← Улюм аль-Кур’ан

Улюм аль-Кур’ан · id 2176

نواسخ القرآن = ناسخ القرآن ومنسوخه ت المليباري

ابن الجوزي

Полный текст (660 стр.). Показаны 176–215 · переход к 181.

стр. 176

وَالْمَغْرِبُ فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ﴾ ١ فَاسْتَقَبَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَصَلَّى نَحْوَ بَيْتِ الْمَقْدِسِ، وَتَرَكَ الْبَيْتَ الْعَتِيقَ ثُمَّ صَرَفَهُ اللَّهُ إِلَى الْبَيْتِ الْعَتِيقِ فَقَالَ: ﴿سَيَقُولُ السُّفَهَاءُ مِنَ النَّاسِ ماولاهم عَنْ قِبْلَتِهِمُ الَّتِي كَانُوا عَلَيْهَا﴾ ٢ يَعْنُونَ بَيْتَ الْمَقْدِسِ، فَنَسَخَهَا وَصَرَفَ إِلَى الْبَيْتِ الْعَتِيقِ فَقَالَ: ﴿وَمِنْ حَيْثُ خَرَجْتَ فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ﴾ ٣. قَالَ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ: وَحَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَهَّابِ بْنُ عَطَاءٍ، أَخْبَرَنَا سعيد ابن أَبِي عَرُوبَةَ عَنْ قَتَادَةَ ﴿فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ﴾ ٤ قَالَ: كَانُوا يُصَلُّونَ نَحْوَ بَيْتِ الْمَقْدِسِ وَنَبِيُّ اللَّهِ بِمَكَّةَ وَبَعْدَمَا هَاجَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ نَحْوَ بَيْتِ الْمَقْدِسِ سِتَّةَ عَشَرَ شَهْرًا ثُمَّ وَجْهَهُ اللَّهُ تَعَالَى بَعْدَ ذَلِكَ نَحْوَ الْكَعْبَةِ الْبَيْتِ الْحَرَامِ، قَالَ أَحْمَدُ، وبنا عَبْدُ الصَّمَدِ بْنُ عَبْدِ الْوَارِثِ، قال: بنا همام قال، بنا قَتَادَةَ ﴿فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ﴾ قَالَ: وَكَانُوا يُصَلُّونَ نَحْوَ بَيْتِ الْمَقْدِسِ ثُمَّ وَجَّهَهُ اللَّهُ نَحْوَ الكعبة٥

стр. 177

وقال عزوجل: ﴿فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ﴾ ١ فَنَسَخَتْ هَذِهِ الْآيَةُ مَا كَانَ قَبْلَهَا مِنْ قِبْلَةٍ. أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْعَامِرِيُّ، قَالَ: أَبْنَا عَلِيُّ بْنُ الْفَضْلِ، قَالَ: أَبْنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الصَّمَدِ، قَالَ: أَبْنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَحْمَدَ، قَالَ: أَبْنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ خريم، قال: بنا عبد الحميد، قال: بنا يُونُسُ، عَنْ شَيْبَانَ عَنْ قَتَادَةَ ﴿فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ﴾ قَالَ: نُسِخَ هَذَا بَعْدَ ذَلِكَ، فقال الله عزوجل ﴿فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾. قُلْتُ: وَهَذَا قَوْلُ أَبِي الْعَالِيَةِ والسدي٢.

стр. 178

فَصْلٌ: وَاعْلَمْ: أَنَّ قَوْلَهُ تَعَالَى: ﴿فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ﴾ ١ لَيْسَ فِيهِ أَمْرٌ بِالتَّوَجُّهِ إِلَى بَيْتِ الْمَقْدِسِ وَلا إِلَى غَيْرِهِ بَلْ هُوَ دَالٌّ عَلَى أَنَّ الِجَهَاتِ كُلَّهَا سَوَاءٌ فِي جَوَازِ التَّوَجُّهِ إِلَيْهَا. فَأَمَّا التَّوَجُّهُ إِلَى بَيْتِ الْمَقْدِسِ فَاخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ، هَلْ كَانَ بِرَأْيِ النَّبِيِّ، ﷺ واجتهاده، أوكان عَنْ وَحْيٍ؟ فَرُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ وَابْنِ جُرَيْجٍ أَنَّهُ كَانَ عَنْ أَمْرِ اللَّهِ تَعَالَى لِقَوْلِهِ عزوجل: ﴿وَمَا جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ الَّتِي كُنْتَ عَلَيْهَا إِلاّ لِنَعْلَمَ مَنْ يَتَّبِعُ الرَّسُولَ﴾ ٢. وَأَخْبَرَنَا الْمُبَارَكُ بْنُ عَلِيٍّ، قَالَ: أَبْنَا أَحْمَدُ بْنُ الْحُسَيْنِ بْنِ قُرَيْشٍ، قَالَ: أَبْنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ عُمَرَ الْبَرْمَكِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ بْنِ الْعَبَّاسِ، قَالَ: أبنا أبو بكربن أَبِي دَاوُدَ، قَالَ: أَبْنَا مُحَمَّدُ بن الحسين قال بنا كثير بن يحيى قال: بنا أبي، قال: بنا أَبُو بَكْرٍ الْهُدْبِيُّ، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: قَالَتِ الْيَهُودُ إِنَّ مُحَمَّدًا مُخَالِفٌ لَنَا فِي كُلِّ شَيْءٍ فَلَوْ تَابَعَنَا عَلَى قِبْلَتِنَا، أو على شيء لتابعناه، فَظَنَّ النَّبِيُّ ﷺ أَنَّ هَذَا مِنْهُمْ جَدٌّ، وَعَلِمَ اللَّهُ مِنْهُمُ الْكَذِبَ، وَأَنَّهُمْ لا يَفْعَلُونَ فَأَرَادَ اللَّهُ أَنْ يُبَيِّنَ ذَلِكَ لِنَبِيِّهِ ﷺ .

стр. 179

فَقَالَ: إِذَا قَدِمْتَ الْمَدِينَةَ فَصَلِّ قِبَلَ بَيْتِ الْمَقْدِسِ، فَفَعَلَ ذَلِكَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، فَقَالَتِ الْيَهُودُ: قَدْ تَابَعَنَا عَلَى قِبْلَتِنَا وَيُوشِكُ أَنْ يُتَابِعَنَا على ديننا، فأنزل الله عزوجل ﴿وَمَا جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ الَّتِي كُنْتَ عَلَيْهَا إِلاّ لِنَعْلَمَ مَنْ يَتَّبِعُ الرَّسُولَ مِمَّنْ يَنْقَلِبُ عَلَى عَقِبَيْهِ﴾ ١ فقد علمنا أنهم لايفعلون، وَلَكِنْ أَرَدْنَا أَنْ نُبَيِّنَ ذَلِكَ لَكَ٢. وَقَالَ الْحَسَنُ وَعِكْرِمَةُ وَأَبُو الْعَالِيَةِ، وَالرَّبِيعُ بَلْ كَانَ بِرَأْيِهِ وَاجْتِهَادِهِ٣ وَقَالَ قَتَادَةُ: كَانَ النَّاسُ يتوجهون إلى أي جهة شاؤوا، بِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَلِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ﴾ ثُمَّ أَمَرَهُمُ النَّبِيُّ ﷺ بِاسْتِقْبَالِ بَيْتِ الْمَقْدِسِ وَقَالَ ابْنُ زَيْدٍ: "كَانُوا يَنْحُونَ أن يصلوا إلى أي قبلة"٤ شاؤوا، لِأَنَّ الْمَشَارِقَ وَالْمَغَارِبَ لِلَّهِ، وَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ﴾ فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : "هَؤُلاءِ يَهُودٌ قَدِ اسْتَقْبَلُوا بَيْتًا مِنْ بُيُوتِ اللَّهِ - يَعْنِي بَيْتَ الْمَقْدِسِ- فَصَلُّوا إِلَيْهِ" فَصَلَّى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَأَصْحَابُهُ بِضْعَةَ عَشَرَ شَهْرًا، فَقَالَتِ الْيَهُودُ: مَا اهْتَدَى لِقِبْلَتِهِ حَتَّى هَدَيْنَاهُ، فَكَرِهَ النَّبِيُّ ﷺ قَوْلَهُمْ وَرَفَعَ طَرْفَهُ إِلَى السَّمَاءِ فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ﴾ ٥.

стр. 180

أَخْبَرَنَا الْمُبَارَكُ بْنُ عَلِيٍّ، قَالَ: أَبْنَا أَحْمَدُ بْنُ الْحُسَيْنِ بْنِ قريش، قال: أبنا أبو إسحق الْبَرْمَكِيُّ، قَالَ: أَبْنَا مُحَمَّدُ بْنُ إسماعيل الوراق، قال: بنا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي دَاوُدَ، قال: بنا محمد بن أيوب قال: بنا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، قَالَ بنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي جَعْفَرٍ عَنْ أَبِيهِ عَنِ الرَّبِيعِ، قَالَ: حَدَّثَنِي أَبُو الْعَالِيَةِ: أَنَّ نَبِيَّ اللَّهِ خُيِّرَ بَيْنَ أَنْ يُوَجَّهَ حَيْثُ يَشَاءُ، فَاخْتَارَ بَيْتَ الْمَقْدِسِ، لِكَيْ يَتَأَلَّفَ أَهْلُ الْكِتَابِ ثُمَّ وَجَّهَهُ اللَّهُ إِلَى الْبَيْتِ [الْحَرَامِ] ١. وَاخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي سَبَبِ اخْتِيَارِهِ بيت المقدس على قولين: أحدهما: أَنَّ الْعَرَبَ لَمَّا كَانَتْ تَحُجُّ وَلَمْ تَأْلَفْ بَيْتَ الْمَقْدِسِ، أَحَبَّ اللَّهُ امْتِحَانَهُمْ بِغَيْرِ مَا أَلِفُوهُ لِيَظْهَرَ مَنْ يَتَّبِعُ الرَّسُولَ مِمَّنْ لا يَتَّبِعُهُ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿وَمَا جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ الَّتِي كُنْتَ عَلَيْهَا إِلاّ لِنَعْلَمَ مَنْ يَتَّبِعُ الرَّسُولَ مِمَّنْ يَنْقَلِبُ عَلَى عَقِبَيْهِ﴾ ٢ وَهَذَا قَوْلُ الزَّجَّاجِ٣. وَالثَّانِي: أَنَّهُ (اخْتَارَهُ) ٤ لِيَتَأَلَّفَ أَهْلَ الْكِتَابِ، قَالَهُ: أبو جعفر ابن جرير الطبري٥.

стр. 181

قُلْتُ: فَإِذَا ثَبَتَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ اخْتَارَ بَيْتَ الْمَقْدِسِ فَقَدْ وَجَبَ اسْتِقْبَالُهُ بِالسُّنَّةِ، ثُمَّ نُسِخَ ذَلِكَ بِالْقُرْآنِ. وَالتَّحْقِيقُ فِي هَذِهِ الْآيَةِ أَنَّهَا أَخْبَرَتْ أَنَّ الْإِنْسَانَ أَيْنَ تَوَلَّى بِوَجْهِهِ فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ، فَيَحْتَاجُ مُدَعِّي نَسْخِهَا أَنْ يَقُولَ: فِيهَا إِضْمَارٌ. تَقْدِيرُهُ: (فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ) فِي الصَّلاةِ أَيْنَ شِئْتُمْ ثُمَّ نُسِخَ ذَلِكَ الْمُقَدَّرُ، وَفِي هَذَا بعد، والصحيح إحكامها١.

стр. 182

ذِكْرُ الْآيَةِ الثَّامِنَةِ: قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَلَنَا أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ﴾ ١. قَدْ ذَهَبَ بَعْضُ الْمُفَسِّرِينَ إِلَى أَنَّ هَذَا الْكَلامَ اقْتَضَى نَوْعَ مُسَاهَلَةٍ لِلْكُفَّارِ ثُمَّ نُسِخَ بِآيَةِ السَّيْفِ، وَلا أَرَى هَذَا الْقَوْلَ صحيحاً، لأربعة أوجه: أحدها: أَنَّ مَعْنَى الْآيَةِ: أَتُخَاصِمُونَنَا فِي دِينِ اللَّهِ٢ وَكَانُوا يَقُولُونَ: نَحْنُ أَوْلَى بِاللَّهِ مِنْكُمْ، لِأَنَّنَا أَبْنَاءُ اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ وَمِنَّا كَانَتِ الأَنْبِيَاءُ وَهُوَ رَبُّنَا وَرَبُّكُمْ أَيْ: نَحْنُ كُلُّنَا فِي حُكْمِ الْعُبُودِيَّةِ سَوَاءٌ فَكَيْفَ يَكُونُونَ أَحَقَّ بِهِ؟ ﴿وَلَنَا أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ﴾ أَيْ (لا اخْتِصَاصَ لِأَحَدٍ بِهِ) ٣ إِلا مِنْ جِهَةِ الطَّاعَةِ وَالْعَمَلِ، وَإِنَّمَا يُجَازَى كُلٌّ مِنَّا بِعَمَلِهِ. وَلا تَنْفَعُ الدَّعَاوَى وَعَلَى هَذَا الْبَيَانِ لا وَجْهَ لِلنَّسْخِ. وَالثَّانِي: أَنَّهُ خَبَرٌ خَارِجٌ مَخْرَجَ الْوَعِيدِ وَالتَّهْدِيدِ. وَالثَّالِثُ: أَنَّا قَدْ عَلِمْنَا أَعْمَالَ أَهْلِ الْكِتَابِ وَعَلَيْهَا أَقْرَرْنَاهُمْ. وَالرَّابِعُ: أَنَّ الْمَنْسُوخَ مَا لا يَبْقَى لَهُ حُكْمٌ، وَحُكْمُ هَذَا الْكَلامِ لا يَتَغَيَّرُ فَإِنَّ كُلَّ عَامِلٍ لَهُ (جَزَاءُ) ٤ عَمَلِهِ فَلَوْ وَرَدَ الأَمْرُ بِقِتَالِهِمْ لَمْ يَبْطُلْ تعلق أعمالهم بهم٥.

стр. 183

ذِكْرُ الْآيَةِ التَّاسِعَةِ: قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ﴾ الْآيَةَ١. قَدْ ذُكِرَ عَنْ بَعْضِ الْمُفَسِّرِينَ أَنَّهُ قَالَ: مَعْنَى الْآيَةِ فَلا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ لا يَطُوفَ بِهِمَا. قَالَ: ثُمَّ نُسِخَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَمَنْ يَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ إِبْرَاهِيمَ إِلاّ مَنْ سَفِهَ نَفْسَهُ﴾ ٢ وَالسَّعْيُ بَيْنَهُمَا مِنْ مِلَّةِ إِبْرَاهِيمَ٣. قُلْتُ: وَهَذَا قَوْلٌ مَرْذُولٌ: لا يَصْلُحُ الِالْتِفَاتُ إِلَيْهِ، لِأَنَّهُ يُوجِبُ إِضْمَارًا فِي الْآيَةِ وَلا يُحْتَاجُ إِلَيْهِ. وَإِنْ كَانَ قَدْ قُرِئَ بِهِ فَإِنَّهُ مَرْوِيٌّ عَنِ ابْنِ مسعود، وأبي بن كعب، وأنس، وَابْنِ جُبَيْرٍ، وَابْنِ سِيرِينَ، وَمَيْمُونَ بن مهران٤ أنهم قرأوا٥ (فَلا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ لا يَطُوفَ بِهِمَا) ٦، وَلِهَذِهِ الْقِرَاءَةِ وَجْهَانِ:

стр. 184

أحدهما: أَنْ تَكُونَ دَالَّةً عَلَى أَنَّ السَّعْيَ بَيْنَهُمَا لا يَجِبُ١. وَالثَّانِي: أَنْ يَكُونَ (لا) صِلَةً. كَقَوْلِهِ: مَا (مَنَعَكَ) أَنْ لا تَسْجُدَ٢ فَيَكُونُ مَعْنَاهُ مَعْنَى الْقِرَاءَةِ الْمَشْهُورَةِ، وَقَدْ ذَهَبَ مَالِكٌ وَالشَّافِعِيُّ وَأَحْمَدُ إِلَى أَنَّ السَّعْيَ مِنْ أَرْكَانِ الْحَجِّ٣ وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَأَصْحَابُهُ: هُوَ وَاجِبٌ (يَجْزِي) ٤ عَنْهُ الدَّمُ٥. وَالصَّحِيحُ فِي سَبَبِ نُزُولِ هَذِهِ الآية، ما أخبرنا به أبوبكر بْنُ حَبِيبٍ، قَالَ: أَبْنَا عَلِيُّ الْفَضْلِ، قَالَ: أَبْنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الصَّمَدِ، قَالَ: أَبْنَا ابْنُ حَمُّويَةَ، قَالَ: أَبْنَا: إِبْرَاهِيمُ بْنُ خريم، قال: بنا عَبْدُ الْحَمِيدِ، قَالَ: أَبْنَا عَبْدُ الْوَهَّابِ بْنُ عَطَاءٍ عَنْ دَاوُدَ، عَنْ عَامِرٍ، قَالَ: كَانَ عَلَى الصَّفَا [وَثَنٌ] ٦ يُدْعَى (أَسَافُ) ٧ وَوَثَنٌ عَلَى الْمَرْوَةِ يُدْعَى نَائِلَةُ، وَكَانَ أهل

стр. 185

الْجَاهِلِيَّةِ يَسْعَوْنَ بَيْنَهُمَا وَيُمَسِّحُونَ الْوَثَنَيْنِ فَلَمَّا جَاءَ الْإِسْلامُ أَمْسَكَ الْمُسْلِمُونَ عَنِ السَّعْيِ بَيْنَهُمَا فَنَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ١. قُلْتُ: فَقَدْ بَانَ بِهَذَا أَنَّ الْمُسْلِمِينَ إِنَّمَا امْتَنَعُوا عَنِ الطَّوَافِ لِأَجْلِ الصَّنَمَيْنِ فَرَفَعَ اللَّهُ عزوجل الْجُنَاحَ عَمَّنْ طَافَ بَيْنَهُمَا، لِأَنَّهُ إِنَّمَا يَقْصِدُ تَعْظِيمَ اللَّهِ تَعَالَى بطوافه دون الأصنام٢.

стр. 186

ذِكْرُ الْآيَةِ الْعَاشِرَةِ: قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى﴾ إلى قوله: ﴿اللاّعِنُونَ﴾ ١. قد زعم قوم مِنَ الْقُرَّاءِ (الَّذِينَ) ٢ قَلَّ حَظُّهُمْ مِنْ عِلْمِ الْعَرَبِيَّةِ وَالْفِقْهِ أَنَّ هَذِهِ الْآيَةَ مَنْسُوخَةٌ بِالِاسْتِثْنَاءِ بَعْدَهَا٣ ولوكان لَهُمْ نَصِيبٌ مِنْ ذَلِكَ، لَعَلِمُوا أَنَّ الِاسْتِثْنَاءَ لَيْسَ بِنَسْخٍ وَإِنَّمَا هُوَ إِخْرَاجُ بَعْضِ مَا شَمَلَهُ اللَّفْظُ، وَيَنْكَشِفُ هَذَا مِنْ وَجْهَيْنِ. أحدهما: أَنَّ النَّاسِخَ وَالْمَنْسُوخَ لا يُمْكِنُ الْعَمَلُ بِأَحَدِهِمَا إِلا بِتَرْكِ الْعَمَلِ بالآخر، وههنا يُمْكِنُ الْعَمَلُ بِالْمُسْتَثْنَى وَالْمُسْتَثْنَى مِنْهُ. وَالثَّانِي: أَنَّ الْجُمَلَ إِذَا دَخَلَهَا الِاسْتِثْنَاءُ يَثْبُتُ أَنَّ الْمُسْتَثْنَى لَمْ يَكُنْ مُرَادًا دُخُولُهُ فِي الْجُمْلَةِ الباقية وَمَا لا يَكُونُ مُرَادًا بِاللَّفْظِ الأَوَّلِ لا يَدْخُلُ عَلَيْهِ النَّسْخُ٤.

стр. 187

ذِكْرُ الْآيَةِ الْحَادِيَةَ عَشْرَةَ: قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ وَالدَّمَ وَلَحْمَ الْخِنْزِيرِ﴾ الْآيَةَ١. ذَهَبَ جَمَاعَةٌ مِنْ مُفَسِّرِي الْقُرْآنِ إِلَى أَنَّ أَوَّلَ هَذِهِ الْآيَةِ مَنْسُوخٌ بِقَوْلِهِ [تَعَالَى] ٢ ﴿فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلا عَادٍ﴾ ٣ وَزَعَمَ بَعْضُهُمْ أَنَّهُ إِنَّمَا نُسِخَ مِنْهَا حُكْمُ الْمَيْتَةِ وَالدَّمِ بِقَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ : "أُحِلَّتْ لَنَا مَيْتَتَانِ وَدَمَانِ، السَّمَكُ وَالْجَرَادُ، وَالْكَبِدُ وَالطُّحَالُ" ٤ وَكِلا الْقَوْلَيْنِ بَاطِلٌ، لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى: اسْتَثْنَى مِنَ التَّحْرِيمِ حَالَ الضَّرُورَةِ وَالنَّبِيُّ ﷺ اسْتَثْنَى بِالتَّخْصِيصِ مَا ذَكَرَهُ فِي الْحَدِيثِ ولا وجه للنسخ بحال٥.

стр. 188

ذِكْرُ الْآيَةِ الثَّانِيَةَ عَشْرَةَ: قَوْلُهُ تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ وَالأُنْثَى بِالأْثَى﴾ ١. ذَهَبَ بَعْضُ الْمُفَسِّرِينَ إِلَى أَنَّ دَلِيلَ خِطَابِ هَذِهِ الْآيَةِ مَنْسُوخٌ، لِأَنَّهُ لَمَّا قَالَ: ﴿الْحُرُّ بِالْحُرِّ﴾ اقْتَضَى أَنْ لا يُقْتَلَ الْعَبْدُ بِالْحُرِّ، وَكَذَا لَمَّا قَالَ: ﴿وَالأُنْثَى بِالأْثَى﴾ اقْتَضَى، أَنْ لا يُقْتَلَ الذَّكَرُ بِالأُنْثَى مِنْ جِهَةِ دَلِيلِ الْخِطَابِ، وَذَلِكَ مَنْسُوخٌ بِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ﴾ ٢ وَإِلَى هَذَا أَشَارَ ابْنُ عَبَّاسٍ فِيمَا رَوَاهُ عُثْمَانُ بْنُ عَطَاءٍ٣ عَنْ أَبِيهِ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: نَسَخَتْهَا الْآيَةُ الَّتِي فِي المائدة ﴿أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ﴾ ٤ وَإِلَى نَحْوِ هَذَا ذَهَبَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ وَمُقَاتِلٌ. أَخْبَرَنَا الْمُبَارَكُ بْنُ عَلِيٍّ، قَالَ: أَبْنَا أَحْمَدُ بْنُ الْحُسَيْنِ بْنِ قُرَيْشٍ، قَالَ أبنا أبو إسحق الْبَرْمَكِيُّ، قَالَ: أَبْنَا أَبُو بَكْرٍ محمد بن إسماعيل إذنا قَالَ: أَبْنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي دَاوُدَ، قَالَ: أَبْنَا يَعْقُوبُ بن سفيان، قال: بنا يحيى بن

стр. 189

عَبْدِ اللَّهِ بْنِ بُكَيْرٍ، قَالَ: حَدَّثَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ لَهِيعَةَ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ دِينَارٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، أَنَّ حَيَّيْنِ مِنَ الْعَرَبِ اقْتَتَلُوا فِي الْجَاهِلِيَّةِ قَبْلَ الْإِسْلامِ بِقَلِيلٍ، فَكَانَ بَيْنَهُمْ قَتْلٌ وَجِرَاحَاتٌ، حَتَّى قَتَلُوا (الْعَبِيدَ وَالنِّسَاءَ) ١ فَلَمْ يَأْخُذْ بَعْضُهُمْ مِنْ بَعْضٍ حَتَّى أَسْلَمُوا وَكَانَ أَحَدُ الْحَيَّيْنِ يَتَطَاوَلُونَ عَلَى الْآخَرِ فِي الْعُدَّةِ وَالأَمْوَالِ فَحَلَفُوا أَنْ لا نَرْضَى حَتَّى نَقْتُلَ بِالْعَبْدِ مِنَّا الْحُرَّ مِنْهُمْ، وَبِالْمَرْأَةِ مِنَّا الرَّجُلَ مِنْهُمْ فَنَزَلَ فِيهِمْ ﴿الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ وَالأُنْثَى بِالأْثَى﴾ فَرَضُوا بِذَلِكَ فَصَارَتْ آيَةُ ﴿الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ وَالأُنْثَى بِالأْثَى﴾ منسوخة نسخها ﴿أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ﴾ ٢. قُلْتُ: وَهَذَا (الْقَوْلُ) ٣ لَيْسَ بِشَيْءٍ لوجهين: أحدهما: أَنَّهُ إِنَّمَا ذَكَرَ فِي آيَةِ الْمَائِدَةِ مَا كَتَبَهُ عَلَى أَهْلِ التَّوْرَاةِ وَذَلِكَ لا يَلْزَمُنَا وَإِنَّمَا نَقُولُ فِي إِحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ عَنْ أَحْمَدَ: إِنَّ شَرْعَ مَنْ قَبْلَنَا شَرْعٌ لَنَا مَا لَمْ يَثْبُتْ نسخه، وبخطابنا بَعْدَ خِطَابِهِمْ قَدْ ثَبَتَ النَّسْخُ، فَتِلْكَ الْآيَةُ أَوْلَى أَنْ تَكُونَ مَنْسُوخَةً بِهَذِهِ مِنْ هَذِهِ بِتِلْكَ. وَالثَّانِي: أَنَّ دَلِيلَ الْخِطَابِ عِنْدَ الْفُقَهَاءِ حُجَّةٌ مَا لَمْ يُعَارِضْهُ دَلِيلٌ أَقْوَى مِنْهُ، وَقَدْ ثَبَتَ بِلَفْظِ الْآيَةِ أَنَّ الْحُرَّ يُوَازِي الحر فلأن يوازي العبد

стр. 190

أَوْلَى، ثُمَّ إِنَّ أَوَّلَ الْآيَةِ يَعُمُّ، وَهُوَ قَوْلُهُ: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ﴾ وَإِنَّمَا الْآيَةُ نَزَلَتْ فِيمَنْ كَانَ يَقْتُلُ حُرًّا بِعَبْدٍ وَذَكَرًا بِأُنْثَى فَأُمِرُوا بِالنَّظَرِ فِي التَّكَافُؤِ. أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرٍ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ حَبِيبٍ قَالَ: أَبْنَا عَلِيُّ بْنُ الْفَضْلِ، قَالَ: أَبْنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الصَّمَدِ، قَالَ: أَبْنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَحْمَدَ السَّرْخَسِيُّ، قَالَ: أَبْنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ خريم، قال: بنا عبد الحميد، قال: بنا يُونُسُ عَنْ شَيْبَانَ، عَنْ قَتَادَةَ ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ وَالأُنْثَى بِالأْثَى﴾ ١. قَالَ: كَانَ أَهْلُ الْجَاهِلِيَّةِ فِيهِمْ بَغْيٌ وَطَاعَةٌ (لِلشَّيْطَانِ) ٢ فَكَانَ الْحَيُّ مِنْهُمْ إِذَا كَانَ فِيهِمْ عَدَدٌ وَعُدَّةٌ، فَقُتِلَ لَهُمْ عَبْدٌ قَتَلَهُ عَبْدُ قَوْمٍ آخَرِينَ. قَالُوا: لَنْ نَقْتُلَ بِهِ إِلا حُرًّا تَعَزُّزًا وَتَفَضُّلا عَلَى غَيْرِهِمْ فِي أَنْفُسِهِمْ. وَإِذَا قُتِلَتْ لَهُمْ أُنْثَى قَتَلَتْهَا امْرَأَةٌ. قَالُوا: (لَنْ نَقْتُلَ) ٣ بِهَا إِلا رَجُلا فَأَنْزَلَ اللَّهُ هَذِهِ الْآيَةَ يُخْبِرُهُمْ أَنَّ الْحُرَّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدَ بِالْعَبْدِ وَالأُنْثَى بِالأُنْثَى، وَيَنْهَاهَمْ عَنِ الْبَغْيِ ثُمَّ أَنْزَلَ فِي سُورَةِ الْمَائِدَةِ ﴿وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ﴾ إلى قوله: ﴿وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ﴾ ٤.

стр. 191

ذِكْرُ الْآيَةِ الثَّالِثَةَ عَشْرَةَ: قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ إِنْ تَرَكَ خَيْراً الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ وَالأَقْرَبِينَ﴾ ١. اخْتَلَفَ الْمُفَسِّرُونَ فِي هَذِهِ الْوَصِيَّةِ، هَلْ كَانَتْ وَاجِبَةً أَمْ لا على قولين: أحدهما: أَنَّهَا كَانَتْ نَدْبًا لا وَاجِبَةً، وَهَذَا مَذْهَبُ جَمَاعَةٍ مِنْهُمُ الشَّعْبِيُّ وَالنَّخَعِيُّ٢ وَاسْتَدَلُّوا بِقَوْلِهِ (بِالْمَعْرُوفِ) قَالُوا: الْمَعْرُوفُ لا يَقْتَضِي الْإِيجَابَ وَبِقَوْلِهِ: (على المتقين) وَالْوَاجِبُ لا يُخْتَصُّ بِهِ الْمُتَّقُونَ.

стр. 192

وَالثَّانِي: (أَنَّهَا كَانَتْ فَرْضًا ثُمَّ نُسِخَتْ، وَهُوَ قَوْلُ جُمْهُورِ الْمُفَسِّرِينَ، واستدلوا بقوله: (كتب) وهوبمعنى فرض كقونه تعالى: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ﴾ ١ وَقَدْ نَصَّ أَحْمَدُ فِي رِوَايَةِ الْفَضْلِ بْنِ زِيَادٍ، عَلَى نَسْخِ هَذِهِ الْآيَةِ، فَقَالَ: الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ، مَنْسُوخَةٌ٢. وَأَجَابَ أَرْبَابُ هَذَا الْقَوْلِ أَهْلَ الْقَوْلِ الأَوَّلِ، فَقَالُوا: ذِكْرُ الْمَعْرُوفِ لا يَمْنَعُ الْوُجُوبَ، لِأَنَّ المعروف بمعنى العدل الذي لاشطط فيه ولاتقصيركقوله تَعَالَى: ﴿وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ ٣ وَلا خِلافَ فِي وُجُوبِ هَذَا٤ [الرِّزْقِ وَالْكِسْوَةِ، فَذِكْرُ الْمَعْرُوفِ فِي الْوَصِيَّةِ لا يَمْنَعُ وُجُوبَهَا بَلْ يُؤَكِّدُهُ، وَكَذَلِكَ تَخْصِيصُ الأَمْرِ بِالْمُتَّقِينَ دَلِيلٌ عَلَى تَوْكِيدِهِ لِأَنَّهَا إِذَا وَجَبَتْ عَلَى الْمُتَقِّينَ كَانَ وُجُوبُهَا عَلَى غَيْرِهِمْ أَوْلَى، وَإِنَّمَا خَصَّهُمْ بِالذِّكْرِ، لِأَنَّ فِعْلَ ذَلِكَ مِنْ تَقْوَى اللَّهِ تَعَالَى، وَالتَّقْوَى لازِمَةٌ لجميع الخلق.

стр. 193

فَصْلٌ: ثُمَّ اخْتَلَفَ الْقَائِلُونَ، بِإِيجَابِ الْوَصِيَّةِ وَنَسْخِهَا بَعْدَ ذَلِكَ، فِي الْمَنْسُوخِ مِنَ الْآيَةِ عَلَى ثَلاثَةِ أقوال: أحدها: أَنَّ جَمِيعَ مَا فِي الْآيَةِ مِنْ إِيجَابِ الْوَصِيَّةِ مَنْسُوخٌ، قَالَهُ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄. أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْوَهَّابِ الْحَافِظُ، قَالَ: أبنا أبو الفضل ابن خَيْرُونُ، وَأَبُو طَاهِرٍ الْبَاقِلاوِيُّ، قَالا: أخبرنا بْنُ شَاذَانَ، قَالَ: أَبْنَا أَحْمَدُ ابْنُ كَامِلٍ، قَالَ: أَبْنَا مُحَمَّدُ بْنُ سَعْدٍ، قَالَ: حَدَّثَنِي أَبِي، قَالَ: حَدَّثَنِي عَمِّي الْحُسَيْنُ بْنُ الْحَسَنِ بْنِ عَطِيَّةَ قَالَ: حَدَّثَنِي أَبِي عَنْ جَدِّي عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ ﵄ ﴿إِنْ تَرَكَ خَيْراً الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ وَالأَقْرَبِينَ﴾. قَالَ: "نَسَخَتِ الْفَرِيضَةُ الَّتِي لِلْوَالِدَيْنِ والأقربين (الوصية) "١.

стр. 194

أَخْبَرَنَا ابْنُ نَاصِرٍ، قَالَ: أَبْنَا ابْنُ أَيُّوبَ، قَالَ: أَبْنَا ابْنُ شَاذَانَ، قَالَ: أَبْنَا أَبُو بَكْرٍ النجاد، قال: بنا أبو داود السجستاني، قال: بنا الْحَسَنُ بْنُ مُحَمَّدٍ. وَأَخْبَرَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ أَحْمَدَ، قَالَ: أَبْنَا عُمَرُ بْنُ عُبَيْدِ اللَّهِ الْبَقَّالُ، قَالَ: أَبْنَا عَلِيُّ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ بِشْرَانَ، قَالَ: أَبْنَا إِسْحَاقُ بْنُ أَحْمَدَ الْكَاذِيُّ قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ، قال: حدثني أبي قال بنا حجاج قال:

стр. 195

بنا ابْنُ جُرَيْجٍ عَنْ عَطَاءٍ الْخُرَاسَانِيِّ عن ابن عبابس ﵄ ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ إِنْ تَرَكَ خَيْراً الْوَصِيَّةُ﴾ ١ نَسَخَتْهَا ﴿لِلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ﴾ الْآيَةَ٢. أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْحَقِّ بْنُ عَبْدِ الْخَالِقِ بْنِ يُوسُفَ٣ قَالَ: أَبْنَا مُحَمَّدُ بْنُ مَرْزُوقٍ، قَالَ: أَبْنَا أَبُو بَكْرٍ الْخَطِيبُ، قَالَ: أَبْنَا ابْنُ رِزْقٍ، قَالَ: أَبْنَا أحمد ابن سلمان، قال: بنا أبو داود، قال: بنا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدٍ، هُوَ الْمَرْوَزِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنِي عَلِيُّ بْنُ الْحُسَيْنِ بْنِ وَاقِدٍ، عَنْ أَبِيهِ عَنْ يَزِيدَ النَّحْوِيِّ، عَنْ عِكْرِمَةَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ ﴿إِنْ تَرَكَ خَيْراً الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ وَالأَقْرَبِينَ﴾ فَكَانَتِ الْوَصِيَّةُ كَذَلِكَ حَتَّى نَسَخَتْهَا آية الميراث٤.

стр. 196

أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرٍ الْعَامِرِيُّ، قَالَ: أَبْنَا عَلِيُّ بْنُ الْفَضْلِ، قَالَ: أَبْنَا ابْنُ عَبْدِ الصَّمَدِ، قَالَ: أبنا ابن حموية، قال: بنا إبراهيم بن خريم، قال: بنا عَبْدُ الْحَمِيدِ، قَالَ: أَبْنَا النَّضْرُ بْنُ شُمَيْلٍ، قَالَ: أَبْنَا ابْنُ عَوْنٍ عَنِ ابْنِ سِيرِينَ، قَالَ: كَانَ ابْنُ عَبَّاسٍ يَخْطُبُ، فَقَرَأَ هَذِهِ الْآيَةَ ﴿إِنْ تَرَكَ خَيْراً الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ وَالأَقْرَبِينَ﴾ فَقَالَ: هَذِهِ نُسِخَتْ١. قَالَ عَبْدُ الْحَمِيدِ: وَحَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ آدَمَ عَنِ ابْنِ حَمَّادٍ الْحَنَفِيِّ عَنْ جَهْضَمٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ بَدْرٍ الْحَنَفِيِّ، قَالَ: سَمِعْتُ ابْنَ عُمَرَ يَسْأَلُ عَنْ هَذِهِ الْآيَةِ ﴿الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ وَالأَقْرَبِينَ﴾ قَالَ: نَسَخَتْهَا آيَةُ الْمَوَارِيثِ٢. قَالَ عَبْدُ الْحَمِيدِ: وَحَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ آدم عن محمد بن الفضيل، عَنْ أَشْعَثَ عَنِ الْحَسَنِ ﴿إِنْ تَرَكَ خَيْراً الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ وَالأَقْرَبِينَ﴾ قال: نسختها آية الفرائض٣.

стр. 197

قَالَ عَبْدُ الْحَمِيدِ وَأَخْبَرَنِي شَبَابَةُ عَنْ وَرْقَاءَ عَنِ (ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ) ١ عَنْ مُجَاهِدٍ قَالَ: كَانَ الْمِيرَاثُ لِلْوَلَدِ، وَالْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ وَالأَقْرَبِينَ، فَهِيَ منسوخة، وكذلك قال: سعيدبن جُبَيْرٍ: ﴿إِنْ تَرَكَ خَيْراً الْوَصِيَّةُ﴾ قَالَ: نُسِخَتْ) ٢. الْقَوْلُ الثَّانِي: أَنَّهُ نُسِخَ مِنْهَا الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ. أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْوَهَّابِ، قَالَ: أَبْنَا أَبُو ظَاهِرٍ الْبَاقِلاوِيُّ، قَالَ: أَبْنَا ابْنُ شَاذَانَ، قَالَ: أَبْنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بن الحسن، قال: بنا إبراهيم بن الحسين، قال: بنا آدَمُ عَنِ الْوَرْقَاءِ عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ عَنْ مُجَاهِدٍ ﴿إِنْ تَرَكَ خَيْراً الْوَصِيَّةُ﴾ قَالَ: كَانَ الْمِيرَاثُ لِلْوَلَدِ، وَالْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ وَالأَقْرَبِينَ ثُمَّ نُسِخَ مِنْهُ الوالدين٣.

стр. 198

أَخْبَرَنَا إِسْمَاعِيلُ، قَالَ: أَبْنَا أَبُو الفضل البقال قَالَ: أَبْنَا بْنُ بِشْرَانَ، قَالَ: أَبْنَا إِسْحَاقُ الْكَاذِيُّ، قَالَ: أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ، قَالَ: حَدَّثَنِي أَبِي، قَالَ: بنا أسود بن عامر، قال: بنا إِسْرَائِيلُ، عَنْ مُغِيرَةَ عَنْ إِبْرَاهِيمَ، قَالَ: "كَانَتِ الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ فَنَسَخَتْهَا آيَةُ الْمِيرَاثِ، وَصَارَتِ الْوَصِيَّةُ لِلأَقْرَبِينَ"١. قَالَ أَحْمَدُ: وَحَدَّثَنَا أَبُو دَاوُدَ عن زمعة عن ابن طاؤس عَنْ أَبِيهِ٢ قَالَ: "نُسِخَتِ الْوَصِيَّةُ عَنِ الْوَالِدَيْنِ، وَجُعِلَتْ لِلأَقْرَبِينَ"٣. قَالَ أبوداود: وحدثنا حماد بن سلمة عَنْ عَطَاءِ بْنِ أَبِي مَيْمُونَةَ، قَالَ: سَأَلْتُ الْعَلاءَ بْنَ زِيَادٍ٤ وَمُسْلِمَ بْنَ يَسَارٍ٥ عَنِ الْوَصِيَّةِ، فقالا: "هي للقرابة".

стр. 199

الْقَوْلُ الثَّالِثُ: أَنَّ الَّذِي نُسِخَ مِنَ الْآيَةِ الْوَصِيَّةُ (لِمَنْ) ١ يَرِثُ وَلَمْ يُنْسَخِ الأَقْرَبُونَ الَّذِينَ لا يَرِثُونَ. رَوَاهُ عِكْرِمَةُ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄، وَهُوَ قَوْلُ الْحَسَنِ وَالضَّحَّاكِ وَأَبِي الْعَالِيَةِ٢. أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرٍ الْعَامِرِيُّ، قَالَ: أبنا علي بن الفضل، قالت: أَبْنَا ابْنُ عَبْدِ الصَّمَدِ، قَالَ: أَبْنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَحْمَدَ، قال: أبنا إبراهيم بن خريم، قال: بنا عبد الحميد، قال: بنا مُسْلِمُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ عَنْ هَمَّامِ بْنِ يَحْيَى، عَنْ قَتَادَةَ قَالَ: أَمَرَ أَنْ يُوصِيَ لِوَالِدَيْهِ، وَأَقْرَبِيهِ ثُمَّ نَسَخَ الْوَالِدَيْنِ وَأَلْحَقَ لِكُلِّ ذِي مِيرَاثٍ نَصِيبَهُ مِنْهَا، وَلَيْسَتْ لَهُمْ مِنْهُ وَصِيَّةٌ فَصَارَتِ الْوَصِيَّةُ لِمَنْ لا يَرِثُ مِنْ قَرِيبٍ أَوْ غَيْرِ قَرِيبٍ٣. أَخْبَرَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ أَحْمَدَ، قَالَ: أَبْنَا أَبُو الفضل البقال، قال: بنا أَبُو الْحَسَنِ بْنُ بِشْرَانَ قَالَ: أبنا إسحاق الكاذي، قال: بنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ، قَالَ: حَدَّثَنِي أَبِي قَالَ: حَدَّثَنَا هُشَيْمٌ، قَالَ: أَبْنَا يُونُسُ عَنِ الْحَسَنِ، قَالَ: كَانَتِ الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ وَالأَقْرَبِينَ فَنُسِخَ ذَلِكَ، وَأَثْبَتَتَ لهما نصيبهما

стр. 200

فِي سُورَةِ النِّسَاءِ وَصَارَتِ الْوَصِيَّةُ لِلأَقْرَبِينَ الَّذِينَ لا يَرِثُونَ، وَنُسِخَ مِنَ الأَقْرَبِينَ كُلُّ وَارِثٍ١. قَالَ أَحْمَدُ: وَحَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَهَّابِ عَنْ سَعِيدٍ عَنْ قَتَادَةَ ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ﴾ قَالَ: "أَمَرَ اللَّهُ أَنْ يُوصِيَ لِوَالِدَيْهِ وَأَقْرِبَائِهِ ثُمَّ نُسِخَ ذَلِكَ فِي سُورَةِ النِّسَاءِ فَأَلْحَقَ لَهُمْ نَصِيبًا مَعْلُومًا، وَأَلْحَقَ لِكُلِّ ذِي ميراث نصيبه منه وليست لَهُمْ وَصِيَّةٌ، فَصَارَتِ الْوَصِيَّةُ لِمَنْ لا يَرِثُ مِنْ قَرِيبٍ أَوْ بَعِيدٍ"٢. أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرٍ الْعَامِرِيُّ، قَالَ: أَبْنَا عَلِيُّ بْنُ الْفَضْلِ، قَالَ: أَبْنَا ابْنُ عَبْدِ الصَّمَدِ قَالَ: أَبْنَا ابْنُ حَمُّويَةَ، قَالَ: أبنا إبراهيم، قال: بنا عبد الحميد، قال: بنا يحيى بن آدم، قال: بنا إسماعيل بن عياش، قال: بنا شُرَحْبِيلُ بْنُ مُسْلِمٍ، قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا أُمَامَةَ الْبَاهِلِيَّ٣ يَقُولُ سَمِعْتُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يقول:

стр. 201

"إِنَّ اللَّهَ قَدْ أَعْطَى كُلَّ ذِي حَقٍّ حَقَّهُ فَلا وَصِيَّةَ لوارث" ١

стр. 202

ذِكْرُ الْآيَةِ الرَّابِعَةَ عَشْرَةَ: قَوْلُهُ تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾ ١. أَمَّا قَوْلُهُ كُتِبَ، فَمَعْنَاهُ: فُرِضَ٢. وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِنَا، هُمْ أَهْلُ الْكِتَابِ٣ وَفِي كَافِ التَّشْبِيهِ فِي قوله: (كما) ثلاثة أقوال: أحدها: أَنَّهَا تَرْجِعُ إِلَى حُكْمِ الصَّوْمِ وَصِفَتِهِ لا إِلَى عَدَدَهِ. أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْحَقِّ بْنُ عَبْدِ الْخَالِقِ، قَالَ: أَبْنَا مُحَمَّدُ بْنُ مَرْزُوقٍ، قَالَ: أَبْنَا أَحْمَدُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ ثَابِتٍ، قَالَ: أَبْنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يَحْيَى السُّكَّرِيُّ، قَالَ: أَبْنَا جَعْفَرٌ الْخُلْدِيُّ، وَقَالَ: أَبْنَا أَبُو عِلاثَةَ مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرِو بن خالد، قال: بنا أبي قال: بنا يُونُسُ بْنُ رَاشِدٍ، عَنْ عَطَاءٍ الْخُرَاسَانِيِّ عَنْ عِكْرِمَةَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄. وَأَخْبَرَنَا إسماعيل بن أحمد، وقال: بنا أَبُو الْفَضْلِ الْبَقَّالُ، قَالَ: أَبْنَا أَبُو الْحُسَيْنِ بْنُ بِشْرَانَ قَالَ: بنا إسحاق الكاذي قال: بنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَحْمَدَ قَالَ حدثني أبي قال: بنا حَجَّاجٌ عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ عَنْ عَطَاءٌ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ وَلَمْ يَذْكُرْ عِكْرِمَةَ.

стр. 203

قَالَ: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾ ١ يَعْنِي بِذَلِكَ: أَهْلَ الْكِتَابِ، وَكَانَ كِتَابُهُ عَلَى أَصْحَابِ مُحَمَّدٍ ﷺ ، أَنَّ الرَّجُلَ كَانَ يَأْكُلُ وَيَشْرَبُ، وَيَنْكِحُ، مَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ أَنْ يُصَلِّيَ الْعَتْمَةَ، أَوْ يَرْقُدَ وَإِذَا صَلَّى الْعَتْمَةَ أَوْ رَقَدَ مُنِعَ ذَلِكَ إِلَى مِثْلِهَا، فَنَسَخَتْهَا هَذِهِ الْآيَةُ ﴿أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَائِكُمْ﴾ ٢. أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي مَنْصُورٍ ٣ قَالَ: أَبْنَا عَلِيُّ بْنُ أَبِي أَيُّوبَ، قَالَ: أَبْنَا أَبُو عَلِيِّ بْنِ شَاذَانَ، قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو بكر النجاد، قال: بنا أَبُو دَاوُدَ السِّجِسْتَانِيُّ، قَالَ: أَبْنَا نصر بن علي، قال: بنا أبو أحمد، قال: بنا إِسْرَائِيلُ عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ عَنِ الْبَرَاءِ٤، قَالَ: كَانَ الرَّجُلُ إِذَا صَامَ فَنَامَ لَمْ يَأْكُلْ إِلَى

стр. 204

مِثْلِهَا مِنَ الْقَابِلَةِ، وَأَنَّ قَيْسَ بْنَ صِرْمَةَ١، أَتَى امْرَأَتَهُ، وَكَانَ صَائِمًا فَقَالَ: عِنْدَكِ شَيْءٌ قَالَتْ: لَعَلِّي أَذْهَبُ فَأَطْلُبُ لَكَ، فَذَهَبَتْ وَغَلَبَتْهُ عَيْنُهُ فَجَاءَتْ فَقَالَتْ: خَيْبَةٌ لَكَ فَذَكَرَ ذَلِكَ لِلنَّبِيِّ ﷺ ، فَنَزَلَتْ ﴿أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَائِكُمْ﴾ إلى قوله ﴿مِنَ الْفَجْرِ﴾ ٢. وَقَالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: "كُتِبَ عَلَيْهِمْ إِذَا نَامَ أَحَدُهُمْ قَبْلَ أَنْ يَطْعَمَ لَمْ يَحِلَّ لَهُ أَنْ يَطْعَمَ إِلَى الْقَابِلَةِ، وَالنِّسَاءُ عَلَيْهِمْ حَرَامٌ لَيْلَةَ الصِّيَامِ، وَهُوَ عَلَيْهِمْ ثَابِتٌ وَقَدْ أَرْخَصَ لَكُمْ"٣. فَعَلَى هَذَا الْقَوْلِ تَكُونُ الْآيَةُ مَنْسُوخَةً بِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَائِكُمْ﴾ الْآيَةَ. وَقَدْ رُوِيَ أَنَّ قَيْسَ بْنَ صِرْمَةَ أَكَلَ بَعْدَمَا نَامَ، وأن عمربن الْخَطَّابِ جَامَعَ زَوْجَتَهُ بَعْدَ٤ أَنْ نَامَتْ، فَنَزَلَ فِيهِمَا قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَائِكُمْ﴾ الآية٥.

стр. 205

الْقَوْلُ الثَّانِي: أَنَّهَا تَرْجِعُ إِلَى عَدَدِ الصَّوْمِ لا إِلَى صِفَتِهِ، وَلِأَرْبَابِ هَذَا الْقَوْلِ فِي ذَلِكَ ثلاثة أقواله: أَمَّا الأَوَّلُ: فَأَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرِ بن حبيب، قالت: أَبْنَا عَلِيُّ بْنُ الْفَضْلِ الْعَامِرِيُّ قَالَ: أَبْنَا ابْنُ عَبْدِ الصَّمَدِ، قَالَ: أَبْنَا ابْنُ حَمُّويَةَ، قَالَ: أبنا إبراهيم ابن خريم قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الْحَمِيدِ، قَالَ: بنا هاشم بن القاسم، قال بنا مُحَمَّدُ بْنُ طَلْحَةَ عَنِ الأَعْمَشِ، قَالَ: قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ ﵄ كُتِبَ عَلَى النَّصَارَى الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَيْكُمْ، فَكَانَ أَوَّلُ أَمْرِ النَّصَارَى أَنْ قَدِمُوا يوماً قالوا: حتى لا نخطىء. قَالَ: ثُمَّ آخِرُ أَمْرِهِمْ صَارَ إِلَى أَنْ قَالُوا: نُقَدِّمُهُ عَشْرًا ونؤخر عشراً حتى لا نخطىء. فَضَلُّوا، وَقَالَ دَغْفَلُ بْنُ حَنْظَلَةَ١ كَانَ عَلَى النَّصَارَى صَوْمُ رَمَضَانَ فَمَرِضَ مَلِكُهُمْ (فَقَالُوا) ٢ إِنْ شَفَاهُ الله تعالى لنزيدن

стр. 206

عَشَرَةً، ثُمَّ كَانَ بَعْدَهُ مَلِكٌ آخَرُ فَأَكَلَ اللَّحْمَ فَوَجِعَ فُوهُ فَقَالَ: إِنْ شَفَاهُ لَيَزِيدَنَّ سَبْعَةَ أَيَّامٍ ثُمَّ مَلِكٌ بَعْدَهُ مَلِكٌ، فَقَالَ: مَا نَدَعُ مِنْ هَذِهِ الثَّلاثَةِ الأَيَّامِ أَنْ نُتِمَّهَا، وَنَجْعَلَ صَوْمَنَا فِي الرَّبِيعِ، فَفَعَلَ فَصَارَتْ خَمْسِينَ يَوْمًا١. وَرَوَى السُّدِّيُّ عَنْ أَشْيَاخِهِ، قَالَ: اشْتَدَّ عَلَى النَّصَارَى صِيَامُ رَمَضَانَ، وَجَعَلَ يَتَقَلَّبُ عَلَيْهِمْ فِي الشِّتَاءِ وَالصَّيْفِ، فَلَمَّا رَأَوْا ذَلِكَ اجْتَمَعُوا فَجَعَلُوا صِيَامًا فِي الْفَصْلِ بَيْنَ الشِّتَاءِ وَالصَّيْفِ، وَقَالُوا نَزِيدُ عِشْرِينَ يَوْمًا نُكَفِّرُ بِهَا مَا صَنَعْنَا٢ فَجَعَلُوا صِيَامَهُمْ خَمْسِينَ يَوْمًا٣ فَعَلَى هَذَا الْبَيَانِ الْآيَةُ مُحْكَمَةٌ غَيْرُ مَنْسُوخَةٍ. وَأَمَّا الثَّانِي: فَأَخْبَرَنَا عَبْدُ الْوَهَّابِ، قَالَ: أَبْنَا أَبُو الْفَضْلِ بْنُ خَيْرُونُ، وَأَبُو طَاهِرٍ الْبَاقِلاوِيُّ، قَالا. أَخْبَرَنَا أَبُو عَلِيِّ بْنُ شَاذَانَ، قَالَ: أَبْنَا أَحْمَدُ بْنُ كَامِلٍ، قَالَ: أَبْنَا مُحَمَّدُ بْنُ سَعْدٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبِي قَالَ حَدَّثَنِي عَمِّي الْحُسَيْنُ ابن الْحَسَنِ بْنِ عَطِيَّةَ، قَالَ: حَدَّثَنِي أَبِي عَنْ جَدِّي عَنِ ابْنِ عباس رضي الله

стр. 207

عَنْهُمَا ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾ فَكَانَ ثَلاثَةَ أَيَّامٍ فِي كُلِّ شَهْرٍ، ثُمَّ نَسَخَ ذَلِكَ مَا أُنْزِلَ مِنْ صِيَامِ رَمَضَانَ١ وَقَالَ قتادة: كتب الله عزوجل عَلَى النَّاسِ قَبْلَ نُزُولِ شَهْرِ رَمَضَانَ ثَلاثَةَ أَيَّامٍ مِنْ كُلِّ شَهْرٍ٢. وَأَمَّا الثَّالِثُ: فَقَدْ رَوَى (النَّزَّالُ) ٣ بْنُ سَبْرَةَ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ، أَنَّهُ قَالَ: ثَلاثَةُ أَيَّامٍ مِنْ كُلِّ شَهْرٍ، وَيَوْمُ (عَاشُورَاءَ) ٤ وَقَدْ زَعَمَ أَرْبَابُ هَذَا الْقَوْلِ، أَنَّ الْآيَةَ مَنْسُوخَةٌ بِقَوْلِهِ: ﴿شَهْرُ رَمَضَانَ﴾ ٥ وَفِي هَذَا بُعْدٌ كَثِيرٌ، لِأَنَّ قوله ﴿شَهْرُ رَمَضَانَ﴾ جَاءَ عُقَيْبَ قَوْلِهِ ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ﴾ فَهُوَ كَالتَّفْسِيرِ لِلصِّيَامِ وَالْبَيَانِ لَهُ.

стр. 208

الْقَوْلُ الثَّالِثُ: إِنَّ التَّشْبِيهَ رَاجِعٌ إِلَى نَفْسِ الصَّوْمِ لا إِلَى صِفَتِهِ وَلا إِلَى عَدَدِهِ، وَبَيَانُ ذَلِكَ، أَنَّ قَوْلَهُ تَعَالَى: ﴿كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾ لا يَدُلُّ عَلَى عَدَدٍ وَلا صِفَةٍ، وَلا وَقْتٍ، وَإِنَّمَا يُشِيرُ إِلَى نَفْسِ الصِّيَامِ كَيْفَ وَقَدْ عَقَّبَهُ اللَّهُ بِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿أَيَّاماً مَعْدُودَاتٍ﴾ فَتِلْكَ يَقَعُ عَلَى يَسِيرِ الأَيَّامِ وَكَثِيرِهَا. فَلَمَّا قَالَ تَعَالَى: فِي نَسَقِ التِّلاوَةِ شَهْرُ رَمَضَانَ، بَيَّنَ عَدَدِ الأَيَّامِ الْمَعْدُودَاتِ وَوَقْتَهَا، وَأَمَرَ بِصَوْمِهَا فَكَانَ التَّشْبِيهُ الْوَاقِعُ فِي نَفْسِ الصَّوْمِ. وَالْمَعْنَى كُتِبَ عَلَيْكُمْ أَنْ تَصُومُوا كَمَا كُتِبَ عَلَيْهِمْ، وَأَمَّا صِفَةُ الصَّوْمِ وَعَدَدُهُ فَمَعْلُومٌ مِنْ وُجُوهٍ أُخَرَ لا مِنْ نَفْسِ الْآيَةِ. وَهَذَا الْمَعْنَى مَرْوِيٌّ عَنِ ابْنِ أَبِي لَيْلَى١ وَقَدْ أشار إليه السُّدِّيُّ وَالزَّجَّاجُ، وَالْقَاضِي أَبُو يَعْلَى٢، وَمَا رَأَيْتُ مُفَسِّرًا يَمِيلُ إِلَى التحقيق إلا

стр. 209

وقد أومأ إِلَيْهِ، وَهُوَ الصَّحِيحُ. وَمَا ذَكَرَهُ الْمُفَسِّرُونَ فَإِنَّهُ شَرْحُ حَالِ صَوْمِ المتقدمين، وكيف كتب عليهم لا أنه تَفْسِيرٌ لِلْآيَةِ وَعَلَى هَذَا الْبَيَانِ لا تَكُونُ الْآيَةُ مَنْسُوخَةً أَصْلا ١. ذِكْرُ الْآيَةِ الْخَامِسَةَ عَشْرَةَ: قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ﴾ ٢. اخْتَلَفَ الْمُفَسِّرُونَ فِي مَعْنَى الْآيَةِ على قولين: أحدهما: أنه يقتضي التخيير بين الصوم وبين الإفطار مَعَ الْإِطْعَامِ، لِأَنَّ مَعْنَى الْكَلامِ: وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ وَلا يَصُومُونَهُ فِدْيَةٌ، فَعَلَى هَذَا يَكُونُ الْكَلامُ مَنْسُوخًا بِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾ ٣.

стр. 210

أَخْبَرَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ أَحْمَدَ، قَالَ: أَبْنَا أَبُو الْفَضْلِ الْبَقَّالُ، قَالَ: أبنا بن بشران، قال: بنا الكاذي، قال: بنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَحْمَدَ، قَالَ: حَدَّثَنِي أَبِي أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ، قال: بنا عبد الرازق قال: بنا مَعْمَرٌ عَنْ أَيُّوبَ عَنِ ابْنِ سِيرِينَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ ﴿وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ﴾ قالت: نَسَخَتْهَا ﴿فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾ ١. قَالَ أَحْمَدُ: وَحَدَّثَنَا حَجَّاجٌ عَنِ ابْنُ جُرَيْجٍ عَنْ عَطَاءٍ الْخُرَاسَانِيِّ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ ﴿وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ﴾ وَكَانَتِ الْإِطَاقَةُ أَنَّ الرَّجُلَ وَالْمَرْأَةَ يُصْبِحُ صَائِمًا، ثُمَّ إِنْ شَاءَ أَفْطَرَ وَأَطْعَمَ لِذَلِكَ مِسْكِينًا فَنَسَخَتْهَا ﴿فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾ ٢. قَالَ أَحْمَدُ: وَحَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بن إدريس، قال: بنا الأَعْمَشُ، عَنِ إِبْرَاهِيمَ عَنْ عَلْقَمَةَ٣ ﴿وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ﴾ قَالَ: نَسَخَتْهَا ﴿فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾ ٤.

стр. 211

قَالَ أحمد: وحدثنا وكيع، قال: بنا مُحَمَّدُ بْنُ سُلَيْمٍ عَنِ ابْنِ سِيرِينَ عَنْ عُبَيْدَةَ١ ﴿وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ﴾ قَالَ: نَسَخَتْهَا الَّتِي بَعْدَهَا وَالَّتِي تَلِيهَا٢. أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ حَبِيبٍ، قَالَ: أَبْنَا عَلِيُّ بْنُ الْفَضْلِ، قَالَ: أَبْنَا ابْنُ عَبْدِ الصمد، قال. بنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَحْمَدَ، قَالَ: بنا إبراهيم بن خريم، قال: بنا عبد الحميد، قالت أَبْنَا عُبَيْدُ اللَّهِ مُوسَى عَنْ إِسْرَائِيلَ عَنْ مَنْصُورٍ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ عَنْ عَلْقَمَةَ قَالَ: كَانُوا إِذَا أراد الرَّجُلَ أَنْ يُفْطِرَ يَوْمًا مِنْ رَمَضَانَ مِنْ غَيْرِ مَرَضٍ أَفْطَرَ وَأَطْعَمَ نِصْفَ صَاعٍ حَتَّى نَسَخَتْهَا ﴿فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ وَمَنْ كَانَ مَرِيضاً أَوْ عَلَى سَفَرٍ﴾ فَلَمْ يَكُنْ إِلا لَهُمَا٣. قَالَ عَبْدُ الْحَمِيدِ: وَحَدَّثَنَا مُسْلِمُ بْنُ إبراهيم، قال: بنا وُهَيْبُ بْنُ خَالِدٍ، عَنِ ابْنِ شُبْرُمَةَ عَنِ الشَّعْبِيِّ، قَالَ لَمَّا نَزَلَتْ ﴿وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ﴾. أَفْطَرَ الأَغْنِيَاءُ وَأَطْعَمُوا وَحَصَلَ الصَّوْمُ عَلَى الْفُقَرَاءِ فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾ فصام الناس جميعاً ٤.

стр. 212

أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مُحَمَّدٍ الْقَزَّازُ١ قَالَ: أَبْنَا أَحْمَدُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ ثَابِتٍ، قَالَ: أَبْنَا أبوعمرو بْنُ مَهْدِيٍّ، قَالَ: أَبْنَا مُحَمَّدُ بن مخلد، قال: بنا القاسم بن عياد، قال: بنا بشر بن عمر، قال: بنا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ عَنْ سَلَمَةَ ابن عَلْقَمَةَ عَنِ ابْنِ سِيرِينَ أَنَّ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ﴾ قَالَ: هَذِهِ مَنْسُوخَةٌ٢. وَرَوَى عَطِيَّةُ، وَابْنُ أَبِي طَلْحَةَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: كَانَ فِي الصَّوْمِ الأَوَّلِ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ فَمَنْ شَاءَ مِنْ مُسَافِرٍ أَوْ مُقِيمٍ أَنْ يُطْعِمَ مِسْكِينًا وَيُفْطِرَ، كَانَ ذَلِكَ رُخْصَةً لَهُ، ثُمَّ نُسِخَ ذَلِكَ٣. أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ نَاصِرٍ، قَالَ: أَبْنَا عَلِيُّ بْنُ أَيُّوبَ، قَالَ: أَبْنَا أبو علي ابن شاذان، قال: بنا أبو بكر النجاد، قال: بنا أبو داود السجستاني قال: بنا قُتَيْبَةُ. وَأَبْنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ أَحْمَدَ، قَالَ: أَبْنَا أَبُو بَكْرٍ مُحَمَّدُ بْنُ هِبَةِ اللَّهِ الطَّبَرِيُّ، قَالَ: أَبْنَا أَبُو الْحُسَيْنِ بْنُ الْفَضْلِ القطان، قال: بنا أبو محمد بن

стр. 213

درستويه قال: بنا يعقوب بن سفيان، قال بنا أبو صالح، قال: بنا بَكْرُ بْنُ مُضَرٍ عَنْ عَمْرِو بْنِ الْحَارِثِ، عَنْ بُكَيْرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الأَشَجِّ عَنْ يَزِيدَ مَوْلَى أُمِّ سَلَمَةَ عَنْ سَلَمَةَ بْنِ الأَكْوَعِ١ قَالَ: لَمَّا نَزَلَتْ: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ﴾ كَانَ مَنْ أَرَادَ مِنَّا أَنْ يُفْطِرَ وَيَفْتَدِيَ، فَعَلَ حَتَّى نَزَلَتِ الْآيَةُ الَّتِي بَعْدَهَا فَنَسَخَتْهَا٢. وَقَالَ أَنَسٌ ﵁ لَمَّا قَدِمَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ الْمَدِينَةَ أَمَرَهُمْ بِصِيَامِ ثَلاثَةِ أَيَّامٍ وَكَانُوا قَوْمًا لَمْ يَتَعَوَّدُوا الصِّيَامَ وَكَانَ الصَّوْمُ عَلَيْهِمْ شَدِيدًا وَكَانَ مَنْ لَمْ يَصُمْ أَطْعَمَ مِسْكِينًا. وَقَدْ رَوَى هَذَا الْمَعْنَى: أَنَّهُ كَانَ مَنْ شَاءَ صَامَ وَمَنْ شَاءَ أَفْطَرَ وَافْتَدَى لِقَوْلِهِ: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ﴾ إِلَى أَنْ نَزَلَ قَوْلُهُ: ﴿فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾ فَنُسِخَ ذَلِكَ بِهَذِهِ، عَنْ جَمَاعَةٍ منهم معاذبن جبل٣ وابن مسعود، وا بن عمر، وا لحسن، وَعِكْرِمَةُ، وَقَتَادَةُ، وَالضَّحَّاكُ، وَالنَّخَعِيُّ، وَالزُّهْرِيُّ رضي الله عنهم٤.

стр. 214

وَالْقَوْلُ الثَّانِي: أَنَّهُ مُحْكَمٌ غَيْرُ مَنْسُوخٍ وَأَنَّ فِيهِ إِضْمَارًا تَقْدِيرُهُ: وَعَلَى الَّذِينَ كَانُوا يُطِيقُونَهُ أَوْ لا يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ، وَأُشِيرُ بِذَلِكَ إِلَى الشَّيْخِ الْفَانِي الَّذِي يَعْجَزُ عَنِ الصَّوْمِ، وَالْحَامِلِ الَّتِي تَتَأَذَّى بِالصَّوْمِ وَالْمُرْضِعِ. أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْوَهَّابِ قَالَ: أَبْنَا أَبُو الْفَضْلِ بْنُ خَيْرُونَ، وَأَبُو ظَاهِرٍ الْبَاقِلاوِيُّ، قَالا: أَبْنَا ابْنُ شَاذَانَ، قَالَ: أَبْنَا أَحْمَدُ بْنُ كَامِلٍ، قَالَ: أَبْنَا محمّد ابن سَعْدٍ الْعَوْفِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنِي أَبِي قال: بنا عَمِّي الْحُسَيْنُ بْنُ الْحَسَنِ بْنِ عَطِيَّةَ، قَالَ: حَدَّثَنِي أَبِي عَنْ جَدِّي عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ ﴿وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ﴾ وَهُوَ الشَّيْخُ الْكَبِيرُ كَانَ يُطِيقُ صِيَامَ رَمَضَانَ وَهُوَ شَابٌّ فَكَبُرَ وَهُوَ عَلَيْهِ لا يَسْتَطِيعُ صَوْمَهُ فَلْيَتَصَدَّقْ عَلَى مِسْكِينٍ وَاحِدٍ لِكُلِّ يَوْمٍ أَقِطٌ١. وَأَخْبَرَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ أَحْمَدَ، قَالَ: أَبْنَا عُمَرُ بْنُ عُبَيْدِ اللَّهِ الْبَقَّالُ، قَالَ: أَبْنَا ابْنُ بِشْرَانَ قَالَ: أَبْنَا إِسْحَاقُ الكاذي، قال بنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَحْمَدَ قَالَ: حدثني أبي، قال: بنا روح قال: بنا زكريا بن إسحق، قال: بنا عمرو ابن دِينَارٍ عَنْ عَطَاءٍ أَنَّهُ سَمِعَ ابْنَ عَبَّاسٍ يَقْرَأُ: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ﴾ قَالَ: لَيْسَتْ بِمَنْسُوخَةٍ وَهُوَ الشَّيْخُ الكبير والمرأة الكبيرة لايستطيعان أَنْ يَصُومَا فَيُطْعِمَا مَكَانَ كُلِّ يوم مسكيناً٢.

стр. 215

أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرٍ الْعَامِرِيُّ، قَالَ: أَبْنَا عَلِيُّ بْنُ الْفَضْلِ، قَالَ: أَبْنَا بْنُ عَبْدِ الصَّمَدِ، قَالَ: أَبْنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَحْمَدَ، قال: أبنا إبراهيم بن خريم، قَالَ: أَبْنَا عَبْدُ الْحَمِيدِ، قَالَ: أبنا عبد الرازق عَنْ مَعْمَرٍ عَنْ أَيُّوبَ عَنْ عِكْرِمَةَ، قَالَ: كَانَ ابْنُ عَبَّاسٍ يَقُولُ: لَمْ يُنْسَخْ١. قَالَ عَبْدُ الْحَمِيدِ: وَأَخْبَرَنَا النَّضْرُ بْنُ شُمَيْلٍ، قال: بنا حمادبن سلمة عن عمروبن دِينَارٍ عَنْ عَطَاءٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ ﴿وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ﴾ قَالَ: هُمُ الَّذِي يُكَلَّفُونَهُ وَلا يُطِيقُونَهُ هُوَ الشَّيْخُ وَالشَّيْخَةُ٢. قَالَ عَبْدُ الْحَمِيدِ وَأَخْبَرَنَا إِبْرَاهِيمُ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عِكْرِمَةَ ﴿وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ﴾ قَالَ: هُوَ الشَّيْخُ الْكَبِيرُ الَّذِي لا يُطِيقُ الصِّيَامَ يُطْعِمُ عَنْهُ لكل يوم مسكين٣. وَقَدْ رَوَى قَتَادَةُ عَنْ عِكْرِمَةَ قَالَ: نَزَلَتْ فِي الْحَامِلِ وَالْمُرْضِعِ٤ وَقَدْ أَخْبَرَنَا ابْنُ الْحُصَيْنِ، قَالَ: أَبْنَا أَبُو طَالِبِ بْنُ غَيْلانَ، قال: أبنا أبو بكر
следующие страницы →