والسلام إِذْ نادى رَبَّهُ نِداءً خَفِيًّا (٣) قالَ رَبِّ [مريم] بغير فاء؟
قلنا: أراد بالنداء هنا إرادة النداء فجاء بالفاء الدالة على السببية، فإن إرادة النداء سبب للنداء، فكأنه قال:
وأراد نوح نداء ربه فقال كيت وكيت، وأراد به في قصة زكريا ﵊ حقيقة النداء، فلهذا جاء بغير فاء لعدم ما يقتضي السببية.
فإن قيل: هود ﵊ كان رسولا ولم يظهر معجزة، ولهذا قال له قومه: يا هُودُ ما جِئْتَنا بِبَيِّنَةٍ ( [الآية ٥٣] فبأي شيء لزمتهم رسالته؟
قلنا: إنّما يحتاج الى المعجزة، من الرسل، من يكون صاحب شريعة لتنقاد أمّته لشريعته، فإن في كل شريعة أحكاما غير معقولة فيحتاج الرسول الآتي بها، الى معجزة لتشهد بصحة صدقه، فأما الرسول الذي لا تكون له شريعة ولا يأمر إلّا بالعقليات فلا يحتاج الى معجزة، لأن الناس ينقادون الى ما يأمرهم به لموافقته للعقل، وهود (ع) كان كذلك. الثاني: أنه نقل أن معجزة هود كانت الريح الصرصر، فإنها كانت سخّرت له. فإن قيل: على الوجه الأول لو كان أمره لهم مقصورا على العقليات لما خالفوه وكذبوه ونسبوه الى الجنون، بقولهم كما ورد في التنزيل يا هُودُ ما جِئْتَنا بِبَيِّنَةٍ إلى بِسُوءٍ.
قلنا: إنما صدر ذلك القول من قاصري العقول أو المعاندين المكابرين، كما قيل ذلك لكل رسول بعد إتيانه بالمعجزات الظاهرات والآيات الباهرات.
فإن قيل: هل قوله تعالى: إِنِّي أُشْهِدُ اللَّهَ وَاشْهَدُوا [الآية ٥٤] لتتناسب الجملتان؟
قلنا: لأن إشهاد الله تعالى على البراءة من الشرك إشهاد صحيح، مفيد تأكيد التوحيد وشده معاقده وأما إشهادهم فما هو إلا تهكّم بهم وتهاون ودلالة على قلة المبالاة، لأنهم ليسوا أهلا للشهادة فعدل به عن اللفظ الأول، وأتى به على صورة التهكّم والتهاون كما يقول الرجل لصاحبه إذا لاحاه: اشهد إني لأحبك، تهكّما به واستهانة له.
فإن قيل: قوله تعالى: فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقَدْ أَبْلَغْتُكُمْ [الآية ٥٧] جعل التولّي
стр. 947
شرطا والإبلاغ جزاء، والإبلاغ كان سابقا على التولّي.
قلنا: ليس الإبلاغ جزاء التولّي، بل جزاؤه محذوف تقديره: فإن تولّوا لم أعاتب على تفريط في الإبلاغ أو تقصير فيه، ودلّ على الجزاء المحذوف قوله سبحانه: فَقَدْ أَبْلَغْتُكُمْ. الثاني: قال مقاتل تقديره: فإن تولّوا فقل لهم قد أبلغتكم.
فإن قيل: ما الحكمة من تكرار التنجية في قوله تعالى وَنَجَّيْناهُمْ مِنْ عَذابٍ غَلِيظٍ (٥٨) ؟
قلنا: أراد بالتنجية الأولى تنجيتهم من عذاب الدنيا الذي نزل بقوم هود، وهو سموم أرسلها الله تعالى عليهم فقطّعتهم عضوا عضوا، وأراد بالتنجية الثانية تنجيتهم من عذاب الآخرة الذي استحقّه قوم هود بالكفر، ولا عذاب أغلظ منه ولا أشدّ.
فإن قيل: بُعْداً [الآية ٤٤] معناه عند العرب الدعاء عليهم بالهلاك بعد هلاكهم.
قلنا: معناه الدلالة على أنهم مستأهلون له وحقيقون به، ونقيضه قول الشاعر:
إخوتي لا تبعدوا أبدا ... وبلى والله قد بعدوا
أراد بالدعاء لهم بنفي الهلاك بعد هلاكهم الإعلام بأنهم لم يكونوا مستأهلين له ولا حقيقين به.
فإن قيل: قوله تعالى: وَلا تَنْقُصُوا الْمِكْيالَ وَالْمِيزانَ [الآية ٨٤] نهي عن النقص فيهما، والنهي عن النقص أمر بالإيفاء معنى، فما الحكمة في قوله تعالى في الآية التالية: وَيا قَوْمِ أَوْفُوا الْمِكْيالَ وَالْمِيزانَ.
قلنا: صرّح أوّلا بنهيهم عن النقص الذي كانوا يفعلونه لزيادة المبالغة في تقبيحه وتغييرهم إيّاه، ثم صرح بالأمر بالإيفاء بالعدل الذي هو حسن عقلا، لزيادة الترغيب فيه والحثّ عليه.
فإن قيل: قوله تعالى: وَلا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ (٨٥) والعثوّ الفساد، فيصير المعنى: ولا تفسدوا في الأرض مفسدين؟
قلنا: قد سبق هذا السؤال وجوابه في سورة البقرة. وجواب آخر معناه:
ولا تعثوا في الأرض بالكفر، وأنتم مفسدون بنقص المكيال والميزان.
стр. 948
فإن قيل: لم قال تعالى: بَقِيَّتُ اللَّهِ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ [الآية ٨٦] فشرط الإيمان في كون البقيّة خيرا لهم، وهي خير لهم مطلقا لأن المراد ببقيّة الله ما يبقى لهم من الحلال، بعد إيفاء الكيل والوزن، وذلك خير لهم، وإن كانوا كفّارا، لأنهم يسلمون معه من عقاب البخس والتطفيف؟
قلنا: إنما شرط الإيمان في خيرية البقيّة، لأن خيريتها وفائدتها مع الإيمان أظهر، وهو حصول الثواب مع النجاة من العقاب، ومع فقد الإيمان أخفى لانغماس صاحبها في عذاب الكفر، الذي هو أشدّ العذاب. الثاني: أن المراد إن كنتم مصدّقين، فيما أقول لكم وأنصح.
فإن قيل: لم قال تعالى: وَما قَوْمُ لُوطٍ مِنْكُمْ بِبَعِيدٍ (٨٩) ولم يقل ببعيدين والقوم اسم لجماعة الرجال، وما جاء في القرآن الضمير العائد اليه إلا ضمير جماعة، قال الله تعالى أَنْ أَنْذِرْ قَوْمَكَ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَهُمْ [نوح/ ١] وقال تعالى لا يَسْخَرْ قَوْمٌ مِنْ قَوْمٍ عَسى أَنْ يَكُونُوا خَيْراً مِنْهُمْ [الحجرات/ ١١] .
قلنا: فيه إضمار تقديره: وما هلاك قوم لوط او مكان قوم لوط، ومكان قوم لوط كان قريبا منهم، وإهلاكهم أيضا كان قريبا من زمانهم. الثاني: أن فعيلا يستوي فيه الواحد والاثنان والجمع، قال الجوهري: يقال ما أنتم منا ببعيد، وقال الله تعالى وَالْمَلائِكَةُ بَعْدَ ذلِكَ ظَهِيرٌ (٤) [التحريم] وقال سبحانه عَنِ الْيَمِينِ وَعَنِ الشِّمالِ قَعِيدٌ (١٧) [ق] .
فإن قيل: قولهم، كما ورد في التنزيل: وَلَوْلا رَهْطُكَ لَرَجَمْناكَ وَما أَنْتَ عَلَيْنا بِعَزِيزٍ (٩١) كلام واقع فيه وفي رهطه وأنهم الأعزة عليهم دونه، فكيف صح قوله كما ورد في التنزيل أيضا أَرَهْطِي أَعَزُّ عَلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ [الآية ٩٢] ؟
قلنا: تهاونهم به وهو نبي الله تهاون بالله، فحين عزّ رهطه عليهم دونه، كان رهطه أعزّ عليهم من الله، ألا ترى الى قوله تعالى: مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطاعَ اللَّهَ [النساء/ ٨٠] وقوله سبحانه: إِنَّ الَّذِينَ يُبايِعُونَكَ إِنَّما يُبايِعُونَ اللَّهَ [الفتح/ ١٠] .
فإن قيل: قد ذكر عملهم على مكانتهم وعمله على مكانته، ثم أتبعه بذكر عاقبة العاملين منه ومنهم، فكان المطابق والموافق في ظاهر الفهم أن
стр. 949
يقول: من يأتيه عذاب يخزيه حتى ينصرف من يأتيه عذاب يخزيه إليهم، ومن هو صادق إليه.
قلنا: القياس ما ذكرت، ولكنهم لما كانوا يدعونه كاذبا قال: ومن هو كاذب، يعني في زعمكم ودعواكم تجهيلا لهم.
فإن قيل: لم قال تعالى إِذا أَخَذَ الْقُرى وَهِيَ ظالِمَةٌ [الآية ١٠٢] والقرى لا تكون ظالمة، لأن الظلم من صفات من يعقل، أو من صفات الحيوان دون الجماد؟
قلنا: هو من الإسناد المجازي، والمراد به أهلها، كما قال تعالى في موضع آخر أَخْرِجْنا مِنْ هذِهِ الْقَرْيَةِ الظَّالِمِ أَهْلُها [النساء/ ٧٥] لكن لما أمن اللبس أسند الظلم الى القرية لفظا، كما في قوله تعالى وَسْئَلِ الْقَرْيَةَ [يوسف/ ٨٢] .
فإن قيل: كيف التوفيق بين قوله تعالى يَوْمَ يَأْتِ لا تَكَلَّمُ نَفْسٌ إِلَّا بِإِذْنِهِ [الآية ١٠٥] وقوله سبحانه:
يَوْمَ تَأْتِي كُلُّ نَفْسٍ تُجادِلُ عَنْ نَفْسِها [النحل/ ١١١] وقوله هذا يَوْمُ لا يَنْطِقُونَ (٣٥) وَلا يُؤْذَنُ لَهُمْ فَيَعْتَذِرُونَ (٣٦) [المرسلات] فإن الآية الثالثة تناقض الآية الأولى بنفي الإذن، وتناقض الآيتين جميعا بنفي النطق؟
قلنا: أمّا التوفيق بين الآيتين، الأوليين فظاهر، لأن المعنى تجادل عن نفسها بإذنه فتوافقت الآيتان، وأما الآية الثالثة فإنها لا تناقض الآية الاولى بنفي الإذن، إن قلنا إنّ الاستثناء من النفي ليس بإثبات، لأنّ الآية الاولى لا تقتضي وجود الإذن حينئذ، بل تقتضي نفي الكلام عند انتفاء الإذن فأما إن قلنا إن الاستثناء من النفي إثبات ناقضت الآية الثالثة الأولى، ولا تناقض الآيتين بنفي النطق، لأن يوم القيامة يوم طويل فيه مواقف ومواطن، ففي بعضها يكفّون عن الكلام فلا يؤذن لهم فيه، وفي بعضها يؤذن لهم فيتكلّمون، وفي بعضها يختم على أفواههم وتتكلّم أيديهم وتشهد أرجلهم، وهذا جواب عام عن مثل هذه الآيات، ويرد على هذا أن يقال قوله تعالى: هذا يَوْمُ لا يَنْطِقُونَ (٣٥) نفى النطق عنهم يوم القيامة، ما يوجب انتفاءه في جميع أجزاء ذلك الزمان عملا بعموم النفي، كما يعم النفي جميع أجزاء المكان في قولنا، لا وجود لزيد في الدار، فاندفع الجواب باختلاف المواقف والمواطن
стр. 950
فيكون الجواب، أن الآية الثالثة أريد بها طائفة خاصة، غير الطائفتين الأوليين فلا تناقض.
فإن قيل: لم قال تعالى فَمِنْهُمْ شَقِيٌّ وَسَعِيدٌ (١٠٥) وكلمة «من» للتبعيض، ومعلوم أن الناس كلهم إما شقي أو سعيد، فما معنى التبعيض؟
قلنا: التبعيض هنا على حقيقته، لأنّ أهل القيامة ثلاثة أقسام: قسم شقيّ، وقسم سعيد، وهم أهل النار والجنة كما ذكر في هذه الآية مفصّلا وقسم لا شقي ولا سعيد وهم أهل الأعراف.
الثاني أنّ معنى الكلام: فمنهم شقيّ ومنهم سعيد، وهذا يقتضي أن يكون الشقيّ بعض الناس والسعيد بعض الناس، والأمر كذلك، ولا يقتضي أن يكون الشقي والسعيد كلاهما بعض الناس، بل كل واحد منهما بعض، وكلاهما كلّ، كما تقول من الحيوان إنسان، ومن الحيوان غير إنسان، وكل الحيوان إما إنسان أو غير إنسان.
فإن قيل: لم قال تعالى: خالِدِينَ فِيها ما دامَتِ السَّماواتُ وَالْأَرْضُ [الآية ١٠٨] وأراد به بيان دوام الخلود، مع أنّ أهل الجنة وأهل النار مخلّدون فيهما خلودا لا نهاية له، والسموات والأرض ودوامهما منقطع، لأنهما يوم القيامة ينهدمان، قال الله تعالى: كَلَّا إِذا دُكَّتِ الْأَرْضُ دَكًّا دَكًّا (٢١) [الفجر] وقال تعالى: إِذَا السَّماءُ انْفَطَرَتْ (١) [الانفطار] وقال تعالى: يَوْمَ نَطْوِي السَّماءَ كَطَيِّ السِّجِلِّ لِلْكُتُبِ [الأنبياء/ ١٠٤] ونظائره كثيرة ممّا يدل على خراب السموات والأرض؟
قلنا: للعرب في معنى الأبد ألفاظ تعبر عن إرادة الدوام دون التأقيت، منها هذا يقولون: لا أفعل كذا ما اختلف الليل والنهار، وما دامت السماء والأرض، وما أطمت الإبل، ويريدون بذلك لا أفعله أبدا مع قطع النظر عن كون المؤقّت به له نهاية أو لا نهاية له.
الثاني: أنه خاطبهم على معتقدهم أن السموات والأرض لا تزول ولا تتغير.
الثالث: أنه أراد به كون الفريقين في قبورهم إما منعّمين أو معذّبين، كما جاء في الحديث «إن القبر إمّا روضة من رياض الجنة أو حفرة من حفر النار» ومن كان في روضة من رياض الجنة فهو في الجنة، ومن كان في حفرة من حفر النار فهو في النار، فعلى هذا يكون المراد بالتأقيت بدوام السماوات والأرض مدة الخلود الى
стр. 951
يوم القيامة. الرابع: أن المراد بها سماوات الآخرة وأرضها، قال الله تعالى: يَوْمَ تُبَدَّلُ الْأَرْضُ غَيْرَ الْأَرْضِ وَالسَّماواتُ [ابراهيم/ ٤٨] وتلك دائمة لا تزول ولا تفنى، ولأنه لا بد لأهل الجنة ممّا يقلّهم ويظلّهم، إمّا سماء يخلقها الله تعالى، أو العرش، كما جاء في الأخبار، أنّ أهل الجنة تحت ظل العرش، وكل ما أظلك فهو سماء وجاء في الأخبار أيضا في صفة الجنة، أنّ ترابها من زعفران، فدل أنّ لها أرضا والمراد تلك السموات، وتلك الأرض.
فإن قيل: إذا كان المراد بهذا التأقيت دوام الخلود دواما لا آخر له، فكيف صحّ الاستثناء في قوله تعالى:
إِلَّا ما شاءَ رَبُّكَ [الآية ١٠٧] ؟
قلنا: قال الفرّاء: «إلّا» هنا بمعنى «غير» و «سوى» ، فمعناه: خالدين فيها ما دامت السموات والأرض، سوى ما شاء الله تعالى من الخلود والزيادة فكأنه قال: خالدين فيها قدر مدة الدنيا، غير ما شاء الله من الزيادة عليها إلى غير نهاية، وهذا الوجه إنّما يصح إذا كان المراد سموات الدنيا وأرضها.
قال ابن قتيبة: ومثله في الكلام قولك: لأسكّنك في هذه الدار حولا إلا ما شئت، يريد سوى ما شئت أن أزيدك على الحول. الثاني: أنه استثناء لا يفعله كما تقول: لأهجرنّك إلّا أن أرى غير ذلك، وعزمك على هجرانه أبدا، وهو معنى قول ابن عباس ﵄. إلا ما شاء ربّك، وقد شاء أن يخلدوا فيها. قال الزجّاج: وفائدة هذا الاستثناء، إعلامنا أنه، لو شاء سبحانه أن لا يخلّدهم لما خلّدهم، ولكنه ما شاء إلّا خلودهم. الثالث: أنه استثناء لزمان البعث والحشر والوقوف للعرض والحساب، فإنّ الأشقياء والسعداء في ذلك الزمان كلّه، ليسوا في النار ولا في الجنة. الرابع: أن «ما» بمعنى من، والمستثنى من يدخل النار من الموحّدين فيعذّب بقدر ذنوبه، ثم يخرج من النار ويدخل الجنة، وهذا الوجه يختص بالاستثناء من الأشقياء فقط. الخامس: أنّ المستثنى زمان كون أهل الأعراف على الأعراف قبل دخولهم الجنة وهذا الوجه يختص بالاستثناء من السّعداء، لأنهم لم يدخلوا النار لأنّ مصيرهم الى الخلود في الجنة. السادس: أنه استثناء من الخلود في عذاب النار، ومن الخلود في نعيم الجنة الأشقياء لا يخلدون
стр. 952
في عذاب النار بل يعذّبون بالزمهرير وغيره من أنواع العذاب، سوى النار، وهو سخط الله عليهم فإنه أشد وكذلك السعداء لهم سوى نعم الجنة ما هو أجلّ منها، وهو الزيادة التي وعدهم الله تعالى إيّاها، بقوله سبحانه:
لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنى وَزِيادَةٌ [يونس/ ٢٦] ورضوان الله كما قال تعالى:
وَعَدَ اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِناتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها وَمَساكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ وَرِضْوانٌ مِنَ اللَّهِ أَكْبَرُ [التوبة/ ٧٢] وقوله تعالى: فَلا تَعْلَمُ نَفْسٌ ما أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ [السجدة/ ١٧] فهو المراد بالاستثناء، ويعضد هذا الوجه قوله تعالى، بعد ذكر الاستثناء: إِنَّ رَبَّكَ فَعَّالٌ لِما يُرِيدُ (١٠٧) وقوله تعالى بعد ذكر السعداء: عَطاءً غَيْرَ مَجْذُوذٍ (١٠٨) يعني أنّه يفعل بأهل النار ما يريد من أنواع العذاب، ويعطي أهل الجنة أنواع العطاء الذي لا انقطاع له، فاختلاف المقطعين يؤكّد صرف الاستثناء إلى ما ذكرنا، فتأمّل كيف يفسّر القرآن بعضه بعضا.
فإن قيل: ما الحكمة في قوله تعالى غَيْرَ مَنْقُوصٍ (١٠٩) بعد قوله سبحانه وَإِنَّا لَمُوَفُّوهُمْ نَصِيبَهُمْ [الآية ١٠٩] والتوفية والإيفاء إعطاء الشيء وافيا:
أي تامّا، نقله الجوهري وغيره، والتامّ لا يكون منقوصا؟
قلنا: هو من باب التأكيد.
فإن قيل: قوله تعالى وَلِذلِكَ خَلَقَهُمْ [الآية ١١٩] إشارة إلى ماذا؟
قلنا: هو إشارة إلى ما عليه الفريقان من حالي الاختلاف والرحمة، فمعناه أنّه خلق أهل الاختلاف للاختلاف، وأهل الرحمة للرحمة وقد فسّره ابن عباس رضي الله تعالى عنهما، فقال:
خلقهم فريقين: فريقا رحمهم فلم يختلفوا، وفريقا لم يرحمهم فاختلفوا.
وقيل: هو إشارة إلى معنى الرحمة وهو الترحّم، وعلى هذا يكون الضمير في «خلقهم» للذين رحمهم فلم يختلفوا.
وقيل: هو إشارة الى الاختلاف والضمير في «خلقهم» للمختلفين، واللام على الوجه الأول والثالث لام العاقبة والصيرورة، لا لام كي، وهي التي تسمى لام الغرض والمقصود، لأن الخلق للاختلاف في الدين لا يليق بالحكمة، ونظير هذه اللام قوله تعالى:
стр. 953
فَالْتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوًّا وَحَزَناً [القصص/ ٨] وقول أبي العتاهية:
لدوا للموت وابنوا للخراب ... فكلّكم يصير الى التّراب
وقيل: إنها لام التمكين والاقتدار، كما في قوله تعالى جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ [يونس/ ٦٧] وقوله تعالى: وَالْخَيْلَ وَالْبِغالَ وَالْحَمِيرَ لِتَرْكَبُوها [النحل/ ٨] والتمكّن والاقتدار حاصل، وإن لم يسكن بعض الناس في الليل ولم يركب بعض هذه الدواب ومعنى التمكين والاقتدار هنا، أنه أقدرهم على قبول حكم الاختلاف ومكّنهم منه.
وقيل: اللام هنا، بمعنى «على» كما في قوله تعالى: وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ (١٠٣) [الصافات] وقوله تعالى: يَخِرُّونَ لِلْأَذْقانِ سُجَّداً (١٠٧) [الإسراء] .
فإن قيل: كيف الجمع بين قوله تعالى وَكُلًّا نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْباءِ الرُّسُلِ [الآية ١٢٠] وقوله تعالى وَرُسُلًا قَدْ قَصَصْناهُمْ عَلَيْكَ مِنْ قَبْلُ وَرُسُلًا لَمْ نَقْصُصْهُمْ عَلَيْكَ وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسى تَكْلِيماً (١٦٤) [النساء] . قلنا: معناه وكلّ نبأ نقصّه عليك من أنباء الرسل هو ما نُثَبِّتُ بِهِ فُؤادَكَ [الآية ١٢٠] ف ما في موضع رفع خبر لمبتدأ محذوف، فلا يقتضي اللفظ قصّ أنباء جميع الأنبياء، فلا تناقض بين الآيتين. الثاني: أنّ المراد بالكلّ هنا البعض، كما في قوله تعالى: ثُمَّ اجْعَلْ عَلى كُلِّ جَبَلٍ مِنْهُنَّ جُزْءاً [البقرة/ ٢٦٠] وقوله تعالى: وَجاءَهُمُ الْمَوْجُ مِنْ كُلِّ مَكانٍ [يونس/ ٢٢] وقوله تعالى وَأُوتِيَتْ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ [النمل/ ٢٣] وقوله تعالى وَكُلَّ إِنسانٍ أَلْزَمْناهُ طائِرَهُ فِي عُنُقِهِ [الإسراء/ ١٣] وقول لبيد الشاعر:
ألا كلّ شيء ما خلا الله باطل ... وكلّ نعيم لا محالة زائل
وكثير من الأشياء غير الله تعالى حق، كالنبي ﵊ والإيمان والجنة وغير ذلك، وكذلك نعيم الجنة والآخرة ليس بزائل، ولبيد صادق في هذا البيت لقوله (ص) :
أصدق كلمة قالها شاعر كلمة لبيد، ألا كلّ شيء ما خلا الله باطل.
فإن قيل: ما فائدة تخصيص هذه السورة بقوله تعالى وَجاءَكَ فِي هذِهِ
стр. 954
الْحَقُ
[الآية ١٢٠] مع أن الحقّ جاء في كلّ سور القرآن؟
قلنا: قالوا فائدة تخصيص هذه السورة بذلك، زيادة تشريفها وتفضيلها مع مشاركة غيرها إيّاها في ذلك، كما في قوله تعالى: وَأَنَّ الْمَساجِدَ لِلَّهِ [الجن/ ١٨] وقوله تعالى: وَجِبْرِيلَ وَمِيكالَ بعد قوله سبحانه وَمَلائِكَتِهِ [البقرة/ ٩٨] وقوله تعالى:
وَالصَّلاةِ الْوُسْطى بعد قوله الصَّلَواتِ [البقرة/ ٢٣٨] ووجه المشابهة بينهما، أنه حمل قوله تعالى:
وَجِبْرِيلَ وَمِيكالَ على التشريف والتفضيل، عند تعذّر حمله على تعليق العداوة به، لئلّا يلزم تحصيل الحاصل وكذا في المثال الأخير تعذّر حمله على إيجاب المحافظة لما قلنا وهنا تعذر حمله على حقيقته، وهو الجنس بأن حقيقته انحصار كل حق في هذه السورة وهو منتف، أو حمل الحق على معهود سابق، وهو منتف، وحمله على بعض الحق، يلزم منه وصف هذه السورة بوصف مشترك بينها وبين كل السور، وأنه لا يحسن، كما لو قال:
وجاءك في هذه الحق آيات الله أو كلام الله أو كلام معجز، فجعل مجازا عن التفضيل والتشريف.
وقيل: الإشارة بهذه إلى الدنيا لا إلى السورة، والجمهور على القول الأول.
ولا يقال إنّما خصّت هذه السورة بذلك لأن فيها الأمر بالاستقامة بقوله تعالى فَاسْتَقِمْ كَما أُمِرْتَ [الآية ١١٢] والاستقامة من أعلى المقامات عند العارفين، لأنّا نقول الأمر بالاستقامة جاء أيضا في قوله تعالى: وَاسْتَقِمْ كَما أُمِرْتَ وَلا تَتَّبِعْ أَهْواءَهُمْ [الشورى/ ١٥] ولا يصلح هذا علّة للتخصيص، والله أعلم.
стр. 955
المبحث الثامن المعاني المجازية في سورة «هود» «١»
قوله تعالى: الر كِتابٌ أُحْكِمَتْ آياتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ (١) وهذه استعارة. لأن آيات القرآن لمّا ورد في بعضها ذكر الحلال والحرام، واستمرت على ذلك بين وعد مقدّم، ووعيد مؤخّر، ونذارة مبتدأ بها، وبشارة معقّب بذكرها شبّهها القرآن، لذلك، بالنظائم المفصّلة، التي توافق فيها بين الأشكال تارة، وتؤلف بين الأضداد تارة ليكون ذلك أحسن في التنضيد، وأبلغ في الترصيف. وهذه من بدائع الاستعارات.
وقوله سبحانه: أَلا إِنَّهُمْ يَثْنُونَ صُدُورَهُمْ لِيَسْتَخْفُوا مِنْهُ أَلا حِينَ يَسْتَغْشُونَ ثِيابَهُمْ يَعْلَمُ ما يُسِرُّونَ وَما يُعْلِنُونَ [الآية ٥] وهذه استعارة. لأن حقيقة الشيء لا تتأتّى في الصدور. والمراد بذلك- والله أعلم- أنهم يثنون صدورهم على عداوة الله ورسوله (ص) . وذلك كما يقول القائل: هذا الأمر في طيّ ضميري. أي قد اشتمل عليه قلبي.
فيكون قوله تعالى: يَثْنُونَ صُدُورَهُمْ بمنزلة قوله يطوون صدورهم. ولفظ يثنون أعذب استماعا وأحسن مجازا.
وقيل أيضا: بل معنى ذلك أن المنافقين كانوا إذا اجتمعوا تخافتوا بينهم في الكلام، وحنوا ظهورهم تطامنا عند الحوار، خوفا من رمق العيون، ومراجم الظنون، لوقوع ما يتفاوضونه في أسماع المسلمين. فإذا
стр. 956
انحنت ظهورهم، انثنت صدورهم.
فأعلمنا الله سبحانه أنهم، وإن أغلقوا أبوابهم، وأسدلوا ستورهم، واستغشوا ثيابهم- بمعنى اشتملوا بها، وبمعنى أدخلوا رؤوسهم فيها على ما قاله بعضهم- فإنه تعالى يعلم غيب صدورهم، ودخائل قلوبهم، ومرامز أعينهم، ومحاذف «١» ألسنتهم.
وقوله : وَلَئِنْ أَذَقْنَا الْإِنْسانَ مِنَّا رَحْمَةً ثُمَّ نَزَعْناها مِنْهُ إِنَّهُ لَيَؤُسٌ كَفُورٌ (٩) وهذه استعارة لأن إذاقة الرحمة ونزعها ليسا بحقيقة هاهنا.
وإنما المراد بذلك أنّا إذا رحمنا الإنسان بعد توبته من مواقعة [في] «٢» بعض الذنوب فقبلنا متابه، وأسقطنا عقابه، ثم واقع بعد ذلك ذنبا آخر، واستحق أن نعاقبه وأن نزيل رحمتنا عنه، يئس من الرحمة وقنط من المغفرة. وليس الأمر كذلك، لأنه إذا عاود الإقلاع، أمن الإيقاع.
وقد أخرج هذا الكلام مخرج الذم لمن يواقع المعصية، فيقنط من قبول التوبة. فمعنى أذقنا الإنسان منّا رحمة.
أي عرّفناه أنّا قد رحمناه. إذ قد أوجبنا قبول التوبة إذا أخلص العبد فيها، وأتى بها على شروطها وحدودها.
ومعنى ثُمَّ نَزَعْناها مِنْهُ أي أزلنا عنه رحمتنا لأجل اقترافه المعصية التي اقترفها في الثاني «٣» . وقد يجوز أن يكون المراد بالرحمة هاهنا- والله أعلم- النعمة والسّرّاء. ويكون انتزاعها منه بمعنى إبداله بها الشّدّة والضّرّاء، إجراء له في مضمار الابتلاء والاختبار، أو مصلحة يكون معها أقرب الى الإصلاح «٤» والرشاد. ومما يقوّي ذلك قوله تعالى بعد هذه الآية: وَلَئِنْ أَذَقْناهُ نَعْماءَ بَعْدَ ضَرَّاءَ مَسَّتْهُ لَيَقُولَنَّ ذَهَبَ السَّيِّئاتُ عَنِّي إِنَّهُ لَفَرِحٌ فَخُورٌ (١٠) .
وقوله سبحانه: وَآتانِي رَحْمَةً مِنْ عِنْدِهِ فَعُمِّيَتْ عَلَيْكُمْ [الآية ٢٨] . وهذه استعارة. لأن الرحمة لا توصف بالعمى وإنما يوصف الناس بالعمى عن تمييز مواقعها. وإدراك مواضعها. فلما
стр. 957
وصفوا بالعمى عنها حسن أن يوصف بذلك في القلب «١» . كما يقال: أدخلت الخاتم في إصبعي، والمغفر في رأسي. وإنما الأصبع دخلت في الخاتم، والرأس دخل في المغفر. وقد يجوز أن يكون قوله سبحانه: فَعُمِّيَتْ عَلَيْكُمْ، بمعنى خفيت عليكم، كما يقول القائل: قد عمي عليّ خبرهم.
وعمي عليّ أثرهم. أي خفي عني الأثر والخبر.
وقوله سبحانه: وَلا أَقُولُ إِنِّي مَلَكٌ وَلا أَقُولُ لِلَّذِينَ تَزْدَرِي أَعْيُنُكُمْ لَنْ يُؤْتِيَهُمُ اللَّهُ خَيْراً [الآية ٣١] . وهذه استعارة.
كما يقول القائل: اقتحمت فلانا عيني، واحتقره طرفي. إذا قبح في منظر عينه خلقه، وصغر دمامة. ليس أن العين على الحقيقة يكون منها الاحتقار، أو يجوز عليها الاستصغار.
وقوله سبحانه: وَلا يَنْفَعُكُمْ نُصْحِي إِنْ أَرَدْتُ أَنْ أَنْصَحَ لَكُمْ إِنْ كانَ اللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يُغْوِيَكُمْ [الآية ٣٤] وذكر الإغواء هاهنا من قبيل الاستعارة، وإن لم يكن من صريحها. وكذلك لفظ المكر، والاستهزاء، وما يجري هذا المجرى. لأن المراد بمعاني هذه الألفاظ غير المراد بظواهرها. فالمتعارف من الإغواء هو الدعاء الى الغيّ والضلال.
وذلك غير جائز على الله سبحانه، لقبحه وورود أمره بضده. والمراد إذن بالإغواء هاهنا تخييبه سبحانه لهم من رحمته، لكفرهم وذهابهم عن أمره.
ومن الشاهد على ذلك قوله تعالى:
فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضاعُوا الصَّلاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَواتِ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا (٥٩) [مريم] ، أي خيبة من الرحمة، وارتكاسا في النقمة. وقد جاء لفظ الإغواء، والمراد به التخييب في كثير من منثور كلامهم، ومنظوم أشعارهم.
ويجوز أن يكون الإغواء هاهنا بمعنى الإهلاك لهم. ويجوز أن يكون بمعنى الحكم بالغواية عليهم.
وقوله سبحانه: وَاصْنَعِ الْفُلْكَ بِأَعْيُنِنا وَوَحْيِنا [الآية ٣٧] . وهذه استعارة.
ومعناها: واصنع الفلك بأمرنا، ونحن نرعاك ونحفظك. ليس أنّ هناك عينا تلحظ، ولا لسانا يلفظ. وذلك كما يقول القائل: أنا بعين الله. أي بمكان من حفظ الله. ومن كلامهم للظّاعن
стр. 958
المشيّع والحميم المودّع: صحبتك عين الله. أي رعاية الله وحفظه.
وقوله سبحانه: وَقِيلَ يا أَرْضُ ابْلَعِي ماءَكِ وَيا سَماءُ أَقْلِعِي وَغِيضَ الْماءُ وَقُضِيَ الْأَمْرُ [الآية ٤٤] ، وهذه استعارة. لأن الأرض والسماء لا يصح أن تؤمرا وتخاطبا. لأن الأمر والخطاب لا يكونان إلا لمن يعقل، ولا يتوجّهان إلا لمن يعي ويفهم. فالمراد إذن بذلك:
الإخبار عن عظيم قدرة الله سبحانه، وسرعة مضيّ أمره، ونفاذ تدبيره. نحو قوله: إِنَّما قَوْلُنا لِشَيْءٍ إِذا أَرَدْناهُ أَنْ نَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ (٤٠) [النحل] . وهذا إخبار عن وقوع أوامره من غير معاناة ولا كلفة، ولا لغوب ولا مشقة.
وفي هذا الكلام أيضا فائدة أخرى لطيفة. وهو أن قوله سبحانه: يا أَرْضُ ابْلَعِي ماءَكِ. أبلغ من قوله: يا أرض اذهبي بمائك. لأن في الابتلاع دليلا على إذهاب الماء بسرعة. ألا ترى أن قولك لغيرك: ابلع هذا الطعام، أبلغ من قولك له: كل هذا الطعام، إذا أردت منه إيصاله الى جوفه بسرعة؟
وكذلك الكلام في قوله سبحانه:
وَيا سَماءُ أَقْلِعِي: لأن لفظ الإقلاع هاهنا أبلغ من لفظ الانجلاء. لأن في الإقلاع أيضا معنى الإسراع بإزالة السحاب، كما قلنا في الابتلاع. وذلك أدلّ على نفاذ القدرة، وطواعية الأمور، من غير وقفة ولا لبثة، هذا الى ما في المزاوجة بين اللفظين من البلاغة العجيبة، والفصاحة الشريفة. إذ يقول سبحانه: يا أرض ابلعي، ويا سماء أقلعي: ومثل هذا في القرآن أكثر من أن يشار إليه.
وقوله سبحانه: وَنَجَّيْناهُمْ مِنْ عَذابٍ غَلِيظٍ (٥٨) . وهذه استعارة. لأن العذاب في الحقيقة لا يوصف بالغلظ، والدقة، لأنه الألم الذي يلحق الحي في قلبه أو جسمه. وإنما وصفه تعالى بالغلظ على طريقة كلام العرب، لأنهم يصفون الأمر الهيّن بالضؤولة والدقة، كما يصفون الأمر الشاق بالغلظ والشدة، حملا لذلك على عرفهم في المراعاة للشيء الغليظ الكثيف، وقلة الحفل بالشيء الدقيق الضئيل. ألا ترى إلى قولهم: عرض فلان دقيق، وقدره ضئيل؟ وإلى قولهم في مقابلة ذلك:
لقي فلان فلانا بكلام غليظ، وقول ثقيل.
وقد يجوز أيضا- والله أعلم- أن يكون المراد بعذاب غليظ هاهنا الصفة
стр. 959
لعذاب الآخرة. والعذاب إنما يقع بالآلات المستعظمة والأعيان المستفظعة، مثل مقامع الحديد، والحجارة المحماة بالجحيم. فوصف سبحانه العذاب الغليظ، لأنه واقع بالأشياء الغليظة، والآلات الثقيلة، فيكون ذلك مجازا من هذا الوجه.
وممّا يقوّي أن المراد بقوله تعالى:
وَنَجَّيْناهُمْ مِنْ عَذابٍ غَلِيظٍ (٥٨) عذاب الآخرة، قوله تعالى في الآية نفسها:
وَلَمَّا جاءَ أَمْرُنا نَجَّيْنا هُوداً وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِنَّا [الآية ٥٨] وهذه النجاة من عذاب الدنيا. ثم قال تعالى:
وَنَجَّيْناهُمْ مِنْ عَذابٍ غَلِيظٍ فدلّ على أن النجاة من العذاب الأول غير النجاة من العذاب الآخر. وأن الأول عذاب الدنيا، والثاني عذاب الآخرة، لأن العطف بالواو يقضي بذلك، وإلّا كان وجه الكلام: فلمّا جاء أمرنا نجّينا هودا والذين آمنوا معه برحمة منا من عذاب غليظ، ولم يكن لقوله تعالى:
وَنَجَّيْناهُمْ ثانيا معنى وهو محال.
وقوله سبحانه حاكيا عن لوط ﵇: قالَ لَوْ أَنَّ لِي بِكُمْ قُوَّةً أَوْ آوِي إِلى رُكْنٍ شَدِيدٍ (٨٠) وهذه استعارة والمراد بها: لو كنت آوي الى كثرة من قومي، وعدد من أهلي. وجعلهم ركنا له، لأن الإنسان يلجأ الى قبيلته، ويستند الى أعوانه ومنعته، كما يستند الى ركن البناء الرصين، والنضد الأمين «١» .
وجاء جواب «لو» هاهنا محذوفا.
والمعنى: لو أنني على هذه الصفة لحلت بينكم وبين ما هممتم به من الفساد وأردتموه من ذنوب فحشاء.
والحذف هاهنا أبلغ، لأنه يوهم المتوعّد بعظيم الجزاء، وبغليظ النكال، ويصرف وهمه الى ضروب العقاب، ولا يقف به عند جنس من أجناس المخوفات المتوقّعات.
وليس مخرج هذا الكلام من لوط ﵇، على ما ظنّه من لا معرفة له، وقدح فيه بأن قال: ألم يكن يأوي الى الله سبحانه؟ فما معنى القول الذي قاله؟ وذلك أن لوطا على ما ذكرنا إنّما أراد الأعوان من قومه، والأركان المستند إليهم من قبيلته، وهو يعلم أن له من معونة الله سبحانه أشد الأركان،
стр. 960
وأعز الأعوان، إلا أن من تمام إزاحة العلّة في التكليف حضور الناصر، وقرب المعاضد والمرافد.
وقوله سبحانه في صفة الحجارة المرسلة على قوم لوط: مُسَوَّمَةً عِنْدَ رَبِّكَ وَما هِيَ مِنَ الظَّالِمِينَ بِبَعِيدٍ (٨٣) وهذه استعارة. لأن حقيقة التسويم هي العلامات التي يعلّم بها الفرسان والأفراس في الحرب، للتمييز بين الشعارات، والتفريق بين الجماعات.
قال الله سبحانه: يُمْدِدْكُمْ رَبُّكُمْ بِخَمْسَةِ آلافٍ مِنَ الْمَلائِكَةِ مُسَوِّمِينَ (١٢٥) [آل عمران] . وقال الله سبحانه:
وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ [آل عمران/ ١٤] والمعنى أنه سبحانه لمّا جعل تلك الحجارة حربا لهم وأعوانا عليهم، وصفها بوصف رجال الحرب وخيولهم، فكأنها مرسلة من عند الله، أي من عند ملائكة الله الذين تولّوا الرمي بها، إرسال الخيول المسوّمة على أعدائها، وإن لم يكن هناك تسويم على الحقيقة.
وقد قال بعضهم: إن تلك الحجارة كانت على الحقيقة معلّمة بعلامات تدل على أنها أعدّت للعذاب، وأفردت للعقاب. وذلك أملأ للقلوب، وأعظم في الصدور.
وقوله سبحانه: وَإِنِّي أَخافُ عَلَيْكُمْ عَذابَ يَوْمٍ مُحِيطٍ (٨٤) .
وهذه استعارة من وجهين: أحدهما وصف اليوم بالإحاطة، وليس بجسم فيصح وصفه بذلك. والوجه الآخر:
أن لفظ محيط هاهنا كان يجب أن يكون من نعت العذاب، فيكون منصوبا.
فجعله- سبحانه- من نعت اليوم فجاء مجرورا، فأمّا وصف اليوم بالإحاطة- وان لم يتأتّ فيه ذلك- فالمراد به- والله أعلم- أن العذاب لما كان يعمّ المستحقّين له في يوم القيامة حسن وصف ذلك اليوم بأنه محيط بهم، أي أنه كالسباج المضروب بينهم وبين الخلاص من العذاب والإفلات من العقاب. وأما نقل نعت العذاب الى نعت اليوم، فالوجه فيه أن العذاب لمّا كان واقعا في ذلك اليوم، كان ذلك اليوم كالمحيط به، لأنه ظرف لحلوله، ووقت لنزوله.
وقوله سبحانه: بَقِيَّتُ اللَّهِ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ [الآية ٨٦] وهذه استعارة. لأن حقيقة البقية تركة شيء من شيء قد مضى، ولا يجوز إطلاقه
стр. 961
على الله سبحانه. فإذن يجب أن يكون المراد غير هذه الحقيقة. وقد قيل في معنى ذلك وجوه: أحدها بقية الله من نعمته خير لكم. وقد قيل: بقيّة الله طاعة الله، وذلك لأنها تبقي رضاه وثوابه أبدا ما بقيت. وقيل بقيّة الله أي عفو الله عنكم ورحمته بكم بعد استحقاقكم العذاب، كما يقول العرب المتحاربون بعضهم لبعض، إذا استحرّ فيهم القتل، وأعضلهم الخطب: البقية! البقية! أي نسألكم البقية علينا والمكافأة لنا. والبقية هاهنا والإبقاء بمعنى واحد.
وقوله سبحانه: أَصَلاتُكَ تَأْمُرُكَ أَنْ نَتْرُكَ ما يَعْبُدُ آباؤُنا أَوْ أَنْ نَفْعَلَ فِي أَمْوالِنا ما نَشؤُا [الآية ٨٧] وهذه استعارة. لأن الصلاة لا يصح منها الأمر على الحقيقة، وإنما أطلق عليها ذلك، لأنها بمنزلة الآمر بالخير، والناهي عن الشر.
وقيل: المراد بذلك: أدينك يأمرك بهذا؟ أي في شريعتك ودينك الأمر بهذا؟ فإذا كان ذلك في عقد الدين حسن أن يضاف الأمر به الى الدين:
وفي هذه الآية أيضا مجاز آخر. وهو أنه تعالى قال: أَصَلاتُكَ تَأْمُرُكَ أَنْ نَتْرُكَ ما يَعْبُدُ آباؤُنا [الآية ٨٧] وليس يصح على ظاهر الكلام أن يؤمر شعيب بأن يترك قومه شيئا هم عليه، وإنما المعنى- والله أعلم- أصلاتك تأمرك أن تأمرنا بترك ما يعبد آباؤنا؟ فاكتفى بذكر الأمر الأول عن ذكر الأمر الثاني، لأنه كالمعلوم من فحوى الكلام. وهذا من غوامض أسرار القرآن.
وقوله سبحانه: أَرَهْطِي أَعَزُّ عَلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ وَاتَّخَذْتُمُوهُ وَراءَكُمْ ظِهْرِيًّا [الآية ٩٢] . فهذه استعارة. لأن الله سبحانه لا يجوز عليه أن يجعل ظهريّا على الحقيقة. فالمراد أنّكم جعلتم أمر الله سبحانه وراء ظهوركم.
وهذا معروف في لسان العرب، أن يقول الرجل منهم لمن أغفل قضاء حاجته، أو ثنى عطفا على عذله وعتابه: جعلت حاجتي وراء ظهرك، وتركت مقالي دبر أذنك. أي لم تعن بحاجتي، ولم تصغ إلى معاتبتي.
وقوله : وَأَخَذَتِ الَّذِينَ ظَلَمُوا الصَّيْحَةُ فَأَصْبَحُوا فِي دِيارِهِمْ جاثِمِينَ [الآية ٩٤] . وهذه استعارة، لأن حقيقة الأخذ إنما يوصف بها الأجسام. والصيحة عرض من الأعراض، لأنها بعض الأصوات، إلا أنها أقوى للأسماع صكّا وقرعا، وأبلغ
стр. 962
في القلوب وجلا وروعا.. والمراد أن هلاكهم لمّا كان عن الصيحة حسن أن يقال: إنها أخذتهم بمعنى ذهبت بنفوسهم، وأتت على جمعهم.
وقوله تعالى: فَأَوْرَدَهُمُ النَّارَ وَبِئْسَ الْوِرْدُ الْمَوْرُودُ (٩٨) وَأُتْبِعُوا فِي هذِهِ لَعْنَةً وَيَوْمَ الْقِيامَةِ بِئْسَ الرِّفْدُ الْمَرْفُودُ (٩٩) فقوله تعالى: وَبِئْسَ الْوِرْدُ الْمَوْرُودُ (٩٨) وبِئْسَ الرِّفْدُ الْمَرْفُودُ (٩٩) استعارتان. لأنه تعالى جعل فرعون في تقدمة قومه الى النار بمنزلة الفارط «١» المتقدم للوارد الى الورد، كما كان في الدنيا متقدّمهم الى الضلالة، وقائدهم الى الغواية، وجعل النار بمنزلة الماء الذي يورد، ثم قال تعالى: وَبِئْسَ الْوِرْدُ الْمَوْرُودُ (٩٨) لأنه ورد لا يجيز الغصة، ولا ينقع الغلة.
وقد اختلف العلماء في [فهم] قوله تعالى: وَبِئْسَ الْوِرْدُ الْمَوْرُودُ (٩٨) . وهل ذلك ذم لنار جهنم على الحقيقة أو المجاز، فقال أبو علي «٢» محمد بن عبد الوهاب الجبائي: ذلك على طريق المجاز، والمعنى بئس وارد النار.
وقال أبو القاسم البلخي «٣» : بل ذلك على طريق الحقيقة.
فأمّا قوله سبحانه: وَأُتْبِعُوا فِي هذِهِ لَعْنَةً وَيَوْمَ الْقِيامَةِ بِئْسَ الرِّفْدُ الْمَرْفُودُ (٩٩) فإنما قلنا إنه استعارة، لأن حقيقة الرفد العطية. يقال رفده يرفده رفدا ورفدا بفتح الراء وكسرها.
ولكن اللعنة لمّا جعلت بدلا من الرّفد لهم عند انتقالهم من دار الى دار، على عادة المنتجع المسترفد او الرجل المتزوّد، جاز أن يسمّى رفدا، على طريق المجاز، كما قال تعالى: فَبَشِّرْهُمْ بِعَذابٍ أَلِيمٍ (٢١) [آل عمران] والبشارة في الأعم، الأغلب، إنما تكون بالخير لا بالشرّ.
ولكن لما جعل إخبارهم باستحقاق
стр. 963
العذاب في موضع البشارة لغيرهم باستحقاق الثواب، جاز أن يسمّى في ذلك بشارة.
وقوله سبحانه: ذلِكَ مِنْ أَنْباءِ الْقُرى نَقُصُّهُ عَلَيْكَ مِنْها قائِمٌ وَحَصِيدٌ (١٠٠) وهذه استعارة. والمعنى: منها قائم البناء، خال من الأهل، ومنها منقوص الأبنية، ملحق بالأرض، تشبيها بالزرع المحصود. الى هذا المعنى يومئ قوله تعالى: فَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ أَهْلَكْناها وَهِيَ ظالِمَةٌ فَهِيَ خاوِيَةٌ عَلى عُرُوشِها وَبِئْرٍ مُعَطَّلَةٍ وَقَصْرٍ مَشِيدٍ (٤٥) .
وقوله سبحانه: وَهِيَ خاوِيَةٌ عَلى عُرُوشِها [البقرة/ ٢٥٩] والعروش الأبنية. أي خالية من أهلها، على ما فيها من بواقي أبنيتها.
وقد يجوز أن يكون ذلك كناية عن أهل القرى، فكأنه سبحانه شبّه الأحياء الباقين بالزرع النامي، وشبه الأموات الهالكين بالزرع الذاوي. وذلك أحسن تمثيل، وأوقع تشبيه.
وقوله سبحانه: وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ (١١٩) . وهذه استعارة. والمراد هاهنا بتمام كلمة الله سبحانه صدق وعيده، الذي تقدّم الخبر به، وتمام وقوع مخبره مطابقا لخبره.
стр. 964
سورة يوسف ١٢
стр. 965
المبحث الأول أهداف سورة «يوسف» «١»
سورة يوسف سورة مكّيّة كلّها، وآياتها مائة وإحدى عشرة آية فقط، وقيل إن الآيات الثلاث الأولى مدنيّات، وهو رأي ضعيف، لأن السورة كلّها قصة واحدة.
ومن العجائب أن يذكر هذا الاستثناء في المصحف المطبوع في مصر، ويزاد عليه الآية السابعة، قال السيوطي في الإتقان وهو رأي واه جدّا، فلا يلتفت إليه.
وحين نستعرض سورة يوسف، نجد أنها سورة فريدة من نوعها من بين سور القرآن الكريم.
فهناك قصص متعدد مبثوث في ثنايا سور القرآن، لكن القرآن كان يكتفي أحيانا بذكر حلقة أو حلقات محدودة من القصة، كحلقة قصة مولد عيسى، أو حلقة قصة نوح والطوفان، لأن هذه الحلقات تفي بالمقصود منها.
أما قصة يوسف، فتقتضي أن تتلى كلها متوالية الحلقات والمشاهد، من بدئها إلى نهايتها، وصدق الله العظيم، إذ قال:
نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ بِما أَوْحَيْنا إِلَيْكَ هذَا الْقُرْآنَ وَإِنْ كُنْتَ مِنْ قَبْلِهِ لَمِنَ الْغافِلِينَ (٣) .
وسورة يوسف، هي قصة يوسف مطوّعة في سردها، وطريقة أدائها،
стр. 966
وخصائصها الفنية كلها، للقضية الكبرى التي جاء القرآن ليعالجها ويوضحها، ويثبتها في القلوب، وهي قضية العقيدة وما يقوم عليها في حياة الناس من روابط ونظم وصلات، تسبقها في السورة مقدمة تشير إلى الوحي بهذا القرآن، وبقصصه الذي هو أحسن القصص، والذي لم يكن محمد (ص) ، يعرف عنه شيئا من قبل.
وتتلوها تعقيبات شتّى، تفيد أن القصص القرآني غيب من عند الله سبحانه يثبّت به الرسول (ص) ، ويعظ به المؤمنين، قال تعالى:
لَقَدْ كانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِأُولِي الْأَلْبابِ ما كانَ حَدِيثاً يُفْتَرى وَلكِنْ تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَتَفْصِيلَ كُلِّ شَيْءٍ وَهُدىً وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (١١١) .
كذلك تضم السورة جناحيها على لفتات ولمسات أخرى في صفحة الكون، وفي أغوار النفس، وفي آثار الماضين، وفي ضمير الغيب المطوي، لا يدري البشر ما هو مخبوء خلف ستاره الرهيب وكل هذه العظات المبثوثة في حنايا السورة، تتناسب مع القصة، والقصة تتكامل معها، لتحقيق القضية الكبرى التي جاء بها هذا القرآن للبشرية، وجاءت بها رسالات الأنبياء في العصور المتلاحقة.
وقد ساق القرآن دعوة صريحة إلى العقيدة السليمة، والإيمان بالله تعالى على لسان يوسف (ع) حين مكث في السجن يدعو إلى الله، ويأخذ بيد الضعفاء، ويواسي المحزونين، ويفسّر الأحلام، ويشرح لهم سر معرفته وإيمانه، فيقول كما ورد في التنزيل:
ذلِكُما مِمَّا عَلَّمَنِي رَبِّي إِنِّي تَرَكْتُ مِلَّةَ قَوْمٍ لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَهُمْ بِالْآخِرَةِ هُمْ كافِرُونَ (٣٧) وَاتَّبَعْتُ مِلَّةَ آبائِي إِبْراهِيمَ وَإِسْحاقَ وَيَعْقُوبَ ما كانَ لَنا أَنْ نُشْرِكَ بِاللَّهِ مِنْ شَيْءٍ ذلِكَ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ عَلَيْنا وَعَلَى النَّاسِ وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَشْكُرُونَ (٣٨) يا صاحِبَيِ السِّجْنِ أَأَرْبابٌ مُتَفَرِّقُونَ خَيْرٌ أَمِ اللَّهُ الْواحِدُ الْقَهَّارُ (٣٩) ما تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِهِ إِلَّا أَسْماءً سَمَّيْتُمُوها أَنْتُمْ وَآباؤُكُمْ ما أَنْزَلَ اللَّهُ بِها مِنْ سُلْطانٍ إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ أَمَرَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ ذلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ (٤٠) .
وبذلك نجد السورة تربط بين رسالات السماء جميعها برباط أساسي وهدف مشترك هو الدعوة إلى توحيد
стр. 967
الله ونبذ الشركاء والأنداد، وبيان أن الإيمان بالله هو الطريق الواضح، والدين القيّم الذي يسمو بصاحبه ويعصمه من الفتنة، ويمنعه من الرذيلة، ويجعله يقف ثابت اليقين، يقاوم الإغراء، ويردّ المنحرف إلى طريق الصواب، قال تعالى:
وَراوَدَتْهُ الَّتِي هُوَ فِي بَيْتِها عَنْ نَفْسِهِ وَغَلَّقَتِ الْأَبْوابَ وَقالَتْ هَيْتَ لَكَ قالَ مَعاذَ اللَّهِ إِنَّهُ رَبِّي أَحْسَنَ مَثْوايَ إِنَّهُ لا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ ٢٣) .
قصة يوسف
قصة يوسف أطول قصة في القرآن، تجتمع حلقاتها كلّها في سورة واحدة، وتلحظ فيها الخصائص الفنية البحتة للقصة، خصائص الموضوع وخصائص العرض والأداء.
فالقصة غنية بالعنصر الإنساني، حافلة بالانفعال والحركة وطريقة الأداء تبرز هذه العناصر إبرازا قويا، فضلا عن خصائص التعبير القرآنية الموحية المؤثّرة.
في القصة يتجلّى عنصر الحب الأبوي في صور ودرجات متنوّعة، واضحة الخطوط والمعالم، في حبّ يعقوب ليوسف وأخيه، وحبّه لبقيّة أبنائه، وفي استجاباته للأحداث حول يوسف من أول القصة إلى آخرها.
وعنصر الغيرة والتحاسد بين الإخوة من أمهات مختلفات، بحسب ما يرون من تنوّع صور الحب الأبوي.
وعنصر التفاوت في الاستجابات المختلفة للغيرة والحسد في نفوس الإخوة، فبعضهم يقوده هذا الشعور إلى إضمار جريمة القتل، وبعضهم يشير فقط بطرح يوسف في الجبّ تلتقطه بعض القوافل السيّارة، وفي قصة يوسف نجد عنصر المكر والخداع في صور شتّى، من مكر إخوة يوسف به، إلى مكر امرأة العزيز بيوسف وبزوجها وبالنسوة.
وعنصر الشهوة ونزواتها، والاستجابة لها بالاندفاع أو بالإحجام، وبالإعجاب والتمنّي والاعتصام والتأبّي.
وعنصر الندم في بعض ألوانه، والعفو في أوانه، والفرح بتجمّع المتفارقين. وذلك إلى بعض صور المجتمع المتحضّر في البيت والسجن والسوق والديوان، في مصر يومذاك، والمجتمع العبراني، وما يسود العصر من الرؤى والتنبّؤات.
стр. 968
وقد بدأت القصة بالرؤيا يقصّها يوسف على أبيه، فينبئه أبوه بأن سيكون له شأن عظيم، وينصحه بألّا يقصّها على إخوته، كي لا يثير حسدهم فيغريهم الشيطان به، فيكيدون له. ثم تسير القصة بعد ذلك، وكأنما هي تأويل للرؤيا، ولما توقّعه يعقوب من ورائها، حتى إذا اكتمل تأويل الرؤيا في النهاية أنهى السياق القصة، ولم يسر فيها كما سار كتاب (العهد القديم) ، بعد هذا الختام الفني الدقيق الوافي بالغرض كل الوفاء.
وما يسمى بالعقدة الفنية في القصة الحديثة واضح في قصة يوسف، فهي تبدأ بالرؤيا، ويظل تأويلها مجهولا، ينكشف قليلا قليلا، حتّى تجيء الخاتمة فتحل العقدة حلا فنيّا طبيعيّا، يرضي الذوق الفنّي الخالص، ويرضي الوجدان الدينيّ، ويفي بدوره للقضية الكبرى التي سيقت القصة لها من الأساس.
والقصّة مقسّمة إلى حلقات، كل حلقة تحتوي على جملة من المشاهد، والسياق يترك فجوات بين المشهد والمشهد، بحيث يترك بين كل مشهدين أو حلقتين فجوة يملأها الخيال، ويكمل فيها ما حذف من حركات وأقوال، ويستمتع بإقامة الصلات بين المشهد السابق والمشهد اللاحق، فيمنح القصة بعض خصائص التمثيلية، ويملأها بالحركة والحيوية.
وهذه الطريقة متّبعة في جميع القصص القرآني- على وجه التقريب- وهي شديدة الوضوح في القصص الكبيرة، خصوصا قصّة يوسف الصديق.
يوسف بين إخوته وأبيه
أكرم الله نبيّه يوسف (ع) بأصل كريم، فهو يوسف بن يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم، وقد رزق يعقوب اثني عشر ابنا هم الأسباط. كان يوسف وبنيامين من أم تسمى راحيل، وبقية الأسباط من أمهات أخرى.
وقد ماتت راحيل أم يوسف وتركته في الثامنة عشرة من عمره أشد ما يكون حاجة إلى قلب الأم وعطفها، ولهذا آثر يعقوب يوسف وبنيامين بالحب والحنان، فسرى داء الحسد بين بقية الإخوة، وقال قائل منهم: ألا ترون أن
стр. 969
يوسف وأخاه أحبّ إلى أبينا منّا، وأقرب إليه منا جميعا.
وقال الثاني: إن حبّ يوسف قد تمكّن من قلب يعقوب، ولا شفاء ليعقوب من هذا المرض إلا بإبعاد يوسف عنه، فيجب أن نقتل يوسف، أو نتركه في أرض نائية مقطوعة حتى يموت.
وقال يهوذا: إن القتل لا يقرّه العقل ولا الدين، فلا تقتلوا يوسف، وإنما ألقوه في البئر العميق بجوار بيت المقدس، فهذا البئر ملتقى الغادي والرائح، وسيأخذه بعض القوافل ويبعدون به عنكم، فوافقوا جميعا على رأي يهوذا، وبيّتوا أمرهم عليه.
رؤيا يوسف
أصبح يوسف، فأخبر أباه أنه رأى الشمس والقمر وأحد عشر كوكبا ساجدين له، فعلم الأب أن ابنه سيكون له شأن عظيم، وأنّ أسرته ستأتي له خاضعة معترفة بفضله، فيسجد بين يديه يعقوب أبوه [سجود تحيّة] ، وخالته ليا وهي بمنزلة أمه، وأخوته الأحد عشر، ولكن يعقوب خشي على يوسف من حسد إخوته، فأمره أن يكتم هذه الرؤيا وألّا يخبر بها أحدا ولأمر ما تسرب خبر هذه الرؤيا إلى الإخوة فأشعل نار الغيرة بينهم، واستأذنوا أباهم في مصاحبة يوسف يوما إلى المرعى حيث الهواء الطلق والمنظر الجميل، فأذن لهم بعد تردّد، وأخذوا يوسف وألقوه في ظلام البئر بعد أن استغاث بهم فلم يغيثوه وألقى الله على يوسف السكينة، فاطمأنّ لمصيره، وجاءت قافلة تريد الماء، وألقت بدلوها إلى البئر، فتعلّق يوسف بالدلو وفرحت القافلة بمنظر الغلام الجميل، وقدموا به إلى أرض مصر، فباعوه إلى عزيز مصر بثمن بخس زهيد، ولمح العزيز في يوسف كرم الأصل وشرف العنصر وجمال الخلق وطيب المنبت، فقال العزيز لامرأته أكرمي مثوى هذا الغلام وأحسني معاملته، وحاشاك أن تزجريه زجر الخدم أو تضربيه ضرب العبيد، فإني لأرجو إذا اكتمل عوده ونضجت سنه، أن ينفعنا أو نتّخذه ولدا.
وانصرف يوسف إلى العمل في بيت العزيز في جد وأمان، فمكّن الله له في الأرض وأودع محبته في قلوب الجميع، فلما وصل إلى سن الرشد
стр. 970
والقوة، وهي تقع عادة بين العشرين والثلاثين، آتاه الله حكما وعلما، وصوابا في الحكم على الأمور، ومعرفة بمصائر الأحاديث وتأويل الرؤيا.
وهكذا أراد إخوة يوسف به أمرا، وأراد الله له أمرا ولكن أمر الله غالب، ومشيئته نافذة، فقد زادت ثقة العزيز في يوسف، وظهر له مكنون حزمه وعقله، وأمانته ونزاهته، فأدخله فيما بين نفسه وأهله، وبوّأه مكان الأشراف الأحرار، ووضعه من قلبه موضع الأبناء الأبرار.
يوسف وامرأة العزيز
نما يوسف وترعرع وبلغت سنه خمسا وعشرين سنة، وصار أمينا في بيت العزيز. وكانت امرأة العزيز في سن الأربعين، ولها سلطان الملك وقدرة الأمر والنهي، وسيطرة النفوذ والجاه ولكن سلطان الحب قد ملك قلبها، وسيطر على فؤادها.
وحاولت إغراء يوسف مستغلة فنون الإغراء كلها، قال تعالى:
وَراوَدَتْهُ الَّتِي هُوَ فِي بَيْتِها عَنْ نَفْسِهِ وَغَلَّقَتِ الْأَبْوابَ وَقالَتْ هَيْتَ لَكَ [الآية ٢٣] .
فكلمة (راودته) من راد يرود بالإبل إذا ذهب بها، وجاء وهي تشير إلى فنون الأنثى مقبلة إلى فن، مدبرة عن فن، من فنون الإغراء الصامتة التي تحاول بها أن تثير يوسف، فلما يئست من الصمت (غلّقت الأبواب) بتشديد اللام، كأنها أرادت أن تجعل الأبواب حيطانا، ثم عرضت نفسها على يوسف (وقالت هيت لك) : قد تهيأت لك راغبة فيك وهنا وقد خلعت المرأة ثياب الملك والعظمة والسيادة، ولبست ثوب الإغراء والتولّه والرغبة وقف يوسف في عزّة وإباء وإيمان، يقول، كما ورد في محكم التنزيل:
مَعاذَ اللَّهِ إِنَّهُ رَبِّي أَحْسَنَ مَثْوايَ إِنَّهُ لا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ (٢٣) [الآية ٢٣] .
فالمرأة في العصور كلها أكثر عاطفة من الرجل وأكثر تديّنا وإيمانا، وأكثر مراعاة لحرمة الزوجية، وأكثر نفورا من الظلم.
ولهذا عمد يوسف إلى عاطفة الايمان بالله، فقال: مَعاذَ اللَّهِ أستعيذ بالله من الفحشاء والمنكر، إن زوجك أكرمني وجعلني أمينا على بيته
стр. 971
وعرضه، فهل جزاء الإحسان إلّا الإحسان:
إِنَّهُ رَبِّي أَحْسَنَ مَثْوايَ.
وهناك عين الله التي ترى وتعلم السر وأخفى، وهذا ظلم وعدوان، وإنه لا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ (٢٣) .
ولكن المرأة كانت قد صمّت أذنيها عن سماع كل موعظة، وأغمضت عينيها عن رؤية الحق، ولم يبق في ذهنها إلا فكرة واحدة في مكان.. في رجل.. فهمّت به صائلة عليه لتنتقم لنفسها وكرامتها، أو لترغمه على طاعتها، وهمّ بها ليضربها أو يقتلها دفاعا عن الفضيلة والشرف، ولكن الله ألهمه أن الفرار خير من القتال، والمسالمة خير من المواثبة، وفتحت الأبواب أمامه فأسرع هاربا منها، ولكنها عدت وراءه، طمعا في تنفيذ رغبتها، أو خوفا من افتضاح أمرها.
وَاسْتَبَقَا الْبابَ وَقَدَّتْ قَمِيصَهُ مِنْ دُبُرٍ [الآية ٢٥] .
ونتيجة جذبها له لترده عن الباب، وقعت مفاجأة، فقد كان العزيز يمرّ في تلك اللحظة، فرأى يوسف واقفا وقميصه ممزّقا، وكان موقفا يبعث على الرّيبة ويثير الاتهام، فاتهمت المرأة يوسف، بأنه راودها عن نفسها وهجم عليها في مخدعها، ولا بدّ من سجنه، أو إذاقته مرّ العذاب.
ولم يجد يوسف بدّا من وصف الواقع وإيضاحه، فقال هي التي راودتني عن نفسي وجذبتني من ثوبي، وهذا قميصي شاهد على صدقي، وأمام تضارب الأقوال، استدعى الملك ابن عمها وكبير أسرتها، وكان فطنا لبيبا، فسمع القضية من أطرافها، وفطن لما وراء قصّتها فقال: إن كان قميصه قدّ من الأمام فذلك إذا من أثر مدافعتها له وهو يريد الاعتداء عليها، فهي صادقة وهو من الكاذبين وإن كان قميصه قدّ من الخلف، فهو إذا من أثر هروبه منها، ومطاردتها له حتى الباب، فهي كاذبة وهو من الصادقين.
فلما رأى الملك بعينه أن القميص قد مزّق من الخلف، وضح الحق وظهرت براءة يوسف أمامه، والتفت العزيز إلى امرأته وقال: إنّ هذا من كيد النساء ومكرهنّ، فاستغفري لذنبك إنك كنت من الخاطئين، وأنت يا يوسف أمسك لسانك عن الخوض في هذا الحديث، واكتم أمره عن الناس أجمعين.
стр. 972
يوسف عزيز مصر
تعرض يوسف لحلقات متتابعة من الإغراء والوعد والوعيد، وتوالت عليه حملات زليخا، ونساء من وجوه المدينة، فدعا يوسف ربه أن ينجيه من كيدهن ومكرهن، بقوله كما ورد في القرآن الكريم:
رَبِّ السِّجْنُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا يَدْعُونَنِي إِلَيْهِ [الآية ٣٣] .
ورأى العزيز أن يضحي بهذا البريء النزيه، حتى تسكت الألسنة وتخف عن زوجته التهمة، فأدخل يوسف السجن.
وكان يوسف في السجن، مثالا كريما في الدعوة إلى الإيمان وتفسير الأحلام وإرشاد الناس إلى الحق ثم رأى الملك في منامه سبع بقرات سمان يأكلهن سبع بقرات عجاف، وفسّر يوسف هذه الرؤيا بأن البلد مقبلة على سبع سنين مخصبة يجود فيها النيل بالماء، ثم تأتي بعدها سبع سنين مجدبة يجف فيها ماء النيل، ويعقب ذلك عام طيّب مثمر، فأمر الملك بالعفو عن يوسف، ولكنه أبى أن يخرج من السجن إلا بعد التثبّت من براءته ونزاهته، فاعترفت النسوة بنزاهته وفي ذلك، يقول الله تعالى:
حاشَ لِلَّهِ ما عَلِمْنا عَلَيْهِ مِنْ سُوءٍ قالَتِ امْرَأَةُ الْعَزِيزِ الْآنَ حَصْحَصَ الْحَقُّ أَنَا راوَدْتُهُ عَنْ نَفْسِهِ وَإِنَّهُ لَمِنَ الصَّادِقِينَ (٥١) .
فخرج يوسف من السجن بريئا نزيها، ثم نال إعجاب الملك والحظوة عنده.
وعلم يوسف أن مصر قادمة على مجاعة، فالنيل سيجود بالماء سبع سنين ثم يمتنع عن الفيضان سبع سنين أخرى، ورأى يوسف ثقة الملك فيه وإعجابه بنزاهته وأمانته فقال كما ورد في التنزيل:
قالَ اجْعَلْنِي عَلى خَزائِنِ الْأَرْضِ إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ (٥٥) .
واستطاع يوسف بحكمته أن ينجي مصر من المجاعة، وأن يدّخر القمح في سنابلها، والذرة في كيزانها، وأن يدير التموين والأموال، وأن يحفظ لمصر مكانتها وفضلها فاستطاعت أن تساعد نفسها، وأن تمديد العون لما حولها من البلاد.
ووصل خبر يوسف إلى البلاد
стр. 973
المجاورة، وإلى أرض كنعان حيث يقيم نبيّ الله يعقوب وأبناؤه الأسباط.
فقال يعقوب لبنيه: يا بنيّ إن الجدب عمّنا والقحط يكاد يأتي علينا، فاقصدوا هذا العزيز، وأحضروا من عنده القمح والطعام، واتركوا عندي أخاكم بنيامين أتعزّى ببقائه عن فراقكم، فرحل أبناء يعقوب إلى مصر، قاصدين مقابلة العزيز.
واستأذن الحاجب على يوسف، فقال إن بالباب عشرة رجال تتشابه وجوههم، وكأنهم غرباء عن هذه الديار يستأذنون في الدخول عليك، فأذن يوسف لإخوته وعرفهم، ولكنهم لم يعرفوه، فقد تركوه في الجب ذليلا فريدا، فأين منه هذا الأمير العزيز الذي يأمر فيطاع، ويقول فيمتثل الجميع أمره. وأكرم يوسف وفادتهم، وترك نقودهم داخل التموين الذي أمدّهم به، وطلب منهم أن يحضروا أخاهم بنيامين معهم في المرة الثانية، ولما حضر بنيامين مع إخوته استطاع يوسف أن يستبقيه معه، ثم ذهب الإخوة إلى أبيهم، فاشتدّ حزنه لفراق يوسف وبعده بنيامين، وجلس حزينا في محرابه يبكي أشد البكاء، ويقول كما أخبرنا القرآن الكريم يا أَسَفى عَلى يُوسُفَ [الآية ٨٤] .
ثم قال الأب لأبنائه، إني أحس في قرارة نفسي بوجود يوسف على قيد الحياة، فاذهبوا إلى مصر وتحسّسوا من يوسف وأخيه، ولا تيأسوا من فضل الله ورحمته ودخل الإخوة على يوسف، وقد اشتدّ بهم الضرّ والحاجة، فطلبوا من يوسف أن يرفق بهم، وأن يتصدّق عليهم، وهنا فاض قلب يوسف حنانا وعطفا على إخوته، وسألهم عمّا فعلوه بيوسف في زمان جهلهم، فقالوا إنك لأنت يوسف، قال أنا يوسف وهذا أخي بنيامين:
قَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْنا إِنَّهُ مَنْ يَتَّقِ وَيَصْبِرْ فَإِنَّ اللَّهَ لا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ (٩٠) .
لقد اتقى يوسف ربّه، وصبر عن الفحشاء، وتحمّل السجن في طاعة الله، فلم يضع أجره، وجعله الله على خزائن الأرض، عزيزا كريما، فالله يتولى الصالحين.
وصفح يوسف عن إخوته وقال لهم:
اذْهَبُوا بِقَمِيصِي هذا فَأَلْقُوهُ عَلى وَجْهِ أَبِي يَأْتِ بَصِيراً وَأْتُونِي بِأَهْلِكُمْ أَجْمَعِينَ (٩٣) .
стр. 974
وعاد الإخوة إلى أبيهم، فأحسّ رائحة القميص من مسافة بعيدة، ولمّا وضع القميص على وجهه عاد بصيرا، ورحل يعقوب مع أسرته قادمين إلى مصر، ودخلوا على يوسف، وخرّوا له جميعا ساجدين [سجود تحيّة] ، الأب والأم والإخوة، فقال يوسف:
يا أَبَتِ هذا تَأْوِيلُ رُءْيايَ مِنْ قَبْلُ قَدْ جَعَلَها رَبِّي حَقًّا [الآية ١٠٠] .
وشكر يوسف ربّه إذ أخرجه من السجن، وجاء بإخوته من البادية، وجمع شمل الأسرة، ثم مكّن الله ليوسف في الأرض، وآتاه الملك والحكمة، ليكون في قصته دليلا للعاملين ونبراسا للمخلصين وكأنه سبحانه يمهد الأسباب والمقدمات بلطفه وحكمته، لتكون العاقبة للمتّقين، ومد يوسف (ع) يده لله تعالى طالبا منه حسن الخاتمة والسير في موكب الصالحين فقال، كما ورد في التنزيل:
رَبِّ قَدْ آتَيْتَنِي مِنَ الْمُلْكِ وَعَلَّمْتَنِي مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحادِيثِ فاطِرَ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ أَنْتَ وَلِيِّي فِي الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ تَوَفَّنِي مُسْلِماً وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ (١٠١) .
стр. 975
المبحث الثاني ترابط الآيات في سورة «يوسف» «١»
تاريخ نزولها ووجه تسميتها
نزلت سورة «يوسف» بعد سورة «هود» ، وقد نزلت سورة «هود» بعد «الإسراء» وقبيل الهجرة، فيكون نزول سورة «يوسف» في ذلك التاريخ أيضا.
وقد سمّيت هذه السورة بهذا الاسم، لأنها نزلت في قصة يوسف مع أبيه وإخوته، وتبلغ آياتها إحدى عشرة ومائة آية.
الغرض منها وترتيبها
يقصد من هذه السورة إثبات تنزيل القرآن، كما يقصد من سورتي «يونس» «وهود» ، ولهذا ذكرت بعدهما، وتختلف طريقة إثباته فيها عن طريقة إثباته فيهما، لأن طريقة إثباته فيهما، كانت بتحدّيهم أن يأتوا بسورة أو عشر سور مثله أما طريقة إثباته في هذه السورة، فبأنه يقصّ عليهم من تفصيل أخبار يوسف (ع) ، ما لا يمكن أميّا مثله أن يعرفه.
وقد جاءت هذه السورة في هذا الغرض على ثلاثة أقسام: أولها في مقدمة، يقصد منها التمهيد لقصة يوسف، وثانيها، في قصة يوسف، وثالثها، في خاتمة تناسب ما سيقت له هذه القصة.
المقدمة الآيات (١- ٣)
قال الله تعالى الر تِلْكَ آياتُ الْكِتابِ الْمُبِينِ
стр. 976
(١) فأقسم بهذه الحروف، أن ما أنزله هو آيات الكتاب المبين، وذكر أنه أنزله قرآنا عربيّا، ليعقلوه ويفهموه، وأنه يقصّ عليه فيه أحسن القصص، وقد كان من قبله لا يعلم شيئا منه، فلا يمكن إلا أن يكون منزّلا من عنده.
قصة يوسف (ع) الآيات (٤- ١٠١)
ثم قال تعالى إِذْ قالَ يُوسُفُ لِأَبِيهِ يا أَبَتِ إِنِّي رَأَيْتُ أَحَدَ عَشَرَ كَوْكَباً وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ رَأَيْتُهُمْ لِي ساجِدِينَ (٤) كان ليعقوب اثنا عشر ولدا: ستة من ليا بنت ليان، وأربعة من سريّتين له، واثنان من راحيل بنت ليان، وكان قد تزوجها بعد وفاة أختها، فولدت له بنيامين ويوسف. فذكر تعالى أن يوسف رأى أحد عشر كوكبا والشمس والقمر يسجدون له، فقصّ ما رآه على أبيه، فنهاه أن يقصّه على إخوته، لئلا يحملهم الشيطان على الكيد له، وكان يحبه هو وأخوه بنيامين أكثر منهم، ثم أوّله له بأن ربه يجتبيه، ويعلمه من تأويل الأحاديث، ويتمّ نعمته عليه، وعلى آل يعقوب، كما أتمها على أبويه إبراهيم وإسحاق ثم ذكر سبحانه أن في قصة يوسف آيات وعبرا للسائلين، ثمّ فصّلها، فذكر تعالى أن إخوة يوسف ذكروا فيما بينهم أن يوسف وأخاه أحبّ إلى أبيهم منهم، وحكموا بتخطئته في إيثارهما بزيادة حبّه عليهم، وتآمروا على قتله أو إبعاده في أرض عن أبيه فأشار بعضهم بإلقائه في جبّ ليلتقطه بعض السّيّارة الذين يمرون به، فاتفقوا على هذا الرأي، ثم احتالوا على أبيهم، حتى يرسله ليرتع ويلعب معهم، فذكر أنه يخاف أن يأكله الذئب وهم عنه غافلون، فتعهّدوا له ألّا يغفلوا عنه، فلمّا ذهبوا به ألقوه في ذلك الجبّ، واتفقوا على أن يرجعوا إلى أبيهم، فيخبروه بأن الذئب أكله وهم في غفلة عنه، وأوحى الله إليه لينبّئنّهم بأمرهم هذا، وهم لا يشعرون.
ثم ذكر سبحانه أنهم رجعوا إلى أبيهم يبكون، وأخبروه بأنهم ذهبوا يستقون، وتركوا يوسف عند متاعهم، فأكله الذئب، وأتوه بقميصه وعليه دم لطّخوه به، فنظر إلى القميص فوجده لا تمزيق فيه. فعرف كذبهم وأخبرهم بأن أنفسهم سوّلت لهم فيه أمرا، وصبر
стр. 977
على فقد يوسف صبرا جميلا، واستعان الله على ما يصفون من الكذب، ليظهر أمره له، ويعلم ما فعلوه به.
ثم ذكر تعالى، أن سيارة كانت ذاهبة من مدين إلى مصر، أرسلوا واردهم ليطلب لهم الماء، فسار حتى وصل إلى ذلك الجبّ، فأدلى دلوه فتعلق يوسف به، فلمّا رآه فرح به لجماله وحسنه، واتفق هو ومن معه على أن يخفوا أمره عن سيارتهم، ويخبروهم بأن أهل الماء جعلوه بضاعة عندهم، على أن يبيعوه لهم بمصر، ثم ذكر أنهم باعوه بثمن بخس لأنهم لم يغرموا فيه شيئا، وكان الذي اشتراه عزيز مصر، فأمر امرأته أن تكرم مثواه، عسى أن ينفعهم أو يتخذوه ولدا ثم ذكر جلّ شأنه أنه لما بلغ أشدّه، آتاه حكمة وعلما، وجزاه بذلك على إحسانه وطاعته، وأنّ امرأة العزيز راودته عن نفسه، فاستعاذ بالله ممّا تطلبه منه، وخرج هاربا إلى الباب فخرجت وراءه لتمنعه، وتعلّقت بقميصه فقدّته من دبر، فلما وصلا إلى الباب، وجدا بعلها عنده، فرمته بأنه كان يريد بها سوءا، وذكر له أنها راودته عن نفسه فأبى وجاء شاهد من أهلها، فذكر أن قميصه إن كان قدّ من قبل، تكون هي الصادقة، وإن كان قدّ من دبر يكون هو الصادق، فلما رآه قدّ من دبر علم أن اتهامها له من الكيد الذي عرفن به، وأمره أن يعرض عن هذا، لئلّا يظهر للناس، وأمرها أن تستغفر من ذنبها، ولا تعود إليه.
ثم ذكر تعالى أن نسوة في المدينة عرفن ذلك، فلمنها عليه، فلما سمعت بما حصل منهن، دعتهنّ إليها، وأحضرت لهن طعاما، وآتت كل واحدة منهن سكينا لقطع الطعام، وأمرت يوسف أن يخرج عليهن، فلمّا رأينه أكبرنه، ودهشن، فوقعت سكين كل واحدة على يدها، فجرحتها، ثم أخبرتهن بأنه هو الذي لمنها فيه، وأنه إن لم يفعل ما تأمره به، فلا بدّ من أن تسعى في سجنه، فآثر السجن على ما دعته إليه، ولم يجبها إلى ما أرادته، فذهبت إلى بعلها، فشكته أنه فضحها في الناس، وأنه يخبرهم بأنها راودته عن نفسه، فرأى أن يحبسه، حتى يسقط عن ألسنة الناس ذكر ذلك الحديث.
ثم ذكر سبحانه، أنه دخل معه السجن فتيان: أحدهما صاحب طعام
стр. 978
الملك، وثانيهما كان صاحب شرابه، فقصّ عليه صاحب الشراب، أنه رأى أنه يعصر خمرا، وقصّ عليه صاحب الطعام أنه رأى أنه يحمل فوق رأسه خبزا تأكل الطير منه، وطلبا منه أن يؤوّل لهما رؤياهما، فأخبرهما بأنه سيؤوّل لهما ذلك قبل أن يأتيهما طعامهما، وأن علمه بتأويل الرؤيا ممّا علّمه ربّه، لأنه ترك ملّة من لا يؤمنون به ولا باليوم الآخر، واتّبع ملّة آبائه إبراهيم وإسحاق ويعقوب، ثم بيّن لهما بطلان ما يعبدانه من دون الله، وأوّل لصاحب الشراب رؤياه بأنه سيعود إلى عمله عند الملك، وأوّل لصاحب الطعام رؤياه، بأنه سيصلب فتأكل الطير من رأسه، وطلب من صاحب الشراب أن يذكره عند الملك، إذا عاد إلى عمله، فلما عاد إلى عمله نسي أن يذكره عند الملك، فلبث في السجن بضع سنين.
ثم ذكر تعالى أن الملك رأى سبع بقرات سمان، يأكلهن سبع عجاف وسبع سنبلات خضر وأخرى يابسات، وطلب من قومه أن يؤوّلوا له هذه الرؤيا، فعجزوا عن تأويلها له، فطلب منهم صاحب الشراب، أن يرسلوه إلى يوسف ليؤوّلها، فلما قصّها عليه، أخبره بأنهم يزرعون سبع سنين متوالية، وأوصاهم أن يتركوا ما يحصدونه في سنبله، لئلّا يأكله السوس، ولا يأكلوا إلا قليلا منه ثم أخبره بأنه سيأتي بعد ذلك سبع سنين مجدبات، يأكلون فيها ما ادّخروه لها، ثم يعودون إلى الخصب كما كانوا قبل الجدب، فلما عاد صاحب الشراب إلى الملك، وأخبره بهذا التأويل، طلب أن يأتوه بيوسف من السجن، فلمّا جاءه الرسول أمره أن يرجع إلى الملك، فيسأله عن حال النسوة اللاتي قطّعن أيديهن، لينكشف أمرهن وتعلم براءته ممّا اتهمنه به، فسألهن الملك عن خطبهن، إذ راودن يوسف عن نفسه، فأجبن بأنهن لم يعلمن عليه من سوء، واعترفت امرأة العزيز بأنها هي التي راودته عن نفسه.
ثم ذكر تعالى، أن الملك أمر أن يأتوه به ليستخلصه لنفسه، فلمّا أتاه وكلّمه، أخبره بأن قد صار عنده مكينا أمينا فطلب منه يوسف أن يجعله أميرا على خزائن أرض مصر، ليدبّر أمورها في سني الجدب، فأجابه الملك إلى ما طلب من ذلك، ثم ذكر تعالى أن إخوة
стр. 979
يوسف جاءوا إليه يبتاعون ميرة لأهلهم، فعرفهم ولم يعرفوه، ولمّا جهّزهم بجهازهم، سألهم أن يأتوه بأخ لهم من أبيهم، وأخبرهم بأنهم إن لم يأتوه به لم يعطهم شيئا، فأخبروه بأنهم سيراودون عنه أباه، لعلّه يرسله معهم، ثم أمر يوسف فتيانه، أن يجعلوا بضاعتهم التي ابتاعوا الميرة بها في رحالهم، ليعرفوها إذا انقلبوا الى أهلهم، فيرجعوا إليه ثانية، فلمّا رجعوا إلى أبيهم، أخبروه بأنهم لا يعطون شيئا، إذا لم يرسل معهم أخاهم بنيامين، وطلبوا منه أن يرسله معهم، وتعهدوا له بحفظه فأجابهم بأنهم قد تعهدوا قبل ذلك بحفظ يوسف، ولم يحفظوه، وذكر لهم أن الله خير حافظ وهو أرحم الراحمين، ولما فتحوا متاعهم وجدوا بضاعتهم ردّت إليهم، فأخبروا أباهم بذلك، وأنهم إذا ذهبوا ثانيا يميرون أهلهم ويحفظون أخاهم، ويزدادون كيل بعير له، فطلب منهم أن يؤتوه موثقا من الله ليأتنّه به، فلما آتوه موثقهم، أرسله معهم، وأشهد الله عليهم ثم ذكر سبحانه أنهم لما دخلوا على يوسف آوى إليه أخاه بنيامين، وعرّفه أنه أخوه، ونهاه أن يبتئس بما كانوا يفعلون فلمّا جهّزهم بجهازهم جعل صواع الملك في رحل بنيامين، ثم أمهلهم حتى انطلقوا، فأرسل وراءهم رسولا اتهمهم بأنهم سرقوا صواع الملك، فرجعوا إلى يوسف وأصحابه، وأقسموا بالله أنهم ما جاءوا ليفسدوا في الأرض، وما كانوا سارقين فسألوهم عن جزائه إن ظهر أنه منهم، فأجابوهم بأن جزاءه استرقاق من وجد في رحله، وكان هذا هو حكم السارق في شريعة ملك مصر، وقد فعل يوسف ذلك ليأخذ أخاه منهم ففتّش أوعيتهم حتى وجد الصواع في وعاء أخيه، فحكم باسترقاقه، وأخذه منهم.
ثم ذكر تعالى، أنهم أخبروا يوسف بأنّ لأخيهم أبا شيخا كبيرا، وسألوه أن يأخذ أحدهم مكانه، فأبى أن يأخذ إلّا من وجد الصواع عنده، فلمّا يئسوا منه، تناجوا في أمرهم، وما يقولونه لأبيهم، فذكر كبيرهم أنه لن يبرح أرض مصر حتى يأذن له أبوه، أو يمكّنه الله من خلاص أخيه، وأمرهم أن يرجعوا إلى أبيهم، ويخبروه بما فعله، بنيامين فلما رجعوا إليه، وأخبروه بذلك لم يصدقهم، واتهمهم بأنه دبّروا له أمرا، كما دبّروا لأخيه من
стр. 980
قبل، وصبر على فقده أيضا صبرا جميلا. ورجا من الله أن يأتيه بأبنائه جميعا، ثم أعرض عنهم، وأظهر أسفه على يوسف، وصار يبكي عليه حتى ذهب بصره، فأشفق عليه أبناؤه، وأخبروه بأنه لا يفتأ يذكر يوسف حتّى يمرض أو يهلك فأجابهم بأنه إنما يشكو أمره إلى الله، ويعلم منه ما لا يعلمون، ثم أمرهم أن يذهبوا إلى مصر، فيفتشوا عن يوسف وأخيه، ولا ييأسوا من رحمة الله، فأطاعوا، وذهبوا إلى مصر يمتارون ويفتشون عن أخويهم فلما دخلوا على يوسف شكوا إليه ما مسّهم وأهلهم من الضر، وأنهم جاءوا ببضاعة رديئة يرجون أن يقبلها منهم، وأن يعطيهم بدلها كيلا وافيا، ويتصدق بذلك عليهم فلمّا شكوا إليه ذلك رقّ لهم ودمعت عيناه، وسألهم عمّا فعلوه بيوسف وأخيه، وهم في جهل الشباب، فقالوا له أَإِنَّكَ لَأَنْتَ يُوسُفُ قالَ أَنَا يُوسُفُ وَهذا أَخِي قَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْنا إِنَّهُ مَنْ يَتَّقِ وَيَصْبِرْ فَإِنَّ اللَّهَ لا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ (٩٠) .
ثم ذكر تعالى، أنهم لما عرفوه، اعترفوا له بالمزيّة والفضل، وأقرّوا بأنهم أخطئوا فعفا عنهم، ورجا من الله أن يغفر لهم، وأمرهم أن يذهبوا بقميصه، فيلقوه على وجه أبيه ليأتي إليه بصيرا، ويأتوا بأهلهم أجمعين ثم ذكر سبحانه، أنهم رجعوا إلى أبيهم، وألقوا عليه القميص فارتدّ إليه بصره، وأنهم أتوا بأهلهم، فلما دخلوا على يوسف، ضمّ إليه أبويه، ورفعهما إلى سريره الذي يجلس عليه، وأنهم خرّوا له سجّدا سجود تكريم، وأن يوسف أخبر أباه، بأن هذا هو تأويل رؤياه من قبل، قد جعلها ربّه حقا، وقد أحسن به إذ أخرجه من السجن، وجاء بهم إليه، من بعد أن نزغ الشيطان بينه وبين إخوته، إنه لطيف لما يشاء إنه هو العليم الحكيم رَبِّ قَدْ آتَيْتَنِي مِنَ الْمُلْكِ وَعَلَّمْتَنِي مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحادِيثِ فاطِرَ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ أَنْتَ وَلِيِّي فِي الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ تَوَفَّنِي مُسْلِماً وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ (١٠١) .
الخاتمة الآيات (١٠٢- ١١١)
ثم قال تعالى ذلِكَ مِنْ أَنْباءِ الْغَيْبِ نُوحِيهِ إِلَيْكَ وَما كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ أَجْمَعُوا أَمْرَهُمْ وَهُمْ يَمْكُرُونَ (١٠٢) فذكر سبحانه،
стр. 981
أن قصة يوسف (ع) من غيب الماضي الذي يوحيه إليه، وما كان يعلمه، وأن أكثر الناس لا يؤمنون بالقرآن، ولو حرص على إيمانهم لتعنّتهم، وأنه لا يسألهم عليه أجرا، حتّى يعرضوا عنه، وإنما هو تذكير للناس وعظة لهم ثم ذكر تعالى، أن هذا الإعراض شأنهم في آياته في السماوات والأرض، وأن أكثرهم لا يؤمن به إلّا وهم مشركون ثم أنكر عليهم، أنهم لا يحذرون أن يؤاخذهم على تعنّتهم، بغاشية من عذابه، أو تأتيهم الساعة بغتة، وهم لا يشعرون.
ثم أمر النبي (ص) أن يذكر لهم، أن هذا سبيله يدعو إليه على بصيرة، هو ومن اتّبعه، ولا يأتيهم بما يقترحونه من الآيات على سبيل التعنّت، ثم ذكر سبحانه، أنه لم يرسل من قبله إلّا رجالا مثله، من أهل القرى، فلم يرسل ملائكة كما يقترحون، وأمرهم أن يسيروا في الأرض، لينظروا كيف كانت عاقبة المكذّبين قبلهم وذكر تعالى، أن دار الآخرة خير للمتقين، من دنياهم التي أعمتهم ثم ذكر جلّ شأنه أنه لم يهلك المكذبين قبلهم، إلا بعد أن استيأس الرسل، وظنّوا أنهم قد كذبوا فيما وعدوا به من هلاكهم، وأنّ نصره جاءهم بعد هذا، فنجّى من يشاء من المؤمنين، ولم يردّ أحد عذابه عن القوم المجرمين لَقَدْ كانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِأُولِي الْأَلْبابِ ما كانَ حَدِيثاً يُفْتَرى وَلكِنْ تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَتَفْصِيلَ كُلِّ شَيْءٍ وَهُدىً وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (١١١) .
стр. 982
المبحث الثالث أسرار ترتيب سورة «يوسف» «١»
أقول: وجه وضعها بعد سورة «هود» زيادة على الأوجه الستة السابقة، أن قوله تعالى في مطلعها: نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ [الآية ٣] مناسب لقوله سبحانه في مقطع تلك: وَكُلًّا نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْباءِ الرُّسُلِ ما نُثَبِّتُ بِهِ فُؤادَكَ [هود/ ١٢٠] .
وأيضا فلما وقع في سورة هود:
فَبَشَّرْناها بِإِسْحاقَ وَمِنْ وَراءِ إِسْحاقَ يَعْقُوبَ (٧١) . وقوله تعالى: رَحْمَتُ اللَّهِ وَبَرَكاتُهُ عَلَيْكُمْ أَهْلَ الْبَيْتِ [هود/ ٧٣] .
ذكر هنا حال يعقوب مع أولاده، وحال ولده الذي هو من أهل البيت مع إخوته، فكان كالشرح، لإجمال ذلك.
وكذلك قال تعالى في سورة «يوسف» : وَيُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ وَعَلى آلِ يَعْقُوبَ كَما أَتَمَّها عَلى أَبَوَيْكَ مِنْ قَبْلُ إِبْراهِيمَ وَإِسْحاقَ [الآية ٦] . فكان ذلك كالمقترن بقوله تعالى في هود: رَحْمَتُ اللَّهِ وَبَرَكاتُهُ عَلَيْكُمْ أَهْلَ الْبَيْتِ [الآية ٧٣] .
وقد روينا عن ابن عباس وجابر بن زيد في ترتيب النزول: أن «يونس» نزلت، ثم «هود» ، ثم «يوسف» «٢» .
وهذا وجه آخر، من وجوه المناسبة في ترتيب هذه السور الثلاث، لترتيبها في النزول هكذا.
стр. 983
المبحث الرابع مكنونات سورة «يوسف» «١»
١- أَحَدَ عَشَرَ كَوْكَباً [الآية ٤] .
هي الخرثان، وطارق، والذيال، والكتفان، وقابس، ووثاب، وعمودان، والفيلق، والمصبح، والضروح، وذو الفرع، كما ورد في حديث مرفوع أخرجه الحاكم في «مستدركه» «٢» .
٢- لَيُوسُفُ وَأَخُوهُ [الآية ٨] .
قال قتادة: هو بنيامين، شقيقه.
أخرجه ابن أبي حاتم.
٣- قالَ قائِلٌ مِنْهُمْ لا تَقْتُلُوا يُوسُفَ [الآية ١٠] .
стр. 984
قال قتادة: كنا نحدّث أنه روبيل، وهو أكبر إخوته وهو ابن خالة يوسف «١» .
وقال السّدّي: هو يهوذا.
وقال مجاهد: هو شمعون. أخرج ذلك ابن أبي حاتم.
٤- غَيابَتِ الْجُبِّ [الآيتان ١٠ و ١٥] .
قال قتادة: بئر بيت المقدس.
وقال ابن زيد: بحذاء طبريّة «٢» ، بينه وبينها أميال.
أخرج ذلك ابن أبي حاتم.
وأخرج عن أبي بكر بن عيّاش: أنّ يوسف أقام في الجبّ ثلاثة أيّام.
٥- بِدَمٍ كَذِبٍ [الآية ١٨] .
قال ابن عباس: كان دم سخلة «٣» .
أخرجه ابن أبي حاتم «٤» .
٦- فَأَرْسَلُوا وارِدَهُمْ [الآية ١٩] .
هو: مالك بن ذعر «٥» . ٧- وَقالَ الَّذِي اشْتَراهُ [الآية ٢١] .
قال ابن عبّاس: كان اسمه:
قطيفير «٦» .
وقال ابن إسحاق: أطيفير «٧» .
أخرجه ابن أبي حاتم.
٧- لِامْرَأَتِهِ [الآية ٢١] .
قال ابن إسحاق: اسمها راعيل بنت رعائيل. أخرجه ابن أبي حاتم.
وقيل: زليخا.
٨- وَشَهِدَ شاهِدٌ مِنْ أَهْلِها [الآية ٢٦] .
قال ابن عباس: صبيّ في المهد.
وقال مجاهد: ليس من الإنس، ولا من الجنّ، هو خلق من خلق الله.
وقال الحسن: رجل له فهم وعلم.
وقال زيد بن أسلم: كان ابن عمّ لها حكيما.
стр. 985
أخرج ذلك ابن أبي حاتم.
وفي «العجائب» للكرماني: قيل: هو رجل من خاصة الملك، له رأي.
وقيل: هو زوجها.
وقيل: هو سنّور «١» في الدار «٢» .
٩- وَدَخَلَ مَعَهُ السِّجْنَ فَتَيانِ [الآية ٣٦] .
قال ابن عباس: أحدهما، خازن الملك على طعامه، والآخر، ساقيه على شرابه. أخرجه ابن أبي حاتم.
وأخرج عن مجاهد، وابن إسحاق:
أن اسم الأول، مجلث «٣» ، والساقي، نبو «٤» ، وفي «المسالك» لأبي عبيد البكري «٥» : أن اسم الأوّل: راشان، والثاني: مرطش.
وقيل: الأول: بشرهم، والثاني:
شرهم.
حكاه السّهيلي.
١٠- لِلَّذِي ظَنَّ أَنَّهُ ناجٍ [الآية ٤٢] .
هو السّاقي. قاله مجاهد، وغيره.
أخرجه ابن أبي حاتم «٦» .
١١- عِنْدَ رَبِّكَ [الآية ٤٢] .
قال مجاهد: أي الملك الأعظم:
الريّان بن الوليد. أخرجه ابن أبي حاتم.
١٢- فَلَبِثَ فِي السِّجْنِ بِضْعَ سِنِينَ (٤٢) .
قال أنس بن مالك: سبع سنين «٧» .