Полный текст (660 стр.). Показаны 281–320 · переход к 286.
стр. 281
قَالَ أَحْمَدُ: وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ حُمَيْدٍ عَنْ سُفْيَانَ عَنْ آدَمَ عن سعيد ابْنِ جُبَيْرٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قال: لما نزلت: ﴿إن تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ أَو تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ﴾ شُقَّ ذَلِكَ عَلَى الْمُسْلِمِينَ، قَالَ: فَنَزَلَتْ: ﴿لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلاّ وُسْعَهَا﴾ فَنَسَخَتْهَا١.
أَخْبَرَنَا بْنُ نَاصِرٍ، قَالَ: بنا علي ابْنُ أَيُّوبَ، قَالَ: أَبْنَا أَبُو عَلِيِّ بْنُ شَاذَانَ، قَالَ: أَبْنَا أبو بكر النجاد، قال: بنا أبو داود السجستاني، قال: بنا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ ثَابِتٍ، قال: حدثني أبو عَلِيُّ بْنُ الْحُسَيْنِ عَنْ أَبِيهِ عَنْ يَزِيدَ النَّحْوِيِّ عَنْ عِكْرِمَةَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ ﴿إن تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ أَو تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ﴾ قال: نسخت، فقال لله: ﴿لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلاّ وُسْعَهَا﴾.
أَخْبَرَنَا الْمُبَارَكُ بْنُ عَلِيٍّ، قَالَ: بنا أَحْمَدُ بْنُ الْحُسَيْنِ، قَالَ: أَبْنَا أَبُو إِسْحَاقَ الْبَرْمَكِيُّ، قَالَ: أَبْنَا محمد بن إسماعيل بن عباس، قال: بنا أبو بكر ابن أبي داود، قال: بنا عَلِيُّ بْنُ سَهْلِ بْنِ الْمُغِيرَةِ، قال: بنا عفان، قال: بنا أبو عَوَانَةُ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ السَّائِبِ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: نَسَخَتْهَا الْآيَةُ الَّتِي بَعْدَهَا ﴿لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ﴾ ٢.
الحواشي
(١) ١ ذكر السيوطي نحوه، وقال: أخرجه البيهقي في الشعب. انظر: الدر المنثور١/ ٢٧٤.
٢ ذكره السيوطي في الدر المنثور١/ ٣٧٤، وعزاه إلى أبي داود في ناسخه عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄.стр. 282
أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْوَهَّابِ، قَالَ: أَبْنَا عَاصِمُ بْنُ الْحَسَنِ، قَالَ: أَبْنَا أَبُو عُمَرَ بْنُ مَهْدِيٍّ، قَالَ: بنا الْحُسَيْنُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ الْمَحَامِلِيُّ، قَالَ: بنا يعقوب الدورقي، قال: بنا يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ، قَالَ: أَبْنَا سُفْيَانُ عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ سَالِمٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄ أَنَّهُ تَلا هَذِهِ الْآيَةَ: ﴿إن تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ أَو تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ﴾ فَدَمِعَتْ عَيْنَاهُ فَبَلَغَ صَنِيعُهُ ابْنَ عَبَّاسٍ ﵄ فَقَالَ: "يَرْحَمُ اللَّهُ أَبَا عَبْدِ الرَّحْمَنِ لَقَدْ صَنَعَ مَا صَنَعَ أَصْحَابُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ حِينَ نَزَلَتْ فَنَسَخَتْهَا: ﴿لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلاّ وُسْعَهَا﴾ ١".
أخبرنا بن الْحُصَيْنِ، قَالَ: أَبْنَا ابْنُ الْمُذَهَّبِ، قَالَ: أَبْنَا أَحْمَدُ بْنُ جَعْفَرٍ، قال: بنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ حنبل، قال: حدثتي أبي، قال: بنا عبد الرزاق، قال: بنا مَعْمَرٌ عَنْ حُمَيْدٍ الأَعْرَجِ، عَنْ مُجَاهِدٍ، قَالَ: دَخَلْتُ عَلَى ابْنِ عَبَّاسٍ، فَقُلْتُ: "يَا ابْنَ٢ عَبَّاسٍ كُنْتُ عِنْدَ ابْنِ عُمَرَ، فَقَرَأَ هَذِهِ الْآيَةَ، فَبَكَى قَالَ: "أَيَّةُ آية؟ "٣
قلت: ﴿إن تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ أَو تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ﴾ قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ إِنَّ هَذِهِ الْآيَةَ حِينَ أُنْزِلَتْ غَمَّتْ أَصْحَابَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ غماً
الحواشي
(١) ١ أخرج نحوه الطبري من طريق الزهري عن سعيد بن مرجانة، وليس فيه ذكر النسخ. انظر: جامع البيان٣/ ٦.
٢ في النسختين: (يابا عباس) وهو تحريف ظاهر.
٣ في (م): أين آية، وفي (هـ): أساسه، كلاهما خطأ وتحريف. والصواب ما أثبت عن الإمام أحمد كما سيأتي.стр. 283
شَدِيدًا، وَغَاظَتْهُمْ١ غَيْظًا شَدِيدًا يَعْنِي وَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ هَلِكْنَا إِنْ كُنَّا نُؤَاخَذُ بِمَا تَكَلَّمْنَا بِهِ وَبِمَا نَعْمَلُ بِهِ فَأَمَّا قُلُوبُنَا فَلَيْسَتْ بِأَيْدِينَا، فَقَالَ لَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : قُولُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا. قَالُوا: سمعنا وأطعنا، قَالَ: فَنَسَخَتْهَا هَذِهِ الْآيَةُ ﴿آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ ربه والمؤمنون﴾ إِلَى ﴿لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلاّ وُسْعَهَا لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ﴾ فَتُجُوِّزَ لَهُمْ عَنْ حَدِيثِ النَّفْسِ وَأُخِذُوا بِالأَعْمَالِ٢.
أَخْبَرَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ أَحْمَدَ، قَالَ: أَبْنَا عُمَرُ بْنُ عُبَيْدِ اللَّهِ الْبَقَّالُ، قَالَ: أَبْنَا ابن بشران، قال: بنا إِسْحَاقُ بْنُ أَحْمَدَ الْكَاذِيُّ، قَالَ: بنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ، قَالَ: حَدَّثَنِي أَبِي: قَالَ بنا وكيع، قال: بنا سفيان عن عطاء ابن السَّائِبِ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، وَعَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ مُهَاجِرٍ عَنْ إِبْرَاهِيمَ، وَعَنْ جَابِرٍ عَنْ مُجَاهِدٍ، قَالَ: وَنَسَخَتْ هَذِهِ الْآيَةُ ﴿لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلاّ وُسْعَهَا﴾ نسخت ﴿إن تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ أَو تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ﴾ ٣.
الحواشي
(١) ١ في (م): أغاظتهم، وفي (هـ): ورواية أحمد غاطتهم.
٢ أخرجه الإمام أحمد في مسنده عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄، وأصله عند مسلم في باب الإيمان من طريق سعيد بن جبير دون قصة ابن عمر. انظر: مسند الإمام أحمد مع فتح الرباني١٨/ ٦٧.
٣ أخرجه الطبري بإسنادين في جامع البيان٣/ ٩٧.
الأول: عَنْ مُوسَى بْنِ عُبَيْدَةَ عَنْ سفيان عن جابر عن مجاهد.
والثاني: وَعَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ مُهَاجِرٍ عَنْ مجاهد.
وقد ثبت السماع لإبراهيم بن مهاجر من إبراهيم النخعي كما في سند المؤلف.
وثبت له السماع أيضاً من مجاهد. انظر: التهذيب١/ ١٦٨؛ وتهذيب الكمال المخطوط للمزي اورقة ٦٧.стр. 284
قَالَ أَحْمَدُ: وَحَدَّثَنَا مُعَاوِيَةُ بْنُ عمرو، قال: بنا زَايِدَةُ عَنْ عَطَاءِ بْنِ السَّائِبِ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، قَالَ: ﴿لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ﴾، نسخت ﴿إن تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ أَو تُخْفُوهُ﴾ ١.
قَالَ أَحْمَدُ: وَحَدَثَّنَا يُونُسُ قَالَ: بنا حَمَّادٌ يَعْنِي: ابْنَ سَلَمَةَ عَنْ حميد عن الحسن ﴿إن تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ أَو تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ﴾ قَالَ: نَسَخَتْهَا ﴿لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلاّ وُسْعَهَا﴾.
قَالَ أَحْمَدُ: وَحَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَهَّابِ عَنْ سَعِيدٍ عَنْ قَتَادَةَ قَالَ: نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ فَكَبُرَتْ عَلَيْهِمْ فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى بَعْدَهَا آيَةً فِيهَا تَيْسِيرٌ وَعَافِيَةٌ وَتَخْفِيفٌ ﴿لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلاّ وُسْعَهَا﴾ ٢.
أَخْبَرَنَا الْمُبَارَكُ بْنُ عَلِيٍّ، قَالَ: أَبْنَا أَحْمَدُ بْنُ الْحُسَيْنِ بْنِ قريش، قال: أبنا أبو إسحق الْبَرْمَكِيُّ قَالَ: أَبْنَا مُحَمَّدُ بْنُ إسماعيل الوراق، قال: بنا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي دَاوُدَ، قال: بنا زياد بن أيوب، قال: بنا هُشَيْمٌ عَنْ يَسَارٍ عَنِ الشَّعْبِيِّ قال: لما نزلت: ﴿إن تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ أَو تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ﴾ كَانَ فِيهَا شِدَّةٌ حَتَّى نَزَلَتِ الْآيَةُ الَّتِي بَعْدَهَا ﴿لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ﴾ فنسخت ما قبلها.
الحواشي
(١) ١ روى الطبري نحره عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ فِي جامع البيان ٣/ ٩٧، كما ذكر دعوى النسخ عنه ابن أبي حاتم في تفسيره المخطوط ١/ ٢٢٧.
٢ ذكر نحوه ابن أبي حاتم عن قتادة في المصدر السابق.стр. 285
قَالَ أَبُو بَكْرٍ: وَحَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بن إبراهيم، قال بنا الأَسْوَدُ عَنْ حَمَّادٍ عَنْ يُونُسَ عن الحسن ﴿إن تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ أَو تُخْفُوهُ﴾ قَالَ: نَسَخَتْهَا ﴿لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلاّ وُسْعَهَا﴾. وَإِلَى هَذَا الْقَوْلِ ذَهَبَتْ عَائِشَةُ ﵂، وَعَلِيُّ بْنُ الْحُسَيْنِ، وَابْنُ سِيرِينَ وَعَطَاءٌ الْخُرَاسَانِيُّ والسدي، وا بن زيد، ومقاتل١.
والقول الثاني: أنه لَمْ تُنْسَخْ، ثُمَّ اخْتَلَفَ أَرْبَابُ هَذَا الْقَوْلِ عَلَى ثَلاثَةِ أَقْوَالٍ:
أحدها: أَنَّهُ ثَابِتٌ فِي الْمُؤَاخَذَةِ عَلَى الْعُمُومِ فَيُؤَاخِذُ بِهِ مَنْ يَشَاءُ وَيَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ. وَهَذَا مَرْوِيٌّ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَيْضًا وَابْنِ عُمَرَ، وَالْحَسَنِ وَاخْتَارَهُ أَبُو سُلَيْمَانَ الدمشقي٢، والقاضي أبو يعلى.
الحواشي
(١) ١ ذكر الطبري دعوى النسخ هنا عن عائشة وابن عباس - في رواية - وابن زيد أيضاً علاوة على من سبق ذكرهم عنه، وأورد ابن أبي حاتم في تفسيره دعوى النسخ عن علي وابن عمر وابن عباس في رواية، وأما المؤلف فقد ذكر النسخ في تفسيره عمن ذكره هنا. انظر: جامع البيان٣/ ٩٦ - ٩٧؛ وتفسير بن أبي حاتم المخطوط اورقة ١٢٧؛ وزاد المسير١/ ٢٤٢ - ٢٤٣.
٢ أما أبو سليمان الدمشقي، فهو: مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سليمان أبو سليماد السعدي مفسر كبير، له تصانيف في التفسير، منها: مجتبى التفسير، وكتاب الجامع الصغير في مختصر التفسير، وكتاب المهذب في التفسير. سمع ببغداد أبا علي الصواف، وأبا بكر الشافعي، وغيرهما، وكان شافعياً أشعرياً، كئير الاتباع للسنة حسن التكلم في التفسير. انظر: المنتظم حوادث سنة (٣٧١هـ)، وطبقات المفسرين للسيوطي ص: ١٠٣؛ ورسالة منهج ابن الجوزي في تفسيره زاد المسير١/ ١٧٦ - ١٨٩، للدكتور عبد الرحيم طحان.стр. 286
وَالثَّانِي: أَنَّ الْمُؤَاخَذَةَ بِهِ وَاقِعَةٌ، لكن مَعْنَاهَا إِطْلاعُ الْعَبْدِ عَلَى فِعْلِهِ السيئ.
أخبرنا المبارك بن محلي، قَالَ: أَبْنَا أَحْمَدُ بْنُ الْحُسَيْنِ بْنِ قُرَيْشٍ، قَالَ: أَبْنَا أَبُو إِسْحَاقَ الْبَرْمَكِيُّ، قَالَ. أَبْنَا مُحَمَّدُ بن إسماعيل بن عباس، قَالَ: أَبْنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أبي داود، قال: بنا يعقوب بن سفيان، قال: بنا أبو صالح قال: بنا مُعَاوِيَةُ بْنُ صَالِحٍ عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ عَنِ ابْنِ عباس رضي الله عبهما ﴿إن تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ أَو تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ﴾ قَالَ: هَذِهِ الْآيَةُ (لَمْ تُنْسَخْ) ١ ولكن الله عزوجل إِذَا جَمَعَ الْخَلائِقَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يَقُولُ لَهُمْ: إِنِّي أُخْبِرُكُمْ بِمَا أَخْفَيْتُمْ فِي أَنْفُسِكُمْ مِمَّا (لَمْ يَطَّلِعْ) ٢ عَلَيْهِ مَلائِكَتِي فَأَمَّا الْمُؤْمِنُونَ فَيُخْبِرُهُمْ وَيَغْفِرُ لَهُمْ مَا حَدَّثُوا بِهِ أَنْفُسَهُمْ، وَهُوَ قَوْلُهُ: ﴿يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ﴾ يَقُولُ: يُخْبِرُكُمْ بِهِ اللَّهُ.
وَفِي رِوَايَةٍ أُخْرَى: وَأَمَّا أَهْلُ الشِّرْكِ وَالرَّيْبِ فَيُخْبِرُهُمْ بِمَا أَخْفَوْا مِنَ التَّكْذِيبِ وَهُوَ قَوْلُهُ: ﴿فَيَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ﴾ ٣.
وَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بن أيوب، قال: بنا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، قَالَ: بنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي جَعْفَرٍ عَنْ أَبِيهِ عَنِ الرَّبِيعِ بْنِ أنس، قال:
الحواشي
(١) ١ في (هـ): ما نسخ.
٢ في (هـ): لا يطلع.
٣ أخرح نحوه الطبري في جامع البيان٣/ ٩٧ - ٩٨، وابن أبي حاتم في تفسيره المخطوط ورقة ٢٢٧، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ من طريق علي بن أبي طلحة، وفي رواية الطبري: (ولكن يواخذكم بما كسبت قلوبكم) من الشك والنفاق.стр. 287
هِيَ مُحْكَمَةٌ لَمْ يَنْسَخْهَا شَيْءٌ. (يقول) ١ ﴿يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ﴾ يَقُولُ: يُعَرِّفُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَنَّكَ أَخْفَيْتَ فِي صَدْرِكَ كَذَا وَكَذَا فَلا يُؤَاخِذُهُ٢.
وَالثَّالِثُ: أَنَّ مُحَاسَبَةَ الْعَبْدِ بِهِ نُزُولُ الْغَمِّ وَالْحُزْنِ وَالْعُقُوبَةِ وَالأَذَى
بِهِ فِي الدُّنْيَا، وَهَذَا قَوْلُ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا٣.
وَالْقَوْلُ الثَّانِي:٤ أَنَّهُ أَمْرٌ بِهِ خَاصٌّ فِي نَوْعٍ مِنَ الْمَخْفِيَّاتِ ثُمَّ لِأَرْبَابِ هَذَا الْقَوْلِ فيه قولان:
أحدهما: (أَنَّهُ) ٥ فِي الشَّهَادَةِ وَالْمَعْنَى إِنْ تُبْدُوا بِهَا (الشُّهُودَ) ٦ مَا فِي أَنْفُسِكُمْ مِنْ كِتْمَانِ الشَّهَادَةِ أَوْ تُخْفُوهُ.
أَخْبَرَنَا الْمُبَارَكُ بْنُ عَلِيٍّ، قَالَ: أَبْنَا أَحْمَدُ بْنُ الْحُسَيْنِ بْنِ قُرَيْشٍ، قَالَ: أَبْنَا إِسْحَاقُ الْبَرْمَكِيُّ، قَالَ: أَبْنَا مُحَمَّدُ بْنُ إسماعيل، قال: بنا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي دَاوُدَ، قال: بنا زياد بن أيوب.
الحواشي
(١) ١ في (هـ): بقوله، وهو تحريف.
٢ ذكره ابن أبي حاتم في تفسيره المخطوط ١ ورقة: ٢٢٧ عن الربيع بن أنس.
٣ أخرج نحوه الإمام أحمد في مسنده١٨/ ٩٨؛ والترمذي في جامعه٥/ ٢٢١؛ والطبري في تفسيره٥/ ٣ - ٩٩؛ وابن أبي حاتم في المصدر السابق، عن عائشة رضي الله تعالى عنها. وقال الترمذي: هذا حديث حسن.
٤ يعني القول الثاني للمراد بالمخفيات. في (هـ): والقول الثالث. وهوخطأ من الناسخ.
٥ في (هـ): لأن، وهو خطأ من الناسخ.
٦ يعني: أن الخطاب للشهود.стр. 288
وَأَخْبَرَنَا عَبْدُ الْوَهَّابِ الْحَافِظُ، قَالَ: أَبْنَا عَاصِمُ بْنُ الْحَسَنِ، قَالَ: أَبْنَا أَبُو عُمَرَ بْنُ مَهْدِيٍّ، قَالَ: أَبْنَا أَبُو عَبْدِ اللَّهِ المحاملي، قال: بنا يَعْقُوبُ الدُّورَقِيُّ.
وَأَخْبَرَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ أحمد، ابن بشران، قال: بنا الكاذي، قال: قال: أبنا عمربن عبيد الله، قال: أبنا بنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَحْمَدَ، قَالَ: حدثني أبي قال: بنا هُشَيْمٌ، قَالَ: أَبْنَا يَزِيدُ بْنُ أَبِي زِيَادَةَ، عَنْ مِقْسَمٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ أنه قال: ﴿إن تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ أَو تُخْفُوهُ﴾ قَالَ: نَزَلَتْ فِي كِتْمَانِ الشَّهَادَةِ، وَإِقَامَتِهَا١.
قَالَ أَحْمَدُ: وَحَدَّثَنَا يُونُسُ، قال: بنا حَمَّادٌ عَنْ حُمَيْدٍ عَنْ عِكْرِمَةَ، قَالَ: هَذِهِ فِي الشَّهَادَةِ ﴿وَمَنْ يَكْتُمْهَا فَإِنَّهُ آثِمٌ قَلْبُهُ﴾ وَبِهَذَا قَالَ الشَّعْبِيُّ٢.
وَالثَّانِي: أَنَّهُ الشَّكُّ وَالْيَقِينُ.
أَخْبَرَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ أَحْمَدَ، قَالَ: (أَبْنَا) ٣ عُمَرُ بْنُ عُبَيْدِ اللَّهِ الْبَقَّالُ، قَالَ: أَبْنَا ابن بشران قال: بنا إسحاق الكاذي، فال: بنا عبد الله ابن أحمد ابن حنبل، قال: حدثني أبي.
الحواشي
(١) ١ أخرجه الطبري عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ من طريق مقسم في جامع البيان ٣/ ٩٤.
٢ أورد المؤلف هذا الرأي عن ابن عباس وعكرمة والشعبي في زاد المسير١/ ٣٤٤.
٣ في (هـ): ابن. وهو خطأ من الناسخ.стр. 289
وَأَخْبَرَنَا الْمُبَارَكُ بْنُ عَلِيٍّ قَالَ: أَبْنَا أَحْمَدُ بْنُ الْحُسَيْنِ بْنِ قريش، قال: أبنا أبو إسحق الْبَرْمَكِيُّ قَالَ: أَبْنَا مُحَمَّدُ بْنُ إسماعيل بن عباس، قَالَ: أَبْنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أبي داود، قال: بنا المؤمل بن هشام (قال) ١ بنا إِسْمَاعِيلُ بْنُ عُلْيَةَ.
وَأَخْبَرَنَا عَبْدُ الْوَهَّابِ، قَالَ: أَبْنَا أَبُو طَاهِرٍ الْبَاقِلاوِيُّ، قَالَ: أَبْنَا ابْنُ شَاذَانَ، قَالَ: أَبْنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ الحسن، قال: بنا إبرإهيم بن الحسين، قال: بنا آدم، قال: بنا وَرْقَاءُ كِلاهُمَا عَنِ ابْنِ أَبِي نجيح عن مجاهد ﴿إن تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ أَو تُخْفُوهُ﴾ مِنَ الشَّكِّ وَالْيَقِينِ٢ فَعَلَى هَذَا الْآيَةُ مُحْكَمَةٌ.
قَالَ: ابْنُ الأَنْبَارِيِّ وَالَّذِي نَخْتَارُهُ أَنْ تَكُونَ الْآيَةُ مُحْكَمَةٌ لِأَنَّ النَّسْخَ إِنَّمَا يَدْخُلُ عَلَى الأَمْرِ وَالنَّهْيِ٣.
وَقَالَ أَبُو جَعْفَرٍ النَّحَّاسُ: "لا يَجُوزُ أَنْ يَقَعَ (فِي) ٤ مِثْلِ هَذِهِ الْآيَةِ نَسْخٌ؛ لِأَنَّهَا خَبَرٌ، وَإِنَّمَا التَّأْوِيلُ أَنَّهُ لَمَّا أَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿إن تُبْدُوا مَا فِي
الحواشي
(١) ١ في (م): قالا، بالتثنية، وهو خطأ.
٢ أخرجه الطبري في جامع البيان٣/ ٩٨، وابن أبي حاتم في تفسيره المخطوط اورقة ٢٢٦، والنحاس في الناسخ والمنسوخ ص: ٨٥ عن مجاهد.
٣ قال المؤلف في زاد المسير١/ ٣٤٤: (قال ابن الأنباري: وَقَدْ ذَهَبَ قَوْمٌ إِلَى أَنَّ المحاسبة ها هنا هي إطلاع الله العبد يوم القيامة على ما كان حدث به نفسه في الدنيا، ليعلم أنه لم يعزب عنه شيء. قال: وَالَّذِي نَخْتَارُهُ أَنْ تَكُونَ الْآيَةُ مُحْكَمَةٌ. لِأَنَّ النَّسْخَ إِنَّمَا يَدْخُلُ على الأمر والنهي. وقد روى عن عائشة أنها قالت: أما ما أعلنت فالله يحاسبك به، وأما ما أخفيت فما عجلت لك به العقوبة في الدنيا).
٤ في (هـ): على، بدل فِي.стр. 290
أَنْفُسِكُمْ أَو تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ﴾ اشْتَدَّ عَلَيْهِمْ وَوَقَعَ فِي قُلُوبِهِمْ مِنْهُ شَيْءٌ عَظِيمٌ، فَنَسَخَ ذَلِكَ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلاّ وُسْعَهَا﴾ أي: نسخ ماوقع بِقُلُوبِهِمْ، أَيْ: أَزَالَهُ وَرَفَعَهُ"١.
ذِكْرُ الْآيَةِ السَّابِعَةِ وَالثَّلاثِينَ: قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلاّ وُسْعَهَا﴾ ٢.
اخْتَلَفُوا فِي هَذِهِ الْآيَةِ هَلْ هِيَ مُحْكَمَةٌ أَوْ مَنْسُوخَةٌ عَلَى قولين:
أحدهما: أَنَّهَا مُحْكَمَةٌ، وَأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى إِنَّمَا يُكَلِّفُ الْعِبَادَ قَدْرَ طَاقَتِهِمْ فَحَسْبُ وَهَذَا مَذْهَبُ الأَكْثَرِينَ.
وَالثَّانِي: أَنَّهَا اقْتَضَتِ التَّكْلِيفَ بِمِقْدَارِ الْوُسْعِ بِحَيْثُ لا يَنْقُصُ مِنْهُ، فَنَزَلَ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ﴾ ٣ وَذَلِكَ يَنْقُصُ عَنْ مِقْدَارِ الْوُسْعِ فنسختها٤.
الحواشي
(٤) إن هذه الآية محكمة، لأنها خبر. ونسخ الخبر تكذيب للمخبر تعالى الله عن ذلك علو كبيراً. وإلى الإحكام ذهب مكي بن أبي طالب أيضاً في ناسخه ص: ١٦٨، وروى ذلك ابن أبي حاتم في تفسيره اورقة ٢٢٧، عن عائشة وابن عمر وابن عباس في رواية والحسن والضحاك والربيع بن أنس.
٢ الآية(٢٨٦) من سورة البقرة.
٣ الآية(١٨٥) من سورة البقرة.
٤ ذكره أبن حزم الأنصاري في ناسخه ص:٣٢٦، وهبة الله بن سلامة في ناسخه ص: ٢٨.стр. 291
والقول الأول١ أصح٢.
الحواشي
(١) ١ في (هـ) كلمة الأول مكررة.
٢ قلت: لم يتعرض المؤلف لدعوى النسخ في هذه الآية في زاد الميسر ولا في مختصر عمدة الراسخ، كما لم يتعرض لذلك النحاس ومكي بن أبي طالب في ناسخيهما.стр. 292
بَابُ: ذِكْرِ الْآيَاتِ اللَّوَاتِي ادُّعِيَ عَلَيْهِنَّ النَّسْخُ فِي سُورَةِ آلِ عِمْرَانَ
ذِكْرُ الْآيَةِ الأُولَى: قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلاغُ﴾ ١.
قَدْ ذَهَبَ بَعْضُ الْمُفَسِّرِينَ إِلَى أَنَّ هَذَا الْكَلامَ اقْتَضَى الِاقْتِصَارَ عَلَى التَّبْلِيغِ دُونَ الْقِتَالِ ثُمَّ نُسِخَ بِآيَةِ السَّيْفِ٢ وَقَالَ بَعْضُهُمْ لَمَّا كَانَ ﷺ حَرِيصًا عَلَى إِيمَانِهِمْ مُزْعِجًا نَفْسَهُ فِي الِاجْتِهَادِ فِي ذَلِكَ سَكَنَ جَأْشُهُ بِقَوْلِهِ: ﴿إِنَّمَا أَنْتَ نَذِيرٌ﴾ ٣ و ﴿فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلاغُ﴾ وَالْمَعْنَى: لا تَقْدِرُ عَلَى سَوْقِ قُلُوبِهِمْ إِلَى الصَّلاحِ فَعَلَى هَذَا لا نسخ٤.
الحواشي
(٢٠) من سورة آل عمران.
٢ ذكر دعوى النسخ في هذه الآية ابن حزم في معرفة الناسخ والمنسوخ ص:٣٢٦، وهبة الله في الناسخ والمنسوخ ص: ٢٨ وأبو هلال في الإيجاز لمعرفة الناسخ والمنسوخ، المخطوط ورقة ٢١.
٣ الآية(١٢) من سورة هود.
٤ قلت: عرض المؤلف دعوى النسخ في مختصر عمدة الراسخ وتفسيره زاد المسير في هذه الآية بنفس الأسلوب الذي عرضه هنا، ولم يقم بالرد ولا بالترجيح. ولعل ذلك لضعف هذا القول الذي لم يستند على أي دليل نقلي صحيح. والذي يظهر من أسلوب الآية أنه إخبار من الله تعالى بأن الرسول إذا بلغ ما أنزل الله صار مؤدياً واجبه سواء كان قبل وجوب القتال أو بعده فلا وجه للنسخ والله أعلم. وقد أعرض عن ذكر دعوى النسخ في هذه الآية أبو جعفر النحاس ومكي بر أبي طالب.стр. 293
ذِكْرُ الْآيَةِ الثَّانِيَةِ: قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿إِلاّ أَنْ تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقَاةً﴾ ١.
قد ذَهَبَ قَوْمٌ إِلَى أَنَّ الْمُرَادَ بِالْآيَةِ اتِّقَاءُ الْمُشْرِكِينَ أَنْ يُوقِعُوا فِتْنَةً أَوْ مَا يُوجِبُ الْقَتْلَ وَالْفُرْقَةَ ثُمَّ نُسِخَ ذَلِكَ بِآيَةِ السَّيْفِ٢.
وَلَيْسَ هَذَا بِشَيْءٍ، وَإِنَّمَا الْمُرَادُ مِنَ الْآيَةِ جَوَازُ اتِّقَائِهِمْ إِذَا أَكْرَهُوا الْمُؤْمِنَ عَلَى الْكُفْرِ بِالْقَوْلِ الَّذِي لا يَعْتَقِدُهُ وَهَذَا الْحُكْمُ باقٍ غَيْرُ مَنْسُوخٍ، وَهُوَ الْمُرَادُ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿إِلاَّّ مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالإٍِيمَانِ﴾ ٣.
أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْوَهَّابِ الْحَافِظُ قَالَ: أَبْنَا بْنُ خَيْرُونَ وَأَبُو طَاهِرٍ الباقلاوي، قالا: أَبْنَا بْنُ شَاذَانَ قَالَ: أَبْنَا أَحْمَدُ بْنُ كَامِلٍ قَالَ حَدَّثَنِي محمد ابن سَعْدٍ الْعَوْفِيُّ قَالَ: حَدَّثَنِي أَبِي قَالَ: حَدَّثَنِي عَمِّي، عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﴿إِلاّ أَنْ تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقَاةً﴾. وَالتُّقْيَةُ بِاللِّسَانِ: مِنْ حُمِلَ عَلَى أَمْرٍ يَتَكَلَّمُ بِهِ وَهُوَ مَعْصِيَةُ اللَّهِ فَتَكَلَّمَ بِهِ مَخَافَةَ النَّاسِ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالإِيمَانِ فَإِنَّ ذَلِكَ لا يَضُرُّهُ٤.
وَأَخْبَرَنَا عَبْدُ الْوَهَّابِ، قَالَ: أَبْنَا أَبُو طَاهِرٍ الْبَاقِلاوِيُّ قَالَ: أَبْنَا ابْنُ شَاذَانَ، قَالَ: أَبْنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ الْحَسَنِ، قَالَ: أَبْنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ الْحُسَيْنِ، قال: بنا آدم، قال: بنا وَرْقَاءَ عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ عَنْ مُجَاهِدٍ، ﴿إِلاّ أَنْ تَتَّقُوا
الحواشي
(٢٨) من سورة آل عمران.
٢ ذكر هبة الله هذه الآية من الآيات المنسوخة بآية السيف. انظر: الناسخ والمنسوخ ص: ٢٦.
٣ الآية(١٠٦) من سورة النحل.
٤ رواه الطبري عن ابن عباس بهذا الإسناد الذي هو مسلسل بالضعفاء كما أسلفنا. انظر: جامع البيان ٣/ ١٥٢.стр. 294
مِنْهُمْ تُقَاةً﴾ قَالَ: إِلا مُصَانَعَةً فِي الدِّينِ١ وَقَدْ زَعَمَ إِسْمَاعِيلُ السُّدِّيُّ، أَنْ قَوْلَهُ: ﴿لا يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ مَنْسُوخَةٌ بِقَوْلِهِ: ﴿إِلاّ أَنْ تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقَاةً﴾.
وَمِثْلُ هَذَا يَنْبَغِي تَنْزِيهُ الْكُتُبِ عَنْ ذِكْرِهِ فَضْلا عَنْ رَدِّهِ فَإِنَّهُ قَوْلُ مَنْ لا يَفْهَمُ مَا يَقُولُ٢.
ذِكْرُ الْآيَةِ الثَّالِثَةِ وَالرَّابِعَةِ وَالْخَامِسَةِ: قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿كَيْفَ يَهْدِي اللَّهُ قَوْماً كَفَرُوا بَعْدَ إِيمَانِهِمْ﴾ إلى قوله: ﴿يُنْظَرُونَ﴾ ٣.
اخْتَلَفَ الْمُفَسِّرُونَ فِيمَنْ نَزَلَتْ هَذِهِ الآيات على ثلاثة أقوال:
أحدها: أَنَّهَا نَزَلَتْ فِي الْحَارِثِ بْنِ سُوَيْدٍ٤ كَانَ قَدْ أَسْلَمَ ثُمَّ ارْتَدَّ وَلَحِقَ بِقَوْمِهِ. فَنَزَلَتْ فِيهِ هَذِهِ الآيَاتُ فَحَمَلَهَا إِلَيْهِ رَجُلٌ مِنْ قَوْمِهِ فَقَرَأَهُنَّ عَلَيْهِ فَرَجَعَ وأسلم، قاله مجاهد٥.
الحواشي
(٤) وقد أعرض عن ذكر دعوى النسخ في هذه الآية أمهات كتب النسخ المتقدمة.
٣ الآية ٨٦ - ٨٨ من سورة آل عمران.
٤ قال المؤلف في زاد المسير١/ ٤١٨: ذكر مجاهد والسدي: أن اسم ذلك الرجل الحارث بن سويد.
وقد جاء في تجريد أسماء الصحابة، أنه الحارث بن سويد بن الصامت الأنصاري أخو الجلاس، قيل: إنه ارتد عن الإسلام ثم رجع وحسن إسلامه، قال ابن الأثير: لا خلاف بين أهل الأثر أن هذا قتل بالمجذر بن زياد؛ لأنه قتل المجذر يوم أحد غيلة؛ لأنه قتل أباه سويداً في الجاهلية وكان الحارث شهد بدراً. قاله الواقدي. انظر: تجريد أسماء الصحابة ١/ ١٠١.
٥ أخرجه الطبري في جامع البيان٣/ ٢٤٢ عن مجاهد، والواحدي في أسباب النزول ص: ٧٥ عن ابن عباس ﵄.стр. 295
وَالثَّانِي: أَنَّهَا نَزَلَتْ فِي عَشَرَةٍ آمَنُوا ثُمَّ ارْتَدُّوا، وَمِنْهُمْ طُعْمَةُ وَوُحُوحُ وَالْحَارِثُ بْنُ سُوَيْدٍ، فَنَدِمَ مِنْهُمُ الْحَارِثُ وَعَادَ إِلَى الْإِسْلامِ. رَوَاهُ أَبُو صَالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا١.
وَالثَّالِثُ: أَنَّهَا نَزَلَتْ فِي أَهْلِ الْكِتَابِ آمَنُوا بِالنَّبِيِّ ﷺ قَبْلَ أَنْ يُبْعَثَ ثُمَّ كَفَرُوا بِهِ. رَوَاهُ عَطِيَّةُ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَبِهِ قَالَ الْحَسَنُ٢.
وَقَوْلُهُ: ﴿كَيْفَ يَهْدِي اللَّهُ قَوْماً كَفَرُوا﴾ استفهام في معنى الجحد، أي: لا يَهْدِيهِمُ اللَّهُ. وَفِيهِ طَرْفٌ مِنَ التَّوْبِيخِ، كَمَا يَقُولُ الرَّجُلُ لِعَبْدِهِ: كَيْفَ أُحْسِنُ إِلَى مَنْ لا يُطِيعُنِي. أَيْ: لَسْتُ أَفْعَلُ ذَلِكَ وَالْمَعْنَى: أَنَّهُ (لا يَهْدِي) ٣ مَنْ عَانَدَ بَعْدَ أَنْ بَانَ لَهُ الصَّوَابُ. وَهَذَا مُحْكَمٌ لا وَجْهَ لِدُخُولِ النَّسْخِ عَلَيْهِ وَقَدْ زَعَمَ قَوْمٌ مِنْهُمُ السُّدِّيُّ٤ أَنَّ هَذِهِ الْآيَاتِ مَنْسُوخَاتٌ بِقَوْلِهِ: ﴿إِلاّ الَّذِينَ تَابُوا مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ﴾.
أَخْبَرَنَا الْمُبَارَكُ بْنُ عَلِيٍّ، قَالَ: أَبْنَا أَحْمَدُ بْنُ الْحُسَيْنِ بْنِ قُرَيْشٍ، قَالَ: أَبْنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ عُمَرَ الْبَرْمَكِيُّ، قَالَ: أَبْنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ بْنِ الْعَبَّاسِ، قَالَ: أَبْنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي داود، قال: بنا محمد بن الحسين، قال: بنا أحمد بن المفضل، قال: بنا أَسْبَاطٌ عَنِ السُّدِّيِّ، ﴿كَيْفَ يَهْدِي اللَّهُ قَوْماً كَفَرُوا﴾ قال:
الحواشي
(١) ١ أخرجه الطبري عن عكرمة وفيه: نزلت في اثني عشر رجلاً رجعوا عن الإسلام. انظر: جامع البيان ٣/ ٢٤٢.
٢ أخرجه الطبري بسند ضعيف عن ابن عباس رصي الله عنهما، كما أخرجه هو وابن أبي حاتم عن الحسن. انظر: المصدر السابق من جامع البيان.
٣ في (هـ): لا يهدم، وهر تحريف.
٤ في النسختين هنا (إلى أن) ولعلها زيادة من النساخ.стр. 296
نَزَلَتْ فِي الْحَارِثِ ثُمَّ أَسْلَمَ فنسخها الله عزوجل فَقَالَ: ﴿إِلاّ الَّذِينَ تَابُوا مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَأَصْلَحُوا﴾ ١.
قُلْتُ: وَقَدْ بَيَّنَّا فِيمَا تَقَدَّمَ أَنَّ الِاسْتِثْنَاءَ لَيْسَ بِنَسْخٍ وَإِنَّمَا هُوَ مُبَيِّنٌ، أَنَّ اللَّفْظَ الأَوَّلَ لَمْ يُرَدْ بِهِ الْعُمُومُ وَإِنَّمَا الْمُرَادُ بِهِ مَنْ عَانَدَ وَلَمْ يَرْجِعْ إِلَى الْحَقِّ بَعْدَ وُضُوحِهِ، وَيُؤَكِّدُ هَذَا أَنَّ الآيَاتِ خَبَرٌ، والنسخ لا يدخل في الأَخَبْارِ بِحَالٍ٢.
ذِكْرُ الآيَةِ السَّادِسَةِ: قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ﴾ ٣.
قَالَ السُّدِّيُّ: "هَذَا الْكَلامُ تَضَمَّنَ وُجُوبَ الْحِجِّ عَلَى جَمِيعِ الْخَلْقِ الْغَنِيِّ وَالْفَقِيرِ وَالْقَادِرِ وَالْعَاجِزِ، ثُمَّ نُسِخَ فِي حَقِّ عَادِمِ الاسْتِطَاعَةِ بِقَوْلِهِ: ﴿مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً﴾
الحواشي
(٨١) من سورة آل عمران.
أورد ابن حزم الأنصاري في ناسخه المطبوع على هامش تفسير ابن عباس ص: ٣٢٧، وابن سلامة في ناسخه ص: ٢٩ وابن هلال في ناسخه المخطوط ورقة ٢١، هذه الآية وقالوا: (ثم استثنى الله تعالى بِقَوْلِهِ: ﴿إِلاّ الَّذِينَ تَابُوا مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَأَصْلَحُوا﴾.
٢ قلت: صرح المؤلف في زاد المسير١/ ٤١٨، بأن هذه الآية ليست منسوخة، وأما في مختصر عمدة الراسخ فقد فقد من الميكروفيلم الذي جئت به من دار الكتب المصرية ورقة كاملة تتضمن جزءاً كبيراً من سورتي آل عمران والنساء.
وأما النحاس ومكي بن أبي طالب فلم يتعرضا لدعوى النسخ في هذه الآية أصلاً.
٣ الآية(٩٧) من سورة آل عمران.стр. 297
قلت: وهذا قوله قَبِيحٌ، وَإِقْدَامٌ بِالرَّأْيِ الَّذِي لا يَسْتَنِدُ إِلَى مَعْرِفَةِ اللُّغَةِ الْعَرَبِيَّةِ الَّتِي نَزَلَ بِهَا الْقُرْآنُ عَلَى الْحُكْمِ بِنَسْخِ الْقُرْآنِ، وَإِنَّمَا الصَّحِيحُ مَا قَالَهُ النَّحْوِيُّونَ كَافَّةً فِي هَذِهِ الآيَةِ، فَإِنَّهُمْ قَالُوا: (مَنْ) بَدَلٌ مِنَ (النَّاسِ) وَهَذَا بَدَلُ الْبَعْضِ١ كَمَا يَقُولُ ضَرَبْتُ زَيْدًا بِرَأْسِهِ، فَيَصِيرُ تَقْدِيرُ الْآيَةِ: وَلِلَّهِ عَلَى مَنِ اسْتَطَاعَ مِنَ النَّاسِ الحج أَنْ يَحُجَّ٢.
ذِكْرُ الآيَةِ السَّابِعَةِ: قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ﴾ ٣.
اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ هَلْ هَذَا مُحْكَمٌ أو منسوخ على قولين:
أحدهما: أنه منسوب.
أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ حَبِيبٍ الْعَامِرِيُّ، قَالَ: أَبْنَا عَلِيُّ بْنُ الْفَضْلِ، قَالَ: أَبْنَا ابْنُ عَبْدِ الصَّمَدِ، قَالَ: أَبْنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنِ حَمُّويَةَ، قَالَ: أَبْنَا إِبْرَاهِيمُ بن خريم، قَالَ: أَبْنَا عَبْدُ الْحَمِيدِ، قَالَ: بنا إِبْرَاهِيمُ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عِكْرِمَةَ ﴿اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ﴾ قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: فَشُقَّ ذَلِكَ على المسلمين فأنزل الله عزوجل بَعْدَ ذَلِكَ ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ ٤.
قَالَ عَبْدُ الْحَمِيدِ: وَأَبْنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ عَنْ مَعْمَرٍ عَنْ قَتَادَةَ ﴿اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ﴾ قَالَ: نَسَخَتْهَا ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ ٥.
الحواشي
(١٠٢) من سورة آل عمران.
٤ ذكره السيوطي في الدر المنثور٢/ ٥٩ وعزاه إلى عبد بن حميد عن عكرمة.
٥ الآية(١٦) من سورة التغابن.стр. 298
أَخْبَرَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ أَحْمَدَ، قَالَ: أَبْنَا عُمَرُ بْنُ عُبَيْدِ اللَّهِ، قَالَ: أَبْنَا ابْنُ بِشْرَانَ، قَالَ: أَبْنَا إِسْحَاقُ بْنُ أَحْمَدَ الْكَاذِيُّ، قال: بنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَحْمَدَ، قَالَ: حدثني أبي، قال: بنا عبد الرزاق قال: بنا مَعْمَرٌ عَنْ قَتَادَةَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ﴾ قَالَ: أَنْ يُطَاعَ فَلا يُعْصَى، ثُمَّ نَسَخَهَا قَوْلُهُ: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ ١.
أَخْبَرَنَا الْمُبَارَكُ بْنُ عَلِيٍّ، قَالَ: أَبْنَا أَحْمَدُ بْنُ الْحُسَيْنِ بْنِ قُرَيْشٍ، قَالَ: أَبْنَا أَبُو إِسْحَاقَ الْبَرْمَكِيُّ، قَالَ: (أَبْنَا مُحَمَّدُ) ٢ بْنُ إِسْمَاعِيلَ بْنِ الْعَبَّاسِ، قَالَ: أَبْنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي دَاوُدَ، قال: بنا يعقوب بن سفيان، قال: بنا ابن بكير، قال: بنا ابْنِ لَهِيعَةَ عَنْ عَطَاءِ بْنِ دِينَارٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ قَالَ: لَمَّا نَزَلَتْ: ﴿اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ﴾ اشْتَدَّ عَلَى الْقَوْمِ الْعَمَلُ فَقَامُوا حَتَّى وَرِمَتْ عَرَاقِيبُهُمْ وَتَقَرَّحَتْ جِبَاهُهُمْ فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَخْفِيفًا عَنِ الْمُسْلِمِينَ ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ فنسخت الآية الأولى٣.
وعن ابن لَهِيعَةَ عَنْ أَبِي صَخْرٍ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ كَعْبٍ ﴿اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ﴾ قَالَ: نَسَخَتْهَا ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾.
قَالَ: أَبُو بَكْرٍ: وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بن الحسين بْنِ أَبِي حُنَيْفٍ، قَالَ: أَبْنَا أَحْمَدُ بْنُ الْمُفَضَّلِ، قَالَ: أَبْنَا أَسْبَاطٌ عَنِ السُّدِّيِّ قَالَ: "أَمَّا حق تقاته: أَنْ يُطَاعَ فَلا يُعْصَى، وَيُذْكَرَ فَلا يُنْسَى، وَيُشْكَرَ فَلا يُكْفَرَ فَلَمْ (يُطِقِ) ٤ النَّاسُ هَذَا فَنَسَخَهَا اللَّهُ عَنْهُمْ فَقَالَ: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ ".
الحواشي
(١) ١ أخرج نحو هذا القول الطبري في جامع البيان ٤/ ٢٠ عن قتادة من طريق همام، كما أخرج نحوه عنه النحاس في ناسخه ص: ٨٨، وذكره السيوطي أيضاً في الدر المنثور٢/ ٥٩ معزياً إلى ابن أبي داود في ناسخه عن قتادة.
٢ في (هـ) هنا تقديم وتأخير ولعله من الناسخ.
٣ ذكره السيوطي في المصدر السابق وعزاه إلى ابن أبي حاتم في تفسيره عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ.
٤ فِي (هـ): يطلق، وهو تحريف.стр. 299
وَإِلَى هُنَا ذَهَبَ الرَّبِيعُ بْنُ أَنَسٍ، وَابْنُ زَيْدٍ، وَمُقَاتِلُ بْنُ سُلَيْمَانَ١.
وَمِنْ نَصَّ هَذَا الْقَوْلِ قال: حق تقاته: هُوَ الْقِيَامُ لَهُ بِجَمِيعِ مَا يَسْتَحِقُّهُ مِنْ طَاعَةٍ وَاجْتِنَابِ مَعْصِيَةٍ، قَالُوا: هَذَا أَمْرٌ تَعْجَزُ الْخَلائِقُ عَنْهُ، فَكَيْفَ بِالْوَاحِدِ مِنْهُمْ فَوَجَبَ أَنْ تَكُونَ مَنْسُوخَةً وَأَنَّ تَعَلُّقَ الأَمْرِ بِالاسْتِطَاعَةِ.
وَيُوَضِّحُ هَذَا مَا أَخْبَرَنَا بِهِ يَحْيَى بْنُ عَلِيٍّ الْمُدِيرُ٢ قَالَ: أَبْنَا أَبُو الْحُسَيْنِ بْنُ الْمَنْصُورِ قَالَ: أَبْنَا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْحِرْزِيُّ، قَالَ: أَبْنَا البغوي، قال: بنا محمد بن بكار، قال: بنا مُحَمَّدُ بْنُ طَلْحَةَ عَنْ زُبَيْدٍ عَنْ مُرَّةَ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ ﵁ ﴿اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ﴾ قَالَ: "أَنْ يُطَاعَ فَلا يُعْصَى وَأَنْ يُذْكَرَ فَلا يُنْسَى، وَأَنْ يُشْكَرَ فَلا يُكْفَرُ"٣.
وَالْقَوْلُ الثَّانِي: أَنَّهَا مُحْكَمَةٌ.
أَخْبَرَنَا الْمُبَارَكُ بْنُ عَلِيٍّ، قَالَ: أَبْنَا أَحْمَدُ بْنُ الْحُسَيْنِ بْنِ قُرَيْشٍ، قَالَ: أَبْنَا إِسْحَاقَ الْبَرْمَكِيُّ، قَالَ: أَبْنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ بْنِ الْعَبَّاسِ، قَالَ: بنا أبو
الحواشي
(١) ١ ذكر دعوى النسخ الطبري في هذه الآية عن الرَّبِيعُ بْنُ أَنَسٍ، وَابْنُ زَيْدٍ وعن السدي من طريق أسباط كما ذكر المؤلف عنهم وعن مقاتل بن سليمان. انظر: جامع البيان ٤/ ٢٠، وزاد المسير١/ ٤٣٤.
٢ هو: يحيى بن علي المدير بن عمر بن علي الطراح أبو محمد المدني ولد سنة ٤٥٩هـ من مشايخ ابن الجوزي، يقول عنه: سمع من أبي محمد الصرفيني وأبي الحسين ابن المهتدي وغيرهما. وكان سماعه صحيحاً وهو من أهل السنة شهد له بذلك شيخنا ابن ناصر، مات سنة ٥٢٦هـ. انظر: المنتظم١٠/ ١٠١؛ ومشيخة ابن الجوزي ص: ١٠٥.
٣ أخرجه الحاكم في المستدرك٢/ ٢٩٤ مرفوعاً على ابْنِ مَسْعُودٍ ﵁ في كتاب التفسير. وقال الحاكم: صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه. وليس فيه (وأن يشكر فلا يكفر).стр. 300
بَكْرِ بْنُ أَبِي دَاوُدَ، قَالَ: بنا يعقوب بن سفيان، قال: بنا أَبُو صَالِحٍ، قَالَ: حَدَّثَنِي مُعَاوِيَةُ بْنُ صَالِحٍ عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ ﴿اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ﴾ قَالَ: "لَمْ تُنْسَخْ, وَلَكِنْ حَقَّ تقاته: أَنْ تُجَاهِدُوا فِي اللَّهِ حَقَّ جِهَادِهِ. وَلا تَأْخُذُهُمْ فِي اللَّهِ لَوْمَةُ لائِمٍ وَيَقُومُوا لِلَّهِ بِالْقِسْطِ وَلَوْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَآبَائِهِمْ وَأَبْنَائِهِمْ".
وَهَذَا مَذْهَبُ طَاوُسٍ وَهُوَ الصَّحِيحُ١.
لأن التقوى: هو اجْتِنَابُ مَا نَهَى اللَّهُ عَنْهُ، وَلَمْ يَنْهَ عَنْ شَيْءٍ وَلا أَمَرَ بِهِ إِلا وَهُوَ دَاخِلٌ تحت (الطاقة) ٢ كما قال عزوجل: ﴿لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلاّ وُسْعَهَا﴾ ٣.
فَالْآيَتَانِ مُتَوَافِقَتَانِ، وَالتَّقْدِيرُ: "اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ مَا اسْتَطَعْتُمْ".
فَقَدْ فَهِمَ الأَوَّلُونَ مِنَ الآيَةِ تَكْلِيفَ مَا لا يُسْتَطَاعُ فَحَكَمُوا بِالنَّسْخِ وَقَدْ رَدَّ عَلَيْهِمْ ذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلاّ وُسْعَهَا﴾ وإنما قوله حق تقاته، كقوله: حق جهاده، الحق ها هنا بِمَعْنَى الْحَقِيقَةِ. ثُمَّ إِنَّ هَفْوَةَ المذنب
الحواشي
(٢٨٦) من سورة البقرة.стр. 301
لا تُنَافِي أَنْ يَكُونَ مُكَلَّفًا لِلتَّحَفُّظِ، وَإِنَّمَا شُرِعَ الاسْتِغْفَارُ وَالتَّوْبَةُ بِوُقُوعِ الْهَفَوَاتِ.
وَقَالَ أَبُو جَعْفَرٍ النَّحَّاسُ: "مَعْنَى قَوْلِ الأَوَّلِينَ نُسِخَتْ هَذِهِ الآيَةُ أَيْ: أُنْزِلَتِ الأُخْرَى بِنُسْخَتِهَا وَهُمَا وَاحِدٌ، وَإِلا فَهَذَا لا يَجُوزُ أَنْ يُنْسَخَ، لِأَنَّ النَّاسِخَ هُوَ الْمُخَالِفُ لِلْمَنْسُوخِ مِنْ جَمِيعِ جِهَاتِهِ الرَّافِعُ لَهُ الْمُزِيلُ حُكْمَهُ"١.
وَقَالَ ابْنُ عَقِيلٍ: لَيْسَتْ مَنْسُوخَةً، لِأَنَّ قَوْلَهُ: ﴿مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ بَيَانٌ لِحَقِّ تُقَاتِهِ وَأَنَّهُ تَحْتَ الطَّاقَةِ فَمَنْ سَمَّى بَيَانَ الْقُرْآنِ نَسْخًا فَقَدْ أَخْطَأَ.
وَهَذَا فِي تَحْقِيقِ الْفُقَهَاءِ يُسَمَّى: تَفْسِيرٌ مُجْمَلٌ أَوْ بَيَانٌ مُشْكَلٌ، وَذَلِكَ أَنَّ الْقَوْمَ ظَنُّوا أَنَّ ذَلِكَ تَكْلِيفُ (مَا لا يُطَاقُ) ٢ فَأَزَالَ اللَّهُ إِشْكَالَهُمْ. فَلَوْ قَالَ: لا تَتَّقُوهُ حَقَّ تُقَاتِهِ كَانَ نَسْخًا، وَإِنَّمَا بَيَّنَ٣ أَنِّي لَمْ أُرِدْ بِحَقِّ التُّقَاةِ، مَا لَيْسَ فِي الطَّاقَةِ٤.
الحواشي
(١) ١ انظر نص كلام النحاس في كتابه الناسخ والمنسوخ ص: ٨٦.
٢ في (هـ): ولا يطاق.
٣ في (هـ): (لم) زائدة ولعلها من الناسخ.
٤ قال المؤلف ﵀ في تفسيره بعد إيراد دعوى النسخ والإحكام عن قائليهما -: "قَالَ شَيْخُنَا عَلِيُّ بْنُ عُبَيْدِ الله: والاختلاف في نسخها وإحكامها يرجع إلى اختلاف المعنى المراد بها، فالمعتقد بنسخها يرى: أن حق تقاته الوقوف مع جميع ما يجب له ويستحقه، وقد يعجز الكل عن الوفاء فتحصيله من الواحد ممتنع. والمعتقد إحكامها يرى أن حق تقاته أداء ما يلزم العبد على قدر طاقته فكان قوله تعالى: ﴿مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ مفسراً لـ ﴿حَقَّ تُقَاتِهِ﴾ لا ناسخاً ولا مخصصاً". انظر: زاد المسير ١/ ٤٣٢.стр. 302
ذِكْرُ الْآيَةِ الثَّامِنَةِ: قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿لَنْ يَضُرُّوكُمْ إِلاّ أَذىً﴾ ١.
قَالَ جُمْهُورُ الْمُفَسِّرِينَ: مَعْنَى الْكَلامِ: لَنْ يَضُّرُوكُمْ ضُرًا بَاقِيًا فِي جَسَدٍ (أَوْ مَالٍ) ٢ إِنَّمَا هُوَ شَيْءٌ يَسِيرٌ سَرِيعُ الزَّوَالِ، وَتُثَابُونَ عَلَيْهِ. وَهَذَا لا يُنَافِي الأَمْرَ بِقِتَالِهِمْ فَالْآيَةُ مُحْكَمَةٌ عَلَى هَذَا، وَيُؤَكِّدُهُ أَنَّهَا خَبَرٌ، وَالأَخْبَارُ لا تُنْسَخُ.
وَقَالَ السُّدِّيُّ: الإِشَارَةُ إِلَى أَهْلِ الْكِتَابِ وَذَلِكَ قَبْلَ أَنْ يُؤْمَرَ بِقِتَالِهِمْ فَنُسِخَتْ بِقَوْلِهِ: ﴿قَاتِلُوا الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلا بِالْيَوْمِ الآخِرِ﴾ ٣ وَالأَوَّلُ أَصَحُّ.
ذِكْرُ الآيَةِ التَّاسِعَةِ: قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَمَنْ يُرِدْ ثَوَابَ الدُّنْيَا نُؤْتِهِ مِنْهَا وَمَنْ يُرِدْ ثَوَابَ الآخِرَةِ نُؤْتِهِ مِنْهَا﴾ ٤.
جُمْهُورُ الْعُلَمَاءِ عَلَى أَنَّ هَذَا الْكَلامَ مُحْكَمٌ وَاسْتَدَلُّوا عَلَيْهِ (بِشَيْئَيْنِ) ٥:
أحدهما: أَنَّهُ خَبَرٌ وَالْخَبَرُ لا يَدْخُلُهُ النسخ.
الحواشي
(١١١) من سورة آل عمران.
٢ في (هـ): أو قال، وهو تحريف.
٣ الآية(٢٦) من سورة التوبة.
قلت: ذكر دعوى النسخ في هذه الآية هبة الله بن سلامة في ناسخه ص: ٢٩، ولم يتعرض له غيره من أصحاب أمهات كتب النسخ كما لم يذكر النسخ أحد من الطبري وابن الجوزي، وابن كثير في تفاسيرهم.
٤ الآية(١٤٥) من سورة آل عمران.
٥ في (هـ): بسببين، وهو تصحيف.стр. 303
وَالثَّانِي: أَنَّهُمْ قَالُوا: مَا أَحَدٌ إِلا وَلَهُ مِنَ الدُّنْيَا نَصِيبٌ مُقَدَّرٌ، وَلا يَفُوتُهُ مَا قُسِمَ لَهُ. فَمَنْ كَانَتْ هِمَّتُهُ ثَوَابُ الدُّنْيَا أَعْطَاهُ اللَّهُ مِنْهَا مَا قُدِّرَ لَهُ وَذَلِكَ هُوَ الَّذِي يَشَاؤُهُ اللَّهُ، وَهُوَ الْمُرَادُ بِقَوْلِهِ: ﴿عَجَّلْنَا لَهُ فِيهَا مَا نَشَاءُ لِمَنْ نُرِيدُ﴾ ١ وَلَمْ يَقُلْ يُؤْتِهِ مِنْهَا مَا يَشَاءُ هُوَ.
وَيُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ الْمَعْنَى: (لِمَنْ يُرِيدُ) ٢ أَنْ يَفْتِنَهُ أَوْ يُعَاقِبَهُ.
وَذَهَبَ السُّدِّيُّ إِلَى أَنَّهُ مَنْسُوخٌ٣ بِقَوْلِهِ: ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْعَاجِلَةَ عَجَّلْنَا لَهُ فِيهَا مَا نَشَاءُ لِمَنْ نُرِيدُ﴾ وَلَيْسَ هَذَا بِقَوْلِ مَنْ يَفْهَمُ النَّاسِخَ وَالْمَنْسُوخَ، فَلا يُعَوَّلُ عَلَيْهِ.
ذِكْرُ الْآيَةِ الْعَاشِرَةِ: قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الأمُورِ﴾ ٤
الْجُمْهُورُ عَلَى إِحْكَامِ هَذِهِ الآيَةِ، لِأَنَّهَا تَضَمَّنَتِ الأَمْرَ بِالصَّبْرِ وَالتَّقْوَى وَلا بُدَّ لِلْمُؤْمِنِ مِنْ ذَلِكَ.
وَقَدْ ذَهَبَ قَوْمٌ إِلَى أَنَّ الصبر المذكور ها هنا منسوخ بآية السيف٥.
الحواشي
(١٨) من سورة الإسراء.
٢ في (م): لم يريد، وفي (هـ): لم يرد، كلاهما خطأ والصواب ما أثبت كما يظهر من السياق.
٣ قلت: أورد هبة الله في ناسخه(٣٠) هذه الآية مع الآيات المنسوخة، وأعرض غيره من علماء النسخ والتفسير عن إدخالها ضمن الآيات المنسوخة. وأما المؤلف ﵀ فقد أورد في تفسيره شبيهاً لما ذكر هنا مناقشة ورداً. انظر: زاد المسير ١/ ٤٧٠.
٤ الآية(١٨٦) من سورة آل عمران.
٥ قلت: عد هذه الآية من المنسوخ هبة الله في المصدر السابق. وأما المؤلف فقد سلك في تفسيره عند ذكر هذه الآية مسلكه هنا.
والذي يظهر أنه مع الجمهرر، وسكوته يدل على أن مثل هذه الدعوى لا يحتاج إلى الردّ. لأن من المعلوم لدى الجميع أن كلاً من الصبر والتقوى مطلوب من المسلمين في القتال وغير القتال فلا وجه للنسخ. انظر: زاد المسير ١/ ٥٢٠.стр. 304
المجلد الثاني
بَابُ: ذِكْرِ الْآيَاتِ اللَّوَاتِي ادُّعِيَ عَلَيْهِنَّ النَّسْخُ فِي سُورَةِ النِّسَاءِ وَهِيَ سِتٌّ وَعِشْرُونَ.
ذِكْرُ الآيَةِ الأُولَى: قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَمَنْ كَانَ غَنِيّاً فَلْيَسْتَعْفِفْ وَمَنْ كَانَ فَقِيراً فَلْيَأْكُلْ بِالْمَعْرُوفِ﴾ ١.
اتَّفَقَ الْعُلَمَاءُ عَلَى أَنَّ الْوَصِيَّ الْغَنِيَّ لا يَحِلُّ لَهُ أَنْ يَأْكُلَ مِنْ مَالِ الْيَتِيمِ شَيْئًا، وقالوا: معنى قوله: ﴿فَلْيَسْتَعْفِفْ﴾ أَيْ: بِمَالِ نَفْسِهِ عَنْ مَالِ الْيَتِيمِ، فَإِنْ كَانَ فَقِيرًا فَلَهُمْ فِي الْمُرَادِ بِأَكْلِهِ بِالْمَعْرُوفِ أَرْبَعَةُ أقوال:
أحدها: أَنَّهُ الِاسْتِقْرَاضُ مِنْهُ، رَوَى حَارِثَةُ بْنُ (مُضَرِّبٍ) ٢ قَالَ: سَمِعْتُ عُمَرَ يَقُولُ: إِنِّي أَنْزَلْتُ مَالَ اللَّهِ مِنِّي بِمَنْزِلَةِ الْيَتِيمِ، إِنِ اسْتَغْنَيْتُ اسْتَعْفَفْتُ وَإِنِ افْتَقَرْتُ أَكَلْتُ بِالْمَعْرُوفِ ثم قضيت٣.
الحواشي
(١) ١ الآية السادسة من سورة النساء.
٢ هو: حارثة بن مضرّب بتشديد الراء المكسورة قبلها معجمة العبدي الكوفي روى عن عمر، وعلي، وابن مسعود، وغيرهم، ثقة من الثانية. انظر: تهذيب التهذيب٢/ ١٦٦ - ١٦٧؛ تقريب التهذيب ص: ٦١.
٣ أخرجه الطبري والنحاس من طريق حارثة بن مضرّب عن عمر بن الخطاب ﵁ وأخرجه البيهقي عنه من طريق البراء في باب (الولي يأكل من مال اليتيم). انظر: جامع البيان ٤/ ١٧١؛ والناسخ والمنسوخ ص: ٩٣؛ والسنن الكبرى ٦/ ٤.стр. 305
أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْوَهَّابِ الْحَافِظُ قَالَ: أَبْنَا أَبُو الْفَضْلِ بْنُ خَيْرُونُ، وَأَبُو طَاهِرٍ الْبَاقِلاوِيُّ، قَالا: أَبْنَا أَبُو عَلِيِّ بْنُ شَاذَانَ، قَالَ: أَبْنَا أَحْمَدُ بْنُ كَامِلٍ قَالَ: أَبْنَا مُحَمَّدُ بْنُ (سَعْدٍ) ١ قَالَ: حَدَّثَنِي أَبِي قَالَ: حَدَّثَنِي عَمِّي عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ ﴿فَلْيَأْكُلْ بِالْمَعْرُوفِ﴾ قَالَ: يَسْتَقْرِضُ مِنْهُ فَإِذَا وَجَدَ مَيْسَرَةً فَلْيَقْضِ مَا يَسْتَقْرِضُ (فَذَلِكَ) ٢ أَكْلُهُ بِالْمَعْرُوفِ٣.
أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْوَهَّابِ، قَالَ: أَبْنَا أَبُو طَاهِرٍ، قَالَ: أَبْنَا ابْنُ شَاذَانَ قَالَ: أَبْنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ الْحَسَنِ، قَالَ: أَبْنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ الْحُسَيْنِ، قَالَ: أَبْنَا آدَمُ قَالَ: أَبْنَا وَرْقَاءُ عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ عَنْ مُجَاهِدٍ، قَالَ: يَأْكُلُ بِالْمَعْرُوفِ: يَعْنِي: سَلَفًا مِنْ مَالِ يَتِيمِهِ٤.
وَهَذَا الْقَوْلُ مَذْهَبُ عُبَيْدَةَ السَّلْمَانِيِّ، وَأَبِي وَائِلٍ٥ وَسَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ٦ وَأَبِي الْعَالِيَةِ وَمُقَاتِلٍ. وَقَدْ حَكَى الطَّحَاوِيُّ٧ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ مِثْلَهُ٨ وَرَوَى يَعْقُوبُ بْنُ حَيَّانَ عَنْ أَحْمَدَ بن حنبل مثله.
الحواشي
(١) ١ في (هـ): سعيد. وهو تحريف.
٢ في (م): ذلك، وفي (هـ) كما سجلت وكذا في لفظ الطبري.
٣ ذكره الطبري عن ابن عباس موصولاً من طريق محمد بن سعد العوفي وإسناده كإسناد المؤلف مسلسل الضعفاء. انظر: جامع البيان ٤/ ١٧١.
٤ أخرج مثله الطبري عن مجاهد من طريق ابن أبي نجيح. انظر: جامع البيان٤/ ١٧٢.
٥ أبو وائل، هو: شقيق بن سلمة الأسدي أبو وائل الكوفي، أدرك النَّبِيِّ ﷺ ولم يره، روى عن الخلفاء الأربعة وغيرهم من الصحابة والتابعين. قال ابن معين: "ثقة لا يسأل عن مثله" مات سنة ٨٢هـ. انظر: تهذيب التهذيب ٤/ ٣٦١ - ٣٦٣.
٦ أخرج الطبري عن عُبَيْدَةَ السَّلْمَانِيِّ، وَأَبِي وَائِلٍ وَسَعِيدِ بن جبير نحوه. انظر: جامع البيان٤/ ١٧١.
٧ أما الطحاوي، فهو: العلامة أحمد بن محمد بن سلامة بن سلمة الأزدي الطحاوي أبو جعفر، فقيه انتهت إليه رئاسة الحنفية بمصر، ولد ونشأ في (طحا) من صعيد مصر وتفقه على مذهب الشافعي ثم تحول حنفياً، وله عدة تصانيف، منها الآثار، ومشكل الآثار، وأحكام القرآن، توفي سنة: ٢٢١هـ. انظر: البداية والنهاية١١/ ١٧٤؛ وتذكرة الحفاظ ٣/ ٨٨ - ٨١١.
٨ ذكر الجصاص قول الطحاوي هذا في أحكام القرآن٦/ ٦٥ عن أبي حنيفة.стр. 306
الْقَوْلُ الثَّانِي: أَنَّ الأَكْلَ بِالْمَعْرُوفِ أَنْ يَأْكُلَ مِنْ غَيْرِ إِسْرَافٍ.
أَخْبَرَنَا ابْنُ الْحُصَيْنِ، قَالَ: أَبْنَا ابْنُ غَيْلانَ، قَالَ: أَبْنَا أَبُو بكر الشافعي، قال: بنا إِسْحَاقُ بْنُ الْحَسَنِ، قَالَ: أَبْنَا موسى بن مسعود، قال: بنا الثوري؛ قال: بنا سُفْيَانُ عَنْ مُغِيرَةَ عَنْ إِبْرَاهِيمَ ﴿وَمَنْ كَانَ فَقِيراً فَلْيَأْكُلْ بِالْمَعْرُوفِ﴾ قال: ما سد الْجُوعَ (وَيُوَارِي) ١ الْعَوْرَةَ٢.
وَقَدْ رَوَى عِكْرِمَةُ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ أَنَّهُ قَالَ: "الْوَصِيُّ إِذَا احْتَاجَ وَضَعَ يَدِهُ مَعَ أَيْدِيهِمْ، وَلا يَلْبَسُ عِمَامَةً"٣.
وَقَالَ الْحَسَنُ: وَعَطَاءٌ وَمَكْحُولٌ٤: "يَأْخُذُ مَا يَسُدُّ الْجُوعَ وَيُوَارِي الْعَوْرَةَ وَلا يَقْضِي إِذَا وَجَدَ"٥.
قَالَ عِكْرِمَةُ وَالسُّدِّيُّ: "يَأْكُلُ بِأَطْرَافِ أَصَابِعِهِ وَلا يُسْرِفُ فِي الأَكْلِ وَلا يَكْتَسِي منه"، وهذا مذهب قتادة٦.
الحواشي
(١) ١ في (هـ): ووارى العورة.
٢ أخرجه الطبري عن إبراهيم النخعي في جامع البيان٤/ ١٧٣.
٣ أخرجه البيهقي عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ في باب (الولي يأكل من مال اليتيم). انظر: السنن الكبرى ٦/ ٤.
٤ أما مكحول، فهو: أبو عبد الله الفقيه الدمشقي رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ مرسلاً، وعن أبي بن كعب وثوبان وعبادة بن الصامت وأبي هريرة مرسلاً، ثقة فقيه كثير الإرسال، مات سنة عشرة ومائة هجرية. انظر: تهذيب التهذيب١٠/ ٢٩١ - ٢٩٣؛ وتقريب التهذيب ص: ٣٤٧.
٥ ذكر الجصاص في أحكام القرآن له ٢/ ٦٤ هذا القول عن الحسن، وعطاء ومكحول. وذكره الطبري بإسناد عَنْ عَطَاءِ بْنِ أَبِي رَبَاحٍ، كما روى عن أبي سعيد، قال: سأل مكحولاً عن والي اليتيم ما أكله بالمعروف إذا كان فقيراً، قال: يده مع يده، قيل له: فالكسوة، قال: يلبس من ثيابه فأما أن يتخذ ماله مالاً لنفسه فلا. انظر: جامع البيان ٤/ ١٧٠ - ١٧١.
٦ أخرج نحوه الطبري عن السدي عمن سمع ابن عباس ﵄ في جامع البيان٤/ ١٧٢، وذكر نحوه السيوطي في الدر المنثور ٢/ ١٢٢، وعزاه إلى عبد بن حميد وابن أبي حاتم عن ابن عباس رصي الله عنهما.стр. 307
وَالْقَوْلُ الثَّالِثُ: أَنَّهُ يَقُولُ: مَالُ الْيَتِيمِ بِمَنْزِلَةِ الْمَيْتَةِ يُتَنَاوَلُ مِنْهُ عِنْدَ الضَّرُورَةِ فَإِذَا أَيْسَرَ قَضَاهُ وَإِنْ لَمْ يُوسِرْ فَهُوَ فِي حِلٍّ. قَالَهُ الشَّعْبِيُّ١.
وَأَخْبَرَنَا عَبْدُ الْوَهَّابِ، قَالَ: أَبْنَا أَبُو طَاهِرٍ الْبَاقِلاوِيُّ وَقَالَ: أَبْنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ الْحَسَنِ، قَالَ: أَبْنَا إِبْرَاهِيمُ بن الحسين، قال: بنا آدم، قال: بنا وَرْقَاءُ، عَنْ عَبْدِ الأَعْلَى، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: "يَأْكُلُ وَالِي الْيَتِيمِ مِنْ مَالِ الْيَتِيمِ قُوتَهُ وَيَلْبَسُ مِنْهُ مَا يَسْتُرُهُ وَيَشْرَبُ فَضْلَ اللَّبَنِ وَيَرْكَبُ فَضْلَ الظَّهْرِ، فَإِنْ أَيْسَرَ قَضَاهُ وَإِنْ أَعْسَرَ كَانَ فِي حِلٍّ"٢.
فَهَذِهِ الأَقْوَالُ الثَّلاثَةُ تَدُلُّ عَلَى جَوَازِ الأَخْذِ عِنْدَ الْحَاجَةِ وَإِنِ اخْتَلَفَ أَرْبَابُهَا فِي الْقَضَاءِ.
الْقَوْلُ الرَّابِعُ: أَنَّ الأَكْلَ بِالْمَعْرُوفِ أَنْ يَأْخُذَ الْوَلِيُّ بِقَدْرِ أُجْرَتِهِ إِذَا عَمِلَ لِلْيَتِيمِ عَمَلا، وَرَوَى الْقَاسِمُ٣ بْنُ مُحَمَّدٍ: أَنَّ رَجُلا أَتَى ابْنَ عَبَّاسٍ فَقَالَ: لِيَتِيمٍ لِي إِبِلٌ فَمَا لِي مِنْ إِبِلِهِ؟ قَالَ: "إِنْ كُنْتَ تلوظ حِيَاضَهَا (وَتَهْنَأُ جَرْبَاهَا) ٤ وَتَبْغِي ضَالَّتَهَا وَتَسْعَى عَلَيْهَا فَاشْرَبْ غَيْرَ نَاهِكٍ بحلب ولا ضار بنسل"٥.
الحواشي
(١) ١ أخرج نحوه الطبري عن الشعبي في جامع البيان٤/ ١٧٢.
٢ أخرج نحوه البيهقي عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ عَنِ ابن عباس في السنن الكبرى٦/ ٥.
٣ وهو: القاسم بن محمد بن أبي بكر الصديق ﵃ التيمي ثقة أحد فقهاء المدينة، قال أيوب: ما رأيت أفضل منه من كبار الثالثة مات سنة: ١٠٦هـ على الصحيح. انظر: تقريب التهذيب ص: ٢٧٩.
٤ هذه العبارة مصحفة في النسختين صححتهما حسب رواية ابن جرير والنحاس.
٥ أخرج نحوه ابن جرير وأبي جعفر النحاس في ناسخه والبيهقي في سننه عن القاسم ابن محمد موقوفاً على ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄.
انظر: جامع البيان ٤/ ١٧٤؛ والناسخ والمنسوخ ص: ٩٣ - ٩٤؛ والسنن الكبرى ٦/ ٤.стр. 308
أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْوَهَّابِ قَالَ: أَبْنَا أَبُو طَاهِرٍ، قَالَ: أَبْنَا ابْنُ شَاذَانَ، قَالَ: أَبْنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ الْحَسَنِ قَالَ: أَبْنَا إِبْرَاهِيمُ بن الحسين، قال: بنا آدم، قال: بنا وَرْقَاءَ عَنِ ابْنِ نَجِيحٍ١ عَنْ عَطَاءِ بْنِ أَبِي رَبَاحٍ قَالَ: "يَضَعُ يَدَهُ مَعَ أَيْدِيهِمْ وَيَأْكُلُ معهم بقدر خدمته وقدر عمل"، وَقَدْ رَوَى أَبُو طَالِبٍ وَابْنُ مَنْصُورٍ عَنْ أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ مثل هذا٢.
الحواشي
(١) ١ من هنا ورقة كاملة ساقطة في الفلم من النسخة الهندية.
٢ وقد روى البخاري عَنْ عَائِشَةَ ﵂ في هذه الآية أنها نزلت في مال اليتيم إذا كان فقيراً أنه يأكل منه مكان قيامه عليه بالمعروف. انظر: صحيح البخاري مع الفتح٩/ ٣٠٩ - ٣١٠، وذكر نحوه السيوطي في الدر المنثور٢/ ١٢٢، وعزاه إلى ابن المنذر والطبراني عن ابن عباس ﵄.стр. 309
فَصْلٌ: وَعَلَى هَذِهِ الأَقْوَالِ الآيَةُ مُحْكَمَةٌ.
وَقَدْ ذَهَبَ قَوْمٌ إِلَى نَسْخِهَا: فَقَالُوا: كَانَ هَذَا فِي أَوَّلِ الأَمْرِ ثُمَّ نُسِخَتْ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿لا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِل﴾ ١ وَقَدْ حُكِيَ هَذَا الْمَعْنَى عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄.
أَخْبَرَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ أَحْمَدَ، قَالَ: أَبْنَا عُمَرُ بْنُ عُبَيْدِ اللَّهِ، قَالَ: أَبْنَا ابْنُ بِشْرَانَ، قَالَ: أَبْنَا إِسْحَاقُ بْنُ أَحْمَدَ الْكَاذِيُّ، قال: بنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ، قَالَ: حَدَّثَنِي أَبِي، قَالَ: بنا حَجَّاجٌ عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ عَنْ عَطَاءٍ الْخُرَاسَانِيِّ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ ﴿وَمَنْ كَانَ غَنِيّاً فَلْيَسْتَعْفِفْ وَمَنْ كَانَ فَقِيراً فَلْيَأْكُلْ بِالْمَعْرُوفِ﴾ قَالَ: نُسِخَ مِنْ ذَلِكَ الظُّلْمُ والاعتداء فنسخها: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْماً﴾ ٢.
أَخْبَرَنَا الْمُبَارَكُ بْنُ عَلِيٍّ، قَالَ: أَبْنَا أَحْمَدُ بْنُ الْحُسَيْنِ بْنِ قريش، قال: بنا أَبُو إِسْحَاقَ الْبَرْمَكِيُّ، قَالَ: أَبْنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ بْنِ الْعَبَّاسِ، قال: بنا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي دَاوُدَ، قال: بنا مُحَمَّدُ بْنُ سَعْدٍ، قَالَ: حَدَّثَنِي أَبِي عَنِ الْحُسَيْنِ (بْنِ الْحَسَنِ بْنِ عَطِيَّةَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَطِيَّةَ) ٣ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ في قوله: ﴿مَنْ كَانَ غَنِيّاً فَلْيَسْتَعْفِفْ وَمَنْ كَانَ فَقِيراً فَلْيَأْكُلْ بِالْمَعْرُوفِ﴾ نَسَخَتْهَا الآيَةُ الَّتِي تَلِيهَا ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْماً﴾ الآية٤.
الحواشي
(٢٩) من سورة النساء.
٢ أخرجه أبو جعفر النحاس عَنْ عَطَاءٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ في الناسخ والمنسوخ ص: ٩٢.
٣ في (م) في العبارة قلق، وقد جاء فيها (أن الحسن ابن عَطِيَّةَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَطِيَّةَ). والصواب ما أثبت كما قدمنا في ترجمة آل العوفي عند ذكر آية(١٨٠) من سورة البقرة.
٤ الآية العاشرة من سورة النساء.
وقد ذكر قول النسخ عن ابن عباس بهذا الإسناد الضعيف، الجصاص في أحكام القرآن ٢/ ٦٥ ويقول المؤلف في زاد المسير٢/ ١٧ بعد إيراد قول النسخ عن ابن عباس: (دعوى النسخ لم يصح عنه).стр. 310
قَالَ أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي داود: وبنا يعقوب بن سفيان، قال: بنا عبد الله ابن عثمان، قال: بنا عِيسَى بْنُ عُبَيْدٍ الْكِنْدِيُّ، قَالَ: بنا عبيد الله مولى عمر ابن مُسْلِمٍ أَنَّ الضَّحَّاكَ بْنَ مُزَاحِمٍ أخبره، قال: ﴿مَنْ كَانَ غَنِيّاً فَلْيَسْتَعْفِفْ﴾ الآية نسخت فقال: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْماً﴾ ١ الآيَةُ.
قُلْتُ: وَهَذَا مُقْتَضَى قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ، أَعْنِي النَّسْخَ، لِأَنَّ الْمَشْهُورَ عَنْهُ أَنَّهُ لا يَجُوزُ لِلْوَصِيِّ الأَخْذُ مِنْ مَالِ الْيَتِيمِ (عِنْدَ) ٢ الْحَاجَةِ عَلَى وَجْهِ الْقَرْضِ، وَإِنْ أُخِذَ ضُمِنَ٣.
وَقَالَ قَوْمٌ: لَوْ أَدْرَكَتْهُ ضَرُورَةٌ جَازَ لَهُ أَكْلُ الْمَيْتَةِ وَلا يَأْخُذُ مِنْ مال اليتيم شيئاً.
الحواشي
(١) ١ أخرج الجصاص أيضاً في المصدر السابق عن الضحاك من طريق عيسى بن عبيد الكندي كما ذكره السيوطي في الدر المنثور ٢/ ١٢٣، معزياً إلى أبي داود في ناسخه عن الضحاك.
٢ في (م): عن، وهو تحريف عما أثبت.
٣ ذكر الجصاص مثل هذه الآراء في المصدر السابق عن إماميه أبي حنيفة ومحمد.
قلت: مال المؤلف في زاد المسير٢/ ١٧، إلى إحكام هذه الآية، وقد ردّ ابن العربي دعوى النسخ هنا رداً عنيفاً حيث قال: (أما من قال: إنه منسوخ فهو بعيد لا أرضاه، لأن الله تعالى يقول: ﴿فَلْيَأْكُلْ بِالْمَعْرُوفِ﴾ وهو الجائز الحسن، وقال: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْماً﴾ فكيف ينسخ الظلم المعروف بل هو تأكيد له في التجويز، لأنه خارج عن مغاير له، وإذا كان المباح غير المحظور لم يصح دعوى النسخ فيه). انظر أحكام القرآن ١/ ٢٢٥.стр. 311
ذِكْرُ الْآيَةِ الثَّانِيَةِ: قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿لِلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالأقْرَبُونَ﴾ ١.
قَدْ زَعَمَ بَعْضُ مَنْ قَلَّ عِلْمُهُ وَعَزُبَ فَهْمُهُ مِنَ الْمُتَكَلِّمِينَ فِي النَّاسِخِ وَالْمَنْسُوخِ، أَنَّ هَذِهِ الآيَةَ نَزَلَتْ فِي إِثْبَاتِ نَصِيبِ النِّسَاءِ مُطْلَقًا مِنْ غَيْرِ تَحْدِيدٍ، لِأَنَّهُمْ كَانُوا لا يُوَرِّثُونَ النِّسَاءَ ثُمَّ نُسِخَ ذَلِكَ بِآيَةِ الْمَوَارِيثِ٢.
وَهَذَا قَوْلٌ مَرْدُودٌ فِي الْغَايَةِ وَإِنَّمَا أَثْبَتَتْ هَذِهِ الآيَةُ مِيرَاثَ النساء في الجملة وثبت آيَةُ الْمَوَارِيثِ مِقْدَارَهُ وَلا وَجْهَ لِلنَّسْخِ بِحَالٍ.
ذِكْرُ الآيَةِ الثَّالِثَةِ: قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَإِذَا حَضَرَ الْقِسْمَةَ أُولُو الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينُ فَارْزُقُوهُمْ مِنْهُ﴾ ٣.
اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي هَذِهِ الْآيَةِ على قولين:
أحدهما: أَنَّهَا مُحْكَمَةٌ.
فَرَوَى سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: إِنَّ النَّاسَ يَزْعُمُونَ أَنَّ هَذِهِ الآية قد نُسِخَتْ وَاللَّهِ مَا نُسِخَتْ وَلَكِنَّهَا مما تهاون الناس به٤.
الحواشي
(١) ١ الآية السابعة من سورة النساء.
٢ لم يذكر هذه الدعوى الواهية في أمهات كتب النسخ إلا عند هبة الله بن سلامة فقد ذكرها بدون عزوها إلى أحد، وبدون ذكر دليل لها. انظر: الناسخ والمنسوخ ص: ٣١.
٣ الآية الثامنة من سورة النساء.
٤ أثر صحيح رواه البخاري في باب الوصايا عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ عَنِ ابن عباس.стр. 312
وَأَخْبَرَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ أَحْمَدَ، قَالَ: بنا عُمَرُ بْنُ عُبَيْدِ اللَّهِ الْبَقَّالُ، قَالَ: أَبْنَا ابْنُ بِشْرَانَ، قَالَ: أَبْنَا إِسْحَاقُ بْنُ أَحْمَدَ الْكَاذِيُّ، قال بنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ، قَالَ: حَدَّثَنِي أَبِي، قَالَ: بنا يحيى بن آدم، قال: بنا الأَشْجَعِيُّ عَنْ سُفْيَانَ عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ الشَّيْبَانِيِّ عَنْ عِكْرِمَةَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ ﴿وَإِذَا حَضَرَ الْقِسْمَةَ أُولُو الْقُرْبَى﴾ قَالَ: هِيَ مُحْكَمَةٌ وَلَيْسَتْ بِمَنْسُوخَةٍ١.
قَالَ: وَكَانَ ابْنُ عَبَّاسٍ إِذَا وَلِيَ (رَضَخَ) ٢ وَإِذَّا كَانَ الْمَالُ فِيهِ قِلَّةٌ اعْتَذَرَ إِلَيْهِمْ وَذَلِكَ القول المعروف٣.
قال أحمد: وبنا عبد الصمد، قال: بنا همام قال بنا قَتَادَةُ: قَالَ الأَشْعَرِيُّ: لَيْسَتْ بِمَنْسُوخَةٍ٤.
قال أحمد: وبنا عَبْدُ الْوَهَّابِ عَنْ سَعِيدٍ عَنْ مَطَرٍ عَنِ الْحَسَنِ قَالَ: وَاللَّهِ ما هي بمنسوخة، وإنها لثابتة. وَلَكِنَّ النَّاسَ بَخِلُوا وَشَحُّوا وَكَانَ النَّاسُ إِذَا قُسِّمَ الْمِيرَاثُ حَضَرَ الْجَارُ وَالْفَقِيرُ ﴿٥ وَالْيَتِيمُ (وَالْمِسْكِينُ) ٦ فَيُعْطُونَهُمْ من ذلك٧.
الحواشي
(١) ١ رواه البخاري في كتاب التفسير عَنْ عِكْرِمَةَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄. انظر صحيح البخاري مع الفتح ٩/ ٣١٠.
٢ رضخ له: أي: أعطاه عطاء غير كثير. انظر: المصباح المنير١/ ٣٤٥.
٣ هذه الزيادة ذكرها الحافظ ابن حجر في الفتح وعزاها إلى الإسماعيلي من وجه آخر عن الأشجعي. انظر: المصدر السابق.
٤ أخرج الطبري في جامع البيان٤/ ١٧٩، بأن أبا موسى الأشعري قضى بهذه الآية.
٥ انتهى النقص من (هـ).
٦ في (هـ): والمساكين.
٧ أخرجه الطبري عن الحسن في جامع البيان٤/ ١٧٧.стр. 313
قَالَ أحمد: وبنا هُشَيْمٌ، قَالَ: أَبْنَا أَبُو (بِشْرٍ) ١ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ. قَالَ: وَأَبْنَا مُغِيرَةُ عَنْ إِبْرَاهِيمَ (قَالا:) ٢ هِيَ مُحْكَمَةٌ وَلَيْسَتْ بِمَنْسُوخَةٍ٣.
قَالَ أحمد: وبنا يَزِيدُ، قَالَ: أَبْنَا سُفْيَانُ بْنُ حسين، قال: سمعت الحسن ومحمداً، يقولان قي هذه الآية: ﴿وَإِذَا حَضَرَ الْقِسْمَةَ أُولُو الْقُرْبَى﴾ هِيَ مُثْبَتَةٌ ٠لَمْ تُنْسَخْ وَكَانَتِ الْقِسْمَةُ إِذَا حَضَرَتْ حَضَرَ (هَؤُلاءِ) ٤ فَرُضِخَ لَهُمْ مِنْهَا، وَأُعْطُوا٥.
قَالَ أحمد: وبنا يحيى بن آدم قال: بنا الأَشْجَعِيُّ عَنْ سُفْيَانَ عَنْ مُغِيرَةَ عَنْ إِبْرَاهِيمَ وَالشَّعْبِيِّ ﴿وَإِذَا حَضَرَ الْقِسْمَةَ أُولُو الْقُرْبَى﴾ قَالا: هِيَ مُحْكَمَةٌ وَلَيْسَتْ بِمَنْسُوخَةٍ٦.
قال أحمد: وبنا عَبْدُ الأَعْلَى عَنْ مَعْمَرٍ عَنِ الزُّهْرِيِّ إِنَّهَا مُحَكْمَةٌ لَمْ تُنْسَخْ٧.
الحواشي
(١) ١ في (م): أبو بشرة، وفي (هـ): أبو البشرة، كلاهما خطأ، والصواب ما سجلت عن إسناد الطبري وعن كتب التراجم.
وهو ابن إياس اليشكري أبو بشر الواسطي بصري الأصل ثقة من أثبت الناس في سعيد ابن جبير، وضعفه شعبة في حبيب بن سالم وفي مجاهد، من الخامسة، مات سنة: خمس وقيل ست وعشرين ومائة. انظر: التهذيب٢/ ٨٢ - ٨٤؛ والتقريب ص: ٥٥.
٢ في (هـ): قال، بالإفراد وهو خطأ.
٣ أحرجه الطبري عن سعيد بن جبير، وإبراهيم النخعي في جامع البيان٤/ ١٧٧.
٤ محرفة في (هـ).
٥ أخرجه الطبري عن محمد بن سيرين والحسن في جامع البيان ٤/ ١٧٦.
٦ أحرجه الطبري عن إبراهيم والشعبي في جامع البيان٤/ ١٧٧.
٧ أخرجه الطبري ص معمر عن الزهري في جامع البيان٤/ ١٧٧.стр. 314
وَمِمَّنْ ذَهَبَ إِلَى إِحْكَامِهَا عَطَاءٌ وَأَبُو الْعَالِيَةِ وَيَحْيَى بْنُ يَعْمُرَ١.
ثُمَّ اخْتَلَفَ مَنْ قَالَ بِإِحْكَامِهَا فِي الأَمْرِ الْمَذْكُورِ فِيهَا.
فَذَهَبَ أَكْثَرُهُمْ: إِلَى أَنَّهُ عَلَى سَبِيلِ الاستحباب أو الندب وَهُوَ الصَّحِيحُ٢.
وَذَهَبَ بَعْضُهُمْ: إِلَى أَنَّهُ عَلَى الْوُجُوبِ.
الْقَوْلُ الثَّانِي: أَنَّهَا مَنْسُوخَةٌ.
أَخْبَرَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ أَحْمَدَ، قَالَ: أَبْنَا عُمَرُ بْنُ عُبَيْدِ اللَّهِ، قَالَ: أَبْنَا ابْنُ بشران، قال: بنا إِسْحَاقُ بْنُ أَحْمَدَ الْكَاذِيُّ، قَالَ: بنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ، قَالَ: حَدَّثَنِي أَبِي، قَالَ: (بنا) ٣ حَجَّاجٌ عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ عَنْ عَطَاءٍ الْخُرَاسَانِيِّ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵁ ﴿وَإِذَا حَضَرَ الْقِسْمَةَ أُولُو الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينُ فَارْزُقُوهُمْ مِنْهُ﴾ فَنَسَخَتْهَا آيَةُ الْمِيرَاثِ فَجُعِلَ لِكُلِّ إِنْسَانٍ نَصِيبًا مِمَّا تَرَكَ مِمَّا قلّ منه أو كثر٤.
الحواشي
(١) ١ ذكره السيوطي في الدر المنثور٢/ ١٢٣ وعزاه إلى سعيد بن منصور وابن المنذر عن يحيى بن يعمر. سوف تأتي ترجمة يحيى بن يعمر ص: ٤٢٠ إن شاء الله.
٢ قلت: يظهر من تصحيحه هذا الرأي أنه مع القائلين بإحكام الآية، لأن الاختلاف المذكور إنما كان عند من يقول بإحكام الآية كما ذكره المؤلف نفسه آنفاً وكما ذكره الحافظ في الفتح الباري٩/ ٣١١، وهذا القول من اختيار أبي جعفر الطبري في المصدر السابق واختيار أبي جعفر النحاس في الناسخ والمنسوخ ص: ٦.
٣ في (هـ): ثنا.
٤ ذكره السيوطي معزياً إلى أبي داود في ناسخه وابن أبي حاتم من طريق عطاء عن ابن عباس. انظر: الدر المنثور٢/ ١٢٣.стр. 315
قال أحمد: وبنا يحيى بن آدم قال: بنا الأَشْجَعِيُّ عَنْ سُفْيَانَ عَنِ السُّدِّيِّ عَنْ أَبِي مَالِكٍ١ وَإِذَا حَضَرَ القسمة قَالَ: نَسَخَتْهَا آيَةُ الْمِيرَاثِ٢.
أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْوَهَّابِ بْنُ الْمُبَارَكِ، قَالَ: أَبْنَا أَبُو الْفَضْلِ بْنُ خَيْرُونُ، وَأَبُو طَاهِرٍ الْبَاقِلاوِيُّ، قَالَ: أَبْنَا ابْنُ شَاذَانَ، قَالَ: أَبْنَا أَحْمَدُ بْنُ كَامِلٍ، قَالَ: أَبْنَا مُحَمَّدُ بْنُ سَعْدٍ، قَالَ: حَدَّثَنِي أَبِي، قَالَ: حَدَّثَنِي عَمِّي عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ ﴿وَإِذَا حَضَرَ الْقِسْمَةَ أُولُو الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينُ فَارْزُقُوهُمْ مِنْهُ وَقُولُوا لَهُمْ قَوْلاً مَعْرُوفاً﴾ يَعْنِي: عِنْدَ قِسْمَةِ الْمِيرَاثِ، وَذَلِكَ قَبْلَ أَنْ يَنْزِلَ الْفَرَائِضُ وَأَنْزَلَ اللَّهُ بَعْدَ ذَلِكَ الْفَرَائِضَ فَأَعْطَى٣ كُلَّ ذِي حَقٍّ حَقَّهُ٤.
وَرَوَى مُجَاهِدٌ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: نَسَخَتْهَا ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الأنْثَيَيْنِ﴾ الآيَةُ٥.
وَأَخْبَرَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ أَحْمَدَ، قَالَ: أَبْنَا عُمَرُ بْنُ عُبَيْدِ اللَّهِ، قَالَ: أَبْنَا ابْنُ بِشْرَانَ، قَالَ: أَبْنَا إِسْحَاقُ بْنُ أَحْمَدَ، قَالَ: أَبْنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أحمد بن حنبل
الحواشي
(١١) من سورة النساء، وذكر هذا القول النحاس في ناسخه ص: ٩٥ عن ابن مجاهد ﵄ من طريق مجاهد.стр. 316
قال: حدثني أبي، قال: بنا عَبْدُ الْوَهَّابِ عَنْ سَعِيدٍ عَنْ قَتَادَةَ، قَالَ: قَالَ سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيِّبِ: كَانَتْ هَذِهِ قَبْلَ الْفَرَائِضِ وَقِسْمَةِ الْمِيرَاثِ، فَلَمَّا جَعَلَ اللَّهُ لِأَهْلِ الْمِيرَاثِ مِيرَاثَهُمْ صَارَتْ مَنْسُوخَةً.
قال أحمد: وبنا عبد الصمد، قال: بنا همام، قال: بنا قَتَادَةُ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ أَنَّهَا مَنْسُوخَةٌ، قَالَ: كَانَتْ قَبْلَ الْفَرَائِضِ، وَكَانَ مَا تُرِكَ مِنْ مَالٍ أُعْطِيَ مِنْهُ الْفُقَرَاءُ، وَالْمَسَاكِينُ، واليتامى، وذوي الْقُرْبَى إِذَا (حَضَرُوا) ١ الْقِسْمَةَ، ثُمَّ نُسِخَ ذَلِكَ بَعْدُ، نَسَخَهَا الْمَوَارِيثُ فَأَلْحَقَ اللَّهُ لِكُلِّ ذِي حَقٍّ حقه، فصارت وصية من ما له يُوصِي بِهَا لِذِي قَرَابَتِهِ، وَحَيْثُ يَشَاءُ٢.
أَخْبَرَنَا الْمُبَارَكُ بْنُ عَلِيٍّ، قَالَ: أَبْنَا أَحْمَدُ بْنُ الْحُسَيْنِ بْنِ قُرَيْشٍ، قَالَ: أَبْنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ عُمَرَ الْبَرْمَكِيُّ، قَالَ: أَبْنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ بْنِ الْعَبَّاسِ قال: بنا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي دَاوُدَ، قال: بنا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ حَبِيبٍ، قَالَ: حَدَّثَنِي يَحْيَى بْنُ يَمَانٍ عَنْ سُفْيَانَ عَنِ السُّدِّيِّ، عَنْ أَبِي مَالِكٍ ﴿وَإِذَا حَضَرَ الْقِسْمَةَ﴾ قَالَ: نَسَخَتْهَا آيَةُ الْمِيرَاثِ٣.
قَالَ أبو بكر: وبنا يعقوب بن سفيان قال: بنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُثْمَانَ قَالَ: أَبْنَا عِيسَى بْنُ عُبَيْدٍ الْكِنْدِيُّ، قال: بنا عُبَيْدُ اللَّهِ مَوْلَى عُمَرَ بْنِ مسلم
الحواشي
(١) ١ في (هـ): حضر بالإفراد، وهو خطأ.
٢ أخرج هذا القول الطبري في جامع البيان٤/ ١٨٩، والنحاس في المصدر السابق، والبيهقي في السنن الكبرى٧/ ٢٦٧ عن سعيد بن المسيب.
٣ أخرجه الطبري من طريق يحيى بن يمان عن أبي مالك في جامع البيان٤/ ١٧٨.стр. 317
أَنَّ الضَّحَّاكَ بْنَ مُزَاحِمٍ قَالَ: فِي قَوْلِهِ: ﴿وَإِذَا حَضَرَ الْقِسْمَةَ أُولُو الْقُرْبَى﴾ قَالَ: "نَسَخَتْهَا آيَةُ الْمِيرَاثِ"١.
وَقَالَ عِكْرِمَةُ: "نَسَخَتْهَا آيَةُ الْفَرَائِضِ"٢.
وَمِمَّنْ ذَهَبَ إِلَى هَذَا الْقَوْلِ قَتَادَةُ، وَأَبُو الشَّعْثَاءِ٣ وَأَبُو صَالِحٍ وَعَطَاءٌ في رواية٤.
الحواشي
(١) ١ أخرجه الطبري في المصدر السابق، وذكره مكي بن أبي طالب في الإيضاح ص: ١٧٦، وأخرجه البيهقي في السنن٦/ ٢٦٧، في كتاب الوصايا عن الضحاك.
٢ ذكره مكي بن أبي طالب في المصدر السابق، وأخرجه البيهقي في المصدر السابق عن عكرمة، قال الحافظ في فتح الباري٩/ ٣١٠: صح عن عكرمة ذلك.
٣ أما أبو الشعثاء، فهو: جابر بن زيد أبو الشعثاء الأزدي ثم الجوفي بفتح الجيم وسكون الواو بعدها فاء، البصري مشهور بكنيته ثقة فقيه من الثالثة، مات سنة ٩٣هـ، ويقال ومائة. انظر: التقرير ص: ٥٢.
٤ ذكر البيهقي دعوى النسخ هنا في المصدر السابق عن عطاء أيضاً. كما ذكره المؤلف في زاد المسير ٢/ ٢١ عن ابن عباس - في رواية - وسعيد بن المسيب وعكرمة، والضحاك، وقتادة، في آخرين.
قلت: سبق تصحيح المؤلف القول بإحكام الآية. ويقول الحافظ في الفتح وهو يناقش الآثار المروية عن ابن عباس في الباب - أن ما روى البخاري عن ابن عباس من طريق عكرمة وسعيد بن جبير - وهو إحكام الآية - وهو المعتمد عليه وبقية الروايات كلّها وردت من أوجه لا يعتمد عليها. والذي ثبت عن ابن عباس في الباب إحكام الآية لا نسخها.
ويقول الطبري بعد عرض الرأيين عن قائليهما في الآية: "وأولى الأقوال في ذلك بالصحة قول من قال: هذه الآية منسوخة" ثم ذكر ما يؤيد مقالته.
وأما ابن العربي فقد رد دعوى النسخ هنا بشدة، حيث قال: "أكثر أقوال المفسرين أضغاث وآثار ضعاف، والصحيح أنها مبينة استحقاق الورثة لنصيبهم واستحباب المشاركة لمن لا نصيب له منهم". انظر: فتح الباري ٩/ ٢١٠؛ وجامع البيان٤/ ١٧٨ - ١٧٩؛ وأحكام القرآن لابن العربي ١/ ٣٢٩.стр. 318
ذِكْرُ الْآيَةِ الرَّابِعَةِ: قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَلْيَخْشَ الَّذِينَ لَوْ تَرَكُوا مِنْ خَلْفِهِمْ ذُرِّيَّةً ضِعَافاً﴾ ١
فِي الْمُخَاطَبِينَ بِهَذِهِ الآيَةِ ثَلاثَةُ أقوال:
أحدهما: أَنَّهُ خِطَابٌ لِلْحَاضِرِينَ عِنْدَ الْمُوصِي. ثُمَّ فِي مَعْنَى الْكَلامِ عَلَى هذا القول قولان:
أحدهما: أَنَّ الْمَعْنَى ﴿وَلْيَخْشَ الَّذِينَ لَوْ تَرَكُوا﴾ وليخش الذين يحضرون موصياً بوصي في ماله أن يأمروه بتفريق ما له فِيمَنْ لا يَرِثُهُ فَيُفَرِّقُهُ وَيَتْرُكُ وَرَثَتَهُ وَلَكِنْ لِيَأْمُرُوهُ أَنْ يُبْقِيَ مَالَهُ لِأَوْلادِهِ كَمَا لَوْ كَانُوا هُمُ الَّذِينَ يُوصُونَ لَسَرَّهُمْ أَنْ يَحُثَّهُمْ مَنْ حَضَرَهُمْ عَلَى حِفْظِ الأَمْوَالِ لِلأَوْلادِ، وَهَذَا الْمَعْنَى مَرْوِيٌّ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَالْحَسَنِ وَمُجَاهِدٍ، وَسَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، وَقَتَادَةَ وَالضَّحَّاكِ، والسدي ومقاتل٢.
الحواشي
(١) ١ الآية التاسعة من سورة النساء.
٢ أخرج نحوه الطبري في جامع البيان٤/ ١٨١ - ١٨٤ عن ابن عباس ومجاهد وسعيد ابن جبير والسدي وقتادة، كما روى البيهقي في السنن الكبرى ٦/ ٢٧١ عن ابن عباس نحوه.стр. 319
وَالثَّانِي: عَلَى الضِّدِّ، وَهُوَ أَنَّهُ نَهَيٌ لِحَاضِرِي الْمُوصِي عِنْدَ الْمَوْتِ أَنْ يَمْنَعُوهُ عَنِ الْوَصِيَّةِ لِأَقَارِبِهِ، وَأَنْ يَأْمُرُوهُ الِاقْتِصَارَ عَلَى وَلَدِهِ وَهَذَا قَوْلُ مِقْسَمٍ١ وَسُلَيْمَانَ التَّمِيمِيِّ٢.
الْقَوْلُ الثَّاني: أَنَّهُ خِطَابٌ لِأَوْلِيَاءِ الْيَتَامَى، رَاجِعٌ إِلَى قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَلا تَأْكُلُوهَا إِسْرَافاً وَبِدَاراً أَنْ يَكْبَرُوا﴾ ٣ فَقَالَ تَعَالَى: - يَعْنِي أَوْلِيَاءَ الْيَتَامَى - ﴿وَلْيَخْشَ الَّذِينَ لَوْ تَرَكُوا مِنْ خَلْفِهِمْ ذُرِّيَّةً ضِعَافاً خَافُوا عَلَيْهِمْ فَلْيَتَّقُوا اللَّهَ﴾ فِيمَنْ وُلُّوهُ مِنَ الْيَتَامَى وَلْيُحْسِنُوا إِلَيْهِمْ فِي أَنْفُسِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ كَمَا يُحِبُّونَ أَنْ يُحْسِنَ وُلاةُ أَوْلادِهِمْ لَوْ مَاتُوا هُمْ إِلَيْهِمْ، وَهَذَا مَرْوِيٌّ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ أيضاً٤.
الحواشي
(١) ١ رواه الطبري في المصدر السابق بإسناده عن مقسم.
أما مقسم، فهو: بكسر أوله ابن بجرة ويقال ابن نجدة أبو القاسم مولى عبد الله بن الحارث ويقال له مولى عباس للزومه له، روى عن ابن عباس وعبد الله بن الحارث وعائشة، صدوق وكان يرسل من الرابعة، مات سنة ١٠١هـ. انظر: تهذيب التهذيب١٠/ ٢٨٨؛ وتقريب التهذيب ص: ٣٤٦.
٢ ذكره الطبري أيضاً عن سليمان التميمي في المصدر نفسه.
وهو سليمان بن بلال التميمي القرشي من الثامنة ثقة مات بالمدينة سنة ١٧٧هـ. تقريب التهذيب ص: ١٣٢.
٣ الآية السادسة من سورة النساء.
٤ أخرجه الطبري بسند ضعيف عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ في جامع البيان ٤/ ١٨٣، كما ذكره المؤلف في زاد المسير٢/ ٢٢ عنه وعن ابن السائب.стр. 320
وَالْقَوْلُ الثَّالِثُ: أَنَّهُ خِطَابٌ لِلأَوْصِيَاءِ بِإِجْرَاءِ الْوَصِيَّةِ عَلَى مَا رَسَمَ الْمُوصِي وَأَنْ يَكُونَ الْوُجُوهُ الَّتِي فِيهَا مَرْعِيَّةً بِالْمُحَافَظَةِ كَرَعْيِ الذُّرِّيَّةِ الضِّعَافِ مِنْ غَيْرِ تَبْدِيلٍ ثُمَّ نُسِخَ ذَلِكَ بقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَمَنْ خَافَ مِنْ مُوصٍ جَنَفاً أَوْ إِثْماً فَأَصْلَحَ بَيْنَهُمْ فَلا إِثْمَ عَلَيْه﴾ ١ فَأُمِرَ بِهَذِهِ الآيَةِ إِذَا وَجَدَ الْوَصِيُّ مِنَ الْمُوصِي فِي الْوَصِيَّةِ جَنَفًا أَوْ مَيْلا (عَنِ الْحَقِّ فَعَلَيْهِ) ٢ الإِصْلاحُ فِي ذَلِكَ، وَاسْتِعْمَالُ قَضِيَّةِ الشَّرْعِ وَرَفْعِ الْحَالِ الْوَاقِعِ فِي الْوَصِيَّةِ. ذَكَرَهُ شَيْخُنَا عَلِيُّ بْنُ عُبَيْدِ اللَّهِ وَغَيْرُهُ٣.
وَعَلَى هَذَا الْقَوْلِ تَكُونُ الْآيَةُ مَنْسُوخَةً، وَعَلَى الأَقْوَالِ قَبْلَهَا هِيَ مُحْكَمَةٌ٤. وَالنَّسْخُ مِنْهَا بَعِيدٌ، لِأَنَّهُ إِذَا أَوْصَى بِجَوْرٍ لَمْ يَجُزْ أَنْ يجري على ما أوصى٥.
الحواشي
(١٨٢) من سورة البقرة.
٢ غير واضح من (هـ).
٣ قال المؤلف في المصدر السابق بعد إيراد هذا القول: (ذكره شيخنا وغيره في الناسخ والمنسوخ).
٤ انظر: مناقشة المؤلّف هذه الآية في زاد المسير٢/ ٢٢.
٥ قلت: ساق المؤلف مناقشة هذه الآية في تفسيره بنفس الأسلوب الذي ساقه ها هنا، إلا أنه لم يقم هناك بالترجيح.
وأما أصحاب أمهات كتب النسخ المتقدمة كابن حزم الأنصاري والنحاس ومكي بن أبي طالب فلم يتعرضوا لدعوى النسخ في هذه الآية أصلاً، إنما ذكرها من المنسوخة، هبة الله في ناسخه ص: ٣٢، وابن هلال في ناسخه المخطوط ورقة ٢٢ بدون استناد إلى دليل.следующие страницы →