Полный текст (660 стр.). Показаны 421–460 · переход к 426.
стр. 421
ذِكْرُ الْآيَةِ السَّادِسَةِ: قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرَى حَتَّى يُثْخِنَ فِي الأَرْضِ﴾ ١.
رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ وَمُجَاهِدٍ فِي آخَرِينَ أَنَّ هَذِهِ الآيَةَ مَنْسُوخَةٌ بِقَوْلِهِ: ﴿فَإِمَّا مَنّاً بَعْدُ وَإِمَّا فِدَاءً﴾ ٢ وَلَيْسَ لِلنَّسْخِ وَجْهٌ لِأَنَّ غُزَاةَ بَدْرٍ كَانَتْ وَفِي الْمُسْلِمِينَ قِلَّةٌ، فَلَمَّا كَثُرُوا وَاشْتَدَّ سُلْطَانُهُمْ نَزَلَتِ الآيَةُ الأُخْرَى، وَيُبَيِّنُ هَذَا قَوْلَهُ: ﴿حَتَّى يُثْخِنَ فِي الأَرْضِ﴾.
الحواشي
(٦٧) من سورة الأنفال.
٢ الآية الرابعة من سورة محمد. روى هذا القول النحاس بإسناده عن ابن عباس من طريق علي بن أبي طلحة، وذكره مكي بن أبي طالب بدون إسناد، عنه. انظر: الناسخ والمنسوخ ص:١٥٦؛ والإيضاح لناسخ القرآن ومنسوخه(٢٦٥) .стр. 422
قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ النَّحَّاسُ: (لَيْسَ ها هنا نَاسِخٌ وَلا مَنْسُوخٌ، لِأَنَّهُ قَالَ عزوجل ﴿مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرَى حَتَّى يُثْخِنَ فِي الأَرْضِ﴾ فَلَمَّا أَثْخَنَ فِي الأَرْضِ كَانَ لَهُ أَسْرَى١.
ذِكْرُ الآيَةِ السَّابِعَةِ: قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ آوَوْا وَنَصَرُوا أُولَئِكَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يُهَاجِرُوا مَا لَكُمْ مِنْ وَلَايَتِهِمْ مِنْ شَيْءٍ﴾ ٢
قَالَ الْمُفَسِّرُونَ: كَانُوا يَتَوَارَثُونَ بِالْهِجْرَةِ، وَكَانَ الْمُؤْمِنُ الَّذِي لا يُهَاجِرُ (لا يَرِثُ) ٣ قَرِيبَهُ الْمُهَاجِرَ وَذَلِكَ مَعْنَى قَوْلِهِ: ﴿مَا لَكُمْ مِنْ وَلايَتِهِمْ مِنْ شَيْءٍ﴾ ٤.
أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْوَهَّابِ الْحَافِظُ، قَالَ: أَبْنَا أَبُو الْفَضْلِ بْنُ خَيْرُونُ، وَأَبُو طَاهِرٍ الْبَاقِلاوِيُّ، قَالا: أَبْنَا أَبُو عَلِيِّ بْنُ شَاذَانَ، قَالَ: أَبْنَا أَحْمَدُ بْنُ كَامِلٍ، قَالَ: حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ سَعْدٍ الْعَوْفِيُّ، قال: بنا أَبِي، قَالَ: حَدَّثَنِي عَمِّي عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: "كان المؤمنون على
الحواشي
(٧٢) من سورة الأنفال.
٣ في (هـ): لم يرث.
٤ جزء من آية(٧٢) من سورة الأنفال.стр. 423
عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ عَلَى ثَلاثَةِ مَنَازِلَ: مِنْهُمُ الْمُؤْمِنُ الْمُهَاجِرُ (الْمُرَافِقُ) ١ لِقَوْمِهِ فِي الْهِجْرَةِ خَرَجَ إِلَى قَوْمٍ مُؤْمِنِينَ فِي دِيَارِهِمْ وَعَقَارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ] وَفِي قَوْلِهِ: وَالَّذِينَ آوَوْا وَنَصَرُوا وَأَعْلَنُوا مَا أَعْلَنَ أَهْلُ الْهِجْرَةِ وَشَهَرُوا السُّيوفَ عَلَى مَنْ كَذَبَ وَجَحَدَ [٢ فَهَذَانَ مُؤْمِنَانِ، وَكَانُوا يَتَوَارَثُونَ إِذَا تُوُفِّيَ الْمُؤْمِنُ الْمُهَاجِرُ بِالْوَلايَةِ فِي الدَّيْنِ، وَكَانَ الَّذِي آمَنَ وَلَمْ يُهَاجِرْ لا يَرِثُ مِنْ أَجْلِ أَنَّهُ لَمْ يُهَاجِرْ، ثُمَّ الحِقَ كُلُّ ذِي رَحِمٍ بِرَحْمِهِ"٣.
أَخْبَرَنَا الْمُبَارَكُ بْنُ عَلِيٍّ، قَالَ: أَبْنَا أَحْمَدُ بْنُ الْحُسَيْنِ بْنِ قُرَيْشٍ، قَالَ: أَبْنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ عُمَرَ الْبَرْمَكِيُّ، قَالَ: أَبْنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ بْنِ الْعَبَّاسِ، قَالَ: بنا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي دَاوُدَ، قال: بنا محمد بن قهزاذ٤ قال: بنا عَلِيُّ بْنُ الْحُسَيْنِ بْنِ وَاقِدٍ، قَالَ: حَدَّثَنِي أَبِي، عَنْ يَزِيدَ النَّحْوِيِّ، عَنْ عِكْرِمَةَ عَنِ ابْنِ
стр. 424
عَبَّاسٍ ﵄ ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يُهَاجِرُوا مَا لَكُمْ مِنْ وَلَايَتِهِمْ مِنْ شَيْءٍ حَتَّى يُهَاجِرُوا﴾ قَالَ: "وَكَانَ الأَعْرَابِيُّ لا يَرِثُ الْمُهَاجِرَ، وَلا يَرِثُهُ الْمُهَاجِرُ، فَنَسَخَهَا، فقال: ﴿وَأُولُوا الأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ﴾ الآيَةِ١.
أَخْبَرَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ أَحْمَدَ، قَالَ: أَبْنَا عُمَرُ بْنُ عُبَيْدِ الله، قال: أبناابن بِشْرَانَ، قَالَ: أَبْنَا إِسْحَاقُ بْنُ أحمد الكاذي، قال: بنا عبد الله ابن أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ، قَالَ: حَدَّثَنِي أبي قال بنا أَبُو سَعِيدٍ مَوْلَى بَنِي هَاشِمٍ، قال: بنا عمر بن فروخ، قال: بنا حَبِيبُ بْنُ الزُّبَيْرِ عَنْ عِكْرِمَةَ: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يُهَاجِرُوا﴾ قَالَ: "لَبِثَ النَّاسُ بُرْهَةً، وَالأَعْرَابِيُّ لا يَرِثُ الْمُهَاجِرَ، وَالْمُهَاجِرُ لا يَرِثُ الأَعْرَابِيَّ حَتَّى فُتِحَتْ مَكَّةُ وَدَخَلَ النَّاسُ فِي الدِّينِ فَأَنْزَلَ الله ﴿وَأُولُوا الأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ﴾ "٢.
وَقَالَ الْحَسَنُ: "كَانَ الأَعْرَابِيُّ لا يَرِثُ الْمُهَاجِرَ وَلا يَرِثُهُ الْمُهَاجِرُ، فنسخها ﴿وَأُولُوا الأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ﴾ "٣.
الحواشي
(٧٥) من الأنفال، و(٦) من الأحزاب.
والأثر، رواه ابن جرير بإسناده عن عكرمة، وفي إسناده كإسناد المؤلف علي بن الحسين، قال المنذري، عنه: وقد ضعف، وقال الحافظ في التقريب ص: ٢٤٥، صدوق له أوهام. انظر: جامع البيان١٠/ ٣٨.
٢ ذكره النحاس بالاختصار وعزاه إلى العلماء كما روي دعوى النسخ عن عكرمة، وذكر هذا الأثر مكي بن أبي طالب عن عكرمة أيضاً وابن أبي حاتم في إسناده عنه، في تفسيره. انظر: الناسخ والمنسوخ ص: ١٥٧ - ١٥٨؛ والإيضاح لناسخ القرآن ومنسوخه ص: ٢٦٤؛ وتفسير ابن أبي حاتم المخطوط عند ذكر هذه الآية من سورة الأنفال وهي تقع في المجلد الخامس، ج(٤) تقسيم(١) .
٣ أخرجه الطبري بإسناده عن الحسن في المصدر السابق.стр. 425
وَقَدْ ذَهَبَ قَوْمٌ إِلَى أَنَّ الْمُرَادَ بِقَوْلِهِ: ﴿مَا لَكُمْ مِنْ وَلَايَتِهِمْ مِنْ شَيْءٍ﴾ (وَلايَةُ) ١ النُّصْرَةِ وَالْمَوَدَّةِ. قَالُوا ثُمَّ نُسِخَ هَذَا بِقَوْلِهِ: ﴿وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ﴾ ٢.
وَأَمَّا قَوْلُهُ: ﴿وَإِنِ اسْتَنْصَرُوكُمْ فِي الدِّينِ﴾ فَقَالَ الْمُفَسِّرُونَ: إِنِ اسْتَنْصَرَكُمُ الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ لَمْ يُهَاجِرُوا فَانْصُرُوهُمْ إِلا أَنْ يَسْتَنْصِرُوكُمْ عَلَى قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ عَهْدٌ، فَلا تَغْدُرُوا بِأَهْلِ الْعَهْدِ٣.
وَذَهَبَ بَعْضُهُمْ إِلَى أَنَّ الْإِشَارَةَ إِلَى أَحْيَاءٍ مِنْ كُفَّارِ الْعَرَبِ كَانَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مُوَادَعَةٌ، فَكَانَ إِنِ احْتَاجَ إِلَيْهِمْ عَاوَنُوهُ، وَإِنِ احْتَاجُوا عَاوَنَهُمْ فَنُسِخَ ذلك بآية السيف٤.
الحواشي
(٧١) من سورة التوبة.
٣ أخرج نحوه الطبري في جامع البيان١٠/ ٣٨ عن ابن عباس من طريق علي بن أبي طلحة، وبه فسر المؤلف الآية في زاد المسير٣/ ٣٨٥، وذكره ابن كثير أيضاً عن ابن عباس في تفسيره عند ذكر هذه الآية.
٤ ذكر هذا القول هبة الله بن سلامة، في الجزء الأخير من هذه الآية. انظر: الناسخ والمنسوخ له ص ٥٠.
قلت: عرض المؤلف دعوى النسخ في موضعين من الآية، ففي الجزء الأول نراه يسرد آراء العلماء ولا يبدي رأيه كما فعل ذلك في مختصر عمدة الراسخ وفي تفسيره. وأما في الجزء الأخير فلم يتعرض لدعوى النسخ في كتابيه أصلاً بل فسر الآية بما يؤيد إحكامها.
وأما ابن جرير، ﵀، فيسوق الآثار الصحيحة عن ابن عباس وقتادة على نسخ الآية، ثم يناقشها وأثبت إحكام جميع الآية فيقول: "لا ناسخ في هذه الآيات لشيء، ولا منسوخ". وكذلك استبعد الإمام فخر الرازي جميع التفاسير المؤيدة للنسخ ورجح إحكامها. انظر: زاد المسير ٣/ ٣٨٥؛ وجامع البيان١٠/ ٤٠؛ والتفسير الكبير ٤/ ٥٨٠.стр. 426
بَابُ: ذِكْرِ الْآيَاتِ اللَّوَاتِي ادُّعِيَ عَلَيْهِنَّ النَّسْخُ فِي سُورَةِ التَّوْبَةِ ١
ذِكْرُ الْآيَةِ الأُولَى: قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿فَسِيحُوا فِي الأرْضِ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ﴾ ٢.
زَعَمَ بَعْضُ نَاقِلِي التَّفْسِيرِ مِمَّنْ لا يَدْرِي مَا يَنْقُلُ: أَنَّ التَّأْجِيلَ مَنْسُوخٌ بِآيَةِ السَّيْفِ٣. وَقَالَ بَعْضُهُمْ مَنْسُوخٌ بِقَوْلِهِ: ﴿فَانْبِذْ إِلَيْهِمْ عَلَى سَوَاءٍ﴾ ٤ وَهَذَا سُوءُ فَهْمٍ، وَخِلافٌ لِمَا عَلَيْهِ الْمُفَسِّرُونَ، فَإِنَّ الْمُفَسِّرِينَ اخْتَلَفُوا فِيمَنْ جُعِلَتْ لَهُ هَذِهِ الأَشْهُرُ على أربعة أقوال:
أحدها: أَنَّهَا أَمَانٌ لِأَصْحَابِ الْعَهْدِ، فَمَنْ كَانَ عَهْدُهُ أَكْثَرَ مِنْهَا حُطَّ إِلَيْهَا، وَمَنْ كَانَ عَهْدُهُ أَقَلَّ مِنْهَا رُفِعَ إِلَيْهَا، وَمَنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ عَهْدٌ فَأَجَلُهُ انْسِلاخُ الْمُحَرَّمِ خَمْسُونَ لَيْلَةً. وَهَذَا قَوْلُ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَقَتَادَةَ وَالضَّحَّاكِ٥ وَإِنَّمَا كَانَ هَذَا الأَجَلُ خَمْسِينَ لَيْلَةً، لِأَنَّ هَذِهِ الآيَاتِ نُودِيَ بِهَا يَوْمَ عَرَفَةَ، وَقِيلَ يَوْمَ النَّحْرِ.
الحواشي
(٥١) وابن حزم الأنصاري في معرفة الناسخ والمنسوخ ص: ٢٤٠.
٤ الآية(٥٨) من سورة الأنفال.
٥ أورد هذا القول عن هؤلاء بنصه المؤلف في زاد المسير ٣/ ٣٩٤. وقد أخرج الطبري نحوه عن ابن عباس من طريقين في جامع البيان ١٠/ ٩:
أحدهما: من طريق علي بن أبي طلحة.
والثاني: من طريق آل العوفية وهو إسناد مسلسل بالضعفاء، ورواه عن قتادة والضحاك، كما روى نحوه النحاس عن الضحاك بسند ضعيف، في ناسخه(١٦٢) لأن فيه جوبير، يقول الحافظ عنه في التقريب(٥٨) : ضعيف جداً.стр. 427
وَالثَّانِي: أَنَّهَا لِلْمُشْرِكِينَ كَافَّةً مَنْ لَهُ عَهْدٌ وَمَنْ لَيْسَ لَهُ عهد، قاله مجاهد والقرظي وَالزُّهْرِيُّ١.
وَالثَّالِثُ: أَنَّهَا أَجَلُ مَنْ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، قَدْ أَمَّنَهُ أَقَلَّ مِنْ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ، وَكَانَ أَمَانُهُ غَيْرَ مَحْدُودٍ، فَأَمَّا مَنْ لا أَمَانَ لَهُ فَهُوَ حَرْبٌ، قَالَهُ ابْنُ إِسْحَاقَ٢.
وَالرَّابِعُ: أَنَّهَا أَمَانٌ لِمَنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ أَمَانٌ وَلا عُهُودَ، فَأَمَّا أَرْبَابُ الْعَهْدِ فَهُمْ عَلَى عُهُودِهِمْ. قَالَهُ ابْنُ السَّائِبِ٣. وَيُؤَكِّدُهُ أَنَّ عَلِيًّا ﵇ نَادَى يَوْمَئِذٍ: "وَمَنْ كَانَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ عَهْدٌ، فَعَهْدُهُ إلى
الحواشي
(٣٩٠) ومقدمة أصول التفسير لابن تيمية ص: ٥٦ - ٥٧.
٣ ذكر نحوه النحاس في ناسخه ص: ١٦٢، وقال: هذا أحسن ما قيل في الآية. وذكره المؤلف في زاد المسير٣/ ٣٩٤ فعزاه إلى ابن السائب.стр. 428
مُدَّتِهِ"١ وَقَوْلُهُ: ﴿فَإِذَا انْسَلَخَ الأشْهُرُ الْحُرُمُ﴾ ٢ قَالَ الْحَسَنُ: يَعْنِي الأَشْهُرَ الَّتِي قِيلَ لَهُمْ فِيهَا ﴿فَسِيحُوا فِي الأرْضِ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ﴾ ٣ وَعَلَى هَذَا الْبَيَانِ فَلا نَسْخَ أَصْلا.
وَقَدْ قَالَ بَعْضُ الْمُفَسِّرِينَ: الْمُرَادُ بِالأَشْهُرِ الْحُرُمِ: رَجَبٌ، وَذُو الْقِعْدَةِ، وَذُو الْحِجَّةِ، وَالْمُحَرَّمُ٤. وَهَذَا كَلامٌ غَيْرُ مُحَقَّقٍ. لِأَنَّ الْمُشْرِكِينَ إِنَّمَا قِيلَ لَهُمْ ﴿فَسِيحُوا فِي الأرْضِ﴾ فِي ذِي الْحِجَّةِ، فَمَنْ لَيْسَ لَهُ عَهْدٌ يَجُوزُ قَتْلُهُ بَعْدَ الْمُحَرَّمِ، وَمَنْ لَهُ عَهْدٌ فَمُدَّتُهُ آخِرَ عَهْدِهِ فَلَيْسَ لِذِكْرِ رَجَبٍ ها هنا معنى٥.
الحواشي
(١) ١ أخرجه النحاس في ناسخه ص: ١٦٢، عن علي ﵁، وذكر نحوه السيوطي في الدر المنثور٢/ ٣٠٩ وعزاه إلى ابن أبي حاتم عن سعد بن أبي وقاص ﵁ وإلى أحمد والنسائي وابن المنذر وابن مردويه عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁، وفي رواية عنه: (فأجله أربعة أشهر).
٢ الآية الخامسة من التوبة.
٣ ذكره المؤلف في زاد المسير٣/ ٣٩٨ عن الحسن. وذكره السيوطي في الدر المنثور ٣/ ٢١٣ وعزاه إلى أبي الشيخ عن مجاهد ﵁.
٤ ذكره المؤلف في المصدر السابق وعزاه إلى الأكثرين.
٥ قلت: لم يتعرض المؤلف إلى دعوى النسخ في مختصر عمدة الراسخ ولا في تفسيره عند ذكر هذه الآية، إنما عرض الآراء في تفسيره كما عرضها هنا، وقد سبقه في رد دعوى النسخ هنا، أبو جعفر النحاس في ناسخه ص: ١٦٥، ومكي بن أبي طالب في الإيضاح ص:٢٦٦، ويقول المكي في نهاية المناقشة: "وكان حق هذا أن لا يدخل في الناسخ والمنسوخ لأنه لم ينسخ قرآناً متلواً إنما نسخ أمراً رآه النبيصلى الله عليه وسلم، وأشياء كانوا عليها مما لا يرضاه الله، والقرآن كله ناسخ لما كانوا عليه إلا ما أقرهم النبي ﷺ " انتهى.стр. 429
ذِكْرُ الْآيَةِ الثَّانِيَةِ: قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿فَإِذَا انْسَلَخَ الأشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ﴾ ١ قَدْ ذَكَرُوا فِي هَذِهِ الآيَةِ ثلاثة أقوال:
أحدها: أَنَّ حُكْمَ الأُسَارَى كَانَ وُجُوبَ قَتْلِهِمْ ثُمَّ نُسِخَ بِقَوْلِهِ: ﴿فَإِمَّا مَنّاً بَعْدُ وَإِمَّا فِدَاءً﴾ ٢ قَالَهُ الْحَسَنُ، وَعَطَاءٌ وَالضَّحَّاكُ (فِي آخَرِينَ) ٣، وَهَذَا يَرُدُّهُ قَوْلُهُ: ﴿وَخُذُوهُمْ﴾ وَالثَّانِي: بِالْعَكْسِ فَإِنَّهُ كَانَ الْحُكْمُ فِي الأُسَارَى، أَنَّهُ لا يَجُوزُ قَتْلُهُمْ صَبْرًا، وَإِنَّمَا يَجُوزُ الْمَنُّ أَوِ الْفِدَاءُ، بِقَوْلِهِ: ﴿فَإِمَّا مَنّاً بَعْدُ وَإِمَّا فِدَاءً﴾ ٤ ثُمَّ نُسِخَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ ﴿فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ﴾ ٥. قاله مجاهد وقتادة٦.
الحواشي
(١٦٤) ؛ والإيضاح لناسخ القرآن ومنسوخه(٢٦٧) .
٤ الآية الرابعة من سورة محمّد.
٥ الآية الخامسة من سورة التوبة.
٦ ذكر المؤلف في زاد المسير ٣/ ٣٩٩، هذا القول عن مجاهد، وقتادة. وأما مكي بن أبي طالب، فحكى عن قتادة أن هذه الآية محكمة ناسخة لقوله: ﴿فَإِمَّا مَنّاً بَعْدُ وَإِمَّا فِدَاءً﴾ ثم قال: نقلاً عن ابن زيد: "الآيتان محكمتان غير منسوختين، ومعنى آية براءة أنه تعالى ذكره أمر بقتل المشركين حيث وجدوا، ثم قال: ﴿وَخُذُوهُمْ﴾ يعني: أساري القتل أو المن أو الفداء". انظر: الإيضاح ص: ٣٦٧.стр. 430
وَالثَّالِثُ: أَنَّ الآيَتَيْنِ مُحْكَمَتَانِ، لِأَنَّ قوله ﴿فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ﴾ أمر بالقتل وقوله: ﴿وَخُذُوهُمْ﴾ أَيِ: ائْسِرُوهُمْ، فَإِذَا حَصَلَ الأَسِيرُ فِي يَدِ الْإِمَامِ فَهُوَ مُخَيَّرٌ إِنْ شَاءَ مَنَّ عَلَيْهِ وَإِنْ شَاءَ فَادَاهُ، وَإِنْ شَاءَ قَتَلَهُ صبراً، أي ذلك رأي فيه المصلحة للمسلمين. فعلى هَذَا قَوْلُ جَابِرِ بْنِ زَيْدٍ، وَعَلَيْهِ عَامَّةُ الْفُقَهَاءِ١.
وَقَدْ ذَكَرَ بَعْضُ مَنْ لا فَهْمَ لَهُ مِنْ نَاقِلِي التَّفْسِيرِ أَنَّ هَذِهِ الآيَةَ وَهِيَ آيَةُ السَّيْفِ نَسَخَتْ مِنَ الْقُرْآنِ مِائَةً وَأَرْبَعًا وَعِشْرِينَ آيَةً ثُمَّ صَارَ آخِرَهَا نَاسِخًا لِأَوَّلِهَا، وَهُوَ قَوْلُهُ: (فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلاةَ، وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَخَلُّوا سبيلهم) ٢. وَهَذَا سُوءُ فَهْمٍ. لِأَنَّ الْمَعْنَى: اقْتُلُوهُمْ وَأْسِرُوهُمْ إِلا أَنْ يَتُوبُوا مِنْ شِرْكِهِمْ، وَيُقِرُّوا بِالصَّلاةِ وَالزَّكَاةِ فخلوا سبيلهم ولا تقتلوهم٣.
الحواشي
(٥١) ويذكر السيوطي في الدر المنثور٢/ ٢١٣: "أن الجزء الأخير من الآية نسخ واستثني من الجزء الأول". وعزا هذا القول إلى أبي داود في ناسخه: وأورد مكي بن أبي طالب في ناسخه(٢٦٩) مثل هذا القول عن ابن حبيب، ثم رد عليه بقوله: "لا يجوز في هذا نسخ، لأنها أحكام الأصناف من الكفار، حكم الله على قوم بالقتل إذا أقاموا على كفرهم، وحكم لقوم بأنهم إذا آمنوا وتابوا أن لا يعرض لهم، وأخبرنا بالرحمة والمغفرة لهم، وحكم لمن استجار بالنبي ﵇ وأتاه، أن يجيره ويبلغه إلى موضع يأمن فيه، فلا استثناء في هذا إذ لا حرف فيه للاستثناء ولا نسخ فيه إنما كل آية في حكم منفرد، وفي صنف غير الصنف الآخر، فذكر النسخ في هذا وهم وغلط ظاهر وعلينا أن نتبين الحق والصواب".
٣ قلت: لم يتعرض المؤلف في مختصر عمدة الراسخ لذكر هذه الآية أصلاً لشدة ضعف قول النسخ فيها.стр. 431
ذِكْرُ الْآيَةِ الثَّالِثَةِ: قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿إِلاّ الَّذِينَ عَاهَدْتُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ فَمَا اسْتَقَامُوا لَكُمْ فَاسْتَقِيمُوا لَهُمْ﴾ ١. فِي الْمُشَارِ إِلَيْهِمْ بِهَذِهِ الْمُعَاهَدَةِ ثلاثة أقوال:
أحدها: أَنَّهُمْ بَنُو ضَمْرَةَ٢.
وَالثَّانِي: قُرَيْشٌ. رُوِيَ الْقَوْلانِ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا٣. وَقَالَ قَتَادَةُ: هُمْ مُشْرِكُو قُرَيْشٍ الَّذِينَ عَاهَدَهُمْ نَبِيُّ اللَّهِ زَمَنَ الْحُدَيْبِيَةِ فَنَكَثُوا وَظَاهَرُوا الْمُشْرِكِينَ٤.
وَالثَّالِثُ: أَنَّهُمْ خُزَاعَةُ دَخَلُوا فِي عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ لَمَّا عَاهَدَ الْمُشْرِكِينَ يَوْمَ الْحُدَيْبِيَةِ. وَهَذَا قَوْلُ مُجَاهِدٍ٥. وَقَوْلُهُ: ﴿فَمَا اسْتَقَامُوا لَكُمْ﴾ أَيْ: مَا أَقَامُوا عَلَى الْوَفَاءِ بعهدهم ﴿فَاسْتَقِيمُوا لَهُمْ﴾ قَالَ بَعْضُ الْمُفَسِّرِينَ: ثُمَّ نُسِخَ هذا بآية السيف٦.
الحواشي
(٥١) من المنسوخة، وأعرض عنه ابن حزم والنحاس ومكي بن أبي طالب. أما المؤلف فأورد قول النسخ في زاد المسير٣/ ٤٠١، ومختصر عمدة الراسخ الورقة الثامنة، بقوله: (زعم بعض المفسرين) وهذا يدل على عدم قبوله لدعوى النسخ والله أعلم.стр. 432
ذِكْرُ الْآيَةِ الرَّابِعَةِ: قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلا يُنْفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ الله﴾ ١.
اخْتَلَفَ الْمُفَسِّرُونَ فِي هَذِهِ الْآيَةِ على ثلاثة أقوال:
أحدها: أَنَّهَا عَامَّةٌ فِي أَهْلِ الْكِتَابِ وَالْمُسْلِمِينَ، قَالَهُ (أَبُو ذَرٍّ) ٢ وَالضَّحَّاكُ.
وَالثَّانِي: أَنَّهَا خَاصَّةٌ فِي أَهْلِ الْكِتَابِ، قَالَهُ مُعَاوِيَةُ بْنُ أَبِي سُفْيَانَ٣.
وَالثَّالِثُ: أَنَّهَا فِي الْمُسْلِمِينَ، قَالَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ٤ وَالسُّدِّيُّ، وَفِي المراد بالإنفاق ها هنا قولان:
الحواشي
(٣٤) من سورة التوبة.
٢ في (م): ذز، وهو تصحيف.
أما أبو ذر، فهو: الصحابي الجليل المشهور بأبي ذر الغفاري اسمه: جندب بن جنادة على الصحيح، أسلم قديماً، وهاجر متأخراً فلم يشهد بدراً، وكان يوازي ابن مسعود في العلم مات سنة ٣٢هـ في خلافة عثمان. انظر: تهذيب التهذيب ١٢/ ٩٠ - ٩١؛ والتقريب(٤٥٥) ، وقد أخرج الطبري بإسناده، قول أبي ذر الغفاري ﵁ هذا في جامع البيان ١٠/ ٨٦.
٣ أما معاوية بن أبي سفيان، فهو صخر بن أمية الأموي القرشي، أسلم يوم الفتح، وكان هو وأبوه من المؤلفة قلوبهم وحسن إسلامهما وكتب لرسول الله ﷺ ، واستخلفه أبو بكر على الشام، توفي سنة ٦٠هـ، وهو ابن ثمانين. انظر: أسد الغابة٤/ ٣٨٥ - ٣٨٨ وقد أخرج الطبري قوله هذا من طريق زيد بن وهب في جامع البيان المصدر السابق.
٤ أخرج الطبري في المصدر نفسه هذا القول عن ابن عباس من طريقين.стр. 433
أحدهما: إِخْرَاجُ الزَّكَاةِ، وَهَذَا مَذْهَبُ الْجُمْهُورِ، وَالْآيَةُ عَلَى هَذَا مُحْكَمَةٌ.
أَخْبَرَنَا عَبْدُ الأَوَّلِ بْنُ عِيسَى١، قَالَ: أَبْنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ الْفَارِسِيُّ٢، قَالَ: أَبْنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بن أبي شريح، قَالَ: أَبْنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ محمد البغوي، قال: بنا الْعَلاءُ بْنُ مُوسَى الْبَاهِلِيُّ، قَالَ: "أَبْنَا اللَّيْثُ بْنُ سَعْدٍ، عَنْ نَافِعٍ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ، قَالَ: (مَا كَانَ مِنْ مال تؤدي زكاته فإنه ليس بكنز" وإن٣ "كان مدفوناً وما ليس مدفوناً لا تُؤَدَّى زَكَاتُهُ، فَإِنَّهُ الْكَنْزُ الَّذِي ذكره الله ﵇ فِي كِتَابِهِ"٤.
وَالثَّانِي: أَنَّ الْمُرَادَ بِالإِنْفَاقِ إِخْرَاجُ مَا فَضُلَ عَنِ الْحَاجَةِ، وَقَدْ زَعَمَ بَعْضُ (نَقَلَةِ) ٥ التَّفْسِيرِ: أَنَّهُ كَانَ يَجِبُ عَلَيْهِمْ إِخْرَاجُ ذَلِكَ فِي أَوَّلِ الْإِسْلامِ، ثُمَّ نُسِخَ بِالزَّكَاةِ، وَفِي (هَذَا) ٦ القول (بعد) ٧.
الحواشي
(١) ١ أما عبد الأول، فهو: أبو الوقت عبد الأول عيسى ابن شعيب، من مشايخ ابن الجوزي، ولد سنة ٤٥٨هـ، وسمع خلقاً كثيراً، هو مسند الدنيا في وقته الصوفي الزاهد قدم إلى بغداد سنة (٥٥٢هـ) يريد الحج فسمع الناس بها عليه صحيح البخاري لعلو إسناده وتوفي سنة ٥٥٣هـ. انظر: ترجمته في مشيخة ابن الجوزي ص: ٧٤ - ٧٦؛ والنجوم الزاهرة ٥/ ٣٢٨ - ٣٢٩.
٢ في (هـ): هنا، كلمة (أنها) زيادة من الناسخ.
٣ في (هـ): ولو، وفي (م) كما أثبت وكذا في لفظ الطبري.
٤ رواه الإمام مالك في موطّئه ٢/ ٣٣٣ بشرح الزرقاني، والطبري في جامع البيان ١٠/ ٨٣ بسند صحيح عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ ﵄.
٥ في (هـ): نقله، وهو تصحيف.
٦ في (م): في هذه، بالتأنيث. وهو خطأ من الناسخ.
٧ في (هـ): بعدر، وهو تحريف. ذكر دعوى النسخ هنا ابن سلامة في ناسخه ص: ٥١.стр. 434
وَقَدْ أَخْبَرَنَا الْمُبَارَكُ بْنُ عَلِيٍّ، قَالَ: أَبْنَا أَحْمَدُ بْنُ الْحُسَيْنِ بْنِ قُرَيْشٍ، قَالَ: أَبْنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ عُمَرَ الْبَرْمَكِيُّ، قَالَ: أَبْنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ بْنِ الْعَبَّاسِ، قَالَ: أَبْنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أبي داود قال: بنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَعِيدٍ قَالَ أبنا أبو أسامة عن عُمَرَ بْنِ رَاشِدٍ، أَوْ غَيْرُهُ أَنَّ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ (وعراك) ١ ابن مَالِكٍ قَالا فِي هَذِهِ الآيَةِ: ﴿وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّة﴾ نَسَخَتْهَا الآيَةُ الأُخْرَى ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً﴾ ٢.
ذِكْرُ الْآيَةِ الْخَامِسَةِ: قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿إِلاّ تَنْفِرُوا يُعَذِّبْكُمْ عَذَاباً أَلِيماً﴾ ٣.
أَخْبَرَنَا ابْنُ نَاصِرٍ، قَالَ: أَبْنَا عَلِيُّ بْنُ أَيُّوبَ، قَالَ: أَبْنَا بْنُ شَاذَانَ، قَالَ: أَبْنَا أَبُو بَكْرٍ النَّجَّادُ، قَالَ: أَبْنَا أَبُو داود السجستاني، قال: بنا أحمد ابن محمد قال: بنا عَلِيُّ بْنُ الْحُسَيْنِ، عَنْ أَبِيهِ عَنْ يَزِيدَ النَّحْوِيِّ عَنْ عِكْرِمَةَ
الحواشي
(٣٣٧) .
٢ الآية(١٠٣) من سورة التوبة. وقد ذكر السيوطي في الدر المنثور٣/ ٢٣٢ - ٢٣٣، هذا القول وعزاه إلى ابن أبي حاتم وأبي الشيخ عن عراك بن مالك وعمر بن عبد العزيز، وذكره أيضاً مكي بن أبي طالب عن عمر بن عبد العزيز، ثم قال: (ومن حمل قوله ﴿وَلا يُنْفِقُونَهَا﴾ على معنى: ولا ينفقون الواجب عليهم منها، قال: هي محكمة منصوصة في الزكاة). انظر: الإيضاح ص: ٢٧٢ - ٢٧٣.
قلت: ولم يتعرض لدعوى النسخ هنا الطبري ولا النحاس، ولا المؤلف في مختصر عمدة الراسخ.
٣ الآية(٣٩) من سورة التوبة.стр. 435
عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ ﴿إِلاّ تَنْفِرُوا يُعَذِّبْكُمْ عَذَاباً أَلِيماً﴾ نَسَخَتْهَا ﴿وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كَافَّةً﴾ ١.
وَقَدْ رُوِيَ مِثْلُ هَذَا عَنِ الْحَسَنِ وَعِكْرِمَةَ٢ وَهَذَا لَيْسَ بِصَحِيحٍ، لِأَنَّهُ لا تَنَافِيَ بَيْنَ الآيَتَيْنِ، وَإِنَّمَا حُكْمُ كُلِّ آيَةٍ قَائِمٌ في موضعها. فإن قلنا: إن قوله: ﴿إِلاّ تَنْفِرُوا﴾ أُرِيدَ بِهِ غَزْوَةُ٣ تَبُوكٍ فَإِنَّهُ كَانَ قَدْ فُرِضَ عَلَى النَّاسِ كَافَّةً النَّفِيرُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، وَلِهَذَا عَاتَبَ الْمُخَلَّفِينَ وَجَرَتْ قِصَّةُ الثَّلاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا٤.
وَإِنْ قُلْنَا: إِنَّ الَّذِينَ اسْتَنْفَرُوا حَيٌّ مِنَ الْعَرَبِ مَعْرُوفٌ كَمَا ذَكَرْنَا فِي التَّفْسِيرِ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، فَإِنَّهُ قَالَ: اسْتَنْفَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ حَيًّا مِنْ أَحْيَاءِ الْعَرَبِ فَتَثَاقَلُوا عَنْهُ، وَأَمْسَكَ عَنْهُمُ الْمَطَرُ فَكَانَ عَذَابَهُمْ٥. فَإِنَّ أُولَئِكَ وَجَبَ عَلَيْهِمُ النَّفِيرُ٦ حِينَ اسْتَنْفَرُوا، وَقَدْ ذَهَبَ إِلَى إِحْكَامِ الآيَتَيْنِ وَمَنْعِ النَّسْخِ جَمَاعَةٌ مِنْهُمُ: ابْنُ جَرِيرٍ٧ وَأَبُو سُلَيْمَانَ الدِّمَشْقِيُّ، وَحَكَى القاضي
الحواشي
(١٢٢) من سورة التوبة.
٢ ذكر الطبري ١٠/ ٩٥ من جامع البيان هذا القول عن الحسن وعكرمة كما ذكر نحوه النحاس بسند ضعيف عن ابن عباس، وعن الحسن وعكرمة، ثم قال: "وهذا مما لا ينسخ لأنه خبر ووعيد". انظر: الناسخ والمنسوخ ص: ١٦٧.
٣ في (م): غزوت بالتاء المفتوحة، وهو خطأ إملائي.
٤ كما جاء في آية(١١٨) من السورة نفسها.
٥ رواه أبو داود والبيهقي في سننهما وفي إسنادهما نجدة بن نفيع وهو مجهول كما قال الحافظ في التقريب(٣٥٦) وذكر السيوطي هذا الحديث في الدر المنثور ٣/ ٢٣٩، وزاد نسبته إلى ابن المنذر، وأبي الشيخ والحاكم، وابن مردويه.
٦ في (م): اليقين، والذي أثبت عن (هـ) أنسب للمقام.
٧ انظر ما قاله الطبري في إحكام الآية من جامع البيان ١٠/ ٩٥.стр. 436
أَبُو يَعْلَى عَنْ بَعْضِ الْعُلَمَاءِ أَنَّهُمْ قَالُوا: لَيْسَ هَاهُنَا نَسْخٌ، وَمَتَى لَمْ يُقَاوِمْ أَهْلُ الثُّغُورِ الْعَدُوَّ فَفَرْضٌ عَلَى النَّاسِ النَّفِيرُ إِلَيْهِمْ، وَمَتَى اسْتَغْنَوْا عَنْ (إِعَانَةِ) ١ من ورائهم، عُذِرَ الْقَاعِدُونَ عَنْهُمْ٢.
ذِكْرُ الآيَةِ السَّادِسَةِ: قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿انْفِرُوا خِفَافاً وَثِقَالاً﴾ ٣.
أَخْبَرَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ أَحْمَدَ، قَالَ: أَبْنَا عُمَرُ بْنُ عُبَيْدِ اللَّهِ، قَالَ: أَبْنَا ابْنُ بِشْرَانَ، قَالَ: أَبْنَا إِسْحَاقُ بْنُ أَحْمَدَ، قَالَ: أَبْنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَحْمَدَ، قال: حدثني أبي، قال: بنا حَجَّاجٌ عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ عَنْ عَطَاءٍ الْخُرَاسَانِيِّ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قال: قال: في براءة ﴿نْفِرُوا خِفَافاً وَثِقَالاً﴾ وَقَالَ: ﴿إِلاّ تَنْفِرُوا يُعَذِّبْكُمْ عَذَاباً أَلِيماً﴾ ٤ فَنَسَخَ (هَؤُلاءِ) ٥ الآيَاتِ، ﴿وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كَافَّةً﴾ ٦. وَقَالَ السُّدِّيُّ نُسِخَتْ بِقَوْلِهِ: ﴿لَيْسَ عَلَى الضُّعَفَاءِ وَلا عَلَى الْمَرْضَى﴾ ٧.
الحواشي
(٤١) من سورة التوبة.
٤ الآية(٣٩) من سورة التوبة.
٥ غير واضحة من (هـ).
٦ الآية(١٢٢) من السورة نفسها. والأثر ذكره النحاس عن ابن عباس بسند ضعيف في ناسخه ص: ١٦٧ - ١٦٨. كما ذكره مكي بن أبي طالب عنه بدون إسناد في الإيضاح(٢٧٣) والمؤلف في زاد المسير ٣/ ٤٤٢ عن ابن عباس من طريق عطاء.
٧ الآية(٩١) من التوبة، وقد ذكر هذا القول السيوطي في الدر المنثور٣/ ٢٤٦ وعزاه إلى أبي حاتم وأبي الشيخ عن السدي، وذكره المؤلف عنه في المصدر السابق.стр. 437
وَاعْلَمْ: أَنَّهُ مَتَى حُمِلَتْ هَذِهِ الآيَةُ عَلَى مَا حَمَلْنَا عَلَيْهِ الَّتِي قَبْلَهَا لَمْ يُتَوَجَّهْ نَسْخٌ١.
ذِكْرُ الْآيَةِ السَّابِعَةِ: قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿لا يَسْتَأْذِنُكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالله﴾ ٢.
أَخْبَرَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ أَحْمَدَ، قَالَ: بنا عُمَرُ بْنُ عُبَيْدِ اللَّهِ، قَالَ: بنا ابن بشران، قال: بنا إسحاق بن أحمد، قال بنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَحْمَدَ، قَالَ: حدثني أبي، قال: بنا حَجَّاجٌ عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، عَنْ عَطَاءٍ الْخُرَاسَانِيِّ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ ﴿لا يَسْتَأْذِنُكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالله وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾ نَسَخَتْهَا ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِالله وَرَسُولِهِ وَإِذَا كَانُوا مَعَهُ عَلَى أَمْرٍ جَامِعٍ لَمْ يَذْهَبُوا حَتَّى يَسْتَأْذِنُوهُ﴾ ٣.
أَخْبَرَنَا ابْنُ نَاصِرٍ، قَالَ: أَبْنَا ابْنُ أَيُّوبَ، قَالَ: أَبْنَا ابْنُ شَاذَانَ، قَالَ: أَبْنَا أَبُو بَكْرٍ النَّجَّادُ، قَالَ: أَبْنَا أَبُو دَاوُدَ السجستاني، قال: بنا محمد بن أحمد٤ = قال=٥: بنا عَلِيُّ بْنُ الْحُسَيْنِ عَنْ أَبِيهِ عن يزيد النحوي، عن
الحواشي
(٤٤) من سورة التوبة.
٣ الآية(٦٢) من سورة النور. والأثر ذكره السيوطي في الدر المنثور ٣/ ٢٤٧ وعزاه إلى أبي عبيد، وابن المنذر، وابن أبي حاتم وابن مردويه، والبيهقي في سننه عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄، وفيه: (فجعل الله النَّبِيِّ ﷺ بأعلى النظرين في ذلك، من غزا غزا في فضيلة ومن قعد قعد من غير حرج إن شاء). وذكر قول النسخ عنه بآية: ﴿فَإِذَا اسْتَأْذَنُوكَ لِبَعْضِ شَأْنِهِمْ﴾ النحاس بسند ضعيف في ناسخه(١٦٨) .
٤ في (هـ): كلمة (قيل) زيادة، ولعلها من الناسخ.
٥ لا يوجد من النسختين، ولعلها سقطت من النساخ.стр. 438
عِكْرِمَةُ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ ﴿لا يَسْتَأْذِنُكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالله﴾ نَسَخَتْهَا: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِالله وَرَسُولِهِ﴾ ١.
قُلْتُ: فَالصَّحِيحُ أَنَّهُ لَيْسَ لِلنَّسْخِ ها هنا مَدْخَلٌ، لِإِمْكَانِ الْعَمَلِ بِالآيَتَيْنِ وَذَلِكَ أَنَّهُ إِنَّمَا عَابَ عَلَى الْمُنَافِقِينَ أن يستأذنوه في القعود عَلَى الْجِهَادِ مِنْ غَيْرِ عُذْرٍ، وَأَجَازَ لِلْمُؤْمِنِينَ الاسْتِئْذَانَ لِمَا يَعْرِضُ لَهُمْ مِنْ حَاجَةٍ وَكَانَ الْمُنَافِقُونَ إِذَا كَانُوا مَعَهُ، فَعَرَضَتْ لَهُمْ حَاجَةٌ، ذَهَبُوا مِنْ غَيْرِ اسْتِئْذَانِهِ. وَإِلَى نَحْوِ هَذَا، ذَهَبَ أَبُو جَعْفَرِ بْنُ جَرِيرٍ٢ وَأَبُو سُلَيْمَانَ الدمشقي.
الحواشي
(١٦٨) وأورد قول الإحكام مكي بن أبي طالب أيضاً عن ابن عباس في الإيضاح ص: ٢٧٤.стр. 439
ذِكْرُ الْآيَةِ الثَّامِنَةِ: قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿اسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لا تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ﴾ ١.
لَفْظُ هَذِهِ الآيَةِ لَفْظُ الأَمْرِ وليس كذلك، وإنما الْمَعْنَى: إِنِ اسْتَغْفَرْتَ لَهُمْ، وَإِنْ لَمْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ لا يَغْفِرُ اللَّهُ لَهُمْ، فَهُوَ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿اسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لا تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ﴾ ٢ فَعَلَى هَذَا الآيَةُ مُحْكَمَةٌ. هَذَا قول المحققين. وقد ذهب وقوم إِلَى أَنَّ ظَاهِرَ اللَّفْظِ يُعْطِي أَنَّهُ إِنْ زَادَ عَلَى السَّبْعِينَ رُجِيَ لَهُمُ الْغُفْرَانُ، ثُمَّ نُسِخَتْ بِقَوْلِهِ: ﴿سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَسْتَغْفَرْتَ لَهُمْ أَمْ لَمْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ لَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ﴾ ٣.
فَرَوَى الضَّحَّاكُ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ ﴿اسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لا تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ﴾ نُسِخَتْ بِقَوْلِهِ: ﴿سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَسْتَغْفَرْتَ لَهُمْ أَمْ لَمْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ لَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ﴾.
أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْوَهَّابِ الْحَافِظُ، قَالَ: أَبْنَا أَبُو طَاهِرٍ الْبَاقِلاوِيُّ قَالَ: أَبْنَا أَبُو عَلِيِّ بْنُ شَاذَانَ قَالَ: أَبْنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ الحسن، قال: بنا إبراهيم ابن الحسين، قال: بنا آدم، قال: بنا وَرْقَاءَ عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ عَنْ مُجَاهِدٍ، قَالَ: لَمَّا نَزَلَتْ ﴿إِنْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ﴾ ٤.
الحواشي
(٨٠) من سورة التوبة.
٢ الآية(٥٣) من سورة التوبة.
٣ الآية السادسة من سورة المنافقين.
٤ جزء من آية(٨٠) من سورة التوبة.стр. 440
قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : (سأزيد عَلَى سَبْعِينَ مَرَّةً) فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى فِي سُورَةِ الْمُنَافِقِينَ (لَنْ يغفر الله لهم) عزماً١. وَقَدْ حَكَى٢ أَبُو جَعْفَرٍ النَّحَّاسُ أَنَّ بَعْضَ الْعُلَمَاءِ، قَالَ: فَنُسِخَتْ بِقَوْلِهِ: ﴿وَلا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ مَاتَ أَبَداً﴾ ٣.
قُلْتُ: وَالصَّحْيِحُ إِحْكَامُ الآيَةِ عَلَى مَا سَبَقَ٤.
ذِكْرُ الآيَةِ التَّاسِعَةِ: قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿مَا كَانَ لأهْلِ الْمَدِينَةِ وَمَنْ حَوْلَهُمْ مِنَ الأعْرَابِ أَنْ يَتَخَلَّفُوا عَنْ رَسُولِ اللَّهِ﴾ ٥.
قَدْ ذَهَبَ طَائِفَةٌ مِنَ الْمُفَسِّرِينَ (إِلَى أَنَّ) ٦ هَذِهِ الآيَةَ اقْتَضَتْ أَنَّهُ لا يَجُوزُ لِأَحَدٍ أَنْ يَتَخَلَّفَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، وَهَذَا كَانَ في أول الأمر
الحواشي
(١٧٤) ؛ والإيضاح(٢٢٧) .
٢ في (هـ): عن أبي.
٣ الآية(٤٧) من سورة التوبة تجد نص كلام النحاس في ناسخه(١٧٤) .
٤ قلت: هنا لم يتعرض المؤلف لدعوى النسخ في مختصر عمدة الراسخ أصلاً وإنما نسبه في زاد المسير ٣/ ٤٧٧، إلى قوم، كما نسب القول المؤيد للإحكام إلى المحققين.
٥ الآية(١٢٠) من سورة التوبة.
٦ في (هـ): كلمة (إلا) زيادة.стр. 441
ثُمَّ نُسِخَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: ﴿وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كَافَّةً﴾ ١، قَالَ أَبُو سُلَيْمَانَ الدِّمَشْقِيُّ: لِكُلِّ آيَةٍ وَجْهُهَا وَلَيْسَ لِلنَّسْخِ عَلَى إِحْدَى الآيَتَيْنِ طَرِيقٌ وَهَذَا هُوَ الصَّحِيحُ عَلَى مَا بَيَّنَّا فِي الآية الخامسة٢.
الحواشي
(١٢٢) من سورة التوبة.
٢ انظر مقالة المؤلف فيما تقدم من مناقشة الآية الخامسة. قال المؤلف في زاد المسير ٣/ ٥١٥ - ٥١٦، (قَالَ شَيْخُنَا عَلِيُّ بْنُ عُبَيْدِ الله: اخْتَلَفَ الْمُفَسِّرُونَ فِي هَذِهِ الْآيَةِ؛ فقالت طائفة: كان في أول الأمر لا يجوز التخلف عن رسول الله ﷺ حين كان الجهاد يلزم الكل، ثم نسخ ذلك بقوله: ﴿وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كَافَّةً﴾.
وقالت طائفة: فرض الله تعالى على جميع المؤمنين في زمان النبي ﷺ ممن لا عذر له الخروج معه لشيئين:
أحدهما: أنه من الواجب عليهم أن يقوه بأنفسهم.
والثاني: أنه إذا أخرج الرسول فقد خرج الدين كله فأمروا بالتظاهر لئلا يقل العدد، وهذا الحكم باق إلى وقتنا فلو خرج أمير المؤمنين إلى الجهاد وجب على عامة المسلمين متابعته لما ذكرنا. فعلى هذا، الآية محكمة) انتهى، ثم ذكر كلام أبي سليمان المذكور هنا.
أمّا أبو جعفر النحاس فأورد دعوى النسخ في هذه الآية عن ابن زيد ودعوى الإحكام عن ابن عباس والضحاك وقتادة، وكذا فعل مكي بن أبي طالب. انظر: الناسخ والمنسوخ للنحاس ص: ١٧٦؛ والإيضاح ص: ٢٧٦.стр. 442
بَابُ: ذِكْرِ الْآيَاتِ اللَّوَاتِي ادُّعِيَ عَلَيْهِنَّ النَّسْخُ فِي سُورَةِ يُونُسَ ﵇
ذِكْرُ الآيَةِ الأُولَى: قوله تعالى: ﴿قُلْ إِنِّي أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾ ١.
الْكَلامُ فِي هَذِهِ كَالْكَلامِ فِي نَظِيرَتِهَا فِي الأَنْعَامِ وَقَدْ تَكَلَّمْنَا عَلَيْهَا هُنَاكَ٢ وَمَقْصُودُ الآيَتَيْنِ تَهْدِيدُ الْمُخَالِفِ، وَأُضِيفَ إِلَى الرَّسُولِ لِيُصَعِّبَ الأَمْرَ فِيهِ، وَلَيْسَ هَاهُنَا نَسْخٌ، وَيُقَوِّي مَا قُلْنَا، أَنَّ الْمُرَادَ بالمعصية ها هنا تَبْدِيلُ الْقُرْآنِ وَالتَّقَوُّلُ عَلَى اللَّهِ تَعَالَى وَمُوَافَقَةُ الْمُشْرِكِينَ عَلَى مَا هم عليهم، وَهَذَا لا يَدْخُلُ فِي قَوْلِهِ: ﴿لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ﴾ ٣ كيف وقد قال عزوجل: ﴿وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنَا بَعْضَ الأقَاوِيلِ﴾ ٤ وَقَالَ: ﴿لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ﴾ ٥ وَقَالَ: ﴿إِذاً لأذَقْنَاكَ ضِعْفَ الْحَيَاةِ وَضِعْفَ الْمَمَاتِ﴾ ٦ وإنما
الحواشي
(١٥) من سورة يونس.
٢ لعله يقصد قول النسخ المذكور في آية(١٥) مما سبق من سورة الأنعام: حيث قال: زعم بعض المفسرين أنه كان يجب على الرسول أَنْ يَخَافَ عَاقِبَةَ الذُّنُوبِ، ثُمَّ نسخ ذلك بِقَوْلِهِ: ﴿لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ﴾ (الفتح: ٢) ثم قال: إنما هو معلق بشرط، والصحيح أن الآيتين خبر وتهديد.
٣ الآية الثانية من سورة الفتح.
٤ الآية(٤٤) من سورة الحاقة.
٥ الآية(٦٥) من سورة الزمر.
٦ الآية(٧٥) من سورة الإسراء.стр. 443
هَذَا وَأَمْثَالُهُ١ لِلْمُبَالَغَةِ فِي بَيَانِ آثار الْمَعَاصِي وَلَيْسَ مِنْ ضَرُورَةِ مَا عُلِّقَ بِشَرْطٍ أَنْ يَقَعَ٢.
ذِكْرُ الآيَةِ الثَّانِيَةِ: قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَإِنْ كَذَّبُوكَ فَقُلْ لِي عَمَلِي وَلَكُمْ عَمَلُكُمْ﴾ ٣.
رَوَى أَبُو صَالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: نَسَخَتْهَا آيَةُ السَّيْفِ، وَهَذَا بَعِيدٌ من ثلاثة أوجه:
أحدها: أنه لا يَصِحَّ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ.
وَالثَّانِي: أَنَّهُ لَيْسَ بَيْنَ الآيَتَيْنِ تنافٍ، وَالْمَنْسُوخُ لا يَصِحُّ اجْتِمَاعُهُ مَعَ النَّاسِخِ.
وَالثَّالِثُ: أَنَّهُ لا يَصِحُّ أَنْ يُدَّعَى نَسْخُ هَذِهِ الآيَةِ بَلْ إِنْ قِيلَ مَفْهُومُهَا منسوخ، ومفهومها عِنْدَهُمْ، فَقُلْ لِي عَمَلِي، وَاقْتَصِرْ عَلَى ذَلِكَ وَلا تُقَاتِلْهُمْ، وَلَيْسَ الأَمْرُ كَذَلِكَ إِنَّمَا مَعْنَى الآيَةِ: لِي جَزَاءُ عَمَلِي فَإِنْ كُنْتُ كَاذِبًا فَوَبَالُهُ عَلَيَّ، وَلَكُمْ جَزَاءُ عَمَلِكُمْ فِي تَكْذِيبِكُمْ لِي، وَفَائِدَةُ هذا أنه لا يجازي أحد إلاّ بعمله ولا يأخذ بجرم غيره وهذا لا يَمْنَعُ مِنْ قِتَالِهِمْ وَهُوَ أَقْرَبُ إِلَى مَا يُفْهَمُ مِنْهَا فلا وجه للنسخ٤.
الحواشي
(٨) .
٣ الآية(٤١) من سورة يونس.
٤ ذكر دعوى النسخ هنا بآية السيف مكي بن أبي طالب ص: ٢٨١ من الإيضاح، وردها المؤلف في تفسيره٤/ ٣٤، ولم يتعرض لها في مختصر عمدة الراسخ أصلاً.стр. 444
ذِكْرُ الْآيَةِ الثَّالِثَةِ: قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَإِمَّا نُرِيَنَّكَ بَعْضَ الَّذِي نَعِدُهُمْ﴾ ١.
زَعَمَ بَعْضُهُمْ: أَنَّهَا مَنْسُوخَةٌ بِآيَةِ السَّيْفِ، فَكَأَنَّهُ ظَنَّ أَنَّ مَعْنَاهَا: اتْرُكْ قِتَالَهُمْ، فَرُبَّمَا رَأَيْتَ بَعْضَ الَّذِي نَعِدُهُمْ، وَلَيْسَ هَذَا شَيْءٌ٢.
ذِكْرُ الْآيَةِ الرَّابِعَةِ: قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿أَفَأَنْتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّى يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ﴾ ٣.
زَعَمَ قَوْمٌ مِنْهُمْ: مُقَاتِلُ بْنُ سُلَيْمَانَ أَنَّهَا مَنْسُوخَةٌ بِآيَةِ السَّيْفِ. وَالصَّحِيحُ أَنَّهَا مُحْكَمَةٌ وَبَيَانُ. ذَلِكَ: أَنَّ الْإِيمَانَ لا يَصِحُّ مَعَ الْإِكْرَاهِ، لِأَنَّهُ مِنْ أَعْمَالِ الْقَلْبِ وَإِنَّمَا يُتَصَوَّرُ الإِكْرَاهُ عَلَى النُّطْقِ لا عَلَى الْعَقْلِ٤.
ذِكْرُ الآيَةِ الْخَامِسَةِ: قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿فَمَنِ اهْتَدَى فَإِنَّمَا يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ وَمَنْ ضَلَّ فَإِنَّمَا يَضِلُّ عَلَيْهَا وَمَا أَنَا عَلَيْكُمْ بِوَكِيلٍ﴾ ٥.
الحواشي
(٤٦) من سورة يونس.
٢ ذكر دعوى النسخ هنا هبة الله في ناسخه ص: ٥٤، بدون أن يستند إلى دليل. وسكت عنه المؤلف في زاد المسير وفي مختصر عمدة الراسخ، كما أعرض عن قول النسخ هنا أصحاب أمهات كتب النسخ لشدة ضعف هذا القول.
٣ الآية(٩٩) من سورة يونس.
٤ ادعى النسخ هنا ابن سلامة في المصدر السابق وأورده المؤلف في زاد المسير٤/ ٦٧ ومختصر عمدة الراسخ ورقة(٨) ثم رده بمثل ما رد به هنا، ولم يتعرض لدعوى النسخ هنا معظم من ألف في النسخ.
٥ الآية(١٠٨) من سورة يونس.стр. 445
رَوَى أَبُو صَالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: هَذِهِ الآيَةُ مَنْسُوخَةٌ بِآيَةِ الْقِتَالِ، وَهَذَا لا يَصِحُّ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَقَدْ بَيَّنَّا أَنَّهُ لا يُتَوَجَّهُ النَّسْخُ فِي مِثْلِ هَذِهِ الأَشْيَاءِ١، لِأَنَّ مَعْنَى الآيَةِ: مَا أَنَا بِوَكِيلٍ فِي مَنْعِكُمْ مِنِ اعْتِقَادِ الْبَاطِلِ، وَحَافِظٍ لَكُمْ مِنَ الْهَلاكِ إِذَا لَمْ (تَعْمَلُوا) ٢ أَنْتُمْ لِأَنْفُسِكُمْ مَا يُخَلِّصُهَا٣.
ذِكْرُ الآيَةِ السَّادِسَةِ: قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَاصْبِرْ حَتَّى يَحْكُمَ اللَّهُ﴾ ٤.
رَوَى أَبُو صَالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: هذه مَنْسُوخَةٌ بِآيَةِ الْقِتَالِ، وَهَذَا لا يَثْبُتُ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ثُمَّ إِنَّ الأَمْرَ بِالصَّبْرِ هَاهُنَا مَذْكُورٌ إِلَى غَايَةٍ، وَمَا بَعْدَ الْغَايَةِ يُخَالِفُ مَا قَبْلَهَا. وَقَدْ شَرَحْنَا هَذَا الْمَعْنَى فِي الْبَقَرَةِ عِنْدَ قَوْلِهِ: ﴿فَاعْفُوا وَاصْفَحُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ﴾ ٥ فَلا وَجْهَ لِلنَّسْخِ فِي شَيْءٍ من هذه الآيات٦.
الحواشي
(٦٦) ، و(١٠٧) من سورة الأنعام.
٢ في (هـ): تعلموا.
٣ في (هـ): كلمة (يقوله) زيادة، ولعلها من الناسخ.
قلت: أورد دعوى النسخ هنا ابن حزم في ناسخه ص: ٣٤١؛ وابن سلامة في ناسخه(٥٤) وابن هلال في ناسخه المخطوط(٢٧) ولم يتعرض له الطبري والنحاس ومكي بن أبي طالب. وأما المؤلف فقام برد هذا القول في زاد المسير ٤/ ٧١ ومختصر عمدة الراسخ ورقة ٨.
٤ الآية(١٠٩) من سورة يونس.
٥ الآية(١٠٩) من سورة يونس. انظر: إن شئت مناقشة الآية المذكورة.
٦ قلت: نقل دعوى النسخ هنا النحاس في ناسخه ص: ١٧٩، عن ابن زيد، كما ذكره عنه مكي بن أبي طالب في الإيضاح(٢٨١) ، أما المؤلف فقد رد قول النسخ وصحح الإحكام في زاد المسير ٤/ ٧١ ومختصر عمدة الراسخ ورقة(٨) .стр. 446
بَابُ: ذِكْرِ الْآيَاتِ اللَّوَاتِي ادُّعِيَ عَلَيْهِنَّ النَّسْخُ فِي سُورَةِ هُودٍ
ذِكْرُ الْآيَةِ الأُولَى: قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿إِنَّمَا أَنْتَ نَذِيرٌ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ﴾ ١.
قَالَ بَعْضُ الْمُفَسِّرِينَ: مَعْنَى هَذِهِ الآيَةِ: اقْتَصَرَ عَلَى إِنْذَارِهِمْ مِنْ غَيْرِ قِتَالٍ ثُمَّ نُسِخَ ذَلِكَ بِآيَةِ السَّيْفِ٢.
وَالتَّحْقِيقُ أَنْ يُقَالَ: (إِنَّهَا مُحْكَمَةٌ) ٣، لِأَنَّ الْمُحَقِّقِينَ قَالُوا: مَعْنَاهَا: إِنَّمَا عَلَيْكَ أَنْ تُنْذِرَهُمْ بِالْوَحْيِ لا أَنْ تَأْتِيَهُمْ بِمُقْتَرَحِهِمْ مِنَ الآيَاتِ، وَالْوَكِيلُ: الشَّهِيدُ٤.
ذِكْرُ الآيَةِ الثَّانِيَةِ: قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمَالَهُمْ فِيهَا﴾ ٥.
الحواشي
(١٢) من سورة هود.
٢ ذكره هبة الله في ناسخه ص: ٥٥.
٣ في (هـ): هي محكمة.
٤ فسر بذلك المؤلف في زاد المسير٤/ ٨٢، ورد دعوى النسخ في مختصر عمدة الراسخ ورقة(٨) .
قلت: لم يتعرض لدعوى النسخ في هذه الآية أصحاب أمهات كتب النسخ.
٥ الآية(١٥) من سورة هود.стр. 447
زَعَمَ قَوْمٌ مِنْهُمْ: مُقَاتِلُ بْنُ سُلَيْمَانَ أَنَّ هَذِهِ الآيَةَ اقْتَضَتْ أَنَّ مَنْ أَرَادَ الدُّنْيَا بِعَمَلِهِ أُعْطِيَ فِيهَا ثَوَابَ عَمَلِهِ مِنَ الرِّزْقِ وَالْخَيْرِ، ثُمَّ نُسِخَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: ﴿عَجَّلْنَا لَهُ فِيهَا مَا نَشَاءُ لِمَنْ نُرِيدُ﴾ ١. وَهَذَا الْقَوْلُ لَيْسَ بِصَحِيحٍ، لِأَنَّ الآيتين خبر، وهذه الآية نظيرة قَوْلِهِ فِي آلِ عِمْرَانَ ﴿وَمَنْ يُرِدْ ثَوَابَ الدُّنْيَا نُؤْتِهِ مِنْهَا﴾ ٢ وَقَدْ شَرَحْنَاهَا هُنَاكَ.
ذِكْرُ الآيَةِ الثَّالِثَةِ وَالرَّابِعَةِ: قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَقُلْ لِلَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ اعْمَلُوا عَلَى مَكَانَتِكُمْ إِنَّا عَامِلُونَ وَانْتَظِرُوا إِنَّا مُنْتَظِرُونَ﴾ ٣.
قَالَ: بَعْضُ الْمُفَسِّرِينَ: هَاتَانِ الآيَتَانِ اقْتَضَتَا تَرْكَهُمْ عَلَى أَعْمَالِهِمْ، وَالاقْتِنَاعَ بِإِنْذَارِهِمْ، ثُمَّ نُسِخَتَا بِآيَةِ السَّيْفِ٤.
الحواشي
(١٨) من سورة الإسراء.
ذكر قول النسخ النحاس في ناسخه ص: ١٧٧ بسند ضعيف، ومكي بن أبي طالب في الإيضاح(٢٧٢) بدون سند، عَنِ الضَّحَّاكِ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄، ثم قال النحاس: "محال أن يكون ها هنا نسخ، لأنه خبر" وبه قال مكي عن أكثر الناس.
٢ الآية(١٤٦) من آل عمران.
قلت: وقد أورد المؤلف في زاد المسير٤/ ٨٣ وفي مختصر عمدة الراسخ دعوى النسخ هنا، عن مقاتل، ثم قال في التفسير: "وهذا لا يصح لأنه لا يوفي إلا من يريد" وقال في المختصر: لأن الآيتين خبر.
٣ الآيتان (١٢١ - ١٢٢) من سورة هود.
٤ عد هذه الآية ابن حزم في معرفة الناسخ والمنسوخ المطبوع على هامش التفسير المنسوب إلى ابن عباس(٣٤٢) وهبة الله بن سلامة في الناسخ والمنسوخ ص: ٥٥، وبركات بن هلال، في الإيجاز في الناسخ والمنسوخ، المخطوط ورقة(٢٧) ولم يستندوا كعادتهم إلى أي دليل نقلي أو عقلي.стр. 448
وَقَالَ الْمُحَقِّقُونَ: هَذَا تَهْدِيدٌ وَوَعِيدٌ، مَعْنَاهُ: اعْمَلُوا مَا أَنْتُمْ عَامِلُونَ فَسَتَعْلَمُونَ عَاقِبَةَ أَمْرِكُمْ، وَانْتَظِرُوا مَا يَعِدُكُمُ الشَّيْطَانُ، إِنَّا مُنْتَظِرُونَ مَا يعدنا ربنا وهذا لا يُنَافِي قِتَالَهُمْ فَلا وَجْهَ للنسخ١.
стр. 449
باب: ذكر الآيات التي١ادُّعِيَ عَلَيْهِنَّ النَّسْخُ فِي سُورَةِ الرَّعْدِ
ذِكْرُ الآيَةِ الأُولَى: قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَإِنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ لِلنَّاسِ عَلَى ظُلْمِهِمْ﴾ ٢.
قَدْ تَوَهَّمَ بَعْضُ الْمُفَسِّرِينَ أَنَّ هَذِهِ الآيَةَ مَنْسُوخَةٌ، لِأَنَّهُ قَالَ: المراد بالظلم ها هنا الشِّرْكُ ثُمَّ نُسِخَتْ بِقَوْلِهِ: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ﴾ ٣وَهَذَا التَّوَهُّمُ فَاسِدٌ، لِأَنَّ الظُّلْمَ عام، وتخصيصه بالشرك ها هنا- يَحْتَاجُ إِلَى دَلِيلٍ، ثُمَّ إِنْ كَانَ الْمُرَادُ بِهِ الشِّرْكُ، فَلا يخلوا الْكَلامُ مِنْ أَمْرَيْنِ:
إِمَّا أَنْ يراد به التَّجَاوَزُ عَنْ تَعْجِيلِ عِقَابِهِمْ فِي الدُّنْيَا، أَوِ الْغُفْرَانُ لَهُمْ إِذَا رَجَعُوا عَنْهُ، وَلَيْسَ فِي الآيَةِ مَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ يُغْفَرُ لِلْمُشْرِكِينَ إِذَا مَاتُوا عَلَى الشِّرْكِ٤.
ذِكْرُ الْآيَةِ الثَّانِيَةِ: قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلاغُ وَعَلَيْنَا الْحِسَابُ﴾ ٥.
الحواشي
(٦) من سورة الرعد.
٣ الآية(٤٨) من سورة النساء.
٤ قلت: أعرض عن دعوى النسخ في هذه الآية النحاس، ومكي بن أبي طالب، أما ابن حزم في ناسخه ص: ٣٤٢، وابن سلامة في ناسخه(٥٧) فقد عداها مما اختلف في نسخها وقال بن سلامة عن السدي: إنما هو إخبار من الله تعالى، وتعطف على خلقه. وأما ابن هلال في ناسخه المخطوط ورقة(٢٧) فقد نقل عن مجاهد أنها محكمة وعن الضحاك أنها منسوخة. وأما المؤلف ابن الجوزي فلم يتعرض لها في مختصر عمدة الراسخ أصلاً إنما ذكر النسخ فيها عن بعض المفسرين في زاد المسير ثم قال: والمحققون على أنها محكمة.
٥ الآية(٤٠) من سورة الرعد.стр. 450
رَوَى عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَلْحَةَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ أَنَّ قَوْلَهُ: ﴿فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلاغُ﴾ نُسِخَ بِآيَةِ السَّيْفِ وَفَرْضِ الْجِهَادِ، وَكَذَلِكَ قَالَ: قَتَادَةُ١. وَعَلَى مَا سَبَقَ تَحْقِيقُهُ فِي مَوَاضِعَ مِنْ أَنَّهُ لَيْسَ عَلَيْكَ أَنْ (تَأْتِيَهُمْ) ٢بِمَا يَقْتَرِحُونَ مِنَ الآيَاتِ إِنَّمَا عَلَيْكَ أَنْ تُبِلِّغَ٣. تَكُونُ مُحْكَمَةً ولا يكون بينها وبين آية السيف منافات٤.
الحواشي
(١٢) من سورة هود.
٤ قلت: ذكر نحو هذا الكلام المؤلف في مختصر عمدة الراسخ ورقة(٩) ونقل دعوى النسخ في زاد المسير٤/ ٣٣٩، عمن نقله هنا، ولم يعدها من المنسوخة الإمام الطبري والإمام النحاس ومكي بن أبي طالب.стр. 451
بَابُ: ذِكْرِ الْآيَاتِ اللَّوَاتِي ادُّعِيَ عَلَيْهِنَّ النَّسْخُ فِي سُورَةِ الْحِجْرِ
ذِكْرُ الْآيَةِ الأُولَى: قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿ذَرْهُمْ يَأْكُلُوا وَيَتَمَتَّعُوا وَيُلْهِهِمُ الأمَلُ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ﴾ ١.
قَدْ زَعَمَ كَثِيرٌ مِنَ الْمُفَسِّرِينَ: أَنَّهَا مَنْسُوخَةٌ بِآيَةِ السَّيْفِ٢. وَالتَّحْقِيقُ أَنَّهَا وَعِيدٌ وَتَهْدِيدٌ، وَذَلِكَ لا يُنَافِي قِتَالَهُمْ فَلا وَجْهَ لِلنَّسْخِ٣.
ذِكْرُ الْآيَةِ الثَّانِيَةِ: قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿فَاصْفَحِ الصَّفْحَ الْجَمِيلَ﴾ ٤.
أَخْبَرَنَا الْمُبَارَكُ بْنُ عَلِيٍّ، قَالَ: أَبْنَا أَحْمَدُ بْنُ الْحُسَيْنِ بْنِ قُرَيْشٍ قَالَ: أَبْنَا الْبَرْمَكِيُّ قَالَ: أَبْنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ بْنِ الْعَبَّاسِ، قَالَ: أَبْنَا أَبُو بَكْرِ بن أبي داود، قال: بنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَعِيدٍ، قَالَ: بنا عُقْبَةُ، عَنْ إِسْرَائِيلَ عَنْ جَابِرٍ عَنْ مُجَاهِدٍ، وَعِكْرِمَةَ ﴿فَاصْفَحِ الصَّفْحَ الْجَمِيلَ﴾ قال: هذا قبل القتال٥.
الحواشي
(٥٨) وابن هلال في ناسخه المخطوط ورقة(٢٧) .
٣ قلت: أعرض النحاس ومكي بن أبي طالب عن ذكر النسخ في هذه الآية، وقد ذكره المؤلف في زاد المسير ٤/ ٨٣٨، وفي مختصر عمدة الراسخ ورقة(٩) فرده بمثل ما رد به هنا.
٤ الآية(٨٥) من سورة الحجر.
٥ أخرجه الطبري عن مجاهد من طريق إسرائيل، في جامع البيان ١٤/ ٣٥، وذكره السيوطي في الدر المنثور٤/ ١٠٤ معزياً إلى ابن أبي حاتم عن عكرمة، وفيه هَذَا قَبْلَ الْقِتَالِ.стр. 452
قال أبو بكر: وبنا موسى بن هارون، قال: بنا الحسين، قال: بنا شَيْبَانُ عَنْ قَتَادَةَ ﴿فَاصْفَحِ الصَّفْحَ الْجَمِيلَ﴾ قَالَ: نُسِخَ هَذَا بَعْدُ، فَقَالَ: ﴿وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ﴾ ١.
الحواشي
(١٩١) من سورة البقرة و(٩١) من سورة النساء.
قلت: أخرج قول النسخ عن قتادة ابن جرير الطبري في المصدر السابق، كما ذكره النحاس في ناسخه ص: ١٧٩، ومكي بن أبي طالب في الإيضاح(٢٨٥) عن سعيد عن قتادة، وذكر النسخ أيضاً المؤلف في زاد المسير٤/ ٤١٢، ومختصر عمدة الراسخ ورقة(٩) لكن هؤلاء لم يناقشوا قضية النسخ كأن وقوع النسخ هنا مسلم لديهم.
ويقول ابن كثير: بعد عزو قول النسخ إلى مجاهد وقتادة: "وهو كما قالا: فإن هذه مكية، والقتال إنما شرع بعد الهجرة". انتهى، من تفسير القرآن العظيم ٢/ ٥٥٦.
وأما القرطبي فيقول في تفسيره ١٠/ ٥٤ بعد إيراد دعوى النسخ عن قتادة وعكرمة ومجاهد: "قيل: ليس بمنسوخ وأنه أمر بالصفح في حق نفسه فيما بينه وبينهم والصفح الإعراض عن الحسن وغيره".
ويقول الخازن في تفسيره ٣/ ١٠١ بعد إيراد قول النسخ: "قيل: فيه بعد، لأن الله أمر نبيه ﷺ ، أن يظهر الخلق الحسن، وأن يعاملهم بالعفو والصفح الخالي من الجزع والخوف، يعني: ولو كان الصفح منطوياً على حقد لما كان الصفح جميلاً".
ويقول الشيخ مصطفى زيد في كتابه النسخ في القرآن الكريم ٢/ ٥٣٧ وهو يرد دعوى النسخ في هذه الآية: "ونحن لا نرى تلازماً بين كون هذه الآية مكية وكونها منسوخة، فما ذهب إليه ابن كثير من قبوله دعوى النسخ، اعتماداً على مكية الآية، ومشروعية القتال بعد الهجرة - ليس صحيحاً ولا لازماً عندنا، وبخاصة أن الله عزوجل توعدهم - على أنه قد وقع منهم ما يقتفي الصفح عنهم - بعذابه قي الآخرة فإن يكن بد من الربط بين الأمر بالصفح عنهم والأمر بقتالهم - فإن الأمر بالصفح أناء للقتال فلا ينافيه وهذا حسم وإبطال لدعوى النسخ لا سبيل للاعتراض عليه".стр. 453
ذِكْرُ الْآيَةِ الثَّالِثَةِ: قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿لا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَى مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجاً مِنْهُمْ وَلا تَحْزَنْ﴾ ١.
قَدْ زَعَمَ قَوْمٌ: أَنَّ هَذَا كَانَ قَبْلَ أَنْ يُؤْمَرَ بِقِتَالِهِمْ ثُمَّ نُسِخَ بِآيَةِ السَّيْفِ٢. وَهَذَا لَيْسَ بِشَيْءٍ، لِأَنَّ الْمَعْنَى: لا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ إِنْ لَمْ يُؤْمِنُوا، وَقِيلَ: لا تَحْزَنْ بِمَا أَنْعَمْتُ عَلَيْهِمْ في الدُّنْيَا، وَلا وَجْهَ للنسخ، وَكَذَلِكَ قَالَ: أَبُو الْوَفَاءِ ابْنُ عَقِيلٍ، قَدْ ذَهَبَ بَعْضُهُمْ إِلَى أَنَّ هَذِهِ الآيَةَ مَنْسُوخَةٌ بِآيَةِ السَّيْفِ وَلَيْسَ بِصَحِيحٍ٣.
ذِكْرُ الآيَةِ الرَّابِعَةِ: قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَقُلْ إِنِّي أَنَا النَّذِيرُ الْمُبِينُ﴾ ٤.
زَعَمَ بَعْضُهُمْ أَنَّ مَعْنَاهَا نُسِخَ بِآيَةِ السَّيْفِ٥. لِأَنَّ الْمَعْنَى عِنْدَهُ: اقْتَصَرَ عَلَى الإِنْذَارِ، وَهَذَا خَيَالٌ فَاسِدٌ، لِأَنَّهُ لَيْسَ فِي الآيَةِ مَا يَتَضَمَّنُ هَذَا، ثُمَّ هِيَ خبر فلا وجه للنسخ٦.
الحواشي
(٨٨) من سورة الحجر.
٢ ذكره ابن حزم في ناسخه(٣٤٣) وابن سلامة في ناسخه(٥٨) وابن هلال في ناسخه المخطوط ورقة(٢٧) .
٣ قلت: لم يذكر الطبري والنحاس ومكي بن أبي طالب والمؤلف في تفسيره ولا في مختصر عمدة الراسخ، دعوى النسخ في هذه الآية إذ لم يعتبروا هذا القول الضعيف جديراً بالذكر.
٤ الآية(٨٩) من سورة الحجر.
٥ قال ابن حزم: "نسخ معناها ولفظها بآية السيف" وقال ابن سلامة: "نسخ معناها لا لفظها". انظر: المصدرين السابقين.
٦ قلت: لم يعدها المؤلف في مختصر عمدة الراسخ من المنسوخة وقد ذكرها في تفسيره ٤/ ٤١٦ بدون رد ولا تعليق، وأعرض عن ذكره النحاس ومكي بن أبي طالب في ناسخيهما.стр. 454
ذِكْرُ الْآيَةِ الْخَامِسَةِ: قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ﴾ ١.
أَخْبَرَنَا ابْنُ نَاصِرٍ، قَالَ: أَبْنَا ابْنُ أَيُّوبَ، قَالَ: أَبْنَا ابْنُ شَاذَانَ، قَالَ: أَبْنَا أَبُو بَكْرٍ النجاد، قال: بنا أبو داود السجستاني، قال: بنا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدٍ، قَالَ: حَدَّثْتُ عن معاوية بنا صَالِحٍ عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ ﴿وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ﴾ قَالَ: نَسَخَتْهَا: ﴿فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ﴾ ٢.
أَخْبَرَنَا الْمُبَارَكُ بْنُ عَلِيٍّ، قَالَ: بنا أَحْمَدُ بْنُ الْحُسَيْنِ، قَالَ: أَبْنَا الْبَرْمَكِيُّ، قَالَ: أَبْنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ، قَالَ: أَبْنَا أَبُو بَكْرِ بن أبي داود، قال: بنا مُحَمَّدُ بْنُ سَعْدٍ، قَالَ: حَدَّثَنِي أَبِي عَنِ الْحُسَيْنِ بْنِ الْحَسَنِ بْنِ عَطِيَّةَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَطِيَّةَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ ﴿وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ﴾، قال: هذا من المنسوخ٣.
الحواشي
(٩٤) من سورة الحجر.
٢ الآية الخامسة من سورة التوبة.
ذكر هذا القول النحاس وأبو محمد مكي بن أبي طالب بدون إسناد، عن علي عن ابن عباس، وذكره السيوطي في الدر المنثور معزياً إلى أبي داود في ناسخه، عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ عن ابن عباس. انظر: الناسخ والمنسوخ ص: ١٧٩؛ والإيضاح ص: ٢٨٥؛ والدر المنثور ٤/ ١٠٦.
٣ أخرجه الطبري بهذا الإسناد الذي هو مسلسل بالضعفاء عن ابن عباس، وقد نسب المؤلف دعوى النسخ إلى أكثر المفسرين ولم يبد رأيه فيه، والذي يظهر أن المؤلف يميل إلى القائلين بالنسخ في الآيات التي ورد فيها الإعراض عن المشركين، حيث لا يناقش الآية ولا يعترض. انظر: مناقشة الآيات مما سبق(٦٣) و(٨١) من سورة النساء و(٤٢) من المائدة، و(١٠٦) من الأنعام، ولكنه يقول في آية النجم(٢٩) ﴿فَأَعْرِضْ عَنْ مَنْ تَوَلَّى عَنْ ذِكْرِنَا﴾: زعموا أنها منسوخة، ولم يظهر مذهبه، أيضاً. ولكن الظاهر من كلمة زعم عدم القبول، والله أعلم.стр. 455
بَابُ: ذِكْرِ الْآيَاتِ اللَّوَاتِي ادُّعِيَ عَلَيْهِنَّ النَّسْخُ فِي سُورَةِ النَّحْلِ
ذِكْرُ الْآيَةِ الأُولَى: قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَمِنْ ثَمَرَاتِ النَّخِيلِ وَالأعْنَابِ تَتَّخِذُونَ مِنْهُ سَكَراً وَرِزْقاً حَسَناً﴾ ١.
اخْتَلَفَ الْمُفَسِّرُونَ بِالْمُرَادِ بِالْسَكَرِ عَلَى ثلاثة أقوال:
أحدها: أَنَّهُ الْخَمْرُ. قَالَهُ ابْنُ مَسْعُودٍ، وَابْنُ عُمَرَ، وَابْنُ عَبَّاسٍ ﵃.
أَخْبَرَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ أَحْمَدَ، قَالَ: أَبْنَا أَبُو الْفَضْلِ الْبَقَّالُ، قَالَ: أَبْنَا أَبُو الْحَسَنِ بْنِ بِشْرَانَ، قَالَ: أَبْنَا إِسْحَاقُ الكاذي، قال: بنا عبد الله بن أحمد ابن حَنْبَلٍ، قَالَ: حَدَّثَنِي أَبِي، قَالَ: حَدَّثَنِي حَجَّاجٌ عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، عَنْ عَطَاءٍ الْخُرَاسَانِيِّ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ ﴿تَتَّخِذُونَ مِنْهُ سَكَراً﴾ قَالَ: النَّبِيذُ فَنَسَخَتْهَا: ﴿إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ﴾ ٢ الآيَةُ.
أَخْبَرَنَا ابْنُ نَاصِرٍ، قَالَ: أَبْنَا ابْنُ أَيُّوبَ، قَالَ: أَبْنَا ابْنُ شَاذَانَ، قَالَ: أَبْنَا أَبُو بكر النجاد، قال: بنا أبو داود السجستاني، قال: بنا حفص بن
الحواشي
(٦٧) من سورة النحل.
٢ الآية(٩٠) من سورة المائدة.
والأثر ذكره السيوطي في الدر المنثور ٤/ ١٢٢ وعزاه إلى أبي داود في ناسخه، وابن أبي حاتم في تفسيره، وابن المنذر، عن ابن عاس ﵄.стр. 456
عمر، قال: بنا شُعْبَةُ عَنْ مُغِيرَةَ عَنْ إِبْرَاهِيمَ، وَالشَّعْبِيِّ، وَأَبِي رَزِينٍ١ أنهم قَالُوا: ﴿تَتَّخِذُونَ مِنْهُ سَكَراً﴾ ٢ (قَالُوا) ٣ هَذِهِ مَنْسُوخَةٌ٤.
أَخْبَرَنَا الْمُبَارَكُ بْنُ عَلِيٍّ، قَالَ: أَبْنَا أَحْمَدُ بْنُ الْحُسَيْنِ بْنِ قُرَيْشٍ، قَالَ: أَبْنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ عُمَرَ، قَالَ: أَبْنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ بْنِ العباس، قال: بنا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي دَاوُدَ، قال: بنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الصَّبَّاحِ، قَالَ: بنا أبو علي الحنفي، قال: بنا إِسْرَائِيلُ عَنْ أَبِي الْهَيْثَمِ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ فِي قَوْلِهِ: ﴿تَتَّخِذُونَ مِنْهُ سَكَراً﴾، قَالَ: الْخَمْرُ٥.
أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْوَهَّابِ الْحَافِظُ، قَالَ: أَبْنَا أَبُو طَاهِرٍ الْبَاقِلاوِيُّ، قَالَ: أَبْنَا أَبُو عَلِيِّ بْنُ شَاذَانَ، قَالَ: أَبْنَا عَبْدُ الرحمن بن الحسن قال: بنا إبراهيم ابن الحسين قال: بنا آدم، قال بناورقاء عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ عَنْ مجاهد ﴿تَتَّخِذُونَ مِنْهُ سَكَراً﴾ قَالَ: السَّكَرُ: الْخَمْرُ قَبْلَ تَحْرِيمِهَا، وهذا قول الحسن٦ وابن
الحواشي
(٣٣٤) .
٢ الآية(٦٧) من سورة النحل.
٣ في (هـ): قال، بالإفراد. وهو خطأ.
٤ أخرجه الطبري في جامع البيان ١٤/ ٩١ عَنْ إِبْرَاهِيمَ، وَالشَّعْبِيِّ وَأَبِي رَزِينٍ من طريق مغيرة.
٥ ذكره السيوطي في الدر المنثور٤/ ١٢٢، وعزاه إلى ابن أبي شيبة عن سعيد ابن جبير، وأخرجه الطبري عن إبراهيم من طريق الهيثم في جامع البيان١٤/ ٩٢.
٦ أخرج الطبري نحو هذا المعنى عن مجاهد من عدة طرق، وعن الحسن من طريقين في جامع البيان ١٤/ ٩١.стр. 457
أَبِي لَيْلَى وَالزَّجَّاجِ، وَابْنِ قُتَيْبَةَ١ وَمَذْهَبُ أَهْلِ هَذَا الْقَوْلِ أَنَّ هَذِهِ الآيَةَ نَزَلَتْ (إِذْ كَانَتِ) ٢ الْخَمْرُ مُبَاحَةٌ ثُمَّ نُسِخَتْ بِقَوْلِهِ: ﴿فَاجْتَنِبُوهُ﴾ ٣ وَمَنْ صَرَّحَ بِأَنَّهَا مَنْسُوخَةٌ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، وَمُجَاهِدٌ، وَالشَّعْبِيُّ، وَقَتَادَةُ، وَالنَّخَعِيُّ٤.
وَيُمْكِنُ أَنْ يُقَالَ عَلَى هذا القول ليست بِمَنْسُوخَةٍ، وَيَكُونُ الْمَعْنَى: أَنَّهُ خَلَقَ لَكُمْ هَذِهِ الثِّمَارَ لِتَنْتَفِعُوا بِهَا عَلَى وَجْهٍ مُبَاحٍ، فَاتَّخَذْتُمْ أَنْتُمْ مِنْهَا مَا هُوَ مُحَرَّمٌ عَلَيْكُمْ. وَيُؤَكِّدُ هَذَا أَنَّهَا خَبَرٌ وَالأَخْبَارُ لا تُنْسَخُ وَقَدْ ذَكَرَ نَحْوَ هَذَا الْمَعْنَى الَّذِي ذَكَرْتُهُ (أَبُو الوفاء) ٥ ابن عَقِيلٍ فَإِنَّهُ قَالَ: لَيْسَ فِي الآيَةِ مَا يَقْتَضِي إِبَاحَةَ السُّكْرِ، إِنَّمَا هِيَ مُعَاتَبَةٌ وَتَوْبِيخٌ.
وَالْقَوْلُ الثَّانِي: أَنَّ السَّكَرَ الْخَلُّ بِلُغَةِ الْحَبَشَةِ رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄.
وَأَخْبَرَنَا الْمُبَارَكُ بْنُ عَلِيٍّ، قَالَ: أَبْنَا أَحْمَدُ بْنُ الْحُسَيْنِ بْنِ قُرَيْشٍ، قَالَ: أَبْنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ عُمَرَ، قَالَ: أَبْنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ، قَالَ: بنا أبو بكر ابن أبي داود، قال: بنا مُحَمَّدُ بْنُ سَعْدٍ، قَالَ: حَدَّثَنِي أبي عن الحسين بن
الحواشي
(٩٠) من سورة المائدة.
٤ ذكر النسخ النحاس في ناسخه(١٨٠) عن هؤلاء وعن أبي رزين، ثم رد عليهم بقوله: "وهو خَبَرٌ، وَالأَخْبَارُ لا تُنْسَخُ". وَقَدْ ذكر السيوطي في الدر المنثور٤/ ١٢٢، قول النسخ، معزياً إلى عبد الرزاق وابن الأنباري في المصاحف عن قتادة، وإلى ابن الأنباري والبيهقي عن إبراهيم النخعي والشعبي.
٥ في (م): أبو الوفى. وهو خطأ إملائي.стр. 458
الْحَسَنِ بْنِ عَطِيَّةَ، عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَطِيَّةَ، قَالَ: قَالَ ابْنُ عُمَرَ أَنَّ الْحَبَشَةَ يُسَمُّونَ الْخَلَّ السَّكَرَ١. وَقَالَ الضَّحَّاكُ: هُوَ الْخَلُّ بِلِسَانِ الْيَمَنِ٢.
وَالثَّالِثُ: أَنَّ السَّكَرَ: الطَّعْمُ. يُقَالُ هَذَا لَهُ سَكَرٌ أَيْ: طَعْمٌ٣. وَأَنْشَدُوا: جُعِلَتْ (عِنَبُ الأَكْرَمِينَ سَكَرًا) ٤.
قَالَهُ: أَبُو عُبَيْدَةَ، فَعَلَى هَذَيْنِ الْقَوْلَيْنِ الآيَةُ مُحْكَمَةٌ٥.
ذِكْرُ الْآيَةِ الثَّانِيَةِ: قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلاغُ الْمُبِينُ﴾ ٦.
الحواشي
(١٨٠) وابن العربي في أحكام القرآن٣/ ١١٥٣ ومكي بن أبي طالب في الايضاح(٢٨٨) عن أبي عبيدة.
٤ تجد هذا الشعر في جامع البيان١٤/ ٩٢ والقرطبي ١٠/ ١٢٩ وقائل هذا البيت هو: جندل بن مثنى الطهوري. وفي رواية عرض الأكرمين.
٥ قلت: سلك المؤلف في زاد المسير٤/ ٤٦٤ - ٤٦٥، وفي مختصر عمدة الراسخ ورقة(٩) مسلكه هنا مناقشة وترجيحاً. كما ذهب الطبري، والنحاس في المصدرين السابقين إلى إحكام الآية، وقال الطبري: "الآية محكمة غير منسوخة، وأن أولى الأقوال المؤيدة لذلك، قول من قال بأن السكر هو كل ما كان حلالاً شربه، كالنبيذ الحلال، والخل الرطب والرزق الحسن والتمر والزبيب". روى ذلك بإسناده عن مجاهد، وعامر، ومجالد، والشعبي.
٦ الآية(٨٢) من سورة النحل.стр. 459
قَالَ كَثِيرٌ مِنَ الْمُفَسِّرِينَ: إِنَّهَا مُنْسُوخَةٌ بِآيَةِ السَّيْفِ، وَقَدْ بَيَّنَّا فِي نَظَائِرِهَا أَنَّهُ لا حَاجَةَ بِنَا إِلَى (ادِّعَاءِ) ١ النَّسْخِ فِي مِثْلِ هَذِهِ٢.
ذِكْرُ الآيَةِ الثَّالِثَةِ: قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ ٣.
اخْتَلَفَ الْمُفَسِّرُونَ٤ فِي هَذِهِ الْآيَةِ على أربعة أقوال:
أحدها: أَنَّ الْمَعْنَى جَادِلْهُمْ بِالْقُرْآنِ.
وَالثَّانِي: بِلا إِلَهَ إِلا اللَّهُ، وَالْقَوْلانِ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ،٥ ﵄.
وَالثَّالِثُ: أَعْرِضْ عَنْ أَذَاهُمْ إِيَّاكَ.
أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْوَهَّابِ الأَنْمَاطِيُّ قَالَ: أَبْنَا أَبُو طَاهِرٍ، قَالَ: أَبْنَا ابْنُ شَاذَانَ، قَالَ: أَبْنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ الْحَسَنِ، قَالَ: أَبْنَا إِبْرَاهِيمُ الْحُسَيْنُ، قَالَ: أَبْنَا آدم، قال: بنا وَرْقَاءَ، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ ﴿وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ ٦ قَالَ: يَقُولُ أَعْرِضْ عَنْ أَذَاهُمْ إياك٧.
الحواشي
(٢٠) آل عمران، و(٩٩) منها.
٣ الآية(١٢٥) من سورة النحل.
٤ في (م): المفسرين، وهو خطأ من الناسخ.
٥ قد ذكر المؤلف هذين القولين عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ في زاد المسير٤/ ٥٠٦
٦ الآية(١٢٥) من سورة النحل.
٧ أخرجه الطبري في جامع البيان عن مجاهد، وذكره السيوطي في الدر المنثور٤/ ١٣٥ وزاد نسبته إلى ابن المنذر وابن أبي حاتم عن مجاهد ﵁.стр. 460
وَالرَّابِعُ: جَادِلْهُمْ غَيْرَ فَظٍّ وَلا غَلِيظٍ وَأَلِنْ لَهُمْ جَانِبَكَ، قَالَهُ الزَّجَّاجُ١.
وَقَدْ ذَهَبْ كَثِيرٌ مِنَ الْمُفَسِّرِينَ إِلَى أَنَّ هَذِهِ الآيَةَ مَنْسُوخَةٌ بِآيَةِ السَّيْفِ٢. وَفِيهِ بُعْدٌ، لِأَنَّ الْمُجَادَلَةَ لا تُنَافِي الْقِتَالَ، وَلَمْ يَقُلْ لَهُ، اقْتَصِرْ عَلَى جِدَالِهِمْ، فَيَكُونُ الْمَعْنَى جَادِلْهُمْ فَإِنْ أَبَوْا فَالسَّيْفُ فَلا يُتَوَجَّهُ نَسْخٌ٣.
ذِكْرُ الْآيَةِ الرَّابِعَةِ: قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ وَلَئِنْ صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ لِلصَّابِرِينَ﴾ ٤.
لِلْمُفَسِّرِينَ فِي هَذِهِ الآيَةِ قَوْلانِ:
أحدهما: أَنَّهَا (نَزَلَتْ) ٥ قَبْلَ بَرَاءَةٍ، فَأُمِرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، أَنْ يُقَاتِلَ مَنْ قَاتَلَهُ، وَلا يَبْدَأُ بِالْقِتَالِ، ثُمَّ نُسِخَ ذَلِكَ وَأُمِرَ بِالْجِهَادِ. قَالَهُ ابْنُ عباس والضحاك.
الحواشي
(١٨٥) دون أن يدعم قوله بأي دليل عقلي أو نقلي.
٣ في (هـ): النسخ، بال.
قلت: ذكر دعوى النسخ المؤلف في المصدر السابق وفي مختصر عمدة الراسخ ورقة(٩) ثم رده بمثل مارد به هنا. وأما مكي بن أبي طالب في الإيضاح ص:٢٩١ فيقول بعد ذكر قول النسخ: "وهذا لا يجوز نسخه لأنه انتهاء إلى ما أمر الله به، والكف عما نهى الله عنه، فالآية محكمة".
٤ الآية(١٢٦) من سورة النحل.
٥ في (هـ): ليست. وهو تحريف ظاهر.следующие страницы →