← Улюм аль-Кур’ан

Улюм аль-Кур’ан · id 2176

نواسخ القرآن = ناسخ القرآن ومنسوخه ت المليباري

ابن الجوزي

Полный текст (660 стр.). Показаны 351–390 · переход к 356.

стр. 351

أَخْبَرَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ أَحْمَدَ، قَالَ: أبنا عمر بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، قَالَ: أَبْنَا ابْنُ بِشْرَانَ، قَالَ: أَبْنَا أَحْمَدُ بن إسحاق الكاذي، قال: بنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ، قَالَ: حَدَّثَنِي أَبِي، قَالَ: بنا عَبْدُ الْوَهَّابِ، عَنْ سَعِيدٍ عَنْ قَتَادَةَ ﴿إِلاّ الَّذِينَ يَصِلُونَ إِلَى قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ﴾ الآيَةَ. قَالَ: نُسِخَ ذَلِكَ فِي بَرَاءَةٍ، وَنُبِذَ إِلَى كُلِّ ذِي عَهْدٍ عَهْدُهُ، وَأَمَرَ اللَّهُ نَبِيَّهُ أَنْ يُقَاتِلْهُمْ حَتَّى يَشْهَدُوا أَنْ لا إِلَهَ إِلا اللَّهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ، وَقَالَ: ﴿فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ﴾ الآية١.

стр. 352

ذِكْرُ الْآيَةِ الثَّالِثَةِ وَالْعِشْرِينَ: قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿سَتَجِدُونَ آخَرِينَ يُرِيدُونَ أَنْ يَأْمَنُوكُمْ وَيَأْمَنُوا قَوْمَهُمْ﴾ ١. وَالْمَعْنَى: أَنَّهُمْ يُظْهِرُونَ الْمُوَافَقَةَ لِلْفَرِيقَيْنِ لِيَأْمَنُوهُمَا فَأَمَرَ اللَّهُ تَعَالَى بِالْكَفِّ عَنْهُمْ، إِذَا اعْتَزَلُوا وَأَلْقُوا إِلَيْنَا السَّلَمَ، وَهُوَ الصُّلْحُ كَمَا أَمَرَ بِالْكَفِّ عَنِ الَّذِينَ يَصِلُونَ إِلَى قَوْمٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ، ثُمَّ نُسِخَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: ﴿فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ﴾ ٢. ذِكْرُ الْآيَةِ الرَّابِعَةِ وَالْعِشْرِينَ: قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ فَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ﴾ ٣.

стр. 353

جُمْهُورُ أَهْلِ الْعِلْمِ عَلَى أَنَّ الْإِشَارَةَ بِهَذَا إِلَى الَّذِي يُقْتَلُ خَطَأً (فَعَلَى) ١ قَاتِلِهِ الدِّيَةُ وَالْكَفَّارَةُ. وَهَذَا قَوْلُ ابْنِ عَبَّاسٍ وَالشَّعْبِيِّ، وَقَتَادَةَ، وَالزُّهْرِيِّ، وَأَبِي حَنِيفَةَ، وَالشَّافِعِيِّ، وَهُوَ قَوْلُ أَصْحَابِنَا٢. فَالآيَةُ عَلَى هَذَا مُحْكَمَةٌ. وَقَدْ ذَهَبَ (بَعْضُ) ٣ مُفَسِّرِي الْقُرْآنِ إِلَى أَنَّ الْمُرَادَ بِهِ مَنْ كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ النَّبِيِّ ﷺ عهد (وهدنة) ٤ إِلَى أَجَلٍ، ثُمَّ نُسِخَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: ﴿بَرَاءَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى الَّذِينَ عَاهَدْتُمْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ ٥ وبقوله: ﴿فَانْبِذْ إِلَيْهِمْ عَلَى سَوَاءٍ﴾ ٦. ذِكْرُ الْآيَةِ الْخَامِسَةِ وَالْعِشْرِينَ: قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِناً مُتَعَمِّداً فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ﴾ الآية٧. اختلف العلماء هل هذه مُحْكَمَةٌ أَمْ مَنْسُوخَةٌ عَلَى قَوْلَيْنِ:

стр. 354

أحدهما: (أَنَّهَا) ١ مَنْسُوخَةٌ وَهُوَ قَوْلُ جَمَاعَةٍ مِنَ الْعُلَمَاءِ قَالُوا: بِأَنَّهَا حَكَمَتْ بِخُلُودِ الْقَاتِلِ فِي النَّارِ، وَذَلِكَ مَنْسُوخٌ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ ٢. وَقَالَ بَعْضُهُمْ: نَسَخَهَا قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَالَّذِينَ لا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهاً آخَرَ﴾ إِلَى قَوْلِهِ: ﴿إِلاّ مَنْ تَابَ﴾ ٣. وَحَكَى أَبُو جَعْفَرٍ النَّحَّاسُ: أَنَّ بَعْضَ الْعُلَمَاءِ قَالَ: مَعْنَى نَسَخَتْهَا آية (الفرقان) ٤ أي: نزلت بنسختها٥. وَالْقَوْلُ الثَّانِي: أَنَّهَا مُحْكَمَةٌ. وَاخْتَلْفَ هَؤُلاءِ فِي طَرِيقِ أَحْكَامِهَا عَلَى قولين: أحدهما: أَنَّ قَاتِلَ الْمُؤْمِنِ مُخَلَّدٌ فِي النَّارِ، وَأَكَدُّوا هَذَا بِأَنَّهَا خَبَرٌ، وَالأَخْبَارُ لا تُنْسَخُ. أَخْبَرَنَا يَحْيَى بْنُ ثَابِتِ بْنِ بُنْدَارٍ٦، قَالَ: أَبْنَا أَبِي، قَالَ: أَبْنَا أَبُو بَكْرٍ الْبَرْقَانِيُّ قَالَ: أَبْنَا أَحْمَدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الْإِسْمَاعِيلِيُّ، قَالَ: أَخْبَرَنِي البغوي، قال: بنا عَلِيُّ بْنُ الْجَعْدِ، قَالَ: أَبْنَا شُعْبَةُ، عَنِ الْمُغِيرَةِ بْنِ النُّعْمَانِ، قال: سمعت

стр. 355

سَعِيدَ بْنَ جُبَيْرٍ، قَالَ: اخْتَلَفَ أَهْلُ الْكُوفَةِ فِي هَذِهِ الآيَةِ ﴿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِناً مُتَعَمِّداً﴾ قَالَ: (فَرَحَلْتُ فِيهَا إِلَى ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: لَقَدْ نَزَلَتْ فِي آخِرِ مَا نزلت وَمَا نَسَخَهَا شَيْءٌ) ١. وَعَنْ شُعْبَةَ عَنْ مَنْصُورٍ قَالَ: سَمِعْتُ سَعِيدَ بْنَ جُبَيْرٍ قَالَ: سَأَلْتُ ابْنَ عباس عن قول الله عزوجل: ﴿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِناً مُتَعَمِّداً﴾ قَالَ: لا تَوْبَةَ لَهُ٢. أَخْبَرَنَا ابن الحصين، قَالَ: أَبْنَا غَيْلانُ، قَالَ: أَبْنَا أَبُو بَكْرٍ الشَّافِعِيُّ، قَالَ: أَبْنَا إِسْحَاقُ بْنُ الْحَسَنِ، قَالَ: أَبْنَا ابن حذيفة النهدي، قال: بنا سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ، عَنِ الْمُغِيرَةِ بْنِ النُّعْمَانِ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ ﴿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِناً مُتَعَمِّداً﴾ قَالَ: لَيْسَ لِقَاتِلِ مُؤْمِنٍ تَوْبَةٌ، مَا نَسَخَتْهَا آيَةٌ مُنْذُ نَزَلَتْ٣. أَخْبَرَنَا سَعِيدُ بْنُ أَحْمَدَ٤، قَالَ: أَبْنَا ابْنُ الْيَسَرِيِّ، قَالَ: أَبْنَا المخلص،

стр. 356

قال: بنا البغوي، قال: بنا عُثْمَانُ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، قَالَ: بنا أَبُو خَالِدٍ الأَحْمَرِ، عَنْ عُمَرَ بن قيس الملاي، عَنْ يَحْيَى الْجَابِرِ، عَنْ سَالِمِ بْنِ أَبِي الْجَعْدِ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ أَنَّهُ تَلا هَذِهِ الآيَةِ: ﴿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِناً مُتَعَمِّداً فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ﴾ حَتَّى فَرَغَ مِنْهَا، فَقِيلَ لَهُ: وَإِنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا ثُمَّ اهْتَدَى. قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: وَأَنَّى لَهُ التَّوْبَةُ قَدْ سَمِعْتُ نَبِيَّكُمْ ﷺ يَقُولُ: (ثَكِلَتْهُ أُمُّهُ، قَاتِلُ الْمُؤْمِنِ إِذَا جَاءَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَاضِعًا رَأْسَهُ عَلَى إِحْدَى يَدَيْهِ آخِذًا بِالأُخْرَى الْقَاتِلَ (تَشْخُبُ) ١ أَوْدَاجُهُ قِبَلَ عرش الرحمن عزوجل فَيَقُولُ: رَبِّ سَلْ هَذَا فِيمَ قَتَلَنِي؟ قَالَ: وَمَا نَزَلَتْ فِي كتاب الله عزوجل آيَةٌ نَسَخَتْهَا٢. أَخْبَرَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ أَحْمَدَ، قَالَ: أَبْنَا عُمَرُ بْنُ عُبَيْدِ اللَّهِ، قَالَ: أَبْنَا ابْنُ بشران، قال: أبنا إسحاق ابن أَحْمَدَ، قَالَ: أَبْنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ، قَالَ: حدثني أبي، قال: بنا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ، عَنْ شُعْبَةَ، قال بنا مغيرة بن

стр. 357

النُّعْمَانِ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، قَالَ: اخْتَلَفَ أَهْلُ الْكُوفَةِ فِي هَذِهِ الآيَةِ: ﴿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِناً مُتَعَمِّداً﴾ فَرَحَلْتُ إِلَى ابْنِ أَبِي عَبَّاسٍ ﵂ فَقَالَ: إِنَّهَا مِنْ آخِرِ مَا نَزَلَ، وَمَا نَسَخَهَا شَيْءٌ١. قَالَ أحمد: وبنا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ، عَنِ ابْنِ جريج، قال: حدثني القاسم ابن أَبِي بَزَّةَ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، قَالَ: قُلْتُ لِابْنِ عَبَّاسٍ: هَلْ لِمَنْ قَتَلَ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا مِنْ تَوْبَةٍ؟ قَالَ: لا. فَتَلَوْتُ هَذِهِ الآيَةَ الَّتِي فِي الْفُرْقَانِ ﴿إِلاّ مَنْ تَابَ وَآمَنَ﴾ ٢ فَقَالَ: هَذِهِ الآيَةُ مَكِّيَّةٌ نَسَخَتْهَا آيَةٌ مَدَنِيَّةٌ ﴿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِناً مُتَعَمِّداً فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ﴾ ٣. قال أحمد: وبنا حسين بن محمد قال بنا سُفْيَانُ، عَنْ أَبِي الزِّيَادِ، قَالَ: سَمِعْتُ شَيْخَنَا يُحَدِّثُ خَارِجَةَ بْنَ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ، قَالَ: سَمِعْتُ أَبَاكَ، (قَالَ) ٤: نَزَلَتِ الشَّدِيدَةُ بَعْدَ الْهَيِّنَةِ بِسِتَّةِ أَشْهُرٍ قَوْلُهُ: ﴿وَلا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلاّ بِالْحَقّ﴾ ٥ وَقَوْلُهُ: ﴿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِناً مُتَعَمِّداً فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ﴾ ٦.

стр. 358

وَقَدْ رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ مَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ قَصَدَ التَّشْدِيدَ بِهَذَا الْقَوْلِ. فَأَخْبَرَنَا الْمُبَارَكُ بْنُ عَلِيٍّ، قَالَ: أَبْنَا أَحْمَدُ بْنُ الْحُسَيْنِ بْنِ قُرَيْشٍ قَالَ: بنا إِبْرَاهِيمُ بْنُ عُمَرَ قَالَ: أَبْنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ قَالَ: أَبْنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي دَاوُدَ، قال: بنا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ، قَالَ: أبنا يزيد بن هرون، قَالَ: أَبْنَا أَبُو مَالِكٍ، قَالَ: بنا سَعْدُ بْنُ عُبَيْدَةَ، أَنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ ﵄ كَانَ يَقُولُ: لِمَنْ قَتَلَ الْمُؤْمِنَ تَوْبَةٌ، فَجَاءَهُ رَجُلٌ فَسَأَلَهُ، أَلِمَنْ قَتَلَ مؤمناً توبة؟ قال: لا إِلا النَّارَ. فَلَمَّا قَامَ قَالَ لَهُ جُلَسَاؤُهُ: مَا هَكَذَا؟ كُنْتَ تَفْتِينَا أَنَّهُ لِمَنْ قَتَلَ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا تَوْبَةٌ مَقْبُولَةٌ، فَمَا شَأْنُ هَذَا الْيَوْمِ؟ قَالَ: إِنِّي أَظُنُّهُ رَجُلا مُغْضَبًا يُرِيدُ أَنْ يَقْتُلَ مُؤْمِنًا، فَبَعَثُوا فِي أَثَرِهِ فَوَجَدُوهُ كَذَلِكَ١. قَالَ أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي دَاوُدَ: وَقَدْ رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ أن (للقاتل) توبة٢.

стр. 359

وَقَدْ رَوَى سَعِيدُ بْنُ (مِينَاءَ) ١ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ، قَالَ: (سَأَلَهُ) ٢ رَجُلٌ، قَالَ: إِنِّي قَتَلْتُ رَجُلا فَهَلْ لِي مِنْ تَوْبَةٍ؟ قَالَ: تَزَوَّدْ مِنَ الْمَاءِ الْبَارِدِ، فَإِنَّكَ لا تَدْخُلُهَا أَبَدًا. وَقَدْ رُوِيَ عَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄ ضِدَّ هَذَا، فَإِنَّهُ قَالَ لِلْقَاتِلِ: "تُبْ إِلَى اللَّهِ يَتُبْ عَلَيْكَ" وَرَوَى سَعِيدُ بن مينا) ٣ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: جَاءَهُ رَجُلٌ فَقَالَ: يَا أَبَا هُرَيْرَةَ، مَا تَقُولُ فِي قَاتِلِ الْمُؤْمِنِ، هَلْ لَهُ مِنْ تَوْبَةٍ؟ قَالَ: وَالَّذِي لا إِلَهَ إِلا هُوَ لا يَدْخُلُ الْجَنَّةَ حَتَّى يَلِجَ الْجَمَلُ فِي سَمِّ الْخِيَاطِ٤. وَالْقَوْلُ الثَّانِي: أَنَّهَا عَامَّةٌ دَخَلَهَا التَّخْصِيصُ، بِدَلِيلِ٥ أَنَّهُ لَوْ قَتَلَهُ كَافِرٌ ثُمَّ أَسْلَمَ الْكَافِرُ سَقَطَتْ عَنْهُ الْعُقُوبَةُ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةُ، فَإِذَا ثَبَتَ كَوْنُهَا مِنَ الْعَامِّ الْمُخَصَّصِ، فَأَيُّ دَلِيلٍ صَلُحَ لِلتَّخْصِيصِ وَجَبَ الْعَمَلُ بِهِ. وَمِنْ أَسْبَابِ التَّخْصِيصِ أَنْ يَكُونَ قَدْ قَتَلَهُ مُسْتِحِلًّا لِأَجْلِ إِيمَانِهِ فيستحق التخليد لاستحلاله.

стр. 360

أَخْبَرَنَا الْمُبَارَكُ بْنُ عَلِيٍّ، قَالَ: أَبْنَا أَحْمَدُ بْنُ الْحُسَيْنِ بْنِ قُرَيْشٍ، قَالَ: أَبْنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ عُمَرَ الْبَرْمَكِيُّ، قَالَ: أَبْنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ بْنِ الْعَبَّاسِ، قَالَ: أَبْنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي داود، قال: بنا الْحَسَنُ بْنُ عَطَاءٍ، وَأَحْمَدُ بْنُ محمد الحسين، قالا: بنا خلاد بن يحيى، قال بنا أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ الصَّيْرَفِيُّ أَبُو رَوِيَّةَ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، قَالَ: بَعَثَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ سَرِيَّةً وَعَلَيْهَا أَمِيرٌ فَلَمَّا انْتَهَى إِلَى أَهْلِ مَاءٍ خَرَجَ إِلَيْهِ رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ الْمَاءِ فَخَرَجَ إِلَيْهِ رَجُلٌ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ ﷺ ، فَقَالَ: إِلَى مَا تَدْعُو؟ فَقَالَ: إِلَى الْإِسْلامِ، قَالَ: وَمَا الْإِسْلامُ؟ قَالَ: شَهَادَةُ أَنْ لا إِلَهَ إِلا اللَّهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، وَأَنْ تُقِرَّ بِجَمِيعِ الطَّاعَةِ، قَالَ: هَذَا؟ قَالَ: نَعَمْ. فَحَمَلَ عَلَيْهِ فَقَتَلَهُ لا يَقْتُلُهُ إِلا عَلَى الْإِسْلامِ، فَنَزَلَتْ: ﴿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِناً مُتَعَمِّداً﴾ لا يَقْتُلُ إِلا عَلَى إِيمَانِهِ الآيَةَ كُلَّهَا. قَالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: نَزَلَتْ فِي (مَقِيسِ بْنِ ضُبَابَةَ) قَتَلَ مُسْلِمًا عَمْدًا وَارْتَدَّ كَافِرًا١. وَقَدْ ضَعَّفَ هَذَا الْوَجْهَ أَبُو جَعْفَرٍ النَّحَّاسُ فَقَالَ: وَمِنْ لَفْظٍ عَامٍّ لا يُخَصُّ إِلا (بِتَوْقِيفٍ) ٢ أَوْ دَلِيلٍ قَاطِعٍ٣. وَقَدْ ذَهَبَ قَوْمٌ إِلَى أَنَّهَا مَخْصُوصَةٌ فِي حَقِّ مَنْ لَمْ يَتُبْ، بِدَلِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿إِلاّ مَنْ تَابَ﴾ ٤.

стр. 361

وَالصَّحِيحُ أَنَّ الآيَتَيْنِ مُحْكَمَتَانِ، فَإِنْ كَانَتِ الَّتِي فِي النِّسَاءِ أُنْزِلَتْ أَوَّلا فَإِنَّهَا مُحْكَمَةٌ نَزَلَتْ عَلَى حُكْمِ الْوَعِيدِ غَيْرَ مُسْتَوْفَاةٍ الْحُكْمَ، ثُمَّ بُيِّنَ حُكْمُهَا فِي الآيَةِ الَّتِي فِي الْفُرْقَانِ، وَكَثِيرٌ مِنَ المفسرين منهم ابن عباس وأبوا مِجْلَز١ وَأَبُو صَالِحٍ. يَقُولُونَ: فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ إِنْ جَازَاهُ. وَقَدْ رَوَى لَنَا مَرْفُوعًا إِلا أَنَّهُ لا يَثْبُتُ رَفْعُهُ٢. وَالْمَعْنَى: يَسْتَحِقُّ الْخُلُودَ غَيْرَ أَنَّهُ لا يُقْطَعُ لَهُ بِهِ. وَفِي هَذَا الْوَجْهِ بُعْدٌ لِقَوْلِهِ: ﴿وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ﴾. فَأَخْبَرَ بِوُقُوعِ عَذَابِهِ كَذَلِكَ، وَقَالَ أَبُو عُبَيْدٍ: وَإِنْ كَانَتِ الَّتِي فِي الْفُرْقَانِ الأُولَى فَقَدِ اسْتَغْنَى بِمَا فِيهَا عَنْ إِعَادَتِهِ فِي سُورَةِ النِّسَاءِ فَلا وَجْهَ لِلنَّسْخِ بحال٣.

стр. 362

ذِكْرُ الْآيَةِ السَّادِسَةِ وَالْعِشْرِينَ: قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الاّسْفَلِ﴾ ١. زَعَمَ بَعْضُ مَنْ قَلَّ فَهْمُهُ إنها نسخت بالاستثناء بعد ها، وَهُوَ قَوْلُهُ: ﴿إِلاّ الَّذِينَ تَابُوا﴾ ٢ وَقَدْ بَيَّنَّا فِي مَوَاضِعَ أَنَّ الاستثناء ليس بنسخ٣.

стр. 363

باب ذكر الآيات اللواتي قَدْ زَعَمَ (قَوْمٌ) ١ أَنَّهُ لَيْسَ فِي الْمَائِدَةِ مَنْسُوخٌ، فَأَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي مَنْصُورٍ، قَالَ: أَبْنَا عَلِيُّ بْنُ أَيُّوبَ، قَالَ: أَبْنَا أَبُو عَلِيِّ بْنُ شَاذَانَ، قَالَ: أَبْنَا أَبُو بَكْرٍ النَّجَّادُ، قَالَ: أَبْنَا أَبُو دَاوُدَ السِّجِسْتَانِيُّ، قَالَ بنا محمّد بن بشار، قال: بنا عبد الرحمن٢، قال: بنا إِسْرَائِيلُ عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، عَنِ عَامِرِ بْنِ شَرَاحِيلَ، قَالَ: الْمَائِدَةُ لَيْسَ فِيهَا مَنْسُوخٌ٣ قَالَ ابْنُ بشار: وبنا ابن أبي عدي، قال: بنا ابْنُ عَوْنٍ، قَالَ: قُلْتُ لِلْحَسَنِ: نُسِخَ مِنَ الْمَائِدَةِ شَيْءٌ؟ قَالَ: لا٤. وَقَدْ ذَهَبَ الأَكْثَرُونَ إِلَى أَنَّ فِي الْمَائِدَةِ مَنْسُوخًا وَنَحْنُ نذكر ذلك.

стр. 364

ذِكْرُ الْآيَةِ الأُولَى: قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُحِلُّوا شَعَائِرَ اللَّهِ وَلا الشَّهْرَ الْحَرَامَ وَلا الْهَدْيَ وَلا الْقَلائِدَ وَلا آمِّينَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ﴾ الآيَةَ١. اخْتَلَفَ الْمُفَسِّرُونَ فِي هَذِهِ الآيَةِ، هَلْ هِيَ مُحْكَمَةٌ أَمْ منسوخة؟ على قولين: أحدهما: أَنَّهَا مُحْكَمَةٌ وَلا يَجُوزُ اسْتِحْلالُ الشَّعَائِرِ وَلا الْهَدْيِ قَبْلَ أَوَانِ ذَبْحِهِ٢. ثُمَّ اخْتَلَفُوا فِي الْقَلائِدِ فَقَالَ بَعْضُهُمْ: يَحْرُمُ رَفْعُ (الْقِلادَةِ) ٣ عَنِ الْهَدْيِ حَتَّى (يُنْحَرَ) ٤. وَقَالَ آخَرُونَ مِنْهُمْ: كَانَتِ الْجَاهِلِيَّةُ تُقَلِّدُ مِنْ شَجَرِ الْحَرَمِ فَقِيلَ لَهُمْ لا تَسْتَحِلُّوا أَخْذَ الْقَلائِدِ مِنَ الْحَرَمِ وَلا تَصُدُّوا الْقَاصِدِينَ إِلَى الْبَيْتِ٥. وَالْقَوْلُ الثَّانِي: أَنَّهَا مَنْسُوخَةٌ، ثُمَّ فِي الْمَنْسُوخِ مِنْهَا ثَلاثَةُ أقوال: أحدهما: قَوْلُهُ: ﴿وَلا آمِّينَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ﴾ فَإِنَّ هَذَا اقْتَضَى جَوَازُ إِقْرَارِ الْمُشْرِكِينَ عَلَى قَصْدِهِمُ الْبَيْتَ، وَإِظْهَارِهِمْ شَعَائِرَ الْحَجِّ ثُمَّ نُسِخَ هَذَا بِقَوْلِهِ: ﴿فَلا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَذَا﴾ ٦ وَبِقَوْلِهِ: ﴿فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ﴾ ٧ وَهَذَا الْمَعْنَى مَرْوِيٌّ عَنِ ابْنِ عباس ﵄.

стр. 365

أَخْبَرَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ أَحْمَدَ، قَالَ: أَبْنَا عُمَرُ بْنُ عُبَيْدِ اللَّهِ، قال: أبنا عمر بْنِ بِشْرَانَ، قَالَ: أَبْنَا إِسْحَاقُ ابن (أَحْمَدَ) ١، قَالَ: أَبْنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَحْمَدَ، قَالَ: حَدَّثَنِي أَبِي، قال. بنا عَبْدُ الْوَهَّابِ، عَنْ سَعِيدٍ عَنْ قَتَادَةَ، قَالَ: نُسِخَ مِنْهَا: ﴿آمِّينَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ﴾ نَسَخَهَا قَوْلُهُ: ﴿فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ﴾ ٢. وَقَالَ: ﴿مَا كَانَ لِلْمُشْرِكِينَ أَنْ يَعْمُرُوا مَسَاجِدَ اللَّهِ شَاهِدِينَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ بِالْكُفْرِ﴾ ٣. وَقَالَ: ﴿إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَذَا﴾ ٤. وَالثَّانِي: أَنَّ الْمَنْسُوخَ مِنْهَا تَحْرِيمُ الشَّهْرِ الْحَرَامِ، وَتَحْرِيمُ الآمِّينَ لِلْبَيْتِ إِذَا كَانُوا مُشْرِكِينَ، وَهَدْيِ الْمِشْرِكِينَ، إذا لَمْ يَكُنْ لَهُمْ مِنَ الْمُسْلِمِينَ أَمَانٌ، قَالَهُ أَبُو سُلَيْمَانَ الدِّمَشْقِيُّ٥. وَالثَّالِثُ: أَنَّ جَمِيعَهَا مَنْسُوخٌ. أَخْبَرَنَا الْمُبَارَكُ بْنُ عَلِيٍّ، قَالَ: أَبْنَا أَحْمَدُ بْنُ الْحُسَيْنِ بْنِ قُرَيْشٍ قَالَ: أَبْنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ عُمَرَ الْبَرْمَكِيُّ، قَالَ. أَبْنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ بْنِ الْعَبَّاسِ، قَالَ: أَبْنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي دَاوُدَ، قال: بنا يعقوب بن سفيان، قال: بنا أبو صالح،

стр. 366

قَالَ: بنا مُعَاوِيَةُ بْنُ صَالِحٍ عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄: ﴿لا تُحِلُّوا شَعَائِرَ اللَّهِ وَلا الشَّهْرَ الْحَرَامَ وَلا الْهَدْيَ وَلا الْقَلائِدَ وَلا آمِّينَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ﴾ ١ قَالَ: "كَانَ الْمُشْرِكُونَ يَحُجُّونَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ، وَيُهْدُونَ الْهَدَايَا وَيُحَرِّمُونَ (حُرْمَةَ) ٢ الْمَشَاعِرِ، وَيَنْحَرُونَ فِي حَجِّهِمْ، فَأَنْزَلَ الله عزوجل ﴿لا تُحِلُّوا شَعَائِرَ اللَّهِ وَلا الشَّهْرَ الْحَرَامَ﴾ أَيْ لا تَسْتَحِلُّوا قِتَالا فِيهِ، ﴿وَلا آمِّينَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ﴾ يَقُولُ: مَنْ تَوَجَّهَ قِبَلَ الْبَيْتِ. ثُمَّ أَنْزَلَ اللَّهُ، فَقَالَ: ﴿فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ﴾ " ٣. أَخْبَرَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ أَحْمَدَ، قَالَ: أَبْنَا عُمَرُ بْنُ عُبَيْدِ اللَّهِ، قَالَ: أَبْنَا ابْنُ بِشْرَانَ، قَالَ: أَبْنَا إِسْحَاقُ بْنُ أَحْمَدَ قَالَ: بنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ، قَالَ: حَدَّثَنِي أَبِي، قَالَ: بنا يَزِيدُ، قَالَ: أَبْنَا سُفْيَانُ بْنُ حُسَيْنٍ عَنِ الْحَكَمِ عَنْ مُجَاهِدٍ، قَالَ: نَسَخَتْ هَذِهِ الْآيَةَ ﴿لا تُحِلُّوا شَعَائِرَ اللَّهِ﴾ نَسَخَتْهَا ﴿فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ﴾ ٤. قال أحمد: وبنا عبد الرزاق، قال: بنا مَعْمَرٌ عَنْ قَتَادَةَ، ﴿لا تُحِلُّوا شَعَائِرَ اللَّهِ وَلا الشَّهْرَ الْحَرَامَ وَلا الْهَدْيَ وَلا الْقَلائِدَ﴾ قال: هي منسوخة، كان

стр. 367

الرَّجُلُ فِي الْجَاهِلِيَّةِ إِذَا خَرَجَ مِنْ بَيْتِهِ يُرِيدُ الْحَجَّ تَقَلَّدَ من (السَّمْر) ١ فَلَمْ يَعْرِضْ لَهُ أَحَدٌ، فَإِذَا رَجَعَ تَقَلَّدَ قِلادَةَ شَعْرٍ فَلَمْ يَعْرِضْ لَهُ أَحَدٌ، وَكَانَ الْمُشْرِكُ يومئذٍ لا يَصُدُّ عَنِ الْبَيْتِ، فَأُمِرُوا أَنْ لا يُقَاتِلُوا فِي الشَّهْرِ الْحَرَامِ، وَلا عِنْدَ الْبَيْتِ الْحَرَامِ، فَنَسَخَهَا ﴿فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ﴾ ٢. أَخْبَرَنَا ابْنُ الْحُصَيْنِ، قَالَ: أَبْنَا بْنُ غَيْلانَ، قَالَ: أَبْنَا أَبُو بَكْرٍ الشَّافِعِيُّ، قَالَ: أَبْنَا إِسْحَاقُ بْنُ الْحَسَنِ، قَالَ: أَبْنَا أَبُو حذيفة النهدي، قال: بنا سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ عَنْ بَيَّانٍ عَنِ الشَّعْبِيِّ، قَالَ: لَمْ يُنْسَخْ مِنَ المائدة غير آية واحدة ﴿لا تُحِلُّوا شَعَائِرَ اللَّهِ وَلا الشَّهْرَ الْحَرَامَ﴾ (نَسَخَتْهَا) ٣ ﴿فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ﴾ ٤. وفصل الخطاب في هذا أَنَّهُ لا يُمْكِنُ الْقَوْلُ بِنَسْخِ جَمِيعِ الآيَةِ فَإِنَّ شَعَائِرَ اللَّهِ أَعْلامُ مُتَعَبَّدَاتِهِ٥. وَلا يَجُوزُ الْقَوْلُ بِنَسْخِ هَذَا (إِلا أَنْ يَعْنِي)

стр. 368

بِهِ: لا تَسْتَحِلُّوا نَقْضَ مَا شَرَعَ فِيهِ الْمُشْرِكُونَ مِنْ ذَلِكَ، فَعَلَى هَذَا يَكُونُ مَنْسُوخًا. وَكَذَلِكَ الْهَدْيُ وَالْقَلائِدُ، وَكَذَلِكَ الآمُّونَ لِلْبَيْتِ فَإِنَّهُ لا يَجُوزُ صَدُّهُمْ إِلا أَنْ يَكُونُوا مُشْرِكِينَ، وَأَمَّا الشَّهْرُ الْحَرَامُ فَمَنْسُوخُ الْحُكْمِ عَلَى مَا بَيَّنَّا فِي قَوْلِهِ: ﴿يَسْأَلونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ﴾ ١. فَأَمَّا قَوْلُهُ: ﴿وَإِذَا حَلَلْتُمْ فَاصْطَادُوا﴾ ٢ فَلا وَجْهَ لِنَسْخِهِ. وَأَمَّا قَوْلُهُ: ﴿وَلا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ﴾ فَمْنَسُوخٌ بِقَوْلِهِ: ﴿فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ﴾ ٣ وَبَاقِي الآيَةِ مُحْكَمٌ (بِلا) ٤ شَكٍّ.

стр. 369

ذِكْرُ الْآيَةِ الثَّانِيَةِ: قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ﴾ ١. اخْتَلَفَ الْمُفَسِّرُونَ فِي هَذِهِ الْآيَةِ على ثلاثة أقوال: أحدهما: أَنَّهَا اقْتَضَتْ إِبَاحَةَ ذَبَائِحِ أَهْلِ الْكِتَابِ عَلَى الْإِطْلاقِ، وَإِنْ عَلِمْنَا أَنَّهُمْ قَدْ أَهَلُّوا عَلَيْهَا بِغَيْرِ اسْمِ اللَّهِ، أَوْ أَشْرَكُوا مَعَهُ غَيْرَهُ. وَهَذَا مَرْوِيٌّ عَنِ الشَّعْبِيِّ، وَرَبِيعَةَ، وَالْقَاسِمِ بْنِ مُخَيْمِرَةَ٢ فِي آخَرِينَ، وَهَؤُلاءِ زَعَمُوا أَنَّهَا نَاسِخَةٌ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَلا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ﴾ ٣. قال أبو بكر: وبنا حَرَمِيُّ بْنُ يُونُسَ٤ قَالَ: أَبْنَا أَبِي، يُونُسُ بْنُ مُحَمَّدٍ، قَالَ: بنا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ عَنْ حُمَيْدٍ عَنِ الْحَسَنِ، قَالَ: قِيلَ لَهُ: إِنَّهُمْ يَذْكُرُونَ الْمَسِيحَ عَلَى ذَبَائِحِهِمْ، قَالَ: قَدْ عَلِمَ اللَّهُ مَا هُمْ قَائِلُونَ، وَقَدْ أَحَلَّ ذَبَائِحَهُمْ. قال أبو بكر: وبنا زياد بن أيوب، قال: بنا مروان، قال بنا أيوب ابن يَحْيَى الْكِنْدِيُّ، قَالَ: سَأَلْتُ الشَّعْبِيَّ عَنْ نَصَارَى نَجْرَانَ فَقُلْتُ: مِنْهُمْ مَنْ يَذْكُرُوا اللَّهَ وَمِنْهُمْ مَنْ يَذْكُرُ الْمَسِيحَ. قَالَ: كُلٌّ، وَأَطْعَمَنِي.

стр. 370

قال أبو بكر: وبنا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ حَبِيبٍ، قال: بنا يَحْيَى عَنْ سُفْيَانَ عَنِ ابْنِ جِرُيْجٍ عَنْ عَطَاءٍ قَالَ: كُلُوا وَإِنْ ذُبِحَ لِلشَّيْطَانِ. قَالَ أَبُو بكر: وبنا محمود بن خالد، قال: بنا الْوَلِيدُ، قَالَ: أَبْنَا ابْنُ جَابِرٍ، قَالَ: سَمِعْتُ الْقَاسِمَ بْنَ مُخَيْمِرَةَ يَقُولُ: "لا بَأْسَ بِأَكْلِ مَا ذَبَحَتِ النَّصَارَى لِأَعْيَادِ كَنَائِسِهَا، وَلَوْ سمعته يقوله: عَلَى اسْمِ جُرْجِيسَ وَبُولِسَ"١. أَخْبَرَنَا الْمُبَارَكُ بْنُ عَلِيٍّ قَالَ: أَبْنَا أَحْمَدُ بْنُ الْحُسَيْنِ بْنِ قُرَيْشٍ، قَالَ: أَبْنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ عُمَرَ الْبَرْمَكِيُّ، قَالَ: أَبْنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ بْنِ الْعَبَّاسِ، قَالَ: أَبْنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي دَاوُدَ، قال: بنا يعقوب بن سفيان، قال: بنا أَبُو صَالِحٍ، قَالَ: حَدَّثَنِي مُعَاوِيَةُ بْنُ صَالِحٍ عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ ﴿وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ﴾ ٢ مَا ذَبَحَ الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى أُحِلَّ لَكُمْ ذَبَائِحُهُمْ عَلَى كُلِّ حَالٍ٣. قال أبو بكر: وبنا محمد بن بشار، قال: بنا يحيى، قال: بنا عَبْدُ الْمَلِكِ، عَنْ عَطَاءٍ، قَالَ: إِذَا ذَبَحَ النَّصْرَانِيُّ بِاسْمِ الْمَسِيحِ فكل٤.

стр. 371

قال أبو بكر: وبنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَعِيدٍ، قَالَ: بنا ابن أبي غنية، قال: بنا أَبِي، عَنِ الْحَكَمِ، قَالَ: لَوْ ذَبَحَ النَّصْرَانِيُّ وَسَمِعْتُهُ يَقُولُ: "بِاسْمِكَ اللَّهُمَّ الْمَسِيحُ لَأَكَلْتُ مِنْهُ، لِأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحَلَّ لَنَا ذَبَائِحَهُمْ، وَهُوَ يَعْلَمُ أَنَّهُمْ يَقُولُونَ ذَلِكَ". وَالْقَوْلُ الثَّانِي: أَنَّ ذَلِكَ كَانَ مُبَاحًا فِي أَوَّلِ الأَمْرِ، ثُمَّ نُسِخَ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَلا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْه﴾ ١ وَالْقَوْلُ الثَّالِثُ: أَنَّهُ إِنَّمَا أُبِيحَتْ ذَبِيحَةُ أَهْلِ الْكِتَابِ، لِأَنَّ الأَصْلَ أَنَّهُمْ يَذْكُرُونَ اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهَا (فمتى علم) ٢ أنهم قد ذَكَرُوا غَيْرَ اسْمِهِ لَمْ يُؤْكَلْ. وَهَذَا هُوَ الصَّحِيحُ عِنْدِي٣. وَمِمَّنْ قَالَ: إِذَا سَمِعْتُ الْكِتَابِيَّ يُسَمِّي غَيْرَ اللَّهِ فَلا تَأْكُلْ: عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ، وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ، وَعَائِشَةُ، وَطَاؤُسٌ وَالْحَسَنُ٤، وعن عبادة

стр. 372

ابن الصَّامِتِ، وَأَبِي الدَّرْدَاءِ١ (كَهَذَا الْقَوْلِ) ٢. وَكَالْقَوْلِ الأَوَّلِ، فَعَلَى هَذَا الْقَوْلِ الآيَةُ مُحْكَمَةٌ، وَلا وَجْهَ لِلنَّسْخِ٣. ذِكْرُ الْآيَةِ الثَّالِثَةِ: قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ﴾ ٤. اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِيهَا عَلَى قَوْلَيْنِ: أحدهما: أَنَّ فِي (الْكَلامِ) ٥ إِضْمَارًا تَقْدِيرُهُ: إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ مُحْدِثِينَ. وَهَذَا قَوْلُ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ، وَأَبِي مُوسَى، وَابْنِ عَبَّاسٍ، والفقهاء٦.

стр. 373

وَالثَّانِي: أَنَّهُ عَلَى إِطْلاقِهِ، وَأَنَّهُ يُوجِبُ عَلَى كُلِّ مَنْ أَرَادَ الصَّلاةَ أَنْ يَتَوَضَّأَ سَوَاءً كَانَ مُحْدِثًا أَوْ غَيْرَ مُحْدِثٍ. وَهَذَا مَرْوِيٌّ عَنْ جَمَاعَةٍ مِنْهُمْ: عَلِيٌّ، وَعِكْرِمَةُ، وَابْنُ سِيرِينَ١. ثُمَّ اخْتَلَفُوا: هَلْ هَذَا الْحُكْمُ باقٍ أَمْ نُسِخَ؟ فَذَهَبَ أَكْثَرُهُمْ إِلَى أَنَّهُ باقٍ. وَقَالَ بَعْضُهُمْ: بَلْ هُوَ منسوخ بالسنة وَهُوَ حَدِيثُ بُرَيْدَةَ٢: "أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ صَلَّى يَوْمَ الْفَتْحِ بِوُضُوءٍ وَاحِدٍ" فَقَالَ لَهُ عُمَرُ: صَنَعْتَ شَيْئًا لَمْ تَكُنْ تَصْنَعُهُ. فَقَالَ: عَمْدًا فَعَلْتُهُ يَا عُمَرُ"٣. وَهَذَا قَوْلٌ بَعِيدٌ لِمَا سَبَقَ بَيَانُهُ مِنْ أَنَّ أَخْبَارَ الآحَادِ لا تَجُوزُ أَنْ تَنْسَخَ الْقُرْآنَ٤ وَإِنَّمَا يُحْمَلُ فِعْلُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ هذا على تبيين مَعْنَى الآيَةِ، وَأَنَّ الْمُرَادَ: إِذَا قُمْتُمْ وَأَنْتُمْ مُحْدِثُونَ. وَإِنَّمَا كَانَ يَتَوَضَّأُ لَكُلِّ صَلاةٍ لِطَلَبِ الْفَضِيلَةِ.

стр. 374

وَقَدْ حَكَى أَبُو جَعْفَرٍ النَّحَّاسُ عَنِ الشَّافِعِيِّ أَنَّهُ قَالَ: لَوْ وُكِّلْنَا إِلَى الآيَةِ لَكَانَ عَلَى كُلِّ قَائِمٍ إِلَى الصَّلاةِ الطَّهَارَةُ، فَلَمَّا صَلَّى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ (الصَّلَوَاتِ) ١ بِطَهُورٍ وَاحِدٍ، بَيَّنَهَا فَيَكُونُ الْمَعْنَى: إِذَا قُمْتُمْ وَقَدْ أَحْدَثْتُمْ فَاغْسِلُوا٢. وَقَدْ قَالَ بَعْضُهُمْ: يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ قَدْ نُسِخَ بِوَحْيٍ لَمْ تَسْتَقِرَّ تِلاوَتُهُ. فَإِنَّهُ قَدْ رَوَى أبو جعفر ابن جَرِيرٍ الطَّبَرِيُّ، بِإِسْنَادِهِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ حَنْظَلَةَ الْغَسِيلِ٣ ﵄ "أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ أُمِرَ بِالْوُضُوءِ عِنْدَ كُلِّ صَلاةٍ فَشُقَّ ذَلِكَ عَلَيْهِ، فَرُفِعَ عَنْهُ الْوُضُوءُ إِلا مِنْ حَدَثٍ"٤. ذِكْرُ الآيَةِ الرَّابِعَةِ: قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاصْفَحْ﴾ ٥. اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ هَلْ هَذَا مَنْسُوخٌ أم محكم؟ على قولين،:

стр. 375

أحدهما: أَنَّهُ مَنْسُوخٌ، قَالَهُ الأَكْثَرُونَ، وَلَهُمْ في ناسخه ثلاثة أقوال: أحدهما: آيَةُ السَّيْفِ. أَخْبَرَنَا ابْنُ نَاصِرٍ قَالَ: أَبْنَا ابْنُ أَيُّوبَ، قَالَ: أَبْنَا أَبُو عَلِيِّ بْنُ شَاذَانَ، قال: بنا أبو بكر النجاد، قال: بنا أبو داود السجستاني، قال: بنا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدٍ، قَالَ: حَدَّثْتُ عَنْ مُعَاوِيَةَ بْنِ صَالِحٍ عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ ﴿فَاعْفُ عَنْهُمْ﴾ ١ ﴿وَإِنْ تَعْفُوا وَتَصْفَحُوا﴾ ٢ وَنَحْوَ هَذَا مِنَ الْقُرْآنِ نُسِخَ (كُلُّهُ) ٣ بِقَوْلِهِ: ﴿فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ﴾ ٤. وَالثَّانِي: ﴿قَاتِلُوا الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ﴾ ٥. أَخْبَرَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ أَحْمَدَ، قَالَ: أَبْنَا عُمَرُ بْنُ عُبَيْدِ اللَّهِ، قَالَ: أَبْنَا ابْنُ بِشْرَانَ، قَالَ: أَبْنَا إِسْحَاقُ بْنُ أَحْمَدَ، قَالَ: أَبْنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ، قَالَ: حَدَّثَنِي أَبِي، قال بنا عبد الرزاق، قال: بنا مَعْمَرٌ عَنْ قَتَادَةَ ﴿فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاصْفَحْ﴾ قَالَ: نَسَخَتْهَا قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿قَاتِلُوا الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلا بِالْيَوْمِ الآخِرِ﴾ ٦.

стр. 376

وَالثَّالِثُ: ﴿وَإِمَّا تَخَافَنَّ مِنْ قَوْمٍ خِيَانَةً﴾ ١. وَالْقَوْلُ الثَّانِي: أَنَّهُ مُحْكَمٌ، قَالَ بَعْضُ الْمُفَسِّرِينَ: نَزَلَتْ فِي قَوْمٍ كَانَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ النَّبِيِّ ﷺ عَهْدٌ، فَغَدَرُوا وَأَرَادُوا قَتْلَ النَّبِيِّ ﷺ ، وَأَظْهَرَهُ اللَّهُ عَلَيْهِمْ، ثُمَّ أَنْزَلَ هَذِهِ الآيَةَ، وَلَمْ تُنْسَخْ٢. قَالَ ابْنُ جَرِيرٍ: يَجُوزُ أَنْ يَعْفِيَ عَنْهُمْ فِي غَدْرَةٍ فعلوها مالم يَنْصِبُوا حَرْبًا، وَلَمْ يَمْتَنِعُوا مِنْ أَدَاءِ الْجِزْيَةِ، وَالإِقْرَارُ بِالصِّغَارِ فَلا يتوجه النسخ٣.

стр. 377

ذِكْرُ الْآيَةِ الْخَامِسَةِ: قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَاداً أَنْ يُقَتَّلُوا﴾ ١. هَذِهِ الآيَةُ مُحْكَمَةٌ عِنْدَ الْفُقَهَاءِ. وَاخْتَلَفُوا هَلْ هَذِهِ الْعُقُوبَةُ عَلَى التَّرْتِيبِ أَمْ عَلَى التَّخْيِيرِ. فَمَذْهَبُ أَحْمَدَ بْنُ حَنْبَلٍ فِي جَمَاعَةٍ أَنَّهَا عَلَى التَّرْتِيبِ، وَأَنَّهُمْ إِذَا قَتَلُوا وَأَخَذُوا الْمَالَ، أَوْ قَتَلُوا وَلَمْ يَأْخُذُوا قُتِلُوا وَصُلِبُوا وَإِنْ أَخَذُوا الْمَالَ وَلَمْ يَقْتُلُوا، قُطِّعَتْ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلِهِمْ مِنْ خِلافٍ وَإِنْ لَمْ يَأْخُذُوا الْمَالَ نُفُوا٢. وَقَالَ مَالِكٌ: الْإِمَامُ مُخَيَّرٌ فِي إِقَامَةِ أَيِّ الْحُدُودِ شَاءَ سَوَاءٌ قَتَلُوا أَمْ لَمْ يَقْتُلُوا، أَخَذُوا الْمَالَ أو لم يأخذوا٣.

стр. 378

وَقَدْ ذَهَبَ بَعْضُ مُفَسِّرِي الْقُرْآنِ مِمَّنْ لا فَهْمَ لَهُ، أَنَّ هَذِهِ الْآيَةَ مَنْسُوخَةٌ بِالِاسْتِثْنَاءِ بَعْدَهَا، وَقَدْ بَيَّنَّا فَسَادَ هَذَا الْقَوْلِ فِي مَوَاضِعَ١. ذِكْرُ الآيَةِ السَّادِسَةِ: قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿فَإِنْ جَاءُوكَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ أَوْ أَعْرِضْ عَنْهُمْ﴾ ٢. اخْتَلَفُوا فِي هَذِهِ الآيَةِ عَلَى قولين: أحدهما: أَنَّهَا مَنْسُوخَةٌ وَذَلِكَ أَنَّ أَهْلَ الْكِتَابِ كَانُوا إِذَا تَرَافَعُوا إِلَى النَّبِيِّ ﷺ كَانَ مُخَيَّرًا (إِنْ شَاءَ حَكَمَ) ٣ بَيْنَهُمْ وَإِنْ شَاءَ أَعْرَضَ عَنْهُمْ ثم نسخ ذلك، بقوله: ﴿وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ﴾ ٤ فَلَزِمَهُ الْحُكْمُ (وَزَالَ) ٥ التَّخْيِيرُ، رَوَى هَذَا الْمَعْنَى أَبُو سُلَيْمَانَ الدِّمَشْقِيُّ بأسانيده عن

стр. 379

ابْنِ عَبَّاسٍ، وَعَطَاءٍ وَمُجَاهِدٍ، وَعِكْرِمَةَ، وَالسُّدِّيِّ، وَقَدْ رَوَى أَيْضًا عَنِ الزُّهْرِيِّ (وَعُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ) ١. وَقَدْ أَخْبَرَنَا ابْنُ الْحُصَيْنِ، قَالَ: أَبْنَا أَبُو طَالِبِ بْنُ غَيْلانَ، قَالَ: أَبْنَا أَبُو بَكْرٍ الشَّافِعِيُّ، قال: بنا يَحْيَى بْنُ آدَمَ عَنِ الأَشْجَعِيِّ، عَنْ سُفْيَانَ عَنِ السُّدِّيِّ عَنْ عِكْرِمَةُ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ ﴿فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ أَوْ أَعْرِضْ عَنْهُمْ﴾ ٢ قال: نسختها ﴿وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ﴾ ٣. أَخْبَرَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ أَحْمَدَ، قَالَ بنا عمر بنا عُبَيْدِ اللَّهِ الْبَقَّالُ، قَالَ: أَبْنَا ابْنُ بِشْرَانَ، قَالَ: أَبْنَا إِسْحَاقُ بن أحمد، قال: بنا عبد الله ابن أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ، قَالَ: حَدَّثَنِي أبي قال: بنا حَجَّاجٌ عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ عَنْ عَطَاءٍ الْخُرَاسَانِيِّ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ فِي قَوْلِهِ: ﴿فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ أَوْ أَعْرِضْ عَنْهُمْ﴾ قال: نسختها ﴿وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ﴾ ٤.

стр. 380

قال أحمد: وبنا هشيم قال: بنا أَصْحَابُنَا مِنْهُمْ: مَنْصُورٌ وَغَيْرُهُ عَنِ الْحَكَمِ عَنْ مُجَاهِدٍ فِي قَوْلِهِ: ﴿وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ﴾ قَالَ: نَسَخَتْ مَا قَبْلَهَا، قَوْلَهُ: ﴿فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ أَوْ أَعْرِضْ عَنْهُمْ﴾ ١. قال أحمد: وبنا وكيع، قال: بنا سُفْيَانَ عَنِ السُّدِّيِّ، عَنْ عِكْرِمَةَ، قال: نسخ قوله: ﴿وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ﴾ قَوْلِهِ: ﴿فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ أَوْ أَعْرِضْ عَنْهُمْ﴾ ٢. قال أحمد: وبنا حُسَيْنٌ عَنْ شَيْبَانَ عَنْ قَتَادَةَ ﴿وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ﴾ قَالَ: أَمَرَ اللَّهُ نَبِيَّهُ أَنْ يَحْكُمَ بَيْنَهُمْ بَعْدَمَا كَانَ رَخَّصَ لَهُ أَنْ يُعْرِضَ عَنْهُمْ إِنْ شَاءَ، فَنَسَخَتْ هَذِهِ الآيَةُ مَا كَانَ قَبْلَهَا٣. وَحَكَى أَبُو جَعْفَرٍ النَّحَّاسُ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَصْحَابِهِ قَالُوا: إِذَا تَحَاكَمَ أَهْلُ الْكِتَابِ إِلَى الإِمَامِ فَلَيْسَ لَهُ أَنْ يُعْرِضَ عَنْهُمْ، غَيْرَ أَنَّ أَبَا حَنِيفَةَ قَالَ: إِذَا جَاءَتِ الْمَرْأَةُ وَالزَّوْجُ فَعَلَيْهِ أَنْ يَحْكُمَ بَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِ، وَإِنْ جَاءَتِ الْمَرْأَةُ وَحْدَهَا وَلَمْ يَرْضَ الزَّوْجُ لَمْ يَحْكُمْ. وَقَالَ أَصْحَابُهُ: بَلْ يَحْكُمْ. قَالَ: وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: لا خِيَارَ لِلْإِمَامِ إِذَا تَحَاكَمُوا إِلَيْهِ قَالَ النَّحَّاسُ: وَقَدْ ثَبَتَ أَنَّ قَوْلَ أَكْثَرِ العلماء أن الآية منسوخة٤.

стр. 381

وَالْقَوْلُ الثَّانِي: أَنَّهَا مُحْكَمَةٌ وَأَنَّ الْإِمَامَ وَنُوَّابَهُ فِي الْحُكْمِ مُخَيَّرُونَ وإذا ترافعوا إليهم إن شاؤوا حكموا بينهم وإن شاؤوا أَعْرَضُوا عَنْهُمْ. أَخْبَرَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ أَحْمَدَ، قَالَ: أَبْنَا عُمَرُ بْنُ عُبَيْدِ اللَّهِ، قَالَ: أَبْنَا ابْنُ بِشْرَانَ، قَالَ: أَبْنَا إِسْحَاقُ بْنُ أحمد، قال: بنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَحْمَدَ، قَالَ: حدثني أبي، قال: بنا هُشَيْمٌ، قَالَ: أَبْنَا مُغِيرَةُ عَنْ إِبْرَاهِيمَ، وَالشَّعْبِيِّ فِي قَوْلِهِ: ﴿فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ أَوْ أَعْرِضْ عَنْهُمْ﴾، قَالا: إِذَا ارْتَفَعَ أَهْلُ الْكِتَابِ إِلَى حَاكِمِ الْمُسْلِمِينَ فَإِنْ شَاءَ أَنْ يَحُكْمَ بَيْنَهُمْ، وَإِنْ شَاءَ أَنْ يُعْرِضَ عَنْهُمْ، وَإِنْ حَكَمَ، حَكَمَ بِمَا فِي كِتَابِ اللَّهِ١. قال أحمد: وبنا وَكِيعٌ عَنْ سُفْيَانَ عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ عَنْ عَطَاءٍ، قَالَ: إِنْ شَاءَ حَكَمَ، وَإِنْ شَاءَ لَمْ يَحْكُمْ٢. أَخْبَرَنَا الْمُبَارَكُ بْنُ عَلِيٍّ، قَالَ: أَبْنَا أَحْمَدُ بْنُ الْحُسَيْنِ بْنِ قُرَيْشٍ، قَالَ: أَبْنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ عُمَرَ الْبَرْمَكِيُّ، قَالَ: أَبْنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ بْنِ الْعَبَّاسِ، قال: بنا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي دَاوُدَ، قال: بنى المثنى بن أحمد، قال: بنا عَمْرُو بْنُ خَالِدٍ، عَنِ ابْنِ لَهِيعَةَ عَنْ عَطَاءِ بْنِ دِينَارٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ ﴿فَإِنْ جَاءُوكَ

стр. 382

فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ أَوْ أَعْرِضْ عَنْهُمْ﴾ جَعَلَهُ اللَّهُ فِي ذَلِكَ عَلَى (الخيرة) ١ إما أن يحكم (و) ٢ إما أَنْ يَتْرُكَهُمْ فَلا يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ٣. قال أبو بكر: وبنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ خلاد، قال: بنا يزيد قال: بنا مُبَارَكٌ عَنِ الْحَسَنِ، قَالَ: إِذَا ارْتَفَعَ أَهْلُ الذِّمَّةِ إِلَى حَاكِمٍ مِنْ حُكَّامِ الْمُسْلِمِينَ، فَإِنْ شَاءَ حَكَمَ بَيْنَهُمْ، وَإِنْ شَاءَ رَفَعَهُمْ إِلَى حُكَّامِهِمْ، فَإِنْ حَكَمَ بَيْنَهُمْ حَكَمَ بِالْعَدْلِ، وَبِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ. وَهَذَا مَرْوِيٌّ عَنِ الزُّهْرِيِّ. وَبِهِ قَالَ: أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ وَهُوَ الصَّحِيحُ. لِأَنَّهُ لا (تَنَافِي) ٤ بَيْنَ الآيَتَيْنِ مِنْ جِهَةِ أَنَّ أَحَدَهُمَا خَيَّرَتْ بَيْنَ الْحُكْمِ وَتَرْكِهِ، وَالأُخْرَى ثَبَتَتْ كَيْفِيَّةَ الْحُكْمِ إِذَا كَانَ٥. ذِكْرُ الْآيَةِ السَّابِعَةِ: قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿مَا عَلَى الرَّسُولِ إِلا الْبَلاغُ﴾ ٦.

стр. 383

اخْتَلَفَ الْمُفَسِّرُونَ فِيهَا عَلَى قَوْلَيْنِ: أحدهما: أَنَّهَا مُحْكَمَةٌ وَأَنَّهَا تَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْوَاجِبَ عَلَى الرَّسُولِ التَّبْلِيغُ وَلَيْسَ عَلَيْهِ الْهَدْيُ. وَالثَّانِي: أَنَّهَا تَتَضَمَّنُ الاقْتِصَارَ عَلَى التَّبْلِيغِ دُونَ الأَمْرِ بِالْقِتَالِ ثُمَّ نُسِخَتْ بِآيَةِ السَّيْفِ١ وَالأَوَّلُ أَصَّحُ٢. ذِكْرُ الآيَةِ الثَّامِنَةِ: قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ﴾ ٣. لِلْعُلَمَاءِ فِيهَا قَوْلانِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّهَا مَنْسُوخَةٌ: قَالَ أَرْبَابُ هَذَا الْقَوْلِ هِيَ تَتَضَمَّنُ كَفَّ الأَيْدِي عَنْ قِتَالِ (الضَّالِّينَ) ٤ فَنُسِخَتْ. وَلَهُمْ فِي ناسخها قولان: أحدهما: آيَةُ السَّيْفِ. وَالثَّانِي: أَنَّ آخِرَهَا نَسَخَ أَوَّلَهَا. قَالَ أَبُو عُبَيْدٍ الْقَاسِمُ بْنُ سَلامٍ لَيْسَ فِي الْقُرْآنِ آيَةٌ جَمَعَتِ النَّاسِخَ وَالْمَنْسُوخَ غير هذه وموضع الْمَنْسُوخِ مِنْهَا إِلَى قَوْلِهِ: ﴿لا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ﴾ والناسخ قوله: ﴿إِذَا اهْتَدَيْتُمْ﴾ والهدى ها هنا الأَمْرُ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْيُ عَنِ الْمُنْكَرِ٥.

стр. 384

قُلْتُ: وَهَذَا الْكَلامُ إِذَا حُقِّقَ لَمْ يَثْبُتْ. وَالْقَوْلُ الثَّانِي: أَنَّهَا مُحْكَمَةٌ. قَالَ الزَّجَّاجُ: مَعْنَاهَا: إِنَّمَا أَلْزَمَكُمُ اللَّهُ أَمْرَ أَنْفُسِكُمْ لا يُؤَاخِذُكُمْ بِذُنُوبِ غَيْرِكُمْ. قَالَ: وَهَذِهِ الآيَةُ لا تُوجِبُ تَرْكَ الأَمْرِ بِالْمَعْرُوفِ. لِأَنَّ الْمُؤْمِنَ إِذَا تَرَكَهُ وَهُوَ مُسْتَطِيعٌ لَهُ، فَهُوَ ضَالٌّ وَلَيْسَ بِمُهْتَدٍ١. قُلْتُ: وَهَذَا الْقَوْلُ هُوَ الصَّحِيحُ وَأَنَّهَا مُحْكَمَةٌ. وَيَدُلُّ على إحكامها أربعة أشياء: أحدها: أن قوله: ﴿عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ﴾ يَقْتَضِي (إِغْرَاءَ) ٢ الْإِنْسَانِ بِمَصَالِحِ نَفْسِهِ، وَيَتَضَمَّنُ الإِخْبَارَ بِأَنَّهُ لا يُعَاقَبُ بِضَلالِ غَيْرِهِ وَلَيْسَ مُقْتَضَى ذَلِكَ أَنْ لا يُنْكِرَ عَلَى غَيْرِهِ وَإِنَّمَا غَايَةُ الأَمْرِ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ مَسْكُوتًا عَنْهُ فَيَقِفُ عَلَى الدَّلِيلِ. وَالثَّانِي: أَنَّ الآيَةَ تَدُلُّ عَلَى وُجُوبِ الأَمْرِ بِالْمَعْرُوفِ. لِأَنَّ قوله: ﴿عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ﴾ أَمْرٌ بِإِصْلاحِهَا وَأَدَاءِ مَا عَلَيْهَا، وَقَدْ ثَبَتَ وُجُوبُ الأَمْرِ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْيِ عَنِ الْمُنْكَرِ، فَصَارَ مِنْ جُمْلَةِ مَا عَلَى الْإِنْسَانِ فِي نَفْسِهِ أَنْ يَأْمُرَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَى عَنِ الْمُنْكَرِ. وَقَدْ دَلَّ عَلَى مَا قُلْنَا قَوْلُهُ: ﴿إِذَا اهْتَدَيْتُمْ﴾ وَإِنَّمَا يَكُونُ الْإِنْسَانُ مُهْتَدِيًا إِذَا امْتَثَلَ أَمْرَ الشَّرْعِ، وَمِمَّا أَمَرَ الشَّرْعُ بِهِ الأَمْرُ بِالْمَعْرُوفِ. وَقَدْ رُوِيَ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ وَالْحَسَنِ وَأَبِي الْعَالِيَةِ: أَنَّهُمْ قَالُوا فِي هَذِهِ الآيَةِ: قُولُوا مَا قُبِلَ مِنْكُمْ فَإِذَا رُدَّ عَلَيْكُمْ فَعَلَيْكُمْ أنفسكم٣.

стр. 385

أَخْبَرَنَا ابْنُ الْحُصَيْنِ، قَالَ: أَبْنَا ابْنُ الْمُذَهَّبِ، قَالَ: أَبْنَا أَحْمَدُ بن جعفر، قال: بنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَحْمَدَ، قَالَ حدثني أبي، قال: بنا هاشم بن القاسم، قال: بنا زَهَيْرٌ يَعْنِي: ابْنَ مُعَاوِيَةَ، قَالَ: بنا إِسْمَاعِيلُ بْنُ أَبِي خَالِدٍ، قَالَ: بنا قَيْسٌ قَالَ: قَامَ (أَبُو بَكْرٍ) ١ ﵁ فَحَمِدَ اللَّهَ وأثنى عليه، وقال: يا أيها الناس إنكم تقرؤون هذه الآية: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ﴾ إِلَى آخِرِ الآيَةِ وَأَنَّكُمْ تَضَعُونَهَا عَلَى غَيْرِ مَوْضِعِهَا، وَإِنِّي سَمِعْتُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: "إِنَّ النَّاسَ إِذَا رأوا المنكر، ولا يغيرونه أو شك الله عزوجل أَنْ يَعُمَّهُمْ بِعِقَابِهِ" ٢. وَالثَّالِثُ: أَنَّ الآيَةَ قَدْ حَمَلَهَا قَوْمٌ عَلَى أَهْلِ الْكِتَابِ إِذَا أَدُّوا الْجِزْيَةَ فَحِينَئِذٍ لا يُلْزَمُونَ بِغَيْرِهَا. فَرَوَى أَبُو صَالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ النَّبِيّ ﷺ

стр. 386

كَتَبَ إِلَى حُجْرٍ، وَعَلَيْهِمْ مِنْذِرُ بْنُ (سَاوِيٍّ) ١ يَدْعُوهُمْ إِلَى الْإِسْلامِ، فَإِنْ أَبَوْا فَلْيُؤَدُّوا الْجِزْيَةَ فَلَمَّا أَتَاهُ الْكِتَابُ عَرَضَهُ عَلَى مَنْ عِنْدَهُ مِنَ الْعَرَبِ، وَالْيَهُودِ وَالنَّصَارَى وَالْمَجُوسِ فَأَقَرُّوا بِالْجِزْيَةِ وَكَرِهُوا الْإِسْلامَ فَكَتَبَ إِلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : (أَمَّا الْعَرَبُ فَلا تَقْبَلُ مِنْهُمْ إِلا الْإِسْلامَ أَوِ السَّيْفَ، وَأَمَّا أَهْلُ الْكِتَابِ وَالْمَجُوسِ فَاقْبَلْ مِنْهُمُ الْجِزْيَةَ) فَلَمَّا قرؤوا الْكِتَابَ أَسْلَمَتِ الْعَرَبُ (وَأَعْطَى) ٢ أَهْلُ الْكِتَابِ وَالْمَجُوسِ الْجِزْيَةَ. فَقَالَ الْمُنَافِقُونَ: عَجَبًا لِمُحَمَّدٍ يَزْعُمُ أَنَّ اللَّهَ بَعَثَهُ لِيُقَاتِلَ النَّاسَ كَافَّةً حَتَّى يُسْلِمُوا، وَقَدْ قَبِلَ مِنْ مَجُوسِ هَجْرٍ، وَأَهْلِ الْكِتَابِ، الْجِزْيَةَ، فَهَلا أَكْرَهَهُمْ عَلَى الْإِسْلامِ وَقَدْ رَدَّهَا عَلَى إِخْوَانِنَا مِنَ الْعَرَبِ. فَشُقَّ ذَلِكَ عَلَى الْمُسْلِمِينَ فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ٣. وَالرَّابِعُ: أَنَّهُ (لَمَّا عَابَهُمْ) ٤ فِي تَقْلِيدِ آبَائِهِمْ بِالآيَةِ الْمُتَقَدِّمَةِ أَعْلَمَهُمْ بِهَذِهِ الآيَةِ أَنَّ الْمُكَلَّفَ إِنَّمَا يَلْزَمُهُ حُكْمُ نَفْسِهِ وَأَنَّهُ لا يضره ضلال

стр. 387

مَنْ (ضَلَّ) ١ إِذَا كَانَ مُهْتَدِيًا حَتَّى يَعْلَمُوا أَنَّهُ لا يَلْزَمُهُمْ مِنْ ضَلالِ آبَائِهِمْ شَيْءٌ مِنَ الذَّمِّ وَالْعِقَابِ٢ وَإِذَا تَلَمَّحَتِ هَذِهِ الْمُنَاسَبَةُ بَيْنَ الآيَتَيْنِ لَمْ يَكُنِ الأَمْرُ لِلأَمْرِ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْيُ عَنِ المنكر ها هنا مَدْخَلٌ وَهَذَا أَحْسَنُ الْوُجُوهِ فِي الآيَةِ٣. ذِكْرُ الآيَةِ التَّاسِعَةِ: قَوْلُهُ تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا شَهَادَةُ بَيْنِكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ حِينَ الْوَصِيَّةِ اثْنَانِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ أَوْ آخَرَانِ مِنْ غَيْرِكُمْ﴾ ٤. الإِشَارَةُ بِهَذَا إِلَى الشَّاهِدَيْنِ الَّذِينَ يَشْهَدَانِ عَلَى الْمُوصِي فِي السَّفَرِ. وَالنَّاسِ (فِي قَوْلِهِ) ٥: ﴿ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾ قائلان: أحدهما: مِنْ أَهْلِ دِينِكُمْ وَمِلَّتِكُمْ. أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْوَهَّابِ الْحَافِظُ، قَالَ: أَبْنَا أَبُو الْفَضْلِ بْنُ خَيْرُونُ وَأَبُو طَاهِرٍ الْبَاقِلاوِيُّ، قَالا: أَبْنَا ابْنُ شَاذَانَ قَالَ: أَبْنَا أَحْمَدُ بْنُ كَامِلٍ، قَالَ: حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ سَعْدٍ، قَالَ: حَدَّثَنِي أَبِي، قَالَ: حَدَّثَنِي عَمِّي، عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ ﴿ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾ أي: من أهل

стр. 388

الإسلام١. وهذا قوله ابْنِ مَسْعُودٍ وَشُرَيْحٍ٢ وَسَعِيدِ بْنِ المسيب، وسعيد ابن جُبَيْرٍ، وَمُجَاهِدٍ، وَابْنِ (سِيرِينَ) ٣ وَالشَّعْبِيِّ، والنخعي، وقتادة، وأبو مَخْلَدٍ٤ وَيَحْيَى بْنِ يَعْمُرَ٥، وَالثَّوْرِيِّ وَهُوَ قَوْلُ أَصْحَابِنَا٦. وَالثَّانِي: أَنَّ معنى قوله ﴿مِنْكُمْ﴾ أَيْ: مِنْ عَشِيرَتِكُمْ، وَقَبِيلَتِكُمْ، وَهُمْ مُسْلِمُونَ أَيْضًا. قَالَهُ الْحَسَنُ، وَعِكْرِمَةُ وَالزُّهْرِيُّ وَالسُّدِّيُّ وَعَنْ عُبَيْدَةَ كَالْقَوْلَيْنِ٧، فَأَمَّا قَوْلُهُ: ﴿أَوْ آخَرَانِ مِنْ غَيْرِكُمْ﴾ فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ لَيْسَتْ أَوْ لِلتَّخَيُّرِ إِنَّمَا الْمَعْنَى: أَوْ آخَرَانِ مِنْ غَيْرِكُمْ إِنْ لَمْ تَجِدُوا مِنْكُمْ٨ وَفِي قَوْلِهِ: مِنْ غَيْرِكُمْ قولان:

стр. 389

أحدهما: مِنْ غَيْرِ مِلَّتِكُمْ وَدِينِكُمْ، قَالَهُ أَرْبَابُ الْقَوْلِ الأَوَّلِ. وَالثَّانِي: مِنْ غير عشرتكم وَقَبِيلَتِكُمْ، وَهُمْ مُسْلِمُونَ أَيْضًا. قَالَهُ أَرْبَابُ الْقَوْلِ الثَّانِي وَالْقَائِلُ بِأَنَّ الْمُرَادَ شَهَادَةُ المسلمَينِ مِنَ الْقَبِيلَةِ أَوْ مِنْ غَيْرِ الْقَبِيلَةِ لا يُشَكُّ فِي إِحْكَامِ هَذِهِ الآيَةِ. فَأَمَّا الْقَائِلُ بِأَنَّ الْمُرَادَ بِقَوْلِهِ: ﴿أَوْ آخَرَانِ مِنْ غَيْرِكُمْ﴾ أَهْلُ الْكِتَابِ إِذَا (شَهِدُوا عَلَى الْوَصِيَّةِ) فِي السَّفَرِ فَلَهُمْ فِيهَا قولان: أحدهما: أَنَّهَا مُحْكَمَةٌ وَالْعَمَلُ عَلَى هَذَا عِنْدَهُمْ بَاقٍ. وَهُوَ قَوْلُ ابْنِ عَبَّاسٍ وَابْنِ الْمُسَيَّبِ وَابْنِ جُبَيْرٍ، وَابْنِ سِيرِينَ، وَقَتَادَةَ وَالشَّعْبِيِّ وَالثَّوْرِيِّ وَأَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ١. وَالثَّانِي: أَنَّهَا مَنْسُوخَةٌ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾ ٢ وَهُوَ قَوْلُ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ٣ وَإِلَيْهِ يَمِيلُ أَبُو حَنِيفَةَ وَمَالِكٌ وَالشَّافِعِيُّ، قَالُوا: وَأَهْلُ الْكُفْرِ لَيْسُوا بِعُدُولٍ٤.وَالأَوَّلُ أَصَحُّ، لِأَنَّ هَذَا موضع ضرورة فجاز

стр. 390

كَمَا يَجُوزُ فِي بَعْضِ الأَمَاكِنِ شَهَادَةُ نِسَاءٍ لا رَجُلٍ مَعَهُنَّ بالحيض، والنفاس، والاستهل.
следующие страницы →