← Улюм аль-Кур’ан

Улюм аль-Кур’ан · id 2176

نواسخ القرآن = ناسخ القرآن ومنسوخه ت المليباري

ابن الجوزي

Полный текст (660 стр.). Показаны 316–355 · переход к 321.

стр. 316

قال: حدثني أبي، قال: بنا عَبْدُ الْوَهَّابِ عَنْ سَعِيدٍ عَنْ قَتَادَةَ، قَالَ: قَالَ سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيِّبِ: كَانَتْ هَذِهِ قَبْلَ الْفَرَائِضِ وَقِسْمَةِ الْمِيرَاثِ، فَلَمَّا جَعَلَ اللَّهُ لِأَهْلِ الْمِيرَاثِ مِيرَاثَهُمْ صَارَتْ مَنْسُوخَةً. قال أحمد: وبنا عبد الصمد، قال: بنا همام، قال: بنا قَتَادَةُ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ أَنَّهَا مَنْسُوخَةٌ، قَالَ: كَانَتْ قَبْلَ الْفَرَائِضِ، وَكَانَ مَا تُرِكَ مِنْ مَالٍ أُعْطِيَ مِنْهُ الْفُقَرَاءُ، وَالْمَسَاكِينُ، واليتامى، وذوي الْقُرْبَى إِذَا (حَضَرُوا) ١ الْقِسْمَةَ، ثُمَّ نُسِخَ ذَلِكَ بَعْدُ، نَسَخَهَا الْمَوَارِيثُ فَأَلْحَقَ اللَّهُ لِكُلِّ ذِي حَقٍّ حقه، فصارت وصية من ما له يُوصِي بِهَا لِذِي قَرَابَتِهِ، وَحَيْثُ يَشَاءُ٢. أَخْبَرَنَا الْمُبَارَكُ بْنُ عَلِيٍّ، قَالَ: أَبْنَا أَحْمَدُ بْنُ الْحُسَيْنِ بْنِ قُرَيْشٍ، قَالَ: أَبْنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ عُمَرَ الْبَرْمَكِيُّ، قَالَ: أَبْنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ بْنِ الْعَبَّاسِ قال: بنا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي دَاوُدَ، قال: بنا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ حَبِيبٍ، قَالَ: حَدَّثَنِي يَحْيَى بْنُ يَمَانٍ عَنْ سُفْيَانَ عَنِ السُّدِّيِّ، عَنْ أَبِي مَالِكٍ ﴿وَإِذَا حَضَرَ الْقِسْمَةَ﴾ قَالَ: نَسَخَتْهَا آيَةُ الْمِيرَاثِ٣. قَالَ أبو بكر: وبنا يعقوب بن سفيان قال: بنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُثْمَانَ قَالَ: أَبْنَا عِيسَى بْنُ عُبَيْدٍ الْكِنْدِيُّ، قال: بنا عُبَيْدُ اللَّهِ مَوْلَى عُمَرَ بْنِ مسلم

стр. 317

أَنَّ الضَّحَّاكَ بْنَ مُزَاحِمٍ قَالَ: فِي قَوْلِهِ: ﴿وَإِذَا حَضَرَ الْقِسْمَةَ أُولُو الْقُرْبَى﴾ قَالَ: "نَسَخَتْهَا آيَةُ الْمِيرَاثِ"١. وَقَالَ عِكْرِمَةُ: "نَسَخَتْهَا آيَةُ الْفَرَائِضِ"٢. وَمِمَّنْ ذَهَبَ إِلَى هَذَا الْقَوْلِ قَتَادَةُ، وَأَبُو الشَّعْثَاءِ٣ وَأَبُو صَالِحٍ وَعَطَاءٌ في رواية٤.

стр. 318

ذِكْرُ الْآيَةِ الرَّابِعَةِ: قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَلْيَخْشَ الَّذِينَ لَوْ تَرَكُوا مِنْ خَلْفِهِمْ ذُرِّيَّةً ضِعَافاً﴾ ١ فِي الْمُخَاطَبِينَ بِهَذِهِ الآيَةِ ثَلاثَةُ أقوال: أحدهما: أَنَّهُ خِطَابٌ لِلْحَاضِرِينَ عِنْدَ الْمُوصِي. ثُمَّ فِي مَعْنَى الْكَلامِ عَلَى هذا القول قولان: أحدهما: أَنَّ الْمَعْنَى ﴿وَلْيَخْشَ الَّذِينَ لَوْ تَرَكُوا﴾ وليخش الذين يحضرون موصياً بوصي في ماله أن يأمروه بتفريق ما له فِيمَنْ لا يَرِثُهُ فَيُفَرِّقُهُ وَيَتْرُكُ وَرَثَتَهُ وَلَكِنْ لِيَأْمُرُوهُ أَنْ يُبْقِيَ مَالَهُ لِأَوْلادِهِ كَمَا لَوْ كَانُوا هُمُ الَّذِينَ يُوصُونَ لَسَرَّهُمْ أَنْ يَحُثَّهُمْ مَنْ حَضَرَهُمْ عَلَى حِفْظِ الأَمْوَالِ لِلأَوْلادِ، وَهَذَا الْمَعْنَى مَرْوِيٌّ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَالْحَسَنِ وَمُجَاهِدٍ، وَسَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، وَقَتَادَةَ وَالضَّحَّاكِ، والسدي ومقاتل٢.

стр. 319

وَالثَّانِي: عَلَى الضِّدِّ، وَهُوَ أَنَّهُ نَهَيٌ لِحَاضِرِي الْمُوصِي عِنْدَ الْمَوْتِ أَنْ يَمْنَعُوهُ عَنِ الْوَصِيَّةِ لِأَقَارِبِهِ، وَأَنْ يَأْمُرُوهُ الِاقْتِصَارَ عَلَى وَلَدِهِ وَهَذَا قَوْلُ مِقْسَمٍ١ وَسُلَيْمَانَ التَّمِيمِيِّ٢. الْقَوْلُ الثَّاني: أَنَّهُ خِطَابٌ لِأَوْلِيَاءِ الْيَتَامَى، رَاجِعٌ إِلَى قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَلا تَأْكُلُوهَا إِسْرَافاً وَبِدَاراً أَنْ يَكْبَرُوا﴾ ٣ فَقَالَ تَعَالَى: - يَعْنِي أَوْلِيَاءَ الْيَتَامَى - ﴿وَلْيَخْشَ الَّذِينَ لَوْ تَرَكُوا مِنْ خَلْفِهِمْ ذُرِّيَّةً ضِعَافاً خَافُوا عَلَيْهِمْ فَلْيَتَّقُوا اللَّهَ﴾ فِيمَنْ وُلُّوهُ مِنَ الْيَتَامَى وَلْيُحْسِنُوا إِلَيْهِمْ فِي أَنْفُسِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ كَمَا يُحِبُّونَ أَنْ يُحْسِنَ وُلاةُ أَوْلادِهِمْ لَوْ مَاتُوا هُمْ إِلَيْهِمْ، وَهَذَا مَرْوِيٌّ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ أيضاً٤.

стр. 320

وَالْقَوْلُ الثَّالِثُ: أَنَّهُ خِطَابٌ لِلأَوْصِيَاءِ بِإِجْرَاءِ الْوَصِيَّةِ عَلَى مَا رَسَمَ الْمُوصِي وَأَنْ يَكُونَ الْوُجُوهُ الَّتِي فِيهَا مَرْعِيَّةً بِالْمُحَافَظَةِ كَرَعْيِ الذُّرِّيَّةِ الضِّعَافِ مِنْ غَيْرِ تَبْدِيلٍ ثُمَّ نُسِخَ ذَلِكَ بقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَمَنْ خَافَ مِنْ مُوصٍ جَنَفاً أَوْ إِثْماً فَأَصْلَحَ بَيْنَهُمْ فَلا إِثْمَ عَلَيْه﴾ ١ فَأُمِرَ بِهَذِهِ الآيَةِ إِذَا وَجَدَ الْوَصِيُّ مِنَ الْمُوصِي فِي الْوَصِيَّةِ جَنَفًا أَوْ مَيْلا (عَنِ الْحَقِّ فَعَلَيْهِ) ٢ الإِصْلاحُ فِي ذَلِكَ، وَاسْتِعْمَالُ قَضِيَّةِ الشَّرْعِ وَرَفْعِ الْحَالِ الْوَاقِعِ فِي الْوَصِيَّةِ. ذَكَرَهُ شَيْخُنَا عَلِيُّ بْنُ عُبَيْدِ اللَّهِ وَغَيْرُهُ٣. وَعَلَى هَذَا الْقَوْلِ تَكُونُ الْآيَةُ مَنْسُوخَةً، وَعَلَى الأَقْوَالِ قَبْلَهَا هِيَ مُحْكَمَةٌ٤. وَالنَّسْخُ مِنْهَا بَعِيدٌ، لِأَنَّهُ إِذَا أَوْصَى بِجَوْرٍ لَمْ يَجُزْ أَنْ يجري على ما أوصى٥.

стр. 321

ذِكْرُ الْآيَةِ الْخَامِسَةِ: قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْماً﴾ ١. قَدْ تَوَهَّمَ قَوْمٌ لَمْ يُرْزَقُوا فَهْمَ التَّفْسِيرِ (وَفِقْهَهُ) ٢ أَنَّ هَذِهِ الآيَةَ مَنْسُوخَةٌ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَإِنْ تُخَالِطُوهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ﴾ ٣ وَأَثْبَتُوا ذَلِكَ فِي كُتُبِ النَّاسِخِ وَالْمَنْسُوخِ، وَرَوَوْهُ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ وَإِنَّمَا الْمَنْقُولُ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ مَا أَخْبَرَنَا بِهِ الْمُبَارَكُ بْنُ عَلِيٍّ، قَالَ: أنبا أَحْمَدُ بْنُ الْحُسَيْنِ بْنِ قُرَيْشٍ، قَالَ أَبْنَا أَبُو إِسْحَاقَ الْبَرْمَكِيُّ، قَالَ: أَبْنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ بن العباس، قال: بنا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي دَاوُدَ، قال: بنا (عَمْرُو بْنُ عَلِيِّ بْنِ بَحْرٍ) ٤ قال: بنا عمران بن عيينة، قال: بنا عَطَاءِ بْنِ السَّائِبِ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْماً﴾ قَالَ: كَانَ يَكُونُ فِي حِجْرِ الرَّجُلِ الْيَتِيمُ فَيَعْزِلُ طَعَامَهُ وَشَرَابَهُ، فَاشْتَدَّ ذَلِكَ عَلَى الْمُسْلِمِينَ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَإِنْ تُخَالِطُوهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ﴾ ٥ فأحل لهم طعامهم٦.

стр. 322

وَقَالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: لَمَّا نَزَلَتْ: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْماً﴾ عَزَلُوا أَمْوَالَهُمْ مِنْ أَمْوَالِ الْيَتَامَى، وتحرجوا من مخاطبتهم فَنَزَلَ قَوْلُهُ: تَعَالَى: ﴿وَإِنْ تُخَالِطُوهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ﴾ ١. وَهَذَا لَيْسَ عَلَى سَبِيلِ النَّسْخِ؛ لِأَنَّهُ لا خِلافَ أَنَّ أَكْلَ أَمْوَالِ الْيَتَامَى ظُلْمًا حَرَامٌ. وَقَالَ أَبُو جَعْفَرٍ النَّحَّاسُ: "هَذِهِ الآيَةُ لا يَجُوزُ فِيهَا نَاسِخٌ وَلا مَنْسُوخٌ، لِأَنَّهَا خَبَرٌ وَوَعِيدٌ، وَنَهْيٌ عَنِ الظُّلْمِ وَالتَّعَدِّي، وَمُحَالٌ نَسْخُ هَذَا، فَإِنْ صَحَّ مَا ذَكَرُوا عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فَتَأْوِيلُهُ مِنَ اللُّغَةِ: أَنَّ هَذِهِ الآيَةَ عَلَى نسخة تلك الآية"٢. وزعم بَعْضُهُمْ أَنَّ نَاسِخَ هَذِهِ الآيَةِ قوله تعالى: ﴿َمَنْ كَانَ فَقِيراً فَلْيَأْكُلْ بِالْمَعْرُوفِ﴾ ٣ وَهَذَا قَبِيحٌ؛ لِأَنَّ الأَكْلَ بِالْمَعْرُوفِ لَيْسَ بِظُلْمٍ فَلا تَنَافِيَ بَيْنَ الآيتين٤.

стр. 323

ذِكْرُ الآيَةِ السَّادِسَةِ وَالسَّابِعَةِ: قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَاللاّتِي يَأْتِينَ الْفَاحِشَةَ مِنْ نِسَائِكُمْ﴾ وقوله: ﴿وَالَّذَانِ يَأْتِيَانِهَا مِنْكُمْ فَآذُوهُمَا﴾ ١. الآيَتَانِ. أَمَّا الآيَةُ الأُولَى فَإِنَّهَا دَلَّتْ عَلَى أَنَّ حَدَّ الزَّانِيَةِ كَانَ أَوَّلَ الْإِسْلامِ الْحَبْسَ إِلَى أَنْ تَمُوتَ أَوْ يَجْعَلَ اللَّهُ لَهَا سَبِيلا، وَهُوَ عَامٌّ فِي الْبِكْرِ وَالثَّيِّبِ. وَالآيَةُ الثَّانِيَةُ اقْتَضَتْ أَنَّ حَدَّ الزَّانِيَيْنِ الأَذَى فَظَهَرَ مِنَ الآيَتَيْنِ أَنَّ حَدَّ الْمَرْأَةِ كَانَ الْحَبْسَ وَالأَذَى جَمِيعًا، وَحَدَّ الرَّجُلِ كَانَ الأَذَى فَقَطْ، لِأَنَّ الْحَبْسَ وَرَدَ خَاصًّا فِي النِّسَاءِ، وَالأَذَى وَرَدَ عَامًّا فِي الرَّجُلِ وَالْمَرْأَةِ، وَإِنَّمَا خُصَّ النِّسَاءُ فِي الآيَةِ الأُولَى بِالذِّكْرِ، لِأَنَّهُنَّ يَنْفَرِدْنَ بِالْحَبْسِ دُونَ الرِّجَالِ، وَجُمِعَ بَيْنَهُمَا فِي الآيَةِ الثَّانِيَةِ، لِأَنَّهُمَا يَشْتَرِكَانِ فِي الأَذَى، وَلا يَخْتَلِفُ الْعُلَمَاءُ فِي نَسْخِ (هَذَيْنِ) ٢ الْحُكْمَيْنِ عَنِ الزَّانِيَيْنِ، أَعْنِي: الْحَبْسَ وَالأَذَى، وَإِنَّمَا اخْتَلَفُوا بِمَاذَا نُسِخَا؟ فَقَالَ قَوْمٌ نسخ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ﴾ ٣. أَخْبَرَنَا الْمُبَارَكُ بْنُ عَلِيٍّ، قَالَ: أَبْنَا أَحْمَدُ بْنُ الْحُسَيْنِ بْنِ قُرَيْشٍ، قَالَ: أَبْنَا أَبُو إِسْحَاقَ الْبَرْمَكِيُّ، قَالَ: أَبْنَا مُحَمَّدُ بْنُ إسماعيل بن العباس، قال: بنا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي دَاوُدَ قال: بنا يعقوب بن سفيان، قال: بنا أبو صالح قال:

стр. 324

حَدَّثَنِي مُعَاوِيَةُ بْنُ صَالِحٍ عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ ﴿وَاللاّتِي يَأْتِينَ الْفَاحِشَةَ مِنْ نِسَائِكُمْ فَاسْتَشْهِدُوا عَلَيْهِنَّ أَرْبَعَةً مِنْكُمْ﴾ ١ قَالَ: كَانَتِ الْمَرْأَةُ إِذَا زَنَتْ حُبِسَتْ فِي الْبَيْتِ حَتَّى تَمُوتَ، وَكَانَ الرَّجُلُ إِذَا زَنَى أُوذِيَ بالتعيير، وَالضَّرْبِ بِالنِّعَالِ، فَنَزَلَتْ: ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ﴾. وَإِنْ كَانَا مُحْصَنَيْنِ رُجِمَا بِسُنَّةِ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلم٢. أبنا عَبْدُ الْوَهَّابِ الْحَافِظُ، قَالَ: أَبْنَا أَبُو طَاهِرٍ الْبَاقِلاوِيُّ، قَالَ: أَبْنَا أَبُو عَلِيِّ بْنُ شَاذَانَ، قَالَ: أَبْنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ الْحَسَنِ، قَالَ: أَبْنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ الْحُسَيْنِ، قال: بنا آدم، قال: بنا وَرْقَاءَ عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ، عن مجاهد ﴿فآذوهما﴾ يَعْنِي سَبًّا ثُمَّ نَسَخَتْهَا ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ﴾ ٣. أَخْبَرَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ أَحْمَدَ، قَالَ: بنا عُمَرُ بْنُ عُبَيْدِ اللَّهِ، قَالَ: بنا ابْنُ بِشْرَانَ، قَالَ: أَبْنَا إِسْحَاقُ بن أحمد، قال: بنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ، قَالَ: حَدَّثَنِي أَبِي، قَالَ: بنا عبد الرزاق، قال: بنا مَعْمَرٌ عَنْ قَتَادَةَ، ﴿فَأَمْسِكُوهُنَّ فِي الْبُيُوتِ حَتَّى يَتَوَفَّاهُنَّ الْمَوْتُ﴾ ٤ قال: نسختها الحدود٥.

стр. 325

قال أحمد: وبنا عَبْدُ الْوَهَّابِ عَنْ سَعِيدٍ عَنْ قَتَادَةَ ﴿وَاللاّتِي يَأْتِينَ الْفَاحِشَةَ مِنْ نِسَائِكُمْ﴾ قَالَ: كَانَتْ هَذِهِ الآيَةُ قَبْلَ الحدود ثم أنزلت: ﴿وَالَّذَانِ يَأْتِيَانِهَا مِنْكُمْ فَآذُوهُمَا﴾ قَالَ: كَانَا يُؤْذَيَانِ بِالْقَوْلِ وَالشَّتْمِ وَتُحْبَسُ الْمَرْأَةُ ثُمَّ إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى نَسَخَ ذَلِكَ فَقَالَ: ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ﴾ ١. قال أحمد: وبنا عَلِيُّ بْنُ حَفْصٍ عَنِ ابْنِ أبي نجيح عن مجاهد ﴿وَالَّذَانِ يَأْتِيَانِهَا مِنْكُمْ فَآذُوهُمَا﴾ قَالَ: "نَسَخَتْهُ الآيَةُ الَّتِي فِي النور بالحد المفروض"٢. وقال قَوْمٌ: نُسِخَ هَذَانِ الْحُكْمَانِ بِحَدِيثِ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ٣ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: "خُذُوا عَنِّي خُذُوا عَنِّي قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لَهُنَّ سَبِيلا، الثَّيِّبُ بِالثَّيِّبِ٤ جَلْدُ مِائَةٍ وَرَجْمٌ بِالْحِجَارَةِ وَالْبِكْرُ بِالْبِكْرِ جَلْدُ مِائَةٍ ونفي سنة" ٥.

стр. 326

قَالُوا فَنُسِخَتِ الْآيَةُ بِهَذَا الْحَدِيثِ وَهَؤُلاءِ يُجِيزُونَ نَسْخَ الْقُرْآنِ (بِالسُّنَّةِ) ١ وَهَذَا قَوْلٌ مُطْرَحٌ، لِأَنَّهُ لَوْ جَازَ نَسْخُ الْقُرْآنِ بِالسُّنَّةِ لَكَانَ يَنْبَغِي أَنْ يُشْتَرَطَ التَّوَاتُرُ فِي ذَلِكَ الْحَدِيثِ، فَأَمَّا أَنْ يُنْسَخَ الْقُرْآنُ بِأَخْبَارِ الآحَادِ فَلا يَجُوزُ ذلك وهذا مِنْ أَخْبَارِ الآحَادِ. وَقَالَ الآخَرُونَ: السَّبِيلُ الَّذِي جَعَلَ اللَّهُ لَهُنَّ هُوَ الآيَةُ: ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ﴾ ٢. وقال آخَرُونَ: بَلِ السَّبِيلُ قُرْآنٌ نَزَلَ ثُمَّ رُفِعَ رَسْمُهُ وَبَقِيَ حُكْمُهُ٣. وَظَاهِرُ حَدِيثِ عُبَادَةَ يَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ، (لِأَنَّهُ) ٤ قَالَ: (قَدْ جَعَلَ الله لهن سبيلاً) فأخبر أن اللَّهَ تَعَالَى جَعَلَ لَهُنَّ السَّبِيلَ. وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ بِوَحْيٍ لَمْ تَسْتَقِرَّ تِلاوَتُهُ٥ وَهَذَا يَخْرُجُ عَلَى قَوْلِ مَنْ لا يَرَى نَسْخَ الْقُرْآنِ بِالسُّنَّةِ٦، وَقَدِ اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ بِمَاذَا ثبت الرجم على قولين:

стр. 327

أحدهما: أَنَّهُ نَزَلَ بِهِ قُرْآنٌ ثُمَّ نُسِخَ لَفْظُهُ، وَانْعَقَدَ الإِجْمَاعُ عَلَى بَقَاءِ حُكْمِهِ. وَالثَّانِي: أَنَّهُ ثَبَتَ بِالسُّنَّةِ١. ذِكْرُ الآيَةِ الثَّامِنَةِ وَالتَّاسِعَةِ: قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿إِنَّمَا التَّوْبَةُ عَلَى اللَّهِ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السُّوءَ بِجَهَالَةٍ﴾ وَقَوْلُهُ: ﴿وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ حَتَّى إِذَا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ إِنِّي تُبْتُ الآنَ﴾ الآيتان٢.

стр. 328

إِنَّمَا سُمِّيَ فَاعِلُ الذَّنْبِ جَاهِلا، لِأَنَّ فِعْلَهُ مَعَ الْعِلْمِ بِسُوءِ مَغَبَّتِهِ١ فَأَشْبَهَ مَنْ جَهِلَ (الْمَغَبَّةَ) ٢. وَالتَّوْبَةُ مِنْ قَرِيبٍ: مَا كَانَ قَبْلَ مُعَايَنَةِ الْمَلَكِ فَإِذَا حَضَرَ الْمَلَكُ لِسَوْقِ الرُّوحِ لَمْ تُقْبَلْ تَوْبَةٌ، لِأَنَّ الْإِنْسَانَ حينئذٍ يَصِيرُ كَالْمُضْطَرِّ إِلَى التَّوْبَةِ فَمَنْ (تَابَ) ٣ قَبْلَ ذَلِكَ قُبِلَتْ تَوْبَتُهُ، أَوْ أَسْلَمَ عَنْ كُفْرٍ قُبِلَ إِسْلامُهُ، وَهَذَا أَمْرٌ ثَابِتٌ مُحْكَمٌ. وَقَدْ زَعَمَ بَعْضُ مَنْ لا فَهْمَ لَهُ: أَنَّ هَذَا الأَمْرَ أُقِرَّ عَلَى هَذَا فِي حَقِّ أَرْبَابِ الْمَعَاصِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ وَنُسِخَ حُكْمُهُ فِي حَقِّ الْكُفَّارِ بِقَوْلِهِ: ﴿وَلا الَّذِينَ يَمُوتُونَ وَهُمْ كُفَّارٌ﴾ ٤، وَهَذَا لَيْسَ بِشَيْءٍ، فَإِنَّ حُكْمَ الفريقين واحد٥.

стр. 329

ذِكْرُ الْآيَةِ الْعَاشِرَةِ: قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَلا تَنْكِحُوا مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ مِنَ النِّسَاءِ إِلاَّ مَا قَدْ سَلَفَ﴾ ١. هَذَا كَلامٌ مُحْكَمٌ عِنْدَ عَامَّةِ الْعُلَمَاءِ، وَمَعْنَى قَوْلِهِ: ﴿إِلاّ مَا قَدْ سَلَفَ﴾ أي: بعد ما قَدْ سَلَفَ فِي الْجَاهِلِيَّةِ، فَإِنَّ ذَلِكَ مَعْفُوٌّ عَنْهُ. وَزَعَمَ بَعْضُ مَنْ قَلَّ فَهْمُهُ: أَنَّ الِاسْتِثْنَاءَ نَسَخَ مَا قَبْلَهُ. وَهَذَا تَخْلِيطٌ لا حَاصِلَ لَهُ وَلا يَجُوزُ أن يلتفت إليه من جهتين: أحدهما: أَنَّ الاسْتِثْنَاءَ لَيْسَ بِنَسْخٍ. وَالثَّانِي: أَنَّ الاسْتِثْنَاءَ عَائِدٌ إِلَى مُضْمَرٍ تَقْدِيرُهُ: فَإِنْ فَعَلْتُمُ عُوقِبْتُمْ إِلا مَا قَدْ سَلَفَ، فَإِنَّكُمْ لا تُعَاقَبُونَ عَلَيْهِ، فَلا مَعْنَى لِلنَّسْخِ هَهُنَا٢. ذِكْرُ الآيَةِ الْحَادِيَةَ عَشْرَةَ: قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَأَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الأخْتَيْنِ إِلاّ مَا قَدْ سَلَفَ﴾ ٣. وَهَذِهِ حُكْمُهَا حُكْمُ الَّتِي قَبْلَهَا. وَقَدْ زَعَمَ الزَّاعِمُ هُنَاكَ: أَنَّ هَذِهِ كَتِلْكَ فِي أَنَّ الاسْتِثْنَاءَ نَاسِخٌ لِمَا قَبْلَهُ، وَقَدْ بَيَّنَّا رذولة هذا القول٤.

стр. 330

ذِكْرُ الْآيَةِ الثَّانِيَةَ عَشْرَةَ: قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ﴾ ١. وَقَدْ ذُكِرَ فِي هَذِهِ الآيَةِ مَوْضِعَانِ مَنْسُوخَانِ: الأَوَّلُ: قَوْلُهُ: ﴿وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ﴾ ٢، وهذا عِنْدَ (عُمُومِ) ٣ الْعُلَمَاءِ لَفْظٌ عَامٌّ دَلَّهُ التَّخْصِيصُ بِنَهْيِ النَّبِيِّ ﷺ "أَنْ تُنْكَحَ المرأة على عمتها أو أعلى خَالَتِهَا"٤ وَلَيْسَ هَذَا عَلَى سَبِيلِ النَّسْخِ. وَقَدْ ذَهَبَ قَوْمٌ لا فِقْهَ لَهُمْ إِلَى أَنَّ التَّحْلِيلَ الْمَذْكُورَ فِي الآيَةِ مَنْسُوخٌ بِهَذَا الْحَدِيثِ، وَهَذَا إِنَّمَا يَأْتِي مِنْ عَدَمِ فَهْمِ النَّاسِخِ وَالْمَنْسُوخِ وَالْجَهْلِ بِشَرَائِطِهِ وَقِلَّةِ الْمَعْرِفَةِ بِالْفَرْقِ بَيْنَ التَّخْصِيصِ وَالنَّسْخِ٥. وَأَمَّا الْمَوْضِعُ الثَّانِي: فَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿فَمَا اسْتَمْتَعْتُمْ بِهِ مِنْهُنَّ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنّ﴾ ٦.

стр. 331

اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي الْمُرَادِ بِهَذَا الاستمتاع على قولين: أحدهما: أَنَّهُ النِّكَاحُ، وَالأُجُورُ الْمُهُورُ. وَهَذَا مَذْهَبُ ابْنِ عَبَّاسٍ وَمُجَاهِدٍ وَالْجُمْهُورِ١. وَالثَّانِي: أَنَّهُ الْمُتْعَةُ الَّتِي كَانَتْ في أول الإسلام، كَانَ الرَّجُلُ يَنْكِحُ الْمَرْأَةَ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى، وَيَشْهَدُ شَاهِدَيْنِ، فَإِذَا انْقَضَتِ الْمُدَّةُ لَيْسَ لَهُ عَلَيْهَا سَبِيلٌ. قَالَهُ قَوْمٌ مِنْهُمُ السُّدِّيُّ٢ ثُمَّ اخْتَلَفُوا هَلْ هِيَ مُحْكَمَةٌ أَوْ مَنْسُوخَةٌ، فَقَالَ٣ قَوْمٌ: هِيَ مُحْكَمَةٌ. أَخْبَرَنَا ابْنُ نَاصِرٍ، قَالَ: أَبْنَا ابْنُ أَيُّوبَ، قَالَ: أَبْنَا أَبُو عَلِيِّ بْنُ شَاذَانَ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرٍ النَّجَّادُ، قَالَ: أَبْنَا أَبُو دَاوُدَ السِّجِسْتَانِيُّ، قَالَ: بنا محمد ابن المثنى، قال: بنا محمد بن جعفر، قال: بنا شُعْبَةُ عَنِ الْحَكَمِ، قَالَ: سَأَلْتُهُ عَنْ هَذِهِ الآيَةِ: ﴿فَمَا اسْتَمْتَعْتُمْ بِهِ مِنْهُنّ﴾ أَمَنْسُوخَةٌ هِيَ؟ قَالَ: لا. قَالَ الْحَكَمُ: وَقَالَ عَلِيٌّ ﵁: "لَوْلا أَنَّ عُمَرَ نَهَى عَنِ الْمُتْعَةِ - فَذَكَرَ شَيْئًا –"٤. وَقَالَ آخَرُونَ: هِيَ مَنْسُوخَةٌ، وَاخْتَلَفُوا بِمَاذَا نسخت على قولين: أحدهما: بإيجاب العدة.

стр. 332

أَخْبَرَنَا ابْنُ نَاصِرٍ، قَالَ: أَبْنَا عَلِيُّ بْنُ أَيُّوبَ، قَالَ: أَبْنَا (أَبُو عَلِيِّ بْنُ شَاذَانَ) ١ قَالَ: أَبْنَا أَبُو بَكْرٍ النَّجَّادُ، قَالَ: أَبْنَا أَبُو دَاوُدَ السِّجِسْتَانِيُّ، قَالَ: أَبْنَا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدٍ، قَالَ: أَبْنَا هَاشِمُ بْنُ مَخْلَدٍ، عَنِ ابن المبارك، عن عثمان ابن عَطَاءٍ عَنْ عَطَاءٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ ﴿فَمَا اسْتَمْتَعْتُمْ بِهِ مِنْهُنَّ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ فَرِيضَةً﴾ فنسختها ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ﴾ ٢ ﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلاثَةَ قُرُوءٍ﴾ ٣ ﴿وَاللاّئِي يَئِسْنَ مِنَ الْمَحِيضِ مِنْ نِسَائِكُمْ إِنِ ارْتَبْتُمْ فَعِدَّتُهُنَّ ثَلاثَةُ أَشْهُرٍ﴾ ٤. وَالثَّانِي: أَنَّهَا نُسِخَتْ بِنَهْيِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ عن المتعة٥.

стр. 333

وَهَذَا الْقَوْلُ لَيْسَ بِشَيْءٍ لِوَجْهَيْنِ: أحدهما: أَنَّ الآيَةَ سِيقَتْ لِبَيَانِ عُقْدَةِ النكاح بقوله: ﴿مُحْصِنِينَ﴾ أَيْ: مُتَزَوِّجِينَ، عَاقِدِينَ النِّكَاحَ، فَكَانَ مَعْنَى الْآيَةِ ﴿فَمَا اسْتَمْتَعْتُمْ بِهِ مِنْهُنَّ﴾ عَلَى وَجْهِ النِّكَاحِ الْمَوْصُوفِ فَآتُوهُنَّ مُهُورَهُنَّ، وَلَيْسَ فِي الآيَةِ مَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ نِكَاحُ الْمُتْعَةِ الَّذِي نَهَى عَنْهُ، وَلا حاجة إلى التكلف، وإنما أجاز المتعة رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ثُمَّ مُنِعَ مِنْهَا. وَالثَّانِي: أَنَّهُ لَوْ كَانَ ذَلِكَ لَمْ يَجُزْ. نَسْخُهُ بِحَدِيثٍ وَاحِدٍ١. ذِكْرُ الْآيَةِ الثَّالِثَةَ عَشْرَةَ: قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ﴾ ٢. هَذِهِ الآيَةُ عَامَّةٌ فِي أَكْلِ الْإِنْسَانِ مَالَ نَفْسِهِ، وَأَكْلِهِ مَالَ غَيْرِهِ بِالْبَاطِلِ. فَأَمَّا أَكْلُهُ مَالَ نَفْسِهِ بِالْبَاطِلِ فَهُوَ إِنْفَاقُهُ فِي معاصي الله عزوجل.

стр. 334

وَأَمَّا أَكْلُ مَالِ الْغَيْرِ بِالْبَاطِلِ، فهو تناوله على الْوَجْهَ الْمَنْهِيَّ عَنْهُ سَوَاءٌ كَانَ غَصْبًا مِنْ مَالِكِهِ، أَوْ كَانَ بِرِضَاهُ، إِلا أَنَّهُ مَنْهِيٌّ عَنْهُ شرعاً، مثل القمار والربا. وَهَذِهِ الآيَةُ مُحْكَمَةٌ وَالْعَمَلُ عَلَيْهَا. أَخْبَرَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ أَحْمَدَ، قَالَ: أَبْنَا عُمَرُ بْنُ عُبَيْدِ اللَّهِ، قَالَ: أَبْنَا ابْنُ بِشْرَانَ، قَالَ: أَبْنَا إِسْحَاقُ بْنُ أَحْمَدَ، قَالَ: أَبْنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَحْمَدَ، قال: حدثني أبي، قال: بنا أَسْوَدُ بْنُ عَامِرٍ، قَالَ: أَبْنَا سُفْيَانُ عَنِ رَبِيعٍ عَنِ الْحَسَنِ ﴿لا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ﴾ ١ قَالَ: مَا نَسَخَهَا شَيْءٌ، قَالَ أَحْمَدُ: وَحَدَّثَنَا حُسَيْنُ بْنُ مُحَمَّدٍ، قال: بنا عُبَيْدُ اللَّهِ عَنْ زَيْدِ بْنِ أَبِي أُنَيْسَةَ عَنْ عَمْرٍو، أَنَّ مَسْرُوقًا٢ قَالَ فِي هَذِهِ الآيَةِ: ﴿لا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ﴾ قَالَ: "إِنَّهَا لَمُحْكَمَةٌ مَا نُسِخَتْ"٣. وَقَدْ زَعَمَ بَعْضُ مُنْتَحِلِي التَّفْسِيرِ، وَمُدَّعِي عِلْمَ النَّاسِخِ وَالْمَنْسُوخِ: أَنَّ هَذِهِ الآيَةَ لَمَّا نَزَلَتْ تَحَرَّجُوا مِنْ أَنْ يُوَاكِلُوا الأَعْمَى وَالأَعْرَجَ وَالْمَرِيضَ، وَقَالُوا إِنَّ الأَعْمَى لا يبصر أطايب الطَّعَامِ، وَالأَعْرَجَ لا يَتَمَكَّنُ مِنَ الْمَجْلِسِ، وَالْمَرِيضَ لا يَسْتَوْفِي الأَكْلَ، فأنزل الله عزوجل: ﴿لَيْسَ عَلَى الأعْمَى حَرَجٌ﴾ الآية٤ فنسخت هذه الآية٥.

стр. 335

وهذا ليس بشيء، ولأنه لا تَنَافِيَ بَيْنَ الآيَتَيْنِ، وَلا يَجُوزُ أَكْلُ الْمَالِ بِالْبَاطِلِ بِحَالٍ، (وَعَلَى مَا قَدْ زَعَمَ) ١ هَذَا الْقَائِلُ قَدْ كَانَ يَجُوزُ أَكْلُ الْمَالِ بِالْبَاطِلِ. ذِكْرُ الآيَةِ الرَّابِعَةَ عَشْرَةَ: قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَالَّذِينَ عَقَدَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ ٢.

стр. 336

اخْتَلَفَ الْمُفَسِّرُونَ فِي الْمُرَادِ بِهَذِهِ المعاقدة على ثلاثة أقوال: أحدها: أَنَّهَا الْمُحَالَفَةُ الَّتِي كَانَتْ فِي الْجَاهِلِيَّةِ. وَاخْتَلَفَ هَؤُلاءِ عَلَى مَا كَانُوا يَتَعَاقَدُونَ عَلَى ثَلاثَةِ أَقْوَالٍ: أحدها: عَلَى أَنْ يَتَوَارَثُوا. أَخْبَرَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ أَحْمَدَ، قَالَ: أَبْنَا عُمَرُ بْنُ عُبَيْدِ اللَّهِ، قَالَ: أَبْنَا ابْنُ بِشْرَانَ، قَالَ: أَبْنَا إِسْحَاقُ بن أحمد، قال: بنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَحْمَدَ، قَالَ: حَدَّثَنِي أَبِي، قَالَ: حَدَّثَنِي حَجَّاجُ عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ عَنْ عَطَاءٍ الْخُرَاسَانِيِّ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ ﴿وَالَّذِينَ عَقَدَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ قَالَ: كَانَ الرَّجُلُ قَبْلَ الْإِسْلامِ يُعَاقِدُ الرَّجُلَ فَيَقُولُ: تَرِثُنِي وَأَرِثُكَ، فنسختها هذه الآية ﴿وَأُولُوا الأرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ﴾ الآيَةُ١. أَخْبَرَنَا ابْنُ نَاصِرٍ، قَالَ: أَبْنَا ابْنُ أَيُّوبَ، قَالَ: أَبْنَا ابْنُ شَاذَانَ، قَالَ: أَبْنَا أَبُو بَكْرٍ النَّجَّادُ، قَالَ: أَبْنَا أَبُو دَاوُدَ السِّجِسْتَانِيُّ، قَالَ: أَبْنَا أَحْمَدُ بن محمد المروزي، قال: بنا عَلِيُّ بْنُ الْحُسَيْنِ عَنْ أَبِيهِ عَنْ يَزِيدَ النَّحْوِيِّ عَنْ عِكْرِمَةَ ﴿وَالَّذِينَ عَقَدَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ قَالَ: كَانَ الرَّجُلُ يُحَالِفُ الرَّجُلَ ليس

стр. 337

بَيْنَهُمَا نَسَبٌ، فَيَرِثُ أَحَدُهُمَا الآخَرَ، فنسخ ذلك قوله: ﴿وَأُولُوا الأرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ﴾ ١. وَقَالَ الْحَسَنُ: "كَانَ الرَّجُلُ يُعَاقِدُ الرَّجُلَ، عَلَى أَنَّهُمَا إِذَا مَاتَ أَحَدُهُمَا وَرِثَهُ الآخَرُ، فَنَسَخَتْهَا آيَةُ المواريث"٢. والثاني: أنهم كانوا يَتَعَاقَدُونَ عَلَى أَنْ يَتَنَاصَرُوا، وَيَتَعَاقَلُوا فِي الْجِنَايَةِ. وَالثَّالِثُ: أَنَّهُمْ كَانُوا يَتَعَاقَدُونَ عَلَى جَمِيعِ ذَلِكَ. أَخْبَرَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ أَحْمَدَ، قَالَ: أَبْنَا عُمَرُ بْنُ عُبَيْدِ اللَّهِ، قَالَ: أَبْنَا ابْنُ بِشْرَانَ، قَالَ: أَبْنَا إسحاق بن أحمد، قال: بنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَحْمَدَ قَالَ: حدثني أبي، قال: بنا عبد الرزاق، قال: بنا مَعْمَرٌ عَنْ قَتَادَةَ فِي قَوْلِهِ: ﴿وَالَّذِينَ عَقَدَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ قَالَ: كَانَ الرَّجُلُ فِي الْجَاهِلِيَّةِ يُعَاقِدُ الرَّجُلَ فَيَقُولُ: دَمِي دَمُكَ وَهَدْمِي هَدْمُكَ وَتَرِثُنِي وَأَرِثُكَ، وَتَطْلُبُ بِي وَأَطْلُبُ بِكَ، فَلَمَّا جَاءَ الْإِسْلامُ بَقِيَ مِنْهُمْ نَاسٌ فَأُمِرُوا أَنْ يُؤْتُوهُمْ نَصِيبَهُمْ مِنَ الْمِيرَاثِ وَهُوَ السُّدُسُ ثُمَّ نُسِخَ ذَلِكَ بالميراث، فقال: ﴿وَأُولُوا الأرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ﴾ ٣.

стр. 338

فَصْلٌ: وَهَلْ أُمِرُوا فِي الشَّرِيعَةِ أَنْ يَتَوَارَثُوا بِذَلِكَ فِيهِ قَوْلانِ: أحدهما: أَنَّهُمْ أُمِرُوا أَنْ يَتَوَارَثُوا بِذَلِكَ فَمِنْهُمْ مَنْ كَانَ يَجْعَلُ لِحَلِيفِهِ السُّدُسَ مِنْ مَالِهِ، وَمِنْهُمْ مَنْ كَانَ يَجْعَلُ لَهُ سهماُ غَيْرَ ذَلِكَ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ وَارِثٌ فَهُوَ أَحَقُّ بِجَمِيعِ مَالِهِ. أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْوَهَّابِ الْحَافِظُ، قَالَ: أَبْنَا أَبُو الْفَضْلِ بْنُ خَيْرُونُ، وَأَبُو طَاهِرٍ الْبَاقِلاوِيُّ، قَالا: أَبْنَا ابْنُ شَاذَانَ، قَالَ: أَبْنَا أَحْمَدُ بْنُ كَامِلٍ، قَالَ: أَبْنَا مُحَمَّدُ بْنُ سَعْدٍ الْعَوْفِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنِي أَبِي، قَالَ: حَدَّثَنِي عَمِّي عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ ﴿وَالَّذِينَ عَقَدَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ قَالَ: كَانَ الرَّجُلُ فِي الْجَاهِلِيَّةِ يَلْحَقُ بِهِ الرَّجُلُ فَيَكُونُ تَابِعَهُ، فَإِذَا مَاتَ الرَّجُلُ صَارَ لِأَهْلِهِ وَأَقَارِبِهِ الْمِيرَاثُ، وَبَقِيَ تَابِعُهُ لَيْسَ لَهُ شَيْءٌ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَالَّذِينَ عَقَدَتْ أَيْمَانُكُمْ فَآتُوهُمْ نَصِيبَهُمْ﴾ وَكَانَ يُعْطِي مِنْ مِيرَاثِهِ، فَأَنْزَلَ الله تعالى بعد ذلك، ﴿وَأُولُوا الأرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ﴾ ١. قُلْتُ: وَهَذَا الْقَوْلُ أَعْنِي: نَسْخَ الآيَةِ بِهَذِهِ الآيَةِ قَوْلُ جُمْهُورِ الْعُلَمَاءِ مِنْهُمُ الثَّوْرِيُّ، وَالأَوْزَاعِيُّ٢ وَمَالِكٌ، والشافعي، وأحمد بن حنبل.

стр. 339

وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: هَذَا الْحُكْمُ لَيْسَ بِمَنْسُوخٍ، غَيْرَ أَنَّهُ جَعَلَ ذَوِي الأَرْحَامِ أَوْلَى مِنْ مَوَالِي الْمُعَاقَدَةِ، فَإِذَا فَقَدَ ذَوِي الأَرْحَامِ وَرِثُوا، وَكَانُوا أَحَقَّ بِهِ مِنْ بَيْتِ الْمَالِ. وَالثَّانِي: أَنَّهُمْ لَمْ يُؤْمَرُوا بِالتَّوَارُثِ بِذَلِكَ، بَلْ أُمِرُوا بِالتَّنَاصُرِ، وَهَذَا حُكْمٌ باقٍ لَمْ يُنْسَخْ، وَقَدْ قَالَ ﵇: "لا حِلْفَ فِي الْإِسْلامِ وَأَيُّمَا حِلْفٍ كَانَ فِي الْجَاهِلِيَّةِ فَإِنَّ الْإِسْلامَ (لَمْ يَزِدْهُ إِلا شِدَّةً" ١ وَأَرَادَ بِذَلِكَ النُّصْرَةَ وَالْعَوْنَ، وَأَرَادَ بِقَوْلِهِ: "لا حِلْفَ فِي الْإِسْلامِ" أَنَّ الْإِسْلامَ قَدِ اسْتَغْنَى عَنْ ذَلِكَ، بِمَا أَوْجَبَ اللَّهُ تَعَالَى عَلَى الْمُسْلِمِينَ بَعْضِهِمْ لِبَعْضٍ مِنَ التَّنَاصُرِ٢ وَهَذَا قَوْلُ جَمَاعَةٍ مِنْهُمْ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، وَقَدْ رُوِيَ عَنْ مُجَاهِدٍ أَنَّهُمْ يَنْصُرُونَهُمْ وَيَعْقِلُونَ عَنْهُمْ. أَخْبَرَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ أَحْمَدَ، قَالَ: أَبْنَا عُمَرُ بْنُ عُبَيْدِ اللَّهِ، قَالَ: أَبْنَا ابْنُ بِشْرَانَ، قَالَ: أَبْنَا إِسْحَاقُ بْنُ أَحْمَدَ، قَالَ: أَبْنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَحْمَدَ قَالَ: حَدَّثَنِي أَبِي، قَالَ: بنا وكيع، قال: بنا سُفْيَانُ عَنْ مَنْصُورٍ عَنْ مُجَاهِدٍ ﴿وَالَّذِينَ

стр. 340

عَقَدَتْ أَيْمَانُكُمْ فَآتُوهُمْ نَصِيبَهُمْ﴾ قَالَ: "هُمُ الْحُلَفَاءُ فَآتُوهُمْ نَصِيبَهُمْ مِنَ الْعَقْلِ وَالْمَشُورَةِ وَالنُّصْرَةِ، وَلا مِيرَاثَ"١. وَالْقَوْلُ الثَّانِي: أَنَّ الْمُرَادَ بِالْمُعَاقَدَةِ، الْمُؤَاخَاةُ الَّتِي عَقَدَهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بَيْنَ أَصْحَابِهِ. أَخْبَرَنَا ابْنُ نَاصِرٍ، قَالَ: أَبْنَا ابْنُ أَيُّوبَ، قَالَ: أَبْنَا ابْنُ شَاذَانَ، قَالَ: أَبْنَا أَبُو بَكْرٍ النَّجَّادُ قَالَ: أَبْنَا أبو داود السجستاني، قال: بنا هرون بن عبد الله، قال: بنا أَبُو أُسَامَةَ، قَالَ حَدَّثَنِي إِدْرِيسُ٢ بن يزيد، قال: بنا طلحة٣ ابن مُصَرِّفٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: كَانَ الْمُهَاجِرُونَ حِينَ قَدِمُوا الْمَدِينَةَ يُوَرِّثُونَ الأَنْصَارَ دُونَ ذَوِي رَحِمِهِمْ لِلأُخُوَّةِ الَّتِي آخَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بَيْنَهُمْ، فَلَمَّا نَزَلَتْ: ﴿وَلِكُلٍّ جَعَلْنَا مَوَالِيَ﴾ ٤ نَسَخَتْ، فَآتُوهُمْ نَصِيبَهُمْ مِنَ النَّصْرِ وَالنَّصِيحَةِ وَالرِّفَادَةِ. وَيُوصِي لَهُمْ وَقَدْ ذَهَبَ الْمِيرَاثُ٥. وَرَوَى أَصْبَغُ٦ عَنِ ابْنِ زَيْدٍ ﴿وَالَّذِينَ عَقَدَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ قَالَ: الَّذِينَ عَاقَدَ بَيْنَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، فَآتُوهُمْ نَصِيبَهُمْ إِذَا لَمْ يَأْتِ ذو رحم يحول بينهم.

стр. 341

(قَالَ: وَهَذَا) ١ لا يَكُونُ الْيَوْمَ إِنَّمَا كَانَ هَذَا فِي نَفَرٍ آخَى بَيْنَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ثُمَّ انْقَطَعَ ذَلِكَ وَلا يَكُونُ هَذَا لِأَحَدٍ إِلا لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ٢. الْقَوْلُ الثَّالِثُ: أَنَّهَا نَزَلَتْ فِي الَّذِينَ كَانُوا يَتَبَنَّوْنَ أَبْنَاءَ غَيْرِهِمْ فِي الْجَاهِلِيَّةِ فَأُمِرُوا أَنْ يُوصُوا لَهُمْ عِنْدَ الْمَوْتِ تَوْصِيَةً وَرَدُّ الْمِيرَاثِ إِلَى (الرَّحِمِ) ٣ وَالْعُصْبَةِ. رَوَاهُ الزُّهْرِيُّ عَنِ ابْنِ الْمُسَيِّبِ٤. ذِكْرُ الْآيَةِ الْخَامِسَةَ عَشْرَةَ: قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿لا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى﴾ ٥. قَالَ الْمُفَسِّرُونَ: هَذِهِ الآيَةُ اقْتَضَتْ إِبَاحَةَ السُّكْرِ فِي غَيْرِ (أَوْقَاتِ) ٦ الصَّلاةِ ثُمَّ نُسِخَ ذَلِكَ بِقَوْلُهُ تعالى ﴿فَاجْتَنِبُوهُ﴾ ٧.

стр. 342

أَخْبَرَنَا الْمُبَارَكُ بْنُ عَلِيٍّ، قَالَ: أَبْنَا أَحْمَدُ بْنُ الْحُسَيْنِ بْنِ قُرَيْشٍ، قَالَ: أَبْنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ عُمَرَ الْبَرْمَكِيُّ، قَالَ: أَبْنَا مُحَمَّدُ إسماعيل بن العباس، قال: بنا (أَبُو) ١ بَكْرِ بْنُ أَبِي دَاوُدَ، قال: بنا مُحَمَّدُ بْنُ (قُهْزاد) ٢، قَالَ: حَدَّثَنِي عَلِيُّ بْنُ الْحُسَيْنِ بْنِ وَاقِدٍ قَالَ: حَدَّثَنِي أَبِي عَنْ يَزِيدَ النَّحْوِيِّ، عَنْ عِكْرِمَةَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ ﴿لا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى﴾ قَالَ: نَسَخَتْهَا ﴿إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالأنْصَابُ وَالأزْلامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ﴾ ٣. قَالَ أَبُو بَكْرٍ: وَأَبْنَا يَعْقُوبُ بن سفيان، قال: بنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ صَالِحٍ، قَالَ: بنا مُعَاوِيَةُ بْنُ صَالِحٍ عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ ﴿لا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى﴾ قَالَ: كَانُوا لا يَشْرَبُونَهَا عِنْدَ الصَّلاةِ فَإِذَا صَلُّوا الْعِشَاءَ شَرِبُوهَا فَلا يُصْبِحُونَ حَتَّى يَذْهَبَ عَنْهُمُ السُّكْرُ، فَإِذَا صَلُّوا الْغَدَاةَ شَرِبُوهَا، فأنزل الله عزوجل: ﴿إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالأنْصَابُ وَالأزْلامُ﴾ الآية٤ فحرم الله الخمر٥.

стр. 343

قَالَ أبو بكر: وبنا مُحَمَّدُ بْنُ سَعْدٍ، قَالَ: حَدَّثَنِي أَبِي عَنِ الْحُسَيْنِ بْنِ الْحَسَنِ بْنِ عَطِيَّةَ عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَطِيَّةَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ ﴿لا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى﴾ قَالَ: نَسَخَتْهَا الْآيَةُ الَّتِي فِي المائدة ﴿فَاجْتَنِبُوهُ﴾ ١ قال أبو بكر: وبنا يعقوب بن سفيان، قال: بنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُثْمَانَ، قَالَ: أَبْنَا عِيسَى بْنُ عُبَيْدٍ، قَالَ: بنا عُبَيْدُ اللَّهِ مَوْلَى عُمَرَ بْنِ مُسْلِمٍ، أَنَّ الضَّحَّاكَ بْنَ مُزَاحِمٍ أَخْبَرَهُ فِي قَوْلِهِ: ﴿لا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى﴾ قَالَ: "نَسَخَتْهَا ﴿إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالأنْصَابُ﴾ " الآيَةَ٢. ذِكْرُ الآيَةِ السَّادِسَةَ عَشْرَةَ: قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ وَعِظْهُمْ﴾ ٣.

стр. 344

قَالَ الْمُفَسِّرُونَ فِي هَذِهِ الآيَةِ تَقْدِيمٌ وَتَأْخِيرٌ. تَقْدِيرُهُ: فَعِظْهُمْ فَإِنِ امْتَنَعُوا عَنِ الإِجَابَةِ فَأَعْرِضْ. وَهَذَا كَانَ قَبْلَ الأَمْرِ بِالْقِتَالِ ثُمَّ نُسِخَ ذَلِكَ بِآيَةِ السَّيْفِ١. ذِكْرُ الْآيَةِ السَّابِعَةَ عَشْرَةَ: قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ جَاءُوكَ فَاسْتَغْفَرُوا اللَّهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ لَوَجَدُوا اللَّهَ تَوَّاباً رَحِيماً﴾ ٢. قَالَ الْمُفَسِّرُونَ: اخْتَصَمَ يَهُودِيٌّ وَمُنَافِقٌ، وَقِيلَ: بَلْ مُؤْمِنٌ وَمُنَافِقٌ، فَأَرَادَ الْيَهُودِيُّ، وَقِيلَ: الْمُؤْمِنُ، أَنْ تَكُونَ الْحُكُومَةُ بَيْنَ يَدَيِ الرَّسُولِ ﷺ فَأَبَى الْمُنَافِقُ. فَنَزَلَ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ﴾ ٣ إِلَى هَذِهِ الآيَةِ، وَكَانَ مَعْنَى هَذِهِ الآيَةِ: وَلَوْ أَنَّ الْمُنَافِقِينَ جَاءُوكَ فَاسْتَغْفَرُوا مِنْ (صَنِيعِهِمْ) ٤ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ٥،وَقَدْ زَعَمَ بَعْضُ منتحلي التفسير:

стр. 345

أَنَّ هَذِهِ الآيَةَ نُسِخَتْ بِقَوْلِهِ: ﴿اسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لا تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ إِنْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ﴾ ١. وَهَذَا قَوْلٌ مَرْذُولٌ، لِأَنَّهُ إِنَّمَا قِيلَ ﴿فَلَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ﴾ لِإِصْرَارِهِمْ عَلَى النِّفَاقِ، فَأَمَّا إِذَا جَاءُوا فَاسْتَغْفَرُوا وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ، فَقَدِ ارْتَفَعَ الإِصْرَارُ فَلا وَجْهَ لِلنَّسْخِ٢. ذِكْرُ الآيَةِ الثَّامِنَةَ عَشْرَةَ: قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿خُذُوا حِذْرَكُمْ فَانْفِرُوا ثُبَاتٍ أَوِ انْفِرُوا جَمِيعاً﴾ ٣. وَهَذِهِ الآيَةُ تَتَضَمَّنُ الأَمْرَ بِأَخْذِ الْحِذْرِ، وَالنَّدْبِ إِلَى أَنْ يَكُونُوا عصباً وَقْتَ نَفِيرِهِمْ، ذَوِي أَسْلِحَةٍ عِنْدَ بُرُوزِهِمْ إِلَى عَدُوِّهِمْ وَلا يَنْفِرُوا مُنْفَرِدِينَ٤ لِأَنَّ الثُّبَاتَ: الْجَمَاعَاتُ الْمُتَفَرِّقَةُ٥.

стр. 346

وَقَدْ ذَهَبَ قَوْمٌ: إِلَى أَنَّ هذه الآية منسوخة. أَخْبَرَنَا بْنُ١ نَاصِرٍ قَالَ: أَبْنَا عَلِيُّ بْنُ أَيُّوبَ، قَالَ: أَبْنَا أَبُو عَلِيِّ بْنُ شَاذَانَ، قَالَ: أَبْنَا أَبُو بَكْرٍ النَّجَّادُ، قَالَ: أبنا أبو داود السجستافي، قال: بنا الحسن بن محمد، قال: بنا حَجَّاجُ بْنُ مُحَمَّدٍ قَالَ: قَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ وَعُثْمَانُ بْنُ عَطَاءٍ عَنْ عَطَاءٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ ﴿خُذُوا حِذْرَكُمْ فَانْفِرُوا ثُبَاتٍ﴾ ٢، وقال: ﴿انْفِرُوا خِفَافاً وَثِقَالاً﴾ ٣ وَقَالَ: ﴿إِلاّ تَنْفِرُوا يُعَذِّبْكُمْ عَذَاباً أَلِيماً﴾ ٤ ثُمَّ نَسَخَ هَذِهِ الآيَاتِ، فَقَالَ: ﴿وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كَافَّةً فَلَوْلا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ﴾ الآيَةَ٥. قُلْتُ: وَهَذِهِ الرِّوَايَةُ فِيهَا مَغْمَزٌ٦. وَهَذَا الْمَذْهَبُ لا يُعْمَلُ عَلَيْهِ. وَأَحْوَالُ الْمُجَاهِدِينَ تَخْتَلِفُ، وَالأَمْرُ فِي ذَلِكَ عَلَى حَسَبِ مَا يراه الإمام

стр. 347

وَلَيْسَ فِي هَذِهِ الآيَاتِ شَيْءٌ مَنْسُوخٌ بَلْ كُلُّهَا مُحْكَمَاتٌ. وَقَدْ ذَهَبَ إِلَى مَا قَدْ ذَهَبْتُ إِلَيْهِ، أَبُو سُلَيْمَانَ الدِّمَشْقِيُّ١. ذِكْرُ الْآيَةِ التَّاسِعَةَ عَشْرَةَ: قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَمَنْ تَوَلَّى فَمَا أَرْسَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظاً﴾ ٢. رَوَى أَبُو صَالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ مَعْنَاهُ: فَمَا أَرْسَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ (رَقِيبًا تُؤْخَذُ بِهِمْ) ٣. وَقَالَ السُّدِّيُّ وَابْنُ (قُتَيْبَةَ) ٤: حَفِيظًا أَيْ: مُحَاسِبًا لَهُمْ٥. وَقَدْ ذَهَبَ قَوْمٌ مِنْهُمْ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ زَيْدٍ، إِلَى أَنَّ هَذِهِ الآيَةَ نَزَلَتْ فِي بِدَايَةِ الأَمْرِ ثُمَّ نُسِخَتْ بِآيَةِ السَّيْفِ٦ وَفِيهِ بُعْدٌ، لِأَنَّهُ إِذَا كَانَ تَفْسِيرُهَا مَا ذَكَرْنَا فَأَيُّ وَجْهٍ لِلنَّسْخِ٧. ذِكْرُ الْآيَةِ الْعِشْرِينَ: قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ﴾ ٨.

стр. 348

قَالَ الْمُفَسِّرُونَ مَعْنَى الْكَلامِ: أَعْرِضْ عَنْ عُقُوبَتِهِمْ، ثُمَّ نَسَخَ هَذَا الإِعْرَاضُ عَنْهُمْ بِآيَةِ السَّيْفِ١. ذِكْرُ الْآيَةِ الْحَادِيَةَ وَالْعِشْرِينَ: قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿فَقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ لا تُكَلَّفُ إِلاّ نَفْسَكَ﴾ ٢. قَالَ الْمُفَسِّرُونَ: مَعْنَاهُ: لا تُكَلَّفُ إِلا الْمُجَاهَدَةَ بِنَفْسِكَ، وَلا تُلْزَمْ فِعْلَ غَيْرِكَ، وَهَذَا مُحْكَمٌ. وَقَدْ زَعَمَ بَعْضُ مُنْتَحِلِي التَّفْسِيرِ أَنَّهُ مَنْسُوخٌ بِآيَةِ السَّيْفِ٣ (فَكَأَنَّهُ) ٤ اسْتَشْعَرَ أَنَّ مَعْنَى الْكَلامِ: لا تُكَلَّفُ أَنْ تُقَاتِلَ أَحَدًا، وَلَيْسَ كَذَلِكَ، إِنَّمَا الْمَعْنَى: لا تُكَلَّفُ فِي الْجِهَادِ إِلا فِعْلَ نَفْسِكَ٥. ذِكْرُ الْآيَةِ الثَّانِيَةِ وَالْعِشْرِينَ: قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿إِلاّ الَّذِينَ يَصِلُونَ إِلَى قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ﴾ ٦.

стр. 349

قوله تعالى: ﴿يَصِلُونَ﴾: يَدْخُلُونَ فِي عَهْدٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ. وَالْمَعْنَى: يَنْتَسِبُونَ بِالْعَهْدِ١ أَوْ يصلون إلى قوم جاؤوكم، حصرت

стр. 350

صُدُورُهُمْ أَيْ: ضَاقَتْ عَنْ قِتَالِكُمْ١ لِمَوْضِعِ الْعَهْدِ الَّذِي بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ، فَأُمِرَ٢ الْمُسْلِمُونَ فِي هَذِهِ الآيَةِ بِتَرْكِ قِتَالِ مَنْ (لَهُ) ٣ مَعَهُمْ عَهْدٌ، أَوْ مِيثَاقٌ، أَوْ مَا يَتَعَلَّقُ بِعَهْدٍ، ثُمَّ نُسِخَ ذَلِكَ بِآيَةِ السَّيْفِ، وَبِمَا أُمِرُوا بِهِ مِنْ نَبْذِ الْعَهْدِ إِلَى أَرْبَابِهِ فِي سُورَةِ بَرَاءَةٍ. وَهَذَا الْمَعْنَى مَرْوِيٌّ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ وَقَتَادَةَ. أَخْبَرَنَا ابْنُ نَاصِرٍ، قَالَ. (أَبْنَا ابْنُ أَيُّوبَ) ٤ قَالَ: أَبْنَا ابْنُ شَاذَانَ، قَالَ. أَبْنَا أَبُو بَكْرٍ النَّجَّادُ، قَالَ: أَبْنَا أَبُو دَاوُدَ السجستاني، قال: بنا الحسن ابن محمد، قال: بنا حَجَّاجٌ، قَالَ: قَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ وَعُثْمَانُ بْنُ عَطَاءٍ عَنْ عَطَاءٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ ﴿إِلاّ الَّذِينَ يَصِلُونَ إِلَى قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ﴾ ٥ وَقَالَ: ﴿إِذَا جَاءَكُمُ الْمُؤْمِنَاتُ مُهَاجِرَاتٍ فَامْتَحِنُوهُنّ﴾ ٦ وَقَالَ: ﴿لا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ﴾ ٧ نَسَخَ هَذَا ﴿بَرَاءَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى الَّذِينَ عَاهَدْتُمْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ ٨ ﴿فَإِذَا انْسَلَخَ الْأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ وَخُذُوهُمْ﴾ ٩.

стр. 351

أَخْبَرَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ أَحْمَدَ، قَالَ: أبنا عمر بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، قَالَ: أَبْنَا ابْنُ بِشْرَانَ، قَالَ: أَبْنَا أَحْمَدُ بن إسحاق الكاذي، قال: بنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ، قَالَ: حَدَّثَنِي أَبِي، قَالَ: بنا عَبْدُ الْوَهَّابِ، عَنْ سَعِيدٍ عَنْ قَتَادَةَ ﴿إِلاّ الَّذِينَ يَصِلُونَ إِلَى قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ﴾ الآيَةَ. قَالَ: نُسِخَ ذَلِكَ فِي بَرَاءَةٍ، وَنُبِذَ إِلَى كُلِّ ذِي عَهْدٍ عَهْدُهُ، وَأَمَرَ اللَّهُ نَبِيَّهُ أَنْ يُقَاتِلْهُمْ حَتَّى يَشْهَدُوا أَنْ لا إِلَهَ إِلا اللَّهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ، وَقَالَ: ﴿فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ﴾ الآية١.

стр. 352

ذِكْرُ الْآيَةِ الثَّالِثَةِ وَالْعِشْرِينَ: قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿سَتَجِدُونَ آخَرِينَ يُرِيدُونَ أَنْ يَأْمَنُوكُمْ وَيَأْمَنُوا قَوْمَهُمْ﴾ ١. وَالْمَعْنَى: أَنَّهُمْ يُظْهِرُونَ الْمُوَافَقَةَ لِلْفَرِيقَيْنِ لِيَأْمَنُوهُمَا فَأَمَرَ اللَّهُ تَعَالَى بِالْكَفِّ عَنْهُمْ، إِذَا اعْتَزَلُوا وَأَلْقُوا إِلَيْنَا السَّلَمَ، وَهُوَ الصُّلْحُ كَمَا أَمَرَ بِالْكَفِّ عَنِ الَّذِينَ يَصِلُونَ إِلَى قَوْمٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ، ثُمَّ نُسِخَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: ﴿فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ﴾ ٢. ذِكْرُ الْآيَةِ الرَّابِعَةِ وَالْعِشْرِينَ: قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ فَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ﴾ ٣.

стр. 353

جُمْهُورُ أَهْلِ الْعِلْمِ عَلَى أَنَّ الْإِشَارَةَ بِهَذَا إِلَى الَّذِي يُقْتَلُ خَطَأً (فَعَلَى) ١ قَاتِلِهِ الدِّيَةُ وَالْكَفَّارَةُ. وَهَذَا قَوْلُ ابْنِ عَبَّاسٍ وَالشَّعْبِيِّ، وَقَتَادَةَ، وَالزُّهْرِيِّ، وَأَبِي حَنِيفَةَ، وَالشَّافِعِيِّ، وَهُوَ قَوْلُ أَصْحَابِنَا٢. فَالآيَةُ عَلَى هَذَا مُحْكَمَةٌ. وَقَدْ ذَهَبَ (بَعْضُ) ٣ مُفَسِّرِي الْقُرْآنِ إِلَى أَنَّ الْمُرَادَ بِهِ مَنْ كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ النَّبِيِّ ﷺ عهد (وهدنة) ٤ إِلَى أَجَلٍ، ثُمَّ نُسِخَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: ﴿بَرَاءَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى الَّذِينَ عَاهَدْتُمْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ ٥ وبقوله: ﴿فَانْبِذْ إِلَيْهِمْ عَلَى سَوَاءٍ﴾ ٦. ذِكْرُ الْآيَةِ الْخَامِسَةِ وَالْعِشْرِينَ: قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِناً مُتَعَمِّداً فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ﴾ الآية٧. اختلف العلماء هل هذه مُحْكَمَةٌ أَمْ مَنْسُوخَةٌ عَلَى قَوْلَيْنِ:

стр. 354

أحدهما: (أَنَّهَا) ١ مَنْسُوخَةٌ وَهُوَ قَوْلُ جَمَاعَةٍ مِنَ الْعُلَمَاءِ قَالُوا: بِأَنَّهَا حَكَمَتْ بِخُلُودِ الْقَاتِلِ فِي النَّارِ، وَذَلِكَ مَنْسُوخٌ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ ٢. وَقَالَ بَعْضُهُمْ: نَسَخَهَا قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَالَّذِينَ لا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهاً آخَرَ﴾ إِلَى قَوْلِهِ: ﴿إِلاّ مَنْ تَابَ﴾ ٣. وَحَكَى أَبُو جَعْفَرٍ النَّحَّاسُ: أَنَّ بَعْضَ الْعُلَمَاءِ قَالَ: مَعْنَى نَسَخَتْهَا آية (الفرقان) ٤ أي: نزلت بنسختها٥. وَالْقَوْلُ الثَّانِي: أَنَّهَا مُحْكَمَةٌ. وَاخْتَلْفَ هَؤُلاءِ فِي طَرِيقِ أَحْكَامِهَا عَلَى قولين: أحدهما: أَنَّ قَاتِلَ الْمُؤْمِنِ مُخَلَّدٌ فِي النَّارِ، وَأَكَدُّوا هَذَا بِأَنَّهَا خَبَرٌ، وَالأَخْبَارُ لا تُنْسَخُ. أَخْبَرَنَا يَحْيَى بْنُ ثَابِتِ بْنِ بُنْدَارٍ٦، قَالَ: أَبْنَا أَبِي، قَالَ: أَبْنَا أَبُو بَكْرٍ الْبَرْقَانِيُّ قَالَ: أَبْنَا أَحْمَدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الْإِسْمَاعِيلِيُّ، قَالَ: أَخْبَرَنِي البغوي، قال: بنا عَلِيُّ بْنُ الْجَعْدِ، قَالَ: أَبْنَا شُعْبَةُ، عَنِ الْمُغِيرَةِ بْنِ النُّعْمَانِ، قال: سمعت

стр. 355

سَعِيدَ بْنَ جُبَيْرٍ، قَالَ: اخْتَلَفَ أَهْلُ الْكُوفَةِ فِي هَذِهِ الآيَةِ ﴿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِناً مُتَعَمِّداً﴾ قَالَ: (فَرَحَلْتُ فِيهَا إِلَى ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: لَقَدْ نَزَلَتْ فِي آخِرِ مَا نزلت وَمَا نَسَخَهَا شَيْءٌ) ١. وَعَنْ شُعْبَةَ عَنْ مَنْصُورٍ قَالَ: سَمِعْتُ سَعِيدَ بْنَ جُبَيْرٍ قَالَ: سَأَلْتُ ابْنَ عباس عن قول الله عزوجل: ﴿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِناً مُتَعَمِّداً﴾ قَالَ: لا تَوْبَةَ لَهُ٢. أَخْبَرَنَا ابن الحصين، قَالَ: أَبْنَا غَيْلانُ، قَالَ: أَبْنَا أَبُو بَكْرٍ الشَّافِعِيُّ، قَالَ: أَبْنَا إِسْحَاقُ بْنُ الْحَسَنِ، قَالَ: أَبْنَا ابن حذيفة النهدي، قال: بنا سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ، عَنِ الْمُغِيرَةِ بْنِ النُّعْمَانِ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ ﴿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِناً مُتَعَمِّداً﴾ قَالَ: لَيْسَ لِقَاتِلِ مُؤْمِنٍ تَوْبَةٌ، مَا نَسَخَتْهَا آيَةٌ مُنْذُ نَزَلَتْ٣. أَخْبَرَنَا سَعِيدُ بْنُ أَحْمَدَ٤، قَالَ: أَبْنَا ابْنُ الْيَسَرِيِّ، قَالَ: أَبْنَا المخلص،
следующие страницы →