← Улюм аль-Кур’ан

Улюм аль-Кур’ан · id 2176

نواسخ القرآن = ناسخ القرآن ومنسوخه ت المليباري

ابن الجوزي

Полный текст (660 стр.). Показаны 141–180 · переход к 146.

стр. 141

الأَحْزَابَ، قَالَ: إِمَّا ثَلاثًا وَسَبْعِينَ وَإِمَّا أَرْبَعًا وَسَبْعِينَ، قَالَ: (إِنْ كنا لنقرأها كَمَا نَقْرَأُ سُورَةَ الْبَقَرَةِ، وَإِنْ كُنَّا) ١ لَنَقْرَأُ فِيهَا، إِذَا زَنَى الشَّيْخُ وَالشَّيْخَةُ فَارْجُمُوهُمَا الْبَتَّةَ نَكَالا مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ٢ قَالَ ابْنُ أَبِي دَاوُدَ: وَحَدَّثَنَا يَعْقُوبُ بْنُ سُفْيَانَ، قَالَ: حَدَّثَنَا سعيد ابن أَبِي مَرْيَمَ قَالَ أَخْبَرَنَا نَافِعُ بْنُ عُمَرَ، قَالَ: حَدَّثَنِي أَنَّ ابْنَ أَبِي مُلَيْكَةَ (عَنِ الْمِسْوَرِ بن مخرمة) ٣ قال: قَالَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ: لَعَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ٤ أَلَمْ تَجِدْ فِيمَا أَنْزَلَهُ اللَّهُ عَلَيْنَا (أَنْ جَاهِدُوا كَمَا جَاهَدْتُمُ أَوَّلَ مَرَّةٍ) فَإِنَّا لا نَجِدُهَا قَالَ: سَقَطَتْ فيما أسقط من القرآن٥.

стр. 142

قَالَ: ١ وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مَعْمَرٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو عَاصِمٍ عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، قَالَ: حَدَّثَنِي ابْنُ أبي حميد قالت: ٢ أَخْبَرَتْنِي حُمَيْدَةُ، قَالَ أَوْصَتْ لَنَا عَائِشَةُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا٣ بِمَتَاعِهَا فَكَانَ فِي مُصْحَفِهَا: "إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ وَالَّذِينَ يَصِلُونَ الصُّفُوفَ الأُولَى"٤ أَخْبَرَنَا ابْنُ الْحُصَيْنِ قَالَ: أَخْبَرَنَا ابْنُ الْمُذْهِبِ، قَالَ: وَأَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ جَعْفَرٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَحْمَدَ، قَالَ حَدَّثَنِي أَبِي قَالَ: بنا عَبْدُ الصَّمَدِ، قَالَ: حَدَّثَنَا هَمَّامٌ قَالَ: حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ عَنْ أَنَسٍ ﵁ ٥ "أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ (بعث)

стр. 143

حَرَامًا١ خَالَهُ فِي سَبْعِينَ رَجُلا فقتلوا يوم (بير مَعُونَةٍ) ٢ قَالَ: فَأُنْزِلَ عَلَيْنَا فَكَانَ مِمَّا نَقْرَأُ، فَنُسِخَ، أَنْ بَلِّغُوا قَوْمَنَا أَنَّا لَقِينَا رَبَّنَا فَرَضِيَ عَنَّا وَأَرْضَانَا". انْفَرَدَ بِإِخْرَاجِهِ الْبُخَارِيُّ٣.

стр. 144

فَصْلٌ: وَمِمَّا نُسِخَ رَسْمُهُ وَاخْتُلِفَ فِي بَقَاءِ حُكْمِهِ، أَخْبَرَنَا الْمُبَارَكِ بْنُ عَلِيٍّ قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو الْعَبَّاسِ بْنُ قُرَيْشٍ، قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو إِسْحَاقَ الْبَرْمَكِيُّ، قَالَ: أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ الْوَرَّاقُ قَالَ أَبْنَا ابْنُ أَبِي دَاوُدَ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَعْدٍ قَالَ: حَدَّثَنِي عُمَرُ، قَالَ: حَدَّثَنِي أَبِي، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ قَالَ: حَدَّثَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي بَكْرِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ (عمر] و [، عن عمرة) وعن عَمْرَةَ بِنْتِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ عَائِشَةَ] ﵂ [قَالَتْ: (لَقَدْ نَزَلَتْ) ٢ آيَةُ الرَّجْمِ وَرَضَعَاتُ الْكَبِيرِ عَشْرًا وَكَانَتْ فِي وَرَقَةٍ تَحْتَ سَرِيرٍ فِي بَيْتِي فَلَمَّا اشْتَكَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ تَشَاغَلْنَا بِأَمْرِهِ رَبِيبَةً لنا فأكلتها، تعني الشاة٣.

стр. 145

قَالَ ابْنُ أَبِي دَاوُدَ: حَدَّثَنَا أبو الطاهر، قال: أخبرنا بن وَهْبٍ، قَالَ: (أَخْبَرَنِي) ١ مَالِكٌ عَنْ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي بَكْرِ عَنْ عَمْرَةَ عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: "كَانَ فِيمَا أُنْزِلَ مِنَ الْقُرْآنِ عَشْرُ رَضَعَاتٍ مَعْلُومَاتٍ يُحَرِّمْنَ ثُمَّ نُسِخَتْ بِخَمْسِ رَضَعَاتٍ مَعْلُومَاتٍ فَتُوُفِّيَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، وَهِيَ مِمَّا يُقْرَأُ مِنَ القرآن"٢.

стр. 146

قُلْتُ: (أَمَّا مِقْدَارُ) مَا يَحْرُمُ مِنَ الرَّضَاعِ فَعَنْ أَحْمَدَ بْنِ حنبل- ﵀ [فيه ثلاث] روايات: إحداهن: رَضْعَةٌ وَاحِدَةٌ، وَبِهِ قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَمَالِكٌ أَخَذَا بِظَاهِرِ الْقِرْآنِ فِي قَوْلِهِ: ﴿وَأَخَوَاتُكُمْ مِنَ الرَّضَاعَةِ﴾ ١، وَتَرَكَا لِذَلِكَ الْحَدِيثَ. وَالثَّانِيَةُ: ثَلاثٌ، لِقَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ "لا تحرم المصة و [المصتان] " ٢. وَالثَّالِثَةُ: خَمْسٌ٣ لِمَا رُوِّينَا فِي حَدِيثِ عَائِشَةَ، وَتَأَوَّلُوا قَوْلَهَا: "وَهِيَ [مِمَّا يُقْرَأُ مِنَ الْقُرْآنِ] أَنَّ الْإِشَارَةَ إِلَى قَوْلِهِ: ﴿وَأَخَوَاتُكُمْ مِنَ الرَّضَاعَةِ﴾ وَقَالُوا: لَوْ كَانَ يُقْرَأُ (بَعْدَ وَفَاةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، لَنُقِلَ إِلَيْنَا نَقْلَ الْمُصْحَفِ، وَلَوْ كَانَ بَقِيَ [مِنَ الْقُرْآنِ شَيْءٌ لَمْ] يُنْقَلْ لَجَازَ أَنْ يَكُونَ مَا لَمْ يُنْقَلْ نَاسِخًا لِمَا نُقِلَ، فَذَلِكَ مُحَالٌ. وَمِمَّا نُسِخَ خَطُّهُ وَاخْتُلِفَ فِي حُكْمِهِ مَا رَوَى مُسْلِمٌ٤ فِي أَفْرَادِهِ عَنْ عَائِشَةَ ﵂ أَنَّهَا أَمْلَتْ عَلَى كَاتِبِهَا: "حافظوا على الصلوات

стр. 147

وَالصَّلاةِ الْوُسْطَى وَصَلاةِ الْعَصْرِ وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ" وَقَالَتْ: سَمِعْتُهَا مِنْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ١. وَقَدِ اخْتَلَفَ النَّاسُ فِي الصَّلاةِ الْوُسْطَى عَلَى خَمْسَةِ أَقْوَالٍ بِعَدَدِ الصَّلَوَاتِ الْخَمْسِ وَقَدْ شَرَحْنَا ذَلِكَ فِي التَّفْسِيرِ٢. الْقِسْمُ الثَّالِثُ: مَا نُسِخَ حُكْمُهُ وَبَقِيَ رَسْمُهُ: وَلَهُ وَضَعْنَا هَذَا الْكِتَابَ وَنَحْنُ نَذْكُرُهُ عَلَى تَرْتِيبِ الْآيَاتِ وَالسُّوَرِ (ونذكر) ٣ ما قيل

стр. 148

وَنُبَيِّنُ صِحَّةَ الصَّحِيحِ وَفَسَادَ الْفَاسِدِ، إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى وَهُوَ الْمُوَفِّقُ بِفَضْلِهِ

стр. 149

الْبَابُ الثَّامِنُ: بَابُ ذِكْرِ السُّوَرِ الَّتِي تَضَمَّنَتِ النَّاسِخَ وَالْمَنْسُوخَ، أَوْ أَحَدَهُمَا، أَوْ خَلَتْ عَنْهُمَا . زَعَمَ جَمَاعَةٌ مِنَ الْمُفَسِّرِينَ أَنَّ السُّوَرَ الَّتِي تَضَمَّنَتِ النَّاسِخَ وَالْمَنْسُوخَ خَمْسٌ وَعِشْرُونَ: سُورَةُ الْبَقَرَةِ، وَآلُ عِمْرَانَ، وَالنِّسَاءُ، وَالْمَائِدَةُ، وَالأَنْفَالُ، وَالتَّوْبَةُ، وَإِبْرَاهِيمُ، وَالنَّحْلُ، وَمَرْيَمُ، وَالأَنْبِيَاءُ، وَالْحَجُّ، وَالنُّورُ، والفرقان، والشعراء، والأحزاب، وسبأ، والمؤمن، وَالشُّورَى، وَالذَّارِيَاتُ، وَالطُّورُ، وَالْوَاقِعَةُ، وَالْمُجَادَلَةُ، والمزمل، والتكوير، والعصر. (وقالوا: وَالسُّوَرُ الَّتِي دَخَلَهَا الْمَنْسُوخُ دُونَ النَّاسِخِ أَرْبَعُونَ): الأَنْعَامُ، وَالأَعْرَافُ، وَيُونُسُ، وَهُودٌ، وَالرَّعْدُ، وَالْحِجْرُ، وَسُبْحَانَ، وَالْكَهْفِ، وَطَهَ، وَالْمُؤْمِنُونَ، وَالنَّمْلُ، وَالْقَصَصُ، وَالْعَنْكَبُوتُ، وَالرُّومُ، وَلُقْمَانُ، وَالسَّجْدَةُ، وَالْمَلائِكَةُ، وَالصَّافَّاتِ، وَص، وَالزُّمَرُ، (وَالْمَصَابِيحُ) ١ وَالزُّخْرُفُ، وَالدُّخَانُ، وَالْجَاثِيَةُ، (وَالأَحْقَافُ) ٢، وَسُورَةُ مُحَمَّدٍ، وَق، وَالنَّجْمُ، وَالْقَمَرُ، وَالْمُمْتَحَنَةُ، وَن، وَالْمَعَارِجُ، وَالْمُدَّثِّرُ، وَالْقِيَامَةُ، وَالْإِنْسَانُ، وَعَبَسَ، وَالطَّارِقُ، والغاشية، والتين، والكافرون.

стр. 150

وَقَالُوا: وَالسُّوَرُ الَّتِي اشْتَمَلَتْ عَلَى النَّاسِخِ دُونَ الْمَنْسُوخِ سِتٌّ: الْفَتْحُ، والحشر، والمنافقون، والتغا بن، وَالطَّلاقُ، وَالأَعْلَى. وَالسُّوَرُ الْخَالِيَاتُ عَنْ نَاسِخٍ وَمَنْسُوخٍ ثَلاثٌ وَأَرْبَعُونَ: ١ سُورَةً الْفَاتِحَةُ، وَيُوسُفُ، وَيس، وَالْحُجُرَاتُ، وَالرَّحْمَنُ، وَالْحَدِيدُ، وَالصَّفُّ، وَالْجُمُعَةُ، وَالتَّحْرِيمُ، وَالْمُلْكُ، وَالْحَاقَّةُ، وَنُوحٌ، وَالْجِنُّ، وَالْمُرْسَلاتُ، وَالنَّبَأُ، وَالنَّازِعَاتُ، وَالِانْفِطَارُ، وَالْمُطَفِّفِينَ، وَالِانْشِقَاقُ، وَالْبُرُوجُ، وَالْفَجْرُ، وَالْبَلَدُ، وَالشَّمْسُ، وَاللَّيْلُ، وَالضُّحَى، وألم نشرح، والقلم، والقدر، (والانفطار)، (وَالزَّلْزَلَةُ) ٢، وَالْعَادِيَاتُ، وَالْقَارِعَةُ، (وَالتَّكَاثُرُ) وَالْهُمَزَةُ، والفيل، وقر يش، وَالدَّيْنُ، (وَالْكَوْثَرُ)، وَالنَّصْرُ، وَتَبَّتْ، وَالْإِخْلاصُ، وَالْفَلَقُ، وَالنَّاسُ. قُلْتُ: وَاضِحٌ بِأَنَّ التَّحْقِيقَ فِي النَّاسِخِ وَالْمَنْسُوخِ يُظْهِرُ أَنَّ هَذَا الْحَصْرَ تَخْرِيفٌ مِنَ الذين حصروه، والله الموفق.

стр. 151

بَابُ: ذِكْرِ الْآيَاتِ اللَّوَاتِي ادُّعِيَ عَلَيْهِنَّ النَّسْخُ مناقشة (٢٤٧) قضيّة من (٦٢) سورة قرآنيّة

стр. 152

بَابُ: ذِكْرِ الْآيَاتِ اللَّوَاتِي ادُّعِيَ عَلَيْهِنَّ النَّسْخُ فِي سُورَةِ الْبَقَرَةِ ١ ذِكْرُ الْآيَةِ الأُولَى: قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ﴾ ٢. اخْتَلَفَ الْمُفَسِّرُونَ فِي الْمُرَادِ بِهَذِهِ النفقة على أربعة أقوال: أحدها: أَنَّهَا النَّفَقَةُ عَلَى الأَهْلِ وَالْعِيَالِ، قاله ابن مسعود٣ وحذيفة٤.

стр. 153

وَالثَّانِي: الزَّكَاةُ الْمَفْرُوضَةُ، قَالَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ، وَقَتَادَةُ١. وَالثَّالِثُ: الصَّدَقَاتُ النَّوَافِلُ، قَالَهُ مُجَاهِدٌ وَالضَّحَّاكُ٢. وَالرَّابِعُ: أَنَّ الْإِشَارَةَ بِهَا إِلَى نَفَقَةٍ كَانَتْ وَاجِبَةً قَبْلَ الزَّكَاةِ. ذَكَرَهُ بَعْضُ نَاقِلِي التَّفْسِيرِ، وَزَعَمُوا: أَنَّهُ كَانَ فَرْضٌ عَلَى الْإِنْسَانِ أَنْ يَمْسِكَ مِمَّا فِي يَدِهِ قَدْرَ كِفَايَتِهِ (يَوْمَهُ) ٣ وَلَيْلَتَهُ وَيُفَرِّقُ بَاقِيهِ عَلَى (الْفُقَرَاءِ) ٤ ثُمَّ نُسِخَ ذَلِكَ بِآيَةِ الزَّكَاةِ٥ وَهَذَا قَوْلٌ لَيْسَ (بِصَحِيحٍ)

стр. 154

لِأَنَّ لَفْظَ الْآيَةِ لا يَتَضَمَّنُ مَا ذَكَرُوا وَإِنَّمَا يَتَضَمَّنُ مَدْحَ الْمُنْفِقِ، وَالظَّاهِرُ، أَنَّهَا تُشِيرُ إِلَى الزَّكَاةِ لِأَنَّهَا قُرِنَتْ مَعَ الْإِيمَانِ بِالصَّلاةِ. وَعَلَى هَذَا، لا وَجْهَ لِلنَّسْخِ (وَإِنْ كَانَتْ) ١ تُشِيرُ إِلَى الصَّدَقَاتِ النَّوَافِلِ وَالْحَثُّ عَلَيْهَا بَاقٍ، وَالَّذِي أَرَى، مَا بِهَا مَدْحٌ لَهُمْ عَلَى جَمِيعِ نَفَقَاتِهِمْ فِي الْوَاجِبِ وَالنَّفْلِ٢ وَقَدْ قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ يَزِيدُ بْنُ الْقَعْقَاعِ٣: نَسَخَتْ آيَةُ الزَّكَاةِ كُلَّ صَدَقَةٍ (كَانَتْ) قَبْلَهَا وَنَسَخَ صَوْمُ رَمَضَانَ كُلَّ صَوْمٍ كَانَ قَبْلَهُ٤ وَالْمُرَادُ بِهَذَا كُلُّ صَدَقَةٍ وَجَبَتْ بِوُجُودِ الْمَالِ مرسلاً كهذه الآية٥.

стр. 155

ذِكْرُ الْآيَةِ الثَّانِيَةِ: (قَوْلُهُ) ١ تَعَالَى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا﴾ الْآيَةَ.٢. اخْتَلَفَ الْمُفَسِّرُونَ فِي مَعْنَى هَذِهِ الآيَةِ عَلَى ثَلاثَةِ أَقْوَالٍ: أحدها: أَنَّ الْمَعْنَى: إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْ هَذِهِ الأُمَّةِ، وَالَّذِينَ هَادُوا، وَهُمْ أَتْبَاعُ مُوسَى، (وَالنَّصَارَى، وَهُمْ) أتباع عيسى، والصابؤون: الْخَارِجُونَ مِنَ الْكُفْرِ إِلَى الْإِسْلامِ مَنْ آمَنَ، أَيْ: مَنْ دَامَ مِنْهُمْ عَلَى الْإِيمَانِ٣. وَالثَّانِي: إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا بِأَلْسِنَتِهِمْ وَهُمُ، الْمُنَافِقُونَ٤ وَالَّذِينَ هَادُوا: وَهُمُ الْيَهُودُ، وَالنَّصَارَى والصابؤن: وَهُمْ كُفَّارٌ أَيْضًا،: مَنْ آمَنَ أي من دَخَلَ فِي الْإِيمَانِ بِنِيَّةٍ صَادِقَةٍ. وَالثَّالِثُ: إِنَّ الْمَعْنَى (إِنَّ الَّذِينَ آمنوا) وَمَنْ آمَنْ مِنَ الَّذِينَ هَادُوا، فَيَكُونُ قَوْلُهُ: بَعْدَ هَذَا: مَنْ آمَنَ رَاجِعًا إِلَى الْمَذْكُورِينَ مَعَ الذين آمنوا،

стр. 156

وَمَعْنَاهُ: مَنْ يُؤْمِنْ [مِنْهُمْ] ١ وَعَلَى هَذِهِ الأَقْوَالِ الثَّلاثَةُ لا وَجْهَ لِادِّعَاءَ نَسْخِ هَذِهِ الْآيَةِ. وَقَدْ قِيلَ: إِنَّهَا مَنْسُوخَةٌ بِقَوْلِهِ: ﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الإِسْلامِ دِيناً فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ﴾ ٢. فَأَخْبَرَنَا الْمُبَارَكُ بْنُ عَلِيٍّ (الصَّيْرَفِيُّ) ٣ قَالَ: أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ الْحَسَنِ بْنُ قُرَيْشٍ، قَالَ: أَخْبَرَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ عُمَرَ الْبَرْمَكِيُّ، قَالَ: أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ الْوَرَّاقُ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي دَاوُدَ، قَالَ: حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ بْنُ سُفْيَانَ قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو صَالِحٍ، قَالَ: حَدَّثَنِي مُعَاوِيَةُ بْنُ صَالِحٍ عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالنَّصَارَى وَالصَّابِئِينَ﴾ الْآيَةَ. قَالَ: فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى بَعْدَ هَذِهِ الْآيَةِ ﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْأِسْلامِ دِيناً فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾. قُلْتُ: فَكَأَنَّهُ أَشَارَ بِهَذَا إِلَى النَّسْخِ٤ وَهَذَا الْقَوْلُ لا يَصِحُّ لوجهين:

стр. 157

أحدهما: أَنَّهُ إِنْ أُشِيرَ بِقَوْلِهِ: ﴿وَالَّذِينَ هَادُوا وَالنَّصَارَى﴾ إِلَى مَنْ كَانَ تَابِعًا لِنَبِيِّهِ قَبْلَ أَنْ يُبْعَثَ النَّبِيُّ الْآخَرُ فَأُولَئِكَ عَلَى الصَّوَابِ وَإِنْ أُشِيرَ إِلَى مَنْ كَانَ فِي زَمَنِ نَبِيِّنَا ﷺ ، فَإِنَّ مِنْ ضَرُورَةِ مَنْ لَمْ يُبَدِّلْ دِينَهُ وَلَمْ يُحَرِّفْ أَنْ يُؤْمِنَ بِمُحَمَّدٍ ﷺ وَيَتَّبِعَهُ. وَالثَّانِي: أَنَّ هَذِهِ الْآيَةَ خَبَرٌ وَالأَخْبَارُ لا يَدْخُلُهَا النَّسْخُ١. ذِكْرُ الْآيَةِ الثَّالِثَةِ: قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿بَلَى مَنْ كَسَبَ سَيِّئَةً وَأَحَاطَتْ بِهِ خَطِيئَتُهُ﴾ ٢. جُمْهُورُ الْمُفَسِّرِينَ عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ بِالسَّيِّئَةِ الشِّرْكُ٣ فَلا يَتَوَجَّهُ عَلَى هذا

стр. 158

الْقَوْلِ نَسْخٌ (أَصْلا) ١ وَقَدْ رَوَى السُّدِّيُّ عَنْ أَشْيَاخِهِ: أَنَّ الْمُرَادَ بِالسَّيِّئَةِ الذَّنْبُ مِنَ الذُّنُوبِ الَّتِي وَعَدَ اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهَا النَّارَ٢ فَعَلَى هَذَا يَتَوَجَّهُ النَّسْخُ بِقَوْلِهِ: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ ٣ عَلَى أَنَّهُ يَجُوزُ أَنْ يُحْمَلَ ذَلِكَ، عَلَى مَنْ أَتَى السَّيِّئَةَ مستحلاً فلا يكون نسخاً٤.

стр. 159

ذِكْرُ الْآيَةِ الرَّابِعَةِ: قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْناً﴾ ١. اخْتَلَفَ الْمُفَسِّرُونَ فِي الْمُخَاطَبِينَ بِهَذَا على قولين: أحدهما: أَنَّهُمُ الْيَهُودُ، وَالتَّقْدِيرُ مَنْ سَأَلَكُمْ عَنْ شَأْنِ مُحَمَّدٍ ﷺ فَاصْدُقُوهُ وَبَيِّنُوا لَهُ صِفَتَهُ وَلا تَكْتُمُوا أَمْرَهُ، قَالَهُ ابن عباس، وا بن جبير٢ وابن جريج٣ ومقاتل٤.

стр. 160

وَالثَّانِي: أُمَّةُ مُحَمَّدٍ ﷺ . ثُمَّ اخْتَلَفَ أَرْبَابُ هَذَا الْقَوْلِ، فَقَالَ الْحَسَنُ١: "مُرُوهُمْ بِالْمَعْرُوفِ، وَانْهُوهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ"٢ وَقَالَ أَبُو الْعَالِيَةِ٣: "وَقُولُوا لِلنَّاسِ مَعْرُوفًا"٤ وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ الْحُسَيْنِ٥: "كَلِّمُوهُمْ بِمَا تُحِبُّونَ أَنْ يَقُولُوا لَكُمْ"٦ فَعَلَى هَذَا الْآيَةُ محكمة.

стр. 161

وَذَهَبَ قَوْمٌ إِلَى أَنَّ الْمُرَادَ بِذَلِكَ: مُسَاهَلَةُ الْمُشْرِكِينَ فِي دُعَائِهِمْ إِلَى الْإِسْلامِ، فَالْآيَةُ عِنْدَ هَؤُلاءِ مَنْسُوخَةٌ بِآيَةِ السَّيْفِ وَهَذَا قَوْلٌ بَعِيدٌ، لِأَنَّ لَفْظَ النَّاسِ عَامٌّ فَتَخْصِيصُهُ بِالْكُفَّارِ يَفْتَقِرُ إِلَى دَلِيلٍ ولا دليل ها هنا، ثُمَّ إِنَّ (إِنْذَارَ) ١ الْكُفَّارِ مِنَ الحسنى٢.

стр. 162

ذِكْرُ الْآيَةِ الْخَامِسَةِ: قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقُولُوا رَاعِنَا﴾ ١. قَالَ الْمُفَسِّرُونَ: كَانَتْ هَذِهِ الْكَلِمَةُ لُغَةٌ فِي الأَنْصَارِ، وَهِيَ مِنْ رَاعَيْتُ الرَّجُلَ إِذَا تَأَمَّلْتُهُ وَتَعَرَّفْتُ أَحْوَالَهُ وَمِنْهُ قَوْلُهُمْ: أَرْعِنِي (سَمْعَكَ) ٢ وكانت الأنصار تقولها لرسول ﷺ وَهِيَ بِلُغَةِ الْيَهُودِ سَبٌّ بِالرُّعُونَةِ٣ وَكَانُوا يَقُولُونَهَا لَهُ وَيَنْوُونَ بِهَا السَّبَّ فَنَهَى اللَّهُ سُبْحَانَهُ الْمُؤْمِنِينَ عَنْ قولها لئلا يقولها اليهود

стр. 163

وَأَمَرَهُمْ أَنْ يَجْعَلُوا مَكَانَهَا (أَنْظِرْنَا) وَقَرَأَ الْحَسَنُ وَالأَعْمَشُ١ وَابْنُ الْمُحَيْصِنِ٢ (رَاعِنًا) بِالتَّنْوِينِ فَجَعَلُوهُ مَصْدَرًا، أَيْ: لا تَقُولُوا رُعُونَةً٣. وَقَرَأَ ابْنُ مَسْعُودٍ: (لا تَقُولُوا رَاعُونَا) عَلَى الأَمْرِ بِالْجَمَاعَةِ٤ كَأَنَّهُ نَهَاهُمْ أَنْ يَقُولُوا ذَلِكَ فِيمَا بَيْنَهُمْ، وَالنَّهْيُ فِي مُخَاطَبَةِ النَّبِيِّ بِذَلِكَ أَوْلَى، وَهَذِهِ الْآيَةُ قَدْ ذَكَرُوهَا فِي الْمَنْسُوخِ، وَلا وَجْهَ لِذَلِكَ بِحَالٍ، ولولا إيثاري

стр. 164

ذِكْرَ مَا ادُّعِيَ عَلَيْهِ النَّسْخُ لم أذكرها. قال أبوجعفر النَّحَّاسُ: "هِيَ نَاسِخَةٌ لِمَا كَانَ مباحاً قوله"١. قُلْتُ: وَهَذَا تَحْرِيفٌ فِي الْقَوْلِ، لِأَنَّهُ إِذَا نُهِيَ عَنْ شَيْءٍ لَمْ تَكُنِ الشَّرِيعَةُ أَتَتْ بِهِ لَمْ يُسَمَّ النَّهْيُ نَسْخًا٢. ذِكْرُ الْآيَةِ السَّادِسَةِ: قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿فَاعْفُوا وَاصْفَحُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ﴾ ٣. قَالَ الْمُفَسِّرُونَ: أَمَرَ اللَّهُ بِالْعَفْوِ وَالصَّفْحِ عَنْ أَهْلِ الْكِتَابِ قَبْلَ أَنْ يُؤْمَرَ بِقِتَالِهِمْ، ثُمَّ نُسِخَ الْعَفْوُ وَالصَّفْحُ بِقَوْلِهِ: ﴿قَاتِلُوا الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ﴾ الْآيَةَ٤، هَذَا مَرْوِيٌّ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ، وَابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ وغيرهما٥.

стр. 165

أخبرنا أبوبكر بن حبيب الله الْعَامِرِيُّ١ قَالَ: أَخْبَرَنَا عَلِيُّ بْنُ الْفَضْلِ، قَالَ: أَخْبَرَنَا عَبْدُ الصَّمَدِ، قَالَ: أَخْبَرَنَا (ابْنُ) ٢ حَمُّويَةَ، قَالَ: أخبرنا إبراهيم بن خريم، قال: بنا عبد الحميد، قال: بنا مُسْلِمُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، وَأَخْبَرَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ أَحْمَدَ، قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو الْفَضْلِ الْبَقَّالُ، قَالَ أَبْنَا ابْنُ بِشْرَانَ قَالَ أَخْبَرَنَا إِسْحَاقُ الْكَاذِيُّ، قَالَ حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَحْمَدَ، قَالَ حَدَّثَنِي أَبِي، قَالَ حدثنا عبد الصمد، كِلاهُمَا عَنْ هَمَّامِ بْنِ يَحْيَى عَنْ قَتَادَةَ قَالَ: أَمَرَ اللَّهُ نَبِيَّهُ أَنْ يَعْفُوَ عَنْهُمْ وَيَصْفَحَ، حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ، فَأَنْزَلَ٣ فِي بَرَاءَةٍ ﴿قَاتِلُوا الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾ [الآية] ٤ فنسخها بهذه

стр. 166

الْآيَةِ، وَأَمَرَهُ فِيهَا بِقِتَالِ أَهْلِ الْكِتَابِ حَتَّى يُسْلِمُوا،] أَوْ يُقِرُّوا [١ بِالْجِزْيَةِ٢. قَالَ أَحْمَدُ: وَحَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، قَالَ: حَدَّثَنَا مَعْمَرٌ عَنْ قتادة ﴿فَاعْفُوا وَاصْفَحُوا﴾ ٣ نَسَخَتْهَا ﴿فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ﴾ ٤. أَخْبَرَنَا ابُنْ نَاصِرٍ، قَالَ: أَخْبَرَنَا عَلِيُّ بْنُ أَيُّوبَ قَالَ: أَخْبَرَنَا ابْنُ شَاذَانَ، قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرٍ النَّجَّادُ، قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو داود السجستاني، قال: بنا أحمد ابن مُحَمَّدٍ الْمَرْوَزِيُّ، قَالَ أَخْبَرَنَا آدَمُ بْنُ أَبِي إِيَاسٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو جَعْفَرٍ، عَنِ الرَّبِيعِ بْنِ أَنَسٍ عَنْ أَبِي الْعَالِيَةِ ﴿فَاعْفُوا وَاصْفَحُوا﴾ قَالَ: نُسِخَ بِقَوْلِهِ: ﴿قَاتِلُوا الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلا بِالْيَوْمِ الآخِرِ﴾ الآية٥.

стр. 167

فَصْلٌ: وَاعْلَمْ أَنَّ تَحْقِيقَ الْكَلامِ دُونَ التَّحْرِيفِ فِيهِ أَنْ يُقَالَ: إِنَّ هَذِهِ الْآيَةَ لَيْسَتْ بِمَنْسُوخَةٍ، لِأَنَّهُ لَمْ يَأْمُرْ بِالْعَفْوِ مُطْلَقًا، وَإِنَّمَا أَمَرَ بِهِ إِلَى غَايَةٍ وَبَيَّنَ الْغَايَةَ بِقَوْلِهِ: ﴿حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ﴾ وَمَا بَعْدَ الْغَايَةِ يَكُونُ حُكْمُهُ مُخَالِفًا لِمَا قَبْلَهَا، وَمَا هَذَا سَبِيلُهُ لا يَكُونُ أَحَدُهُمَا نَاسِخًا لِلآخَرِ، بَلْ يَكُونُ الأَوَّلُ قَدِ انقضت مدته بغايته والآخر محتاجاً١ إِلَى حُكْمٍ آخَرَ، وَقَدْ ذَهَبَ إلى ما قلته جَمَاعَةٌ مِنْ فُقَهَاءِ الْمُفَسِّرِينَ وَهُوَ الصَّحِيحُ٢ وَهَذَا إِذَا قُلْنَا: إِنَّ الْمُرَادَ الْعَفْوُ عَنْ قِتَالِهِمْ (وَقَدْ قَالَ) ٣ الْحَسَنُ: هَذَا فِيمَا بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ دُونَ تَرْكِ حَقِّ اللَّهِ تَعَالَى حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِالْقِيَامَةِ. وَقَالَ غَيْرُهُ: بِالْعُقُوبَةِ، فَعَلَى هَذَا يَكُونُ الأَمْرُ بِالْعَفْوِ مُحْكَمًا لا منسوخاً.

стр. 168

ذِكْرُ الْآيَةِ السَّابِعَةِ: قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَلِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ﴾ ١. اخْتَلَفَ الْمُفَسِّرُونَ فِي الْمُرَادِ بِهَذِهِ الآية على ثمانية أقوال: أحدها: أَنَّهَا نَزَلَتْ فِي اشْتِبَاهِ الْقِبْلَةِ. أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ حَبِيبٍ قَالَ: أَخْبَرَنَا عَلِيُّ بْنُ الْفَضْلِ، قَالَ: أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الصَّمَدِ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَحْمَدَ، قَالَ: أَخْبَرَنَا إِبْرَاهِيمُ بن خريم قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الْحَمِيدِ، قَالَ أَخْبَرَنَا يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ، قَالَ: أَخْبَرَنَا أَشْعَثُ بْنُ سَعِيدٍ قَالَ: حَدَّثَنَا عَاصِمُ بْنُ عُبَيْدِ اللَّهِ، عن عبد الله بنا (عَامِرِ) ٢ بْنِ رَبِيعَةَ عَنْ أَبِيهِ٣ قَالَ: كُنَّا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي غَزَاةٍ فِي لَيْلَةٍ سَوْدَاءَ مُظْلِمَةٍ فَلَمْ نَعْرِفِ الْقِبْلَةَ فَذَكَرْنَا ذَلِكَ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَأَنْزَلَ اللَّهُ ﴿وَلِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ وَاسِعٌ عَلِيمٌ﴾ ٤.

стр. 169

وَرَوَى جَابِرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: بَعَثَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ سَرِيَّةً كُنْتُ فِيهَا فَأَصَابَتْنَا ظُلْمَةٌ فَلَمْ نَعْرِفِ الْقِبْلَةَ، فَقَالَتْ طَائِفَةٌ: الْقِبْلَةُ هَاهُنَا فَصَلُّوا وَخَطُّوا خَطًّا، وَقَالَ بَعْضُهُمْ هَاهُنَا فَصَلُّوا وَخَطُّوا خَطًّا، فَلَمَّا أَصْبَحْنَا أَصْبَحَتْ تِلْكَ الْخُطُوطُ لِغَيْرِ الْقِبْلَةِ، فَلَمَّا قَفَلْنَا مِنْ سَفَرِنَا سَأَلْنَا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عَنْ ذَلِكَ فَسَكَتُّ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ﴾ ١.

стр. 170

قُلْتُ: وَهَذَا الْحُكْمُ باقٍ عِنْدَنَا وَإِنَّ مَنِ اشْتَبَهَتْ عَلَيْهِ الْقِبْلَةُ فَصَلَّى بِالِاجْتِهَادِ فَصَلاتُهُ صَحِيحَةٌ مُجْزِيَةٌ وَهُوَ قَوْلُ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ١ ومجاهد و] عطاء [٢ وَالشَّعْبِيِّ٣، وَالنَّخَعِيِّ٤ وَأَبِي حَنِيفَةَ، وَلِلشَّافِعِيِّ قولان:

стр. 171

أحدهما: كَمَذْهَبِنَا١. وَالثَّانِي:] يَجِبُ [٢ الْإِعَادَةُ، وَقَالَ الْحَسَنُ، وَالزُّهْرِيُّ٣، وَرَبِيعَةُ٤ يُعِيدُ فِي الْوَقْتِ، فَإِذَا فَاتَ الْوَقْتُ لَمْ يُعِدْ، وَهُوَ قَوْلُ مَالِكٍ. الْقَوْلُ الثَّانِي: إِنَّ الْمُرَادَ بِالْآيَةِ صَلاةُ التَّطَوُّعِ. أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ حبيب، قال: بنا عَلِيُّ بْنُ الْفَضْلِ، قَالَ: أَخْبَرَنَا ابْنُ عَبْدِ الصَّمَدِ، قَالَ: أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ حموية قال: أبنا إبراهيم

стр. 172

ابن خريم، قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الْحَمِيدِ، قَالَ: أَخْبَرَنَا يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ قَالَ: أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ أَبِي سُلَيْمَانَ، قَالَ: سَمِعْتُ سَعِيدَ بْنَ جُبَيْرٍ يُحَدِّثُ عَنِ ابْنِ عُمَرَ١ قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يُصَلِّي عَلَى رَاحِلَتِهِ تَطَوُّعًا أَيْنَمَا تَوَجَّهَتْ بِهِ، وَهُوَ جَاءٍ مِنْ مَكَّةَ إِلَى الْمَدِينَةِ ثُمَّ قَرَأَ ابْنُ عُمَرَ ﴿وَلِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ﴾ ٢ فَقَالَ ابْنُ عُمَرَ ﵁: فِي هَذَا أُنْزِلَتِ الْآيَةُ٣. الْقَوْلُ الثَّالِثُ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ لَمَّا صَلَّى عَلَى النَّجَاشِيِّ، قَالَ أَصْحَابُ رسوله اللَّهِ ﷺ كَيْفَ نُصَلِّي عَلَى رَجُلٍ مَاتَ وَهُوَ يُصَلِّي عَلَى غَيْرِ قِبْلَتِنَا؟ وَكَانَ يُصَلِّي إِلَى بَيْتِ الْمَقْدِسِ حَتَّى مَاتَ وَقَدْ صُرِفَتِ الْقِبْلَةُ إِلَى الْكَعْبَةِ فَنَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ رَوَاهُ عَطَاءٌ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رضي الله عنهما٤.

стр. 173

الْقَوْلُ الرَّابِعُ: أَنَّ الْمُرَادَ بِالْآيَةِ: أَيْنَمَا كُنْتُمْ مِنْ شَرْقٍ أَوْ غَرْبٍ فَاسْتَقْبِلُوا الْكَعْبَةَ، قَالَهُ مُجَاهِدٌ١. الْقَوْلُ الْخَامِسُ: أَنَّ الْيَهُودَ لَمَّا تَكَلَّمُوا] حِينَ [٢ صُرِفَتِ الْقِبْلَةُ إِلَى الْكَعْبَةِ نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ، وَمَعْنَاهَا: لا تَلْتَفِتَنَّ إِلَى اعْتِرَاضِ الْيَهُودِ بِالْجَهْلِ وَإِنَّ الْمَشْرِقَ وَالْمَغْرِبَ لِلَّهِ يَتَعَبَّدُكُمْ بِالصَّلاةِ إِلَى مَكَانٍ ثُمَّ يَصْرِفُكُمْ عَنْهُ كَمَا يَشَاءُ. ذَكَرَهُ أَبُو بَكْرِ بْنُ الأَنْبَارِيِّ٣، وَقَدْ رَوَى مَعْنَاهُ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄.

стр. 174

وَالْقَوْلُ السَّادِسُ: أَنَّهُ لَيْسَ الْمُرَادُ بِالصَّلاةِ وَحْدَهَا وَإِنَّمَا مَعْنَى الْآيَةِ مِنْ أَيِّ وَجْهٍ قَصَدْتُمُ اللَّهَ، وَعَلَى أَيِّ حَالٍ عَبَدْتُمُوهُ عَلِمَ ذَلِكَ وَأَثَابَكُمْ عَلَيْهِ. وَالْعَرَبُ تَجْعَلُ الْوَجْهَ بِمَعْنَى الْقَصْدِ، قَالَ الشَّاعِرُ: أَسْتِغْفِرُ اللَّهَ ذَنْبًا لَسْتُ مُحْصِيَهُ ... رَبَّ الْعِبَادِ إِلَيْهِ الْوَجْهُ وَالْعَمَلُ مَعْنَاهُ: إِلَيْهِ الْقَصْدُ وَالتَّقَدُّمُ. ذَكَرَهُ مُحَمَّدُ بْنُ الْقَاسِمِ أَيْضًا١. وَالْقَوْلُ السَّابِعُ: أَنَّ مَعْنَى الْآيَةِ أَيْنَمَا كُنْتُمْ [مِنَ] ٢ الأَرْضِ فَعِلْمُ اللَّهِ بِكُمْ مُحِيطٌ لا يَخْفَى عَلَيْهِ شَيْءٌ مِنْ أَعْمَالِكُمْ٣ ذَكَرَهُ ابْنُ الْقَاسِمِ أَيْضًا وَعَلَى هَذِهِ الأَقْوَالِ الْآيَةُ مُحْكَمَةٌ. الْقَوْلُ الثَّامِنُ: ذَكَرَ أَرْبَابُهُ أَنَّهَا مَنْسُوخَةٌ، فَرَوَى عِكْرِمَةُ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: أَوَّلُ مَا نُسِخَ مِنَ الْقُرْآنِ شَأْنُ الْقِبْلَةِ، قَوْلُهُ

стр. 175

تَعَالَى: ﴿وَلِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ﴾ ١ فَاسْتَقَبَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِصَلاتِهِ صَخْرَةَ بَيْتِ الْمَقْدِسِ (فَصَلَّى) ٢ إِلَيْهَا، وَكَانَتْ قِبْلَةَ اليهود، ليؤمنوا به وليتبعوه وليدعوا بِذَلِكَ الأُمِّيِّينَ مِنَ الْعَرَبِ فَنُسِخَ ذَلِكَ ﴿وَمِنْ حَيْثُ خَرَجْتَ فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ﴾ ٣. أَخْبَرَنَا] إِسْمَاعِيلُ [٤ بْنُ أَحْمَدَ السَّمَرْقَنْدِيُّ قَالَ: أَبْنَا أَبُو الْفَضْلِ عُمَرُ بْنُ عُبَيْدِ اللَّهِ الْبَقَّالُ قَالَ أَبْنَا أَبُو الْحُسَيْنِ عَلِيُّ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ بِشْرَانَ، قَالَ: أَبْنَا أبو الحسين إسحاق ابن أحمد الكاذي، قال: بنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ حَنْبَلٍ، قَالَ: حَدَّثَنِي أَبِي قَالَ: حَدَّثَنِي حَجَّاجُ بن محمد، قال: أنبا بن جُرَيْجٍ عَنْ عَطَاءٍ الْخُرَاسَانِيِّ٥ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: أَوَّلُ مَا نُسِخَ مِنَ الْقُرْآنِ - فِيمَا ذُكِرَ لَنَا وَاللَّهُ أَعْلَمُ - شَأْنُ الْقِبْلَةِ، قَالَ: ﴿وَلِلَّهِ الْمَشْرِقُ

стр. 176

وَالْمَغْرِبُ فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ﴾ ١ فَاسْتَقَبَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَصَلَّى نَحْوَ بَيْتِ الْمَقْدِسِ، وَتَرَكَ الْبَيْتَ الْعَتِيقَ ثُمَّ صَرَفَهُ اللَّهُ إِلَى الْبَيْتِ الْعَتِيقِ فَقَالَ: ﴿سَيَقُولُ السُّفَهَاءُ مِنَ النَّاسِ ماولاهم عَنْ قِبْلَتِهِمُ الَّتِي كَانُوا عَلَيْهَا﴾ ٢ يَعْنُونَ بَيْتَ الْمَقْدِسِ، فَنَسَخَهَا وَصَرَفَ إِلَى الْبَيْتِ الْعَتِيقِ فَقَالَ: ﴿وَمِنْ حَيْثُ خَرَجْتَ فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ﴾ ٣. قَالَ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ: وَحَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَهَّابِ بْنُ عَطَاءٍ، أَخْبَرَنَا سعيد ابن أَبِي عَرُوبَةَ عَنْ قَتَادَةَ ﴿فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ﴾ ٤ قَالَ: كَانُوا يُصَلُّونَ نَحْوَ بَيْتِ الْمَقْدِسِ وَنَبِيُّ اللَّهِ بِمَكَّةَ وَبَعْدَمَا هَاجَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ نَحْوَ بَيْتِ الْمَقْدِسِ سِتَّةَ عَشَرَ شَهْرًا ثُمَّ وَجْهَهُ اللَّهُ تَعَالَى بَعْدَ ذَلِكَ نَحْوَ الْكَعْبَةِ الْبَيْتِ الْحَرَامِ، قَالَ أَحْمَدُ، وبنا عَبْدُ الصَّمَدِ بْنُ عَبْدِ الْوَارِثِ، قال: بنا همام قال، بنا قَتَادَةَ ﴿فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ﴾ قَالَ: وَكَانُوا يُصَلُّونَ نَحْوَ بَيْتِ الْمَقْدِسِ ثُمَّ وَجَّهَهُ اللَّهُ نَحْوَ الكعبة٥

стр. 177

وقال عزوجل: ﴿فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ﴾ ١ فَنَسَخَتْ هَذِهِ الْآيَةُ مَا كَانَ قَبْلَهَا مِنْ قِبْلَةٍ. أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْعَامِرِيُّ، قَالَ: أَبْنَا عَلِيُّ بْنُ الْفَضْلِ، قَالَ: أَبْنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الصَّمَدِ، قَالَ: أَبْنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَحْمَدَ، قَالَ: أَبْنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ خريم، قال: بنا عبد الحميد، قال: بنا يُونُسُ، عَنْ شَيْبَانَ عَنْ قَتَادَةَ ﴿فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ﴾ قَالَ: نُسِخَ هَذَا بَعْدَ ذَلِكَ، فقال الله عزوجل ﴿فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾. قُلْتُ: وَهَذَا قَوْلُ أَبِي الْعَالِيَةِ والسدي٢.

стр. 178

فَصْلٌ: وَاعْلَمْ: أَنَّ قَوْلَهُ تَعَالَى: ﴿فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ﴾ ١ لَيْسَ فِيهِ أَمْرٌ بِالتَّوَجُّهِ إِلَى بَيْتِ الْمَقْدِسِ وَلا إِلَى غَيْرِهِ بَلْ هُوَ دَالٌّ عَلَى أَنَّ الِجَهَاتِ كُلَّهَا سَوَاءٌ فِي جَوَازِ التَّوَجُّهِ إِلَيْهَا. فَأَمَّا التَّوَجُّهُ إِلَى بَيْتِ الْمَقْدِسِ فَاخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ، هَلْ كَانَ بِرَأْيِ النَّبِيِّ، ﷺ واجتهاده، أوكان عَنْ وَحْيٍ؟ فَرُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ وَابْنِ جُرَيْجٍ أَنَّهُ كَانَ عَنْ أَمْرِ اللَّهِ تَعَالَى لِقَوْلِهِ عزوجل: ﴿وَمَا جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ الَّتِي كُنْتَ عَلَيْهَا إِلاّ لِنَعْلَمَ مَنْ يَتَّبِعُ الرَّسُولَ﴾ ٢. وَأَخْبَرَنَا الْمُبَارَكُ بْنُ عَلِيٍّ، قَالَ: أَبْنَا أَحْمَدُ بْنُ الْحُسَيْنِ بْنِ قُرَيْشٍ، قَالَ: أَبْنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ عُمَرَ الْبَرْمَكِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ بْنِ الْعَبَّاسِ، قَالَ: أبنا أبو بكربن أَبِي دَاوُدَ، قَالَ: أَبْنَا مُحَمَّدُ بن الحسين قال بنا كثير بن يحيى قال: بنا أبي، قال: بنا أَبُو بَكْرٍ الْهُدْبِيُّ، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: قَالَتِ الْيَهُودُ إِنَّ مُحَمَّدًا مُخَالِفٌ لَنَا فِي كُلِّ شَيْءٍ فَلَوْ تَابَعَنَا عَلَى قِبْلَتِنَا، أو على شيء لتابعناه، فَظَنَّ النَّبِيُّ ﷺ أَنَّ هَذَا مِنْهُمْ جَدٌّ، وَعَلِمَ اللَّهُ مِنْهُمُ الْكَذِبَ، وَأَنَّهُمْ لا يَفْعَلُونَ فَأَرَادَ اللَّهُ أَنْ يُبَيِّنَ ذَلِكَ لِنَبِيِّهِ ﷺ .

стр. 179

فَقَالَ: إِذَا قَدِمْتَ الْمَدِينَةَ فَصَلِّ قِبَلَ بَيْتِ الْمَقْدِسِ، فَفَعَلَ ذَلِكَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، فَقَالَتِ الْيَهُودُ: قَدْ تَابَعَنَا عَلَى قِبْلَتِنَا وَيُوشِكُ أَنْ يُتَابِعَنَا على ديننا، فأنزل الله عزوجل ﴿وَمَا جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ الَّتِي كُنْتَ عَلَيْهَا إِلاّ لِنَعْلَمَ مَنْ يَتَّبِعُ الرَّسُولَ مِمَّنْ يَنْقَلِبُ عَلَى عَقِبَيْهِ﴾ ١ فقد علمنا أنهم لايفعلون، وَلَكِنْ أَرَدْنَا أَنْ نُبَيِّنَ ذَلِكَ لَكَ٢. وَقَالَ الْحَسَنُ وَعِكْرِمَةُ وَأَبُو الْعَالِيَةِ، وَالرَّبِيعُ بَلْ كَانَ بِرَأْيِهِ وَاجْتِهَادِهِ٣ وَقَالَ قَتَادَةُ: كَانَ النَّاسُ يتوجهون إلى أي جهة شاؤوا، بِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَلِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ﴾ ثُمَّ أَمَرَهُمُ النَّبِيُّ ﷺ بِاسْتِقْبَالِ بَيْتِ الْمَقْدِسِ وَقَالَ ابْنُ زَيْدٍ: "كَانُوا يَنْحُونَ أن يصلوا إلى أي قبلة"٤ شاؤوا، لِأَنَّ الْمَشَارِقَ وَالْمَغَارِبَ لِلَّهِ، وَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ﴾ فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : "هَؤُلاءِ يَهُودٌ قَدِ اسْتَقْبَلُوا بَيْتًا مِنْ بُيُوتِ اللَّهِ - يَعْنِي بَيْتَ الْمَقْدِسِ- فَصَلُّوا إِلَيْهِ" فَصَلَّى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَأَصْحَابُهُ بِضْعَةَ عَشَرَ شَهْرًا، فَقَالَتِ الْيَهُودُ: مَا اهْتَدَى لِقِبْلَتِهِ حَتَّى هَدَيْنَاهُ، فَكَرِهَ النَّبِيُّ ﷺ قَوْلَهُمْ وَرَفَعَ طَرْفَهُ إِلَى السَّمَاءِ فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ﴾ ٥.

стр. 180

أَخْبَرَنَا الْمُبَارَكُ بْنُ عَلِيٍّ، قَالَ: أَبْنَا أَحْمَدُ بْنُ الْحُسَيْنِ بْنِ قريش، قال: أبنا أبو إسحق الْبَرْمَكِيُّ، قَالَ: أَبْنَا مُحَمَّدُ بْنُ إسماعيل الوراق، قال: بنا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي دَاوُدَ، قال: بنا محمد بن أيوب قال: بنا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، قَالَ بنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي جَعْفَرٍ عَنْ أَبِيهِ عَنِ الرَّبِيعِ، قَالَ: حَدَّثَنِي أَبُو الْعَالِيَةِ: أَنَّ نَبِيَّ اللَّهِ خُيِّرَ بَيْنَ أَنْ يُوَجَّهَ حَيْثُ يَشَاءُ، فَاخْتَارَ بَيْتَ الْمَقْدِسِ، لِكَيْ يَتَأَلَّفَ أَهْلُ الْكِتَابِ ثُمَّ وَجَّهَهُ اللَّهُ إِلَى الْبَيْتِ [الْحَرَامِ] ١. وَاخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي سَبَبِ اخْتِيَارِهِ بيت المقدس على قولين: أحدهما: أَنَّ الْعَرَبَ لَمَّا كَانَتْ تَحُجُّ وَلَمْ تَأْلَفْ بَيْتَ الْمَقْدِسِ، أَحَبَّ اللَّهُ امْتِحَانَهُمْ بِغَيْرِ مَا أَلِفُوهُ لِيَظْهَرَ مَنْ يَتَّبِعُ الرَّسُولَ مِمَّنْ لا يَتَّبِعُهُ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿وَمَا جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ الَّتِي كُنْتَ عَلَيْهَا إِلاّ لِنَعْلَمَ مَنْ يَتَّبِعُ الرَّسُولَ مِمَّنْ يَنْقَلِبُ عَلَى عَقِبَيْهِ﴾ ٢ وَهَذَا قَوْلُ الزَّجَّاجِ٣. وَالثَّانِي: أَنَّهُ (اخْتَارَهُ) ٤ لِيَتَأَلَّفَ أَهْلَ الْكِتَابِ، قَالَهُ: أبو جعفر ابن جرير الطبري٥.
следующие страницы →