← Улюм аль-Кур’ан

Улюм аль-Кур’ан · id 2176

نواسخ القرآن = ناسخ القرآن ومنسوخه ت المليباري

ابن الجوزي

Полный текст (660 стр.). Показаны 211–250 · переход к 216.

стр. 211

قَالَ أحمد: وحدثنا وكيع، قال: بنا مُحَمَّدُ بْنُ سُلَيْمٍ عَنِ ابْنِ سِيرِينَ عَنْ عُبَيْدَةَ١ ﴿وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ﴾ قَالَ: نَسَخَتْهَا الَّتِي بَعْدَهَا وَالَّتِي تَلِيهَا٢. أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ حَبِيبٍ، قَالَ: أَبْنَا عَلِيُّ بْنُ الْفَضْلِ، قَالَ: أَبْنَا ابْنُ عَبْدِ الصمد، قال. بنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَحْمَدَ، قَالَ: بنا إبراهيم بن خريم، قال: بنا عبد الحميد، قالت أَبْنَا عُبَيْدُ اللَّهِ مُوسَى عَنْ إِسْرَائِيلَ عَنْ مَنْصُورٍ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ عَنْ عَلْقَمَةَ قَالَ: كَانُوا إِذَا أراد الرَّجُلَ أَنْ يُفْطِرَ يَوْمًا مِنْ رَمَضَانَ مِنْ غَيْرِ مَرَضٍ أَفْطَرَ وَأَطْعَمَ نِصْفَ صَاعٍ حَتَّى نَسَخَتْهَا ﴿فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ وَمَنْ كَانَ مَرِيضاً أَوْ عَلَى سَفَرٍ﴾ فَلَمْ يَكُنْ إِلا لَهُمَا٣. قَالَ عَبْدُ الْحَمِيدِ: وَحَدَّثَنَا مُسْلِمُ بْنُ إبراهيم، قال: بنا وُهَيْبُ بْنُ خَالِدٍ، عَنِ ابْنِ شُبْرُمَةَ عَنِ الشَّعْبِيِّ، قَالَ لَمَّا نَزَلَتْ ﴿وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ﴾. أَفْطَرَ الأَغْنِيَاءُ وَأَطْعَمُوا وَحَصَلَ الصَّوْمُ عَلَى الْفُقَرَاءِ فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾ فصام الناس جميعاً ٤.

стр. 212

أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مُحَمَّدٍ الْقَزَّازُ١ قَالَ: أَبْنَا أَحْمَدُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ ثَابِتٍ، قَالَ: أَبْنَا أبوعمرو بْنُ مَهْدِيٍّ، قَالَ: أَبْنَا مُحَمَّدُ بن مخلد، قال: بنا القاسم بن عياد، قال: بنا بشر بن عمر، قال: بنا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ عَنْ سَلَمَةَ ابن عَلْقَمَةَ عَنِ ابْنِ سِيرِينَ أَنَّ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ﴾ قَالَ: هَذِهِ مَنْسُوخَةٌ٢. وَرَوَى عَطِيَّةُ، وَابْنُ أَبِي طَلْحَةَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: كَانَ فِي الصَّوْمِ الأَوَّلِ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ فَمَنْ شَاءَ مِنْ مُسَافِرٍ أَوْ مُقِيمٍ أَنْ يُطْعِمَ مِسْكِينًا وَيُفْطِرَ، كَانَ ذَلِكَ رُخْصَةً لَهُ، ثُمَّ نُسِخَ ذَلِكَ٣. أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ نَاصِرٍ، قَالَ: أَبْنَا عَلِيُّ بْنُ أَيُّوبَ، قَالَ: أَبْنَا أبو علي ابن شاذان، قال: بنا أبو بكر النجاد، قال: بنا أبو داود السجستاني قال: بنا قُتَيْبَةُ. وَأَبْنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ أَحْمَدَ، قَالَ: أَبْنَا أَبُو بَكْرٍ مُحَمَّدُ بْنُ هِبَةِ اللَّهِ الطَّبَرِيُّ، قَالَ: أَبْنَا أَبُو الْحُسَيْنِ بْنُ الْفَضْلِ القطان، قال: بنا أبو محمد بن

стр. 213

درستويه قال: بنا يعقوب بن سفيان، قال بنا أبو صالح، قال: بنا بَكْرُ بْنُ مُضَرٍ عَنْ عَمْرِو بْنِ الْحَارِثِ، عَنْ بُكَيْرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الأَشَجِّ عَنْ يَزِيدَ مَوْلَى أُمِّ سَلَمَةَ عَنْ سَلَمَةَ بْنِ الأَكْوَعِ١ قَالَ: لَمَّا نَزَلَتْ: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ﴾ كَانَ مَنْ أَرَادَ مِنَّا أَنْ يُفْطِرَ وَيَفْتَدِيَ، فَعَلَ حَتَّى نَزَلَتِ الْآيَةُ الَّتِي بَعْدَهَا فَنَسَخَتْهَا٢. وَقَالَ أَنَسٌ ﵁ لَمَّا قَدِمَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ الْمَدِينَةَ أَمَرَهُمْ بِصِيَامِ ثَلاثَةِ أَيَّامٍ وَكَانُوا قَوْمًا لَمْ يَتَعَوَّدُوا الصِّيَامَ وَكَانَ الصَّوْمُ عَلَيْهِمْ شَدِيدًا وَكَانَ مَنْ لَمْ يَصُمْ أَطْعَمَ مِسْكِينًا. وَقَدْ رَوَى هَذَا الْمَعْنَى: أَنَّهُ كَانَ مَنْ شَاءَ صَامَ وَمَنْ شَاءَ أَفْطَرَ وَافْتَدَى لِقَوْلِهِ: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ﴾ إِلَى أَنْ نَزَلَ قَوْلُهُ: ﴿فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾ فَنُسِخَ ذَلِكَ بِهَذِهِ، عَنْ جَمَاعَةٍ منهم معاذبن جبل٣ وابن مسعود، وا بن عمر، وا لحسن، وَعِكْرِمَةُ، وَقَتَادَةُ، وَالضَّحَّاكُ، وَالنَّخَعِيُّ، وَالزُّهْرِيُّ رضي الله عنهم٤.

стр. 214

وَالْقَوْلُ الثَّانِي: أَنَّهُ مُحْكَمٌ غَيْرُ مَنْسُوخٍ وَأَنَّ فِيهِ إِضْمَارًا تَقْدِيرُهُ: وَعَلَى الَّذِينَ كَانُوا يُطِيقُونَهُ أَوْ لا يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ، وَأُشِيرُ بِذَلِكَ إِلَى الشَّيْخِ الْفَانِي الَّذِي يَعْجَزُ عَنِ الصَّوْمِ، وَالْحَامِلِ الَّتِي تَتَأَذَّى بِالصَّوْمِ وَالْمُرْضِعِ. أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْوَهَّابِ قَالَ: أَبْنَا أَبُو الْفَضْلِ بْنُ خَيْرُونَ، وَأَبُو ظَاهِرٍ الْبَاقِلاوِيُّ، قَالا: أَبْنَا ابْنُ شَاذَانَ، قَالَ: أَبْنَا أَحْمَدُ بْنُ كَامِلٍ، قَالَ: أَبْنَا محمّد ابن سَعْدٍ الْعَوْفِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنِي أَبِي قال: بنا عَمِّي الْحُسَيْنُ بْنُ الْحَسَنِ بْنِ عَطِيَّةَ، قَالَ: حَدَّثَنِي أَبِي عَنْ جَدِّي عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ ﴿وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ﴾ وَهُوَ الشَّيْخُ الْكَبِيرُ كَانَ يُطِيقُ صِيَامَ رَمَضَانَ وَهُوَ شَابٌّ فَكَبُرَ وَهُوَ عَلَيْهِ لا يَسْتَطِيعُ صَوْمَهُ فَلْيَتَصَدَّقْ عَلَى مِسْكِينٍ وَاحِدٍ لِكُلِّ يَوْمٍ أَقِطٌ١. وَأَخْبَرَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ أَحْمَدَ، قَالَ: أَبْنَا عُمَرُ بْنُ عُبَيْدِ اللَّهِ الْبَقَّالُ، قَالَ: أَبْنَا ابْنُ بِشْرَانَ قَالَ: أَبْنَا إِسْحَاقُ الكاذي، قال بنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَحْمَدَ قَالَ: حدثني أبي، قال: بنا روح قال: بنا زكريا بن إسحق، قال: بنا عمرو ابن دِينَارٍ عَنْ عَطَاءٍ أَنَّهُ سَمِعَ ابْنَ عَبَّاسٍ يَقْرَأُ: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ﴾ قَالَ: لَيْسَتْ بِمَنْسُوخَةٍ وَهُوَ الشَّيْخُ الكبير والمرأة الكبيرة لايستطيعان أَنْ يَصُومَا فَيُطْعِمَا مَكَانَ كُلِّ يوم مسكيناً٢.

стр. 215

أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرٍ الْعَامِرِيُّ، قَالَ: أَبْنَا عَلِيُّ بْنُ الْفَضْلِ، قَالَ: أَبْنَا بْنُ عَبْدِ الصَّمَدِ، قَالَ: أَبْنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَحْمَدَ، قال: أبنا إبراهيم بن خريم، قَالَ: أَبْنَا عَبْدُ الْحَمِيدِ، قَالَ: أبنا عبد الرازق عَنْ مَعْمَرٍ عَنْ أَيُّوبَ عَنْ عِكْرِمَةَ، قَالَ: كَانَ ابْنُ عَبَّاسٍ يَقُولُ: لَمْ يُنْسَخْ١. قَالَ عَبْدُ الْحَمِيدِ: وَأَخْبَرَنَا النَّضْرُ بْنُ شُمَيْلٍ، قال: بنا حمادبن سلمة عن عمروبن دِينَارٍ عَنْ عَطَاءٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ ﴿وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ﴾ قَالَ: هُمُ الَّذِي يُكَلَّفُونَهُ وَلا يُطِيقُونَهُ هُوَ الشَّيْخُ وَالشَّيْخَةُ٢. قَالَ عَبْدُ الْحَمِيدِ وَأَخْبَرَنَا إِبْرَاهِيمُ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عِكْرِمَةَ ﴿وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ﴾ قَالَ: هُوَ الشَّيْخُ الْكَبِيرُ الَّذِي لا يُطِيقُ الصِّيَامَ يُطْعِمُ عَنْهُ لكل يوم مسكين٣. وَقَدْ رَوَى قَتَادَةُ عَنْ عِكْرِمَةَ قَالَ: نَزَلَتْ فِي الْحَامِلِ وَالْمُرْضِعِ٤ وَقَدْ أَخْبَرَنَا ابْنُ الْحُصَيْنِ، قَالَ: أَبْنَا أَبُو طَالِبِ بْنُ غَيْلانَ، قال: أبنا أبو بكر

стр. 216

الشافعي، قال: أبنا إسحق بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ الْحَسَنِ، قَالَ: بنا مُوسَى بْنُ مَسْعُودٍ النَّهْدِيُّ، قَالَ: بنا سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ، عَنْ مَنْصُورٍ عَنْ مُجَاهِدٍ، قَالَ: كَانَ ابْنُ عَبَّاسٍ ﵄ يَقْرَؤُهَا (وَعَلَى الذين] يطوقونه [فدية) ١. قَالَ: الشَّيْخُ الْكَبِيرُ الَّذِي لا يُطِيقُ الصِّيَامَ يُطْعِمُ عَنْهُ٢ وَبِالْإِسْنَادِ حَدَّثَنَا سُفْيَانُ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ حَرْمَلَةَ عَنْ سَعِيدِ بْنِ المسيب (وعلى الذين] يطوقونه [٣ فدية) قَالَ: الشَّيْخُ الْكَبِيرُ الَّذِي يَصُومُ فَيَعْجَزُ وَالْحَامِلُ إِنِ اشْتَدَّ عَلَيْهَا الصَّوْمُ يُطْعِمَانِ لِكُلِّ يَوْمٍ مِسْكِينًا٤ قُلْتُ: هَذِهِ الْقِرَاءَةُ لا يُلْتَفَتُ إليها لوجوه: أحدها: أَنَّهَا شَاذَّةٌ خَارِجَةٌ عَمَّا اجْتَمَعَ عَلَيْهِ الْمَشَاهِيرُ فَلا يُعَارَضُ مَا تثبت الحجة بنقله. والثائي: أَنَّهَا تُخَالِفُ ظَاهِرَ الْآيَةِ، لِأَنَّ الآية تقتضي إثبات الْإِطَاقَةَ لِقَوْلِهِ: ﴿وَأَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ﴾ ٥ وهذا القراءة تقتضي نفيها.

стр. 217

وَالثَّالِثُ: إِنَّ الَّذِينَ يُطِيقُونَ الصَّوْمَ وَيَعْجَزُونَ عَنْهُ يَنْقَسِمُونَ إِلَى قِسْمَيْنِ: أحدهما: مَنْ يَعْجَزُ لِمَرَضٍ أَوْ لِسَفَرٍ، أَوْ لِشِدَّةِ جُوعٍ أَوْ عَطَشٍ فَهَذَا يَجُوزُ لَهُ الْفِطْرُ وَيَلْزَمُهُ القضاء من غيركفارة. وَالثَّانِي: مَنْ يَعْجَزُ لِكِبَرِ السِّنِّ (فهذا يَلْزَمُهُ الْكَفَّارَةُ مِنْ غَيْرِ قَضَاءٍ، وَقَدْ يَجُوزُ الْإِفْطَارُ لِلْعُذْرِ لا للعجز ثم يلزمه القضاء والكفارة) ١، كَمَا نَقُولُ فِي الْحَامِلِ وَالْمُرْضِعِ إِذَا خَافَتَا عَلَى الْوَلَدِ، وَهَذَا كُلُّهُ لَيْسَ بِمُسْتَفَادٍ مِنَ الْآيَةِ إِنَّمَا الْمُعْتَمَدُ فِيهِ عَلَى السُّنَّةِ وَأَقْوَالِ الصَّحَابَةِ. فَعَلَى هَذَا الْبَيَانِ يكون النسخ أولى بالآية من الإحكام، يَدُلُّ عَلَى مَا قُلْنَا قَوْلُهُ تَعَالَى: فِي تَمَامِ الْآيَةِ ﴿وَأَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ﴾. وَغَيْرُ جَائِزٍ أَنْ يَعُودَ هَذَا الْكَلامُ إِلَى الْمَرْضَى وَالْمُسَافِرِينَ وَلا إِلَى الشَّيْخِ الْكَبِيرِ وَلا إِلَى الْحَامِلِ وَالْمُرْضِعِ إِذَا خَافَتَا عَلَى الْوَلَدِ، لِأَنَّ الْفِطْرَ فِي حَقِّ هَؤُلاءِ أَفْضَلُ مِنَ الصَّوْمِ مِنْ جِهَةِ أَنَّهُمْ قَدْ نُهُوا أَنْ يُعَرِّضُوا أَنْفُسَهُمْ لِلتَّلَفِ، وَإِنَّمَا عَادَ الْكَلامُ إِلَى الأَصِحَّاءِ الْمُقِيمِينَ خُيِّرُوا بَيْنَ الصَّوْمِ وَالْإِطْعَامِ فَانْكَشَفَ بِمَا أوضحنا أن الآية منسوخة.

стр. 218

قَالَ أَبُو عُبَيْدٍ الْقَاسِمُ بْنُ سَلامٍ١ لا تَكُونُ الْآيَةُ عَلَى القراءة الثانية، وهي: ﴿يُطِيقُونَهُ﴾ إِلا مَنْسُوخَةً٢. ذِكْرُ الْآيَةِ السَّادِسَةَ عَشْرَةَ: قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ وَلا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ﴾ ٣. اخْتَلَفَ الْمُفَسِّرُونَ فِي هَذِهِ الْآيَةِ هَلْ هِيَ مَنْسُوخَةٌ أَوْ مُحْكَمَةٌ على قولين:

стр. 219

أحدهما: أَنَّهَا مَنْسُوخَةٌ ثُمَّ اخْتَلَفَ أَرْبَابُ هَذَا الْقَوْلِ فِي الْمَنْسُوخِ مِنْهَا على قولين: أحدهما: أَنَّهُ أَوَّلُهَا، وَهُوَ قَوْلُهُ: ﴿وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ﴾، قَالُوا: وَهَذَا يَقْتَضِي أَنَّ الْقِتَالَ إِنَّمَا يُبَاحُ فِي حَقِّ مَنْ قَاتَلَ مِنَ الْكُفَّارِ فَأَمَّا مَنْ لَمْ يُقَاتِلْ فَإِنَّهُ لا يُقَاتَلُ وَلا يُقْتَلُ١. ثُمَّ اخْتَلَفَ هَؤُلاءِ في ناسخ ذلك على أربعة أقوال: أحدهما: أَنَّهُ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَقَاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً كَمَا يُقَاتِلُونَكُمْ كَافَّةً﴾ ٢. والثاني: أَنَّهُ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ﴾ ٣. وَالثَّالِثُ: ﴿قَاتِلُوا الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلا بِالْيَوْمِ الآخِرِ﴾ ٤. وَالرَّابِعُ: ﴿فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ﴾ ٥.

стр. 220

قُلْتُ: وَهَذَا الْقَوْلُ الَّذِي قَالُوا إنما أَخَذُوهُ مِنْ دَلِيلِ الْخِطَابِ (إِنَّمَا هُوَ) ١ حُجَّةُ مَا لَمْ يُعَارِضْهُ دَلِيلٌ أَقْوَى مِنْهُ وَقَدْ عَارَضَهُ مَا هُوَ أَقْوَى مِنْهُ كَآيَةِ السَّيْفِ وَغَيْرِهَا مِمَّا يَقْتَضِي إِطْلاقَ قَتْلِ الْكُفَّارِ، قَاتَلُوا أَوْ لَمْ يُقَاتِلُوا. فَأَمَّا الْآيَةُ الأُولَى الَّتِي زَعَمُوا أَنَّهَا نَاسِخَةٌ فَإِنَّهَا تُشْبِهُ الْمَنْسُوخَةَ وَتُوَافِقُهَا فِي حُكْمِهَا، لِأَنَّهَا إِنَّمَا تَضَمَّنَتْ قِتَالَ مَنْ قَاتَلَ. وَأَمَّا الْآيَةُ الثَّانِيَةُ فَإِنَّهَا إِنَّمَا تَضَمَّنَتْ قِتَالَ الَّذِينَ أُمِرُوا بِقِتَالِهِمْ؛ لأن قوله (واقتلوهم) عَطْفٌ عَلَى الْمَأْمُورِ بِقِتَالِهِمْ. وَأَمَّا الْآيَةُ الثَّالِثَةُ: فَإِنَّهَا تَتَضَمَّنُ قِتَالَ أَهْلِ الْكِتَابِ وَالْآيَةُ الَّتِي ادُّعِيَ نَسْخُهَا مُطْلَقَةٌ فِي كُلِّ مَنْ يُقَاتِلُ. وَأَمَّا الرَّابِعَةُ تَصْلُحُ نَاسِخَةً لَوْ وَجَدَتْ مَا تَنْسَخُهُ وَلَيْسَ ههنا إِلا دَلِيلُ الْخِطَابِ، وَلَيْسَ بِحُجَّةٍ ههنا عَلَى مَا بَيَّنَّا. الْقَوْلُ الثَّانِي: أَنَّ الْمَنْسُوخَ مِنْهَا قَوْلُهُ: ﴿وَلا تَعْتَدُوا﴾ لِلْمُفَسِّرِينَ فِي مَعْنَى هَذَا الِاعْتِدَاءِ خمسة أقوال: أحدها: لا تَعْتَدُوا بِقَتْلِ النِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ، رَوَاهُ ابْنُ أَبِي طَلْحَةَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَابْنِ أَبِي نَجِيحٍ عَنْ مُجَاهِدٍ٢. الثَّانِي: بِقِتَالِ مَنْ لَمْ يُقَاتِلْكُمْ، قَالَهُ أَبُو الْعَالِيَةِ، وَسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، وَابْنُ زَيْدٍ وَهَؤُلاءِ إِنْ عَنُوا مَنْ لَمْ يُقَاتِلْ، لِأَنَّهُ لَمْ يُعِدَّ نَفْسَهُ للقتال كالنساء

стр. 221

وَالْوِلْدَانِ، وَالرُّهْبَانِ فَالْآيَةُ مُحْكَمَةٌ؛ لِأَنَّ هَذَا الْحُكْمُ ثَابِتٌ١. وَإِنْ عَنُوا مَنْ لَمْ يُقَاتِلْ مِنَ الرِّجَالِ المستعدين للقتال توجه النسخ. وَالثَّالِثُ: أَنَّ الِاعْتِدَاءَ إِتْيَانُ مَا نَهَى اللَّهُ عَنْهُ، قَالَهُ الْحَسَنُ٢. وَالرَّابِعُ: أَنَّهُ ابْتِدَاءُ الْمُشْرِكِينَ بِالْقِتَالِ فِي الشَّهْرِ الْحَرَامِ فِي الْحَرَمِ قَالَهُ مُقَاتِلٌ٣. وَالْخَامِسُ: لا تَعْتَدُوا بقتال من وادعكم وَعَاقَدَكُمْ. قَالَهُ ابْنُ قُتَيْبَةَ٤ وَالظَّاهِرُ إحكام الآية كلها ويبعد ادعاء النسخ فيها٥.

стр. 222

ذِكْرُ الْآيَةِ السَّابِعَةَ عَشْرَةَ: قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَلا تُقَاتِلُوهُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ حَتَّى يُقَاتِلُوكُمْ فِيهِ﴾ ١. اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ هَلْ هَذِهِ الْآيَةُ مَنْسُوخَةٌ أَوْ مُحْكَمَةٌ عَلَى قَوْلَيْنِ: أحدهما: أَنَّهَا مَنْسُوخَةٌ وَاخْتَلَفُوا فِي نَاسِخِهَا على ثلاثة أقواله: أحدها: أَنَّهُ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ﴾ ٢ فأمر بقتلهم فِي الْحِلِّ وَالْحَرَمِ قَالَهُ قَتَادَةُ. أَخْبَرَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ أَحْمَدَ، قَالَ: أَبْنَا أَبُو الْفَضْلِ الْبَقَّالُ، قَالَ: أَبْنَا ابْنُ بِشْرَانَ قَالَ: أَبْنَا إسحق الكاذي، قال: بنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَحْمَدَ، قَالَ: حدثني أبي، قال: بنا عَبْدُ الْوَهَّابِ عَنْ هَمَّامٍ عَنْ قَتَادَةَ ﴿وَلا تُقَاتِلُوهُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ حَتَّى يُقَاتِلُوكُمْ فِيهِ﴾، فأمر أن لا يبدؤوا بِقِتَالٍ، ثُمَّ قَالَ: ﴿قُلْ قِتَالٌ فِيهِ كَبِيرٌ﴾ ٣ ثُمَّ نُسِخَتِ الْآيَتَانِ فِي بَرَاءَةٍ فَقَالَ: ﴿فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ﴾ ٤. قَالَ أَحْمَدُ: وَحَدَّثَنَا حُسَيْنٌ عَنْ شَيْبَانَ عَنْ قَتَادَةَ ﴿وَلا تُقَاتِلُوهُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾. قال: كانوا لا يقاتلون فيه حَتَّى يُقَاتِلُوهُمْ ثُمَّ نُسِخَ ذَلِكَ

стр. 223

فَقَالَ: ﴿فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ﴾ فَأَمَرَ اللَّهُ بِقِتَالِهِمْ فِي الْحِلِّ وَالْحَرَمِ وَعَلَى كُلِّ حَالٍ١. وَالثَّانِي: قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ﴾ ٢ قاله الربيع ابن أَنَسٍ٣ وَابْنُ زَيْدٍ٤. وَالثَّالِثُ: قَوْلُهُ تعالى: ﴿وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ﴾ ٥ قَالَهُ مُقَاتِلٌ٦. وَالْقَوْلُ الثَّانِي: أَنَّهَا مُحْكَمَةٌ وَأَنَّهُ لا يَجُوزُ أَنْ يُقَاتِلَ أَحَدٌ فِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ حَتَّى يُقَاتَلَ، وَهَذَا قَوْلُ مُجَاهِدٍ وَالْمُحَقِّقِينَ وَيَدُلُّ عَلَيْهِ مَا رُوِيَ فِي الصَّحِيحَيْنِ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ٧ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أنه قال:

стр. 224

فِي مَكَّةَ (أَنَّهَا لا تَحِلُّ لِأَحَدٍ مِنْ بَعْدِي، وَإِنَّمَا أُحِلَّتْ لِي سَاعَةً مِنْ نَهَارٍ) ١ وَفِي الصَّحِيحَيْنِ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: "إِنَّ هَذَا الْبَلَدَ حَرَّمَهُ اللَّهُ يَوْمَ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ أَنَّهُ لَمْ يُحِلَّ الْقِتَالَ فِيهِ لِأَحَدٍ قَبْلِي وَلا يَحِلُّ إِلا سَاعَةً مِنْ نَهَارٍ" ٢. وَقَدِ ادَّعَى بَعْضُ مَنْ لا عِلْمَ لَهُ أَنَّ هَذِهِ الْآيَةُ نُسِخَتْ بِحَدِيثِ أَنَسٍ ﵁ (أَنَّ النَّبِيّ ﷺ دَخَلَ مَكَّةَ وَعَلَى رَأْسِهِ الْمِغْفَرُ فَأَمَرَ بِقَتْلِ ابْنِ خطل وهومتعلق بِأَسْتَارِ الْكَعْبَةِ) ٣. وَهَذَا بَاطِلٌ مِنْ وجهين:

стр. 225

أحدهما: أَنَّ الْقُرْآنَ لا يَنْسَخُ إِلا الْقُرْآنَ، وَلَوْ أَجَزْنَا نَسْخَهُ بِالسَّنَّةِ لاحْتَجْنَا إِلَى أَنْ نَعْتَبِرَ فِي نَقْلِ ذَلِكَ النَّاسِخِ مَا اعْتَبَرْنَا فِي نَقْلِ الْمَنْسُوخِ، وَطَرِيقُ الرِّوَايَةِ لا يَثْبُتُ ثُبُوتَ الْقُرْآنِ. وَالثَّانِي: أَنَّ النَّبِيّ ﷺ قَدْ بَيَّنَ أَنَّهُ إِنَّمَا خَصَّ بِالْإِبَاحَةِ فِي سَاعَةٍ مِنْ نَهَارٍ، وَالتَّخْصِيصُ لَيْسَ بِنَسْخٍ، لِأَنَّ النَّسْخَ مَا رَفَعَ الْحُكْمَ عَلَى الدَّوَامِ كَمَا كَانَ ثُبُوتُ حُكْمِ الْمَنْسُوخِ عَلَى الدَّوَامِ. فَالْحَدِيثُ دَالٌّ عَلَى التَّخْصِيصِ لا عَلَى النَّسْخِ، ثُمَّ إِنَّمَا يَكُونُ النَّسْخُ مَعَ تَضَادِّ اجْتِمَاعِ النَّاسِخِ وَالْمَنْسُوخِ، وَقَدْ أَمْكَنَ الْجَمْعُ بَيْنَ مَا ادَّعُوهُ نَاسِخًا وَمَنْسُوخًا وَصَحَّ الْعَمَلُ بِهِمَا فَيَكُونُ قَوْلُهُ: ﴿فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ﴾ وَقَوْلُهُ: ﴿وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ﴾ فِي غَيْرِ الْحَرَمِ بِدَلِيلِ قَوْلِهِ: ﴿وَلا تُقَاتِلُوهُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ حَتَّى يُقَاتِلُوكُمْ فِيهِ﴾ وَكَذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ﴾ أَيْ: فِي غَيْرِ الْحَرَمِ بِدَلِيَلِ قوله عقب ذَلِكَ ﴿وَأَخْرِجُوهُمْ مِنْ حَيْثُ أَخْرَجُوكُمْ﴾.ولوجاز قَتْلُهُمْ فِي الْحَرَمِ لَمْ يَحْتَجْ إِلَى ذِكْرِ الْإِخْرَاجِ، فَقَدْ بَانَ مِمَّا أَوْضَحْنَا إِحْكَامُ الْآيَةِ وَانْتَفَى النسخ عنها١.

стр. 226

ذِكْرُ الْآيَةِ الثَّامِنَةَ عَشْرَةَ: قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿فَإِنِ انْتَهَوْا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ ١. اخْتَلَفَ الْمُفَسِّرُونَ فِي الْمُرَادِ بِهَذَا الانتهاء على قولين: أحدهما: أَنَّهُ الِانْتِهَاءُ عَنِ الْكُفْرِ٢. وَالثَّانِي: عَنْ قِتَالِ الْمُسْلِمِينَ٣ لا عَنِ الْكُفْرِ فَعَلَى الْقَوْلِ الأَوَّلِ الْآيَةُ مُحْكَمَةٌ وَالثَّانِي يَخْتَلِفُ فِي الْمَعْنَى فَمِنَ الْمُفَسِّرِينَ مَنْ يَقُولُ: ﴿فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ إِذْ لَمْ يَأْمُرْكُمْ بِقِتَالِهِمْ فِي الْحَرَمِ بَلْ يَخْرُجُونَ مِنْهُ عَلَى مَا ذَكَرْنَا فِي الْآيَةِ الَّتِي قَبْلَهَا فَلا يَكُونُ نَسْخٌ أَيْضًا. وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ: الْمَعْنَى اعْفُوا عَنْهُمْ وَارْحَمُوهُمْ، فَيَكُونُ لَفْظُ الْآيَةِ لَفْظُ خَبَرٍ وَمَعْنَاهُ: الأَمْرُ بِالرَّحْمَةِ لَهُمْ وَالْعَفْوُ عَنْهُمْ، وَهَذَا مَنْسُوخٌ بآية السيف٤.

стр. 227

ذِكْرُ الْآيَةِ التَّاسِعَةَ عَشْرَةَ: قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿الشَّهْرُ الْحَرَامُ بِالشَّهْرِ الْحَرَامِ وَالْحُرُمَاتُ قِصَاصٌ﴾ ١. اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ هَلْ فِي هَذِهِ الْآيَةِ مَنْسُوخٌ أَمْ لا عَلَى قولين: أحدهما: أَنَّ فِيهَا مَنْسُوخًا. وَاخْتَلَفَ أَرْبَابُ هَذَا الْقَوْلِ فِيهِ عَلَى قَوْلَيْنِ: أحدهما: أَنَّهُ قَوْلُهُ: ﴿الشَّهْرُ الْحَرَامُ بِالشَّهْرِ الْحَرَامِ﴾ قَالُوا: وَذَلِكَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ اعْتَمَرَ فِي ذِي الْقِعْدَةِ فَصَدَّهُ الْمُشْرِكُونَ عَنْ أَدَاءِ عُمْرَتِهِ فَقَضَاهَا فِي السَّنَّةِ الثَّانِيَةِ فِي ذِي الْقِعْدَةِ فَاقْتَضَى هَذَا، أَنَّ مَنْ فَاتَهُ أَدَاءُ مَا وَجَبَ عَلَيْهِ بِالْإِحْرَامِ الَّذِي عَقَدَهُ فِي الأَشْهُرِ الْحُرُمِ أَنْ يَجِبَ عَلَيْهِ قَضَاؤُهُ فِي مِثْلِ ذَلِكَ الشَّهْرِ الْحَرَامِ، ثُمَّ نُسِخَ ذَلِكَ وَجُعِلَ لَهُ قَضَاؤُهُ أَيَّ وَقْتٍ شَاءَ، أَمَّا فِي مِثْلِ ذَلِكَ الشَّهْرِ أَوْ غَيْرِهِ. قَالَ شَيْخُنَا عَلِيُّ بْنُ عُبَيْدِ اللَّهِ: وَمِمَّنْ حُكِيَ ذَلِكَ عَنْهُ عَطَاءٌ. قُلْتُ: وَهَذَا الْقَوْلُ لا يُعْرَفُ عَنْ عَطَاءٍ وَلا يَشْتَرِطُ أَحَدٌ مِنَ الْفُقَهَاءِ الْمَشْهُورِينَ عَلَى مَنْ مُنِعَ مِنْ عُمْرَتِهِ أَوْ أَفْسَدَهَا أَنْ يَقْضِيَهَا فِي مِثْلِ ذَلِكَ الشَّهْرِ. وَالثَّانِي: أَنَّهُ قَوْلُهُ: ﴿فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ﴾ ٢.

стр. 228

ثُمَّ اخْتَلَفَ أَرْبَابُ هَذَا الْقَوْلِ فِي مَعْنَى الْكَلامِ وَوَجْهُ نَسْخِهِ عَلَى ثَلاثَةِ أَقْوَالٍ: أَحَدُهَا: أَنَّ هَذَا نَزَلَ بِمَكَّةَ، وَالْمُسْلِمُونَ قَلِيلٌ لَيْسَ لَهُمْ سُلْطَانٌ يَقْهَرُونَ بِهِ الْمُشْرِكِينَ، وَكَانَ الْمُشْرِكُونَ يَتَعَاطُونَهُمْ بِالشَّتْمِ وَالأَذَى فَأَمَرَ اللَّهُ تَعَالَى الْمُسْلِمِينَ أَنْ يَأْتُوا إِلَيْهِمْ مِثْلَ مَا أَتَوْا إِلَيْهِمْ أَوْ يَعْفُوا وَيَصْبِرُوا فَلَمَّا هَاجَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِلَى الْمَدِينَةِ وَأَعَزَّ اللَّهُ سُلْطَانَهُ نَسَخَ مَا كَانَ تَقَدَّمَ مِنْ ذَلِكَ، رَوَاهُ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا١. وَالثَّانِي: أَنَّهُ كَانَ فِي أَوَّلِ الأَمْرِ إِذَا اعْتُدِيَ عَلَى الْإِنْسَانِ فَلَهُ أَنْ يَقْتَصَّ لِنَفْسِهِ بِنَفْسِهِ مِنْ غَيْرِ مُرَافَعَةٍ إِلَى سُلْطَانِ الْمُسْلِمِينَ ثُمَّ نُسِخَ ذَلِكَ بِوُجُوبِ الرُّجُوعِ إِلَى السُّلْطَانِ فِي إِقَامَةِ الْحُدُودِ وَالْقِصَاصِ. قَالَ شَيْخُنَا٢ وَمِمَّنْ حُكِيَ ذَلِكَ عَنْهُ ابْنُ عَبَّاسٍ ﵄. قُلْتُ: وَهَذَا لا يَثْبُتُ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ٣ وَلا يُعْرَفُ لَهُ صِحَّةٌ، فَإِنَّ النَّاسَ مَا زَالُوا يَرْجَعُونَ إِلَى رُؤَسَائِهِمْ وَسَلاطِينِهِمْ فِي الْجَاهِلِيَّةِ وَالْإِسْلامِ إلا

стр. 229

أَنَّهُ لَوْ أَنَّ إِنْسَانًا اسْتَوْفَى حَقَّ نَفْسِهِ مِنْ خَصِيمِهِ مِنْ غَيْرِ سُلْطَانٍ أَجْزَأَ ذَلِكَ١، وَهَلْ يجوز له ذلك؟ فيه رِوَايَتَانِ عَنْ أَحْمَدَ. وَالثَّالِثُ: أَنَّ مَعْنَى الْآيَةِ فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فِي الشَّهْرِ الْحَرَامِ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ فِيهِ ثُمَّ نُسِخَ ذَلِكَ، وَهَذَا مَذْكُورٌ عَنْ مُجَاهِدٍ، وَلا يَثْبُتُ٢ ولو ثَبَتَ كَانَ مَرْدُودًا، بِأَنَّ دَفْعَ الِاعْتِدَاءِ جَائِزٌ فِي جَمِيعِ الأَزْمِنَةِ عِنْدَ جَمِيعِ الْعُلَمَاءِ، وَهَذَا حُكْمٌ غَيْرُ مَنْسُوخٍ، وَالصَّحِيحُ فِي هَذِهِ الآية أنها محكمة غير

стр. 230

مَنْسُوخَةٍ١. فَأَمَّا أَوَّلُهَا فَإِنَّ الْمُشْرِكِينَ لَمَّا مَنَعُوا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ مِنْ دُخُولِ مكة في شهر حرام اقتصر لِنَبِيِّهِ ﵇ بِإِدْخَالِهِ مَكَّةَ فِي شَهْرٍ حَرَامٍ. أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْوَهَّابِ بْنُ الْمُبَارَكِ، قَالَ: أَبْنَا أحمد بن الحسن بْنُ خَيْرُونَ وَأَبُو ظَاهِرٍ الْبَاقِلاوِيُّ، قَالَ: أَبْنَا أَبُو عَلِيِّ بْنُ شَاذَانَ، قَالَ: أَبْنَا أَحْمَدُ بْنُ كَامِلٍ الْقَاضِي، قَالَ: أَبْنَا مُحَمَّدُ بْنُ سَعْدٍ الْعَوْفِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنِي أَبِي قَالَ. حَدَّثَنِي عَمِّي الْحُسَيْنُ بْنُ حَسَنِ بْنِ عَطِيَّةَ، قَالَ: حَدَّثَنِي أَبِي عَنْ جَدِّي عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: كَانَ الْمُشْرِكُونَ حَبَسُوا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فِي ذِي الْقِعْدَةِ عَنِ الْبَيْتِ فَفَخَرُوا عَلَيْهِ بِذَلِكَ فَرَجَعَّهُ اللَّهُ فِي ذِي الْقِعْدَةِ فَأَدْخَلَهُ الْبَيْتَ الْحَرَامَ فَاقْتَصَّ لَهُ مِنْهُمْ٢. فَأَمَّا قوله: ﴿فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ﴾ فَقَالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: كَانَ الْمُشْرِكُونَ قَدْ عَاهَدُوهُ يَوْمَ الْحُدَيْبِيَةِ أَنْ يُخْلُوا لَهُ مَكَّةَ وَلأَصْحَابِهِ الْعَامَ الْمُقْبِلَ ثَلاثَةَ أَيَّامٍ، فَلَمَّا جاء العام الذي كَانَ الشَّرْطُ بَيْنَهُمَا قَفَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَأَصْحَابُهُ مُحْرِمِينَ بِعُمْرَةٍ فَخَافُوا، أَنْ لا (يُوَفِّ) ٣ لَهُمُ الْمُشْرِكُونَ بِمَا

стр. 231

شَرَطُوا وَأَنْ يَقْتُلُوهُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ، وَكَرِهَ الْمُسْلِمُونَ الْقِتَالَ فِي شَهْرٍ حَرَامٍ وَبَلَدٍ حَرَامٍ فَنَزَلَتْ ﴿فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ﴾ أَيْ: مَنْ قَاتَلَكُمْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ فِي الْحَرَمِ فَقَاتِلُوهُ١. فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ: فَكَيْفَ يُسَمَّى الْجَزَاءُ اعْتِدَاءً؟ فَالْجَوَابُ: إِنَّ صُورَةَ الْفِعْلَيْنِ وَاحِدَةٌ وإن اختلف حكماهما. قَالَ الزَّجَّاجُ: وَالْعَرَبُ تَقُولُ: ظَلَمَنِي فلا] ن٢ فَظَلَمْتُهُ: أَيْ: جَازَيْتُهُ بِظُلْمِهِ، وَجَهِلَ عَلَيَّ فَجَهِلْتُ عَلَيْهِ، أَيْ جَازَيْتُهُ بجهله. قلت: فقد بان بماذكرنا أَنَّ الْآيَةَ مُحْكَمَةٌ وَلا وَجْهَ لِدُخُولِهَا فِي الْمَنْسُوخِ أَصْلا ٣. ذِكْرُ الْآيَةِ الْعِشْرِينَ: قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾ ٤. اخْتَلَفَ الْمُفَسِّرُونَ فِي الْمُرَادِ بِإِتْمَامِهَا على خمسة أقوال:

стр. 232

(أحدها):١ أَنْ يَحْرُمَ بِهِمَا مِنْ دُوَيْرَةِ٢ أهله، قاله علي وسعيد ابن جبير وطاوس٣. وَالثَّانِي: الْإِتْيَانُ بِمَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ فِيهِمَا. قَالَهُ مُجَاهِدٌ٤. وَالثَّالِثُ: إِفْرَادُ كُلِّ وَاحِدٍ عَنِ الْآخَرِ. قَالَهُ الْحَسَنُ وَعَطَاءٌ٥. وَالرَّابِعُ: أَنْ لا يَفْسَخَهُمَا بَعْدَ الشُّرُوعِ فِيهِمَا، رَوَاهُ عَطَاءٌ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ٦. وَالْخَامِسُ: أَنْ يَخْرُجَ قَاصِدًا لَهُمَا لا يَقْصِدُ شَيْئًا آخَرَ مِنْ تجارة أوغيرها٧ وَهَذَا الْقَوْلُ فِيهِ بُعْدٌ. وَقَدِ ادَّعَى بَعْضُ الْعُلَمَاءِ عَلَى قَائِلِهِ أنه

стр. 233

يَزْعُمُ أَنَّ الْآيَةَ نُسِخَتْ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلاً مِنْ رَبِّكُمْ﴾ ١. وَالصَّحِيحُ فِي تَفْسِيرِ الْآيَةِ مَا قَالَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ، وَهُوَ مَحْمُولٌ عَلَى النَّهْيِ عَنْ فَسْخِهِمَا لِغَيْرِ عذر أو قصد صحيح، وليست هَذِهِ الْآيَةُ بِدَاخِلَةٍ فِي الْمَنْسُوخِ أَصْلا٢. ذِكْرُ الْآيَةِ الْحَادِيَةَ وَالْعِشْرِينَ: قوله تعالى: ﴿وَلا تَحْلِقُوا رُؤُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ﴾ ٣ ذَكَرَ بَعْضُ الْمُفَسِّرِينَ أَنَّ هَذَا الْكَلامَ اقْتَضَى تَحْرِيمَ حَلْقِ الشَّعْرِ، سَوَاءٌ وُجِدَ بِهِ أَذًى أَوْ لَمْ يُوجَدْ وَلَمْ يَزَلِ الأَمْرُ عَلَى ذَلِكَ حَتَّى رَأَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ (كعب ابن عُجْرَةَ) ٤.وَالْقَمْلُ يَتَنَاثَرُ عَلَى وَجْهِهِ، فقال: (أتجد) ٥ شاة فقال.

стр. 234

لا. فَنَزَلَتْ: ﴿فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضاً أَوْ بِهِ أَذىً مِنْ رَأْسِهِ فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ﴾ ١ وَالْمَعْنَى: فَحَلَقٌ فَفِدْيَةٌ. فَاقْتَضَى هَذَا الْكَلامُ إِبَاحَةَ حَلْقِ الشَّعْرِ عِنْدَ الأَذَى مَعَ الْفِدْيَةِ وَصَارَ نَاسِخًا لِتَحْرِيمِهِ الْمُتَقَدِّمِ. قُلْتُ: وَفِي هَذَا بعد من وجهين: أحدهما: أَنَّهُ يَحْتَاجُ أَنْ يُثْبِتَ أَنَّ نُزُولَ قَوْلِهِ: ﴿فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضاً﴾ تَأَخَّرَ عَنْ نُزُولِ أَوَّلِ الْآيَةِ وَلا يَثْبُتُ هَذَا. وَالظَّاهِرُ نُزُولُ الْآيَةِ فِي مَرَّةٍ، بِدَلِيلِ قَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ "أَتَجِدُ شَاةً" ٢ وَالشَّاةُ هِيَ النُّسُكُ الْمَذْكُورُ فِي قَوْلِهِ: ﴿أَوْ نُسُكٍ﴾. وَالثَّانِي: إِنَّا لَوْ قَدَّرْنَا نُزُولَهُ مُتَأَخِّرًا فَلا يَكُونُ نَسْخًا، [لِأَنَّهُ قَدْ بَانَ بِذِكْرِ الْعُذْرِ أَنَّ الْكَلامَ] ٣ الأَوَّلَ لِمَنْ لا عُذْرَ لَهُ، فَصَارَ التَّقْدِيرُ: وَلا تَحْلِقُوا رؤسكم إلا أن يكون منكم مريض أَوْ مَنْ يُؤْذِيهِ هَوَامُّهُ فَلا ناسخ ولا منسوخ٤.

стр. 235

ذِكْرُ الْآيَةِ الثَّانِيَةِ وَالْعِشْرِينَ: قَوْلُهُ تعالى: ﴿يَسْأَلونَكَ مَاذَا يُنْفِقُونَ﴾ ١. اخْتَلَفُوا: هَلْ هَذِهِ مَنْسُوخَةٌ أَمْ مُحْكَمَةٌ؟ رَوَى السُّدِّيُّ عَنْ أَشْيَاخِهِ أَنَّهُ يَوْمَ نَزَلَتْ هَذِهِ لَمْ تَكُنْ زَكَاةً، وَإِنَّمَا هِيَ نَفَقَةُ الرَّجُلِ عَلَى أَهْلِهِ، وَالصَّدَقَةُ يَتَصَدَّقُونَ بِهَا فَنَسَخَتْهَا الزَّكَاةُ٢ وَرَوَى عَلِيُّ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: نُسِخَتْ هَذِهِ بِآيَةِ الصَّدَقَاتِ فِي بَرَاءَةٍ٣. وَرَوَى أَبُو صَالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: نُسِخَ مِنْهَا الصَّدَقَةُ عَلَى الْوَالِدَيْنِ وَصَارَتِ الصَّدَقَةُ لِغَيْرِهِمُ الَّذِينَ لا يَرِثُونَ مِنَ الْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينَ وَالأَقْرَبِينَ وَقَدْ قَالَ الْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ، وَالْمُرَادُ بِهَا التَّطَوُّعُ عَلَى مَنْ لا يَجُوزُ إِعْطَاؤُهُ الزَّكَاةَ، كَالْوَالِدَيْنِ وَالْمَوْلُودِينَ وَهِيَ غَيْرُ مَنْسُوخَةٍ، وَقَالَ ابْنُ زَيْدٍ هِيَ فِي النَّوَافِلِ وهم أحق بفضلك٤.

стр. 236

قُلْتُ: مَنْ قَالَ بِنَسْخِهَا ادَّعَى أَنَّهُ وَجَبَ عَلَيْهِمْ أَنْ يُنْفِقُوا فَسَأَلُوا عَنْ وُجُوهِ الْإِنْفَاقِ فَدَلُّوا عَلَى ذَلِكَ وَهَذَا يَحْتَاجُ إِلَى نَقْلٍ، وَالتَّحْقِيقُ أَنَّ الْآيَةَ عَامَّةٌ فِي الْفَرْضِ وَالتَّطَوُّعِ فَحُكْمُهَا ثَابِتٌ غَيْرُ مَنْسُوخٍ، لِأَنَّ مَا يَجِبُ مِنَ النَّفَقَةِ عَلَى الْوَالِدَيْنِ وَالأَقْرَبِينَ إِذَا كَانُوا فُقَرَاءَ لَمْ يُنْسَخْ بِالزَّكَاةِ، وَمَا يُتَطَوَّعُ بِهِ لَمْ يُنْسَخْ بِالزَّكَاةِ وَقَدْ قَامَتِ الدِّلالَةُ عَلَى أَنَّ الزَّكَاةَ لا تُصْرَفُ إِلَى الْوَالِدَيْنِ وَالْوَلَدِ، وَهَذِهِ الْآيَةُ بِالتَّطَوُّعِ أَشْبَهُ، لِأَنَّ ظَاهِرَهَا أَنَّهُمْ طَلَبُوا بَيَانَ الْفَضْلِ فِي إِخْرَاجِ الفضل (فبينت) ١ لهم وجوه الْفَضْلِ٢. ذِكْرُ الْآيَةِ الثَّالِثَةِ وَالْعِشْرِينَ: قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ﴾ ٣.

стр. 237

اخْتَلَفُوا فِي هَذِهِ الْآيَةِ هَلْ هي منسوخة أومحكمة؟ فَقَالَ قَوْمٌ: هِيَ مَنْسُوخَةٌ لِأَنَّهَا تَقْتَضِي وُجُوبَ الْقِتَالِ عَلَى الْكُلِّ؛ لِأَنَّ الْكُلَّ خُوطِبُوا بِهَا، وَكُتِبَ بِمَعْنَى فُرِضَ ١. قَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ سألت عطاء، أَوَاجِبٌ الْغَزْوُ عَلَى النَّاسِ مِنْ أجل هذه الآية؟ فقال: لا، إِنَّمَا كُتِبَ عَلَى أُولَئِكَ حينئذٍ٢. وَقَالَ ابْنُ أَبِي نَجِيحٍ سَأَلْتُ مُجَاهِدًا (هَلِ الْغَزْوُ وَاجِبٌ عَلَى النَّاسِ؟) ٣ فَقَالَ: لا. إِنَّمَا كُتِبَ عَلَيْهِمْ يومئذٍ٤. وَقَدِ اخْتَلَفَ أَرْبَابُ هَذَا الْقَوْلِ فِي نَاسِخِهَا عَلَى قولين: أحدهما: أَنَّهُ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿لا يُكَلِّفُ اللهُ نَفْساً إِلاَّ وُسْعَهَا﴾ ٥ قاله عكرمة٦.

стр. 238

والثاني: قَوْلُهُ: ﴿فَلَوْلا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ﴾ ١ وَقَدْ زَعَمَ بَعْضُهُمْ أَنَّهَا نَاسِخَةٌ مِنْ وَجْهٍ، وَمَنْسُوخَةٌ مِنْ وَجْهٍ، وَذَلِكَ أَنَّ الْجِهَادَ كَانَ عَلَى ئلاث طَبَقَاتٍ: الأُولَى: الْمَنْعُ مِنَ الْقِتَالِ، وَذَلِكَ مَفْهُومٌ مِنْ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ قِيلَ لَهُمْ كُفُّوا أَيْدِيَكُمْ﴾ ٢ فنسخت بهذ الْآيَةِ وَوَجَبَ بِهَا التَّعَيُّنُ عَلَى الْكُلِّ، وَسَاعَدَهَا قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿انْفِرُوا خِفَافاً وَثِقَالاً﴾ ٣ ثُمَّ اسْتَقَرَّ الأَمْرُ عَلَى أَنَّهُ إِذَا قَامَ بِالْجِهَادِ قَوْمٌ سَقَطَ عَلَى الْبَاقِينَ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَلَوْلا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ﴾ ٤. وَالصَّحِيحُ أَنَّ قَوْلَهُ: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ﴾ مُحْكَمٌ وَأَنَّ فَرْضَ الْجِهَادِ لازِمٌ لِلْكُلِّ، إِلا أَنَّهُ مِنْ فُرُوضِ الْكِفَايَاتِ، إِذَا قَامَ بِهِ قَوْمٌ سَقَطَ عَنِ الْبَاقِينَ فَلا وَجْهَ للنسخ) ٥.

стр. 239

ذِكْرُ الْآيَةِ الرَّابِعَةِ وَالْعِشْرِينَ: قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿يَسْأَلونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ قُلْ قِتَالٌ فِيهِ كَبِيرٌ﴾ ١ سَبُبُ سُؤَالِهِمْ عَنْ هَذَا، أَنَّ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بَعَثَ سَرِيَّةً فَقَتَلُوا عَمْرَو ابن الحضرمي فِي أَوَّلِ لَيْلَةٍ مِنْ رَجَبٍ فَعَيَّرَهُمُ الْمُشْرِكُونَ بِذَلِكَ فَنَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ٢ وَهِيَ تَقْتَضِي تَحْرِيمَ الْقِتَالِ فِي الشَّهْرِ الْحَرَامِ، لِقَوْلِهِ: ﴿قُلْ قِتَالٌ فِيهِ كَبِيرٌ﴾ قَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ وَابْنُ عَبَّاسٍ ﵄ لا يَحِلُّ٣. وَفِي رِوَايَةِ أَبِي صَالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ عَظَّمَ الْعُقُوبَةَ٤ وَهَذَا إِقْرَارٌ لَهُمْ عَلَى مَا كَانُوا عَلَيْهِ فِي الْجَاهِلِيَّةِ فَإِنَّهُمْ كَانُوا يُحَرِّمُونَ الْقِتَالَ في الأشهر الحرم.

стр. 240

أَخْبَرَنَا أَبُو الْحَسَنِ الأَنْصَارِيُّ١، قَالَ: أَبْنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَلِيٍّ الأبنوسي، قَالَ: أَخْبَرَنِي عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ عمر الرزاز، قال: أبنا بن شاهين، قال: بنا يحيى بن محمد بن صاعد، قال: بنا مُحَمَّدُ بْنُ تَوْبَةَ الْعَنْبَرِيُّ، قَالَ: أَبْنَا أَزْهَرُ بْنُ سَعْدٍ، قَالَ: بنا ابن عون، قال: قَالَ: أَبُو رَجَاءٍ الْعُطَارِدِيُّ٢: كَانَ إِذَا دَخَلَ شَهْرُ رَجَبٍ قَالُوا: قَدْ جَاءَ مُنْصِلُ الأَسِنَّةِ فَيَعْمِدُ أَحَدُهُمْ إِلَى سِنَانِ رُمْحِهِ فَيَخْلَعُهُ وَيَدْفَعُهُ إِلَى النِّسَاءِ، فَيَقُولُ: أشدُن هَذَا فِي عِكُومِكُنَّ فَلَوْ مَرَّ أَحَدُنَا عَلَى قَاتِلِ أَبِيهِ لَمْ يُوقِظْهُ٣. قُلْتُ: وَاخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ هَلْ هَذَا التَّحْرِيمُ بَاقٍ أَمْ نُسِخَ؟

стр. 241

وَأَخْبَرَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ أَحْمَدَ، قَالَ: أَبْنَا عُمَرُ بْنُ عُبَيْدِ اللَّهِ الْبَقَّالُ، قَالَ: أَبْنَا ابْنُ بِشْرَانَ، قالت بنا الكاذي قال: بنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَحْمَدَ، قَالَ: حدثني أبي قال (بنا) ١ حَجَّاجٌ عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، قَالَ: قُلْتُ لِعَطَاءٍ: ﴿يَسْأَلونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ﴾ ما لهم إذ ذاك لا يحل لهم أن يغزو أَهْلَ الشِّرْكِ فِي الشَّهْرِ الْحَرَامِ ثُمَّ غَزَوْهُمْ فِيهِ بَعْدُ فَحَلَفَ لِي بِاللَّهِ، مَا يَحِلُّ لِلنَّاسِ الآن أن يغزو فِي الْحَرَمِ وَلا فِي الشَّهْرِ الْحَرَامِ إِلا أَنْ يُقَاتَلُوا فِيهِ (أو يغزو) ٢ وما نُسِخَتْ٣. وَرَوَى (عَبْدُ خَيْرٍ) ٤ عَنْ عَلِيٍّ ﵇ فِي قَوْلِهِ: ﴿يَسْأَلونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ﴾ ٥ قَالَ: نَسَخَتْهَا ﴿فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ﴾ ٦.

стр. 242

وَقَالَ سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيِّبِ، وَسُلَيْمَانُ بْنُ يَسَارٍ١ وَسَائِرُ عُلَمَاءِ الأَمْصَارِ إِنَّ الْقِتَالَ فِي الشَّهْرِ الْحَرَامِ جَائِزٌ فإدن هَذِهِ الْآيَةَ مَنْسُوخَةٌ بِقَوْلِهِ: ﴿فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ﴾ ٢ وَقَوْلُهُ: ﴿قَاتِلُوا الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلا بِالْيَوْمِ الآخر﴾ ٣. أَخْبَرَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ أَحْمَدَ، قَالَ: أَبْنَا أَبُو الْفَضْلِ الْبَقَّالُ قَالَ: أَبْنَا ابْنُ بِشْرَانَ قَالَ: أَبْنَا إسحاق الكاذي، قال: بنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَحْمَدَ، قَالَ: حدثني أبي قال: بنا عبد الرازق عَنْ مَعْمَرٍ قَالَ: قَالَ الزُّهْرِيُّ: كَانَ النَّبِيُّ ﷺ فِيمَا بَلَغَّنَا يُحَرِّمُ الْقِتَالَ فِي الشَّهْرِ الْحَرَامِ ثُمَّ أُحِلَّ له بعد٤.

стр. 243

ذِكْرُ الْآيَةِ الْخَامِسَةِ وَالْعِشْرِينَ: قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿يَسْأَلونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ﴾ ١. اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي هَذِهِ الْآيَةِ: فَقَالَ قَوْمٌ: إِنَّهَا تَضَمَّنَتْ ذَمَّ الْخَمْرِ (لا تَحْرِيمَهَا) ٢ وَهُوَ مَذْهَبُ ابْنِ عَبَّاسٍ وَسَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، وَمُجَاهِدٍ، وَقَتَادَةَ٣. وَقَالَ آخَرُونَ: بَلْ تَضَمَّنَتْ تَحْرِيمَهَا، وَهُوَ مَذْهَبُ الْحَسَنِ وَعَطَاءٍ٤. فَأَمَّا قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَإِثْمُهُمَا أَكْبَرُ مِنْ نَفْعِهِمَا﴾ ٥ فَيَتَجَاذَبُهُ أَرْبَابُ الْقَوْلَيْنِ، فَأَمَّا أَصْحَابُ الْقَوْلِ الأَوَّلِ فَإِنَّهُمْ قَالُوا إِثْمُهُمَا بَعْدُ التَّحْرِيمِ أَكْبَرُ مِنْ نَفْعِهِمَا قبله٦.

стр. 244

وَقَالَ أَصْحَابُ الْقَوْلِ الثَّانِي: إِثْمُهُمَا قَبْلَ التَّحْرِيمِ أَكْبَرُ مِنْ نَفْعِهِمَا حينئذٍ أَيْضًا١ لِأَنَّ الْإِثْمَ الْحَادِثَ عَنْ شُرْبِهَا مِنْ تَرْكِ الصَّلاةِ وَالْإِفْسَادِ الْوَاقِعِ عَنِ السُّكْرِ لا يُوَازِي مَنْفَعَتَهَا الْحَاصِلَةَ مِنْ لَذَّةٍ أَوْ بَيْعٍ وَلَمَّا كَانَ الأَمْرُ محتملاً للتأويل، قال عمربن الْخَطَّابِ بَعْدَ نُزُولِ هَذِهِ الْآيَةِ: اللَّهُمَّ بَيِّنَ لَنَا فِي الْخَمْرِ بَيَانًا شَافِيًا، وَعَلَى الْقَوْلِ الأَوَّلِ يتوجه النسخ بقوله تعالى فا [جتبوه] ٢.

стр. 245

ذِكْرُ الْآيَةِ السَّادِسَةِ وَالْعِشْرِينَ: قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَيَسْأَلونَكَ مَاذَا يُنْفِقُونَ قُلِ الْعَفْوَ﴾ ١ فالمراد بهذا الإنفاق ثلاثة أأقوال: أحدها: أَنَّهُ الصَّدَقَةُ وَالْعَفْوُ مَا يَفْضُلُ عَنِ الْإِنْسَانِ. أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْوَهَّابِ الْحَافِظُ، قَالَ: أَبْنَا أَبُو الْفَضْلِ بْنُ خَيْرُونُ وَأَبُو طَاهِرٍ الْبَاقِلاوِيُّ، قَالا: أَبْنَا أَبُو عَلِيِّ بْنُ شَاذَانَ، قَالَ: أَبْنَا أَحْمَدُ بْنُ كَامِلٍ قَالَ: أَبْنَا مُحَمَّدُ بْنُ (إِسْمَاعِيلَ بْنِ) ٢ سَعْدٍ قَالَ حَدَّثَنِي أَبِي، قَالَ حَدَّثَنِي عَمِّي، قَالَ: حَدَّثَنِي أَبِي عَنْ جَدِّي، عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ (قل العفوا) ٣ قَالَ مَا أَتَوْكَ بِهِ مِنْ شَيْءٍ قَلِيلٍ أَوْ كَثِيرٍ فَاقْبَلْهُ منهم لم يفرض

стр. 246

فِيهِ فَرِيضَةً مَعْلُومَةً، ثُمَّ نَزَلَتْ بَعْدَ ذَلِكَ الْفَرَائِضُ مُسَمَّاةً١، وَقَدْ قِيلَ: إِنَّ الْمُرَادَ بِهَذِهِ الصَّدَقَةِ الزَّكَاةُ. أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ حَبِيبٍ، قَالَ: أَبْنَا عَلِيُّ بْنُ الْفَضْلِ، قَالَ: أَبْنَا عَبْدِ الصَّمَدِ، قَالَ: أَبْنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ حَمُّويَةَ، قَالَ: أَبْنَا إبراهيم بن خريم، قَالَ: أَبْنَا عَبْدُ الْحَمِيدِ، قَالَ: بنا شَبَابَةُ عَنْ وَرْقَاءَ عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ عَنْ مُجَاهِدٍ، قَالَ: الْعَفْوُ: الصَّدَقَةُ الْمَفْرُوضَةُ٢. وَالْقَوْلُ الثَّانِي: [٣ أَنَّهُ كَانَ فُرِضَ عَلَيْهِمْ قَبْلَ الزَّكَاةِ أَنْ يُنْفِقُوا مَا يَفْضُلُ عنهم، فكان أهل (المكاسب) ٤ يَأْخُذُونَ قَدْرَ مَا يَكْفِيهِمْ مِنْ نَصِيبِهِمْ، وَيَتَصَدَّقُونَ بِالْبَاقِي، وَأَهْلُ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ يَأْخُذُونَ قَدْرَ مَا يَكْفِيهِمْ في تجار = تهم وَيَتَصَدَّقُونَ =٥ بِالْبَاقِي، ذَكَرَهُ بَعْضُ الْمُفَسِّرِينَ.

стр. 247

وَالثَّالِثُ: أَنَّهَا نَفَقَةُ التَّطَوُّعِ، وَذَلِكَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ لَمَّا حَثَّهُمْ عَلَى الصَّدَقَةِ (وَرَغَّبَهُمْ بِهَا قَالُوا: مَاذَا نُنْفِقُ؟ وَعَلَى مَنْ نُنْفِقُ؟ فَنَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ) ١. قَالَ مُقَاتِلُ بْنُ حيان٢ في قوله: ﴿وَيَسْأَلونَكَ مَاذَا يُنْفِقُونَ﴾ قَالَ: هِيَ النَّفَقَةُ فِي التَّطَوُّعِ، فَكَانَ الرَّجُلُ يُمْسِكُ مِنْ مَالِهِ مَا يَكْفِيهِ سَنَةً وَيَتَصَدَّقُ بِسَائِرِهِ، وإن كان ممن يعمل بيديه أَمْسَكَ مَا يَكْفِيهِ يَوْمًا وَيَتَصَدَّقُ بِسَائِرِهِ وَإِنْ كَانَ مِنْ أَصْحَابِ الْحَقْلِ وَالزَّرْعِ أَمْسَكَ مَا يَكْفِيهِ سنة وتصدق (بِسَائِرِهِ) ٣ فَاشْتَدَّ ذَلِكَ عَلَى الْمُسْلِمِينَ فَنَسَخَتْهَا آيَةُ الزَّكَاةِ. قُلْتُ: فَعَلَى هَذَا الْقَوْلِ، مَعْنَى قَوْلِهِ: اشْتَدَّ ذَلِكَ عَلَى الْمُسْلِمِينَ، أَيْ: صَعُبَ ما ألزموا نفوسهم به، فإن قلنا إن هَذِهِ النَّفَقَةُ نَافِلَةٌ أَوْ هِيَ الزكاة فَالْآيَةُ مُحْكَمَةٌ، وَإِنْ قُلْنَا إِنَّهَا نَفَقَةٌ فُرِضَتْ قَبْلَ الزَّكَاةِ فَهِيَ منسوخة بآية الزكاة والأظهر أنها في الإنفاق في المندوب إليه٤.

стр. 248

ذِكْرُ الْآيَةِ السَّابِعَةِ وَالْعِشْرِينَ: قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَلا تَنْكِحُوا الْمُشْرِكَاتِ حَتَّى يُؤْمِنّ﴾ ١. اخْتَلَفَ الْمُفَسِّرُونَ فِي الْمُرَادِ بِالْمُشْرِكَاتِ هاهنا على قولين: أحدهما: أَنَّهُنَّ الْوَثَنِيَّاتُ. أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ حَبِيبٍ الْعَامِرِيُّ قَالَ: أَبْنَا عَلِيُّ بْنُ الْفَضْلِ، قَالَ: أَبْنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الصَّمَدِ، قَالَ: أَبْنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَحْمَدَ، قال: أبنا إبراهيم بن خريم، قال: بنا عبد الحميد، قال: بنا قبيصة عن سفيان عن حماد، قال:

стр. 249

سَأَلْتُ إِبْرَاهِيمَ عَنْ تَزْوِيجِ الْيَهُودِيَّةِ وَالنَّصْرَانِيَّةِ، قَالَ: لا بَأْسَ بِهِ فَقُلْتُ: أَلَيْسَ اللَّهُ تَعَالَى يَقُولُ: ﴿وَلا تَنْكِحُوا الْمُشْرِكَاتِ حَتَّى يُؤْمِنّ﴾؟ قَالَ: إِنَّمَا ذَلِكَ الْمَجُوسِيَّاتُ وَأَهْلُ الأَوْثَانِ١. قَالَ عَبْدُ الْحَمِيدِ: حَدَّثَنَا يُونُسُ عَنْ سُفْيَانَ عَنْ قَتَادَةَ ﴿وَلا تَنْكِحُوا الْمُشْرِكَاتِ حَتَّى يُؤْمِنّ﴾ قَالَ: الْمُشْرِكَاتُ الْعَرَبُ اللاتِي لَيْسَ لهن كتاب يقرأنه٢ قال سعيدبن جُبَيْرٍ: هُنَّ الْمَجُوسِيَّاتُ وَعَابِدَاتُ الأَوْثَانِ٣. وَالثَّانِي: أَنَّهُ عَامٌّ فِي الْكِتَابِيَّاتِ وَغَيْرِهِنَّ مِنَ الْكَافِرَاتِ، فَالْكُلُّ مُشْرِكَاتٌ، وَافْتَرَقَ أَرْبَابُ هَذَا الْقَوْلِ عَلَى قولين: [أحدهما] ٤ (أَنَّ هَذَا الْقَدْرَ مِنَ الْآيَةِ نُسِخَ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾ ٥.

стр. 250

فَأَخْبَرَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ أَحْمَدَ، قَالَ: أَبْنَا عُمَرُ بْنُ عُبَيْدِ اللَّهِ الْبَقَّالُ، قَالَ: أَبْنَا ابْنُ بِشْرَانَ، قال: أبنا إسحق الكاذي، قال: بنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَحْمَدَ، قَالَ: حَدَّثَنِي أَبِي، قَالَ: أَبْنَا إِبْرَاهِيمُ بن إسحق الطالقاني، قال بنا ابْنُ مُبَارَكٍ عَنْ يُونُسَ عَنِ الزُّهْرِيِّ ﴿وَلا تَنْكِحُوا الْمُشْرِكَاتِ حَتَّى يُؤْمِنّ﴾ ثُمَّ أُحِلَّ نِكَاحُ الْمُحْصَنَاتِ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ فَلَمْ يُنْسَخْ مِنْ هَذِهِ الْآيَةِ غَيْرُ ذَلِكَ فَنِكَاحُ كُلِّ مُشْرِكٍ سِوَى نِسَاءِ أَهْلِ الْكِتَابِ حَرَامٌ١. وَالثَّانِي: أَنَّ قَوْلَهُ: ﴿وَلا تَنْكِحُوا الْمُشْرِكَاتِ﴾ لَفْظٌ عَامٌّ خُصَّ مِنْهُ الْكِتَابِيَّاتُ بِآيَةِ الْمَائِدَةِ وَهَذَا تَخْصِيصٌ لا نَسْخٌ٢. وَعَلَى هَذَا الْفُقَهَاءُ وَهُوَ الصَّحِيحُ. وَقَدْ زَعَمَ قَوْمٌ أَنَّ أَهْلَ الْكِتَابِ لَيْسُوا مُشْرِكِينَ، وَهَذَا فاسد، لأنهم قالوا عزير بن الله) ٣ والمسيح بن الله فهم بذلك مشركون٤.
следующие страницы →