← Улюм аль-Кур’ан

Улюм аль-Кур’ан · id 21769

الموسوعة القرآنية خصائص السور

جعفر شرف الدين

Полный текст (3 064 стр.). Показаны 876–915 · переход к 881.

стр. 876

المبحث الثالث أسرار ترتيب سورة «يونس» «١» أقول: قد عرف وجه مناسبتها فيما تقدم في سورة الأنفال. ونزيد هنا: أن مطلعها شبيه بمطلع سورة الأعراف، وأنه سبحانه قال فيها: أَنْ أَنْذِرِ النَّاسَ وَبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا [الآية ٢] فقدّم الإنذار وعمّمه، وأخّر البشارة وخصّصها. وقال تعالى في مطلع الأعراف: لِتُنْذِرَ بِهِ وَذِكْرى لِلْمُؤْمِنِينَ (٢) . فخص الذكرى وأخّرها، وقدّم الإنذار، وحذف مفعوله ليعمّ. وقال هنا: إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوى عَلَى الْعَرْشِ [الآية ٣] . وقال في الأوائل، أي أوائل الأعراف مثل ذلك «٢» . وقال هنا: يُدَبِّرُ الْأَمْرَ [الآية ٣] . وقال هناك: مُسَخَّراتٍ بِأَمْرِهِ أَلا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ [الأعراف/ ٥٤] . وأيضا فقد ذكرت قصة فرعون وقومه في الأعراف، فاختصر ذكر عذابهم، وبسط في هذه السورة أبلغ بسط «٣» . فهي شارحة لما أجمل في سورة الأعراف منه.

стр. 877

المبحث الرابع مكنونات سورة «يونس» «١» ١- قَدَمَ صِدْقٍ [الآية ٢] . قال مقاتل: هو محمد شفيع صدق. أخرجه ابن أبي حاتم ٢- فَقَدْ لَبِثْتُ فِيكُمْ عُمُراً مِنْ قَبْلِهِ [الآية ١٦] . قال قتادة: أربعين سنة. أخرجه ابن أبي حاتم. ٣- بِمِصْرَ بُيُوتاً [الآية ٨٧] . قال مجاهد: بمصر الإسكندرية. أخرجه ابن أبي حاتم «٢» . ٤- مُبَوَّأَ صِدْقٍ [الآية ٩٣] . قال قتادة: بالشام. أخرجه ابن المنذر «٣» . ٥- إِلَّا ذُرِّيَّةٌ مِنْ قَوْمِهِ [الآية ٨٣] . قيل: الضمير لفرعون. و (الذّريّة) : مؤمن آل فرعون، وامرأة فرعون، وخازنه «٤» . وامرأة خازنه. ٦- إِلَّا قَوْمَ يُونُسَ [الآية ٩٨] . هم أهل قرية «نينوى» بشاطئ دجلة من بلاد الموصل. أخرجه ابن أبي حاتم عن السّدّيّ وغيره.

стр. 878

المبحث الخامس لغة التنزيل في سورة «يونس» «١» ١- وقال تعالى: وَبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا أَنَّ لَهُمْ قَدَمَ صِدْقٍ عِنْدَ رَبِّهِمْ [الآية ٢] . المراد بقوله تعالى: قَدَمَ صِدْقٍ السابقة والفضل والمنزلة الرفيعة، وقد سمّيت السابقة «قدما» ، لأن السعي والسّبق بالقدم، كما سمّيت النّعمة يدا، لأنها تعطى باليد، وباعا لأن صاحبها يبوع بها، فقيل: لفلان قدم في الخير. وإضافته إلى صِدْقٍ دلالة على زيادة فضل، وأنه من السّوابق العظيمة، وقيل: مقام صدق. ٢- وقال تعالى: قُلْ ما يَكُونُ لِي أَنْ أُبَدِّلَهُ مِنْ تِلْقاءِ نَفْسِي إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا ما يُوحى إِلَيَّ [الآية ١٥] . أراد تعالى بقوله: ما يَكُونُ لِي، ما يتسهّل لي، وما يمكنني أن أبدّله. أقول: وهذا من معاني الفعل «كان» ، وهي التامّة غير الناقصة، التي تنصرف إلى معان عدّة. وقوله تعالى: إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا ما يُوحى تشتمل على «إن» النافية، وهذا يدعونا إلى أن نقف على هذه الأداة النافية قليلا. قال النحاة في باب «ليس» وعملها: إنّ النافيات: «ما» ، و «لا» ، و «لات» و «إن» ، تعمل عمل «ليس» . تعمل عمل «ليس» . فأما «إن» النافية فمذهب البصريين والفرّاء أنّها لا تعمل شيئا، ومذهب الكوفيين، خلا الفرّاء، أنها تعمل عمل «ليس» ، وقال به من البصريّين أبو العباس المبرّد، وأبو

стр. 879

بكر بن السّرّاج، وأبو عليّ الفارسي، وأبو الفتح بن جني. واستشهدوا مع ذلك بقول الشاعر: إن هو مستوليا على أحد إلّا على أضعف المجانين وقال آخر: إن المرء ميتا بانقضاء حياته ولكن بأن يبغى عليه فيخذلا وذكر ابن جني في «المحتسب» أنّ سعيد بن جبير، ﵁، قرأ: (إن الذين تدعون من دون الله عباد أمثالكم) [الأعراف/ ١٩٤] . أقول: لا أريد أن أناقش عمل «إن» فتلك مسألة ضعيفة يعوزها الشاهد الآية، والشاهد الشعري الصحيح، ذلك بأن قراءة سعيد بن جبير قراءة خاصة، والقراءات الكثيرة تجمع على: إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ عِبادٌ أَمْثالُكُمْ فَادْعُوهُمْ «١» . فليس في الآية «إن» النافية، بل هي «إنّ» المشبهة بالفعل للتوكيد، المشدّدة النون، وعلى هذا ليس في آي القرآن «إن» النافية التي تعمل عمل «ليس» . أما البيتان اللذان ادّعي أنهما شاهدان في «إن» النافية العاملة، فهما بيتان يتيمان لا يعرف لهما قائل. ومجموع هذه الشواهد، على ضعفها، يشير إلى أن الأداة غير عاملة على النحو الذي أرادوا. غير أنّ «إن» النافية قد وجدت في آيات القرآن داخلة على الجملة اسمية وفعلية تنفيهما، ولكن النفي، في جميع الشواهد الآيات، منتقض ب «إلّا» . أقول: ولولا «إلا» هذه، لكان السامع والقارئ في حيرة وإشكال من أمر هذه الأداة النافية «إن» ، لأن هذه الأداة على عدة أحوال فهي شرطية، وهي مخففة وهي زائدة. غير أن وجود «إلّا» جعل القارئ والسامع يدرك أنها نافية، ودونك طائفة من الآيات التي وردت فيها «إن» النافية: إِنْ هذا إِلَّا أَساطِيرُ الْأَوَّلِينَ (٣١) [الأنفال] . إِنْ أَوْلِياؤُهُ إِلَّا الْمُتَّقُونَ [الأنفال/ ٣٤] .

стр. 880

إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ [الأنعام/ ١١٦] . إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ [النجم/ ٢٨] . إِنْ كانَتْ إِلَّا صَيْحَةً واحِدَةً فَإِذا هُمْ خامِدُونَ (٢٩) [يس] . وغيرها كثير. ومثل هذه الشواهد قد نجدها في كلام العرب وهي قليلة «١» . ٣- وقال تعالى: وَإِذا أَذَقْنَا النَّاسَ رَحْمَةً مِنْ بَعْدِ ضَرَّاءَ مَسَّتْهُمْ إِذا لَهُمْ مَكْرٌ فِي آياتِنا [الآية ٢١] . جواب (إذا) الشرطية الأولى هو (إذا) الثانية التي تفيد المفاجأة، وإنما جعل «إذا» جوابا لكونها بعض الجملة لما فيها من معنى المفاجأة، وهي ظرف مكان، وهو كقوله تعالى: وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ بِما قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ إِذا هُمْ يَقْنَطُونَ (٣٦) [الروم] . ومعناه: وإن تصبهم سيّئة قنطوا. ومعنى الآية المتقدمة: وإذا أذقنا الناس رحمة.... مكروا. ٤- وقال تعالى: حَتَّى إِذا كُنْتُمْ فِي الْفُلْكِ وَجَرَيْنَ بِهِمْ بِرِيحٍ طَيِّبَةٍ وَفَرِحُوا بِها جاءَتْها رِيحٌ عاصِفٌ [الآية ٢٢] . في هذه الآية ابتداء خطاب وبعد ذلك إخبار عن غائب، لأنّ كلّ من أقام يخاطبه جاز له أن يردّه إلى الغائب، قال كثير: أسيئي بنا أو أحسني لا ملومة ... لدينا ولا مقليّة إن تفلّت وقال عنترة: شطّت مزار العاشقين فأصبحت ... عسرا عليّ طلابك ابنة مخرم وقوله تعالى: فَلَمَّا أَنْجاهُمْ إِذا هُمْ يَبْغُونَ [الآية ٢٣] . المعنى: فلما أنجاهم بغوا «٢» . أقول: ومثل هذا الانتقال من الخطاب إلى الغيبة معروف في لغة التنزيل، وهو غرض ترمي إليه لغة العرب في غير القرآن من كلامهم. ٥- وقال تعالى: لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنى وَزِيادَةٌ وَلا يَرْهَقُ وُجُوهَهُمْ قَتَرٌ وَلا ذِلَّةٌ [الآية ٢٦] .

стр. 881

وَلا يَرْهَقُ وُجُوهَهُمْ قَتَرٌ أي: لا يغشى وجوههم غبرة فيها سواد، أي: لا يرهقهم ما يرهق أهل النار إذكارا بما ينقذهم منه برحمته. والفعل «رهق يرهق» ، قد جاء في أربع آيات أخرى بهذا المعنى، ومنها: وَوُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ عَلَيْها غَبَرَةٌ (٤٠) تَرْهَقُها قَتَرَةٌ (٤١) [عبس] . أقول: وليس لنا في العربية المعاصرة إلا الفعل المزيد «أرهق» ، بمعنى «عذّب» و «آذى» و «حمّله ما لا يطيق» . على أن الفعل المزيد قد جاء في ثلاث آيات منها: وَلا تُرْهِقْنِي مِنْ أَمْرِي عُسْراً (٧٣) [الكهف] . كما ورد «الرّهق» في آيتين من سورة الجن منهما: وَأَنَّهُ كانَ رِجالٌ مِنَ الْإِنْسِ يَعُوذُونَ بِرِجالٍ مِنَ الْجِنِّ فَزادُوهُمْ رَهَقاً (٦) [الجن] . أي: زادوهم إثما وغيّا. ولا بد أن نشير إلى الفعل «كان» الذي يعني «وجد» فهو مكتف بمرفوعه. ٦- وقال تعالى: وَيَوْمَ نَحْشُرُهُمْ جَمِيعاً ثُمَّ نَقُولُ لِلَّذِينَ أَشْرَكُوا مَكانَكُمْ أَنْتُمْ وَشُرَكاؤُكُمْ فَزَيَّلْنا بَيْنَهُمْ [الآية ٢٨] . قوله تعالى: فَزَيَّلْنا بَيْنَهُمْ أي: ففرّقنا بينهم وقطعنا أقرانهم، والوصل التي كانت بينهم في الدنيا، أو فباعدنا بينهم بعد الجمع بينهم في الموقف «١» . وقال الفرّاء: هي ليست من «زلت» بالضم، وإنما هي من «زلت» بالكسر وزلت الشيء فأنا أزيله إذا فرّقت ذا من ذا، وأبنت ذا من ذا، وقال فزيّلنا لكثرة الفعل، ولو قلّ لقلت: زل ذا من ذا. وقرأ بعضهم: (فزايلنا) وهو مثل قولك: لا تصعّر ولا تصاعر. وقال تعالى: لَوْ تَزَيَّلُوا لَعَذَّبْنَا الَّذِينَ كَفَرُوا [الفتح/ ٢٥] . يقول: لو تميّزوا. أقول: وهذه بعض الذخائر اللغوية التي حفظها القرآن، ولولا ذلك لعفا الأثر وضاعت فرائد. ٧- وقال تعالى:

стр. 882

إِنَّ اللَّهَ لا يَظْلِمُ النَّاسَ شَيْئاً وَلكِنَّ النَّاسَ أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ (٤٤) . قال الزمخشري «١» : إِنَّ اللَّهَ لا يَظْلِمُ النَّاسَ شَيْئاً، أي: لا ينقصهم شيئا مما يتصل بمصالحهم من بعثة الرسل وإنزال الكتب، ولكنهم يظلمون أنفسهم بالكفر والتكذيب. أقول: هكذا درج المفسرون عامة على تفسير الظلم في هذه الآية، بمعنى نقصهم حسناتهم. وقد يكون «نقص الحسنات والمصالح» ظلما، ولكني أقول: المراد، والله أعلم، أنهم لم يظلموا شيئا، أي: ما كان قليلا جدا. وأنا إن أذهب إلى هذا فدليلي ما يمكن أن يوحي به استعمال لفظ «شيء» في طائفة من آي الذكر الحكيم. قال تعالى: وَقالَتِ الْيَهُودُ لَيْسَتِ النَّصارى عَلى شَيْءٍ وَقالَتِ النَّصارى لَيْسَتِ الْيَهُودُ عَلى شَيْءٍ [البقرة/ ١١٣] . عَلى شَيْءٍ أي: على شيء يصح ويعتدّ به. وقال تعالى: وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنَ الْأَمْوالِ وَالْأَنْفُسِ وَالثَّمَراتِ [البقرة/ ١٥٥] . بِشَيْءٍ بقليل من كل واحد من هذه البلايا، وطرف منه. وقال تعالى: يَقُولُونَ لَوْ كانَ لَنا مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ [آل عمران/ ١٥٤] . يقول الكافرون بعضهم لبعض هل لنا من النصر والفتح والظفر نصيب، قالوا ذلك على سبيل التعجب والإنكار، أي: أنطمع أن يكون لنا الغلبة على هؤلاء، أي: ليس لنا من ذلك شيء. أقول: والقلّة المتضمنة في «شيء» ، يعضدها التنكير، وزيادة «من» الجارة قبلها. ومثل هذه الآية قوله تعالى: وَما يَضُرُّونَكَ مِنْ شَيْءٍ [النساء/ ١١٣] . والمعنى: لا يضرّونك بكيدهم ومكرهم شيئا، فإن الله حافظك وناصرك.

стр. 883

وقال تعالى: ما فَرَّطْنا فِي الْكِتابِ مِنْ شَيْءٍ [الأنعام/ ٣٨] . أي: ما تركنا، وقيل: معناه ما قصرنا، وقوله تعالى: مِنْ شَيْءٍ أي: مهما كان قليلا بدلالة التنكير. وقال تعالى: إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكانُوا شِيَعاً لَسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ [الأنعام/ ١٥٩] . هذا خطاب للنبيّ (ص) وإعلام له أنه ليس منهم في شيء، وأنه على المباعدة التامة، من أن يجتمع معهم في معنى من مذاهبهم الفاسدة. وليس خافيا دلالة «الشيء» على القلة في هذه الآية. وقال تعالى: وَلا تَضُرُّونَهُ شَيْئاً [هود/ ٥٧] . أي: ولا تضرّونه بتولّيكم شيئا من ضرر مّا، لأنه لا يجوز عليه المضار والمنافع، وإنما تضرّون أنفسكم. وقال تعالى: ما كانَ لَنا أَنْ نُشْرِكَ بِاللَّهِ مِنْ شَيْءٍ [يوسف/ ٣٨] . أي: ما صحّ لنا معشر الأنبياء أن نشرك بالله أيّ شيء كان من ملك، أو جنّيّ، أو إنسيّ، فضلا عن أن نشرك به صنما لا يسمع ولا يبصر. وقد بقي من معنى «شيء» في إفادة القلة والصغر الكثير في نثر الأدباء وشعرهم طوال العصور إلى عصرنا هذا، وقد نجد من ذلك شيئا في اللهجات الدارجة. وقد يتضح هذا المعنى من القلة أن كلمة «شيء» تأتي كثيرا بعد النفي لتؤكد النفي وهي منكّرة. يقال: لا أعرف شيئا ولا أملك من شيء، وما يغنيني عن ذلك من شيء، والله أعلم بما أراد. ٨- وقال تعالى: وَما يَعْزُبُ عَنْ رَبِّكَ مِنْ مِثْقالِ ذَرَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلا فِي السَّماءِ [الآية ٦١] . وَما يَعْزُبُ (قرئ بالضمّ والكسر، أي: وما يبعد وما يغيب. وفي الحديث: أنهم كانوا في سفر مع النبي (ص) فسمع مناديا، فقال: انظروه تجدوه معزبا أو مكلئا. وهو الذي عزب في إبله أي: غاب. والعازب من الكلأ: البعيد المطلب، والمعزب: طالب الكلأ البعيد. والعزيب المال العازب عن الحيّ. أقول: أراد ب «المال» الإبل وسائر الماشية.

стр. 884

ومن المفيد أن أشير أن «العزيب» بهذا المعنى ما زالت معروفة لدى الرعاة في عصرنا. ٩- وقال تعالى: إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنْ هُمْ إِلَّا يَخْرُصُونَ (٦٦) . في هذه الآية وردت (إن) النافية مرتين، وكنا قد بسطنا القول فيها. وقوله تعالى: يَخْرُصُونَ (٦٦) ، أي: يحزرون ويقدّرون أن تكون شركاء تقديرا باطلا. ومن المفيد أن نبسط القول في الفعل «خرص» ، الذي كاد أن يطوى خبره في العربية المعاصرة، لولا ما نسمع قليلا من استعمالهم «تخرّص» بمعنى ابتدع الكذب والأوهام، وهي مثل ذلك في فصيح العربية كما في قوله تعالى: قُتِلَ الْخَرَّاصُونَ (١٠) [الذاريات] . قال الزجاج: هم الكذّابون. وتخرّص فلان على الباطل واخترصه، أي افتعله. والفعل (يخرصون) في الآية بمعنى الحزر، ولأنه من الذين يتّبعون الظن فهو أقرب إلى الوهم والباطل. ولنعد إلى «الخرص» أيضا فنقول: وأصل الخرص: التظنّي فيما لا تستيقنه، ومنه خرص النخل والكرم، إذا حزرت التّمر لأنّ الحزر إنّما هو تقدير بظنّ لا إحاطة، والاسم الخرص، بالكسر، ومن هنا قيل للكذب خرص، لما يدخله من الظنون الكاذبة. وقد خرصت النخل والكرم أخرصه خرصا، إذا حزرت ما عليها من الرطب تمرا، ومن العنب زبيبا. وفي الحديث عن النبي (ص) أنه أمر بالخرص في النخل والكرم خاصة دون الزرع القائم، وذلك لأن ثمارها ظاهرة. أقول: وما زال «الخرص» معروفا لتقدير ما على النخل من تمر لدى أهل البساتين في جنوبي العراق. والذي نلاحظه أن مجموع ما يتصل بهذه اللفظة هو من العامي الدارج تقريبا، ولا نعرفه في الفصيحة المعاصرة. ١٠- وقال تعالى: قالُوا أَجِئْتَنا لِتَلْفِتَنا عَمَّا وَجَدْنا عَلَيْهِ آباءَنا [الآية ٧٨] . أقول: والمراد بقوله تعالى: لِتَلْفِتَنا لتصرفنا. وأكثر من «لفت» استعمالا «التفت» وتلفّت المزيدان.

стр. 885

قال تعالى: وَلا يَلْتَفِتْ مِنْكُمْ أَحَدٌ إِلَّا امْرَأَتَكَ [هود/ ٨١] . وفي الحديث في صفته (ص) : فإذا التفت التفت جميعا، أراد أنه لا يسارق النظر. وفي الحديث أيضا: «إن الله يبغض البليغ من الرجال الذي يلفت الكلام كما تلفت البقرة الخلى «١» بلسانها» . أقول: إن ما في الحديث يذكّر بأقوال المعاصرين مما ولّدوه متأثرين باللغات الغربية الأعجمية وهو قولهم: اللّف والدوران، وفلان يلف ويدور أي: لا يفصح ويعمّي عن قصد، وهي صفة تقرب من الاحتيال والخداع. ويقولون في العربية المعاصرة: وهذا يلفت النظر، من «ألفت» وهو رباعيّ مولّد لا تعرفه الفصيحة. وقولهم: «ألفت النظر» ، وهو ملفت للنظر في العربية المعاصرة، جديد من المجازات التي جدّت في العربية، والأصل فيها نقل ما في اللغات الأعجمية. ومن المفيد أن نقف قليلا على مادة «لفت» ، لندرك سعة العربية التي جاءت بالفرائد من هذا الأصل القديم. قالوا: واللّفوت من النساء: التي تكثر التلفّت، وقيل: هي التي يموت زوجها أو يطلّقها ويدع عليها صبيانا، فهي تكثر التلفّت إلى صبيانها. وقيل: هي التي لها زوج، ولها ولد من غيره، فهي تلفّت إلى ولدها. وفي الحديث: لا تتزوّجنّ لفوتا، وهي التي لها ولد من زوج آخر، فهي لا تزال تلتفت إليه وتشتغل به عن الزوج. والألفت: القويّ اليد الذي يلفت من عالجه، أي: يلويه. والألفت والألفك في كلام تميم: الأعسر، سمّي بذلك لأنه يعمل بجانبه الأميل. وفي كلام قيس: الأحمق مثل الأعفت، والأنثى لفتاء. وفوائد أخرى قديمة أشارت إليها المعجمات. ١١- وقال تعالى: رَبَّنَا اطْمِسْ عَلى أَمْوالِهِمْ [الآية ٨٨] . أريد بالأمر في الآية الدعاء عليهم،

стр. 886

والمراد بالطّمس على الأموال تغييرها عن جهتها إلى جهة لا ينتفع بها. والطّموس: الدروس والامّحاء، وطمس الطريق يطمس ويطمس طموسا: درس وامّحى أثره. وطمسته طمسا يتعدّى ولا يتعدّى، وانطمس الشيء وتطمّس: امّحى ودرس. وقال تعالى: وَلَوْ نَشاءُ لَطَمَسْنا عَلى أَعْيُنِهِمْ [يس/ ٦٦] . ومعناه: لأعميناهم. ويكون الطموس بمعنى المسخ، كقوله تعالى: مِنْ قَبْلِ أَنْ نَطْمِسَ وُجُوهاً [النساء/ ٤٧] . وكما ورد التعبير القرآنيّ: لَطَمَسْنا عَلى أَعْيُنِهِمْ في الآية السابقة، كذلك فقد ورد التعبير القرآنيّ: فَطَمَسْنا أَعْيُنَهُمْ في قوله تعالى: وَلَقَدْ راوَدُوهُ عَنْ ضَيْفِهِ فَطَمَسْنا أَعْيُنَهُمْ [القمر/ ٣٧] . أي: مسحناها كسائر الوجه فلم ير لها شقّ، فلما تغيّر المعنى صير إلى المتعدي، ولم يأت بالخافض «على» كما في الآية. وطمس النجم ذهاب ضوئه، ومنه قوله تعالى: فَإِذَا النُّجُومُ طُمِسَتْ (٨) [المرسلات] . أقول: والذي لنا من هذا الفعل في العربية المعاصرة، هو غير المتعدي «انطمس» ، لذهاب الأثر والامّحاء. ولنا في اللهجات الدارجة قول العامة: طمس الرجل، وطمس الشيء، وهو الغطس في الماء وغيره كالوحل. ١٢- وقال تعالى: فَاسْتَقِيما وَلا تَتَّبِعانِّ سَبِيلَ الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ (٨٩) . أقول: قوله تعالى: وَلا تَتَّبِعانِّ، فعل أمر مسند إلى ألف الاثنين، وحقه أن تحذف منه نون الرفع «نون الاثنين» . وهذا يعني أن النون المكسورة المشدّدة هي نون التوكيد. وقرئ بالنون الخفيفة وكسرها لالتقاء الساكنين، كما قالوا تشبيها بنون التثنية، وقرئ بتخفيف التاء أيضا. ١٣- وقال تعالى: فَلَوْلا كانَتْ قَرْيَةٌ آمَنَتْ فَنَفَعَها إِيمانُها [الآية ٩٨] . فَلَوْلا كانَتْ قَرْيَةٌ، أي: فهلّا كانت قرية واحدة.

стр. 887

فمعنى (لولا) ، الحضّ فهي بمنزلة «هلّا» ، ومثلها قوله تعالى: وَيَقُولُونَ لَوْلا أُنْزِلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِنْ رَبِّهِ فَقُلْ إِنَّمَا الْغَيْبُ لِلَّهِ [الآية ٢٠] . ١٤- وقال تعالى: ثُمَّ نُنَجِّي رُسُلَنا وَالَّذِينَ آمَنُوا كَذلِكَ حَقًّا عَلَيْنا نُنْجِ الْمُؤْمِنِينَ (١٠٣) . أقول: حذفت الياء من «ننج» لغرض صوتي، وذلك لأن قصر المدّ والاكتفاء بالكسر مما يتطلبه إسكان اللام في الْمُؤْمِنِينَ، ليكون بين الجيم واللام صوت قصير هو الكسرة لأن المد الطويل، أي: الياء لا يجعل الكلمتين مرتبطتين على هذا النحو من الإحكام. وإلا فليس من سبب آخر نحوي، أو ما يسمّى خط المصحف اقتضى ذلك.

стр. 888

المبحث السادس المعاني اللغوية في سورة «يونس» «١» قال تعالى: أَنَّ لَهُمْ قَدَمَ صِدْقٍ [الآية ٢] القدم هاهنا: التقديم، كما تقول: «هؤلاء أهل القدم في الإسلام» أي: الذين قدّموا خيرا فكان لهم فيه تقديم «٢» . وقال تعالى: وَقَدَّرَهُ مَنازِلَ [الآية ٥] ثقيلة وَقَدَّرَهُ ممّا يتعدى إلى مفعولين، كأنه «وجعله منازل» . وقال تعالى: جَعَلَ الشَّمْسَ ضِياءً وَالْقَمَرَ نُوراً [الآية ٥] فجعل القمر هو النور كما تقول: «جعله الله خلقا» وهو «مخلوق» و «هذا الدرهم ضرب الأمير» . وهو «مضروب» . وقال جلّ شأنه: وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْناً [البقرة/ ٨٣] فجعل الحسن هو المفعول كالخلق. وقال تعالى: وَقَدَّرَهُ مَنازِلَ وقد ذكر الشمس والقمر كما قال وَاللَّهُ وَرَسُولُهُ أَحَقُّ أَنْ يُرْضُوهُ [التوبة/ ٦٢] . وقال سبحانه: كَأَنْ لَمْ يَدْعُنا إِلى ضُرٍّ مَسَّهُ [الآية ١٢] وكَأَنْ لَمْ يَلْبَثُوا إِلَّا ساعَةً [الآية ٤٥] وهذا في الكلام كثير وهي «كأنّ» الثقيلة ولكن أضمر فيها فخفّفت كما تخفف أنّ ويضمر فيها، وإنما هي «كأنه لم» وقال الشاعر «٣» [من الخفيف وهو الشاهد الثامن والعشرون بعد المائتين] :

стр. 889

وي كأن من يكن له نشب يحبب ... ومن يفتقر يعش عيش ضرّ وكما قال «١» [من الهزج وهو الشاهد التاسع والعشرون بعد المائتين] : [وصدر مشرق النّحر] ... كأن ثدياه حقّان «٢» أي: كأنه ثدياه حقّان. وقال بعضهم «كأن ثدييه» فخفّفها وأعملها، ولم يضمر فيها. وقال تعالى: وَما كانَ النَّاسُ إِلَّا أُمَّةً واحِدَةً [الآية ١٩] على خبر «كان» كما إِنْ كانَتْ إِلَّا صَيْحَةً [يس/ ٢٩ و ٥٣] . أي «إن كانت تلك إلّا صيحة واحدة» . وقال تعالى: يَهْدِيهِمْ رَبُّهُمْ بِإِيمانِهِمْ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمُ الْأَنْهارُ [الآية ٩] كأن (تجري) مبتدأة منقطعة من الأوّل. وقال تعالى: حَتَّى إِذا كُنْتُمْ فِي الْفُلْكِ وَجَرَيْنَ بِهِمْ [الآية ٢٢] ، وإنما قيل: وَجَرَيْنَ بِهِمْ لأنّ (الفلك) يكون واحدا وجماعة. قال تعالى: فِي الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ (٤١) [الشعراء/ ١١٩ ويس/ ٤١] وهو مذكر. وأمّا قوله جلّ شأنه حَتَّى إِذا كُنْتُمْ فِي الْفُلْكِ فجوابه قوله سبحانه: جاءَتْها رِيحٌ عاصِفٌ [الآية ٢٢] . وأمّا قوله تعالى: دَعَوُا اللَّهَ [الآية ٢٢] فجواب لقوله سبحانه: وَظَنُّوا أَنَّهُمْ أُحِيطَ بِهِمْ [الآية ٢٢] وإنما قال بِهِمْ وقد قال كُنْتُمْ بذكر الغائب ومخاطبته. قال الشاعر «٣» [من الطويل وهو الشاهد العاشر بعد المائة] : أسيئي بنا أو أحسني لا ملومة ... لدينا ولا مقليّة أن تقلّت وقال تعالى: إِنَّما بَغْيُكُمْ عَلى أَنْفُسِكُمْ مَتاعَ الْحَياةِ الدُّنْيا [الآية ٢٣] أي: وذلك متاع الحياة الدنيا، وأراد «متاعكم متاع الحياة الدّنيا» . وقال تعالى: كَماءٍ أَنْزَلْناهُ [الآية ٢٤] أي: كمثل ماء.

стр. 890

وقال تعالى: وَازَّيَّنَتْ [الآية ٢٤] أي «وتزيّنت» ولكن أدغمت التاء في الزاي لقرب المخرجين، فلمّا سكن أولها زيد فيها ألف وصل، فصارت (وازّيّنت) ثقيلة «ازّيّنا» يريد المصدر وهو من «التزيّن» وإنما زيدت الألف بالإدغام حين أدغم ليصل الكلام، لأنه لا يبتدأ بساكن. وقال تعالى: وَلا يَرْهَقُ وُجُوهَهُمْ قَتَرٌ وَلا ذِلَّةٌ [الآية ٢٦] ، لأنه من «رهق» «يرهق» «رهقا» . وقال تعالى فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِثْلِهِ [الآية ٣٨] وهذا، والله أعلم، «على مثل سورته» وألقى «١» السورة كما قال: وَسْئَلِ الْقَرْيَةَ ( [يوسف/ ٨٢] يريد «أهل القرية» . وقال تعالى: جَزاءُ سَيِّئَةٍ بِمِثْلِها [الآية ٢٧] وزيدت الباء، كما زيدت في قولك «بحسبك قول السوء» . وقال تعالى في قراءة من قرأ: (كَأَنَّما أُغْشِيَتْ وُجُوهُهُمْ قِطَعاً مِنَ اللَّيْلِ مُظْلِماً) [الآية ٢٧] فالعين «٢» ساكنة لأنه ليس جماعة «القطعة» ولكنه «قطع» اسم على حياله «٣» . وقرأ عامّة الناس قِطَعاً» يريدون به جماعة «القطعة» ويستند الأول إلى قوله تعالى: مُظْلِماً لأن «القطع» واحد فيكون «المظلم» من صفته. والذين قالوا «القطع» يعنون به الجمع، وقالوا نجعل مُظْلِماً حالا ل اللَّيْلِ. وقال تعالى: مَكانَكُمْ أَنْتُمْ وَشُرَكاؤُكُمْ [الآية ٢٨] في معنى «انتظروا أنتم وشركاؤكم» . وقال تعالى: هُنالِكَ تَبْلُوا كُلُّ نَفْسٍ ما أَسْلَفَتْ

стр. 891

[الآية ٣٠] أي: تخبر. وقرأ بعضهم «١» تتلو أي: تتبعه. وقال تعالى: أَمَّنْ يَمْلِكُ السَّمْعَ وَالْأَبْصارَ [الآية ٣١] . فإن قلت: «كيف دخلت (أم) على (من) فلأن (من) ليست في الأصل للاستفهام وانما يستغنى بها عن الألف، فلذلك أدخلت عليها (أم) ، كما أدخل على (هل) حرف الاستفهام وإنما الاستفهام، في الأصل الألف. و (أم) تدخل لمعنى لا بد منه. قال الشاعر «٢» [من الطويل وهو الشاهد الثلاثون بعد المائتين] : أبا مالك هل لمتني مذ حضضتني ... على القتل أم هل لامني لك لائم «٣» في قوله تعالى: ماذا يَسْتَعْجِلُ مِنْهُ الْمُجْرِمُونَ (٥٠) ، إن شئت جعلت (ماذا) اسما بمنزلة (ما) وإن شئت جعلت (ذا) بمنزلة «الذي» . وقال تعالى: وَيَسْتَنْبِئُونَكَ أَحَقٌّ هُوَ [الآية ٥٣] كأنه قال «ويقولون أحقّ هو» . وقال تعالى: قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ (٥٨) . وقرأ بعضهم (تجمعون) «٤» أي: تجمعون يا معشر الكفار. وقرأ بعضهم (فلتفرحوا) «٥»

стр. 892

وهي لغة للعرب رديئة، لأن هذه اللام إنما تدخل في الموضع الذي لا يقدر فيه على «افعل» يقولون: «ليقل زيد» لأنك لا تقدر على «افعل» . ولا تدخل اللام إذا كلمت الرجل فقلت «قل» ولم تحتج إلى اللام «١» . وقوله تعالى: فَبِذلِكَ بدل من قوله سبحانه: قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ. وقال تعالى في قراءة من قرأ: (وما يعزب عن ربّك من مثقال ذرّة في الأرض ولا في السّماء ولا أصغر من ذلك ولا أكبر) [الآية ٦١] على تقدير: «ولا يعزب عنه أصغر من ذلك ولا أكبر» بالرفع «٢» . وقرأ أكثرهم (ولا أصغر من ذلك ولا أكبر) «٣» بالفتح أي: (ولا من أصغر من ذلك ولا من أكبر) ولكنه «أفعل» ولا ينصرف، وهذا أجود في العربية، واكثر في القراءة، وبه نقرأ. وقال تعالى: فَأَجْمِعُوا أَمْرَكُمْ وَشُرَكاءَكُمْ [الآية ٧١] تقول العرب: أجمعت أمري أي أجمعت على أن أقول كذا، أي عزمت عليه وقرأ بعضهم (وشركاؤكم) «٤» والنصب أحسن «٥» لأنك لا تجري الظاهر

стр. 893

المرفوع على المضمر المرفوع، إلا أنه قد حسن، في هذا، للفصل الذي بينهما، كما في قوله تعالى: أَإِذا كُنَّا تُراباً وَآباؤُنا [النمل/ ٦٧] فحسن، لأنه فصل بينهما بقوله سبحانه تُراباً. وقرأ بعضهم (فاجمعوا) «١» . وبالمقطوع نقرأ. وفي قوله تعالى: ثُمَّ لا يَكُنْ أَمْرُكُمْ عَلَيْكُمْ غُمَّةً [الآية ٧١] يَكُنْ جزم بالنهي. وقال تعالى: أَتَقُولُونَ لِلْحَقِّ لَمَّا جاءَكُمْ أَسِحْرٌ هذا [الآية ٧٧] قرئ سِحْرٌ على الحكاية لقولهم، كما ورد في التنزيل: أَسِحْرٌ هذا، وقول موسى (ع) أَتَقُولُونَ أَسِحْرٌ هذا «٢» . وقال تعالى: لِتَلْفِتَنا [الآية ٧٨] من لفت يلفت، نحو أنا ألفته، «لفتا» أي: ألويه عن حقّه. وقال تعالى: ما جِئْتُمْ بِهِ السِّحْرُ [الآية ٨١] أي: (الذي جئتم به السحر) وقرأ بعضهم (السحر) بالاستفهام «٣» . وقال سبحانه: عَلى خَوْفٍ مِنْ فِرْعَوْنَ وَمَلَائِهِمْ [الآية ٨٣] أي ملأ الذرّيّة «٤» . وقال تعالى: رَبَّنَا اطْمِسْ عَلى أَمْوالِهِمْ وَاشْدُدْ عَلى قُلُوبِهِمْ فَلا يُؤْمِنُوا [الآية ٨٨] بنصب يُؤْمِنُوا لأنّه جواب الدعاء بالفاء. قال تعالى: رَبَّنا لِيُضِلُّوا عَنْ سَبِيلِكَ [الآية ٨٨] أيّ: فضلّوا. كما قال سبحانه: فَالْتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوًّا وَحَزَناً [القصص/ ٨] أي: فكان. وهم لم يلتقطوه ليكون

стр. 894

لهم عدوّا وحزنا، وإنّما التقطوه فكان، هذه اللام تجيء في هذا المعنى. وقوله تعالى: فَلا يُؤْمِنُوا عطف على لِيُضِلُّوا في الآية ٨٨ نفسها، من سورة يونس. وقال تعالى: فَالْيَوْمَ نُنَجِّيكَ بِبَدَنِكَ [الآية ٩٢] قرأ بعضهم (ننجيك) «١» وقوله سبحانه: بِبَدَنِكَ أي: لا روح فيه «٢» . وقال بعضهم معنى: نُنَجِّيكَ نرفعك على نجوة من الأرض. وليس قولهم: «أنّ البدن هاهنا» «الدرع» بشيء ولا له معنى «٣» . وقال تعالى: وَلَوْ جاءَتْهُمْ كُلُّ آيَةٍ [الآية ٩٧] بتأنيث فعل الكل، عند إضافته الى الآية، وهي مؤنّثة «٤» . وقال تعالى: لَآمَنَ مَنْ فِي الْأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعاً [الآية ٩٩] فجاء بقوله جَمِيعاً توكيدا، كما في قوله سبحانه: لا تَتَّخِذُوا إِلهَيْنِ اثْنَيْنِ [النحل/ ٥١] ففي قوله: إِلهَيْنِ دليل على الإثنين «٥» . وقال تعالى: كَذلِكَ حَقًّا عَلَيْنا نُنْجِ الْمُؤْمِنِينَ (١٠٣) أي: «كذلك ننجي المؤمنين حقّا علينا» . وقال تعالى: وَأَنْ أَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفاً [الآية ١٠٥] أي: وأمرت أن أقم وجهك للدّين.

стр. 895

المبحث السابع لكل سؤال جواب في سورة «يونس» «١» إن قيل: لم قال الله تعالى: يُفَصِّلُ الْآياتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ (٥) ، والله تعالى فصّل الآيات للعلماء وسواهم. قلنا: لمّا كان تفصيل الآيات مخصوصا بالعلماء، وكان انتفاعهم بالتفصيل أكثر من انتفاع سواهم به، فقد أضاف التفصيل إليهم وخصهم به. فإن قيل: لم قال تعالى سَلامٌ وَآخِرُ دَعْواهُمْ أَنِ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ (١٠) ، مع أن أقوال أهل الجنة وأحوالهم لا آخر لها، لأن الجنة دار الخلود؟ قلنا: معناه آخر دعائهم في كل مجلس، دعاء أو ذكر أو تسبيح، فإن أهل الجنة يسبّحون ويذكرون للتنعم والتلذذ بالذكر والتسبيح. فإن قيل: قد أنكر الله تعالى على الكفار احتجاجهم بمشيئته، في قوله سبحانه: لَوْ شاءَ اللَّهُ ما أَشْرَكْنا وَلا آباؤُنا [الأنعام/ ١٤٨] . ولهذا لا يجوز للعاصي أن يحتج في وجود المعصية منه، بقوله لو شاء الله ما فعلت هذه المعصية فلا تقيموا عليّ حدها فكيف ورد في التنزيل على لسان النبي (ص) : لَوْ شاءَ اللَّهُ ما تَلَوْتُهُ عَلَيْكُمْ [الآية ١٦] ؟ قلنا: النبي (ص) قال هذه الجملة بأمر الله تعالى، لأن الله قال له: قُلْ لَوْ شاءَ اللَّهُ ما تَلَوْتُهُ عَلَيْكُمْ وللعبد أن يحتجّ بمشيئة الله إذا أمره الله أن يحتج بها، أما ما ليس

стр. 896

كذلك، فليس له أن يحتجّ بمجرّد المشيئة، وما أوردتموه كذلك. فإن قيل: لم قال تعالى: فَلَمَّا أَنْجاهُمْ إِذا هُمْ يَبْغُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ [الآية ٢٣] . والبغي لا يكون إلا بغير الحق، لأن البغي هو التعدي والفساد، من قولهم بغى الجرح إذا فسد، كذا قاله الأصمعي، فما فائدة التقييد؟. قلنا: قد يكون الفساد بالحق، كاستيلاء المسلمين على أرض الكفار، وهدم دورهم، وإحراق زروعهم، وقطع أشجارهم، كما فعل رسول الله (ص) ببني قريظة. فإن قيل: لم شبه الله تعالى الحياة الدنيا بماء السماء دون ماء الأرض، فقال سبحانه: إِنَّما مَثَلُ الْحَياةِ الدُّنْيا كَماءٍ أَنْزَلْناهُ مِنَ السَّماءِ [الآية ٢٤] ؟ قلنا: لأن ماء السماء وهو المطر، لا تأثير لكسب العبد فيه، ولا حيلة للعبد في زيادته ونقصانه، كما أن الحياة لا حيلة للعبد في زيادتها ونقصانها. الثاني: أن ماء السماء يستوي فيه جميع الخلائق، الوضيع والشريف، الغني والفقير، الحيوان وغيره أيضا كالمدر والحجر والشوك والثمر، كما أن الحياة كذلك، فكأن تشبيه الحياة بماء السماء أشد مناسبة ومطابقة. فإن قيل: لم قال تعالى: وَيَوْمَ نَحْشُرُهُمْ جَمِيعاً ثُمَّ نَقُولُ لِلَّذِينَ أَشْرَكُوا مَكانَكُمْ أَنْتُمْ وَشُرَكاؤُكُمْ [الآية ٢٨] وقال في موضع آخر وَلا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ يَوْمَ الْقِيامَةِ [البقرة/ ١٧٤] . قلنا: يوم القيامة مواقف ومواطن، ففي موقف لا يكلّمهم، وفي موقف يكلّمهم، ونظيره قوله تعالى: فَيَوْمَئِذٍ لا يُسْئَلُ عَنْ ذَنْبِهِ إِنْسٌ وَلا جَانٌّ (٣٩) [الرحمن] وقوله فَوَ رَبِّكَ لَنَسْئَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ (٩٢) عَمَّا كانُوا يَعْمَلُونَ (٩٣) [الحجر] . الثاني المراد أنه لا يكلمهم كلام إكرام بل كلام توبيخ وتقريع. فإن قيل: قوله تعالى: قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّماءِ وَالْأَرْضِ [الآية ٣١] إلى آخر الآية، يدل على أنهم معترفون أن الله تعالى هو الخالق والرازق والمدبّر لجميع المخلوقات، فكيف يعترفون بذلك كله ثم يعبدون الأصنام؟ قلنا: كانوا، في عبادتهم الأصنام، يعتقدون أنهم يتقرّبون بها إلى الله سبحانه فطائفة منهم كانت تقول نحن

стр. 897

لا نتأهّل لعبادة الله تعالى بغير واسطة، لعظمة إجلاله، ونقصنا وحقارتنا، فجعلوا الأصنام وسائط، كما قال تعالى: ما نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونا إِلَى اللَّهِ زُلْفى [الزمر/ ٣] وطائفة كانت تقول: نتّخذ أصناما على هيئة الملائكة، ونعبدهم، لتشفع لنا الملائكة عند الله، ليقرّبونا إلى الله، وطائفة كانت تقول: الأصنام قبلة لنا في عبادة الله، كما أن الكعبة قبلة في عبادته، وطائفة، وهي الأكثر، كانت تقول: على كل صنم شيطان موكل به من عند الله، فمن عبد الصنم حق عبادته، قضى الشيطان حوائجه على وفق مراده، بأمر الله، ومن قصّر في عبادة الصنم أصابه الشيطان بنكبة بأمر الله فكل الطوائف من عبدة الأصنام، كانوا يعتقدون بعبادتهم الأصنام عبادة الله، والتقرب إليه، ولكن بطرق مختلفة. فإن قيل: لم قال تعالى: فَإِلَيْنا مَرْجِعُهُمْ ثُمَّ اللَّهُ شَهِيدٌ عَلى ما يَفْعَلُونَ (٤٦) فحصر سبحانه شهادته على أفعالهم، في الآخرة، مع أنه شهيد على أفعالهم في الدنيا والآخرة؟ قلنا: ذكر الشهادة وأراد مقتضاها ونتيجتها، وهو العقاب والجزاء، فكأنه قال: ثم الله يعاقب على ما يفعلون، أو مجاز على ما يفعلون، كما قال تعالى: وَما تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ يَعْلَمْهُ اللَّهُ [البقرة/ ١٩٧] ونظائره في القرآن العزيز كثيرة. فإن قيل: لم قال تعالى: بَياتاً أَوْ نَهاراً [الآية ٥٠] ولم يقل ليلا أو نهارا، وهو أظهر في المطابقة، استعمالا مع النهار في القرآن العزيز وغيره؟ قلنا: لأن المعهود المألوف في كلام العرب، عند ذكر البطش والإهلاك والوعيد والتهديد، ذكر لفظ البيات سواء أقرن به النهار أم لم يقرن، فلذلك لم يقل ليلا. فإن قيل: لم قال تعالى: ماذا يَسْتَعْجِلُ مِنْهُ الْمُجْرِمُونَ (٥٠) أي ماذا يستعجلون منه، وأول الآية للمواجهة؟ قلنا: أراد بذكر المجرمين الدلالة على موجب ترك الاستعجال، وهو الإجرام، لأن من حق المجرم أن يخاف التعذيب على إجرامه ويفزع من مجيئه، وإن أبطأ، فضلا عن أن يستعجله.

стр. 898

فإن قيل: لم قال تعالى: قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذلِكَ فَلْيَفْرَحُوا [الآية ٥٨] ولم يقل فبذينك، والمشار إليه اثنان: الفضل والرحمة. قلنا: قد سبق مثل هذا السؤال وجوابه في سورة البقرة في قوله تعالى عَوانٌ بَيْنَ ذلِكَ [البقرة/ ٦٨] . فإن قيل: قوله تعالى: وَما ظَنُّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ يَوْمَ الْقِيامَةِ [الآية ٦٠] تهديد، لأن فيه محذوفا تقديره: وما ظنهم أن الله فاعل بهم يوم القيامة بكذبهم، فكيف يناسبه قوله تعالى بعده: إِنَّ اللَّهَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ. قلنا: هو مناسب، لأن معناه أن الله لذو فضل على الناس، حيث أنعم عليهم بالعقل، والوحي، والهداية، وتأخّر العذاب، وفتح باب التوبة فكيف يفترون على الله الكذب مع توافر نعمه عليهم؟ فإن قيل: لم قال تعالى: وَما تَكُونُ فِي شَأْنٍ وَما تَتْلُوا مِنْهُ مِنْ قُرْآنٍ [الآية ٦١] ، فأفرد، ثم قال في الآية نفسها وَلا تَعْمَلُونَ مِنْ عَمَلٍ فجمع، والخطاب للنبي (ص) ؟ قلنا: قال ابن الأنباري: إنما جمع في الفعل الثالث ليدل على أن الأمة داخلون مع النبي (ص) في الفعلين الأوّلين. وقال غيره: المراد بالفعل الثالث أيضا النبي (ص) وحده، وإنما جمع تفخيما له وتعظيما كما في قوله تعالى: أَفَتَطْمَعُونَ أَنْ يُؤْمِنُوا لَكُمْ [البقرة/ ٧٥] على قول ابن عباس ﵄، وكما في قوله تعالى: يا أَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّباتِ [المؤمنون/ ٥١] . والمراد به النبي (ص) ، كذا قاله ابن عباس والحسن وغيرهما، واختاره ابن قتيبة والزجّاج. فإن قيل: لم قدّم الأرض على السماء في قوله تعالى: وَما يَعْزُبُ عَنْ رَبِّكَ مِنْ مِثْقالِ ذَرَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلا فِي السَّماءِ [الآية ٦١] وقدّم السماء على الأرض في قوله تعالى في سورة سبأ: عالِمِ الْغَيْبِ لا يَعْزُبُ عَنْهُ مِثْقالُ ذَرَّةٍ فِي السَّماواتِ وَلا فِي الْأَرْضِ [سبأ/ ٣] ؟ قلنا: حق السماء أن تقدم على الأرض مطلقا لأنها أشرف، لكنه لما ذكر هنا في صدر الآية شهادته على شؤون أهل الأرض وأقوالهم وأعمالهم، ثم أردفه بقوله سبحانه:

стр. 899

وَما يَعْزُبُ عَنْ رَبِّكَ [الآية ٦١] ناسب ذلك تقديم الأرض على السماء. الثاني أن العطف بالواو نظير التثنية وحكمه حكمها، فلا يعطى رتبة كالتثنية. فإن قيل: لم قال تعالى هنا: إِنَّ الْعِزَّةَ لِلَّهِ جَمِيعاً [الآية ٦٥] وقال في موضع آخر وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ [المنافقون/ ٨] ؟ قلنا: أثبت الاشتراك في نفس العزة التي هي في حق الله تعالى القدرة والغلبة، وفي حق الرسول (ص) علوّ كلمته وإظهار دينه، وفي حقّ المؤمنين نصرهم على أعدائهم، وقوله تعالى: إِنَّ الْعِزَّةَ لِلَّهِ جَمِيعاً [الآية ٦٥] أراد به العزة الكاملة التي يندرج فيها عزة الإلهية، والخلق، والإماتة، والإحياء والبقاء الدائم، وما أشبه ذلك فلا تنافي. فإن قيل: إذا كانت السموات والأرض، وما فيهما من المخلوقات، وما وراءهما كل ذلك لله تعالى ملكا وخلقا، فما فائدة التخصيص في قوله تعالى في الآية التالية: مَنْ فِي السَّماواتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ؟ قلنا: إنما خص العقلاء المميّزين بالذكر، وهم الملائكة والثقلان، ليعلم أن هؤلاء إذا كانوا عبيدا له، وهو ربّهم، ولا يصلح أحد منهم للربوبية، ولا للشركة معه، فما وراءهم ممّا لا يعقل كالأصنام والكواكب ونحوهما، أحقّ أن لا تكون له ندّا وشريكا. فإن قيل: لم ورد قوله تعالى على لسان موسى (ع) أَتَقُولُونَ لِلْحَقِّ لَمَّا جاءَكُمْ أَسِحْرٌ هذا [الآية ٧٧] على طريق الاستفهام، وهم إنّما قالوا ذلك على طريق الإخبار، أو التحقيق المؤكّد، بأن واللام، لا على طريق الاستفهام، قال الله تعالى: فَلَمَّا جاءَهُمُ الْحَقُّ مِنْ عِنْدِنا قالُوا إِنَّ هذا لَسِحْرٌ مُبِينٌ (٧٦) ؟ قلنا: فيه إضمار تقديره. أتقولون للحق لمّا جاءكم إن هذا لسحر مبين. ثم قال أَسِحْرٌ هذا إنكارا لما قالوه، فالاستفهام من قول موسى (ع) لا مفعول لقولهم. فإن قيل: لم نوّع الخطاب في قوله تعالى: وَأَوْحَيْنا إِلى مُوسى وَأَخِيهِ أَنْ تَبَوَّءا لِقَوْمِكُما بِمِصْرَ بُيُوتاً وَاجْعَلُوا بُيُوتَكُمْ

стр. 900

قِبْلَةً وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ (٨٧) فثنّي أولا ثم جمع ثم أفرد؟ قلنا: خوطب أولا موسى وهارون أن يتبوّءا لقومهما بيوتا، ويختاراها للعبادة، وذلك ممّا يفوض إلى الأنبياء عليهم الصلاة والسلام، ثم سيق الخطاب عامّا لهما، ولقومهما، باتّخاذ المساجد والصلاة فيها، لأن ذلك واجب على الجمهور، ثم خصّ موسى (ع) بالبشارة تعظيما لها أو تعظيما له ﵇. فإن قيل: لم قال تعالى: قَدْ أُجِيبَتْ دَعْوَتُكُما [الآية ٨٩] أضافها إليهما، والدعوة إنما صدرت عن موسى ﵇، قال الله تعالى: وَقالَ مُوسى رَبَّنا إِنَّكَ آتَيْتَ فِرْعَوْنَ وَمَلَأَهُ زِينَةً [الآية ٨٨] إلى آخر الآية؟ قلنا: نقل أن موسى (ع) كان يدعو، وهارون (ع) كان يؤمّن على دعائه والتأمين دعاء في المعنى، فلهذا أضاف الدعوة إليهما. الثاني: أنه يجوز أن يكون هارون دعا أيضا مع موسى، إلا أن الله تعالى خصّ موسى بالذكر، لأنه كان أسبق بالدعوة، وكان أصلا فيها، فجاء هارون ليعاونه في حملها بدعوة من موسى، استجاب لها الله تعالى. فإن قيل: لو كان كذلك، لقال تعالى دعونا كما بالتثنية؟ قلنا: لما كانت الدعوة مصدرا، اكتفي بذكرها في موضع الإفراد والتثنية والجمع بصيغة واحدة كسائر المصادر، ونظيره قوله تعالى: خَتَمَ اللَّهُ عَلى قُلُوبِهِمْ وَعَلى سَمْعِهِمْ وَعَلى أَبْصارِهِمْ غِشاوَةٌ [البقرة/ ٧] . فإن قيل: لم قال تعالى فَإِنْ كُنْتَ فِي شَكٍّ مِمَّا أَنْزَلْنا إِلَيْكَ [الآية ٩٤] و «إن» إنما تدخل على ما هو محتمل الوجود، وشك النبي (ص) في القرآن منتف قطعا؟ قلنا: الخطاب ليس للنبي (ص) بل لمن كان شاكّا في القرآن، وفي نبوة محمد (ص) ، فكأنه قال «فإن كنت أيّها الإنسان في شكّ» . فإن قيل: قوله تعالى: مِمَّا أَنْزَلْنا إِلَيْكَ يدل على أن الخطاب للنبي (ص) لا لغيره. قلنا: لا يدل، قال الله تعالى: يا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جاءَكُمْ بُرْهانٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَأَنْزَلْنا إِلَيْكُمْ نُوراً مُبِيناً (١٧٤) [النساء]

стр. 901

وقال تعالى: يَحْذَرُ الْمُنافِقُونَ أَنْ تُنَزَّلَ عَلَيْهِمْ سُورَةٌ [التوبة/ ٦٤] . الثاني أن الخطاب للنبي (ص) والمراد غيره، كما في قوله تعالى: يا أَيُّهَا النَّبِيُّ اتَّقِ اللَّهَ وَلا تُطِعِ الْكافِرِينَ وَالْمُنافِقِينَ [الأحزاب/ ١] ويعضده قوله تعالى: إِنَّ اللَّهَ كانَ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيراً (٩٤) [النساء] ويعضد هذا الوجه قوله تعالى بعده: قُلْ يا أَيُّهَا النَّاسُ إِنْ كُنْتُمْ فِي شَكٍّ مِنْ دِينِي [الآية ١٠٤] . الثالث: أن تكون «إن» بمعنى ما، تقديره: فما كنت في شكّ مما أنزلناه إليك فاسأل. المعنى لسنا نأمرك أن تسأل أحبار اليهود والنصارى عن صدق كتابك، لأنك في شكّ منه، بل لتزداد بصيرة ويقينا وطمأنينة. الرابع: أن الخطاب للنبي (ص) ، مع انتفاء الشك منه قطعا، أو المراد به إلزام الحجة على الشاكّين الكافرين، كما يقول لعيسى (ع) أَأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّي إِلهَيْنِ مِنْ دُونِ اللَّهِ [المائدة/ ١١٦] وهو عالم بانتفاء هذا القول منه، لإلزام الحجّة على النصارى. فإن قيل: قوله تعالى: وَلَوْ شاءَ رَبُّكَ لَآمَنَ مَنْ فِي الْأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعاً [الآية ٩٩] ما الحكمة في ذكر جَمِيعاً بعد قوله سبحانه كُلُّهُمْ وهو يفيد الشمول والإحاطة؟ قلنا: «كلّ» يفيد الشمول والإحاطة، ولا يدل على وجود الإيمان منهم بصفة الاجتماع، و «جميعا» يدل على وجوده منهم في حالة واحدة، كما تقول جاءني القوم جميعا: أي مجتمعين، ونظيره قوله تعالى: فَسَجَدَ الْمَلائِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ (٣٠) [الحجر] . فإن قيل: قوله تعالى: قُلِ انْظُرُوا ماذا فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ [الآية ١٠١] كيف يصح هذا الأمر، مع أنّا لا نعلم جميع ما فيهما ولا نراه؟ قلنا: هو عامّ أريد به ما ندركه بالبصر ممّا فيهما، كالشمس والقمر والنجوم والجبال والبحار والمعادن والحيوانات والنبات، ونحو ذلك ممّا يدل على وجود الصانع وتوحيده وعظيم قدرته، فيستدلّ به على ما وراءه. فإن قيل في قوله تعالى: وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلا كاشِفَ لَهُ إِلَّا هُوَ وَإِنْ يُرِدْكَ بِخَيْرٍ فَلا رَادَّ لِفَضْلِهِ [الآية ١٠٧] ما الحكمة في ذكر المسّ في الضر، والإرادة في الخير؟

стр. 902

قلنا: لاستعمال كل من المسّ والإرادة في كل من الضرّ والخير، وأنه لا مزيل لما يصيب به منهما، ولا رادّ لما يريده فيهما، فأوجز الكلام بأن ذكر المسّ في أحدهما، والإرادة في الآخر، ليدلّ بما ذكر على ما لم يذكر، مع أنه قد ذكر المسّ فيهما في سورة الأنعام، وإنما عدل هنا عن لفظ المسّ المذكور في سورة الأنعام، إلى لفظ الإرادة، لأن الجزاء هنا قوله تعالى: فَلا رَادَّ لِفَضْلِهِ [الآية ١٠٧] والرد إنما يكون في ما لم يقع بعد، والمسّ إنما يكون في ما وقع، فلهذا قال تعالى ثمّ: وَإِنْ يَمْسَسْكَ بِخَيْرٍ فَهُوَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (١٧) [الأنعام] ومعناه، فإن شاء أدام ذلك الخير، وإن شاء أزاله، فلا يطلب دوامه وزيادته إلّا منه تعالى.

стр. 903

المبحث الثامن المعاني المجازية في سورة «يونس» «١» قوله سبحانه: وَبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا أَنَّ لَهُمْ قَدَمَ صِدْقٍ عِنْدَ رَبِّهِمْ [الآية ٢] وهذه استعارة. لأن المراد بالقدم هاهنا: السابقة في الإيمان، والتقدّم في الإخلاص. والعبارة عن ذلك بلفظ القدم غاية في البلاغة، لأن بالقدم يكون السبق والتقدم. فسمّيت قدما لذلك. وإن كان التأخّر أيضا يكون بها، كما يكون التقدّم بخطوها، فإنّما سمّيت بأشرف حالاتها وأنبه متصرّفاتها. وقال بعضهم: إيمانهم في الدنيا هو قدمهم في الآخرة. لأن معنى القدم في العربية: الشيء تقدّمه أمامك ليكون عدّة لك، حتى تقدم عليه. وقال بعضهم: ذكر القدم هاهنا على طريق التمثيل والتشبيه، كما تقول العرب: قد وضع فلان رجله في الباطل، وتخطّى الى غير الواجب. ومعناه أنه انتقل الى فعل ذلك، كما يتنقّل الماشي، وإن لم يحرّك قدمه، ولم ينقل خطاه. وقوله سبحانه: ثُمَّ اسْتَوى عَلَى الْعَرْشِ [الآية ٣] وهذه استعارة. لأن حقيقة الاستواء إنّما توصف بها الأجسام التي تعلو البساط وتميل وتعتدل. والمراد بالاستواء هاهنا: الاستيلاء بالقدرة والسلطان، لا بحلول القرار والمكان. كما يقال:

стр. 904

استوى «١» فلان الملك على سرير ملكه. بمعنى استولى على تدبير الملك، وملك مقعد الأمر والنهي. وحسن صفته بذلك، وإن لم يكن له في الحقيقة سرير يقعد عليه، ولا مكان عال يشار اليه. وإنما المراد نفاذ أمره في مملكته، واستيلاء سلطانه على رعيته. فإن قيل: فالله سبحانه مستول على كل شيء بقهره وغلبته، ونفاذ أمره وقدرته، فما معنى اختصاص العرش بالذكر هاهنا؟ قيل، كما ثبت، أنه تعالى ربّ لكل شيء. وقد قال في صفة نفسه، رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ (١٢٩) [التوبة والمؤمنون/ ٨٦ والنمل/ ٢٦] فإن قيل: فما معنى قولنا عرش الله، إن لم يرد بذلك كونه عليه؟ قيل كما يقال: بيت الله وإن لم يكن فيه، والعرش في السماء تطوف به الملائكة تعبّدا، كما أن البيت في الأرض تطوف به الخلائق تعبّدا. وقوله سبحانه: وَتَحِيَّتُهُمْ فِيها سَلامٌ [الآية ١٠] وهذه استعارة على بعض الأقوال. كأنّ المعنى، أنّ بشراهم بالسلامة من المخاوف عند دخول الجنّة، تجعل مكان التحية لهم. لأن لكل داخل دارا تحيّة يلقى بها، ويؤنس بسماعها. والسلام هاهنا من السلامة، لا من التسليم. وقوله سبحانه: حَتَّى إِذا أَخَذَتِ الْأَرْضُ زُخْرُفَها وَازَّيَّنَتْ وَظَنَّ أَهْلُها أَنَّهُمْ قادِرُونَ عَلَيْها [الآية ٢٤] . وهذه استعارة حسنة، لأن الزّخرف في كلامهم اسم للزّينة واختلاف الألوان المونقة. وقوله سبحانه: أَخَذَتِ الْأَرْضُ زُخْرُفَها. أي لبست زينتها بألوان الأزهار، وأصابيع الرياض، كما يقال: أخذت المرأة قناعها. إذا لبسته. وتقول لها: خذي عليك ثوبك. أي البسيه. وقوله تعالى: خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ [الأعراف/ ٣١] أي البسوا ثيابكم. وقوله سبحانه: فَجَعَلْناها حَصِيداً [الآية ٢٤] . استعارة أخرى، لأن

стр. 905

الحصيد من صفة النبات، لا من صفة الأرض. والمعنى: فجعلنا نباتها كذلك. فاكتفى بذكر الأرض من ذكر النبات لأن النبات فيها، ومنشأه منها. وقوله سبحانه: كَأَنَّما أُغْشِيَتْ وُجُوهُهُمْ قِطَعاً مِنَ اللَّيْلِ مُظْلِماً [الآية ٢٧] . وهذه استعارة. لأن الليل على الحقيقة لا يوصف بأن له قطعا متفرقة، وأجزاء متنصفة. وإنما المراد، والله أعلم، أن الليل لو كان ممّا يتبعّض وينفصل، لأشبه سواد وجوههم أبعاضه وقطعه. ونصب سبحانه مُظْلِماً على أنه حال من الليل. وفيه زيادة معنى. لأن الليل قد سمّي ليلا وإن كان مقمرا، فإنما قال سبحانه: مظلما، على أنّ التشبيه إنما وقع به أسود ما يكون جلبابا، وأبهم أثوابا. وقوله سبحانه: هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ وَالنَّهارَ مُبْصِراً [الآية ٦٧] وهذه استعارة عجيبة. وقد أومأنا الى نظيرها فيما تقدم. وذلك أنه سبحانه، إنما سمّى النهار مبصرا، لأن الناس يبصرون فيه، فكأن ذلك صفة الشيء بما هو سبب له، على طريق المبالغة. كما قالوا: ليل أعمى وليلة عمياء. إذا لم يبصر الناس فيها شيئا لشدة إظلامها. وقوله تعالى: فَأَجْمِعُوا أَمْرَكُمْ وَشُرَكاءَكُمْ ثُمَّ لا يَكُنْ أَمْرُكُمْ عَلَيْكُمْ غُمَّةً [الآية ٧١] . فَأَجْمِعُوا من الإجماع. وهذه استعارة. والمعنى اشتوروا في أمركم، وأجمعوا له بالكم، وبالغوا في قدح الرأي بينكم، حتى لا يكون أمركم غمة عليكم «١» . أي مغطّى تغطية حيرة، ومبهما إبهام جهالة، فيكون عليكم كالغمّة العمياء، والطخية «٢» الظلماء. وذلك مأخوذ من قولهم: غمّ الهلال. إذا تغطى ببعض الموانع التي تمنع من رؤيته. ثم افعلوا بي ما أنتم فاعلون. وهذه حكاية لقول نوح ﵇ لقومه. ويخرج الكلام منه على الاستقلال لكيدهم، وقلة الحفل باستجماعهم واحتشادهم. وقوله سبحانه: رَبَّنَا اطْمِسْ عَلى أَمْوالِهِمْ وَاشْدُدْ عَلى قُلُوبِهِمْ [الآية ٨٨] .

стр. 906

وهذه استعارة لأنّ حقيقة الطمس محو الأثر. من قولهم: طمست الكتاب. إذا محوت سطوره. وطمست الريح ربع الحيّ. إذا محت رسومه. فكأنّ موسى ﵇، إنما دعا الله سبحانه بأن يمحو معارف أموالهم بالمسح لها، حتى لا يعرفوها، ولا يهتدوا إليها، وتكون منقلبة عن حال الانتفاع بها، لأن الطمس تغيّر حال الشيء الى الدّثور والدّروس. وقوله تعالى: وَاشْدُدْ عَلى قُلُوبِهِمْ استعارة أخرى. إما أن يكون المراد بها ما يراد بالختم والطبع. لأن معنى الشدّ يرجع الى ذلك. أو يكون المراد به تثقيل العقاب على القلوب، بالإيلام لها، ومضاعفة الغمّ والكرب عليها. ويكون ذلك على معنى قول النبي ﷺ : «اللهم اشدد وطأتك على مضر» «١» أي غلّظ عليهم عقابك، وضاعف عليهم عذابك. وقوله سبحانه: وَأَنْ أَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفاً وَلا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (١٠٥) وهذه استعارة. وقد أومأنا الى مثلها فيما تقدّم. والمراد بها: استقم على دينك، واثبت على طريقك. وخصّ الوجه بالذكر، لأنه به يعرّف توجّه الجملة نحو الجهة المقصودة، وقد يجوز أن يكون المراد بذلك، والله أعلم، أقم وجهك أي قوّمه نحو القبلة التي هي الكعبة. مستمرّا على لزومها، وغير منحرف عن جهتها.

стр. 907

سورة هود ١١

стр. 908

المبحث الأول أهداف سورة «هود» «١» تمهيد عن الوحدة الموضوعية للسورة هود ﵇ هو أول رسول الى قوم عاد، وعاد أول أمة من نسل سام بن نوح «٢» ، وقد تحدّث القرآن كثيرا عن هود فيمن تحدّث عنهم من رسل الله الكرام وقد ذكر باسمه خمس مرات في هذه السورة التي سميت باسمه. وسورة هود من السور المكّيّة، شأنها كشأن السّور المكّيّة الأخرى: تقرير أصول الدين، وإقامة الأدلة عليها وردّ الشّبه التي كان يثيرها المعارضون حول الدعوة وصاحبها، والحديث عن اليوم الآخر وما فيه من ثواب وعقاب، وهي الموضوعات نفسها التي تحدثت عنها السورة السابقة، سورة يونس. عناصر الدعوة الإلهية والمتدبّر لسورة هود يرى أنها قررت عناصر الدعوة الإلهية- وهي التوحيد والرسالة والبعث- من طريق الحجج العقلية، مع الموازنة بين النفوس المستعدة للايمان، والنفوس النافرة منه. وقد عرضت لذلك في أربع وعشرين آية يختم بها الربع الأول منها، ثمّ أخذت السورة تتحدّث عن جملة من الرسل السابقين لبيان وحدة الدعوة الإلهية، وتسلية الرسول ﵊، وإنذارا للمكذّبين.

стр. 909

ويستغرق قصص هؤلاء الرسل الكرام معظم السورة، فتذكر قصة نوح وهود وصالح وإبراهيم ولوط وشعيب وموسى (ع) . وطريقة العرض هنا تختلف عنها في سورة أخرى، والحلقات التي تعرض من كل قصة تختلف كذلك لاختلاف السياق، فيمتنع التكرار، فيما يخيل أنه تكرار للقارئ العابر للقرآن الكريم. هذا القصص الذي يستغرق معظم سورة هود: مرتبط كلّ الارتباط بما قبله وما بعده من السورة، متناسق مع السياق حتى في التعبير اللفظي أحيانا، فالقصة والمشهد والعظة والتعقيب تتناسق كلها تناسقا عجيبا، وتكشف عن بعض وظيفة القصة في القرآن الكريم. تبدأ سورة هود بقوله تعالى. الر كِتابٌ أُحْكِمَتْ آياتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ (١) أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا اللَّهَ إِنَّنِي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ (٢) . وهذا المطلع، يقرر أن المهمة الأولى للنبي هي الدعوة إلى توحيد الله، وينذر بالعذاب من يكذّب بدعوة الله. ويبشّر بالنعيم من آمن بها. وقصص السورة كله يساق لتوكيد هذين المعنيين، فيرد في ألفاظ تكاد تكون واحدة يقولها كل رسول. وكأنما يقولها ويمضي، حتّى يأتي أخوه فيقولها كذلك ويمضي، والمكذّبون هم المكذّبون. تبدأ قصة نوح بقوله تعالى: وَلَقَدْ أَرْسَلْنا نُوحاً إِلى قَوْمِهِ إِنِّي لَكُمْ نَذِيرٌ مُبِينٌ (٢٥) أَنْ لا تَعْبُدُوا إِلَّا اللَّهَ إِنِّي أَخافُ عَلَيْكُمْ عَذابَ يَوْمٍ أَلِيمٍ (٢٦) . ثمّ بقوله جلّ وعلا حكاية على لسان هود وصالح وشعيب (ع) : يا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ ما لَكُمْ مِنْ إِلهٍ غَيْرُهُ [الآية ٥٠] . يا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ ما لَكُمْ مِنْ إِلهٍ غَيْرُهُ [الآية ٦١] . يا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ ما لَكُمْ مِنْ إِلهٍ غَيْرُهُ [الآية ٨٤] . ونهايات القصص كلّها، هلاك المكذّبين وعقوبة المعتدين، ووعيد لجميع المتكبّرين عن الإيمان بالحق، والانقياد للعقيدة الصحيحة، قال تعالى: وَكَذلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذا أَخَذَ الْقُرى وَهِيَ ظالِمَةٌ إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ (١٠٢) .

стр. 910

وتتضمّن سورة هود إثبات الوحي، وتنزيل القرآن من عند الله سبحانه، وتثبيت الرسول (ص) ، وتقوية يقينه مع من آمن به من المؤمنين، حتّى لا يضيق صدرهم بالمكذّبين والمستهزئين. ثم يختم القصص في سورة هود بقوله تعالى: وَكُلًّا نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْباءِ الرُّسُلِ ما نُثَبِّتُ بِهِ فُؤادَكَ وَجاءَكَ فِي هذِهِ الْحَقُّ وَمَوْعِظَةٌ وَذِكْرى لِلْمُؤْمِنِينَ (١٢٠) . وهكذا نجد أن القصة في القرآن الكريم، تؤدّي دورا متناسقا مع موضوع السورة وسياقها، وتعرض بالطريقة والعبارة اللتين تحققان هذا التناسق الجميل الدقيق. ١- العقيدة والايمان بالله يتضمّن الدرس الأول من السورة: دعوة المشركين إلى توحيد الله واستغفاره والتوبة ممّا هم فيه، ويبشّرهم إن فاءوا الى هذا بمتاع حسن وجزاء طيّب، وينذر المعرضين عن الدعوة بعذاب كبير، ويقرر عقيدة الإيمان باليوم الآخر، والرجعة الى الله لتحقيق البشرى والإنذار، ثم يعرض مشهدا لهم وهم يحاولون التخفّي عن مواجهة الرسول، وهو يجيبهم بالبيان، يعقّب عليه بعلم الله الشامل اللطيف الذي يتابعهم وهم أخفى ما يكونون عن العيون، ويتصل بهذا المعنى علم الله بكلّ دابة في الأرض حيث تكون. كما يتصل به الحديث عن خلق السماوات والأرض. ثم يعرض صورا من النفس البشرية القلقة المتعجّلة في السراء والضراء. ومع ذلك فهم يستعجلون العذاب إذا ما أخّر عنهم الى حين. ثم ينتقل الى التحدي بالقرآن الذي يقولون إنه مفترى من دون الله، وتهديد من لا يؤمنون بالآخرة، ومن يفترون على الله الكذب، ويعرض مشهدا من مشاهد القيامة يتجلى فيه مصداق هذا الوعيد، ومصداق البشرى للمؤمنين. ومن المعالم البارزة في هذا الدرس ما يأتي: ١- تقرير عقيدة التوحيد، وسوق الأدلة على قدرة الله سبحانه الذي أبدع الكون على غير مثال سابق. وقد تتساءل عن سر عناية القرآن بعقيدة التوحيد، وتكرير الدعوة إليها في كثير من آياته.

стр. 911

والجواب أنه ما كان لدين أن يقوم في الأرض، وأن يقيم نظاما للبشر قبل أن يقرر هذه الدعوة. فالتوحيد مفترق الطريق بين الفوضى والنظام، بين الخرافة والإيمان، بين الهوى واليقين. والاعتراف بوجود الله ضروري في الفطرة السليمة، لأنّ الله خلق الإنسان، وأودعه نفخة مقدسة من الروح، ولذلك تتجه الفطرة الى الله خالقها وبارئها لتروي ظمأها اليه، وتلبي نداء الشوق الكامن إليه في أعماقها. ٢- عناية الآيات، بأن تلفت نظر الإنسان الى ما في الكون من آيات القدرة، ودلائل الإعجاز، وعجائب الصنع، ومواطن الاعتبار. فهذا الكون الفسيح الشاسع الأرجاء وما فيه من قوى منظورة لنا وغير منظورة، وما يخضع له من نظام لا يحتمل الخلل، ودقة لا تسمح بالعبث، دليل على أن هذا الكون لم يوجد من طريق صدفة عمياء، بل وجد لأنّ خالقا حكيما هو الذي أوجده. ٣- إثبات علم الله بكل صغيرة وكبيرة في هذا الكون، وتقدير الرزق لكل فرد من أفراد هذا العالم الفسيح، وتيسير الأسباب للسعي والحركة وعمارة الكون، ومن الآيات المشهورة بين الناس قوله تعالى: وَما مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُها وَيَعْلَمُ مُسْتَقَرَّها وَمُسْتَوْدَعَها كُلٌّ فِي كِتابٍ مُبِينٍ (٦) . وهي تصور علم الله الشامل، المحيط بكل ما يدب على الأرض، من إنسان وحيوان وزاحفة وهامة وحشرة وطير. فما من دابة من هذه الدواب إلّا وعند الله علمها، وعلى الله رزقها، وهو سبحانه يعلم أين تستقر وأين تكمن، ومن أين تجيء وأين تذهب. وكل فرد من أفرادها مقيّد في هذا العلم الدقيق. إنها صورة متّصلة للعلم الإلهي في حالة تعلقه بالمخلوقات، يرتجف لها كيان الإنسان حين يحاول تصوّرها بخياله الإنساني، فلا يطيق. فسبحان من أحاط بكلّ شيء علما. ٢- إعجاز القرآن يلمح القارئ لهذه السورة قوة أسلوبها وترابط أفكارها، وتوالي حملاتها على الكفار، حتّى كأنها جيش كامل مشتمل على عديد من الكتائب والفصائل والجنود.

стр. 912

إنها دعت، في الدرس السابق، الى التوحيد، ولفتت الأنظار الى قدرة الله البالغة وعلمه المحيط بكل شيء. وهي، هنا، تسوق دليلا آخر على صدق عقيدة التوحيد، وصدق رسالة محمد (ص) ، هذا الدليل هو إعجاز هذا القرآن وروعته وقوته. ويتجلى هذا الاعجاز فيما يلي: ١- إخباره عن الأمم الماضية التي لم يعاصرها محمد (ص) ، ولم يعرف تاريخها ولم يقرأ عنها. ٢- اشتماله على أصول التشريع، وسياسة الخلق، وقواعد الحكم، وآداب المعاملة، ونظام العبادات من صلاة وصيام وحج وزكاة. ٣- إخباره عن أنباء لاحقة تأكّد صدقها، وتحقّق وقوعها. لقد ادّعى كفّار مكّة أنّ محمّدا (ص) قد اختلق القرآن من عنده، ولم ينزل عليه من السماء، فتحدّاهم القرآن أن يأتوا بعشر سور مثله مفتريات. أي ليختلقوا كما اختلق محمد (ص) ، فهم عرب مثله، وهم أرباب الفصاحة والبيان، والقرآن مؤلّف من حروف وكلمات وجمل يعرفونها ويؤلفون من مثلها كلامهم، فالعجز عن الإتيان بمثل القرآن دليل على أنه ليس من صنع بشر، وليس من افتراء محمد (ص) ، ولكنه كلام الله العليم الخبير. وقد سمح لهم القرآن أن يستعينوا بمن شاؤوا، من الشركاء والفصحاء والبلغاء والشعراء والإنس والجن، ليشاركوهم في تأليف هذه السور، قال تعالى: أَمْ يَقُولُونَ افْتَراهُ قُلْ فَأْتُوا بِعَشْرِ سُوَرٍ مِثْلِهِ مُفْتَرَياتٍ وَادْعُوا مَنِ اسْتَطَعْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ (١٣) . وقد سبق أن تحدّاهم القرآن بسورة واحدة في سورة يونس، فلماذا تحدّاهم بعد ذلك بعشر سور. قال المفسرون القدامى، إن التحدي كان على الترتيب: بالقرآن كلّه ثم بعشر سور، ثم بسورة واحدة. ولكن هذا الترتيب ليس عليه دليل، بل الظاهر أن سورة يونس سابقة والتحدي فيها بسورة واحدة، وسورة هود لاحقة والتحدي فيها بعشر سور. وترتيب الآيات في النزول ليس من

стр. 913

الضروري أن يتبع ترتيب السور، فقد كانت الآية تنزل فتلحق بسورة سابقة أو لاحقة في النزول، إلّا أن هذا يحتاج الى ما يثبت هذا الترتيب، وليس في أسباب النزول ما يثبت أن آية يونس كانت بعد آية هود. والترتيب التحكمي في مثل هذا لا يجوز. وقد حاول صاحب تفسير المنار، أن يجد لهذا العدد (عشر سور) علة فأجهد نفسه طويلا، ليقرّر أنّ المقصود بالتحدي هنا هو القصص القرآني، وأنه بالاستقراء يظهر أن السور التي كان قد نزل بها قصص مطوّل الى وقت نزول سورة هود كانت عشرا، فتحدّاهم بعشر سور «١» ، وهو احتمال وجيه. ويرى بعض المفسرين المحدثين: أنّ التحدي كان يلاحظ حالة القائلين وظروف القول، فيقول مرة: ائتوا بمثل هذا القرآن. او ائتوا بسورة. أو بعشر سور. دون ترتيب زمني، لأنّ الغرض كان التحدي في ذاته بالنسبة لأي شيء من هذا القرآن، لا بمقداره كله، أو بعضه، أو سورة منه على السواء، فالتحدّي كان بنوع هذا القرآن لا بمقداره، والعجز كان عن هذا النوع، لا عن المقدار. وعندئذ يستوي الكلّ والبعض والسورة. ولا يلزم ترتيب، إنما هو مقتضى الحالة التي يكون عليها المخاطبون، ونوع ما يقولون عن هذا القرآن في هذه الحالة. فهو الذي يجعل من المناسب ان يقول: «سورة» ، أو «عشر سور» ، أو «هذا القرآن» . ونحن اليوم، لا نملك تحديد الملابسات التي لم يذكرها لنا القرآن. ٣- القصص في سورة هود القصص في هذه السورة هو قوامها، إذ عدد آياتها (١٢٣) مائة وثلاث وعشرون آية، يشتمل قصص الأنبياء منها على (٨٩) تسع وثمانين آية. لكن القصص لم يجئ فيها مستقلا، بل جاء مصداقا للحقائق الكبرى التي جاءت السورة لتقريرها، وهي التوحيد والبعث والجزاء. وقد جال السياق جولات متعددة حول هذه الحقائق: جال في ملكوت السماوات والأرض، وفي جنبات النفس، وفي ساحة الحشر، ثم أخذ

стр. 914

يجول في جنبات الأرض، وأطوار التاريخ مع قصص الماضين. والقصص هنا مفصّل بعض الشيء، لأنه يتضمن الجدل حول حقائق العقيدة التي وردت في مطلع السورة. والتي يجيء كل رسول لتقريرها، وكأنما المكذّبون هم المكذبون وكأنما طبيعتهم واحدة، وعقليّتهم واحدة على مدار التاريخ. ويتّبع القصص، في هذه السورة، خط سير التاريخ، فيبدأ بنوح، ثم هود، ثم صالح، ويلم بإبراهيم في الطريق إلى لوط ثم شعيب ثم إشارة الى موسى ويشير الى الخط التاريخي، لأنه يذكّر التالين بمصير السالفين. وليس من قصدنا أن نذكر قصص هؤلاء الأنبياء الكرام، فذلك ما لا يتّسع له المجال، ولكن واجبنا نحو سورة هود، يحتّم علينا أن نذكر لمحات من سيرة هؤلاء الرسل. قصة نوح (ع) لقد ألمحت سورة يونس إلى قصة نوح فذكرت الحلقة الاخيرة منها، وهي غرق الكافرين ونجاة المؤمنين. ولكن سورة هود تعرضت لقصة نوح بمزيد من التفصيل خلال أربع وعشرين آية: من الآية ٢٥ الى الآية ٤٩. تناولت دعوة نوح الى الله، وجداله مع قومه وصنعه السفينة، وتعرّضه لسخرية قومه، ثم فوران التنور، واكتساح الطوفان، وركوب السفينة تسير بأمر الله وقدرته: بِسْمِ اللَّهِ مَجْراها وَمُرْساها [الآية ٤١] . ثم تهدأ العاصفة، وتبلع الأرض ماءها، وتمسك السماء عن المطر، وتعود الحياة سيرتها، فيناجي نوح (ع) ربّه بعد غرق ولده، قائلا: رَبِّ إِنَّ ابْنِي مِنْ أَهْلِي [الآية ٤٥] . أي وقد وعدتني بنجاة أهلي، فيجيبه الله سبحانه: إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صالِحٍ [الآية ٤٦] . والمعنى: إنه عمل عملا غير صالح، فهو من صلب نوح وذريّته، إلا أنه منقطع الصلة به في نسب الإيمان، وصلة العمل الصالح. وهنا يتنبه نوح الى حقيقة العدل الإلهي، ويرى أن عقاب الله عامّ لكل الكافرين، وأن نعيمه عام لجميع المؤمنين، فليس بين

стр. 915

الله وبين أحد من عباده نسب ولا صلة، فالخلق كلهم عباد الله، يتفاضلون عنده بالتقوى، ويدركون ثوابه بالعمل الصالح: إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقاكُمْ [الحجرات/ ١٣] . ويكون التعقيب على قصة نوح معبّرا عن أهداف القصص القرآني، مبشّرا بالنجاة والنصر للمؤمنين، منذرا بالهلاك والعذاب للكافرين. قال تعالى: تِلْكَ مِنْ أَنْباءِ الْغَيْبِ نُوحِيها إِلَيْكَ ما كُنْتَ تَعْلَمُها أَنْتَ وَلا قَوْمُكَ مِنْ قَبْلِ هذا فَاصْبِرْ إِنَّ الْعاقِبَةَ لِلْمُتَّقِينَ (٤٩) . فيحقق هذا التعقيب من أهداف القصص القرآني في هذه السورة ما يأتي: ١- حقيقة الوحي التي ينكرها المشركون. فهذا القصص غيب من الغيب، ما كان يعلمه النبي (ص) ، وما كان معلوما لقومه، ولا متداولا في محيطة وإنّما هو الوحي من لدن حكيم خبير. ٢- وحقيقة وحدة العقيدة، من لدن نوح أبي البشر الثاني، هي نفسها، والتعبير عنها يكاد يكون واحدا، مشتملا على الدعوة الى الايمان بالله، والدعوة الى مكارم الأخلاق، والبعد عن الرذائل والمنكرا. ٣- وحقيقة السنن الجارية التي لا تتخلف ولا تحيد (والعاقبة للمتقين) ، فهم الناجون وهم المستخلفون. وَلَقَدْ كَتَبْنا فِي الزَّبُورِ مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الْأَرْضَ يَرِثُها عِبادِيَ الصَّالِحُونَ (١٠٥) [الأنبياء] . قصة هود تناول الدرس السابق قصة نوح ﵇ ونجاته ومن معه في الفلك، ثم هبوطه على الأرض، مستحقّا لبركات الله عليه وعلى المؤمنين من ذريته، أمّا المكذّبون من ذرّيته فلهم عذاب أليم، وقد دارت عجلة الزمن، ومضت خطوات التاريخ وإذا عاد من نسل نوح الذين تفرّقوا في البلاد، ومن بعدهم ثمود، ممّن حقت عليهم كلمة الله. وَأُمَمٌ سَنُمَتِّعُهُمْ ثُمَّ يَمَسُّهُمْ مِنَّا عَذابٌ أَلِيمٌ (٤٨) . فأما عاد، فكانوا قبيلة تسكن الأحقاف، «والحقف كثيب الرمل المائل» في جنوب الجزيرة العربية.
следующие страницы →