والجواب أنه ما كان لدين أن يقوم في الأرض، وأن يقيم نظاما للبشر قبل أن يقرر هذه الدعوة.
فالتوحيد مفترق الطريق بين الفوضى والنظام، بين الخرافة والإيمان، بين الهوى واليقين.
والاعتراف بوجود الله ضروري في الفطرة السليمة، لأنّ الله خلق الإنسان، وأودعه نفخة مقدسة من الروح، ولذلك تتجه الفطرة الى الله خالقها وبارئها لتروي ظمأها اليه، وتلبي نداء الشوق الكامن إليه في أعماقها.
٢- عناية الآيات، بأن تلفت نظر الإنسان الى ما في الكون من آيات القدرة، ودلائل الإعجاز، وعجائب الصنع، ومواطن الاعتبار. فهذا الكون الفسيح الشاسع الأرجاء وما فيه من قوى منظورة لنا وغير منظورة، وما يخضع له من نظام لا يحتمل الخلل، ودقة لا تسمح بالعبث، دليل على أن هذا الكون لم يوجد من طريق صدفة عمياء، بل وجد لأنّ خالقا حكيما هو الذي أوجده.
٣- إثبات علم الله بكل صغيرة وكبيرة في هذا الكون، وتقدير الرزق لكل فرد من أفراد هذا العالم الفسيح، وتيسير الأسباب للسعي والحركة وعمارة الكون، ومن الآيات المشهورة بين الناس قوله تعالى:
وَما مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُها وَيَعْلَمُ مُسْتَقَرَّها وَمُسْتَوْدَعَها كُلٌّ فِي كِتابٍ مُبِينٍ (٦) .
وهي تصور علم الله الشامل، المحيط بكل ما يدب على الأرض، من إنسان وحيوان وزاحفة وهامة وحشرة وطير. فما من دابة من هذه الدواب إلّا وعند الله علمها، وعلى الله رزقها، وهو سبحانه يعلم أين تستقر وأين تكمن، ومن أين تجيء وأين تذهب. وكل فرد من أفرادها مقيّد في هذا العلم الدقيق. إنها صورة متّصلة للعلم الإلهي في حالة تعلقه بالمخلوقات، يرتجف لها كيان الإنسان حين يحاول تصوّرها بخياله الإنساني، فلا يطيق. فسبحان من أحاط بكلّ شيء علما.
٢- إعجاز القرآن
يلمح القارئ لهذه السورة قوة أسلوبها وترابط أفكارها، وتوالي حملاتها على الكفار، حتّى كأنها جيش كامل مشتمل على عديد من الكتائب والفصائل والجنود.
стр. 912
إنها دعت، في الدرس السابق، الى التوحيد، ولفتت الأنظار الى قدرة الله البالغة وعلمه المحيط بكل شيء.
وهي، هنا، تسوق دليلا آخر على صدق عقيدة التوحيد، وصدق رسالة محمد (ص) ، هذا الدليل هو إعجاز هذا القرآن وروعته وقوته. ويتجلى هذا الاعجاز فيما يلي:
١- إخباره عن الأمم الماضية التي لم يعاصرها محمد (ص) ، ولم يعرف تاريخها ولم يقرأ عنها.
٢- اشتماله على أصول التشريع، وسياسة الخلق، وقواعد الحكم، وآداب المعاملة، ونظام العبادات من صلاة وصيام وحج وزكاة.
٣- إخباره عن أنباء لاحقة تأكّد صدقها، وتحقّق وقوعها.
لقد ادّعى كفّار مكّة أنّ محمّدا (ص) قد اختلق القرآن من عنده، ولم ينزل عليه من السماء، فتحدّاهم القرآن أن يأتوا بعشر سور مثله مفتريات. أي ليختلقوا كما اختلق محمد (ص) ، فهم عرب مثله، وهم أرباب الفصاحة والبيان، والقرآن مؤلّف من حروف وكلمات وجمل يعرفونها ويؤلفون من مثلها كلامهم، فالعجز عن الإتيان بمثل القرآن دليل على أنه ليس من صنع بشر، وليس من افتراء محمد (ص) ، ولكنه كلام الله العليم الخبير.
وقد سمح لهم القرآن أن يستعينوا بمن شاؤوا، من الشركاء والفصحاء والبلغاء والشعراء والإنس والجن، ليشاركوهم في تأليف هذه السور، قال تعالى:
أَمْ يَقُولُونَ افْتَراهُ قُلْ فَأْتُوا بِعَشْرِ سُوَرٍ مِثْلِهِ مُفْتَرَياتٍ وَادْعُوا مَنِ اسْتَطَعْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ (١٣) .
وقد سبق أن تحدّاهم القرآن بسورة واحدة في سورة يونس، فلماذا تحدّاهم بعد ذلك بعشر سور.
قال المفسرون القدامى، إن التحدي كان على الترتيب: بالقرآن كلّه ثم بعشر سور، ثم بسورة واحدة.
ولكن هذا الترتيب ليس عليه دليل، بل الظاهر أن سورة يونس سابقة والتحدي فيها بسورة واحدة، وسورة هود لاحقة والتحدي فيها بعشر سور.
وترتيب الآيات في النزول ليس من
стр. 913
الضروري أن يتبع ترتيب السور، فقد كانت الآية تنزل فتلحق بسورة سابقة أو لاحقة في النزول، إلّا أن هذا يحتاج الى ما يثبت هذا الترتيب، وليس في أسباب النزول ما يثبت أن آية يونس كانت بعد آية هود. والترتيب التحكمي في مثل هذا لا يجوز.
وقد حاول صاحب تفسير المنار، أن يجد لهذا العدد (عشر سور) علة فأجهد نفسه طويلا، ليقرّر أنّ المقصود بالتحدي هنا هو القصص القرآني، وأنه بالاستقراء يظهر أن السور التي كان قد نزل بها قصص مطوّل الى وقت نزول سورة هود كانت عشرا، فتحدّاهم بعشر سور «١» ، وهو احتمال وجيه.
ويرى بعض المفسرين المحدثين:
أنّ التحدي كان يلاحظ حالة القائلين وظروف القول، فيقول مرة: ائتوا بمثل هذا القرآن. او ائتوا بسورة. أو بعشر سور. دون ترتيب زمني، لأنّ الغرض كان التحدي في ذاته بالنسبة لأي شيء من هذا القرآن، لا بمقداره كله، أو بعضه، أو سورة منه على السواء، فالتحدّي كان بنوع هذا القرآن لا بمقداره، والعجز كان عن هذا النوع، لا عن المقدار. وعندئذ يستوي الكلّ والبعض والسورة. ولا يلزم ترتيب، إنما هو مقتضى الحالة التي يكون عليها المخاطبون، ونوع ما يقولون عن هذا القرآن في هذه الحالة. فهو الذي يجعل من المناسب ان يقول: «سورة» ، أو «عشر سور» ، أو «هذا القرآن» . ونحن اليوم، لا نملك تحديد الملابسات التي لم يذكرها لنا القرآن.
٣- القصص في سورة هود
القصص في هذه السورة هو قوامها، إذ عدد آياتها (١٢٣) مائة وثلاث وعشرون آية، يشتمل قصص الأنبياء منها على (٨٩) تسع وثمانين آية.
لكن القصص لم يجئ فيها مستقلا، بل جاء مصداقا للحقائق الكبرى التي جاءت السورة لتقريرها، وهي التوحيد والبعث والجزاء.
وقد جال السياق جولات متعددة حول هذه الحقائق: جال في ملكوت السماوات والأرض، وفي جنبات النفس، وفي ساحة الحشر، ثم أخذ
стр. 914
يجول في جنبات الأرض، وأطوار التاريخ مع قصص الماضين.
والقصص هنا مفصّل بعض الشيء، لأنه يتضمن الجدل حول حقائق العقيدة التي وردت في مطلع السورة. والتي يجيء كل رسول لتقريرها، وكأنما المكذّبون هم المكذبون وكأنما طبيعتهم واحدة، وعقليّتهم واحدة على مدار التاريخ. ويتّبع القصص، في هذه السورة، خط سير التاريخ، فيبدأ بنوح، ثم هود، ثم صالح، ويلم بإبراهيم في الطريق إلى لوط ثم شعيب ثم إشارة الى موسى ويشير الى الخط التاريخي، لأنه يذكّر التالين بمصير السالفين.
وليس من قصدنا أن نذكر قصص هؤلاء الأنبياء الكرام، فذلك ما لا يتّسع له المجال، ولكن واجبنا نحو سورة هود، يحتّم علينا أن نذكر لمحات من سيرة هؤلاء الرسل.
قصة نوح (ع)
لقد ألمحت سورة يونس إلى قصة نوح فذكرت الحلقة الاخيرة منها، وهي غرق الكافرين ونجاة المؤمنين.
ولكن سورة هود تعرضت لقصة نوح بمزيد من التفصيل خلال أربع وعشرين آية: من الآية ٢٥ الى الآية ٤٩.
تناولت دعوة نوح الى الله، وجداله مع قومه وصنعه السفينة، وتعرّضه لسخرية قومه، ثم فوران التنور، واكتساح الطوفان، وركوب السفينة تسير بأمر الله وقدرته:
بِسْمِ اللَّهِ مَجْراها وَمُرْساها [الآية ٤١] .
ثم تهدأ العاصفة، وتبلع الأرض ماءها، وتمسك السماء عن المطر، وتعود الحياة سيرتها، فيناجي نوح (ع) ربّه بعد غرق ولده، قائلا:
رَبِّ إِنَّ ابْنِي مِنْ أَهْلِي [الآية ٤٥] .
أي وقد وعدتني بنجاة أهلي، فيجيبه الله سبحانه:
إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صالِحٍ [الآية ٤٦] .
والمعنى: إنه عمل عملا غير صالح، فهو من صلب نوح وذريّته، إلا أنه منقطع الصلة به في نسب الإيمان، وصلة العمل الصالح. وهنا يتنبه نوح الى حقيقة العدل الإلهي، ويرى أن عقاب الله عامّ لكل الكافرين، وأن نعيمه عام لجميع المؤمنين، فليس بين
стр. 915
الله وبين أحد من عباده نسب ولا صلة، فالخلق كلهم عباد الله، يتفاضلون عنده بالتقوى، ويدركون ثوابه بالعمل الصالح:
إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقاكُمْ [الحجرات/ ١٣] .
ويكون التعقيب على قصة نوح معبّرا عن أهداف القصص القرآني، مبشّرا بالنجاة والنصر للمؤمنين، منذرا بالهلاك والعذاب للكافرين. قال تعالى:
تِلْكَ مِنْ أَنْباءِ الْغَيْبِ نُوحِيها إِلَيْكَ ما كُنْتَ تَعْلَمُها أَنْتَ وَلا قَوْمُكَ مِنْ قَبْلِ هذا فَاصْبِرْ إِنَّ الْعاقِبَةَ لِلْمُتَّقِينَ (٤٩) .
فيحقق هذا التعقيب من أهداف القصص القرآني في هذه السورة ما يأتي:
١- حقيقة الوحي التي ينكرها المشركون. فهذا القصص غيب من الغيب، ما كان يعلمه النبي (ص) ، وما كان معلوما لقومه، ولا متداولا في محيطة وإنّما هو الوحي من لدن حكيم خبير.
٢- وحقيقة وحدة العقيدة، من لدن نوح أبي البشر الثاني، هي نفسها، والتعبير عنها يكاد يكون واحدا، مشتملا على الدعوة الى الايمان بالله، والدعوة الى مكارم الأخلاق، والبعد عن الرذائل والمنكرا.
٣- وحقيقة السنن الجارية التي لا تتخلف ولا تحيد (والعاقبة للمتقين) ، فهم الناجون وهم المستخلفون.
وَلَقَدْ كَتَبْنا فِي الزَّبُورِ مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الْأَرْضَ يَرِثُها عِبادِيَ الصَّالِحُونَ (١٠٥) [الأنبياء] .
قصة هود
تناول الدرس السابق قصة نوح ﵇ ونجاته ومن معه في الفلك، ثم هبوطه على الأرض، مستحقّا لبركات الله عليه وعلى المؤمنين من ذريته، أمّا المكذّبون من ذرّيته فلهم عذاب أليم، وقد دارت عجلة الزمن، ومضت خطوات التاريخ وإذا عاد من نسل نوح الذين تفرّقوا في البلاد، ومن بعدهم ثمود، ممّن حقت عليهم كلمة الله.
وَأُمَمٌ سَنُمَتِّعُهُمْ ثُمَّ يَمَسُّهُمْ مِنَّا عَذابٌ أَلِيمٌ (٤٨) .
فأما عاد، فكانوا قبيلة تسكن الأحقاف، «والحقف كثيب الرمل المائل» في جنوب الجزيرة العربية.
стр. 916
وأما ثمود، فكانت قبيلة تسكن مدائن الحجر- بين تبوك والمدينة- وبلغت كل منهما في زمانها أقصى القوة والمنعة والرزق والمتاع. ولكن هؤلاء وهؤلاء كانوا ممّن حقت عليهم كلمة الله، بما عتوا عن أمر الله واختاروا الوثنية على التوحيد، وكذّبوا الرسل شرّ تكذيب، وفي قصّتهم هنا، مصداق ما في مطلع السورة من بشارة للمؤمنين، وإنذار للكافرين.
وقد ذكرت قصة هود في سورة الأعراف من الآية ٦٥ إلى الآية ٧٢، وفي سورة الشعراء من الآية ١٢٣ إلى الآية ١٤٠، ثم ذكرت هنا في سورة هود من الآية ٥٠ الى الآية ٦٠.
وقد نتساءل: لماذا سمّيت هذه السورة بسورة هود، مع أنها اشتملت على عدد كبير من قصص الأنبياء، منهم نوح وهود وصالح وابراهيم ولوط وموسى ﵈، والجواب أن قوم هود (ع) قد حباهم الله سبحانه، نعما وافرة وخيرات جليلة، وأرسل السماء عليهم بالمطر، فزرعوا الأرض وأنشأوا البساتين، وشادوا القصور، ومنحهم الله فوق ذلك بسطة في أجسامهم وقوّة في أبدانهم. وكان الواجب عليهم أن يفكّروا بعقولهم وأن يشكروا الله على هذه النّعم، ولكنهم لم يفعلوا ذلك بل اتّخذوا أصناما يعبدونها من دون الله، ثم عثوا في الأرض فسادا وظلما وعدوانا. ولما جاءهم هود يدعوهم إلى الله، ويأمرهم بتقواه وطاعته، ويحذّرهم من البغي والعدوان، لم يصيخوا لدعوته، ولم يؤمنوا برسالته.
وإذا كانت السورة تسمّى بأغرب شيء فيها، فإن الغرابة في قصة هود هي أن قومه «عادا» كانوا أكثر فضلا ونعمة، ولكنهم قابلوا هذه النعمة بالجحود والكنود.
وتذكر الآيات معارضتهم لهود وإنكارهم عليه، واعتقادهم أن آلهتهم أنزلوا به الجنون والاضطراب، فيتبرّأ هود من آلهتهم ويتحدّاهم، ويستنهض همتهم في أقصى ما يستطيعون من قوى الكيد، وأنه لن يعبأ بهم ولا بجمعهم، قال هود، كما ورد في التنزيل:
إِنِّي تَوَكَّلْتُ عَلَى اللَّهِ رَبِّي وَرَبِّكُمْ ما مِنْ دَابَّةٍ إِلَّا هُوَ آخِذٌ بِناصِيَتِها [الآية ٥٦] .
وهي صورة محسوسة للقوة الإلهية.
فالناصية أعلى الجبهة، والله تعالى
стр. 917
وحده صاحب القهر والغلبة والتصريف في كل ناصية، وهي صورة حسّيّة تناسب الموقف، وتناسب غلظة القوم وشدتهم، وتناسب صلابة أجسامهم وبنيتهم، حين استكبروا في الأرض بغير الحقّ:
وَقالُوا مَنْ أَشَدُّ مِنَّا قُوَّةً أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَهُمْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَكانُوا بِآياتِنا يَجْحَدُونَ (١٥) [فصّلت] .
وتذكر الآيات هنا خاتمة أمر هود مع قومه، على حسب سنة الله في نصرة أوليائه وخزي أعدائه. قال تعالى:
وَلَمَّا جاءَ أَمْرُنا نَجَّيْنا هُوداً وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِنَّا وَنَجَّيْناهُمْ مِنْ عَذابٍ غَلِيظٍ (٥٨) وَتِلْكَ عادٌ جَحَدُوا بِآياتِ رَبِّهِمْ وَعَصَوْا رُسُلَهُ وَاتَّبَعُوا أَمْرَ كُلِّ جَبَّارٍ عَنِيدٍ (٥٩) وَأُتْبِعُوا فِي هذِهِ الدُّنْيا لَعْنَةً وَيَوْمَ الْقِيامَةِ أَلا إِنَّ عاداً كَفَرُوا رَبَّهُمْ أَلا بُعْداً لِعادٍ قَوْمِ هُودٍ (٦٠) .
وتستمرّ «سورة هود» فتعرض قصة صالح مع قومه، ودعوته لهم إلى دين الله، وتودّده إليهم بقوله كما ورد في التنزيل:
وَيا قَوْمِ هذِهِ ناقَةُ اللَّهِ لَكُمْ [الآية ٦٤] .
وكانت ناقة ضخمة تشرب من الماء في يوم، وتتركه فلا تذوقه في اليوم الآخر. ولكنهم عقروا الناقة وعتوا عن أمر ربهم، فنجّى الله صالحا ومن معه من المؤمنين، وأرسل صيحة عاتية أهلكت الكافرين، فصاروا جثثا هامدة، وأصبحت ديارهم خاوية خالية:
أَلا إِنَّ ثَمُودَ كَفَرُوا رَبَّهُمْ أَلا بُعْداً لِثَمُودَ (٦٨) .
стр. 918
المبحث الثاني ترابط الآيات في سورة «هود» «١»
تاريخ نزولها ووجه تسميتها
نزلت سورة هود بعد سورة يونس، ونزلت سورة يونس بعد الإسراء وقبيل الهجرة، فيكون نزول سورة هود في ذلك التاريخ أيضا.
وقد سمّيت هذه السورة بهذا الاسم لذكر قصة هود فيها، وتبلغ آياتها ثلاثا وعشرين ومائة آية.
الغرض منها وترتيبها
يقصد من هذه السورة إثبات تنزيل القرآن مثل سورة يونس، ولهذا ذكرت بعدها لتكمل الغرض منها، ولتستوفي جانب القصص الذي ذكر فيها، وقد ابتدأت بإثبات تنزيل القرآن بالتنويه بشأنه وبيان حاجتهم إليه، وبتحدّيهم به كما تحدّوا به في سورة يونس، ثم انتقل من هذا الى القصص لتثبيت النبي (ص) على تكذيبهم له، ثم ختمت بما يناسب هذا السياق فيها.
إثبات تنزيل القرآن الآيات [١- ٢٤]
قال الله تعالى: الر كِتابٌ أُحْكِمَتْ آياتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ (١) ، فأقسم بهذه الحروف انه كتاب أحكمت آياته ثم فصّلت فصولا:
حلالا وحراما، ترغيبا وترهيبا، ونحو ذلك، وأنه أنزله كذلك ليعبدوه، ويستغفروه ويتوبوا إليه. ليمتعهم متاعا
стр. 919
حسنا الى أجل مسمّى، ثم أوعدهم، إن تولّوا عنه، بعذاب يوم كبير، وذكر أن إليه مرجعهم وهو على كل شيء قدير، وأنه يعلم ما يسرّون وما يعلنون من أعمالهم، وما من دابة في الأرض إلا عليه رزقها ويعلم مستقرّها ومستودعها، وكل ذلك عنده في كتاب مبين ثم ذكر أنه سبحانه هو الذي خلق السماوات والأرض في ستة أيام ليبلوهم: أيّهم أحسن عملا، فلا بدّ لهم من يوم يحاسبون فيه على أعمالهم ثم ذكر أن النبي (ص) إذا أخبرهم مع هذا بأنهم مبعوثون بعد الموت، يزعمون أن هذا سحر باطل لا حقيقة له، وأنه إذا أخّر عنهم ﷻ هذا العذاب الذي يوعدهم به، يقولون على سبيل الاستهزاء: (ما يحبسه؟) . وأجابهم بأنه يوم يأتيهم لا يصرف عنهم ويحيق بهم ما كانوا به يستهزئون. ثم أراد أن يبين أنه لو عجّل لهم هذا العذاب لم يؤمنوا به، لأن الواحد منهم إذا أذاقه رحمة ثم نزعها منه يبالغ في اليأس والكفر، فإذا أذاقه نعماء بعد هذا، ظنّ أن السيئات ذهبت عنه الى غير عودة وبالغ في الفرح والفخر، ومثل هذا لا يتّعظ بنقمة ولا نعمة، ثم استثنى منهم الذين صبروا لأنهم لا ييأسون في النقمة ولا تبطرهم النعمة، ووعدهم مغفرة وأجرا كبيرا.
ثم عاد السياق الى الحديث عن القرآن، فذكر تعالى للنبي (ص) أنه لعله يترك بعض ما يوحي إليه منه ويضيق به صدره لأنهم يطلبون آية تدل على أنه منزل من عنده سبحانه، كأن ينزل عليه كنزا أو يجيء معه ملك ثم ذكر أنه ليس إلّا نذيرا لهم، فلا يطلب منه إلّا أن يبلّغهم، وهو على كل شيء وكيل ثم ذكر أنّهم يزعمون أنه افتراه عليه، وأمره أن يتحدّاهم بأن يأتوا بعشر سور مثله مفتريات، وأمرهم أن يدعوا من استطاعوا ليساعدوهم على الإتيان بها، ثم أمرهم إن لم يستجيبوا لهذا التحدّي، أن يعلموا أنه إنما أنزل بعلمه، وأنه لا إله إلا هو، لأنهم لم يستطيعوا هم وآلهتهم أن يأتوا بما تحدّاهم به، وطلب منهم أن يسلموا بعد عجزهم عنه ثم ذكر أن الذين يؤثرون الحياة الدنيا على الإيمان به يوفّي إليهم أجور أعمالهم فيها، ولا يكون لهم في الآخرة إلا النار، ويحبط ما صنعوا فيها وتبطل أعمالهم، لأنهم
стр. 920
وفّوا أجورها في دنياهم ثم ذكر أن من كان على بيّنة من ربّه- وهو القرآن- ويتلوه شاهد منه- وهو الإنجيل- ومن قبله كتاب موسى- وهو التوراة- لا يمكن أن يكون جزاؤه كغيره، أولئك يؤمنون به، ومن يكفر به فالنار موعده ثم نهى النبي (ص) على سبيل التعريض أن يكون في مرية منه: إِنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يُؤْمِنُونَ (١٧) ثم ذكر أنه لا يوجد أظلم ممّن افترى عليه كذبا بشركهم، وأنهم يعرضون عليه، ويقول الأشهاد من الملائكة الذين كانوا يراقبونهم في دنياهم: هؤُلاءِ الَّذِينَ كَذَبُوا عَلى رَبِّهِمْ أَلا لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ (١٨) ثم يذكرون أنهم كانوا يصدّون عن سبيل الله ويبغونها عوجا وهم بالآخرة هم كافرون، وأنهم لم يكونوا معجزين في الأرض، وما كان لهم من دون الله من أولياء يمنعون عنهم، ولكنه أراد إمهالهم ليضاعف العذاب لهم، وأنهم ما كانوا يستطيعون سماع القرآن، وما كانوا يبصرون هديه، وأنهم خسروا أنفسهم وضلّ عنهم ما كانوا يفترون، وأنهم في الآخرة هم الأخسرون ثم أتبع هذا بوعد المؤمنين بأنهم أصحاب الجنة هم فيها خالدون، وضرب مثلا للفريقين فقال سبحانه: مَثَلُ الْفَرِيقَيْنِ كَالْأَعْمى وَالْأَصَمِّ وَالْبَصِيرِ وَالسَّمِيعِ هَلْ يَسْتَوِيانِ مَثَلًا أَفَلا تَذَكَّرُونَ (٢٤) .
تثبيت النبي بالقصص على تكذيبهم الآيات [٢٥- ٩٩]
ثم قال تعالى: وَلَقَدْ أَرْسَلْنا نُوحاً إِلى قَوْمِهِ إِنِّي لَكُمْ نَذِيرٌ مُبِينٌ (٢٥) فذكر سبحانه أنه أرسل نوحا الى قومه لينذرهم قبل أن يأخذهم بعقابه.
فأمرهم ألا يعبدوا إلا الله لأنه يخاف عليهم عذاب يوم أليم، فأجابه الذين كفروا من قومه بأنهم لا يرونه إلا بشرا مثلهم، ولا يرونه اتّبعه إلا أراذلهم بادي الرأي، ولا يرون لهم عليهم من فضل. بل يظنونهم كاذبين في دعواهم، ثم ذكر أنه أجابهم بأنه على بيّنة من ربّه وقد أتاه رحمة من عنده، فإذا كان هذا قد عمّي عليهم فلا يلزمهم أن يؤمنوا به وهم له كارهون.
وقد فصّل في قصته هنا ما فصل، وذكر فيها ما لم يذكره في قصة يونس من الأخبار والحكم والمواعظ إلى أن ختمها ببيان ما كان من عقابه لمن
стр. 921
كذّبه، وأنه سبحانه نجّاه هو ومن آمن به وبارك عليه وعلى أمم منهم يهتدون بهديهم، ومنهم أمم سيمتّعهم في الدنيا ثم يمسهم منه عذاب أليم: تِلْكَ مِنْ أَنْباءِ الْغَيْبِ نُوحِيها إِلَيْكَ ما كُنْتَ تَعْلَمُها أَنْتَ وَلا قَوْمُكَ مِنْ قَبْلِ هذا فَاصْبِرْ إِنَّ الْعاقِبَةَ لِلْمُتَّقِينَ (٤٩) .
ثم ذكر أنه أرسل الى عاد أخاهم هودا فأمرهم سبحانه بعبادته وحده، وقد مضت قصته معهم في سورة الأعراف. لكن ما ذكر منها هنا يخالف ما ذكر منها هناك في السياق والأسلوب والزيادة والنقص، وقد ذكر في ختامها أنه لمّا جاء أمره بهلاكهم نجّى هودا ومن آمن به، وأنهم لا يذكرون إلا بأنهم جحدوا بآياته وعصوا رسله واتبعوا أمر كل جبّار عنيد: وَأُتْبِعُوا فِي هذِهِ الدُّنْيا لَعْنَةً وَيَوْمَ الْقِيامَةِ أَلا إِنَّ عاداً كَفَرُوا رَبَّهُمْ أَلا بُعْداً لِعادٍ قَوْمِ هُودٍ (٦٠) .
ثم ذكر أنه أرسل إلى ثمود أخاهم صالحا، فأمرهم سبحانه أن يعبدوه وحده، وقد مضت قصتهم أيضا في سورة الأعراف، والفرق بينها في السورتين كالفرق بين قصة عاد فيهما، وقد ذكر في ختامها أنه، لمّا جاء أمره بهلاكهم نجّى صالحا ومن آمن به، وأخذت الكافرين الصيحة فأصبحوا في ديارهم جاثمين: كَأَنْ لَمْ يَغْنَوْا فِيها أَلا إِنَّ ثَمُودَ كَفَرُوا رَبَّهُمْ أَلا بُعْداً لِثَمُودَ (٦٨) .
ثم ذكر أنه جاءت رسله إبراهيم بالبشرى، وأنه قدّم لهم بعد السلام عجلا حنيذا «١» ليأكلوا منه فلم تمتدّ إليه أيديهم، فلما رأى ذلك نكرهم وأوجس منهم خيفة، فطمأنوه وأخبروه بأنهم أرسلوا لهلاك قوم لوط، وكانت امرأته قائمة فضحكت فبشّروها بولد يولد لها من إبراهيم وهو إسحاق، وبولد يكون لإسحاق يكون هو يعقوب ثم ذكر أن إبراهيم طلب منهم أن يؤخّروا عذاب قوم لوط لعلّهم يؤمنون به، وأنهم أمروه أن يعرض عن هذا الطلب، لأنه قد جاء أمر الله بهلاكهم، ثم ذكر قصة قوم لوط وقد مضت في سورة الأعراف، والفرق بينها في السورتين هو ما سبق في قصة عاد وثمود، وقد ذكر جلّ وعلا في ختامها، أنه أمر لوطا وأهله إلا امرأته
стр. 922
أن يخرجوا من قريتهم، ثم أمطر عليها حجارة من سجّيل منضود: مُسَوَّمَةً عِنْدَ رَبِّكَ وَما هِيَ مِنَ الظَّالِمِينَ بِبَعِيدٍ (٨٣) .
ثم ذكر أنه أرسل الى مدين أخاهم شعيبا، فأمرهم سبحانه أن يعبدوه وحده، وقد مضت قصتهم في سورة الأعراف، والفرق بينها في السورتين هو ما سبق في قصة عاد وثمود وقوم لوط، وقد ذكر في ختامها، أنه لما جاء أمره بهلاكهم نجّى شعيبا ومن آمن به، وأخذت الكافرين الصيحة فأصبحوا في ديارهم جاثمين: كَأَنْ لَمْ يَغْنَوْا فِيها أَلا بُعْداً لِمَدْيَنَ كَما بَعِدَتْ ثَمُودُ (٩٥) ثم ذكر أنه أرسل موسى الى فرعون وقومه وقد مضت قصّتهم في سورة يونس، ولكنه لم يفصّلها هنا كما فصّلها هناك، وإنما ذكر تعالى أنهم خالفوه واتّبعوا أمر فرعون، فأوردهم النار، وبئس الورد المورود: وَأُتْبِعُوا فِي هذِهِ لَعْنَةً وَيَوْمَ الْقِيامَةِ بِئْسَ الرِّفْدُ الْمَرْفُودُ (٩٩) .
الخاتمة الآيات [١٠٠- ١٢٣]
ثم قال تعالى: ذلِكَ مِنْ أَنْباءِ الْقُرى نَقُصُّهُ عَلَيْكَ مِنْها قائِمٌ وَحَصِيدٌ (١٠٠) فذكر أن ما سبق من أنباء القرى يقصّه عليه وبعضها لا تزال آثاره قائمة، وبعضها ذهبت آثاره كلّها، وأنه لم يظلمهم بهذا، ولكنهم ظلموا أنفسهم، باتخاذهم آلهة غيره، فلم تدفع عنهم شيئا ثم ذكر أن في هذا دليلا لمن خاف عذاب الآخرة، وأنه يوم يجمع له الناس وما يؤخره إلا لأجل معدود، إلى غير هذا مما ذكره من أحوال الأشقياء والسعداء فيه.
ثم نهى النبي (ص) ، على سبيل التعريض، أن يكون في مرية ممّا يعبده قومه، وذكر أنهم لا يعبدون إلا كما يعبد الذين قصّ أخبار هلاكهم، وأنه سيوفّيهم نصيبهم من العذاب أيضا ثم ذكر أنه قد أنزل على موسى التوراة من قبله، فاختلفوا فيها كما اختلف قومه فيما أنزل اليه، وأنه لولا أن كلمته سبقت بتأخير عذابهم لقضى به بينهم، وأنه جلّت قدرته، لا بد أن يوفّي كلّا من الفريقين جزاء أعمالهم: إِنَّهُ بِما يَعْمَلُونَ خَبِيرٌ (١١١) ثم أمره أن يستمر على استقامته، كما أمر هو ومن تاب معه، ونهاهم أن يطغوا كما يطغى المشركون، أو يركنوا إليهم لئلّا تمسّهم النار، ولا يجدون من دونه أولياء ثم لا
стр. 923
ينصرون. وأمره أن يستمر على إقامة الصلاة في أوقاتها، وأن يصبر على تكذيب قومه له: فَإِنَّ اللَّهَ لا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ (١١٥) .
ثمّ عاد سبحانه الى أولئك الذين قصّت أخبار هلاكهم، فذكر سبحانه أنه لم يكن فيهم أولو بقية ينهون عن الفساد في الأرض إلا قليلا ممّن أنجاهم، وأنهم اتّبعوا ما أترفوا فيه وكانوا مجرمين، وأنه لم يكن ليهلك تلك القرى بظلم وأهلها مصلحون، وأنه لو شاء لجعلهم مصلحين جميعا ولا يزالون مختلفين إلّا من رحمه، ولذلك خلقهم: وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ (١١٩) .
ثم ذكر للنبي (ص) ما قصّ من أنباء الرسل ليثبّت به فؤاده، وأنه جاءه في هذه السورة القصص الحقّ وموعظة وذكرى للمؤمنين، وأمره أن يخبر الذين لا يؤمنون بما جاء فيه من الوعيد بالعذاب، أن يعملوا ما يقدرون لمنعه، لأنه سيعمل لتحقيقه، وأمرهم أن ينتظروه لأنه والمؤمنين ينتظرونه لهم:
وَلِلَّهِ غَيْبُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَإِلَيْهِ يُرْجَعُ الْأَمْرُ كُلُّهُ فَاعْبُدْهُ وَتَوَكَّلْ عَلَيْهِ وَما رَبُّكَ بِغافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ (١٢٣) .
стр. 924
المبحث الثالث أسرار ترتيب سورة «هود» «١»
أقول: وجه وضعها بعد سورة يونس: أن سورة يونس ذكر فيها قصة نوح مختصرة جدا، مجملة «٢» ، فشرحت في هذه السورة وبسّطت بما لم تبسطه في غيرها من السور، ولا في سورة الأعراف على طولها، ولا في سورة نوح التي أفردت لقصّته. فكانت هذه السورة شارحة لما أجمل في سورة يونس «٣» . فإن قوله هناك: وَاتَّبِعْ ما يُوحى إِلَيْكَ [يونس/ ١٠٩] ، هو عين قوله هنا: كِتابٌ أُحْكِمَتْ آياتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ (١) . [فكان أول هود تفصيلا لخاتمة يونس] .
стр. 925
المبحث الرابع مكنونات سورة «هود» «١»
١- أَفَمَنْ كانَ عَلى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّهِ وَيَتْلُوهُ شاهِدٌ مِنْهُ [الآية ١٧] .
قال ابن عباس، ومجاهد، وأبو العالية «٢» : من كان على بيّنة:
محمد (ص) والشاهد: جبريل.
وقال زيد بن أسلم: من: محمّد والشاهد: القرآن.
وقال الحسين «٣» بن علي: من:
المؤمن والشاهد: محمد (ص) . أخرج ذلك ابن أبي حاتم.
وأخرج عن محمد بن الحنفية «٤» قال: قلت لأبي: يا أبت: وَيَتْلُوهُ شاهِدٌ مِنْهُ إنّ الناس يقولون: إنك أنت هو.
قال: وددت أني أنا هو. لكنه لسانه «٥» .
وأخرج عن عباد بن عبد الله قال:
قال علي: ما في قريش أحد، إلّا وقد نزلت فيه آية.
стр. 926
قلت له: فما نزل فيك؟ قال:
وَيَتْلُوهُ شاهِدٌ مِنْهُ «١» .
وفي «العجائب» للكرماني:
قيل: (الشاهد) : ملك يحفظه «٢» .
وقيل: أبو بكر.
وقيل: الإنجيل «٣» .
٢- وَيَقُولُ الْأَشْهادُ [الآية ١٨] .
يأتي في سورة غافر «٤» .
٣- الَّذِينَ يَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ [الآية ١٩] .
قال السّدّيّ: هو محمد (ص) .
أخرجه ابن أبي حاتم.
٤- وَفارَ التَّنُّورُ [الآية ٤٠] .
أخرجه ابن أبي حاتم عن علي قال:
فار التنور من مسجد الكوفة من قبل أبواب كندة.
وأخرج عن ابن عباس في قوله تعالى: وَفارَ التَّنُّورُ.
قال: العين التي بالجزيرة عين الوردة.
وأخرج عن قتادة قال: التنوّر:
أشرف الأرض، وأعلاها، عين بالجزيرة: عين الوردة «٥» .
وأخرج من وجه آخر عن ابن عباس قال: وَفارَ التَّنُّورُ بالهند.
٥- وَما آمَنَ مَعَهُ إِلَّا قَلِيلٌ (٤٠) .
قال ابن عباس: كان معه في السفينة ثمانون رجلا، معهم أهلوهم، أحدهم: جرهم «٦» . أخرجه ابن أبي حاتم «٧» .
стр. 927
وأخرج في آثار عن قتادة، وكعب الأحبار، ومحمد بن عبّاد بن جعفر، ومطر، وغيرهم: أنه كان معه اثنان وسبعون مؤمنا، وهو، وزوجته، وأولاده الثلاثة: سام، وحام، ويافث وزوجات الثلاثة، وأنه ركبها في عشر خلون من رجب، ونزل في عشر خلون من المحرم «١» .
٦- وَنادى نُوحٌ ابْنَهُ [الآية ٤٢] .
قال قتادة: كان اسمه كنعان. أخرجه ابن أبي حاتم.
وقيل: يام. حكاه السّهيلي.
فائدة: وقع السؤال كثيرا، هل كان ماء الطوفان عذبا، او ملحا؟ لم نعبأ بذلك.
ثم رأيت ما يدل على أنه كان عذبا.
أخرج ابن أبي حاتم، من طريق نوح ابن المختار، عن أبي سعيد عقيص «٢» قال: خرجت أريد أن أشرب ماء المر، فمررت بالفرات، فإذا الحسن والحسين فقالا: يا أبا سعيد، أين تريد؟
قلت: أشرب ماء المرّ.
قالا: لا تشرب ماء المر، فإنه لما كان زمن الطوفان أمر الله الأرض أن تبلع ماءها، وأمر السماء أن تقلع، فاستعصى عليه بعض البقاع فلعنه، فصار ماؤه مرّا، وترابه سبخا «٣» ، لا ينبت شيئا.
٧- فَقالَ تَمَتَّعُوا فِي دارِكُمْ ثَلاثَةَ أَيَّامٍ [الآية ٦٥] .
قال قتادة: هي: يوم الخميس، والجمعة، والسبت وصبّحهم العذاب يوم الأحد. أخرجه ابن أبي حاتم.
стр. 928
٨- وَامْرَأَتُهُ قائِمَةٌ [الآية ٧١] .
اسمها: سارة.
٩- قالَ يا قَوْمِ هؤُلاءِ بَناتِي [الآية ٧٨] . سمّى السّدّيّ الكبرى: ريثا، والصغرى: رغوثا.
أخرجه ابن أبي حاتم.
وسمى الوسطى «١» .
стр. 929
المبحث الخامس لغة التنزيل في سورة «هود» «١»
١- وقال تعالى: أَلا إِنَّهُمْ يَثْنُونَ صُدُورَهُمْ لِيَسْتَخْفُوا مِنْهُ [الآية ٥] .
قوله تعالى: يَثْنُونَ صُدُورَهُمْ، أي:
يزورّون عن الحق وينحرفون عنه: لأن من أقبل على الشيء استقبله بصدره، ومن ازورّ عنه وانحرف، ثنى عنه صدره، وطوى عنه كشحه.
أقول: و «ثني الصدر» من مجازات القرآن البديعة التي لم نعرفها في مجازات العرب.
٢- وقال تعالى: لا جَرَمَ أَنَّهُمْ فِي الْآخِرَةِ هُمُ الْأَخْسَرُونَ (٢٢) .
قال الزجّاج: «لا» نفي لما ظنّوا أنه ينفعهم، كأنّ المعنى لا ينفعهم ذلك جرم أَنَّهُمْ فِي الْآخِرَةِ هُمُ الْأَخْسَرُونَ (٢٢) ، أي: كسب ذلك الفعل، لهم الخسران. وقال غيره:
معناه: لا بدّ ولا محالة أنهم.
وقيل: معناه حقا، ويستعمل في أمر يقطع عليه ولا يرتاب فيه، أي: لا شكّ أن هؤلاء الكفار هم أخسر الناس في الآخرة.
أقول: حين اختلفت الأقوال في معنى «لا جرم» ، أصبحت الكلمة من المسائل المشكلة، فليس في طوق المتكلّم أن يستعملها، ولعل من أجل ذلك لم يكتب لها البقاء كثيرا في العربية، وقلّما نقف على شيء منها في النصوص.
لقد روي في حديث قيس بن عاصم قوله: لا جرم لأفلّنّ حدّها.
قال ابن الأثير: هذه كلمة ترد بمعنى
стр. 930
تحقيق الشيء، واختلف فيها فقيل أصلها التبرئة بمعنى لا بدّ، وقد استعملت بمعنى حقّا.
وقال الخليل: إن «جرم» إنما تكون جوابا لما قبلها من الكلام، يقول الرجل: كان كذا وكذا وفعلوا كذا، فتقول: لا جرم أنهم سيندمون، أو انه سيكون كذا وكذا.
٣- وقال تعالى: إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ وَأَخْبَتُوا إِلى رَبِّهِمْ أُولئِكَ أَصْحابُ الْجَنَّةِ هُمْ فِيها خالِدُونَ (٢٣) .
قوله تعالى: وَأَخْبَتُوا إِلى رَبِّهِمْ، اي: اطمأنّوا إليه، وانقطعوا الى عبادته بالخشوع والتواضع، وهو من الخبت أي: الأرض المطمئنة.
وقيل: معناه أنابوا وتضرّعوا إليه، وهو قول ابن عبّاس.
وعن مجاهد: المعنى خضعوا له وخشعوا اليه، والكلّ متقارب.
وفي قوله تعالى: وَبَشِّرِ الْمُخْبِتِينَ (٣٤) [الحج] .
أي: المتواضعين: وقيل:
المطمئنّين.
وفي قوله تعالى: فَتُخْبِتَ لَهُ قُلُوبُهُمْ [الحج/ ٥٤] . فسّره ثعلب بأنه التواضع.
وفي حديث الدعاء: «واجعلني لك مخبتا» .
أقول: وهذا من الكلم القرآني الذي نهض له أهل العلم من اللغويين والمفسّرين، ووقفوا منه وقفات فيها جدّ وإخلاص.
٤- وقال تعالى: وَما نَراكَ اتَّبَعَكَ إِلَّا الَّذِينَ هُمْ أَراذِلُنا بادِيَ الرَّأْيِ [الآية ٢٧] .
قوله تعالى: بادِيَ الرَّأْيِ بمعنى أوّل الرأي أو ظاهر الرأي، وانتصابه على الظرف، أصله: وقت حدوث أول رأيهم، أو وقت حدوث ظاهر رأيهم، فحذف ذلك وأقيم المضاف إليه مقامه.
وقرئ بالهمز وغير الهمز.
أقول: قد يحمل على الظرف مسائل كثيرة ليست من الظرف في الدلالة الزمانية أو المكانية، فما أضيف الى الظرف أو إلى كلّ ما يدلّ على شيء من الزمان والمكان ينصب على الظرفية، ألا ترى أن «أثناء» جمع ثني، و «خلال» مصدر يدل على المكان، ولكنهما اكتسبا الظرفية من الخافض «في» كما في قولهم: «في أثناء» ،
стр. 931
والخافض «من» في قولهم «من خلال» ، ثم اتسع في الاستعمال، وشاعت الظرفية في الكلمتين فأسقط الخافض فقيل: وحدث أثناء ذلك والأصل: «في أثناء ذلك» ، وقيل:
وعرض خلال الأمر، والأصل: من خلال.
٥- وقال تعالى: وَيا قَوْمِ مَنْ يَنْصُرُنِي مِنَ اللَّهِ إِنْ طَرَدْتُهُمْ [الآية ٣٠] .
المراد بقوله تعالى: مِنَ اللَّهِ، أي من انتقامه، فمن يمنعني من ذلك إن طردتهم أقول: وطيّ، «الانتقام» ، بهذه الصورة يتبين من المعنى وسياق الآية قبلها. وفي أسلوب القرآن، من الإيجاز بالحذف، ما لا يدركه إلا الفطن اللبيب.
٦- وقال تعالى: وَقِيلَ يا أَرْضُ ابْلَعِي ماءَكِ وَيا سَماءُ أَقْلِعِي وَغِيضَ الْماءُ وَقُضِيَ الْأَمْرُ وَاسْتَوَتْ عَلَى الْجُودِيِّ وَقِيلَ بُعْداً لِلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ (٤٤) .
أقول: إن أسلوب القرآن جرى على نسق من إحكام الجملة العربية، فخصّها بشيء كثير من «التناسب» ، وأريد بالتناسب محاكاة الطول، حتّى لكأنّك مع هذا النظم البديع أمام مشهد متّصل الصّور منسجم الألوان، وهذا من لطف بديع القرآن.
وأنت إذا تلوت: يا أَرْضُ ابْلَعِي ماءَكِ، ثم عقّبت عليها بقوله تعالى:
وَيا سَماءُ أَقْلِعِي، غلب عليك جمال هذا التقطيع عن الانصراف الى السجع بين «ابلعي» و «أقلعي» .
ونتابع هذا الأسلوب المحكم في وضع الفقر، المصيب كل الإصابة للمعنى بيانا وتصويرا، فنجد أنفسنا مأخوذين بلطف الصنعة في السّرد، وما يشبه الحركة الفنّية، في الخطاب والجواب الذي يقتضيه مقام سرد الخبر، ونتلو:
وَنادى نُوحٌ رَبَّهُ فَقالَ رَبِّ إِنَّ ابْنِي مِنْ أَهْلِي وَإِنَّ وَعْدَكَ الْحَقُّ وَأَنْتَ أَحْكَمُ الْحاكِمِينَ (٤٥) قالَ يا نُوحُ إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صالِحٍ فَلا تَسْئَلْنِ ما لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنِّي أَعِظُكَ أَنْ تَكُونَ مِنَ الْجاهِلِينَ (٤٦) .
قالَ رَبِّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ أَنْ أَسْئَلَكَ ما لَيْسَ لِي بِهِ عِلْمٌ وَإِلَّا تَغْفِرْ لِي وَتَرْحَمْنِي أَكُنْ مِنَ الْخاسِرِينَ (٤٧) .
قِيلَ يا نُوحُ اهْبِطْ بِسَلامٍ مِنَّا وَبَرَكاتٍ
стр. 932
عَلَيْكَ وَعَلى أُمَمٍ مِمَّنْ مَعَكَ وَأُمَمٌ سَنُمَتِّعُهُمْ ثُمَّ يَمَسُّهُمْ مِنَّا عَذابٌ أَلِيمٌ
(٤٨) .
ونجتزئ بهذا القدر، من هذه اللغة الشريفة التي أحسن الله بناءها، فكان من ذلك سر الإعجاز.
٧- وقال تعالى: أَلا إِنَّ عاداً كَفَرُوا رَبَّهُمْ [الآية ٦٠] .
قوله تعالى: كَفَرُوا رَبَّهُمْ، المراد به (كفروا بربهم) فحذف الباء كقولهم:
أمرتك الخير، والمعنى أمرتك بالخير، وهذا من باب الحذف والإيصال، وفي لغة القرآن، وغيره، نظائر وأشباه، قال تعالى:
أَلا إِنَّ ثَمُودَ كَفَرُوا رَبَّهُمْ أَلا بُعْداً لِثَمُودَ (٦٨) .
ولا بد أن نستذكر قوله تعالى:
وَاخْتارَ مُوسى قَوْمَهُ سَبْعِينَ رَجُلًا [الأعراف/ ١٥٥] . وقد مرّ كلامنا على الآية.
٨- وقال تعالى: هُوَ أَنْشَأَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيها [الآية ٦١] .
المراد بقوله تعالى: وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيها، أي: أذن لكم في عمارتها، واستخراج قومكم منها، وجعلكم عمّارها.
أقول: هذا هو أصل الاستعمار، فماذا من أمره في العربية المعاصرة. لا أريد أن ادخل في موضوع «الاستعمار» بمعناه الحديث، فهو تسلط أجانب أعداء على بلاد ليست بلادهم، والاستيلاء عليها والإفادة من خيراتها.
ومن غير شكّ، أن في هذا فهما جديدا لهذه الكلمة، يدخل في باب التطور الجديد، وكم من كلمة هبطت من عل الى الدرك الأسفل، وليس غريبا أن تجد عكس ذلك.
٩- وقال تعالى: فَلَمَّا رَأى أَيْدِيَهُمْ لا تَصِلُ إِلَيْهِ نَكِرَهُمْ وَأَوْجَسَ مِنْهُمْ خِيفَةً [الآية ٧٠] .
قوله تعالى: نَكِرَهُمْ مثل أنكره واستنكره، إلا أنّ «منكور» قليل في كلامهم، وقال الأعشى:
وأنكرتني وما كان الذي نكرت منّي الحوادث إلّا الشّيب والصّلعا أقول: قولهم: إنّ «منكور» قليل في كلامهم مع وجود الفعل الثلاثي، وهذا
стр. 933
مألوف في العربية، ألا ترى انهم قالوا:
الظّلام والظّلمة، حتّى إذا أرادوا الفعل قالوا: أظلم الليل، وليس لهم «ظلم» .
١٠- قال تعالى: فَما لَبِثَ أَنْ جاءَ بِعِجْلٍ حَنِيذٍ (٦٩) .
أقول: والحنيذ المشويّ بالرّضف في أخدود، أي: بالحجارة.
وهذا، مما كان معروفا في رسوم الجاهليين وغيرهم، من أهل البوادي.
١١- وقال تعالى: وَلَمَّا جاءَتْ رُسُلُنا لُوطاً سِيءَ بِهِمْ وَضاقَ بِهِمْ ذَرْعاً وَقالَ هذا يَوْمٌ عَصِيبٌ (٧٧) .
قال الزمخشري «١» : كانت مساءة لوط وضيق ذرعه لأنه حسب أنهم إنس، فخاف عليهم خبث قومه، وأن يعجز عن مقاومتهم ومدافعتهم.
أقول: جاء في كتب اللغة: أن الذرع الطاقة. وضاق بالأمر ذرعه وذراعه أي: ضعفت طاقته، ولم يجد من المكروه فيه مخلصا، ولم يطقه ولم يقو عليه، وأصل الذّرع إنما هو بسط اليد فكأنك تريد: مددت يدي إليه فلم تنله، قال حميد بن ثور يصف ذئبا:
وإن بات وحشا ليلة لم يضق بها ... ذراعا، ولم يصبح لها وهو خاشع
وضاق به ذرعا مثل ضاق به ذراعا، ... ونصب «ذرعا» ، لأنه خرج مفسّرا
محوّلا، لأنه كان في الأصل: ضاق ذرعي به، فلما حوّل الفعل خرج قوله ذرعا مفسّرا، ومثله طبت به نفسا، وقررت به عينا.
وأصل «الذّرع» ان يذرع البعير بيديه في سيره ذرعا على قدر سعة خطوه، فإذا حملته على أكثر من طاقته حتى يبطر، ويمدّ عنقه ضعفا عمّا حمل عليه.
١٢- وقال تعالى: وَجاءَهُ قَوْمُهُ يُهْرَعُونَ إِلَيْهِ [الآية ٧٨] .
قال أبو عبيدة: معناه يستحثّون إليه كأنه يحثّ بعضهم بعضا.
وتهرّع إليه: عجل.
أقول: وأصل الهرع والهرع والإهراع شدّة السّوق، وسرعة العدو، قال الشاعر:
كأنّ حمولهم متتابعات، ... رعيل يهرعون الى رعيل
وهذا الفعل «هرع» ، ومثله قولهم
стр. 934
«ضاق به ذرعا» في الآية السابقة، يدلان دلالة واضحة على مكانة البداوة وتأثيرها في العربية، وكيف أنها أمدّت هذه اللغة بذخائر حوّلها الاستعمال وأبعد عنها صفة البداوة، فصارت من مواد الحضارة. ومن المفيد أن أشير الى أن الفعل «هرع» بني في استعمالهم على ما لم يسمّ فاعله: وقالوا معناه المعلوم مثل سقط وحمّ وغمّ وغير ذلك. غير أن المعربين في عصرنا، درجوا على بنائه على «فعل يفعل» نظير «سطع يسطع» ، وكأن التنبيه على موطن التجاوز والخطأ أفاد، فبدأ إصلاحهم للخطأ.
١٣- وقال تعالى: وَيا قَوْمِ لا يَجْرِمَنَّكُمْ شِقاقِي أَنْ يُصِيبَكُمْ مِثْلُ ما أَصابَ قَوْمَ نُوحٍ [الآية ٨٩] .
قوله تعالى: لا يَجْرِمَنَّكُمْ شِقاقِي أَنْ يُصِيبَكُمْ، أي: لا يكسبنّكم شقاقي إصابة العذاب.
و «جرم» مثل «كسب» في تعدّيه الى مفعول واحد والى مفعولين: تقول:
جرم ذنبا وكسبه، وجرمته ذنبا وكسبته إيّاه، قال:
ولقد طعنت أبا عيينة طعنة ... جرمت فزارة بعدها أن يغضبوا
وقرأ ابن كثير بضم الياء من «أجرمته ذنبا» إذا جعلته جارما له، أي: كاسبا، وهو منقول من «جرم» المتعدّي الى مفعول واحد، كما نقل «أكسبه المال» من «كسب المال» ، وكما لا فرق بين كسبته مالا وأكسبته إيّاه، فكذلك لا فرق بين «جرمته ذنبا» و «أجرمته إيّاه» .
والقراءتان مستويتان في المعنى لا تفاوت بينهما، إلّا ان المشهورة أفصح لفظا «١» .
أقول: وليس لنا شيء من هذا الفعل. بهذه الدلالة أو ما يقرب منها في عربيتنا المعاصرة.
١٤- وقال تعالى: وَاتَّخَذْتُمُوهُ وَراءَكُمْ ظِهْرِيًّا [الآية ٩٢] .
والظّهريّ: الذي تجعله بظهر، أي:
تنساه وتغفل عنه، والمراد بالآية أي لم تلتفتوا إليه، وتركتم أمر الله وراء ظهوركم.
قال ابن سيده: واتّخذ حاجته ظهريّا، استهان بها كأنّه نسبها الى الظّهر، على غير قياس، كما قالوا في النّسب الى البصرة بصريّ.
стр. 935
وفي حديث عليّ- ﵇:
اتّخذتموه وراءكم ظهريّا حتى شنّت عليكم الغارات، أي: جعلتموه وراء ظهوركم.
أقول: لم يبق من هذه المادة الجميلة إلا ما ورد على التثنية، وهو معروف لدى القلة من أهل العربية الملتزمة بالفصاحة، يقال: هو نازل بين ظهرانيهم، أي: بين أظهرهم، وأقام بينهم.
وقد ورد في الحديث الشريف أيضا، ويقال بين ظهريهم أيضا.
وينبغي أن ننبّه الى أنّ قولهم: «بين ظهرانيهم» و «ظهريهم» ينبغي أن يكون الأول والثاني بفتح الظاء، والأول أيضا بفتح النون. وتنبيهي هذا دليل أن الخطأ معروف، كما أن الأقدمين نبّهوا على مثل هذا.
١٥- وقال : وَما زادُوهُمْ غَيْرَ تَتْبِيبٍ (١٠١) .
أي: ما زادوهم غير تخسير، يقال:
تبّ إذا خسر، وتبّبه غيره إذا أوقعه في الخسران.
أقول: لا نعرف في العربية المعاصرة هذا الفعل ولا المصدر، كما لا نعرف الثلاثي منه، ولا نقرأه إلّا في لغة التنزيل. ١٦- وقال تعالى: إِلَّا ما شاءَ رَبُّكَ عَطاءً غَيْرَ مَجْذُوذٍ (١٠٨) .
والمعنى: غير مقطوع.
وجذّ الشّعر معروف في عصرنا في العربية المعاصرة.
أما الجذ بمعنى القطع كما في الآية، فهو معروف في العربية القديمة، فالجذّ القطع، وكسر الشيء الصّلب، والجذاذ والجذاذ، ما كسر منه، وضمّه أفصح من كسره، والواحدة جذاذة، وقطع الفضة الصغار جذاذ، ويقال لحجارة الذهب. والجذاذات القراضات للفضة.
وجذذت الحبل قطعته فانجذّ، وجذّ النّخل يجذّه جذا وجذاذا وجذاذا حرمه. عن اللحيانيّ، وهي مثل جزّ جزا وجزازا وجزازا.
ورحم جذّاء: مقطوعة.
أقول: ذهب كل هذا وليس لنا إلّا الشّعر يجذّ، وإلّا قول المعاصرين من الباحثين في مصطلحهم «الجذاذة» لقطعة الورق، التي يثبتون فيها فائدة خاصة، يرجعون إليها بعد جمع ما يحتاجون إليه من فوائد ومعارف، لتدخل في المادة التي يحرّرونها كتابا أو أي شيء آخر.
стр. 936
المبحث السادس المعاني اللغوية في سورة «هود» «١»
وقال تعالى: إِنَّهُ لَفَرِحٌ فَخُورٌ (١٠) إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا بجعله خارجا من أوّل الكلام على معنى «ولكنّ» «٢» وقد فعلوا هذا فيما هو من أول الكلام، فنصبوا. وقال الشاعر «٣» [من البسيط وهو الشاهد الحادي والثلاثون بعد المائتين] :
يا صاحبيّ ألا لا حيّ بالوادي ... إلّا عبيدا قعودا بين أوتاد
فتنشده العرب نصبا.
وقال تعالى: وَمِنْ قَبْلِهِ كِتابُ مُوسى إِماماً وَرَحْمَةً [الآية ١٧] على خبر المعرفة.
وقال تعالى: فَلا تَكُ فِي مِرْيَةٍ مِنْهُ [الآية ١٧] وقرأ بعضهم (مرية) «٤» تكسر وتضم وهما لغتان «٥» .
وقال تعالى: مَثَلُ الْفَرِيقَيْنِ كَالْأَعْمى وَالْأَصَمِّ [الآية ٢٤] أي:
«كمثل الأعمى والأصمّ» «٦» .
стр. 937
وقال تعالى: إِلَّا الَّذِينَ هُمْ أَراذِلُنا بادِيَ الرَّأْيِ [الآية ٢٧] أيّ: في ظاهر الرأي. وليس بمهموز لأنّه من «بدا» «يبدو» أي: ظهر. وقال بعضهم (بادئ الرأي) أي: فيما يبدأ به من الرأي «١» .
وقال تعالى: قالُوا يا نُوحُ قَدْ جادَلْتَنا فَأَكْثَرْتَ جِدالَنا [الآية ٣٢] وقرأ بعضهم (جدلتنا) «٢» وهما لغتان.
وقال تعالى: قُلْنَا احْمِلْ فِيها مِنْ كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ [الآية ٤٠] بجعل الزوجين الضربين الذكور والإناث.
وزعم يونس «٣» أن قول الشاعر [من الطويل وهو الشاهد الثاني والثلاثون بعد المائتين] :
وأنت امرؤ تعدو على كلّ غرّة ... فتخطئ فيها مرّة وتصيب
يعني الذئب.
وقال: وَقالَ ارْكَبُوا فِيها بِسْمِ اللَّهِ مَجْراها وَمُرْساها [الآية ٤١] بجعلها من جريت «٤» ، وقرأ بعضهم (مجراها ومرساها) إذا جعلت من أجريت» .
стр. 938
وقرأ بعضهم (مجريها ومرسيها) «١» لأنه أراد أن يجعل ذلك صفة لله .
وقال تعالى: سَآوِي إِلى جَبَلٍ يَعْصِمُنِي [الآية ٤٣] بقطع (سآوى) لأنّه «أفعل» وهو يعني نفسه.
وقال: لا عاصِمَ الْيَوْمَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ إِلَّا مَنْ رَحِمَ [الآية ٤٣] ويجوز أن يكون على «لإذا عصمة» أي: معصوم ويكون إِلَّا مَنْ رَحِمَ رفعا بدلا من العاصم «٢» .
وقال تعالى: إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صالِحٍ [الآية ٤٦] منوّن «٣» لأنه حين قال- والله أعلم: فَلا تَسْئَلْنِ ما لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ [الآية ٤٦] كان في معنى «أن تسألني» فقال إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صالِحٍ فَلا تَسْئَلْنِ ما لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ وقال وَأُمَمٌ سَنُمَتِّعُهُمْ [الآية ٤٨] بالرفع على الابتداء نحو قولك «ضربت زيدا وعمرو لقيته» على الابتداء «٤» .
وقال: هذِهِ ناقَةُ اللَّهِ لَكُمْ آيَةً [الآية ٦٤] بالنصب على خبر المعرفة.
وقال: قالَتْ يا وَيْلَتى أَأَلِدُ وَأَنَا عَجُوزٌ [الآية ٧٢] فإذا وقفت قلت (يا ويلتاه) لأنّ هذه الألف خفيفة وهي مثل ألف الندبة فلطفت من أن تكون في السكت وجعلت بعدها الهاء، ليكون أبين لها، وأبعد للصوت. وذلك أنّ الألف إذا كانت بين حرفين كان لها صدّى كنحو الصوت يكون في جوف الشيء، فيتردّد فيه فيكون أكثر وأبين.
ولا تقف على ذا الحرف في القرآن كراهية خلاف الكتاب. وقد ذكر أنه يوقف على ألف الندبة فان كان هذا صحيحا، وقفت على الألف.
стр. 939
وقال تعالى: فَلَمَّا ذَهَبَ عَنْ إِبْراهِيمَ الرَّوْعُ [الآية ٧٤] وهو الفزع.
ويقال: «ألقي في روعي» ويقال:
«أفرخ روعك» «١» و «ألقي في روعي» أي: في خلدي. «فالروع» القلب والعقل. و «الرّوع» : الفزع.
وقال تعالى: هؤُلاءِ بَناتِي هُنَّ أَطْهَرُ لَكُمْ [الآية ٧٨] بالرفع «٢» ، وكان عيسى «٣» يقول (هنّ أطهر لكم) «٤» وهذا لا يكون إنما ينصب خبر الفعل الذي لا يستغني عن خبر، إذا كان بين الاسم وخبره هذه الأسماء المضمرة التي تسمى الفصل، يعني: «هي» و «هو» و «هنّ» ، وزعموا أن النصب قراءة الحسن أيضا. وقال تعالى: فَاتَّقُوا اللَّهَ وَلا تُخْزُونِ فِي ضَيْفِي [الآية ٧٨] ف «الضيف» :
يكون واحدا ويكون جماعة. تقول:
«هؤلاء ضيفي» ، هذا ضيفي، كما تقول: «هؤلاء جنب» و «هذا جنب» ، و «هؤلاء عدوّ» و «وهذا عدوّ» .
وقال تعالى: قالَ لَوْ أَنَّ لِي بِكُمْ قُوَّةً [الآية ٨٠] وبإضمار «لكان» .
وقال إِلَّا امْرَأَتَكَ [الآية ٨١] يقول:
فَأَسْرِ بِأَهْلِكَ إِلَّا امْرَأَتَكَ بالنصب «٥» . وقرأ بعضهم (إلّا أمرأتك) بالرفع «٦» وحمله على الالتفات. أي لا يلتفت منكم إلّا امرأتك.
وقال: وَأَمْطَرْنا عَلَيْها حِجارَةً مِنْ سِجِّيلٍ مَنْضُودٍ (٨٢) مُسَوَّمَةً بالنصب
стр. 940
بالتنوين. ف «المنضود» من صفة «السّجّيل» ، و «المسوّمة» من صفة «الحجارة» فلذلك انتصب.
وقال تعالى: أَصَلاتُكَ تَأْمُرُكَ أَنْ نَتْرُكَ ما يَعْبُدُ آباؤُنا أَوْ أَنْ نَفْعَلَ فِي أَمْوالِنا ما نَشؤُا [الآية ٨٧] أي «أن نترك وأن نفعل في أموالنا ما نشاء» وليس المعنى «أصلاتك تأمرك أن نفعل في أموالنا ما نشاء» لأنه ليس بذا أمرهم. وقرأ بعضهم (تشاء) «١» وذلك إذا عنوا شعيبا.
وقال تعالى: مِنْها قائِمٌ وَحَصِيدٌ (١٠٠) يريد «ومحصود» ك «الجريح» و «المجروح» .
وقال سبحانه: لا تَكَلَّمُ نَفْسٌ إِلَّا بِإِذْنِهِ [الآية ١٠٥] ومعناه «تتفعّل» فكان الأصل أن تكون «تتكلّم» ولاستثقال اجتماع التاءين حذفت الآخرة منهما، لأنها هي التي تعتل فهي أحقهما بالحذف، ونحو (تذكّرون) «٢» يسكنها الإدغام، فإن قيل: «فهلّا أدغمت التاء هاهنا في الذال وجعلت قبلها ألف وصل، كما قلت: «اذّكّروا» فلأن هذه الألف إنما تقع في الأمر وفي كلّ فعل معناه «فعل» فأما «يفعل» و «تفعل» ، فلا.
وقال تعالى: إِنْ نَقُولُ إِلَّا اعْتَراكَ بَعْضُ آلِهَتِنا [الآية ٥٤] على الحكاية تقول: «ما أقول إلّا» : «ضربك عمرو» و «ما أقول إلّا: «قام زيد» .
وقال: وَمِنْ خِزْيِ يَوْمِئِذٍ [الآية ٦٦] فأضاف (خزي) الى «اليوم» فجرّه، وأضاف «اليوم» إلى «إذ» فجرّه «٣» .
وقال تعالى: نَكِرَهُمْ [الآية ٧٠] تقول «نكرت الرجل» و «أنكرته» .
وقال: وَما زادُوهُمْ غَيْرَ تَتْبِيبٍ (١٠١) فهو مصدر «تبّبوهم» «تتبيبا» .
стр. 941
وقال: إِلى أُمَّةٍ مَعْدُودَةٍ [الآية ٨] و «الأمّة» : الحين كما قال وَادَّكَرَ بَعْدَ أُمَّةٍ [يوسف/ ٤٥] .
وقال تعالى: مَنْ كانَ يُرِيدُ الْحَياةَ الدُّنْيا وَزِينَتَها نُوَفِّ [الآية ١٥] ف كانَ في موضع جزم وجوابها نُوَفِّ.
وقال تعالى: أَفَمَنْ كانَ عَلى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّهِ وَيَتْلُوهُ شاهِدٌ مِنْهُ [الآية ١٧] بإضمار الخبر.
وقال فَالنَّارُ مَوْعِدُهُ [الآية ١٧] بجعل النار هي الموعد، وإنّما الموعد فيها كما تقول العرب: «الليلة الهلال» ومثلها إِنَّ مَوْعِدَهُمُ الصُّبْحُ [الآية ٨١] .
وقال: وَغِيضَ الْماءُ [الآية ٤٤] تقول «غضته» ف «أنا أغيضه» وتقول: «غاضته الأرحام» ف «هي تغيضه» وقال: وَما تَغِيضُ الْأَرْحامُ [الرعد/ ٨] . وفي قوله تعالى: وَاسْتَوَتْ عَلَى الْجُودِيِّ [الآية ٤٤] ثقّل «الجوديّ» لأن الياء ياء النسبة، فكأنه أضيف الى «الجود» كقولك: «البصريّ» و «الكوفيّ» .
وقال: وَلا تَطْغَوْا [الآية ١١٢] من «طغوت» «تطغا» مثل «محوت» «تمحا» .
وقال تعالى: وَلا تَرْكَنُوا [الآية ١١٣] من «ركن» «يركن» ، وإن شئت قلت «ولا تركنوا» «١» وجعلتها من «ركن» «يركن» .
وقال تعالى: طَرَفَيِ النَّهارِ [الآية ١١٤] بتحريك الياء لأنها ساكنة لقيها حرف ساكن، لأن اكثر ما يحرّك الساكن بالكسر، نحو يا صاحِبَيِ السِّجْنِ [يوسف/ ٣٩ و ٤١] .
وقال تعالى: وَزُلَفاً مِنَ اللَّيْلِ [الآية ١١٤] لأنها جماعة، تقول «زلفة» و «زلفات» و «زلف» .
وقال تعالى: وَتَوَكَّلْ عَلَيْهِ وَما رَبُّكَ بِغافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ (١٢٣) لأنه عنى النبيّ (ص) ، أو قال له «قل لهم وَما رَبُّكَ بِغافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ (١٢٣) » .
стр. 942
المبحث السابع لكل سؤال جواب في سورة «هود» «١»
إن قيل: لم قال تعالى: وَأَنِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ [الآية ٣] مع أن التوبة مقدّمة على الاستغفار؟
قلنا: المراد: استغفروا ربكم من الشرك، ثم ارجعوا إليه بالطاعة. كذا قاله مقاتل. وهذا الاستغفار مقدم على هذه التوبة. الثاني: أنّ فيه تقديما وتأخيرا. الثالث قال الفرّاء: ثمّ هنا بمعنى الواو، وهي لا تفيد ترتيبا، فاندفع السؤال.
فإن قيل: من لم يستغفر ولم يتب، فإنّ الله يمتّعه متاعا حسنا الى أجله:
أي يرزقه ويوسع عليه كما قال ابن عباس، أو يعمّره كما قال ابن قتيبة، فما الحكمة في قوله تعالى وَأَنِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ يُمَتِّعْكُمْ مَتاعاً حَسَناً إِلى أَجَلٍ مُسَمًّى؟
قلنا: قال غيرهما: المتاع الحسن، المشروط بالاستغفار والتوبة، هو الحياة في الطاعة والقناعة، ومثل هذه الحياة إنما تكون للمستغفر التائب التقي.
فإن قيل: قوله تعالى: وَما مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ [الآية ٦] لم لم يقل على الأرض مع أنه أشدّ مناسبة لتفسير الدابة لغة، فإنها ما يدب على وجه الأرض؟
قلنا: «في» هنا بمعنى «على» ، كما في قوله تعالى: وَلَأُصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ النَّخْلِ [طه/ ٧١] ، وقوله تعالى أَمْ لَهُمْ سُلَّمٌ يَسْتَمِعُونَ فِيهِ [الطور/ ٣٨] . الثاني:
стр. 943
أن لفظة «في» أعم وأشمل، لأنها تتناول كل دابة على وجه الأرض، وكل دابة في باطن الأرض، بخلاف على.
فإن قيل: لم خصّ الدابة بذكر ضمان الرزق، والطير كذلك رزقه على الله تعالى، وهو غير الدابة بدليل قوله تعالى: وَما مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلا طائِرٍ يَطِيرُ بِجَناحَيْهِ [الأنعام/ ٣٨] .
قلنا: إنّما خص الدابة بالذكر، لأن الدواب أكثر من الطيور عددا، وفيها ما هو أكبر جثة من كل فرد من أفراد الطير، كالفيل والحوت، فيكون أحوج الى الرزق، فلذلك خصّه بالذكر.
فإن قيل: لم قال الله تعالى: إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُها [الآية ٦] و «على» للوجوب، والله تعالى لا يجب عليه شيء وإنما يرزقها تفضّلا منه وكرما.
قلنا: «على» هنا بمعنى «من» ، كما في قوله تعالى الَّذِينَ إِذَا اكْتالُوا عَلَى النَّاسِ يَسْتَوْفُونَ (٢) [المطفّفين] . الثاني: أنه ذكره بصيغة الوجوب، ليحصل للعبد زيادة سكون وطمأنينة في حصوله.
فإن قيل: لم قال تعالى: لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا [الملك/ ٢] والخطاب عامّ للمؤمنين والكافرين، فإنه امتحن الفريقين بالأمر بالطاعة والنهي عن المعصية، وأعمال المؤمنين هي التي تتفاوت الى أحسن وأحسن، فأما أعمال الفريقين فتفاوتها الى حسن وقبيح.
قلنا: قوله تعالى: لِيَبْلُوَكُمْ عامّ، أريد به الخاص، وهم المؤمنون تشريفا لهم وتخصيصا، فصحّ قوله سبحانه:
أَحْسَنُ عَمَلًا.
فإن قيل: لم قال تعالى: وَضائِقٌ بِهِ صَدْرُكَ [الآية ١٢] ولم يقل و «ضيّق» ؟
قلنا: ليدل على أن ضيقه عارض غير ثابت، لأن النبي (ص) كان أفسح الناس صدرا، ونظيره قولك: زيد سائد وجائد، فإذا أردت وصفه بالسيادة والجود الثابتين المستقرين قلت زيد سيّد وجواد، كذا قال الزمخشري.
فإن قيل: قال تعالى: فَأْتُوا بِعَشْرِ سُوَرٍ مِثْلِهِ مُفْتَرَياتٍ [الآية ١٣] أمرهم بالإتيان بمثله وما يأتون به لا يكون مثله، لأن ما يأتون به مفترى، والقرآن ليس بمفترى.
стр. 944
قلنا: أراد به مثله في البلاغة والفصاحة، وإن كان مفترى. وقيل معناه: مفتريات، كما أن القرآن مفترى في زعمكم واعتقادكم، فيتماثلان.
فإن قيل: لم قال تعالى: قُلْ فَأْتُوا فأفرد في قوله قُلْ ثم جمع فقال فَإِلَّمْ يَسْتَجِيبُوا لَكُمْ فَاعْلَمُوا [الآية ١٤] .
قلنا: الخطاب للنبي (ص) في الكل، ولكنه جمع في قوله :
لَكُمْ فَاعْلَمُوا تفخيما له وتعظيما.
الثاني: أن الخطاب الثاني للنبي (ص) وأصحابه، لأن النبي (ص) وأصحابه كانوا يتحدّونهم بالقرآن، وقوله تعالى في موضع آخر: فَإِنْ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَكَ فَاعْلَمْ [القصص/ ٥٠] يعضد الوجه الاول. الثالث: أن يكون الخطاب في الثاني والثالث للمشركين، والضمير في يَسْتَجِيبُوا لمن استطعتم، يعني فإن لم يستجب لكم من تدعونه المظاهرة على معارضته، لعجزهم، فاعلموا أيها المشركون أنما أنزل بعلم الله، وهذا وجه لطيف.
فإن قيل: قوله تعالى: وَحَبِطَ ما صَنَعُوا فِيها [الآية ١٦] يدل على بطلان عملهم، فما الحكمة في قوله بعده وَبَطَلَ ما كانُوا يَعْمَلُونَ [الآية ١٦] ؟
قلنا: المراد بقوله تعالى: وَحَبِطَ ما صَنَعُوا فِيها أي بطل ثواب ما صنعوا من الطاعات في الدنيا وَبَطَلَ ما كانُوا يَعْمَلُونَ (١٦) من الرياء.
فإن قيل: لم قال نوح ﵇ كما ورد في التنزيل وَيا قَوْمِ لا أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ مالًا [الآية ٢٩] بالواو، وقال هود ﵇، كما ورد في التنزيل أيضا يا قَوْمِ لا أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ [الآية ٥١] بغير الواو؟
قلنا: لأن الضمير في عَلَيْهِ لتبليغ الرسالة المدلول عليه بأول الكلام في القصتين، ولكن في قصة نوح ﵇ وقع الفصل بين الضمير وبين ما هو عائد عليه بكلام آخر، فجيء بواو الابتداء: وفي قصة هود ﵇ لم يقع بينهما فصل فلم يحتج الى واو الابتداء، هذا ما وقع لي فيه، والله اعلم.
فإن قيل: قوله تعالى لا عاصِمَ الْيَوْمَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ [الآية ٤٣] لا يناسبه
стр. 945
المستثنى في الظاهر، وهو قوله سبحانه في الآية نفسها: إِلَّا مَنْ رَحِمَ لأن المرحوم معصوم، فظاهره يقتضي «١» لا معصوم إلّا من رحم: أي لا معصوم من الغرق بالطوفان إلّا من ﵀ بالإنجاء في السفينة؟
قلنا: عاصم هنا بمعنى معصوم، كقوله تعالى: مِنْ ماءٍ دافِقٍ (٦) [الطارق] أي مدفوق، وقوله تعالى:
فَهُوَ فِي عِيشَةٍ راضِيَةٍ (٢١) [الحاقة] أي مرضية، وقول العرب: سرّ كاتم: أي مكتوم. الثاني أن معناه: لا عاصم اليوم من أمر الله إلّا من رحم، أي إلا الراحم وهو الله تعالى، وليس معناه المرحوم، فكأنه قال: لا عاصم إلا الله. الثالث أن معناه: لا عاصم اليوم من أمر الله إلا مكان من رحم الله من المؤمنين، ونجّاهم وهو السفينة، ويناسب هذا الوجه قوله تعالى: وَقالَ ارْكَبُوا فِيها بِسْمِ اللَّهِ مَجْراها وَمُرْساها إِنَّ رَبِّي لَغَفُورٌ رَحِيمٌ (٤١) وهذا لأنّ ابن نوح ﵇، لمّا جعل الجبل عاصما من الماء، ردّ نوح ﵇، ذلك، ودلّه على العاصم وهو الله تعالى، أو المكان الذي أمر الله بالالتجاء إليه، وهو السفينة.
فإن قيل: كيف صح أمر السماء والأرض بقوله تعالى وَقِيلَ يا أَرْضُ ابْلَعِي ماءَكِ وَيا سَماءُ أَقْلِعِي [الآية ٤٤] وهما لا يعقلان، والأمر والنهي إنما يكون لمن يفعل ويفهم الخطاب؟
قلنا: الخطاب لهما في الصورة، والمراد به الخطاب للملائكة الموكّلين بتدبيرهما. الثاني: أن هذا أمر إيجاب لا أمر إيجاد، وأمر الإيجاد لا يشترط فيه العقل والفهم، لأن الأشياء كلها بالنسبة الى امر الإيجاد مطيعة منقادة لله تعالى، ومنه قوله تعالى: إِنَّما أَمْرُهُ إِذا أَرادَ شَيْئاً أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ (٨٢) [يس] وقوله تعالى:
فَقالَ لَها وَلِلْأَرْضِ ائْتِيا طَوْعاً أَوْ كَرْهاً [فصّلت/ ١١] كل ذلك أمر إيجاد.
فإن قيل: لم قال تعالى هنا: وَنادى نُوحٌ رَبَّهُ فَقالَ رَبِّ [الآية ٤٥] بالفاء، وقال في قصة زكريا عليه الصلاة
стр. 946
والسلام إِذْ نادى رَبَّهُ نِداءً خَفِيًّا (٣) قالَ رَبِّ [مريم] بغير فاء؟
قلنا: أراد بالنداء هنا إرادة النداء فجاء بالفاء الدالة على السببية، فإن إرادة النداء سبب للنداء، فكأنه قال:
وأراد نوح نداء ربه فقال كيت وكيت، وأراد به في قصة زكريا ﵊ حقيقة النداء، فلهذا جاء بغير فاء لعدم ما يقتضي السببية.
فإن قيل: هود ﵊ كان رسولا ولم يظهر معجزة، ولهذا قال له قومه: يا هُودُ ما جِئْتَنا بِبَيِّنَةٍ ( [الآية ٥٣] فبأي شيء لزمتهم رسالته؟
قلنا: إنّما يحتاج الى المعجزة، من الرسل، من يكون صاحب شريعة لتنقاد أمّته لشريعته، فإن في كل شريعة أحكاما غير معقولة فيحتاج الرسول الآتي بها، الى معجزة لتشهد بصحة صدقه، فأما الرسول الذي لا تكون له شريعة ولا يأمر إلّا بالعقليات فلا يحتاج الى معجزة، لأن الناس ينقادون الى ما يأمرهم به لموافقته للعقل، وهود (ع) كان كذلك. الثاني: أنه نقل أن معجزة هود كانت الريح الصرصر، فإنها كانت سخّرت له. فإن قيل: على الوجه الأول لو كان أمره لهم مقصورا على العقليات لما خالفوه وكذبوه ونسبوه الى الجنون، بقولهم كما ورد في التنزيل يا هُودُ ما جِئْتَنا بِبَيِّنَةٍ إلى بِسُوءٍ.
قلنا: إنما صدر ذلك القول من قاصري العقول أو المعاندين المكابرين، كما قيل ذلك لكل رسول بعد إتيانه بالمعجزات الظاهرات والآيات الباهرات.
فإن قيل: هل قوله تعالى: إِنِّي أُشْهِدُ اللَّهَ وَاشْهَدُوا [الآية ٥٤] لتتناسب الجملتان؟
قلنا: لأن إشهاد الله تعالى على البراءة من الشرك إشهاد صحيح، مفيد تأكيد التوحيد وشده معاقده وأما إشهادهم فما هو إلا تهكّم بهم وتهاون ودلالة على قلة المبالاة، لأنهم ليسوا أهلا للشهادة فعدل به عن اللفظ الأول، وأتى به على صورة التهكّم والتهاون كما يقول الرجل لصاحبه إذا لاحاه: اشهد إني لأحبك، تهكّما به واستهانة له.
فإن قيل: قوله تعالى: فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقَدْ أَبْلَغْتُكُمْ [الآية ٥٧] جعل التولّي
стр. 947
شرطا والإبلاغ جزاء، والإبلاغ كان سابقا على التولّي.
قلنا: ليس الإبلاغ جزاء التولّي، بل جزاؤه محذوف تقديره: فإن تولّوا لم أعاتب على تفريط في الإبلاغ أو تقصير فيه، ودلّ على الجزاء المحذوف قوله سبحانه: فَقَدْ أَبْلَغْتُكُمْ. الثاني: قال مقاتل تقديره: فإن تولّوا فقل لهم قد أبلغتكم.
فإن قيل: ما الحكمة من تكرار التنجية في قوله تعالى وَنَجَّيْناهُمْ مِنْ عَذابٍ غَلِيظٍ (٥٨) ؟
قلنا: أراد بالتنجية الأولى تنجيتهم من عذاب الدنيا الذي نزل بقوم هود، وهو سموم أرسلها الله تعالى عليهم فقطّعتهم عضوا عضوا، وأراد بالتنجية الثانية تنجيتهم من عذاب الآخرة الذي استحقّه قوم هود بالكفر، ولا عذاب أغلظ منه ولا أشدّ.
فإن قيل: بُعْداً [الآية ٤٤] معناه عند العرب الدعاء عليهم بالهلاك بعد هلاكهم.
قلنا: معناه الدلالة على أنهم مستأهلون له وحقيقون به، ونقيضه قول الشاعر:
إخوتي لا تبعدوا أبدا ... وبلى والله قد بعدوا
أراد بالدعاء لهم بنفي الهلاك بعد هلاكهم الإعلام بأنهم لم يكونوا مستأهلين له ولا حقيقين به.
فإن قيل: قوله تعالى: وَلا تَنْقُصُوا الْمِكْيالَ وَالْمِيزانَ [الآية ٨٤] نهي عن النقص فيهما، والنهي عن النقص أمر بالإيفاء معنى، فما الحكمة في قوله تعالى في الآية التالية: وَيا قَوْمِ أَوْفُوا الْمِكْيالَ وَالْمِيزانَ.
قلنا: صرّح أوّلا بنهيهم عن النقص الذي كانوا يفعلونه لزيادة المبالغة في تقبيحه وتغييرهم إيّاه، ثم صرح بالأمر بالإيفاء بالعدل الذي هو حسن عقلا، لزيادة الترغيب فيه والحثّ عليه.
فإن قيل: قوله تعالى: وَلا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ (٨٥) والعثوّ الفساد، فيصير المعنى: ولا تفسدوا في الأرض مفسدين؟
قلنا: قد سبق هذا السؤال وجوابه في سورة البقرة. وجواب آخر معناه:
ولا تعثوا في الأرض بالكفر، وأنتم مفسدون بنقص المكيال والميزان.
стр. 948
فإن قيل: لم قال تعالى: بَقِيَّتُ اللَّهِ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ [الآية ٨٦] فشرط الإيمان في كون البقيّة خيرا لهم، وهي خير لهم مطلقا لأن المراد ببقيّة الله ما يبقى لهم من الحلال، بعد إيفاء الكيل والوزن، وذلك خير لهم، وإن كانوا كفّارا، لأنهم يسلمون معه من عقاب البخس والتطفيف؟
قلنا: إنما شرط الإيمان في خيرية البقيّة، لأن خيريتها وفائدتها مع الإيمان أظهر، وهو حصول الثواب مع النجاة من العقاب، ومع فقد الإيمان أخفى لانغماس صاحبها في عذاب الكفر، الذي هو أشدّ العذاب. الثاني: أن المراد إن كنتم مصدّقين، فيما أقول لكم وأنصح.
فإن قيل: لم قال تعالى: وَما قَوْمُ لُوطٍ مِنْكُمْ بِبَعِيدٍ (٨٩) ولم يقل ببعيدين والقوم اسم لجماعة الرجال، وما جاء في القرآن الضمير العائد اليه إلا ضمير جماعة، قال الله تعالى أَنْ أَنْذِرْ قَوْمَكَ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَهُمْ [نوح/ ١] وقال تعالى لا يَسْخَرْ قَوْمٌ مِنْ قَوْمٍ عَسى أَنْ يَكُونُوا خَيْراً مِنْهُمْ [الحجرات/ ١١] .
قلنا: فيه إضمار تقديره: وما هلاك قوم لوط او مكان قوم لوط، ومكان قوم لوط كان قريبا منهم، وإهلاكهم أيضا كان قريبا من زمانهم. الثاني: أن فعيلا يستوي فيه الواحد والاثنان والجمع، قال الجوهري: يقال ما أنتم منا ببعيد، وقال الله تعالى وَالْمَلائِكَةُ بَعْدَ ذلِكَ ظَهِيرٌ (٤) [التحريم] وقال سبحانه عَنِ الْيَمِينِ وَعَنِ الشِّمالِ قَعِيدٌ (١٧) [ق] .
فإن قيل: قولهم، كما ورد في التنزيل: وَلَوْلا رَهْطُكَ لَرَجَمْناكَ وَما أَنْتَ عَلَيْنا بِعَزِيزٍ (٩١) كلام واقع فيه وفي رهطه وأنهم الأعزة عليهم دونه، فكيف صح قوله كما ورد في التنزيل أيضا أَرَهْطِي أَعَزُّ عَلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ [الآية ٩٢] ؟
قلنا: تهاونهم به وهو نبي الله تهاون بالله، فحين عزّ رهطه عليهم دونه، كان رهطه أعزّ عليهم من الله، ألا ترى الى قوله تعالى: مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطاعَ اللَّهَ [النساء/ ٨٠] وقوله سبحانه: إِنَّ الَّذِينَ يُبايِعُونَكَ إِنَّما يُبايِعُونَ اللَّهَ [الفتح/ ١٠] .
فإن قيل: قد ذكر عملهم على مكانتهم وعمله على مكانته، ثم أتبعه بذكر عاقبة العاملين منه ومنهم، فكان المطابق والموافق في ظاهر الفهم أن
стр. 949
يقول: من يأتيه عذاب يخزيه حتى ينصرف من يأتيه عذاب يخزيه إليهم، ومن هو صادق إليه.
قلنا: القياس ما ذكرت، ولكنهم لما كانوا يدعونه كاذبا قال: ومن هو كاذب، يعني في زعمكم ودعواكم تجهيلا لهم.
فإن قيل: لم قال تعالى إِذا أَخَذَ الْقُرى وَهِيَ ظالِمَةٌ [الآية ١٠٢] والقرى لا تكون ظالمة، لأن الظلم من صفات من يعقل، أو من صفات الحيوان دون الجماد؟
قلنا: هو من الإسناد المجازي، والمراد به أهلها، كما قال تعالى في موضع آخر أَخْرِجْنا مِنْ هذِهِ الْقَرْيَةِ الظَّالِمِ أَهْلُها [النساء/ ٧٥] لكن لما أمن اللبس أسند الظلم الى القرية لفظا، كما في قوله تعالى وَسْئَلِ الْقَرْيَةَ [يوسف/ ٨٢] .
فإن قيل: كيف التوفيق بين قوله تعالى يَوْمَ يَأْتِ لا تَكَلَّمُ نَفْسٌ إِلَّا بِإِذْنِهِ [الآية ١٠٥] وقوله سبحانه:
يَوْمَ تَأْتِي كُلُّ نَفْسٍ تُجادِلُ عَنْ نَفْسِها [النحل/ ١١١] وقوله هذا يَوْمُ لا يَنْطِقُونَ (٣٥) وَلا يُؤْذَنُ لَهُمْ فَيَعْتَذِرُونَ (٣٦) [المرسلات] فإن الآية الثالثة تناقض الآية الأولى بنفي الإذن، وتناقض الآيتين جميعا بنفي النطق؟
قلنا: أمّا التوفيق بين الآيتين، الأوليين فظاهر، لأن المعنى تجادل عن نفسها بإذنه فتوافقت الآيتان، وأما الآية الثالثة فإنها لا تناقض الآية الاولى بنفي الإذن، إن قلنا إنّ الاستثناء من النفي ليس بإثبات، لأنّ الآية الاولى لا تقتضي وجود الإذن حينئذ، بل تقتضي نفي الكلام عند انتفاء الإذن فأما إن قلنا إن الاستثناء من النفي إثبات ناقضت الآية الثالثة الأولى، ولا تناقض الآيتين بنفي النطق، لأن يوم القيامة يوم طويل فيه مواقف ومواطن، ففي بعضها يكفّون عن الكلام فلا يؤذن لهم فيه، وفي بعضها يؤذن لهم فيتكلّمون، وفي بعضها يختم على أفواههم وتتكلّم أيديهم وتشهد أرجلهم، وهذا جواب عام عن مثل هذه الآيات، ويرد على هذا أن يقال قوله تعالى: هذا يَوْمُ لا يَنْطِقُونَ (٣٥) نفى النطق عنهم يوم القيامة، ما يوجب انتفاءه في جميع أجزاء ذلك الزمان عملا بعموم النفي، كما يعم النفي جميع أجزاء المكان في قولنا، لا وجود لزيد في الدار، فاندفع الجواب باختلاف المواقف والمواطن
стр. 950
فيكون الجواب، أن الآية الثالثة أريد بها طائفة خاصة، غير الطائفتين الأوليين فلا تناقض.
فإن قيل: لم قال تعالى فَمِنْهُمْ شَقِيٌّ وَسَعِيدٌ (١٠٥) وكلمة «من» للتبعيض، ومعلوم أن الناس كلهم إما شقي أو سعيد، فما معنى التبعيض؟
قلنا: التبعيض هنا على حقيقته، لأنّ أهل القيامة ثلاثة أقسام: قسم شقيّ، وقسم سعيد، وهم أهل النار والجنة كما ذكر في هذه الآية مفصّلا وقسم لا شقي ولا سعيد وهم أهل الأعراف.
الثاني أنّ معنى الكلام: فمنهم شقيّ ومنهم سعيد، وهذا يقتضي أن يكون الشقيّ بعض الناس والسعيد بعض الناس، والأمر كذلك، ولا يقتضي أن يكون الشقي والسعيد كلاهما بعض الناس، بل كل واحد منهما بعض، وكلاهما كلّ، كما تقول من الحيوان إنسان، ومن الحيوان غير إنسان، وكل الحيوان إما إنسان أو غير إنسان.
فإن قيل: لم قال تعالى: خالِدِينَ فِيها ما دامَتِ السَّماواتُ وَالْأَرْضُ [الآية ١٠٨] وأراد به بيان دوام الخلود، مع أنّ أهل الجنة وأهل النار مخلّدون فيهما خلودا لا نهاية له، والسموات والأرض ودوامهما منقطع، لأنهما يوم القيامة ينهدمان، قال الله تعالى: كَلَّا إِذا دُكَّتِ الْأَرْضُ دَكًّا دَكًّا (٢١) [الفجر] وقال تعالى: إِذَا السَّماءُ انْفَطَرَتْ (١) [الانفطار] وقال تعالى: يَوْمَ نَطْوِي السَّماءَ كَطَيِّ السِّجِلِّ لِلْكُتُبِ [الأنبياء/ ١٠٤] ونظائره كثيرة ممّا يدل على خراب السموات والأرض؟
قلنا: للعرب في معنى الأبد ألفاظ تعبر عن إرادة الدوام دون التأقيت، منها هذا يقولون: لا أفعل كذا ما اختلف الليل والنهار، وما دامت السماء والأرض، وما أطمت الإبل، ويريدون بذلك لا أفعله أبدا مع قطع النظر عن كون المؤقّت به له نهاية أو لا نهاية له.
الثاني: أنه خاطبهم على معتقدهم أن السموات والأرض لا تزول ولا تتغير.
الثالث: أنه أراد به كون الفريقين في قبورهم إما منعّمين أو معذّبين، كما جاء في الحديث «إن القبر إمّا روضة من رياض الجنة أو حفرة من حفر النار» ومن كان في روضة من رياض الجنة فهو في الجنة، ومن كان في حفرة من حفر النار فهو في النار، فعلى هذا يكون المراد بالتأقيت بدوام السماوات والأرض مدة الخلود الى