم. قال تعالى:
فَكَذَّبُوهُ فَنَجَّيْناهُ وَمَنْ مَعَهُ فِي الْفُلْكِ وَجَعَلْناهُمْ خَلائِفَ وَأَغْرَقْنَا الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا فَانْظُرْ كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الْمُنْذَرِينَ (٧٣) .
وأما قصة موسى (ع) ، فيبدأه السياق من مرحلة التكذيب والتحدي، وينهيها عند غرق فرعون وجنوده، وإذا كانت قصة نوح (ع) قد ذكرت في أربع آيات فقط، هي الآيات [٧١- ٧٤] من سورة يونس، فإن قصة موسى (ع) قد ذكرت على نطاق أوسع خلال ثماني عشرة آية، هي الآيات [٧٥- ٩٣] .
وقد ألمّت قصة موسى بالمواقف ذات الشبه، بموقف المشركين في مكة من الرسول (ص) وموقف القلّة المؤمنة التي معه. وهذه الحلقة المعروضة هنا من قصة موسى (ع) ، مقسّمة إلى ثلاثة مواقف يليها تعقيب يتضمّن العبرة من عرضها في هذه السورة، على النحو الذي عرضت به. وهذه المواقف الثلاثة تتابع في السياق على هذا النحو:
أولا: وصول موسى (ع) إلى فرعون ومعه آيات تسع ذكرت في سورة الأعراف، ولكنها لم تذكر في سورة يونس، ولم تفصّل لأن السياق لا يقتضيها، والإجمال في هذا الموضع يغني، والمهم هو تلقي فرعون وملئه لآيات الله، لقد استقبلوها بالظلم والاستكبار قال تعالى:
ثُمَّ بَعَثْنا مِنْ بَعْدِهِمْ مُوسى وَهارُونَ إِلى فِرْعَوْنَ وَمَلَائِهِ بِآياتِنا فَاسْتَكْبَرُوا وَكانُوا قَوْماً مُجْرِمِينَ (٧٥) فَلَمَّا جاءَهُمُ الْحَقُّ مِنْ عِنْدِنا قالُوا إِنَّ هذا لَسِحْرٌ مُبِينٌ (٧٦) ادّعى فرعون أن معجزة موسى سحر ظاهر، وجمع له كبار السحرة، وأرادوا أن يغرقوا الجماهير في صراع السحر،
стр. 868
بأن تعقد حلقة للسحر يتحدّون بها موسى، وما معه من آيات، تشبه السحر في ظاهرها، ليخرجوا منها في النهاية بأن موسى ليس إلا ساحرا ماهرا.
والموقف الثاني موقف المبارزة بين السحرة وموسى (ع) ، فقد ألقى السحرة حبالهم وعصيّهم، وتحركت الحبال والعصيّ فبهرت جميع الناس وأرهبتهم، ثم ألقى موسى عصاه في الأرض، فانقلبت حية هائلة لها شفتان طويلتان، شفة في الأرض تبتلع جميع الحبال والعصيّ التي ألقاها السحرة، وشفة مرفوعة إلى أعلى. ثم أمسك موسى (ع) بعصاه فعادت كما كانت، وبطل السحر وعلا صوت الحق.
ولكن السياق يختصر المشاهد هنا لأنها ليست مقصودة في هذا المجال، ويسدل الستار ليرفع على موسى (ع) ومن آمن معه وهم قليل، وهذه إحدى عبر القصة المقصودة:
فَما آمَنَ لِمُوسى إِلَّا ذُرِّيَّةٌ مِنْ قَوْمِهِ عَلى خَوْفٍ مِنْ فِرْعَوْنَ وَمَلَائِهِمْ أَنْ يَفْتِنَهُمْ [الآية ٨٣] .
وفي هذا الموضع تفيد الآيات، أن الذين أظهروا إيمانهم وانضمامهم إلى موسى (ع) من بني إسرائيل، كانوا هم الفتيان الصغار لا مجموعة الشعب الإسرائيلي، وأنهم تعرضوا للارهاب من فرعون، ولكن موسى ثبّتهم على الإيمان، ودعا موسى ربه أن ينجي المؤمنين، وأن يهلك الكافرين، فاستجاب الله دعاءه، وجاء الموقف الحاسم. والمشهد الثالث والأخير في قصة التحدي والتكذيب، هو غرق الطغاة الظالمين، ونجاة من آمن بالمرسلين.
стр. 869
المبحث الثاني ترابط الآيات في سورة «يونس» «١»
تاريخ نزولها ووجه تسميتها
نزلت سورة يونس بعد سورة الإسراء، وكان الإسراء قبل الهجرة بسنة، فتكون سورة يونس من السّور التي نزلت بين الإسراء والهجرة.
وقد سميت هذه السورة بهذا الاسم لذكر قصة يونس (ع) فيها، وتبلغ آياتها تسعا ومائة آية.
الغرض منها وترتيبها
يقصد من هذه السورة إثبات تنزيل القرآن، وهي في هذا تنقسم إلى أربعة أقسام: أولها في إبطال شبههم عليه، وثانيها في تحديهم به، وثالثها في دعوتهم إلى تصديقه بطريق الترغيب والترهيب، ورابعها في خاتمة تناسب مقام هذه السورة.
وقد ذكرت هذه السورة بعد سورة التوبة لأنها ختمت كما سبق بترغيبهم في الإيمان برسول جاءهم من أنفسهم، وقد ابتدأت هذه السورة بإنكار تعجّبهم من أن يوحى إلى رجل منهم، وهذا إلى أن هذه السورة أولى السّور المئين، وهي التي تأتي في الترتيب بعد السبع الطوال.
إبطال شبههم على القرآن الآيات [١- ٣٦]
قال تعالى: الر تِلْكَ آياتُ الْكِتابِ الْحَكِيمِ (١) فأقسم بهذه الحروف أن ما أنزله هو آيات الكتاب الحكيم، ثم
стр. 870
ذكر شبهتهم الأولى على تنزيله، وهي استنكارهم أن ينزل على رجل منهم، لينذرهم بما جاء فيه من البعث والعقاب والثواب، وزعمهم أن هذا سحر باطل لا حقيقة له ثم أجابهم بإثبات قدرته على بعثهم وعقابهم وثوابهم، فذكر، سبحانه، أنه هو ربهم الذي خلق السماوات والأرض ثم استوى على العرش يدبر أمره وحده، ولا يشفع أحد عنده إلّا بإذنه ولا بدّ من رجوعنا إليه ليجزي المؤمنين بالقسط، ويعاقب الكافرين على كفرهم ثم ذكر أنه هو الذي جعل الشمس ضياء والقمر نورا وقدّره منازل لنعلم عدد السنين والحساب، وأن في اختلاف الليل والنهار، وما خلقه في السماوات والأرض لآيات لقوم يتّقون.
ثم أوعد الذين لا يؤمنون بلقائه بأن مأواهم النار، ووعد المؤمنين جنات تجري من تحتها الأنهار في جنات النعيم دَعْواهُمْ فِيها سُبْحانَكَ اللَّهُمَّ وَتَحِيَّتُهُمْ فِيها سَلامٌ وَآخِرُ دَعْواهُمْ أَنِ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ (١٠) .
ثم ذكر، جلّ شأنه، أنه لو يعجّل لهم العقاب في الدنيا، كما يعجل لهم الخير فيها، لعجل بهلاكهم، ولكنه لم يرد هذا ليذرهم في طغيانهم يعمهون.
ويكون عقابهم، بعد إمهالهم، قطع عذرهم ثم ذكر أنه إذا مس الإنسان ضرّ، من جنس ما ينذر به دعاه إلى كشفه، فإذا كشفه عنه، عاد إلى كفره ونسي دعاءه له، ليثبت بهذا أن تعجيل العذاب لهم لا يؤثّر فيهم ثم ذكر أنه قد عجل العذاب لمن كفر قبلهم، فلم يؤمنوا وأصرّوا على كفرهم، وأنه جعلهم خلائف في الأرض، من بعدهم، لينظر كيف يعملون.
ثم ذكر تعالى شبهتهم الثانية على تنزيل القرآن، وهي أنهم إذا تتلى عليهم آياته، يطلبون أن يأتيهم بقرآن غير هذا، أو يبدله لهم، ثم أمره أن يجيبهم بأنه لا يمكنه أن يفعل ذلك من نفسه، لأنه لا يتّبع إلّا ما يوحى إليه، ويخاف عذاب يوم عظيم إن عصى ربه، وبأنه قد لبث فيهم عمرا من قبله، لا يتلو عليهم كتابا ولا يجلس إلى معلّم، فلا يمكن أن يكون هذا القرآن منه ثم ذكر أنه لا يوجد أظلم ممّن افترى عليه كذبا أو كذّب بآياته كما يفعلون، وأوعدهم على هذا، بأنهم لا يفلحون ثم ذكر أنهم يعبدون ما لا يضرّهم ولا ينفعهم، ويزعمون أنهم شفعاؤهم عنده،
стр. 871
فيمنعون ما يوعدون به من ذلك، وأمره أن يجيبهم بأنهم يخبرونه بشفعاء لا يعلمها في السماوات ولا في الأرض وذكر أن الناس كانوا أمة واحدة على التوحيد، فاختلفوا فيه بعد اتفاقهم وَلَوْلا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ فِيما فِيهِ يَخْتَلِفُونَ (١٩) .
ثم ذكر شبهتهم الثالثة على تنزيل القرآن، وهي طلبهم آية عذاب تدل على تنزيله، ثم أمره أن يجيبهم بأن هذا من الغيب الذي لا يعلمه إلّا هو، وأمرهم أن ينتظروه لأنه ينتظره ولا يشك في وقوعه ثم ذكر أنه إذا آتاهم بآية عذاب، ثم أذاقهم رحمة بعدها، مكروا فيها ولم يؤمنوا بها، فهكذا يكون حالهم إذا أجيبوا إلى ما طلبوه منها، وهدّدهم على ذلك بأنه أسرع مكرا منهم. وبأن رسله يكتبون ما يمكرون ليحاسبهم عليه ثم ضرب لهم مثلا على مكرهم في هذا، فذكر أنه هو الذي يسيّرهم في البر والبحر، حتّى إذا كانوا في الفلك، وجرت بريح طيّبة، وفرحوا بها، جاءتها ريح عاصف، وجاءهم الموج من كل مكان، وظنّوا أنهم أحيط بهم دعوه مخلصين لَئِنْ أَنْجَيْتَنا مِنْ هذِهِ لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ (٢٢) فلما أنجاهم عادوا إلى بغيهم ونسوا دعاءهم له ثم ذكر أن بغيهم لا يعود إلا على أنفسهم، وأنهم يتمتعون به في هذه الحياة ثم إليه مرجعهم فينبئهم بما كانوا يعملون، ثم ضرب لهم مثلا في شأن هذه الدنيا التي يبغون فيها وينسون الآخرة معها فذكر أن مثلها كماء أنزله من السماء فاختلط به نبات الأرض، حتى إذا أخذت به زخرفها وَازَّيَّنَتْ وَظَنَّ أَهْلُها أَنَّهُمْ قادِرُونَ عَلَيْها [الآية ٢٤] ، أتاها أمره ليلا أو نهارا فجعلها حصيدا كأن لم تكن بالأمس ثم ذكر أنه يدعو إلى دار السلام التي لا يزول نعيمها كما يزول نعيم الدنيا، وأنه يهدي من يشاء إلى طريق يوصل إليها، وأن للذين أحسنوا في دنياهم الحسنى في تلك الدار وزيادة، والذين كسبوا السيئات جزاؤهم سيئة فيها بمثل سيئاتهم ثم أمره أن يذكر لهم يوم يحشرهم جميعا، ثم يأمرهم أن يلزموا مكانهم هم وشركاؤهم، فيقطع بينهم ويتبرأ شركاؤهم من عبادتهم، ويشهدون الله على أنهم كانوا عنها غافلين ثم ذكر أنه هنالك تبلو كل نفس ما أسلفت، ويردّون إليه وحده، ويضل عنهم آلهتهم.
стр. 872
ثم أمره أن يسألهم من يرزقهم من السماء والأرض؟ ومن يملك السمع والبصر؟ ومن يخرج الحيّ من الميّت ويخرج الميّت من الحي؟ ومن يدبّر الأمر؟ وذكر أنهم سيقولون الله، وأنه يجب عليهم حينئذ أن يتّقوه، وأن من يكون هذا شأنه يكون ربّهم الحق، وأنه ليس بعد الحق إلّا الضلال فإنّى يصرفون ثم أمره أن يسألهم هل من شركائهم من يبدأ الخلق ثم يعيده؟ وأن يجيب عنهم بأنه هو الذي يبدأ الخلق ثم يعيده فإنّى يؤفكون، ثم أمره أن يسألهم هل من شركائهم من يهدي إلى الحق؟ وأن يجيب عنهم بأنه سبحانه هو الذي يهدي للحق، وحينئذ يكون هو الأحق بأنّ يتّبع ممّن لا يهدي إلّا أن يهدى فما لهم كيف يحكمون وَما يَتَّبِعُ أَكْثَرُهُمْ إِلَّا ظَنًّا إِنَّ الظَّنَّ لا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئاً إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِما يَفْعَلُونَ (٣٦) .
تحديهم بالقرآن الآيات [٣٧- ٥٦]
ثم قال تعالى: وَما كانَ هذَا الْقُرْآنُ أَنْ يُفْتَرى مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلكِنْ تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَتَفْصِيلَ الْكِتابِ لا رَيْبَ فِيهِ مِنْ رَبِّ الْعالَمِينَ (٣٧) فانتقل من إبطال شبههم على القرآن إلى تحدّيهم به، وذكر أنه ما كان أن يفترى من دونه، ولكنه تصديق لما قبله من الكتاب وتفصيل له، وأنه لا ريب في تنزيله من عنده، ثم تحداهم أن يأتوا بسورة مثله، وأن يدعوا من استطاعوا من دونه ليساعدهم على الإتيان به ثم ذكر أنهم يكذبون به من غير أن يحيطوا بعلمه، ومن قبل أن يأتيهم تأويله، فكذّبوا به جهلا وعنادا، كما كذّب الذين من قبلهم ثم ذكر أن منهم من يؤمن به وينكره عنادا، ومنهم من لا يؤمن به جهلا، وأنه أعلم بهم ومجازيهم على كفرهم، ثم أمره إن كذّبوه بعد تحديهم وعجزهم أن يتركهم ولا يطمع في إيمانهم، لأن منهم من يستمعون إليه فلا يسمعون، ولا يمكنه أن يسمع الصم ولو كانوا لا يعقلون، ومنهم من ينظر إليه فلا ينظر، ولا يمكنه أن يهدي العمي ولو كانوا لا يبصرون ثم ذكر أنه لم يظلمهم بهذا، ولكن أنفسهم يظلمون.
ثم أتبع ذلك بوعيدهم، فذكر، سبحانه، أنه يوم يحشرهم يكون حالهم كحال من لم يلبث إلا ساعة من النهار في الدنيا، لأنهم لم ينتفعوا بما مكثوه
стр. 873
فيها، وأنهم يتعارفون بينهم ليوبّخ بعضهم بعضا ثم ذكر أنه إما يرينّه بعض الذي يعدهم من العذاب في الدنيا، أو يتوفينّه قبل أن يريه له، فإليه، تعالى، مرجعهم ثم هو شهيد على ما يفعلون، وأن لكل أمة رسولا لا تعذب قبله: فَإِذا جاءَ رَسُولُهُمْ قُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْقِسْطِ وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ (٤٧) .
ثم ذكر أنهم سألوا مستهزئين: متى هذا الوعد بالعذاب؟ وأمر النبي (ص) أن يجيبهم بأن أمر ذلك مفوض إليه، ﷻ ، وحده، لأنه لا يملك لنفسه ضرّا ولا نفعا، ولكل أمة أجل لا تتأخّر عنه ولا تتقدّم، وبأن يسألهم عن فائدتهم في استعجال هذا العذاب، لأنهم إذا آمنوا عند وقوعه يكون إيمانهم بطريق الإلجاء ولا ينفعهم، ثم يقال لهم: ذُوقُوا عَذابَ الْخُلْدِ هَلْ تُجْزَوْنَ إِلَّا بِما كُنْتُمْ تَكْسِبُونَ (٥٢) .
ثم ذكر أنهم سألوه عن ذلك العذاب مرة أخرى: أحقّ هو؟ وأمره أن يجيبهم بأنه حق، وأنهم لا يعجزونه إذا أراد عذابهم، وأنه إذا أتاهم وكان لهم ملك ما في الأرض لافتدوا به ثم ذكر أن له، سبحانه، ما في السماوات والأرض، دليلا على قدرته على تحقيق وعيده لهم، ولكن أكثرهم لا يعلم هُوَ يُحيِي وَيُمِيتُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (٥٦) .
دعوتهم إلى تصديق القرآن بالترغيب والترهيب الآيات [٥٧- ٩٨]
ثم قال تعالى يا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جاءَتْكُمْ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَشِفاءٌ لِما فِي الصُّدُورِ وَهُدىً وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ (٥٧) فذكر أنه موعظة منه وشفاء لما في الصدور، وهدى ورحمة للمؤمنين وأمرهم أن يفرحوا بفضله عليهم به، لأنه خير مما يجمعون، ثم أمرهم أن يخبروه عمّا رزقهم به، فجعلوا منه حراما وحلالا، أكان بإذنه أم كان افتراء عليه؟ ليبيّن حاجتهم إلى هدايته وذكر أنه إذا كان افتراء عليه، فما يكون جزاؤهم عليه يوم القيامة؟ وأنه ذو فضل عليهم بإنزاله هذا القرآن، الذي يبيّن لهم حرامه وحلاله، ولكنّ أكثرهم لا يشكرون، ثم أخذ في وعد النبي (ص) والمؤمنين على الإيمان بما أنزله إليهم، فذكر أنه ما يكون في شأن وما يتلو منه من قرآن إلا كان شاهدا عليهم، وأن كل صغيرة وكبيرة ثابتة عنده في كتاب مبين ثم
стр. 874
ذكر أن أولياءه منهم لا خوف عليهم ولا هم يحزنون الَّذِينَ آمَنُوا وَكانُوا يَتَّقُونَ (٦٣) .
ثم نهى النبي (ص) أن يحزن لتكذيبهم لما أنزل عليه، لأن العزة له وحده، جلّت قدرته، وهو يسمع ويعلم تكذيبهم، وله من في السماوات ومن في الأرض، وما يتبعون من دونه شركاء فيه، وإنما يظنون أنهم شركاء من غير أن يكون لهم دليل عليه ثم ذكر أنه سبحانه، هو الذي جعل الليل سكنا والنهار مبصرا، وأن في هذا آية لمن يسمع على أنه لا شريك له، وأنهم زعموا أنّه اتّخذ ولدا يشاركه في ملكه، وأبطل هذا بأنه هو الغنيّ الذي له ما في السماوات وما في الأرض، فلا يشاركه فيه ولد ولا غيره ثم أمر النبي (ص) أن يخبرهم بأن الذين يفترون عليه الكذب من الولد وغيره لا يفلحون مَتاعٌ فِي الدُّنْيا ثُمَّ إِلَيْنا مَرْجِعُهُمْ ثُمَّ نُذِيقُهُمُ الْعَذابَ الشَّدِيدَ بِما كانُوا يَكْفُرُونَ (٧٠) .
ثم أخذ السياق في ترهيبهم بما حصل للمكذبين قبلهم، فأمر تعالى النبي (ص) أن يتلو عليهم نبأ نوح (ع) وما حصل لقومه من هلاكهم بالطوفان، وقد سبقت قصتهم في سورة الأعراف، ولكن ما هنا يخالف ما هناك في السياق والأسلوب والزيادة والنقص ثم ذكر أنه بعث من بعده رسلا إلى قومهم، فجاؤوهم بالبينات فما كانوا ليؤمنوا بما كذّبوا به من قبل، وأنه كذلك يطبع على قلوب المعتدين ثم ذكر أنه بعث من بعدهم موسى وهارون، إلى فرعون وقومه، وأنهم لم يؤمنوا به فأغرقهم في البحر، وقد سبقت هذه القصة في سورة الأعراف أيضا، ولكن ما هنا يخالف ما هناك في السياق والأسلوب والزيادة والنقص، وقد ختمت هنا بأنه، سبحانه، بوّأ بني إسرائيل مبوّأ صدق من الأرض المقدسة، بعد أن نجّاهم من فرعون وقومه وذكر أنهم لم يختلفوا في دينهم حتى جاءهم العلم، وأنه، ﷻ ، يقضي بينهم يوم القيامة فيما كانوا فيه يختلفون.
ثم أمر النبي (ص) على سبيل التعريض إن كان في شكّ من هذا القصص أن يسأل أهل الكتاب عنه، ونهاه أن يكون من الذين يكذّبون بآياته ثم ذكر أن الذين حقت عليهم كلمته من الأوّلين لا يؤمنون ولو
стр. 875
جاءتهم كل آية حتى يروا عذابه، وأنه كان عليهم أن يؤمنوا لينفعهم إيمانهم، ثم استثنى منهم قوم يونس (ع) لَمَّا آمَنُوا كَشَفْنا عَنْهُمْ عَذابَ الْخِزْيِ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَمَتَّعْناهُمْ إِلى حِينٍ (٩٨) .
الخاتمة الآيات [٩٩- ١٠٩]
ثم قال تعالى: وَلَوْ شاءَ رَبُّكَ لَآمَنَ مَنْ فِي الْأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعاً أَفَأَنْتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّى يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ (٩٩) فذكر للنبي (ص) أنه لو شاء، سبحانه، لآمن بما أنزل إليه من في الأرض جميعا، وأنه لا يصحّ أن يكره الناس حتى يكونوا مؤمنين، ثم أمرهم أن ينظروا في آياته في السماوات والأرض ليؤمنوا بالنظر فيها وذكر أن هذا لا يغني عنهم لأنهم لا يريدون الإيمان، وإنما ينتظرون مثل أيام العذاب التي أهلك فيها الأولين، ثم نجّى رسله والذين آمنوا معهم، ثم أمره إن استمروا بعد هذا على شكهم في دينه، أن يخبرهم بأنه لا يعبد ما يعبدون من دونه، ولكن يعبد الذين يتوفّاهم، وبأنه أمر أن يكون من المؤمنين، وأن يقيم وجهه للدين حنيفا ولا يكونّن من المشركين ثم نهاه أن يدعو من دونه ما لا ينفعه ولا يضرّه، وذكر له أنه إن يمسسه بضرّ فلا كاشف له إلا هو، وإن يرده بخير فلا رادّ له، ثم أمره أن يذكر لهم أنه قد جاءهم الحق (القرآن) منه، وأنّ من اهتدى فلنفسه ومن ضلّ فعليها، وأنه ليس عليهم بوكيل وَاتَّبِعْ ما يُوحى إِلَيْكَ وَاصْبِرْ حَتَّى يَحْكُمَ اللَّهُ وَهُوَ خَيْرُ الْحاكِمِينَ (١٠٩) .
стр. 876
المبحث الثالث أسرار ترتيب سورة «يونس» «١»
أقول: قد عرف وجه مناسبتها فيما تقدم في سورة الأنفال. ونزيد هنا: أن مطلعها شبيه بمطلع سورة الأعراف، وأنه سبحانه قال فيها: أَنْ أَنْذِرِ النَّاسَ وَبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا [الآية ٢] فقدّم الإنذار وعمّمه، وأخّر البشارة وخصّصها.
وقال تعالى في مطلع الأعراف:
لِتُنْذِرَ بِهِ وَذِكْرى لِلْمُؤْمِنِينَ (٢) .
فخص الذكرى وأخّرها، وقدّم الإنذار، وحذف مفعوله ليعمّ.
وقال هنا: إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوى عَلَى الْعَرْشِ [الآية ٣] . وقال في الأوائل، أي أوائل الأعراف مثل ذلك «٢» .
وقال هنا: يُدَبِّرُ الْأَمْرَ [الآية ٣] .
وقال هناك: مُسَخَّراتٍ بِأَمْرِهِ أَلا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ [الأعراف/ ٥٤] .
وأيضا فقد ذكرت قصة فرعون وقومه في الأعراف، فاختصر ذكر عذابهم، وبسط في هذه السورة أبلغ بسط «٣» .
فهي شارحة لما أجمل في سورة الأعراف منه.
стр. 877
المبحث الرابع مكنونات سورة «يونس» «١»
١- قَدَمَ صِدْقٍ [الآية ٢] .
قال مقاتل: هو محمد شفيع صدق. أخرجه ابن أبي حاتم ٢- فَقَدْ لَبِثْتُ فِيكُمْ عُمُراً مِنْ قَبْلِهِ [الآية ١٦] .
قال قتادة: أربعين سنة. أخرجه ابن أبي حاتم.
٣- بِمِصْرَ بُيُوتاً [الآية ٨٧] .
قال مجاهد: بمصر الإسكندرية.
أخرجه ابن أبي حاتم «٢» .
٤- مُبَوَّأَ صِدْقٍ [الآية ٩٣] . قال قتادة: بالشام. أخرجه ابن المنذر «٣» .
٥- إِلَّا ذُرِّيَّةٌ مِنْ قَوْمِهِ [الآية ٨٣] .
قيل: الضمير لفرعون. و (الذّريّة) :
مؤمن آل فرعون، وامرأة فرعون، وخازنه «٤» . وامرأة خازنه.
٦- إِلَّا قَوْمَ يُونُسَ [الآية ٩٨] .
هم أهل قرية «نينوى» بشاطئ دجلة من بلاد الموصل.
أخرجه ابن أبي حاتم عن السّدّيّ وغيره.
стр. 878
المبحث الخامس لغة التنزيل في سورة «يونس» «١»
١- وقال تعالى: وَبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا أَنَّ لَهُمْ قَدَمَ صِدْقٍ عِنْدَ رَبِّهِمْ [الآية ٢] .
المراد بقوله تعالى: قَدَمَ صِدْقٍ السابقة والفضل والمنزلة الرفيعة، وقد سمّيت السابقة «قدما» ، لأن السعي والسّبق بالقدم، كما سمّيت النّعمة يدا، لأنها تعطى باليد، وباعا لأن صاحبها يبوع بها، فقيل: لفلان قدم في الخير.
وإضافته إلى صِدْقٍ دلالة على زيادة فضل، وأنه من السّوابق العظيمة، وقيل: مقام صدق.
٢- وقال تعالى: قُلْ ما يَكُونُ لِي أَنْ أُبَدِّلَهُ مِنْ تِلْقاءِ نَفْسِي إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا ما يُوحى إِلَيَّ [الآية ١٥] .
أراد تعالى بقوله: ما يَكُونُ لِي، ما يتسهّل لي، وما يمكنني أن أبدّله.
أقول: وهذا من معاني الفعل «كان» ، وهي التامّة غير الناقصة، التي تنصرف إلى معان عدّة.
وقوله تعالى: إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا ما يُوحى تشتمل على «إن» النافية، وهذا يدعونا إلى أن نقف على هذه الأداة النافية قليلا.
قال النحاة في باب «ليس» وعملها:
إنّ النافيات: «ما» ، و «لا» ، و «لات» و «إن» ، تعمل عمل «ليس» . تعمل عمل «ليس» . فأما «إن» النافية فمذهب البصريين والفرّاء أنّها لا تعمل شيئا، ومذهب الكوفيين، خلا الفرّاء، أنها تعمل عمل «ليس» ، وقال به من البصريّين أبو العباس المبرّد، وأبو
стр. 879
بكر بن السّرّاج، وأبو عليّ الفارسي، وأبو الفتح بن جني.
واستشهدوا مع ذلك بقول الشاعر:
إن هو مستوليا على أحد إلّا على أضعف المجانين وقال آخر:
إن المرء ميتا بانقضاء حياته ولكن بأن يبغى عليه فيخذلا وذكر ابن جني في «المحتسب» أنّ سعيد بن جبير، ﵁، قرأ:
(إن الذين تدعون من دون الله عباد أمثالكم) [الأعراف/ ١٩٤] .
أقول:
لا أريد أن أناقش عمل «إن» فتلك مسألة ضعيفة يعوزها الشاهد الآية، والشاهد الشعري الصحيح، ذلك بأن قراءة سعيد بن جبير قراءة خاصة، والقراءات الكثيرة تجمع على: إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ عِبادٌ أَمْثالُكُمْ فَادْعُوهُمْ «١» .
فليس في الآية «إن» النافية، بل هي «إنّ» المشبهة بالفعل للتوكيد، المشدّدة النون، وعلى هذا ليس في آي القرآن «إن» النافية التي تعمل عمل «ليس» .
أما البيتان اللذان ادّعي أنهما شاهدان في «إن» النافية العاملة، فهما بيتان يتيمان لا يعرف لهما قائل.
ومجموع هذه الشواهد، على ضعفها، يشير إلى أن الأداة غير عاملة على النحو الذي أرادوا.
غير أنّ «إن» النافية قد وجدت في آيات القرآن داخلة على الجملة اسمية وفعلية تنفيهما، ولكن النفي، في جميع الشواهد الآيات، منتقض ب «إلّا» .
أقول: ولولا «إلا» هذه، لكان السامع والقارئ في حيرة وإشكال من أمر هذه الأداة النافية «إن» ، لأن هذه الأداة على عدة أحوال فهي شرطية، وهي مخففة وهي زائدة. غير أن وجود «إلّا» جعل القارئ والسامع يدرك أنها نافية، ودونك طائفة من الآيات التي وردت فيها «إن» النافية:
إِنْ هذا إِلَّا أَساطِيرُ الْأَوَّلِينَ (٣١) [الأنفال] .
إِنْ أَوْلِياؤُهُ إِلَّا الْمُتَّقُونَ [الأنفال/ ٣٤] .
стр. 880
إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ [الأنعام/ ١١٦] .
إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ [النجم/ ٢٨] .
إِنْ كانَتْ إِلَّا صَيْحَةً واحِدَةً فَإِذا هُمْ خامِدُونَ (٢٩) [يس] .
وغيرها كثير. ومثل هذه الشواهد قد نجدها في كلام العرب وهي قليلة «١» .
٣- وقال تعالى: وَإِذا أَذَقْنَا النَّاسَ رَحْمَةً مِنْ بَعْدِ ضَرَّاءَ مَسَّتْهُمْ إِذا لَهُمْ مَكْرٌ فِي آياتِنا [الآية ٢١] .
جواب (إذا) الشرطية الأولى هو (إذا) الثانية التي تفيد المفاجأة، وإنما جعل «إذا» جوابا لكونها بعض الجملة لما فيها من معنى المفاجأة، وهي ظرف مكان، وهو كقوله تعالى: وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ بِما قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ إِذا هُمْ يَقْنَطُونَ (٣٦) [الروم] .
ومعناه: وإن تصبهم سيّئة قنطوا.
ومعنى الآية المتقدمة: وإذا أذقنا الناس رحمة.... مكروا.
٤- وقال تعالى: حَتَّى إِذا كُنْتُمْ فِي الْفُلْكِ وَجَرَيْنَ بِهِمْ بِرِيحٍ طَيِّبَةٍ وَفَرِحُوا بِها جاءَتْها رِيحٌ عاصِفٌ [الآية ٢٢] .
في هذه الآية ابتداء خطاب وبعد ذلك إخبار عن غائب، لأنّ كلّ من أقام يخاطبه جاز له أن يردّه إلى الغائب، قال كثير:
أسيئي بنا أو أحسني لا ملومة ... لدينا ولا مقليّة إن تفلّت
وقال عنترة:
شطّت مزار العاشقين فأصبحت ... عسرا عليّ طلابك ابنة مخرم
وقوله تعالى: فَلَمَّا أَنْجاهُمْ إِذا هُمْ يَبْغُونَ [الآية ٢٣] .
المعنى: فلما أنجاهم بغوا «٢» .
أقول: ومثل هذا الانتقال من الخطاب إلى الغيبة معروف في لغة التنزيل، وهو غرض ترمي إليه لغة العرب في غير القرآن من كلامهم.
٥- وقال تعالى: لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنى وَزِيادَةٌ وَلا يَرْهَقُ وُجُوهَهُمْ قَتَرٌ وَلا ذِلَّةٌ [الآية ٢٦] .