Полный текст (660 стр.). Показаны 386–425 · переход к 391.
стр. 386
كَتَبَ إِلَى حُجْرٍ، وَعَلَيْهِمْ مِنْذِرُ بْنُ (سَاوِيٍّ) ١ يَدْعُوهُمْ إِلَى الْإِسْلامِ، فَإِنْ أَبَوْا فَلْيُؤَدُّوا الْجِزْيَةَ فَلَمَّا أَتَاهُ الْكِتَابُ عَرَضَهُ عَلَى مَنْ عِنْدَهُ مِنَ الْعَرَبِ، وَالْيَهُودِ وَالنَّصَارَى وَالْمَجُوسِ فَأَقَرُّوا بِالْجِزْيَةِ وَكَرِهُوا الْإِسْلامَ فَكَتَبَ إِلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : (أَمَّا الْعَرَبُ فَلا تَقْبَلُ مِنْهُمْ إِلا الْإِسْلامَ أَوِ السَّيْفَ، وَأَمَّا أَهْلُ الْكِتَابِ وَالْمَجُوسِ فَاقْبَلْ مِنْهُمُ الْجِزْيَةَ) فَلَمَّا قرؤوا الْكِتَابَ أَسْلَمَتِ الْعَرَبُ (وَأَعْطَى) ٢ أَهْلُ الْكِتَابِ وَالْمَجُوسِ الْجِزْيَةَ. فَقَالَ الْمُنَافِقُونَ: عَجَبًا لِمُحَمَّدٍ يَزْعُمُ أَنَّ اللَّهَ بَعَثَهُ لِيُقَاتِلَ النَّاسَ كَافَّةً حَتَّى يُسْلِمُوا، وَقَدْ قَبِلَ مِنْ مَجُوسِ هَجْرٍ، وَأَهْلِ الْكِتَابِ، الْجِزْيَةَ، فَهَلا أَكْرَهَهُمْ عَلَى الْإِسْلامِ وَقَدْ رَدَّهَا عَلَى إِخْوَانِنَا مِنَ الْعَرَبِ. فَشُقَّ ذَلِكَ عَلَى الْمُسْلِمِينَ فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ٣.
وَالرَّابِعُ: أَنَّهُ (لَمَّا عَابَهُمْ) ٤ فِي تَقْلِيدِ آبَائِهِمْ بِالآيَةِ الْمُتَقَدِّمَةِ أَعْلَمَهُمْ بِهَذِهِ الآيَةِ أَنَّ الْمُكَلَّفَ إِنَّمَا يَلْزَمُهُ حُكْمُ نَفْسِهِ وَأَنَّهُ لا يضره ضلال
стр. 387
مَنْ (ضَلَّ) ١ إِذَا كَانَ مُهْتَدِيًا حَتَّى يَعْلَمُوا أَنَّهُ لا يَلْزَمُهُمْ مِنْ ضَلالِ آبَائِهِمْ شَيْءٌ مِنَ الذَّمِّ وَالْعِقَابِ٢ وَإِذَا تَلَمَّحَتِ هَذِهِ الْمُنَاسَبَةُ بَيْنَ الآيَتَيْنِ لَمْ يَكُنِ الأَمْرُ لِلأَمْرِ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْيُ عَنِ المنكر ها هنا مَدْخَلٌ وَهَذَا أَحْسَنُ الْوُجُوهِ فِي الآيَةِ٣.
ذِكْرُ الآيَةِ التَّاسِعَةِ: قَوْلُهُ تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا شَهَادَةُ بَيْنِكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ حِينَ الْوَصِيَّةِ اثْنَانِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ أَوْ آخَرَانِ مِنْ غَيْرِكُمْ﴾ ٤.
الإِشَارَةُ بِهَذَا إِلَى الشَّاهِدَيْنِ الَّذِينَ يَشْهَدَانِ عَلَى الْمُوصِي فِي السَّفَرِ. وَالنَّاسِ (فِي قَوْلِهِ) ٥: ﴿ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾ قائلان:
أحدهما: مِنْ أَهْلِ دِينِكُمْ وَمِلَّتِكُمْ.
أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْوَهَّابِ الْحَافِظُ، قَالَ: أَبْنَا أَبُو الْفَضْلِ بْنُ خَيْرُونُ وَأَبُو طَاهِرٍ الْبَاقِلاوِيُّ، قَالا: أَبْنَا ابْنُ شَاذَانَ قَالَ: أَبْنَا أَحْمَدُ بْنُ كَامِلٍ، قَالَ: حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ سَعْدٍ، قَالَ: حَدَّثَنِي أَبِي، قَالَ: حَدَّثَنِي عَمِّي، عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ ﴿ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾ أي: من أهل
стр. 388
الإسلام١. وهذا قوله ابْنِ مَسْعُودٍ وَشُرَيْحٍ٢ وَسَعِيدِ بْنِ المسيب، وسعيد ابن جُبَيْرٍ، وَمُجَاهِدٍ، وَابْنِ (سِيرِينَ) ٣ وَالشَّعْبِيِّ، والنخعي، وقتادة، وأبو مَخْلَدٍ٤ وَيَحْيَى بْنِ يَعْمُرَ٥، وَالثَّوْرِيِّ وَهُوَ قَوْلُ أَصْحَابِنَا٦.
وَالثَّانِي: أَنَّ معنى قوله ﴿مِنْكُمْ﴾ أَيْ: مِنْ عَشِيرَتِكُمْ، وَقَبِيلَتِكُمْ، وَهُمْ مُسْلِمُونَ أَيْضًا. قَالَهُ الْحَسَنُ، وَعِكْرِمَةُ وَالزُّهْرِيُّ وَالسُّدِّيُّ وَعَنْ عُبَيْدَةَ كَالْقَوْلَيْنِ٧، فَأَمَّا قَوْلُهُ: ﴿أَوْ آخَرَانِ مِنْ غَيْرِكُمْ﴾ فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ لَيْسَتْ أَوْ لِلتَّخَيُّرِ إِنَّمَا الْمَعْنَى: أَوْ آخَرَانِ مِنْ غَيْرِكُمْ إِنْ لَمْ تَجِدُوا مِنْكُمْ٨ وَفِي قَوْلِهِ: مِنْ غَيْرِكُمْ قولان:
стр. 389
أحدهما: مِنْ غَيْرِ مِلَّتِكُمْ وَدِينِكُمْ، قَالَهُ أَرْبَابُ الْقَوْلِ الأَوَّلِ.
وَالثَّانِي: مِنْ غير عشرتكم وَقَبِيلَتِكُمْ، وَهُمْ مُسْلِمُونَ أَيْضًا. قَالَهُ أَرْبَابُ الْقَوْلِ الثَّانِي وَالْقَائِلُ بِأَنَّ الْمُرَادَ شَهَادَةُ المسلمَينِ مِنَ الْقَبِيلَةِ أَوْ مِنْ غَيْرِ الْقَبِيلَةِ لا يُشَكُّ فِي إِحْكَامِ هَذِهِ الآيَةِ. فَأَمَّا الْقَائِلُ بِأَنَّ الْمُرَادَ بِقَوْلِهِ: ﴿أَوْ آخَرَانِ مِنْ غَيْرِكُمْ﴾ أَهْلُ الْكِتَابِ إِذَا (شَهِدُوا عَلَى الْوَصِيَّةِ) فِي السَّفَرِ فَلَهُمْ فِيهَا قولان:
أحدهما: أَنَّهَا مُحْكَمَةٌ وَالْعَمَلُ عَلَى هَذَا عِنْدَهُمْ بَاقٍ. وَهُوَ قَوْلُ ابْنِ عَبَّاسٍ وَابْنِ الْمُسَيَّبِ وَابْنِ جُبَيْرٍ، وَابْنِ سِيرِينَ، وَقَتَادَةَ وَالشَّعْبِيِّ وَالثَّوْرِيِّ وَأَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ١.
وَالثَّانِي: أَنَّهَا مَنْسُوخَةٌ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾ ٢ وَهُوَ قَوْلُ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ٣ وَإِلَيْهِ يَمِيلُ أَبُو حَنِيفَةَ وَمَالِكٌ وَالشَّافِعِيُّ، قَالُوا: وَأَهْلُ الْكُفْرِ لَيْسُوا بِعُدُولٍ٤.وَالأَوَّلُ أَصَحُّ، لِأَنَّ هَذَا موضع ضرورة فجاز
стр. 390
كَمَا يَجُوزُ فِي بَعْضِ الأَمَاكِنِ شَهَادَةُ نِسَاءٍ لا رَجُلٍ مَعَهُنَّ بالحيض، والنفاس، والاستهل.
стр. 391
بَابُ: ذِكْرِ الْآيَاتِ اللَّوَاتِي ادُّعِيَ عَلَيْهِنَّ النَّسْخُ فِي سُورَةِ الأَنْعَامِ
ذِكْرُ الْآيَةِ الأُولَى: قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿إِنِّي أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾ ١.
زَعَمَ بَعْضُ نَاقِلِي التَّفْسِيرِ أَنَّهُ كَانَ يَجِبُ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ أَنْ يَخَافَ عَاقِبَةَ الذُّنُوبِ، ثُمَّ نُسِخَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ﴾ ٢.
قُلْتُ: فَالظَّاهِرُ مِنْ هَذِهِ الْمَعَاصِي أَنَّ الْمُرَادَ بِهَا الشِّرْكُ، لِأَنَّهَا جَاءَتْ فِي عُقَيْبِ قَوْلِهِ: ﴿وَلا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ ٣ فَإِذَا قَدَّرْنَا الْعَفْوَ عَنْ ذَنْبٍ - إِذَا كَانَ - لَمْ تُقَدَّرُ الْمُسَامَحَةُ فِي شِرْكٍ - لَوْ تَصَوَّرَ - إِلا أَنَّهُ لَمَّا لَمْ يَجُزْ فِي حَقِّهِ، (بَقِيَ) ٤ ذِكْرُهُ عَلَى سَبِيلِ التَّهْدِيدِ وَالتَّخْوِيفِ مِنْ عَاقِبَتِهِ كَقَوْلِهِ: ﴿لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ﴾ ٥ فَعَلَى هَذَا الآيَةُ مُحْكَمَةٌ، يُؤَكِّدُهُ أَنَّهَا خَبَرٌ، وَالأَخْبَارُ (لا تُنْسَخُ) ٦.
ذِكْرُ الْآيَةِ الثَّانِيَةِ: قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿قُلْ لَسْتُ عَلَيْكُمْ بِوَكِيلٍ﴾ ٧.
стр. 392
للمفسرين فيه قولان:
أحدهما: أَنَّهُ اقْتَضَى الاقْتِصَارَ فِي حَقِّهِمْ عَلَى الإِنْذَارِ مِنْ غَيْرِ زِيَادَةٍ ثُمَّ نُسِخَ بِآيَةِ السَّيْفِ وَهَذَا الْمَعْنَى فِي رِوَايَةِ الضَّحَّاكِ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا١.
وَالثَّانِي: أَنَّ مَعْنَاهُ لَسْتُ حَفِيظًا عَلَيْكُمْ إِنَّمَا أَطْلُبُكُمْ بِالظَّوَاهِرِ مِنَ الْإِقْرَارِ وَالْعَمَلِ، لا بِالأَسْرَارِ. فَعَلَى هَذَا هُوَ مُحْكَمٌ، وَهَذَا هُوَ الصَّحِيحُ. يُؤَكِّدُ أَنَّهُ خَبَرٌ وَالأَخْبَارُ لا تُنْسَخُ. وَهَذَا اخْتِيَارُ جَمَاعَةٍ مِنْهُمْ أَبُو جَعْفَرٍ النَّحَّاسُ ٢.
ذِكْرُ الآيَةِ الثَّالِثَةِ: قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَإِذَا رَأَيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ فِي آيَاتِنَا فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ﴾ ٣.
الْمُرَادُ بِهَذَا الْخَوْضِ: الْخَوْضُ بِالتَّكْذِيبِ، وَيُشْبِهُ أَنْ يَكُونَ الْإِعْرَاضُ الْمَذْكُورُ ههنا منسوخاً بآية السيف٤.
стр. 393
ذِكْرُ الْآيَةِ الرَّابِعَةِ: قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَمَا عَلَى الَّذِينَ يَتَّقُونَ مِنْ حِسَابِهِمْ مِنْ شَيْءٍ﴾ ١ أَيْ: مِنْ كُفْرِ الْخَائِفِينَ وَإِثْمِهِمْ، وَقَدْ زَعَمَ قَوْمٌ مِنْهُمْ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: أَنَّ هَذِهِ الآيَةَ مَنْسُوخَةٌ بِقَوْلِهِ: ﴿وَقَدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ أَنْ إِذَا سَمِعْتُمْ آيَاتِ اللَّهِ يُكْفَرُ بِهَا وَيُسْتَهْزَأُ بِهَا فَلا تَقْعُدُوا مَعَهُمْ﴾ ٢.
أَخْبَرَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ أَحْمَدَ، قَالَ: بنا عُمَرُ بْنُ عُبَيْدِ اللَّهِ، قَالَ: أَبْنَا ابْنُ بِشْرَانَ، قَالَ: أَبْنَا إسحاق بن أحمد، قال: بنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَحْمَدَ، قَالَ: حدثني أبي، قال: بنا إِسْحَاقُ بُنْ يُوسُفَ، عَنْ سُفْيَانَ، عَنِ السُّدِّيِّ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، وَأَبِي مَالِكٍ فِي قَوْلِهِ: ﴿وَمَا عَلَى الَّذِينَ يَتَّقُونَ مِنْ حِسَابِهِمْ مِنْ شَيْءٍ﴾ قَالا: نَسَخَهَا: ﴿وَقَدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ أَنْ إِذَا سَمِعْتُمْ آيَاتِ اللَّهِ يُكْفَرُ بِهَا﴾ ٣ الآية.
قُلْتُ: وَلَوْ قَالَ: هَؤُلاءِ: أَنَّهَا مَنْسُوخَةٌ بِآيَةِ السَّيْفِ كَانَ أَصْلَحَ٤ وَكَانَ (مَعْنَاهَا) ٥ عِنْدَهُمْ إِبَاحَةَ مُجَالَسَتِهِمْ وَتَرْكَ الاعْتِرَاضِ عَلَيْهِمْ، وَالصَّحِيحُ أَنَّهَا مُحْكَمَةٌ لِأَنَّهَا خَبَرٌ وَقَدْ بَيَّنَّا أَنَّ الْمَعْنَى: مَا عَلَيْكُمْ شَيْءٌ مِنْ آثَامِهِمْ إِنَّمَا يَلْزَمُكُمْ إِنْذَارُهُمْ٦.
стр. 394
ذِكْرُ الْآيَةِ الْخَامِسَةِ: قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَذَرِ الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَهُمْ لَعِباً وَلَهْواً﴾ ١.
للمفسرين فيه قولان:
أحدهما: أَنَّهُ اقْتَضَى الْمُسَامَحَةَ لَهُمْ وَالإِعْرَاضَ عَنْهُمْ ثُمَّ نُسِخَ بِآيَةِ السَّيْفِ، وَهَذَا مَذْهَبُ قَتَادَةَ وَالسُّدِّيِّ.
أَخْبَرَنَا بن نَاصِرٍ، قَالَ: أَبْنَا ابْنُ أَيُّوبَ، قال: أبنا أبو علي ابْنُ شَاذَانَ، قَالَ: أَبْنَا أَبُو بَكْرٍ النَّجَّادُ قَالَ: أَبْنَا أَبُو داود السجستاني، قال: بنا أحمد بن محمد، قال: بنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ رَجَاءٍ عَنْ هَمَّامٍ عَنْ قَتَادَةَ ﴿وَذَرِ الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَهُمْ لَعِباً وَلَهْواً﴾ ثُمَّ أَنْزَلَ اللَّهُ فِي بَرَاءَةٍ، وَأَمَرَهُمْ بِقِتَالِهِمْ٢.
وَالثَّانِي: أَنَّهُ خَرَجَ مَخْرَجَ التَّهْدِيدِ: كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿ذَرْنِي وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيداً﴾ ٣، فَعَلَى هَذَا هُوَ مُحْكَمٌ، وَهَذَا مذهب مجاهد٤ وهو الصحيح٥.
стр. 395
ذِكْرُ الْآيَةِ السَّادِسَةِ: قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿قُلِ اللَّهُ ثُمَّ ذَرْهُمْ﴾ ١ فيه قولان:
أحدهما: أَنَّهُ أَمْرٌ لَهُ بِالْإِعْرَاضِ عَنْهُمْ، ثُمَّ نُسِخَ بِآيَةِ السَّيْفِ٢.
وَالثَّانِي: أَنَّهُ تَهْدِيدٌ، فَهُوَ مُحْكَمٌ، وَهَذَا أَصَحُّ٣.
ذِكْرُ الآيَةِ السَّابِعَةِ: قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿فَمَنْ أَبْصَرَ فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ عَمِيَ فَعَلَيْهَا وَمَا أَنَا عَلَيْكُمْ بِحَفِيظٍ﴾ ٤ فيه قولان:
أحدهما: أَنَّ هَذِهِ الآيَةَ تَتَضَمَّنُ تَرْكَ قِتَالِ الْكُفَّارِ ثُمَّ نُسِخَتْ بِآيَةِ السَّيْفِ٥.
وَالثَّانِي: أَنَّ الْمَعْنَى لَسْتُ رَقِيبًا عَلَيْكُمْ أُحْصِي أَعْمَالَكُمْ فَهِيَ على هذامحكمة٦.
стр. 396
ذِكْرُ الْآيَةِ الثَّامِنَةِ: قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ﴾ ١.
رَوَى عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَلْحَةَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: هَذَا (وَنَحْوَهُ) ٢ مِمَّا أَمَرَ اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ بِالْعَفْوِ عَنِ المشركين فإنه نُسِخَ بِقَوْلِهِ: ﴿فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ﴾ ٣.
ذِكْرُ الْآيَةِ التَّاسِعَةِ: قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَمَا جَعَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظاً وَمَا أَنْتَ عَلَيْهِمْ بِوَكِيلٍ﴾ ٤.
قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ ﵄ نُسِخَ بِآيَةِ السَّيْفِ، وَعَلَى مَا ذَكَرْنَا فِي نَظَائِرِهَا تَكُونُ محكمة٥.
стр. 397
ذِكْرُ الْآيَةِ الْعَاشِرَةِ: قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَلا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ فَيَسُبُّوا اللَّهَ عَدْواً بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ ١.
قَالَ الْمُفَسِّرُونَ: هَذِهِ نُسِخَتْ بِتَنْبِيهِ الْخِطَابِ فِي آيَةِ السَّيْفِ. لِأَنَّهَا تَضَمَّنَتِ الأَمْرَ بِقَتْلِهِمْ، وَالْقَتْلُ أَشْنَعُ مِنَ السَّبِّ٢ وَلا أَرَى هَذِهِ الآيَةَ مَنْسُوخَةً، بَلْ يُكْرَهُ لِلْإِنْسَانِ أَنْ يَتَعَرَّضَ بِمَا يُوجِبُ ذِكْرَ مَعْبُودِهِ بِسُوءٍ أَوْ بِنَبِيِّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ٣.
ذِكْرُ الآيَةِ الْحَادِيَةَ عَشْرَةَ: قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿فَذَرْهُمْ وَمَا يَفْتَرُونَ﴾ ٤ إِنْ قُلْنَا إِنَّ هَذَا تَهْدِيدٌ كَمَا سَبَقَ فِي الآيَةِ السَّادِسَةِ فَهُوَ مُحْكَمٌ، وَإِنْ قُلْنَا إِنَّهُ أَمْرٌ بِتَرْكِ قِتَالِهِمْ فَهُوَ مَنْسُوخٌ بآية السيف٥.
стр. 398
ذِكْرُ الْآيَةِ الثَّانِيَةَ عَشْرَةَ: قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَلا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ﴾ ١. قَدْ رُوِيَ عَنْ جَمَاعَةٍ مِنْهُمْ الْحَسَنُ، وَعِكْرِمَةُ، أَنَّهُمْ قَالُوا: نُسِخَتْ بِقَوْلِهِ: ﴿وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ﴾ ٢ وَهَذَا (غَلَطٌ) ٣؛ لِأَنَّهُمْ إِنْ (أَرَادُوا) ٤ النَّسْخَ حَقِيقَةً وَلَيْسَ هَذَا بِنَسْخٍ، وَإِنْ أَرَادُوا التَّخْصِيصَ (وَأَنَّهُ خُصَّ) ٥ بِآيَةِ الْمَائِدَةِ طَعَامُ أَهْلِ الْكِتَابِ فَلَيْسَ بِصَحِيحٍ. لِأَنَّ أَهْلَ الْكِتَابِ يَذْكُرُونَ اللَّهَ عَلَى الذَّبِيحَةِ فَيُحْمَلُ أَمْرُهُمْ عَلَى ذَلِكَ فَإِنْ تَيَقَّنَّا أَنَّهُمْ تَرَكُوا ذِكْرَهُ جَازَ أَنْ يَكُونَ عَنْ نِسْيَانٍ، وَالنِّسْيَانُ لا يَمْنَعُ الْحِلَّ، فَإِنْ تَرَكُوا لا عَنْ نِسْيَانٍ، لَمْ يَجُزِ الأَكْلُ فَلا وَجْهَ لِلنَّسْخِ أَصْلا.
وَمَنْ قَالَ مِنَ الْمُفَسِّرِينَ إِنَّ الْمُرَادَ بِهَا لَمْ يَذْكُرِ اسْمَ اللَّهِ عليه الْبَتَّةِ٦ فَقَدْ خَصَّ عَامًّا، وَالْقَوْلُ بِالْعُمُومِ أَصَحُّ وَعَلَى قَوْلِ الشَّافِعِيِّ هَذِهِ الآيَةُ مُحْكَمَةٌ. لِأَنَّهُ إِمَّا أَنْ يُرَادَ بِهَا عِنْدَهُ الْمَيْتَةُ أو يكون نهي كراهة٧.
стр. 399
ذِكْرُ الْآيَةِ الثَّالِثَةَ عَشْرَةَ: قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿قُلْ يَا قَوْمِ اعْمَلُوا عَلَى مَكَانَتِكُمْ إِنِّي عَامِلٌ فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾ ١ للمفسرين فيها قولان:
أحدهما: أَنَّ الْمُرَادَ بِهَا تَرْكُ قِتَالِ الْكُفَّارِ، فَهِيَ مَنْسُوخَةٌ بِآيَةِ السَّيْفِ٢.
وَالثَّانِي: أَنَّ الْمُرَادَ بِهَا التَّهْدِيدُ فَعَلَى هَذَا هِيَ مُحْكَمَةٌ وَهَذَا هُوَ الأَصَحُّ٣.
ذِكْرُ الآيَةِ الرَّابِعَةَ عَشْرَةَ: قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿فَذَرْهُمْ وَمَا يَفْتَرُونَ﴾ ٤ فيه قولان:
أحدهما: أَنَّهُ اقْتَضَى تَرْكَ قِتَالِ الْمُشْرِكِينَ، فَهُوَ مَنْسُوخٌ بِآيَةِ السَّيْفِ. وَالثَّانِي: أَنَّهُ تَهْدِيدٌ وَوَعِيدٌ فَهُوَ مُحْكَمٌ٥.
ذِكْرُ الْآيَةِ الْخَامِسَةَ عَشْرَةَ: قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ﴾ ٦.
стр. 400
اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي الْمُرَادِ بِهَذَا الحق على قولين:
أحدهما: أَنَّهُ الزَّكَاةُ.
أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عبد الباقي البزاز١. قال: بنا أَبُو مُحَمَّدٍ الْجَوْهَرِيُّ، قَالَ: أَبْنَا مُحَمَّدٌ الْمُظَفَّرُ، قَالَ: أَبْنَا عَلِيُّ بْنُ إِسْمَاعِيلَ بْنِ حَمَّادٍ، قَالَ: بنا أَبُو حَفْصٍ عَمْرُو بْنُ عَلِيٍّ، قال: بنا عَبْدُ الصَّمَدِ بْنُ عَبْدِ الْوَارِثِ، قال: بنا (يَزِيدُ بْنُ دِرْهَمٍ) ٢ قَالَ: سَمِعْتُ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ، يَقُولُ: ﴿وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ﴾ قَالَ: "الزَّكَاةُ الْمَفْرُوضَةُ"٣.
قَالَ أَبُو حفص: وبنا معلي بن أسد قال بنا عَبْدُ الْوَاحِدِ بْنُ زِيَادٍ، قَالَ: بنا الْحَجَّاجُ بْنُ أَرْطَأَةَ عَنِ الْحَكَمِ عَنْ مُجَاهِدٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ ﴿وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ﴾ قَالَ: "الْعُشْرُ وَنِصْفُ الْعُشْرِ"٤.
قَالَ أبو حفص: وبنا عبد الرحمن، قال: بنا إِبْرَاهِيمُ بْنُ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ طاؤس عَنْ أَبِيهِ، ﴿وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ﴾ قال: "الزكاة"٥.
стр. 401
قال أبو حفص: وبنا عبد الرحمن، قال: بنا أبو هلال، عن حيان الأَعْرَجِ، عَنْ جَابِرِ بْنِ زَيْدٍ ﴿وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ﴾ قَالَ: "الزَّكَاةُ"١.
قَالَ أَبُو حَفْصٍ: وبنا محمد بن جعفر، قال: بنا (شُعْبَةُ) ٢ عَنْ أَبِي رَجَاءٍ، قَالَ: سَأَلْتُ الْحَسَنَ عَنْ قَوْلِهِ: ﴿وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ﴾ قَالَ: "الزَّكَاةُ"٣. وَهَذَا قَوْلُ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ، وَسَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، وَابْنِ الْحَنَفِيَّةِ٤، وَعَطَاءٍ وَقَتَادَةَ وَزَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ فِي آخَرِينَ٥. فَعَلَى هَذَا الآيَةُ مُحْكَمَةٌ وَيَنْبَغِي عَلَى قَوْلِ هَؤُلاءِ أَنْ تَكُونَ هَذِهِ الآيَةُ مَدَنِيَّةٌ لِأَنَّ السُّورَةَ مَكِّيَّةٌ، وَالزَّكَاةُ إِنَّمَا أُنْزِلَتْ بِالْمَدِينَةِ.
وَالثَّانِي: أَنَّهُ حَقُّ غَيْرِ الزَّكَاةِ أُمِرَ بِهِ يَوْمَ الْحَصَادِ، وَهُوَ إِطْعَامُ مَنْ حَضَرَ وَتَرْكُ مَا سَقَطَ مِنَ الزَّرْعِ، وَالتَّمْرِ.
أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي طَاهِرٍ قَالَ: أَبْنَا الْجَوْهَرِيُّ، قَالَ: أَبْنَا الظَّفَرُ، قَالَ: أَبْنَا عَلِيُّ بْنُ إِسْمَاعِيلَ، قَالَ: أَبْنَا أَبُو حَفْصٍ، قَالَ: أَبْنَا يحيى بن سعيد، قال:
стр. 402
بنا عَبْدُ الْمَلِكِ عَنْ عَطَاءٍ ﴿وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ﴾ قَالَ: "الْقَبْضَةُ مِنَ الطَّعَامِ"١.
وَقَالَ: يحيى بن سعيدعن سُفْيَانُ عَنْ مَنْصُورٍ عَنْ مُجَاهِدٍ، ﴿وَآتُوا حَقَّهُ﴾ قَالَ: "شَيْءٌ سِوَى الزَّكَاةِ فِي الحصاد (والجذاذ) ٢ إذا حصدوا، و (إذا جذوا) "٣.
وقال أبو حفص: وبنا عَبْدُ الرَّحْمَنِ عَنْ سُفْيَانَ عَنْ مَنْصُورٍ عَنْ مُجَاهِدٍ، قَالَ: "إِذَا حَصَدُوا أَلْقَى إِلَيْهِمْ مِنَ السُّنْبُلِ، وَإِذَا جَذُّوا النَّخْلَ أَلْقَى لَهُمْ مِنَ (الشَّمَارِيخِ) ٤ فَإِذَا كَالَهُ زَكَّاهُ"٥.
قار أبو حفص: وبنا معمر بن سليمان، قال: بنا عَاصِمٌ عَنْ أَبِي الْعَالِيَةِ ﴿وَآتُوا حَقَّهُ﴾ قَالَ: "كَانُوا يُعْطُونَ شَيْئًا سِوَى] الزكا ة ["٦.
أَخْبَرَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ أَحْمَدَ، قَالَ: أَبْنَا عُمَرُ بْنُ عُبَيْدِ اللَّهِ، قَالَ: أَبْنَا ابْنُ بِشْرَانَ، قَالَ: أَبْنَا إِسْحَاقُ بْنُ أَحْمَدَ، قَالَ: بنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَحْمَدَ، قَالَ:
стр. 403
حدثنا أبي، قال: بنا هُشَيْمٌ، قَالَ: أَبْنَا مُغِيرَةُ عَنْ شِبَاكٍ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ، قَالَ: "كَانُوا يُعْطُونَ حَتَّى نَسَخَتْهَا، الصَّدَقَةُ الْعُشْرُ أَوْ نِصْفُ الْعُشْرِ"١.
أَخْبَرَنَا الْمُبَارَكُ بْنُ عَلِيٍّ، قَالَ أَبْنَا أَحْمَدُ بْنُ الْحُسَيْنِ بْنِ قُرَيْشٍ، قَالَ: أَبْنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ عُمَرَ، قَالَ: أَبْنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ بْنِ الْعَبَّاسِ، قَالَ: أَبْنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي دَاوُدَ قَالَ: أَبْنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَعِيدٍ، قَالَ: أَبْنَا ابْنُ إِدْرِيسَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَطِيَّةَ ﴿وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ﴾، قَالَ: "كَانُوا إِذَا حَصَدُوا، (وَإِذَا دبس وَإِذَا غَرْبَلَ أَعْطُوا) مِنْهُ شَيْئًا، فَنَسَخَ ذَلِكَ الْعُشْرُ وَنِصْفُ الْعُشْرِ٢، قال: أبو بكر: وبنا محمد بن (بشار) ٣ قال: بنا يَزِيدُ، قَالَ: أَبْنَا عَبْدُ الْمَلِكِ عَنْ عَطَاءٍ ﴿وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ﴾ قَالَ: "لَيْسَ بِالزَّكَاةِ، وَلَكِنَّهُ إِذَا كَيَّلَ قَبَضَ مِنْهُ قَبَضَاتٍ مِنْ شَهِدَ رَضَخَ لَهُ مِنْهُ"٤.
وَاخْتَلَفَ العلماء: هل نسخ ذلك أَمْ لا؟ (إِنْ قُلْنَا أَنَّهُ أَمْرُ وُجُوبٍ فَهُوَ مَنْسُوخٌ بِالزَّكَاةِ، وَإِنْ قُلْنَا إِنَّهُ أَمْرُ اسْتِحْبَابٍ، فهو باقي الحكم٥.
стр. 404
ذِكْرُ الْآيَةِ السَّادِسَةَ عَشْرَةَ: قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿قُلْ لا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّماً عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ﴾ ١ الآيَةَ.
اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي حُكْمِ هذه الآية على قولين:
أحدهما: أَنَّ الْمَعْنَى: لا أَجِدُ مُحَرَّمًا مِمَّا كُنْتُمْ تَسْتَحِلُّونَ فِي الْجَاهِلِيَّةِ إلا هذا، قاله طاؤس وَمُجَاهِدٌ٢.
وَالثَّانِي: أَنَّهَا حَصَرَتِ الْمُحَرَّمَ، فَلَيْسَ فِي الْحَيَوَانَاتِ مُحَرَّمٌ إِلا مَا ذُكِرَ فِيهَا.
ثُمَّ اخْتَلَفَ أَرْبَابُ هَذَا الْقَوْلِ. فَذَهَبَ بَعْضُهُمْ إِلَى أَنَّهَا مُحْكَمَةٌ، وَأَنَّ الْعَمَلَ عَلَى مَا ذُكِرَ فِيهَا، فَكَانَ ابْنُ عَبَّاسٍ لا يَرَى بِلُحُومِ الْحُمُرِ الأَهْلِيَّةِ بَأْسًا، وَيَقْرَأُ هَذِهِ الآية ويقول: ليس شيء (حَرَامًا) ٣ إِلا مَا حَرَّمَهُ اللَّهُ فِي كِتَابِهِ٤. وَهَذَا مَذْهَبُ عَائِشَةَ، والشعبي.
стр. 405
وَذَهَبَ آخَرُونَ إِلَى أَنَّهَا نُسِخَتْ بِمَا ذُكِرَ فِي الْمَائِدَةِ مِنَ الْمُنْخَنِقَةِ، وَالْمَوْقُوذَةِ وَالْمُتَرَدِّيَةِ وَالنَّطِيحَةِ وَمَا أَكَلَ السَّبُعُ١ وَقَدْ رَدَّ قَوْمٌ هَذَا الْقَوْلَ، بِأَنْ قَالُوا: كُلُّ هَذَا دَاخِلٌ فِي الْمَيْتَةِ، وَقَدْ ذكرت الميتة ها هنا فَلا وَجْهَ لِلنَّسْخِ، وَزَعَمَ قَوْمٌ: أَنَّهَا نُسِخَتْ بِآيَةِ الْمَائِدَةِ، وَبِالسُّنَّةِ مِنْ تَحْرِيمِ الْحُمُرِ الأَهْلِيَّةِ وَكُلُّ ذِي نَابٍ مِنَ السِّبَاعِ٢ وَمَخْلَبٍ٣ مِنَ الطَّيْرِ، وَهَذَا لَيْسَ بِصَحِيحٍ، أَمَّا آيَةُ الْمَائِدَةِ فَقَدْ ذَكَرْنَا أَنَّهَا دَاخِلَةٌ فِي هَذِهِ الآيَةِ.
وَأَمَّا مَا وَرَدَ فِي السُّنَّةِ فَلا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ نَاسِخًا، لِأَنَّ مَرْتَبَةَ الْقُرْآنِ لا يُقَاوِمُهَا أَخْبَارُ الأَحَادِ وَلَوْ قِيلَ: إِنَّ السُّنَّةَ خَصَّتْ ذَلِكَ الإِطْلاقَ أَوِ ابْتَدَأَتْ حُكْمًا، كَانَ أَصْلَحَ. وَإِنَّمَا الصَّوَابُ عِنْدَنَا أَنْ يُقَالَ: هَذِهِ الآيَةُ نَزَلَتْ بِمَكَّةَ، وَلَمْ تَكُنِ الْفَرَائِضُ قَدْ تَكَامَلَتْ وَلا الْمُحَرَّمَاتُ الْيَوْمَ قَدْ تَتَامَّتْ، وَلِهَذَا قَالَ: ﴿فِي مَا أُوحِيَ﴾ عَلَى لَفْظِ الْمَاضِي وَقَدْ كَانَ حينئذ من قال: لا إله إلِا اللَّهُ ثُمَّ مَاتَ، دَخَلَ الْجَنَّةَ، فَلَمَّا جَاءَتِ الْفَرَائِضُ وَالْحُدُودُ، وقعت
стр. 406
الْمُطَالَبَةُ بِهَا، فَكَذَلِكَ هَذِهِ الآيَةُ إِنَّمَا أَخْبَرَتْ بِمَا كَانَ فِي الشَّرْعِ مِنَ التَّحْرِيمِ يَوْمَئِذٍ، فَلا نَاسِخَ إِذَنْ وَلا مَنْسُوخَ. ثُمَّ كَيْفَ يُدَّعَى نَسْخُهَا وَهِيَ خَبَرٌ، وَالْخَبَرُ لا يَدْخُلُهُ النَّسْخُ١.
ذِكْرُ الْآيَةِ السَّابِعَةَ عَشْرَةَ: قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿فِي مَا أُوحِيَ﴾ ٢.
للمفسرين فيها قولان:
أحدهما: أَنَّهَا اقْتَضَتِ الأَمْرَ بِالْكَفِّ عَنْ قِتَالِهِمْ، وَذَلِكَ مَنْسُوخٌ بِآيَةِ السَّيْفِ٣.
وَالثَّانِي: أَنَّ الْمُرَادَ بِهَا التَّهْدِيدُ، فهي محكمة وهو الصحيح٤.
стр. 407
ذِكْرُ الْآيَةِ الثَّامِنَةَ عَشْرَةَ: قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿لَسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ﴾ ١.
لِلْمُفَسِّرِينَ فِي مَعْنَاهُ ثَلاثَةُ أَقْوَالٍ:
أحدها: لَسْتَ مِنْ قِتَالِهِمْ فِي شَيْءٍ، ثُمَّ نُسِخَ بِآيَةِ السَّيْفِ، قَالَهُ السُّدِّيُّ٢.
وَالثَّانِي: لَيْسَ إِلَيْكَ شَيْءٌ مِنْ أَمْرِهِمْ، قَالَهُ ابْنُ قُتَيْبَةَ.
وَالثَّالِثُ: أَنْتَ بَرِيءٌ مِنْهُمْ وَهُمْ مِنْكَ بَرَاءٌ إِنَّمَا أَمْرُهُمْ إِلَى اللَّهِ سُبْحَانَهُ
فِي الْجَزَاءِ فَعَلَى هذين القولين الآية محكمة٣.
стр. 408
بَابُ: ذِكْرِ الْآيَاتِ اللَّوَاتِي ادُّعِيَ عَلَيْهِنَّ النَّسْخُ فِي سُورَةِ الأَعْرَافِ
ذِكْرُ الْآيَةِ الأُولَى: قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَائِهِ﴾ ١.
قال ابن زيد: نسخها الأَمْرُ بِالْقِتَالِ٢ وَقَالَ غَيْرُهُ هَذَا تَهْدِيدٌ لَهُمْ وَهَذَا لا يُنْسَخُ٣.
ذِكْرُ الْآيَةِ الثَّانِيَةِ: قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَأُمْلِي لَهُمْ إِنَّ كَيْدِي مَتِينٌ﴾ ٤.
قَالَ الْمُفَسِّرُونَ: الْمُرَادُ بِكَيْدِهِ: مُجَازَاةُ أَهْلِ الْكَيْدِ، وَالْمَكْرِ، وَهَذِهِ خَبَرٌ، فَهِيَ مُحْكَمَةٌ٥.
وَقَدْ ذَهَبَ مَنْ قَلَّ عِلْمُهُ مِنْ مُنْتَحِلِي التَّفْسِيرِ إِلَى أَنَّ مَعْنَى الآيَةِ الأَمْرُ لِلنَّبِيِّ ﷺ بمتاركتهم. قَالَ: وَنُسِخَ مَعْنَاهَا بِآيَةِ السَّيْفِ، وَهَذَا قَوْلٌ لا يُلْتَفَتُ إِلَيْهِ٦.
стр. 409
ذِكْرُ الْآيَةِ الثَّالِثَةِ: قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ﴾ ١. الْعَفْوُ (الْمَيْسُورُ) ٢ وَفِي الَّذِي أُمِرَ بأخذ العفو ثلاثة أقوال:
أحدها: أخلاق الناس، قاله ابن عمر، وَابْنُ الزُّبَيْرِ٣ وَالْحَسَنُ وَمُجَاهِدٌ. فَعَلَى هَذَا يَكُونُ الْمَعْنَى: اقْبَلِ الْمَيْسُورَ مِنْ أَخْلاقِ النَّاسِ وَلا تَسْتَقْصِ عَلَيْهِمْ فَتَظْهَرُ مِنْهُمُ الْبَغْضَاءُ، فَعَلَى هَذَا هُوَ مُحْكَمٌ٤.
وَالْقَوْلُ الثَّانِي: أَنَّهُ الْمَالُ، ثُمَّ فِيهِ قَوْلانِ:
أحدهما: أَنَّ الْمُرَادَ (بِعَفْوِ الْمَالِ) ٥: الزَّكَاةُ، قَالَهُ مُجَاهِدٌ فِي رِوَايَةِ
الضَّحَّاكِ٦.
وَالثَّانِي: أَنَّهَا صَدَقَةٌ كَانَتْ تُؤْخَذُ قَبْلَ فَرْضِ الزَّكَاةِ، ثُمَّ نُسِخَتْ بِالزَّكَاةِ رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا٧، قَالَ الْقَاسِمُ وسالم٨:
стр. 410
الْعَفْوُ شَيْءٌ (فِي) ١ الْمَالِ سِوَى الزَّكَاةِ، وَهُوَ فَضْلُ الْمَالِ مَا كان عن ظهر غنى٢.
والثالث: أَنَّ الْمُرَادَ بِهِ (مُسَاهَلَةُ) ٣ الْمُشْرِكِينَ وَالْعَفْوُ عَنْهُمْ، ثُمَّ نُسِخَ بِآيَةِ السَّيْفِ، قَالَهُ ابْنُ زَيْدٍ٤.
وَقَوْلُهُ: ﴿وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ﴾ ٥ فيهم قولان:
أحدهما: أَنَّهُمُ الْمُشْرِكُونَ أُمِرَ بِالْإِعْرَاضِ عَنْهُمْ، ثُمَّ نُسِخَ ذَلِكَ بِآيَةِ السَّيْفِ٦.
وَالثَّانِي: أَنَّهُ عَامٌّ فِيمَنْ جَهِلَ، أُمِرَ بِصِيَانَةِ النَّفْسِ عَنْ (مُقَابَلَتِهِمْ عَلَى) ٧ سَفَهِهِمْ، وَأَنَّ وَاجِبَ الْإِنْكَارِ عَلَيْهِمْ. وَعَلَى هَذَا تَكُونُ الآيَةُ محكمة وهو الصحيح٨.
стр. 411
بَابُ: ذِكْرِ الْآيَاتِ اللَّوَاتِي ادُّعِيَ عَلَيْهِنَّ النَّسْخُ فِي سُورَةِ الأَنْفَالِ
ذِكْرُ الْآيَةِ الأُولَى: قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿يَسْأَلونَكَ عَنِ الأَنْفَالِ قُلِ الأَنْفَالُ لِلَّهِ وَالرَّسُولِ﴾ ١.
اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي هَذِهِ الْآيَةِ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ هِيَ نَاسِخَةٌ مِنْ وَجْهٍ وَمَنْسُوخَةٌ مِنْ وَجْهٍ، وَذَلِكَ أَنَّ الْغَنَائِمَ كَانَتْ حَرَامًا فِي شَرَائِعِ الأَنْبِيَاءِ الْمُتَقَدِّمِينَ، فَنَسَخَ اللَّهُ ذَلِكَ بِهَذِهِ الآيَةِ وَجَعَلَ الأَمْرَ فِي الْغَنَائِمِ إِلَى مَا يَرَاهُ الرَّسُولِ ﷺ ثُمَّ نُسِخَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ﴾ ٢.
أَخْبَرَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ أَحْمَدَ، قَالَ: أَبْنَا عُمَرُ بْنُ عُبَيْدِ اللَّهِ، قَالَ: أَبْنَا ابْنُ بِشْرَانَ، قَالَ: أَبْنَا إِسْحَاقُ بْنُ أَحْمَدَ، قَالَ: أَبْنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ، قَالَ: حَدَّثَنِي أَبِي، قال: أبنا وكيع، قال: بنا إِسْرَائِيلُ عَنْ جَابِرٍ عَنْ مُجَاهِدٍ وَعِكْرِمَةَ، قَالا: "كَانَتِ الأَنْفَالُ لِلَّهِ فَنَسَخَهَا: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ﴾ " هَذَا قَوْلُ السُّدِّيِّ٣.
وَقَالَ آخَرُونَ المراد بالأنفال شيئان:
стр. 412
أحدهما: مَا يَجْعَلُهُ النَّبِيُّ ﷺ لِطَائِفَةٍ مِنْ شُجْعَانِ الْعَسْكَرِ وَمُقَدِّمِيهِ، يَسْتَخْرِجُ بِهِ نُصْحَهُمْ وَيُحَرِّضُهُمْ عَلَى الْقِتَالِ.
وَالثَّانِي: مَا يَفَضُلُ مِنَ الْغَنَائِمِ بَعْدَ قِسْمَتِهَا، كَمَا رُوِيَ عَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄ قَالَ: "بَعَثَنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي سَرِيَّةٍ فَغَنِمْنَا إِبِلا، فَأَصَابَ كُلُّ وَاحِدٍ اثْنَيْ عَشَرَ بَعِيرًا، وَنَفَّلَنَا بَعِيرًا بَعِيرًا"١. فَعَلَى هَذَا هِيَ مُحْكَمَةٌ٢؛ لِأَنَّ هَذَا الْحُكْمُ باقٍ إِلَى وَقْتِنَا هَذَا, وَالْعَجَبُ مِمَّنْ يَدَّعِي أَنَّهَا مَنْسُوخَةٌ فَإِنَّ عَامَّةَ، مَا تَضَمَّنَتْ أَنَّ الأَنْفَالَ لِلَّهِ وَالرَّسُولِ. وَالْمَعْنَى: أَنَّهُمَا يَحْكُمَانِ فِيهَا وَقَدْ وَقَعَ الْحُكْمُ فِيهَا بِمَا تَضَمَّنَتْهُ آيَةُ الْخُمُسِ، وَإِنْ أُرِيدَ أَنَّ الأَمْرَ بِنَفْلِ الْجَيْشِ مَا أَرَادَ، فَهَذَا حُكْمٌ باقٍ، فَلا يُتَوَجَّهُ النَّسْخُ بِحَالٍ، وَلا يَجُوزُ أَنْ يُقَالَ عَنْ آيَةٍ: أَنَّهَا مَنْسُوخَةٌ إِلا أَنْ يُرْفَعَ حُكْمُهَا وَحُكْمُ هَذِهِ مَا رُفِعَ فَكَيْفَ يُدَّعَى النَّسْخُ؟ وَقَدْ ذَهَبَ إِلَى نَحْوِ مَا ذَكَرْتُهُ أبو جعفر ابْنُ جَرِيرٍ الطَّبَرِيُّ٣.
ذِكْرُ الآيَةِ الثانية: قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا زَحْفاً فَلا تُوَلُّوهُمُ الأَدْبَارَ، وَمَنْ يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ إلاَّ مُتَحَرِّفاً لِقِتَالٍ﴾ ٤.
стр. 413
وَقَدْ ذَهَبَ قَوْمٌ، مِنْهُمُ: ابْنُ عَبَّاسٍ، وَأَبُو سَعِيدٍ الْخُدْرِيُّ، وَالْحَسَنُ وَابْنُ جُبَيْرٍ، وَقَتَادَةُ وَالضَّحَّاكُ إِلَى أَنَّهَا فِي أَهْلِ بَدْرٍ خَاصَّةً.
أَخْبَرَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ أَحْمَدَ، قَالَ: أَبْنَا عُمَرُ بْنُ عُبَيْدِ اللَّهِ، قَالَ: أَبْنَا ابْنُ بِشْرَانَ، قَالَ: أَبْنَا إِسْحَاقُ بْنُ أَحْمَدَ، قَالَ: بنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَحْمَدَ، قَالَ: حدثني أبي، قال: بنا محمد بن جعفر، قال: بنا شُعْبَةُ عَنْ دَاوُدَ، قَالَ: سَمِعْتُ الشَّعْبِيَّ، يُحَدِّثُ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ: ﴿وَمَنْ يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ﴾ قَالَ: "نَزَلَتْ فِي يَوْمِ بَدْرٍ"١.
قال أحمد: وبنا روح، قال: بنا حَبِيبُ [بْنُ] ٢ الشَّهِيدِ عَنِ الْحَسَنِ، ﴿وَمَنْ يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ إِلاّ مُتَحَرِّفاً لِقِتَالٍ﴾ قَالَ: "نَزَلَتْ فِي أَهْلِ بَدْرٍ"٣.
قال أحمد: وبنا روح، قال: بنا شُعْبَةُ عَنِ الْحَسَنِ، قَالَ٤: إِنَّمَا شَدَّدَ عَلَى أَهْلِ بَدْرٍ.
قَالَ أحمد: وبنا حسين، قال: بنا٥ حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ عَنْ أَيُّوبَ عَنْ عِكْرِمَةَ ﴿وَمَنْ يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ﴾ قال: "يوم بدر"٦.
стр. 414
قُلْتُ: لَفْظُ الآيَةِ عَامٌّ، وَإِنْ كَانَتْ نَزَلَتْ فِي قَوْمٍ بِأَعْيَانِهِمْ، وَقَدْ رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵁ وَغَيْرِهِ أَنَّهَا عَامَّةٌ، ثُمَّ لِهَؤُلاءِ فِيهِ قَوْلانِ:
أَحَدُهُمَا: أَنَّهَا مَنْسُوخَةٌ بِقَوْلِهِ: ﴿فَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِائَةٌ صَابِرَةٌ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ﴾ ١ فَلَيْسَ لِلْمُؤْمِنِينَ أَنْ يَفِرُّوا عَنْ مِثْلَيْهِمْ٢.
قَالَ آخَرُونَ: هِيَ مُحْكَمَةٌ، وَهَذَا هُوَ الصَّحِيحُ، لِأَنَّهَا مُحْكَمَةٌ فِي النَّهْيِ عَنِ الْفِرَارِ٣. فَيُحْمَلُ النَّهْيُ عَلَى مَا إِذَا كَانَ الْعَدُوُّ أَعْلَى] مِنْ [٤ عَدِدِ الْمُسْلِمِينَ وَقَدْ ذَهَبْ إِلَى نَحْوِ هَذَا ابْنُ جَرِيرٍ٥.
ذِكْرُ الآيَةِ الثَّالِثَةِ: قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ﴾ ٦.
стр. 415
أَخْبَرَنَا ابْنُ نَاصِرٍ، قَالَ: أَبْنَا ابْنُ أَيُّوبَ، قَالَ: أَبْنَا ابْنُ شَاذَانَ، قَالَ: أَبْنَا أَبُو بَكْرٍ النَّجَّادُ، قَالَ: أَبْنَا أَبُو دَاوُدَ السجستاني، قال: بنا أحمد بن محمّد، قال: بنا عَلِيُّ بْنُ الْحُسَيْنِ. عَنْ أَبِيهِ عَنْ يَزِيدَ النَّحْوِيِّ عَنْ عِكْرِمَةَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ﴾ نَسَخَتْهَا الآيَةُ الَّتِي بَعْدَهَا ﴿وَمَا لَهُمْ إلاَّ يُعَذِّبَهُمُ اللَّهُ﴾ ١. وَقَدْ رُوِيَ مِثْلُهُ عَنِ الْحَسَنِ وَعِكْرِمَةَ٢.
وَهَذَا الْقَوْلُ لَيْسَ بِصَحِيحٍ، لِأَنَّ النَّسْخَ لا يَدْخُلُ عَلَى الأَخْبَارِ، وَهَذِهِ الآيَةُ بَيَّنَتْ أَنَّ كَوْنَ الرَّسُولِ فِيهِمْ مَنَعَ نُزُولَ الْعَذَابِ بِهِمْ، وَكَوْنَ الْمُؤْمِنِينَ يَسْتَغْفِرُونَ بَيْنَهُمْ مَنَعَ أَيْضًا وَالآيَةُ الَّتِي (تَلِيهَا) ٣ بَيَّنَتِ اسْتِحْقَاقَهُمُ الْعَذَابَ لِصَدِّهِمْ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ، غَيْرَ أَنَّ كَوْنَ الرَّسُولِ وَالْمُؤْمِنِينَ بَيْنَهُمْ مَنَعَ مِنْ تَعْجِيلِ ذَلِكَ، أَوْ عُمُومِهِ، فَالْعَجَبُ مِنْ مُدَعِّي النَّسْخِ٤.
ذِكْرُ الآيَةِ الرَّابِعَةِ: قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَإِنْ جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَهَا﴾ ٥.
стр. 416
اخْتَلَفَ الْمُفَسِّرُونَ فِيمَنْ عُنِيَ بِهَذَهِ الآية على قولين:
أحدهما: أَنَّهُمُ الْمُشْرِكُونَ، وَأَنَّهَا نُسِخَتْ بِآيَةِ السَّيْفِ. وَبَعْضُهُمْ يَقُولُ: بِقَوْلِهِ: ﴿قَاتِلُوا الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ﴾ ١. وَهَذَا مَرْوِيٌّ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَالْحَسَنِ، وَعِكْرِمَةَ، وَقَتَادَةَ فِي آخَرِينَ٢.
أَخْبَرَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ أَحْمَدَ، قَالَ: أَبْنَا عُمَرُ بْنُ عُبَيْدِ اللَّهِ، قَالَ: أَبْنَا ابْنُ بِشْرَانَ، قَالَ أَبْنَا إِسْحَاقُ بْنُ أَحْمَدَ، قَالَ: أَبْنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَحْمَدَ، قال: حدثني أبي، قال: بنا حَجَّاجٌ عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، عَنْ عَطَاءٍ الْخُرَاسَانِيِّ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ ﴿وَإِنْ جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَهَا وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ﴾ فَنَسَخَتْهَا ﴿قَاتِلُوا الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ﴾ الآيَةَ٣.
وَأَخْبَرَنَا ابْنُ نَاصِرٍ، قَالَ: أَبْنَا ابْنُ أَيُّوبَ، قَالَ: أَبْنَا ابْنُ شَاذَانَ، قَالَ (أَبْنَا) ٤ أَبُو بَكْرٍ النَّجَّادُ، قَالَ: أَبْنَا أَبُو دَاوُدَ السِّجِسْتَانِيُّ، قَالَ: أَبْنَا أَحْمَدُ ابن محمّد، قال: بنا عَلِيُّ بْنُ الْحُسَيْنِ عَنْ أَبِيهِ عَنْ يَزِيدَ النَّحْوِيِّ عَنْ عِكْرِمَةَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ ﴿وَإِنْ جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَهَا﴾ ٥ نسختها
стр. 417
﴿قَاتِلُوا الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ﴾ ١ قال أحمد بن محمد: وبنا مُوسَى بْنُ مَسْعُودٍ عَنْ شِبْلٍ عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ عَنْ مُجَاهِدٍ ﴿وَإِنْ جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَهَا﴾ نَسَخَتْهَا ﴿فَاقْتُلُوا المُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ﴾ ٢.
وَالثَّانِي: أَنَّهُمْ أَهْلُ الْكِتَابِ. وَقَالَ مُجَاهِدٌ: "بَنُو قُرَيْظَةَ".
أَخْبَرَنَا عَبْدُ الوهاب، قال: بنا أبو ظاهر قال: بنا شَاذَانَ قَالَ: أَبْنَا عَبْدُ الرَّحِيمِ قال: أبنا إبراهيم تال: بنا آدم قال: بنا وَرْقَاءَ عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ عَنْ مُجَاهِدٍ: ﴿وَإِنْ جَنَحُوا لِلسَّلْمِ﴾ يَعْنِي: قُرَيْظَةَ. فَعَلَى هَذَا الْقَوْلِ إِنْ قُلْنَا: إِنَّهَا نَزَلَتْ فِي تَرْكِ حَرْبِ أَهْلِ الْكِتَابِ٣ إِذَا بَذَلُوا الْجِزْيَةَ وَقَامُوا بِشَرْطِ الذِّمَّةِ فَهِيَ مُحْكَمَةٌ، وَإِنْ قِيلَ: نَزَلَتْ فِي مُوَادَعَتِهِمْ عَلَى غَيْرِ جِزْيَةٍ تَوَجَّهَ النَّسْخُ لَهَا بِآيَةِ الْجِزْيَةِ وَهِيَ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿قَاتِلُوا الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ﴾ الآية٤.
стр. 418
ذِكْرُ الْآيَةِ الْخَامِسَةِ: قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿يَكُنْ مِنْكُمْ عِشْرُونَ صَابِرُونَ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ﴾ ١. قَالَ الْمُفَسِّرُونَ: لَفْظُ هَذَا الْكَلامِ لَفْظُ الْخَبَرِ، وَمَعْنَاهُ الأَمْرُ، وَالْمَرَادُ: يقاتلون مِائَتَيْنِ، وَكَانَ هَذَا فَرْضًا فِي أَوَّلِ الأَمْرِ ثُمَّ نُسِخَ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿الآنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنْكُمْ﴾ ٢، فَفَرَضَ عَلَى الرَّجُلِ أَنْ يَثْبُتَ لِرَجُلَيْنِ (فَإِنْ زَادَ) ٣ جَازَ لَهُ الْفِرَارُ.
أَخْبَرَنَا يَحْيَى بْنُ ثَابِتِ بن بندار، قال: أنبأنا أَبِي، قَالَ: أَبْنَا أَبُو بَكْرٍ الْبَرْقَانِيُّ، قَالَ: أَبْنَا أَحْمَدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الْإِسْمَاعِيلِيُّ، قَالَ: أَخْبَرَنِي الْحَسَنُ، قال: بنا حَيَّانُ، قَالَ: أَبْنَا عَبْدُ اللَّهِ، قَالَ: أَبْنَا جَرِيرُ بْنُ حَازِمٍ، قال: سمعت الزبير ابن الخِرِّيت٤ عَنْ عِكْرِمَةَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ فِي قوله عزوجل:
стр. 419
﴿إِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ عِشْرُونَ صَابِرُونَ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ﴾ قَالَ: فُرِضَ عَلَيْهِمْ أَنْ لا يَفِرَّ رَجُلٌ مِنْ عَشَرَةٍ وَلا قَوْمٌ مِنْ عَشَرَةٍ أَمْثَالَهُمْ، قَالَ: فَجَهَدَ النَّاسَ ذَلِكَ وَشُقَّ عَلَيْهِمْ فَنَزَلَتِ الآيَةُ الأُخْرَى: ﴿الآنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنْكُمْ وَعَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفاً فَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِائَةٌ صَابِرَةٌ﴾ الآيَةَ١ "فُرِضَ عَلَيْهِمْ أَنْ لا يَفِرَّ رَجُلٌ مِنْ رَجُلَيْنِ وَلا قَوْمٌ مِنْ مِثْلَيْهِمْ وَنَقَصَ مِنَ الصَّبْرِ بِقَدْرِ مَا خَفَّفَ مِنَ الْعَدَدِ"٢.
أَخْبَرَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ أَحْمَدَ، قال: بنا عُمَرُ بْنُ عُبَيْدِ اللَّهِ، قَالَ: أبنا ابن بشران، قال: بنا إسحاق بن أحمد، قال: بنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَحْمَدَ، قَالَ: حدثني أبي، قال: بنا حَجَّاجٌ عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ عَنْ عَطَاءٍ الْخُرَاسَانِيِّ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ ﴿إِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ عِشْرُونَ صَابِرُونَ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ﴾ ٣ فَنَسَخَتْهَا ﴿الآنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنْكُمْ﴾ ٤.
أَخْبَرَنَا ابْنُ نَاصِرٍ، قَالَ: أَبْنَا ابْنُ أَيُّوبَ، قَالَ: أَبْنَا ابْنُ شَاذَانَ، قَالَ: أَبْنَا أَبُو بَكْرٍ النَّجَّادُ، قَالَ: أَبْنَا أَبُو دَاوُدَ السِّجِسْتَانِيُّ، قَالَ: أَبْنَا أَحْمَدُ بْنُ محمّد، قال: بنا عَلِيُّ بْنُ الْحُسَيْنِ عَنْ أَبِيهِ عَنْ يَزِيدَ النَّحْوِيِّ عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﴿إِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ عِشْرُونَ صَابِرُونَ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ﴾ نُسِخَ فَقَالَ: ﴿الآنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنْكُمْ﴾ ٥.
стр. 420
أَخْبَرَنَا ابْنُ الْحُصَيْنِ، قَالَ: أَبْنَا ابْنُ غَيْلانَ١ قَالَ: أَبْنَا أَبُو بكر الشافعي، قال: أبنا إسحق بن الحسن، قال: بنا أبو حذيفة قال: بنا سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ عَنْ لَيْثٍ عَنْ عَطَاءٍ: ﴿إِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ عِشْرُونَ صَابِرُونَ﴾ قَالَ: "كَانَ لا يَنْبَغِي لِوَاحِدٍ أَنْ يَفِرَّ مِنْ عَشَرَةٍ فَخَفَّفَ اللَّهُ عَنْهُمْ".
أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْوَهَّابِ الْحَافِظُ قَالَ: أَبْنَا أَبُو طَاهِرٍ الْبَاقِلاوِيُّ، قَالَ: أَبْنَا أَبُو عَلِيِّ بْنُ شَاذَانَ قَالَ: أَبْنَا عَبْدُ الرحمن بن الحسن، قال: بنا إبراهيم ابن الحسين قال: بنا آدم قال: بنا وَرْقَاءَ، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ عَنْ مُجَاهِدٍ، قَالَ: كَانَ قَدْ جُعِلَ عَلَى أَصْحَابِ مُحَمَّدٍ يَوْمَ بَدْرٍ عَلَى كُلِّ رَجُلٍ مِنْهُمْ قِتَالُ عَشَرَةٍ مِنَ الْكُفَّارِ (فَضَجُّوا) ٢ مِنْ ذَلِكَ فَجُعِلَ عَلَى كُلِّ رَجُلٍ قِتَالُ رَجُلَيْنِ فَنَزَلَ التَّخْفِيفُ من اللهعزوجل فَقَالَ: ﴿الآنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنْكُمْ﴾ ٣.
قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ النَّحَّاسُ: وَهَذَا تَخْفِيفٌ لا نَسْخٌ. لِأَنَّ مَعْنَى النَّسْخِ رَفْعُ حُكْمِ الْمَنْسُوخِ وَلَمْ يُرْفَعْ حُكْمُ الأَوَّلِ، لِأَنَّهُ لَمْ يَقُلْ فِيهِ لا يُقَاتِلُ الرَّجُلُ عَشَرَةً بَلْ إِنْ قَدِرَ عَلَى ذَلِكَ فَهُوَ الاخْتِيَارُ لَهُ.
وَنَظِيرُ هَذَا إِفْطَارُ الصَّائِمِ فِي السَّفَرِ، لا يُقَالُ إِنَّهُ نَسَخَ الصَّوْمَ وَإِنَّمَا هُوَ تَخْفِيفٌ وَرُخْصَةٌ (وَالصِّيَامُ) ٤ له أفضل٥.
стр. 421
ذِكْرُ الْآيَةِ السَّادِسَةِ: قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرَى حَتَّى يُثْخِنَ فِي الأَرْضِ﴾ ١.
رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ وَمُجَاهِدٍ فِي آخَرِينَ أَنَّ هَذِهِ الآيَةَ مَنْسُوخَةٌ بِقَوْلِهِ: ﴿فَإِمَّا مَنّاً بَعْدُ وَإِمَّا فِدَاءً﴾ ٢ وَلَيْسَ لِلنَّسْخِ وَجْهٌ لِأَنَّ غُزَاةَ بَدْرٍ كَانَتْ وَفِي الْمُسْلِمِينَ قِلَّةٌ، فَلَمَّا كَثُرُوا وَاشْتَدَّ سُلْطَانُهُمْ نَزَلَتِ الآيَةُ الأُخْرَى، وَيُبَيِّنُ هَذَا قَوْلَهُ: ﴿حَتَّى يُثْخِنَ فِي الأَرْضِ﴾.
стр. 422
قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ النَّحَّاسُ: (لَيْسَ ها هنا نَاسِخٌ وَلا مَنْسُوخٌ، لِأَنَّهُ قَالَ عزوجل ﴿مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرَى حَتَّى يُثْخِنَ فِي الأَرْضِ﴾ فَلَمَّا أَثْخَنَ فِي الأَرْضِ كَانَ لَهُ أَسْرَى١.
ذِكْرُ الآيَةِ السَّابِعَةِ: قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ آوَوْا وَنَصَرُوا أُولَئِكَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يُهَاجِرُوا مَا لَكُمْ مِنْ وَلَايَتِهِمْ مِنْ شَيْءٍ﴾ ٢
قَالَ الْمُفَسِّرُونَ: كَانُوا يَتَوَارَثُونَ بِالْهِجْرَةِ، وَكَانَ الْمُؤْمِنُ الَّذِي لا يُهَاجِرُ (لا يَرِثُ) ٣ قَرِيبَهُ الْمُهَاجِرَ وَذَلِكَ مَعْنَى قَوْلِهِ: ﴿مَا لَكُمْ مِنْ وَلايَتِهِمْ مِنْ شَيْءٍ﴾ ٤.
أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْوَهَّابِ الْحَافِظُ، قَالَ: أَبْنَا أَبُو الْفَضْلِ بْنُ خَيْرُونُ، وَأَبُو طَاهِرٍ الْبَاقِلاوِيُّ، قَالا: أَبْنَا أَبُو عَلِيِّ بْنُ شَاذَانَ، قَالَ: أَبْنَا أَحْمَدُ بْنُ كَامِلٍ، قَالَ: حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ سَعْدٍ الْعَوْفِيُّ، قال: بنا أَبِي، قَالَ: حَدَّثَنِي عَمِّي عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: "كان المؤمنون على
стр. 423
عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ عَلَى ثَلاثَةِ مَنَازِلَ: مِنْهُمُ الْمُؤْمِنُ الْمُهَاجِرُ (الْمُرَافِقُ) ١ لِقَوْمِهِ فِي الْهِجْرَةِ خَرَجَ إِلَى قَوْمٍ مُؤْمِنِينَ فِي دِيَارِهِمْ وَعَقَارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ] وَفِي قَوْلِهِ: وَالَّذِينَ آوَوْا وَنَصَرُوا وَأَعْلَنُوا مَا أَعْلَنَ أَهْلُ الْهِجْرَةِ وَشَهَرُوا السُّيوفَ عَلَى مَنْ كَذَبَ وَجَحَدَ [٢ فَهَذَانَ مُؤْمِنَانِ، وَكَانُوا يَتَوَارَثُونَ إِذَا تُوُفِّيَ الْمُؤْمِنُ الْمُهَاجِرُ بِالْوَلايَةِ فِي الدَّيْنِ، وَكَانَ الَّذِي آمَنَ وَلَمْ يُهَاجِرْ لا يَرِثُ مِنْ أَجْلِ أَنَّهُ لَمْ يُهَاجِرْ، ثُمَّ الحِقَ كُلُّ ذِي رَحِمٍ بِرَحْمِهِ"٣.
أَخْبَرَنَا الْمُبَارَكُ بْنُ عَلِيٍّ، قَالَ: أَبْنَا أَحْمَدُ بْنُ الْحُسَيْنِ بْنِ قُرَيْشٍ، قَالَ: أَبْنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ عُمَرَ الْبَرْمَكِيُّ، قَالَ: أَبْنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ بْنِ الْعَبَّاسِ، قَالَ: بنا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي دَاوُدَ، قال: بنا محمد بن قهزاذ٤ قال: بنا عَلِيُّ بْنُ الْحُسَيْنِ بْنِ وَاقِدٍ، قَالَ: حَدَّثَنِي أَبِي، عَنْ يَزِيدَ النَّحْوِيِّ، عَنْ عِكْرِمَةَ عَنِ ابْنِ
стр. 424
عَبَّاسٍ ﵄ ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يُهَاجِرُوا مَا لَكُمْ مِنْ وَلَايَتِهِمْ مِنْ شَيْءٍ حَتَّى يُهَاجِرُوا﴾ قَالَ: "وَكَانَ الأَعْرَابِيُّ لا يَرِثُ الْمُهَاجِرَ، وَلا يَرِثُهُ الْمُهَاجِرُ، فَنَسَخَهَا، فقال: ﴿وَأُولُوا الأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ﴾ الآيَةِ١.
أَخْبَرَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ أَحْمَدَ، قَالَ: أَبْنَا عُمَرُ بْنُ عُبَيْدِ الله، قال: أبناابن بِشْرَانَ، قَالَ: أَبْنَا إِسْحَاقُ بْنُ أحمد الكاذي، قال: بنا عبد الله ابن أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ، قَالَ: حَدَّثَنِي أبي قال بنا أَبُو سَعِيدٍ مَوْلَى بَنِي هَاشِمٍ، قال: بنا عمر بن فروخ، قال: بنا حَبِيبُ بْنُ الزُّبَيْرِ عَنْ عِكْرِمَةَ: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يُهَاجِرُوا﴾ قَالَ: "لَبِثَ النَّاسُ بُرْهَةً، وَالأَعْرَابِيُّ لا يَرِثُ الْمُهَاجِرَ، وَالْمُهَاجِرُ لا يَرِثُ الأَعْرَابِيَّ حَتَّى فُتِحَتْ مَكَّةُ وَدَخَلَ النَّاسُ فِي الدِّينِ فَأَنْزَلَ الله ﴿وَأُولُوا الأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ﴾ "٢.
وَقَالَ الْحَسَنُ: "كَانَ الأَعْرَابِيُّ لا يَرِثُ الْمُهَاجِرَ وَلا يَرِثُهُ الْمُهَاجِرُ، فنسخها ﴿وَأُولُوا الأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ﴾ "٣.
стр. 425
وَقَدْ ذَهَبَ قَوْمٌ إِلَى أَنَّ الْمُرَادَ بِقَوْلِهِ: ﴿مَا لَكُمْ مِنْ وَلَايَتِهِمْ مِنْ شَيْءٍ﴾ (وَلايَةُ) ١ النُّصْرَةِ وَالْمَوَدَّةِ. قَالُوا ثُمَّ نُسِخَ هَذَا بِقَوْلِهِ: ﴿وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ﴾ ٢.
وَأَمَّا قَوْلُهُ: ﴿وَإِنِ اسْتَنْصَرُوكُمْ فِي الدِّينِ﴾ فَقَالَ الْمُفَسِّرُونَ: إِنِ اسْتَنْصَرَكُمُ الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ لَمْ يُهَاجِرُوا فَانْصُرُوهُمْ إِلا أَنْ يَسْتَنْصِرُوكُمْ عَلَى قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ عَهْدٌ، فَلا تَغْدُرُوا بِأَهْلِ الْعَهْدِ٣.
وَذَهَبَ بَعْضُهُمْ إِلَى أَنَّ الْإِشَارَةَ إِلَى أَحْيَاءٍ مِنْ كُفَّارِ الْعَرَبِ كَانَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مُوَادَعَةٌ، فَكَانَ إِنِ احْتَاجَ إِلَيْهِمْ عَاوَنُوهُ، وَإِنِ احْتَاجُوا عَاوَنَهُمْ فَنُسِخَ ذلك بآية السيف٤.
следующие страницы →