Полный текст (660 стр.). Показаны 456–495 · переход к 461.
стр. 456
عمر، قال: بنا شُعْبَةُ عَنْ مُغِيرَةَ عَنْ إِبْرَاهِيمَ، وَالشَّعْبِيِّ، وَأَبِي رَزِينٍ١ أنهم قَالُوا: ﴿تَتَّخِذُونَ مِنْهُ سَكَراً﴾ ٢ (قَالُوا) ٣ هَذِهِ مَنْسُوخَةٌ٤.
أَخْبَرَنَا الْمُبَارَكُ بْنُ عَلِيٍّ، قَالَ: أَبْنَا أَحْمَدُ بْنُ الْحُسَيْنِ بْنِ قُرَيْشٍ، قَالَ: أَبْنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ عُمَرَ، قَالَ: أَبْنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ بْنِ العباس، قال: بنا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي دَاوُدَ، قال: بنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الصَّبَّاحِ، قَالَ: بنا أبو علي الحنفي، قال: بنا إِسْرَائِيلُ عَنْ أَبِي الْهَيْثَمِ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ فِي قَوْلِهِ: ﴿تَتَّخِذُونَ مِنْهُ سَكَراً﴾، قَالَ: الْخَمْرُ٥.
أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْوَهَّابِ الْحَافِظُ، قَالَ: أَبْنَا أَبُو طَاهِرٍ الْبَاقِلاوِيُّ، قَالَ: أَبْنَا أَبُو عَلِيِّ بْنُ شَاذَانَ، قَالَ: أَبْنَا عَبْدُ الرحمن بن الحسن قال: بنا إبراهيم ابن الحسين قال: بنا آدم، قال بناورقاء عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ عَنْ مجاهد ﴿تَتَّخِذُونَ مِنْهُ سَكَراً﴾ قَالَ: السَّكَرُ: الْخَمْرُ قَبْلَ تَحْرِيمِهَا، وهذا قول الحسن٦ وابن
الحواشي
(٣٣٤) .
٢ الآية(٦٧) من سورة النحل.
٣ في (هـ): قال، بالإفراد. وهو خطأ.
٤ أخرجه الطبري في جامع البيان ١٤/ ٩١ عَنْ إِبْرَاهِيمَ، وَالشَّعْبِيِّ وَأَبِي رَزِينٍ من طريق مغيرة.
٥ ذكره السيوطي في الدر المنثور٤/ ١٢٢، وعزاه إلى ابن أبي شيبة عن سعيد ابن جبير، وأخرجه الطبري عن إبراهيم من طريق الهيثم في جامع البيان١٤/ ٩٢.
٦ أخرج الطبري نحو هذا المعنى عن مجاهد من عدة طرق، وعن الحسن من طريقين في جامع البيان ١٤/ ٩١.стр. 457
أَبِي لَيْلَى وَالزَّجَّاجِ، وَابْنِ قُتَيْبَةَ١ وَمَذْهَبُ أَهْلِ هَذَا الْقَوْلِ أَنَّ هَذِهِ الآيَةَ نَزَلَتْ (إِذْ كَانَتِ) ٢ الْخَمْرُ مُبَاحَةٌ ثُمَّ نُسِخَتْ بِقَوْلِهِ: ﴿فَاجْتَنِبُوهُ﴾ ٣ وَمَنْ صَرَّحَ بِأَنَّهَا مَنْسُوخَةٌ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، وَمُجَاهِدٌ، وَالشَّعْبِيُّ، وَقَتَادَةُ، وَالنَّخَعِيُّ٤.
وَيُمْكِنُ أَنْ يُقَالَ عَلَى هذا القول ليست بِمَنْسُوخَةٍ، وَيَكُونُ الْمَعْنَى: أَنَّهُ خَلَقَ لَكُمْ هَذِهِ الثِّمَارَ لِتَنْتَفِعُوا بِهَا عَلَى وَجْهٍ مُبَاحٍ، فَاتَّخَذْتُمْ أَنْتُمْ مِنْهَا مَا هُوَ مُحَرَّمٌ عَلَيْكُمْ. وَيُؤَكِّدُ هَذَا أَنَّهَا خَبَرٌ وَالأَخْبَارُ لا تُنْسَخُ وَقَدْ ذَكَرَ نَحْوَ هَذَا الْمَعْنَى الَّذِي ذَكَرْتُهُ (أَبُو الوفاء) ٥ ابن عَقِيلٍ فَإِنَّهُ قَالَ: لَيْسَ فِي الآيَةِ مَا يَقْتَضِي إِبَاحَةَ السُّكْرِ، إِنَّمَا هِيَ مُعَاتَبَةٌ وَتَوْبِيخٌ.
وَالْقَوْلُ الثَّانِي: أَنَّ السَّكَرَ الْخَلُّ بِلُغَةِ الْحَبَشَةِ رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄.
وَأَخْبَرَنَا الْمُبَارَكُ بْنُ عَلِيٍّ، قَالَ: أَبْنَا أَحْمَدُ بْنُ الْحُسَيْنِ بْنِ قُرَيْشٍ، قَالَ: أَبْنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ عُمَرَ، قَالَ: أَبْنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ، قَالَ: بنا أبو بكر ابن أبي داود، قال: بنا مُحَمَّدُ بْنُ سَعْدٍ، قَالَ: حَدَّثَنِي أبي عن الحسين بن
الحواشي
(٩٠) من سورة المائدة.
٤ ذكر النسخ النحاس في ناسخه(١٨٠) عن هؤلاء وعن أبي رزين، ثم رد عليهم بقوله: "وهو خَبَرٌ، وَالأَخْبَارُ لا تُنْسَخُ". وَقَدْ ذكر السيوطي في الدر المنثور٤/ ١٢٢، قول النسخ، معزياً إلى عبد الرزاق وابن الأنباري في المصاحف عن قتادة، وإلى ابن الأنباري والبيهقي عن إبراهيم النخعي والشعبي.
٥ في (م): أبو الوفى. وهو خطأ إملائي.стр. 458
الْحَسَنِ بْنِ عَطِيَّةَ، عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَطِيَّةَ، قَالَ: قَالَ ابْنُ عُمَرَ أَنَّ الْحَبَشَةَ يُسَمُّونَ الْخَلَّ السَّكَرَ١. وَقَالَ الضَّحَّاكُ: هُوَ الْخَلُّ بِلِسَانِ الْيَمَنِ٢.
وَالثَّالِثُ: أَنَّ السَّكَرَ: الطَّعْمُ. يُقَالُ هَذَا لَهُ سَكَرٌ أَيْ: طَعْمٌ٣. وَأَنْشَدُوا: جُعِلَتْ (عِنَبُ الأَكْرَمِينَ سَكَرًا) ٤.
قَالَهُ: أَبُو عُبَيْدَةَ، فَعَلَى هَذَيْنِ الْقَوْلَيْنِ الآيَةُ مُحْكَمَةٌ٥.
ذِكْرُ الْآيَةِ الثَّانِيَةِ: قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلاغُ الْمُبِينُ﴾ ٦.
الحواشي
(١٨٠) وابن العربي في أحكام القرآن٣/ ١١٥٣ ومكي بن أبي طالب في الايضاح(٢٨٨) عن أبي عبيدة.
٤ تجد هذا الشعر في جامع البيان١٤/ ٩٢ والقرطبي ١٠/ ١٢٩ وقائل هذا البيت هو: جندل بن مثنى الطهوري. وفي رواية عرض الأكرمين.
٥ قلت: سلك المؤلف في زاد المسير٤/ ٤٦٤ - ٤٦٥، وفي مختصر عمدة الراسخ ورقة(٩) مسلكه هنا مناقشة وترجيحاً. كما ذهب الطبري، والنحاس في المصدرين السابقين إلى إحكام الآية، وقال الطبري: "الآية محكمة غير منسوخة، وأن أولى الأقوال المؤيدة لذلك، قول من قال بأن السكر هو كل ما كان حلالاً شربه، كالنبيذ الحلال، والخل الرطب والرزق الحسن والتمر والزبيب". روى ذلك بإسناده عن مجاهد، وعامر، ومجالد، والشعبي.
٦ الآية(٨٢) من سورة النحل.стр. 459
قَالَ كَثِيرٌ مِنَ الْمُفَسِّرِينَ: إِنَّهَا مُنْسُوخَةٌ بِآيَةِ السَّيْفِ، وَقَدْ بَيَّنَّا فِي نَظَائِرِهَا أَنَّهُ لا حَاجَةَ بِنَا إِلَى (ادِّعَاءِ) ١ النَّسْخِ فِي مِثْلِ هَذِهِ٢.
ذِكْرُ الآيَةِ الثَّالِثَةِ: قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ ٣.
اخْتَلَفَ الْمُفَسِّرُونَ٤ فِي هَذِهِ الْآيَةِ على أربعة أقوال:
أحدها: أَنَّ الْمَعْنَى جَادِلْهُمْ بِالْقُرْآنِ.
وَالثَّانِي: بِلا إِلَهَ إِلا اللَّهُ، وَالْقَوْلانِ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ،٥ ﵄.
وَالثَّالِثُ: أَعْرِضْ عَنْ أَذَاهُمْ إِيَّاكَ.
أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْوَهَّابِ الأَنْمَاطِيُّ قَالَ: أَبْنَا أَبُو طَاهِرٍ، قَالَ: أَبْنَا ابْنُ شَاذَانَ، قَالَ: أَبْنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ الْحَسَنِ، قَالَ: أَبْنَا إِبْرَاهِيمُ الْحُسَيْنُ، قَالَ: أَبْنَا آدم، قال: بنا وَرْقَاءَ، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ ﴿وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ ٦ قَالَ: يَقُولُ أَعْرِضْ عَنْ أَذَاهُمْ إياك٧.
الحواشي
(٢٠) آل عمران، و(٩٩) منها.
٣ الآية(١٢٥) من سورة النحل.
٤ في (م): المفسرين، وهو خطأ من الناسخ.
٥ قد ذكر المؤلف هذين القولين عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ في زاد المسير٤/ ٥٠٦
٦ الآية(١٢٥) من سورة النحل.
٧ أخرجه الطبري في جامع البيان عن مجاهد، وذكره السيوطي في الدر المنثور٤/ ١٣٥ وزاد نسبته إلى ابن المنذر وابن أبي حاتم عن مجاهد ﵁.стр. 460
وَالرَّابِعُ: جَادِلْهُمْ غَيْرَ فَظٍّ وَلا غَلِيظٍ وَأَلِنْ لَهُمْ جَانِبَكَ، قَالَهُ الزَّجَّاجُ١.
وَقَدْ ذَهَبْ كَثِيرٌ مِنَ الْمُفَسِّرِينَ إِلَى أَنَّ هَذِهِ الآيَةَ مَنْسُوخَةٌ بِآيَةِ السَّيْفِ٢. وَفِيهِ بُعْدٌ، لِأَنَّ الْمُجَادَلَةَ لا تُنَافِي الْقِتَالَ، وَلَمْ يَقُلْ لَهُ، اقْتَصِرْ عَلَى جِدَالِهِمْ، فَيَكُونُ الْمَعْنَى جَادِلْهُمْ فَإِنْ أَبَوْا فَالسَّيْفُ فَلا يُتَوَجَّهُ نَسْخٌ٣.
ذِكْرُ الْآيَةِ الرَّابِعَةِ: قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ وَلَئِنْ صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ لِلصَّابِرِينَ﴾ ٤.
لِلْمُفَسِّرِينَ فِي هَذِهِ الآيَةِ قَوْلانِ:
أحدهما: أَنَّهَا (نَزَلَتْ) ٥ قَبْلَ بَرَاءَةٍ، فَأُمِرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، أَنْ يُقَاتِلَ مَنْ قَاتَلَهُ، وَلا يَبْدَأُ بِالْقِتَالِ، ثُمَّ نُسِخَ ذَلِكَ وَأُمِرَ بِالْجِهَادِ. قَالَهُ ابْنُ عباس والضحاك.
الحواشي
(١٨٥) دون أن يدعم قوله بأي دليل عقلي أو نقلي.
٣ في (هـ): النسخ، بال.
قلت: ذكر دعوى النسخ المؤلف في المصدر السابق وفي مختصر عمدة الراسخ ورقة(٩) ثم رده بمثل مارد به هنا. وأما مكي بن أبي طالب في الإيضاح ص:٢٩١ فيقول بعد ذكر قول النسخ: "وهذا لا يجوز نسخه لأنه انتهاء إلى ما أمر الله به، والكف عما نهى الله عنه، فالآية محكمة".
٤ الآية(١٢٦) من سورة النحل.
٥ في (هـ): ليست. وهو تحريف ظاهر.стр. 461
أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْوَهَّابِ، قَالَ: أَبْنَا أَبُو الْفَضْلِ بْنُ خَيْرُونُ، وَأَبُو طَاهِرٍ الْبَاقِلاوِيُّ، قَالا: أَبْنَا أَبُو عَلِيِّ بْنُ شَاذَانَ، قَالَ: أَبْنَا أحمد بن كامل، قال: حدثي مُحَمَّدُ بْنُ سَعْدٍ، قَالَ: حَدَّثَنِي أَبِي، قَالَ: حَدَّثَنِي عَمِّي عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ ﴿وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ﴾ ١ فَقَالَ: أَمَرَ اللَّهُ تَعَالَى نَبِيَّهُ ﷺ أَنَّ يُقَاتِلَ مَنْ قَاتَلَهُ، ثُمَّ نَزَلَتْ بَرَاءَةٌ، فَهَذَا مِنَ الْمَنْسُوخِ، فَعَلَى هَذَا الْقَوْلِ، يَكُونُ الْمَعْنَى: وَلَئِنْ صَبَرْتُمْ عَنِ الْقِتَالِ، ثُمَّ نُسِخَ هَذَا بِقَوْلِهِ: ﴿فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ﴾ ٢.
وَالثَّانِي: أَنَّهَا مُحْكَمَةٌ، وَأَنَّهَا نَزَلَتْ فِيمَنْ ظُلِمَ ظَلامَةً فَلا يَحِلُّ لَهُ أَنْ يَنَالَ مِنْ ظَالِمِهِ أَكْثَرَ مِمَّا نَالَ الظُّلْمُ مِنْهُ. قَالَهُ الشَّعْبِيُّ، وَالنَّخَعِيُّ، وَابْنُ سِيرِينَ، وَالثَّوْرِيُّ.
أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْوَهَّابِ، قَالَ: أَبْنَا أَبُو طَاهِرٍ، قَالَ: أَبْنَا ابْنُ شَاذَانَ، قَالَ: أَبْنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ الْحَسَنِ، قَالَ: أَبْنَا إبراهيم بن الحسين، قال: بنا آدم قال بنا وَرْقَاءَ عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ، ﴿وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ﴾ يَقُولُ: لا تَعْتَدُوا يَعْنِي: مُحَمَّدًا وَأَصْحَابَهُ٣. وَعَلَى هَذَا الْقَوْلِ يَكُونُ الْمَعْنَى: وَلَئِنْ صَبَرْتُمْ عَلَى الْمِثْلَةِ لا عَنِ٤ الْقِتَالِ. وَهَذَا أَصَحُّ من القول الأول٥.
الحواشي
(١) ١ في (هـ): (فعوقبوا)، وهو خطأ من الناسخ.
٢ الآية الخامسة من سورة التوبة. وقد أخرج هذا الأثر ابن جرير الطبري في جامع البيان١٤/ ١٣٢، عن ابن عباس من طريق العوفي وهو إسناد مسلسل بالضعفاء.
٣ أخرجه الطبري في جامع البيان١٤/ ١٣٢ - ١٣٣، عن مجاهد وابن سيرين وإبراهيم النخعي، كما ذكره المؤلف في تفسيره عمن ذكر عنهم هنا. انظر: زاد المسير ٤/ ٥٠٨.
٤ في (هـ): على، والذي أثبت عن تفسيره أنسب.
٥ أورد المؤلف رأيين في كتابيه التفسير ومختصر عمدة الراسخ بدون ترجيح في هذه الآية ولم يعدها من المنسوخة النحاس، ولا مكي بن أبي طالب.стр. 462
ذِكْرُ الْآيَةِ الْخَامِسَةِ: قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَاصْبِرْ وَمَا صَبْرُكَ إِلاّ بِاللَّهِ وَلا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ﴾ ١.
هَذِهِ الآيَةُ مُتَعَلِّقَةٌ بِالَّتِي قَبْلَهَا فَحُكْمُهَا حُكْمُهَا، وَقَدْ زَعَمَ بَعْضُ الْمُفَسِّرِينَ أَنَّ الصَّبْرَ هَاهُنَا مَنْسُوخٌ بآية السيف٢.
الحواشي
(١٢٧) من سورة النحل.
٢ ساق ابن كثير في تفسيره حديثاً – وهو يفسر هذه الآية - يشير به إلى أن هذا الصبر على الانتقام من قريش يوم الفتح، وهو صبر الناصر الفاتح، والحديث مروي عن الإمام أحمد في مسنده عن أبي بن كعب، قال: "لما كان يوم أحد قتل من الأنصار ستون رجلاً ومن المهاجرين ستة فقال أصحاب رسول الله ﷺ : لئن كان لنا يوم مثل هذا من المشركين لنمثلن بهم، فلما كان يوم الفتح، قال رجل: لا تعرف قريش بعد هذا اليوم، فنادى مناد أن رسول الله ﷺ قد أمن الأسود والأبيض إلا فلاناً وفلاناً - ناساً سماهم - فأنزل الله ﵎ ﴿وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ﴾ إلى آخر السورة فقال رسول الله ﷺ : "نصبر ولا نعاقب"، وقد ذكر المؤلف هذا الحديث من أسباب نزول هذه الآية في تفسيره مختصراً. انظر: تفسير القرآن العظيم ٢/ ٥٩٢؛ وزاد المسير ٤/ ٥٠٧.стр. 463
بَابُ: ذِكْرِ الْآيَاتِ اللَّوَاتِي ادُّعِيَ عليهن النَّسْخُ فِي سُورَةِ بَنِي إِسْرَائِيلَ
ذِكْرُ الْآيَةِ الأُولَى: قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَقُلْ رَبِّ ارْحَمْهُمَا﴾ ١.
قَدْ ذَهَبَ بَعْضُ الْمُفَسِّرِينَ إِلَى أَنَّ هَذَا الدُّعَاءَ الْمُطْلَقَ نُسِخَ مِنْهُ الدُّعَاءُ لِلْوَالِدَيْنِ الْمُشْرِكَيْنِ، وَرُوِيَ نَحْوُ هَذَا عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ وَالْحَسَنِ وَعِكْرِمَةَ وَمُقَاتِلٌ.
أَخْبَرَنَا الْمُبَارَكُ بْنُ عَلِيٍّ، قَالَ: أَبْنَا أَحْمَدُ بْنُ الْحُسَيْنِ بْنِ قُرَيْشٍ، قَالَ: أَبْنَا أَبُو إِسْحَاقَ الْبَرْمَكِيُّ، قَالَ: أَبْنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ بْنِ الْعَبَّاسِ، قَالَ: أَبْنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي داود، قال: بنا محمد بن قهزاذ قَالَ: حَدَّثَنِي عَلِيُّ بْنُ الْحُسَيْنِ بْنِ وَاقِدٍ، قَالَ: حَدَّثَنِي أَبِي عَنْ يَزِيدَ النَّحْوِيِّ عَنْ عِكْرِمَةَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ (فِي) ٢ قَوْلِهِ: ﴿إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ الْكِبَرَ﴾ إِلَى قَوْلِهِ: ﴿كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيراً﴾ نَسَخَتْهَا ﴿مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ﴾ ٣.
الحواشي
(٢٤) من سورة الإسراء.
٢ في (م): وقوله، وهو تحريف.
٣ الآية(١١٣) من سورة التوبة.
وهذا الأثر، رواه البخاري في الأدب المفرد عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ في باب: لا يستغفر لأبيه المشرك، كما رواه الطبري أيضاً عن عكرمة من طريق علي بن الحسن بن واقد، انظر: الأدب المفرد١/ ٨٠؛ رقم(٨٠) ؛ وجامع البيان ١٥/ ٥٠.стр. 464
قال أبو بكر: وبنا مُحَمَّدُ بْنُ (سَعْدٍ) ١ قَالَ: حَدَّثَنِي أَبِي (عَنِ الْحُسَيْنِ بْنِ الْحَسَنِ) ٢ بْنِ عَطِيَّةَ عَنْ عَطِيَّةَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ ﴿إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ الْكِبَرَ﴾ إِلَى قوله: ﴿صَغِيراً﴾ فَنَسَخَهَا ﴿مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ﴾ ٣.
قال أبو بكر: وبنا أَحْمَدُ بْنُ يَحْيَى بْنِ مَالِكٍ، قال: بنا عَبْدُ الْوَهَّابِ، عَنْ سَعِيدٍ عَنْ قتادة نحوه٤.
أَخْبَرَنَا بْنُ نَاصِرٍ، قَالَ: أَبْنَا ابْنُ أَيُّوبَ، قَالَ: أَبْنَا ابْنُ شَاذَانَ، قَالَ: أَبْنَا أَبُو بَكْرٍ النَّجَّادُ، قَالَ: أَبْنَا أَبُو دَاوُدَ السِّجِسْتَانِيُّ، قَالَ: أَبْنَا أَحْمَدُ بْنُ محمد، قال: بنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُثْمَانَ، عَنْ عيسى بن عبيد الله عن عُبَيْدِ اللَّهِ مَوْلَى عُمَرَ عَنِ الضحاك ﴿وَقُلْ رَبِّ ارْحَمْهُمَا﴾ نُسِخَ مِنْهَا بِالآيَةِ الَّتِي (فِي) ٥ بَرَاءَةٍ ﴿مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ﴾ ٦.
الحواشي
(١٨٠) من البقرة.
٢ في (هـ): تقديم وتأخير، ولعله من الناسخ.
٣ الآية(١١٣) من التوبة.
والأثر أخرجه الطبري من طريق العوفي عن ابن عباس في جامع البيان ١٥/ ٥٠.
٤ أخرجه النحاس عن قتادة في ناسخه(١٨١) وقد أورد النحاس هذا القول عن قتادة بأسلوب يوحي بإحكام الآية، حيث قال: (والآية مستثنى منها الكفار) فذكر قول قتادة.
٥ في (هـ): هي، بدل في، وهو تحريف من الناسخ.
٦ الآية(١١٣) من سورة التوبة. وقد ذكر المؤلف في زاد المسير٥/ ٢٦ هذا القول عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ وَالْحَسَنِ، وَعِكْرِمَةَ ومقاتل.стр. 465
قُلْتُ: وَهَذَا لَيْسَ بِنَسْخٍ عِنْدَ الْفُقَهَاءِ إِنَّمَا هُوَ عَامٌّ دَخَلَهُ التَّخْصِيصُ وَإِلَى نَحْوِ مَا قُلْتُهُ ذهب ابن جرير والطبري١.
ذِكْرُ الْآيَةِ الثَّانِيَةِ: قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ وَكِيلاً﴾ ٢.
لِلْمُفَسِّرِينَ فِي مَعْنَى الْوَكِيلِ ثَلاثَةِ أقوال:
أحدها: كفيلاً (تؤخذ بهم) ٣ قاله بْنِ عَبَّاسٍ ﵄.
وَالثَّانِي: حَافِظًا وَرَبًّا، قَالَهُ الْفَرَّاءُ٤.
وَالثَّالِثُ: كَفِيلا بِهِدَايَتِهِمْ وَقَادِرًا عَلَى إِصْلاحِ قُلُوبِهِمْ ذَكَرَهُ ابْنُ الأَنْبَارِيِّ. وَعَلَى هَذَا، الآيَةُ مُحْكَمَةٌ. وَقَدْ زَعَمَ بَعْضُهُمْ: أَنَّهَا مَنْسُوخَةٌ بِآيَةِ السَّيْفِ٥، وَلَيْسَ بِصَحِيحٍ، وَقَدْ تَكَلَّمْنَا على نظائرها فيما سبق٦.
الحواشي
(٩) ، وبالإحكام قال مكي بن أبي طالب في الإيضاح ص: ٢٩٣.
٢ الآية(٥٤) من سورة الإسراء.
٣ في (هـ): توخذه ولعله خطأ من الناسخ. وقد ذكر هذا القول المصنف في زاد المسير ٥/ ٤٨ عن أَبِي صَالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ.
٤ ذكره المؤلف أيضاً في نفس المصدر عن الفراء.
وأما الفراء؛ فهو: إبراهبم بن موسى بن يزيد التميمي أبو إسحاق الرازي، يلقب بالصغير ثقة حافظ من العاشرة، مات بعد العشرين ومائتين. انظر: التقريب ص: ٢٣ - ٢٤.
٥ ذكر هذا القول ابن حزم في ناسخه ص: ٣٤٥، وابن سلامة في ناسخه(٦٤) .
٦ انظر مثلاً مما تقدم مناقشة الآيات (٦٦ - ١٠٧) من سورة الأنعام، و(١٠٨) من سورة يونس.стр. 466
ذِكْرُ الآيَةِ الثَّالِثَةِ: قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَلا تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ إِلاّ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ ١.
قَدْ زَعَمَ مَنْ قَلَّ فَهْمُهُ، مِنْ نَقَلَةِ التَّفْسِيرِ أَنَّ هَذِهِ الآيَةَ لَمَّا نَزَلَتِ امْتَنَعَ النَّاسُ مِنْ مُخَالَطَةِ الْيَتَامَى فَنَزَلَتْ: ﴿وَإِنْ تُخَالِطُوهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ﴾ ٢. وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى جَهْلِ قَائِلِهِ بِالتَّفْسِيرِ وَمَعَانِي الْقُرْآنِ أَيَرَاهُ يُجَوِّزُ قُرْبَ مَالِ الْيَتِيمِ بِغَيْرِ الَّتِي هِيَ أَحْسَنُ حَتَّى يُتَصَوَّرَ نَسْخٌ وَإِنَّمَا الْمَنْقُولُ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ وَغَيْرِهِ مِنَ الْمُفَسِّرِينَ أَنَّهُمْ كَانُوا يَخْلِطُونَ طَعَامَهُمْ بِطَعَامِ الْيَتَامَى، فَلَمَّا نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ عَزَلُوا طَعَامَهُمْ عَنْ طَعَامِهِمْ، وَكَانَ يَفْضُلُ الشَّيْءُ فَيَفْسَدُ، فَنَزَلَ قوله: ﴿وَإِنْ تُخَالِطُوهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ﴾ ٣ فَأَمَّا أَنْ تُدْعَى نَسْخٌ فَكَلا...٤.
الحواشي
(٣٤) من سورة الإسراء.
قلت: وكان من المفروض أن يقدم هذه الآية على التي قبلها، كي تكون مرتبة الأرقام حسبما التزم المؤلف في مقدمة الكتاب.
٢ الآية(٢٢٠) من سورة البقرة.
٣ الآية(٢٢٠) من سورة البقرة.
٤ انظر إن شئت ما ذكره المؤلف في تفسير آية(١٥٢) من سورة الأنعام من زاد المسير عن مال اليتيم. وأما دعوى النسخ في هذه الآية فقد أعرض عنه المؤلف في تفسيره، ومختصر عمدة الراسخ، وذكر النحاس ما يشير إلى النسخ عن قتادة، كما ذكر ذلك مكي بن أبي طالب عن مجاهد، ثم قال: والذي يوجبه النظم وعليه جماعة من العلماء، أنه غير منسوخ، لأنه قال تعالى: ﴿إلاّ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ ففي هذا جواز مخالطتهم بالتي هي أحسن وهو قوله: ﴿وَاللَّهُ يَعْلَمُ الْمُفْسِدَ مِنَ الْمُصْلِح﴾(٢٢٠) البقرة، فكلتا الآيتين يجوز مخالطة اليتيم، فلا يجوز أن تنسخ أحدهما الأخرى، لأنهما في معنى واحد. انظر: الناسخ والمنسوخ للنحاس(١٨٣) ؛ والإيضاح(٢٩٤) .стр. 467
ذِكْرُ الْآيَةِ الرَّابِعَةِ: قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَلا تَجْهَرْ بِصَلاتِكَ وَلا تُخَافِتْ بها﴾ ١.
رَوَى الضَّحَّاكُ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ أَنَّهُ قَالَ: نُسِخَتْ هَذِهِ الآيَةُ بِقَوْلِهِ: ﴿وَاذْكُرْ رَبَّكَ فِي نَفْسِكَ تَضَرُّعاً وَخِيفَةً وَدُونَ الْجَهْرِ مِنَ الْقَوْلِ﴾ ٢ وَقَالَ ابْنُ السَّائِبِ: نُسِخَتْ بِقَوْلِهِ: ﴿فَاصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ﴾ ٣ وَهَذَا الْقَوْلُ لَيْسَ بِصَحِيحٍ وَلَيْسَ بَيْنَ الآيَاتِ تَنَافٍ وَلا وَجْهَ لِلنَّسْخِ.
وَبَيَانُ هَذَا أَنَّ الْمُفَسِّرِينَ اخْتَلَفُوا فِي الْمُرَادِ بِقَوْلِهِ: ﴿وَلا تَجْهَرْ بِصَلاتِكَ﴾ فَقَالَ قَوْمٌ: هِيَ الصَّلاةُ الشَّرْعِيَّةُ، لا تَجْهَرْ بِقِرَاءَتِكَ فِيهَا وَلا تخافت بها٤.
الحواشي
(١١٠) من سورة الإسراء.
٢ الآية(٢٠٥) من الأعراف. ذكر النحاس في ناسخه ص: ١٨٣، عَنِ الضَّحَّاكِ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ كما ذكر عنه مكي بن أبي طالب في الإيضاح ص: ٢٩٦
٣ الآية(٩٤) من سورة الحجر، أورد المؤلف هذا القول والذي قبله في زاد المسير ٥/ ١٠١ عمن أوردهما هنا.
٤ رواه البخاري ومسلم، والترمذي، والنسائي، وابن جرير، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄. انظر: صحيح البخاري مع الفتح ١٠/ ٢٠ - ٢١، من كتاب التفسير؛ وصحيح مسلم بشرح النووي ٤/ ١٦٤ - ١٦٥، في باب (التوسط في القراءة في الصلاة الجهرية).стр. 468
وَقَالَ آخَرُونَ الصَّلاةُ: الدُّعَّاءُ، فَأُمِرَ التَّوَسُّطَ فِي رَفْعِ الصَّوْتِ، وَذَلِكَ لا ينافي التضرع١.
الحواشي
(١) ١ روى هذا المعنى البخاري في صحيحه والطبري في جامع البيان عن عائشة ﵂ قال الحافظ في الفتح: (رجح النووي وغيره قول ابن عباس كما رجحه الطبري، لكن يحتمل الجمع بينهما، بأنها نزلت في الدعاء، داخل الصلاة. وقد روى ابن مردويه من حديث أبي هريرة، قال: "كان رسول الله ﷺ إذا صلى عند البيت رفع صوته بالدعاء، فنزلت: ﴿وَلا تَجْهَرْ بِصَلاتِكَ﴾ " انتهى من فتح الباري١٠/ ٢١.
قلت: حكى دعوى النسخ هنا النحاس في ناسخه ص: ١٨٣ - ١٨٤، والمؤلف في تفسيره ٥/ ١٠١ واستبعدا هذا القول، وذكر النسخ مكي بن أبي طالب في الإيضاح ص: ٢٩٦ - ٢٩٧، ولكنه قال بعد إيراد قول أبي هريرة، وأبي موسى، وعائشة، من أن معنى الصلاة الدعاء: (فتكون الآية محكمة غير منسوخة).стр. 469
فَأَمَّا سُورَةُ الْكَهْفِ: فَلَيْسَ فِيهَا مَنْسُوخٌ إِلا أَنَّ السُّدِّيِّ يَزْعُمُ: أَنَّ قَوْلَهُ تَعَالَى: ﴿فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ﴾ ١. قَالَ: وَهَذَا تَخْيِيرٌ نُسِخَ بِقَوْلِهِ: ﴿وَمَا تَشَاءُونَ إِلاّ أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ﴾ ٢ وَهَذَا تَخْلِيطٌ فِي الْكَلامِ، وَإِنَّمَا هُوَ وَعِيدٌ وَتَهْدِيدٌ، وَلَيْسَ بِأَمْرٍ (كَذَلِكَ قَالَ الزَّجَّاجُ وَغَيْرُهُ) ٣ وَلا وجه للنسخ.
الحواشي
(٢٩) من سورة الكهف.
٢ الآية(٣٠) من سورة الدهر. ذكر دعوى النسخ هنا ابن حزم في ناسخه ص: ٣٤٦ وابن سلامة في ناسخه ص: ٦١.
٣ وقد أورد المؤلف قول الزجاج هذا في زاد المسير٥/ ١٣٤.стр. 470
بَابُ: ذِكْرِ الْآيَاتِ اللَّوَاتِي ادُّعِيَ عَلَيْهِنَّ النَّسْخُ فِي سُورَةِ مَرْيَمَ
ذِكْرُ الْآيَةِ الأُولَى: قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَأَنْذِرْهُمْ يَوْمَ الْحَسْرَةِ﴾ ١.
زَعَمَ بَعْضُ الْمُغَفَّلِينَ مِنْ نَاقِلِي التَّفْسِيرِ، أَنَّ الإِنْذَارَ (مَنْسُوخٌ بِآيَةِ السَّيْفِ) ٢ وَهَذَا تَلاعُبٌ مِنْ هَؤُلاءِ بِالْقُرْآنِ وَمِنْ أَيْنَ يَقَعُ التَّنَافِي بَيْنَ إِنْذَارِهِمُ الْقِيَامَةَ، وَبَيْنَ قِتَالِهِمْ فِي الدُّنْيَا.
ذِكْرُ الآيَةِ الثَّانِيَةِ: قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيّاً﴾ ٣.
زَعَمَ بَعْضُ الْجَهَلَةِ أَنَّهُ مَنْسُوخٌ بِالاسْتِثْنَاءِ بَعْدَهُ، وَقَدْ بَيَّنَّا أَنَّ الاسْتِثْنَاءَ لَيْسَ بِنَسْخٍ٤.
ذِكْرُ الآيَةِ الثَّالِثَةِ: قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَإِنْ مِنْكُمْ إِلاّ وَارِدُهَا﴾ ٥.
الحواشي
(٣٩) من سورة مريم.
٢ ذكر النسخ هنا ابن حزم في المصدر السابق وابن سلامة في ناسخه ص: ٦٢، ولم يتعرض له المؤلف في كتابيه التفسير، ومختصر عمدة الراسخ.
٣ الآية(٥٩) من سورة مريم.
٤ عد هذه الآية من المنسوخة ابن حزم في ناسخه ٣٤٦،وابن سلامة في ناسخه(٦٢) بلفظ ثم استثنى بقوله: ﴿إلا من تاب﴾ ولم يتعرض له المؤلف في تفسيره ومختصر عمدة الراسخ.
٥ الآية(٧١) من سورة مريم.стр. 471
زَعَمَ ذَلِكَ الْجَاهِلُ أَنَّهَا نُسِخَتْ بِقَوْلِهِ: ﴿ثُمَّ نُنَجِّي الَّذِينَ اتَّقَوْا﴾ ١ وَهَذَا مِنْ أَفْحَشِ الْإِقْدَامِ عَلَى الْكَلامِ فِي كِتَابِ اللَّهِ سُبْحَانَهُ بِالْجَهْلِ. وَهَلْ بَيْنَ الآيَتَيْنِ تَنَافٍ فَإِنَّ الأُولَى (تُثْبِتُ) ٢ أَنَّ الْكُلَّ يَرِدُونَهَا، وَالثَّانِيَةُ (تُثْبِتُ) ٣ أَنَّهُ يَنْجُو مِنْهُمْ مَنِ اتَّقَى، ثُمَّ (هُمَا) ٤ خَبَرَانِ وَالأَخْبَارُ لا تُنَسْخُ٥.
ذِكْرُ الآيَةِ الرَّابِعَةِ: قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿قُلْ مَنْ كَانَ فِي الضَّلالَةِ فَلْيَمْدُدْ لَهُ الرَّحْمَنُ مَدّاً﴾ ٦.
وَزَعَمَ ذَلِكَ الْجَاهِلُ، أَنَّهَا مَنْسُوخَةٌ بِآيَةِ السَّيْفِ٧. وَهَذَا بَاطِلٌ. قَالَ الزَّجَّاجُ: هَذِهِ الآيَةُ لَفْظُهَا لَفْظُ أَمْرٍ، وَمَعْنَاهَا الْخَبَرُ، وَالْمَعْنَى: إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى جَعَلَ جَزَاءَ ضَلالَتِهِ أَنْ يَتْرُكَهُ فِيهَا٨. وَعَلَى هَذَا لا وَجْهَ لِلنَّسْخِ.
ذِكْرُ الآيَةِ الْخَامِسَةِ: قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿فَلا تَعْجَلْ عَلَيْهِمْ إِنَّمَا نَعُدُّ لَهُمْ عَدّاً﴾ ٩.
الحواشي
(٧٢) من السورة نفسها.
٢ في (هـ): ثبت.
٣ في (هـ): ثبت.
٤ في (هـ): هم، وهو خطأ.
٥ ذكر النسخ هنا مكي بن أبي طالب في الإيضاح(٣٠١) عن قوم ثم رده بقوله: إنه خبر لا يجوز نسخه. وأما الطبري والنحاس، والمؤلف في تفسيره ومختصر عمدة الراسخ فأعرضوا عن ذكره.
٦ الآية(٧٥) من سورة مريم.
٧ ذكر دعوى النسخ هنا ابن حزم في ناسخه(٣٤٦) وابن سلامة في ناسخه(٦٢) .
٨ ذكر المؤلف هذا المعنى في زاد المسير٥/ ٢٥٩ عن الزجاج، ولم يتعرض لقول النسخ أصلاً.
٩ الآية(٨٤) من سورة مريم.стр. 472
زَعَمَ بَعْضُ الْمُفَسِّرِينَ: أَنَّهَا مَنْسُوخَةٌ بِآيَةِ السَّيْفِ١. وَهَذَا لَيْسَ بِصَحِيحٍ، لِأَنَّهُ إِنْ كَانَ الْمَعْنَى: لا تَعْجَلْ بِطَلَبِ عَذَابِهِمُ الَّذِي (يَكُونُ) ٢ فِي الآخِرَةِ فَإِنَّ الْمَعْنَى أَنَّ أعمارهم (سَرِيعَةُ) ٣ الْفَنَاءِ، فَلا وَجْهَ لِلنَّسْخِ. وإن كان المعنى: ولا تَعْجَلْ بِطَلَبِ قِتَالِهِمْ، فَإِنَّ هَذِهِ السُّورَةَ نَزَلَتْ بِمَكَّةَ وَلَمْ يُؤْمَرْ حِينَئِذٍ بِالْقِتَالِ فَنَهْيُهُ عَنِ الاسْتِعْجَالِ بِطَلَبِ الْقِتَالِ، وَاقِعٌ فِي مَوْضِعِهِ، ثُمَّ أَمْرُهُ بِقِتَالِهِمْ بَعْدَ الْهِجْرَةِ لا يُنَافِي النَّهْيَ عَنِ طَلَبِ الْقِتَالِ بِمَكَّةَ فَكَيْفَ يُتَوَجَّهُ النَّسْخُ. فَسُبْحَانَ مَنْ قَدَّرَ وُجُودَ قَوْمٍ جُهَّالٍ يَتَلاعَبُونَ بِالْكَلامِ فِي الْقُرْآنِ، ويدعون نَسْخَ مَا لَيْسَ بِمَنْسُوخٍ، وَكُلُّ ذَلِكَ مِنْ سُوءِ الْفَهْمِ، نَعُوذُ بالله منه٤.
الحواشي
(١) ١ ذكره ابن حزم وابن سلامة في المصدرين السابقين.
٢ في (هـ): كون، وهو تحريف.
٣ في (هـ): شريعة، وهو تحريف.
٤ لم يتعرض المؤلف في مختصر عمدة الراسخ لدعوى النسخ هنا وقد ذكره في زاد المسير٥/ ٢٦٢، ثم رده بقوله: (وهذا ليس بصحيح). وأما أبو جعفر النحاس فأعرض عن ذكر دعوى النسخ في الآيات الخمسة المذكورة هنا، كما أعرض عن الأربعة منها مكي بن أبي طالب. إنما ذكر في واحدة منها كما قدمنا آنفاً ثم رد على ذلك.стр. 473
بَابُ: ذِكْرِ الْآيَاتِ اللَّوَاتِي ادُّعِيَ عَلَيْهِنَّ النَّسْخُ فِي سُورَةِ طَهَ .
ذِكْرُ الْآيَةِ الأُولَى: قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿فَاصْبِرْ عَلَى مَا يَقُولُونَ﴾ ١.
قَالَ جَمَاعَةٌ مِنَ الْمُفَسِّرِينَ، مَعْنَاهَا: فَاصْبِرْ عَلَى مَا (تَسْمَعُ) ٢ مِنْ أَذَاهِمْ، ثُمَّ نُسِخَتْ بِآيَةِ السَّيْفِ٣.
ذِكْرُ الْآيَةِ الثَّانِيَةِ: قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿قُلْ كُلٌّ مُتَرَبِّصٌ فَتَرَبَّصُوا﴾ ٤.
قَالُوا: هِيَ مَنْسُوخَةٌ بِآيَةِ السَّيْفِ٥. وَقَدْ ذَكَرُوا فِي سُورَةِ الأَنْبِيَاءِ مَا لا يَحْسُنُ ذِكْرُهُ مِمَّا ادعوا فيه النسخ فأضربنا عنه.
الحواشي
(١٣٠) من سورة طه.
٢ في (هـ): سمع.
٣ قلت: عبارة المؤلف في مختصر عمدة الراسخ كعبارته هنا، حيث نسب قول النسخ إلى جماعة بدون تعليق، إلا أنه فسر الآية في زاد المسير ٥/ ٣٣٣، بما يؤيد النسخ، وقال: (ثم حكم فيهم بالقتل، ونسخ آية السيف). ونحن لا نجد دليلاً صحيحاً يثبت النسخ هنا، بل يشير كلام المؤلف في آيتي النحل: وهما: (وَلَئِنْ صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ لِلصَّابِرِينَ)، ﴿وَاصْبِرْ وَمَا صَبْرُكَ إِلَّا بِاللَّهِ﴾ أن أمثال هذه الآية لا يقول بنسخها. والله أعلم.
٤ الآية(١٣٥) من سورة طه.
٥ قلت: ذكر النسخ هنا هبة الله في ناسخه(٦٤) أما المؤلف فأسلوبه، في مختصر عمدة الراسخ كأسلوبه هنا حيث لم يبد رأياً فيه، إنما نقل قول النسخ في زاد المسير، فقال: (وليس بشيء) ولم يتعرض لقول النسخ في هذين الآيتين الطبري والنحاس ومكي بن أبي طالب.стр. 474
باب: ذكر الآيات التي ادُّعِيَ عَلَيْهِنَّ النَّسْخُ فِي سُورَةِ الْحَجِّ .
ذِكْرُ الآيَةِ الأُولَى: قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَإِنْ جَادَلُوكَ فَقُلِ اللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾ ١.
اخْتَلَفُوا فِي هَذِهِ الآيَةِ عَلَى قولين:
أحدهما: أَنَّهَا نَزَلَتْ قَبْلَ الأَمْرِ بِالْقِتَالِ ثُمَّ نُسِخَتْ بِآيَةِ السَّيْفِ٢.
وَالثَّانِي: أَنَّهَا نَزَلَتْ فِي حَقِّ الْمُنَافِقِينَ كَانَتْ تَظْهَرُ مِنْهُمْ فَلَتَاتٌ ثُمَّ يُجَادِلُونَ عَلَيْهَا فَأُمِرَ أَنْ يَكِلَ أُمُورَهُمْ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى، فَالآيَةُ عَلَى هَذَا مُحْكَمَةٌ٣.
ذِكْرُ الآيَةِ الثَّانِيَةِ: قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَجَاهِدُوا فِي اللَّهِ حَقَّ جِهَادِهِ﴾ ٤ فيها قولان:
أحدهما: أَنَّهَا مَنْسُوخَةٌ، لِأَنَّ فِعْلَ مَا فِيهِ وَفَاءٌ لِحَقِّ اللَّهِ لا يُتَصَوَّرُ مِنْ أَحَدٍ، وَاخْتَلَفَ هَؤُلاءِ في ناسخها على قولين:
الحواشي
(٦٨) من سورة الحجّ.
٢ ذكره هبة الله في ناسخه ص: ٦٦.
٣ في النسختين غير واضحة قومتها حسبما وجدت في تفسير المؤلف ومختصر عمدة الراسخ، لم يتعرض الطبري وابن كثير للنسخ في هذه الآية بل فسراها بما يؤيد الإحكام. انظر: جامع البيان ١٧؛ وتفسير القرآن العظيم ٣/ ٣٤.
٤ الآية(٧٨) من سورة الحجّ.стр. 475
أحدهما: أَنَّهُ قَوْلُهُ: ﴿لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلاّ وُسْعَهَا﴾ ١،
وَالثَّانِي: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ ٢.
وَالْقَوْلُ الثَّانِي: أَنَّهَا مُحْكَمَةٌ، لِأَنَّ حَقَّ الْجِهَادِ الْجِدُّ فِي الْمُجَاهَدَةِ، وَبَذْلُ الإِمْكَانِ مَعَ صِحَّةِ الْقَصْدِ. فعلى هَذَا هِيَ مُحْكَمَةٌ وَيُوَضِّحُهُ أَنَّ الله تعالى لم يؤمر بِمَا لا يُتَصَوَّرُ، فَبَانَ أَنَّ قوله: ﴿مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ تَفْسِيرٌ لِحَقِّ الْجِهَادِ فَلا يَصِحُّ نَسْخٌ، كَمَا بَيَّنَّا فِي قَوْلِهِ تَعَالَى فِي آلِ عِمْرَانَ: ﴿اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ﴾ ٣.
الحواشي
(٢٨٦) من سورة البقرة.
٢ الآية(١٦) من سورة التغابن.
٣ الآية(١٠٢) من آل عمران.
في (م): اتق بالإفراد وهو خطأ من الناسخ.
قلت: مال المؤلف إلى إحكام الآية في زاد المسير٥/ ٤٥٩،ومختصر عمدة الراسخ الورقة العاشرة، وهو اختيار النحاس ومكي به أبي طالب. انظر: الناسخ والمنسوخ(١٩٢) ؛ والإيضاح(٣١٠) .стр. 476
باب: ذكر الآيات (التي) ١ ادُّعِيَ عَلَيْهِنَّ النَّسْخُ فِي سُورَةِ الْمُؤْمِنُونَ ٢
ذِكْرُ الآيَةِ الأَولَى: قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿فَذَرْهُمْ فِي غَمْرَتِهِمْ حَتَّى حِينٍ﴾ ٣ أَيْ: فِي (عَمَايَتِهِمْ) ٤ وَحِيرَتِهِمْ إِلَى أَنْ يَأْتِيَهُمْ مَا وَعَدُوا بِهِ مِنَ الْعَذَابِ، وَاخْتَلَفُوا هَلْ هَذِهِ مَنْسُوخَةٌ أَمْ لا، عَلَى قَوْلَيْنِ:
أحدهما: أَنَّهَا مَنْسُوخَةٌ بِآيَةِ السَّيْفِ لِأَنَّهَا اقْتَضَتْ تَرْكَ الْكُفَّارِ عَلَى مَا هُمْ عَلَيْهِ٥.
وَالثَّانِي: أَنَّ مَعْنَاهَا الْوَعِيدُ وَالتَّهْدِيدُ، فَهِيَ مُحْكَمَةٌ٦.
ذِكْرُ الآيَةِ الثَّانِيَةِ: قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ السَّيِّئَةَ﴾ ٧.
الحواشي
(٥٤) من سورة المؤمنون.
٤ وقد ذكر هذا القول المؤلف في زاد المسير٥/ ٤٧٩ عن الزجاج.
٥ ذكره ابن حزم في ناسخه ص: ٣٤٩، وابن سلامة في ناسخه ص: ٦٧.
٦ ذكر المؤلف في زاد المسير٥/ ٤٧٩، وفي مختصر عمدة الراسخ الورقة العاشرة، نفس ما ذكره هنا. كما فسر الطبري وابن كثير الآية بما يؤيد إحكامها. انظر: جامع البيان ١٨/ ٢٤؛ وتفسير القرآن العظيم ٣/ ٢٤٧.
٧ الآية(٩٦) من سورة المؤمنون.стр. 477
للمفسرين في معنا هذا أربعة أقوال:
أحدها: ادفع إساءة المسيء (بالصفح) قاله الْحَسَنُ١.
وَالثَّانِي: ادْفَعِ الْفُحْشَ بِالإِسْلامِ، قَالَهُ عَطَاءٌ وَالضَّحَّاكُ٢.
وَالثَّالِثُ: ادْفَعَ الشرك بالتوحيد قاله بن السَّائِبِ.
وَالرَّابِعُ: ادْفَعَ الْمُنْكَرَ بِالْمَوْعِظَةِ، حَكَاهُ الْمَاوَرْدِيُّ، وَقَدْ ذَكَرَ بَعْضُ الْمُفَسِّرِينَ أَنَّ هَذِهِ الآيَةَ مَنْسُوخَةٌ٣. وَقَالَ بَعْضُ الْمُحَقِّقِينَ مِنَ الْعُلَمَاءِ: لا حَاجَةَ بِنَا إِلَى الْقَوْلِ بِالنَّسْخِ؛ لِأَنَّ الْمُدَارَاةَ مَحْمُودَةٌ مَا لَمْ تَضُرَّ بِالدِّينِ، وَلَمْ تُؤَدِّ إِلَى إِبْطَالِ حَقٍّ وَإِثْبَاتِ بَاطِلٍ٤.
الحواشي
(٦٧) .
٤ قلت: أورد المؤلف قول النسخ في المصدر السابق عن بعضهم، ولم يرجح، وأورده في مختصر عمدة الراسخ الورقة العاشرة عن البعض ثم رده بمثل ما رد به هنا. ولم يتعرض له النحاس ولا مكي بن أبي طالب.стр. 478
باب: ذكر الآيات (التي) ١ ادُّعِيَ عَلَيْهِنَّ النَّسْخُ فِي سُورَةِ النُّورِ
ذِكْرُ الآيَةِ الأُولَى: قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿الزَّانِي لا يَنْكِحُ إِلاّ زَانِيَةً أَوْ مُشْرِكَةً وَالزَّانِيَةُ لا يَنْكِحُهَا إِلاّ زَانٍ أَوْ مُشْرِكٌ﴾ ٢.
قَالَ عِكْرِمَةُ هَذِهِ الآيَةُ فِي بَغَايَا كُنَّ بِمَكَّةَ أَصْحَابَ رَايَاتٍ وَكَانَ لا يَدْخُلُ عَلَيْهِنَّ إِلا زَانٍ مِنْ أَهْلِ الْقِبْلَةِ أَوْ مُشْرِكٍ، فَأَرَادَ نَاسٌ مِنَ الْمُسْلِمِينَ نِكَاحَهُنَّ فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ٣. قَالَ ابْنُ جَرِيرٍ فَعَلَى هَذَا يَكُونُ الْمَعْنَى: الزَّانِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ لا يَتَزَوَّجُ امْرَأَةً مِنْ أُولَئِكَ الْبَغَايَا إِلا زَانِيَةً أَوْ مُشْرِكَةً؛ لِأَنَّهُنَّ كَذَلِكَ، وَالزَّانِيَةُ مِنْ أُولَئِكَ الْبَغَايَا لا يَنْكِحُهَا إِلا زَانٍ أَوْ مُشْرِكٍ٤.
أَخْبَرَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ أَحْمَدَ، قال: بنا عُمَرُ بْنُ عُبَيْدِ اللَّهِ الْبَقَّالُ، قال: بنا ابْنُ بِشْرَانَ، قَالَ: أَبْنَا إِسْحَاقُ ابن أحمد، قالت: بنا عبد الله بن أحمد،
الحواشي
(١) ١ في (هـ): اللواتي.
٢ الآية الثالثة من سورة النوز.
٣ ذكر نحو هذا المعنى الطبري في تفسيره١٨/ ٥٥، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَمُجَاهِدٍ، وَقَتَادَةَ، وغيرهم، كما ذكره المؤلف في زاد المسير٦/ ٩ عن عكرمة، وفيه: (كن بمكة ومنهن تسع صاحب رايات وكانت بيوتهن تسمى في الجاهلية المواخير).
٤ تجد في تفسير الآية الثالثة من سورة النور في جامع البيان ٤٨/ ٥٠ - ٥٧ نص كلام الطبري والآثار المروية في ذلك.стр. 479
قال: حدثني أبي، قال: بنا هُشَيْمٌ، وَأَبْنَا ابْنُ نَاصِرٍ، قَالَ: أَبْنَا ابْنُ أَيُّوبَ، قَالَ: أَبْنَا ابن شاذان، قال بنا أبو بكر النجاد، قال: بنا أبو داود السجستاني، قال: بنا وهب بن بقية عن هشيم، قَالَ: أَبْنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ فِي قَوْلِهِ: ﴿وَالزَّانِيَةُ لا يَنْكِحُهَا إِلاّ زَانٍ أَوْ مُشْرِكٌ﴾ قَالَ نَسَخَتْهَا الْآيَةُ الَّتِي بَعْدَهَا: ﴿وَأَنْكِحُوا الأيَامَى مِنْكُمْ﴾ ١.
قَالَ الشَّافِعِيُّ: الْقَوْلُ كَمَا قَالَ ابْنُ الْمُسَيِّبِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ٢.
الحواشي
(٣٢) من سورة النور. والأثر رواه الطبري بأسانيد صحيحة عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ فِي المصدر نفسه.
٢ قال الإمام الشافعي ﵀ بعد أن روى قول ابن المسيب بإسناده: (فهذا كَمَا قَالَ ابْنُ الْمُسَيِّبِ إِنْ شاء الله وعليه دلائل من القرآن والسنة).
قلت: المؤلف ﵀ لم يبد رأيه في نسخ الآية - كما هنا -، في مختصر عمدة الراسخ، ولم يتعرض في تفسيره لدعوى النسخ، وأما النحاس فيورد أربعة أقوال في الآية:
الأول: أنها منسوخة، على رأي ابن المسيب ﵀.
والثاني: أنها محكمة ومعناها الوطأ، هذا على رأي ابن عباس، ﵄، وهو اختيار الطبري.
والثالث: الزاني المجلود في الزنا لا ينكح إلا مجلودة مثله، وهو مروي عن أبي هريرة والحسن، ثم قال النحاس وهذا الحديث يجوز أن يكون منسوخاً.
والرابع: وهي الزانية التي تكتسب بزناها، وتنفق على زوجها، وهذا المعنى مروي عن عبد الله بن عمرو، وهو قول مجاهد ثم قال النحاس: هذا الحديث من أحسن ما روي في هذه الآية، فإذا صح جاز أن تكون الناسخة بعده والله أعلم بحقيقة ذلك.
هكذا أورد مكي بن أبي طالب الآراء الأربعة عن أصحابها ولم يرجح راياً دون آخر.
وأما الإمامان ابن جرير، وابن كثير، فقد فسرا بما يؤيد إحكام الآية، وإليك نص ما ذكره ابن كثير بعد إيراد هذه الآية: (هذا خبر من الله تعالى بأن الزاني لا يطأ إلا زانية أو مشركة، أي: لا يطاوعه على مراده من الزنا إلا زانية عاصية أو مشركة لا ترى حرمة ذلك، وكذلك الزانية لا ينكحها إلا زان، أي: عاص أو مشرك لا يعتقد تحريمه) ثم يروي نحو هذا المعنى من طريق سفيان الثوري عن حبيب بن أبي عمرة عن سعيد بن جبير عن ابن عباس ﵄، ويقول: هذا إسناد صحيح عنه، وقد روى عنه من غير وجه، كما روى عن مجاهد، وعكرمة، وسعيد بن جبير، وعروة بن الزبير، والضحاك، ومكحول، ومقاتل بن حيان، وغير واحد نحو ذلك.
ويقول ابن كثير أيضاً: (ومن هنا ذهب الإمام أحمد بن حنبل ﵀ إلى أنه لا يصح العقد من الرجل العفيف على امرأة البغي ما دامت كذلك حتى تستتاب، فإن تابت، صح العقد عليها وإلا فلا، وكذلك لا يصح تزويج المرأة الحرة العفيفة بالرجل الفاجر المسافح حتى يتوب توبة صحيحة لقوله تعالى: ﴿وَحُرِّمَ ذَلِكَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ﴾ انتهى. وقد ذكر هذا القول المؤلف في زاد المسير، وقال: (وهو مذهب أصحابنا).
وقد ناقش أستاذنا الدكتور مصطفى زيد هذه الآية مناقشة جدية في كتابه النسخ في القرآن الكريم، فيقول في نهاية المناقشة: (إن علاقة الآيتين الناسخ والمنسوخ هنا من نوع علاقة الخاص الإضافي بالعام، تخصيص عمومه ولا تنسخ به وقد أسلفنا أن الحنفية يسمون مثل هذا نسخاً، إن كان العمل بالعام فيه ممكناً قبل نزول الخاص، فإن الخاص حينئذ، يعتبر ناسخاً للعام بمعنى أنه رفع الحكم، عن أفراد كان العام يشملهم قبل أن ينزل الخاص، أما إذا لم يكن العمل بالعام ممكناً قبل نزول الخاص فلا خلاف بين الأئمة في أن نزول الخاص بعده مخصص له، لا ناسخ).
انظر في ذلك كله: كتاب الأم للإمام الشافعي٥/ ١٠؛ وأحكام القرآن له١/ ١٧٨؛ والسنن الكبرى للبيهقي٧/ ١٥٤؛ وزاد المسير٦/ ٩؛ ومختصر عمدة الراسخ المخطوط ورقة(١٠) ؛ والناسخ والمنسوخ للنحاس ص: ١٩٣ - ١٩٤؛ والإيضاح لناسخ القرآن ومنسوخه ص: ٣١٢ - ٣١٣؛ وتفسير جامع البيان١٨/ ٥٥ - ٥٧؛ وتفسير القرآن العظيم ٣/ ٢٦٢؛ والنسخ في القرآن الكريم الجزء الثاني، فقرة ١١٨٥ - ١١٩٦.стр. 480
ذِكْرُ الْآيَةِ الثَّانِيَةِ: قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ﴾ ١.
زَعَمَ مَنْ لا فَهْمَ لَهُ، مِنْ نَاقِلِي التَّفْسِيرِ، أَنَّهَا نُسِخَتْ (بِالاسْتِثْنَاءِ) ٢ بَعْدَهَا، وَهُوَ قَوْلُهُ تَعَالَى ﴿إِلاّ الَّذِينَ تَابُوا﴾ ٣ وَقَدْ بَيَّنَّا فِي مَوَاضِعَ أَنَّ الاسْتِثْنَاءَ لا يَكُونُ نَاسِخًا٤.
ذِكْرُ الآية الثالثة: قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَدْخُلُوا بُيُوتاً غَيْرَ بُيُوتِكُمْ﴾ الآيَةَ٥.
ذَهَبَ بَعْضُ الْمُفَسِّرِينَ إِلَى أَنَّهُ نُسِخَ مِنْ حُكْمِ هَذَا النَّهْيِ الْعَامِّ حُكْمُ الْبُيُوتِ الَّتِي لَيْسَ لَهَا أَهْلٌ يُسْتَأْذَنُونَ، بِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَدْخُلُوا بُيُوتاً غَيْرَ مَسْكُونَةٍ﴾ ٦.
الحواشي
(٢٧) من سورة النور.
٦ الآية(٢٩) من سورة النور.стр. 481
أَخْبَرَنَا الْمُبَارَكُ بْنُ عَلِيٍّ، قَالَ: أَبْنَا أَحْمَدُ بْنُ الْحُسَيْنِ بْنِ قُرَيْشٍ، قَالَ: أَبْنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ عُمَرَ الْبَرْمَكِيُّ، قَالَ: أَبْنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ قَالَ: أَبْنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي دَاوُدَ، قَالَ: أبنا محمد بن قهزاذ، قال: بنا عَلِيُّ بْنُ الْحُسَيْنِ بْنِ وَاقِدٍ قَالَ: حَدَّثَنِي أَبِي عَنْ يَزِيدَ النَّحْوِيِّ عَنْ عِكْرِمَةَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ:١ ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَدْخُلُوا بُيُوتاً غَيْرَ بُيُوتِكُمْ حَتَّى تَسْتَأْنِسُوا﴾ الآيَةَ ثُمَّ نُسِخَ وَاسْتُثْنِيَ مِنْ ذَلِكَ: ﴿لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَدْخُلُوا بُيُوتاً غَيْرَ مَسْكُونَةٍ فِيهَا مَتَاعٌ لَكُمْ﴾ (وَهَذَا) ٢ مَرْوِيٌّ عَنِ الْحَسَنِ، وَعِكْرِمَةَ، وَالضَّحَّاكِ٣، (وَلَيْسَ هَذَا نَسْخٌ) ٤ إِنَّمَا هُوَ تَخْصِيصٌ٥.
وَالثَّانِي: أَنَّ الآيَتَيْنِ محكمتان (فالاستئذان) ٦ شَرْطٌ فِي الأُولَى، إِذَا كَانَ للدار أهل، و (الثانية) ٧ وَرَدَتْ فِي بُيُوتٍ لا سَاكِنَ لها
الحواشي
(١) ١ في (م): (وقال) زيادة، ولعلها من الناسخ.
٢ في (هـ): ولهذا، وهو خطأ.
٣ أخرج الطبري والنحاس هذا القول عن ابن عباس بسند ضعيف، كما ذكره النحاس عن عكرمة والحسن، وذكره مكي بن أبي طالب عن ابن عباس بدون إسناد، ثم قال النحاس ومكي: إن الآيتين محكمتان عند أكثر أهل التأويل. انظر: جامع البيان١٥/ ٨٧؛ والناسخ والمنسوخ ص: ١٩٥؛ والإيضاح ص: ٣١٦.
٤ في (م): وليس ولهذا نسخ، وهو تحريف.
٥ ذكر ذلك المؤلف في مختصر عمدة الراسخ الورقة العاشرة.
٦ في (هـ): قال استيذ، وهو تحريف.
٧ في (م): والثاني بالتذكير، وهو خطأ.стр. 482
(وَالإِذْنُ) ١ لا يُتَصَوَّرُ مِنْ غَيْرِ آذِنٍ، فَإِذَا بَطُلَ الاسْتِئْذَانُ لَمْ يَكُنِ الْبُيُوتُ الْخَالِيَةُ دَاخِلَةٌ فِي الأُولَى، وَهَذَا أَصَحُّ٢.
ذِكْرُ الآيَةِ الرَّابِعَةِ: قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَلا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلاّ مَا ظَهَرَ مِنْهَا﴾ ٣.
قَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ ﵁ هُوَ الرِّدَاءُ٤. وَقَدْ زَعَمَ قَوْمٌ: أَنَّ هَذَا نَسْخٌ، بِقَوْلِهِ: ﴿وَالْقَوَاعِدُ مِنَ النِّسَاءِ اللاّتِي لا يَرْجُونَ نِكَاحاً فَلَيْسَ عَلَيْهِنَّ جُنَاحٌ أَنْ يَضَعْنَ ثِيَابَهُن﴾ ٥.أَخْبَرَنَا الْمُبَارَكُ بْنُ عَلِيٍّ، قَالَ: أَبْنَا أَحْمَدُ بْنُ الْحُسَيْنِ، قَالَ: أَبْنَا الْبَرْمَكِيُّ، قَالَ: أَبْنَا مُحَمَّدُ بن إسماعيل، قال: بنا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي دَاوُدَ، قال: بنا محمد بن قهزاذ قال: بنا عَلِيُّ بْنُ الْحُسَيْنِ بْنِ وَاقِدٍ، قَالَ: حَدَّثَنِي أَبِي عَنْ يَزِيدَ النحوي عن عكرمة عن بْنِ عَبَّاسٍ ﵄ ﴿وَقُلْ لِلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنّ﴾ إِلَى قَوْلِهِ: ﴿لِيُعْلَمَ مَا يُخْفِينَ مِنْ زِينَتِهِنّ﴾ ٦ نسخ ذلك
الحواشي
(٣١) من سورة النور.
٤ في (هـ) الرد، وهو خطأ.
وقد ذكر الإمام الطبري هذا المعنى عن ابن مسعود بطرق عديدة في جامع البيان٥/ ١٨، ٩٢.
٥ الآية(٦٠) من سورة النور.
٦ الآية(٣١) من سورة النور.стр. 483
وَاسْتُثْنِيَ مِنْ قَوْلِهِ: ﴿وَالْقَوَاعِدُ مِنَ النِّسَاءِ اللاّتِي لا يَرْجُونَ نِكَاحاً﴾ ١ وَكَذَلِكَ قَالَ الضَّحَّاكُ٢ وَهَذَا لَيْسَ بِصَحِيحٍ، لِأَنَّ الآيَةَ الأُولَى فِيمَنْ يَخَافُ (الافْتِتَانَ) ٣ بِهَا وَهَذِهِ الآيَةُ فِي الْعَجَائِزِ، فَلا نَسْخَ٤.
ذِكْرُ الآيَةِ الْخَامِسَةِ: قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا عَلَيْهِ مَا حُمِّلَ وَعَلَيْكُمْ مَا حُمِّلْتُمْ﴾ ٥.
زَعَمَ بَعْضُهُمْ: أَنَّهَا مَنْسُوخَةٌ بِآيَةِ السَّيْفِ٦ وَلَيْسَ هَذَا صَحِيحًا، فَإِنَّ الأَمْرَ بِقِتَالِهِمْ لا يُنَافِي أَنْ يَكُونَ عَلَيْهِ مَا حُمِّلَ، وَعَلَيْهِمْ مَا حُمِّلُوا، وَمَتَى لَمْ يَقَعِ التَّنَافِي بَيْنَ النَّاسِخِ وَالْمَنْسُوخِ لَمْ يكن] نسخ [٧.
الحواشي
(٦٠) من سورة النور.
٢ أورد هذا القول مكي بن أبي طالب في الإيضاح ص: ٣١٨ - ٣١٩، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄.
٣ في (هـ): الإفسار بها، وهو تحريف.
٤ قلت: لم يتعرض المؤلف لدعوى النسخ في هذه الآية في زاد المسير ولا في مختصر عمدة الراسخ، وقد أورده ابن حزم في ناسخه(٣٥١) وابن سلامة في ناسخه(٧٠) بدون أن يستندا إلى أي دليل كعادتهما، وأما مكي بن أبي طالب فيقول بعد عزو قول النسخ إلى ابن عباس: (وقد يكون قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَلا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ﴾ مخصوصاً في غير القواعد، وتكون آية القواعد خصصتها، وبينت أنها في غير القواعد من النساء ودليل ذلك أن حكم الأولى لم يزل بكليته إنما زال بعضه، وأكثر النسخ وبابه، وأصله إنما هو بزوال الحكم وحلول الثاني محله، وباب التخصيص معناه: زوال بعض حكم الأول، وبقاء ما بقي على حكمه، فهذا بالتخصيص أشبه منه بالنسخ) انتهى من الإيضاح(٣١٩) .
٥ الآية(٥٤) من سورة النور.
٦ ذكر النسخ هنا ابن حزم في ناسخه ص: ٣٥١، وابن سلامة في ناسخه(٧٠) ، وابن هلال في ناسخه المخطوط ورقة(٣٠) .
٧ ما بين الخطين المزدوجين غير موجودة قي النسختين، أضفتها نظراً للسياق.
قلت: أورد المؤلف قول النسخ في تفسيره٦/ ٥٦ وفي مختصر عمدة الراسخ ورقة(١٠) ثم رد ذلك.стр. 484
ذِكْرُ الْآيَةِ السَّادِسَةِ: قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿لِيَسْتَأْذِنْكُمُ الَّذِينَ مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ ١.
اخْتَلَفُوا فِي هَذِهِ الآيَةِ، فَذَهَبَ الأَكْثَرُونَ إِلَى أَنَّهَا مُحْكَمَةٌ.
أَخْبَرَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ أَحْمَدَ، قَالَ: أَبْنَا عُمَرُ بْنُ عُبَيْدِ اللَّهِ، قَالَ: أَبْنَا ابْنُ بِشْرَانَ، قَالَ: أَبْنَا إِسْحَاقُ بْنُ أَحْمَدَ، قَالَ: أَبْنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَحْمَدَ، قَالَ: حدثني أبي، قال: (بنا) ٢ عفان، قال: بنا أبو عوانة، قال: بنا أَبُو بِشْرٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄، قَالَ: هَذِهِ الآيَةُ مِمَّا تَهَاوَنَ النَّاسُ بِهِ ﴿لِيَسْتَأْذِنْكُمُ الَّذِينَ مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ وَمَا نُسِخَتْ قَطُّ٣.
قَالَ أَحْمَدُ: وبنا وَكِيعٌ عَنْ سُفْيَانَ، عَنْ مُوسَى بْنِ أَبِي عَائِشَةَ، عَنِ الشَّعْبِيِّ ﴿لِيَسْتَأْذِنْكُمُ الَّذِينَ مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ قَالَ: لَيْسَتْ مَنْسُوخَةً، وَهَذَا قَوْلُ الْقَاسِمِ بْنِ مُحَمَّدٍ، وَجَابِرِ بْنِ زيد٤.
(فقد) ٥ أَخْبَرَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ أَحْمَدَ، قَالَ: أبنا عمر، قَالَ: أَبْنَا ابْنُ بِشْرَانَ، قَالَ: أَبْنَا إِسْحَاقُ بْنُ أَحْمَدَ قَالَ: بنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَحْمَدَ قَالَ: حدثني أبي، قال: بنا هشيم، قال: بنا شعبة عن دَاوُدُ بْنُ أَبِي هِنْدٍ، عَنْ ابن
الحواشي
(٥٨) من سورة النور.
٢ في (هـ) بن، وهو تحريف.
٣ أخرج الطبري نحوه عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ فِي جامع البيان ١٧/ ١٢٥.
٤ أخرجه الطبري في المصدر السابق عن الشعبي، كما ذكره النحاس في ناسخه(١٩٨) عنه وعن الْقَاسِمِ بْنِ مُحَمَّدٍ وَجَابِرِ بْنِ زيد، وذكره ابن العربي في أحكام القرآن ٣/ ١٣٩٦، وعزاه إلى ابْنِ عُمَرَ ﵄.
٥ في (هـ): وقال.стр. 485
المسيب، قال: هذه الآية منسوخة١. وَقَدْ رُوِيَ عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ: هِيَ مَنْسُوخَةٌ بِقَوْلِهِ٢: ﴿وَإِذَا بَلَغَ الأطْفَالُ مِنْكُمُ الْحُلُمَ فَلْيَسْتَأْذِنُوا﴾ ٣ وَهَذَا لَيْسَ بِشَيْءٍ، لِأَنَّ مَعْنَى الآيَةِ: ﴿وَإِذَا بَلَغَ الأطْفَالُ مِنْكُمُ﴾ أَيْ: مِنَ الأَحْرَارِ (الْحُلُمَ) ٤ فَلْيَسْتَأْذِنُوا، أَيْ: فِي جَمِيعِ الأَوْقَاتِ فِي الدُّخُولِ عَلَيْكُمْ ﴿كَمَا اسْتَأْذَنَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾ يَعْنِي: كَمَا اسْتَأْذَنَ الأَحْرَارُ الْكِبَارُ الَّذِينَ بَلَغُوا قَبْلَهُمْ، فَالْبَالِغُ يَسْتَأْذِنُ فِي كُلِّ وَقْتٍ، وَالطِّفْلُ وَالْمَمْلُوكُ يستأذنان في العورات الثلاث٥.
الحواشي
(١٩٧) ومكي بن أبي طالب في الإيضاح(٣١٩) عن سعيد بن المسيب، ولم يذكرا عنه ما نسخها.
٢ في (هـ): تعالى.
٣ الآية(٥٩) من سورة النور.
٤ في (هـ): الحكم، وهو تحريف.
٥ قلت: لم يتعرض المؤلف في مختصر عمدة الراسخ لدعوى النسخ أصلاً، وقد عرض الآراء، ورجح الإحكام في زاد المسير ٦/ ٦٢، فأما النحاس فيروي عن عكرمة أن رجالاً من أهل العراق سألوا ابن عباس، كيف ترى في هذه الآية من كتاب الله عزوجل قوله تعالى. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِيَسْتَأْذِنْكُمُ الَّذِينَ مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ لا يعمل بها أحد؟
قال ابن عباس: إن الله رفيق حليم رحيم بالمؤمنين يحب السترة عليهم، وكان القوم ليس لهم مستور ولا جمال، فربما دخل الخادم أو الولد أو اليتيمة وهو مع أهله في حال جماع، فأمر الله بالاستئذان في هذه الحالات الثلاث...) وقال في رواية أخرى، عن عكرمة عن ابن عباس رصي الله عنهما: (ثم جاء بالستر وبسط الرزق، فاتخذ الناس الستور والجمال فرأى الناس ذلك قد كفاهم من الاستيذان الذي أمروا به). قال النحاس عن هذا القول: (إنه مشبه حسن، وليس فيه دليل على نسخ الآية ولكن على أنها كانت على حال ثم زالت فإن كان مثل ذلك الحال فحكمها قائم كما كان) انتهى من الناسخ والمنسوخ(١٩٨) ويقول مكي بن أبي طالب في الإيضاح(٣٢٠) : "وأكثر العلماء على أن الآية محكمة، وحكمها باق والاستئذان في هذه الأوقات واجب".стр. 486
ذِكْرُ الْآيَةِ السَّابِعَةِ: قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿لَيْسَ عَلَى الأعْمَى حَرَجٌ وَلا عَلَى الأعْرَجِ حَرَجٌ وَلا عَلَى الْمَرِيضِ حَرَجٌ وَلا عَلَى أَنْفُسِكُمْ أَنْ تَأْكُلُوا مِنْ بُيُوتِكُمْ﴾ ١.
هَذِهِ الآيَةُ كُلُّهَا مُحْكَمَةٌ، وَالْحَرَجُ الْمَرْفُوعُ عَنْ أَهْلِ الضُّرِّ مُخْتَلَفٌ فِيهِ، فَمِنَ الْمُفَسِّرِينَ مَنْ يَقُولُ: المعنى: ليس عليكم في مواكلتكم حَرَجٌ، لِأَنَّ الْقَوْمَ تَحَرَّجُوا (وَقَالُوا) ٢: الأَعْمَى لا يُبْصِرُ مَوْضِعَ الطَّعَامِ الطَّيِّبِ، وَالْمَرِيضُ لا يَسْتَوْفِي الطَّعَامَ، فكيف نواكلهم٣ وَبَعْضُهُمْ يَقُولُ: بَلْ كَانُوا يَضَعُونَ مَفَاتِحَهُمْ إِذَا غَزَوْا عِنْدَ أَهْلِ (الضُّرِّ) ٤ وَيَأْمُرُونَهُمْ أَنْ يَأْكُلُوا فَيَتَوَرَّعُ أُولَئِكَ عَنِ الأَكْلِ فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآية٥.
الحواشي
(٦١) من سورة النور.
٢ في (هـ): وقال، بالإفراد. وهو خطأ.
٣ أخرجه الطبري، في جامع البيان ١٨/ ١٢٩ وذكره الواحدي في أسباب النزول ص: ٢٢٣ بدون إسناد عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ وذكر نحوه السيوطي في الدر المنثور٥/ ٥٨ ونسبه إلى ابن أبي حاتم، عن سعيد به جبير.
٤ في (هـ): ضرر، وهو تحريف.
٥ ذكر نحوه النحاس في ناسخه عن سعيد بن المسيب، وعن عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بن عتبة، كما ذكر الواحدي بإسناده عن سعيد بن جبير نحوه. انظر. الناسخ والمنسوخ ص: ٢٠١؛ وأسباب النزول(٢٢٣) .стр. 487
وَأَمَّا الْبُيُوتُ الْمَذْكُورَةُ فَيُبَاحُ لِلْإِنْسَانِ الأَكْلُ مِنْهَا لِجَرَيَانِ الْعَادَةِ بِبَذْلِ أهلها الطعام لأهلهم، وَكُلُّ ذَلِكَ مُحْكَمٌ، وَقَدْ زَعَمَ بعضهم: أنها منسوخة بقوله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ﴾ ١ وليس هذا بقول فقيه٢.
الحواشي
(٦٩) من سورة النساء وقد ذكر دعوى النسخ النحاس عن ابن زيد ولم يعين الناسخ، كما ذكره مكي بن أبي طالب عنه، وقال: ﴿وَلا عَلَى أَنْفُسِكُمْ﴾ الآية منسوخة بقوله: ﴿وَلا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ﴾ انظر: الناسخ والمنسوخ ص: ١٩٩؛ والإيضاح لناسخ القرآن ومنسوخه ص: ٣٢١.
٢ لم يتعرض المؤلف لدعوى النسخ في هده الآية، في زاد المسير ولا في مختصر عمدة الراسخ أصلاً. وقال مكي بن أبي طالب في نهاية مناقشة هذه الآية في المصدر السابق: (وقال أكثر أهل التأويل الآية محكمة، وذلك أنهم كانوا إذا خرجوا مع النبي ﷺ إلى الجهاد، وضعوا مفاتحهم عند أهل العلة والزمانة المتخلفين عن الجهاد لعذرهم وعند أقربائهم، وكانوا يأذنون لهم أن يأكلوا مما في بيوتهم إذا احتاجوا إلى ذلك فكان المتخلفون يتقون أن يأكلوا مما في بيوت الغير، ويقولون نخشى أن لا تكون أنفسهم طيبة، فأنزل الله تعالى ذكره، هذه الآية تحل لهم ذلك، وهذا التفسير مروي عن عائشة ﵂، وقاله ابن المسيب أيضاً) انتهى من الإيضاح الصفحات السابقة.стр. 488
بَابُ: ذِكْرِ الْآيَاتِ اللَّوَاتِي ادُّعِيَ عَلَيْهِنَّ النَّسْخُ فِي سُورَةِ الْفُرْقَانِ .
ذِكْرُ الْآيَةِ الأُولَى: قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿أَفَأَنْتَ تَكُونُ عَلَيْهِ وَكِيلاً﴾ ١.
زعم الكلبي٢ أنه مَنْسُوخَةٌ بِآيَةِ السَّيْفِ، وَلَيْسَ بِصَحِيحٍ، لِأَنَّ الْمَعْنَى: أَفَأَنْتَ تَكُونُ حَفِيظًا عَلَيْهِ تَحْفَظُهُ مِنِ اتِّبَاعِ هَوَاهُ؛ فَلَيْسَ لِلنَّسْخِ وَجْهٌ٣.
ذِكْرُ الآيَةِ الثَّانِيَةِ: قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلاماً﴾ ٤.
قَالَ الْحَسَنُ فِي تَفْسِيرِهَا: "لا يَجْهَلُونَ عَلَى أَحَدٍ وَإِنْ جَهِلَ عليهم حلموا"٥. وَهَذِهِ الآيَةُ مُحْكَمَةٌ عِنْدَ الْجُمْهُورِ.
الحواشي
(٤٣) من سورة الفرقان.
٢ أما الكلبي، فهو: محمد بن السائب بن بشر الكلبي أبو النضر الكوفي المفسر، متهم بالكذب، ورمي بالرفض، من السادسة. انظر: التقريب(٢٩٨) .
٣ قلت: أعرضت معظم كتب النسخ والتفسير عن ذكر دعوى النسخ في هذه الآية، وقد أورد كلام الكلبي، المؤلف في زاد المسير٦/ ٩٢ بدون تعليق! ورده في مختصر عمدة الراسخ ورقة(١٠) بمثل ما رد به هنا. وفسره الطبري بما يؤيد إحكامه في: ١٩/ ٢١ من جامع البيان.
٤ الآية(٦٣) من سورة الفرقان.
٥ ذكر الطبري هذا المعنى عن الحسن ومجاهد، في تفسيره لهذه الآية ١٩/ ٢٢. وذكره المؤلف عن الحسن في زاد المسير ٦/ ١٠١، وقال: عن مقاتل بن حيان " (قالوا سلاماً) أي: قولاً يسلمون فيه من الإثم.стр. 489
وَقَدْ زَعَمَ قَوْمٌ: أَنَّ الْمُرَادَ بِهَا أَنَّهُمْ يَقُولُونَ لِلْكُفَّارِ، لَيْسَ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ غَيْرُ السَّلامِ، وَلَيْسَ الْمُرَادُ السَّلامَ الَّذِي هُوَ التَّحِيَّةُ، وإنما المراد بالسلام التسلّم، أَيْ: تَسَلُّمًا مِنْكُمْ وَمُتَارَكَةً لَكُمْ، كَمَا يَقُولُ: بَرَاءَةٌ (مِنْكَ) ١ أَيْ: لا أَلْتَبِسُ بِشَيْءٍ مِنْ أَمْرِكَ ثُمَّ نُسِخَتْ بِآيَةِ السَّيْفِ.
وَهَذَا بَاطِلٌ، لِأَنَّ اسْمَ الْجَاهِلِ يَعُمُّ الْمُشْرِكَ وَغَيْرَهُ، فَإِذَا خَاطَبَهُمْ مُشْرِكٌ، قَالُوا: السَّدَادَ وَالصَّوَابَ فِي الرَّدِّ عَلَيْهِ. وَحُسْنُ (الْمُحَاوَرَةِ) ٢ فِي الْخَطَّابِ لا يُنَافِي الْقِتَالَ. فَلا وَجْهَ لِلنَّسْخِ٣.
ذِكْرُ الآيَةِ الثَّالِثَةِ: قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَلا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلاّ بِالْحَقّ﴾ - إِلَى قَوْلِهِ - ﴿إِلاّ مَنْ تَابَ﴾ ٤.
لِلْعُلَمَاءِ فِيهَا قَوْلانِ:
أَحَدُهُمَا: أَنَّهَا مَنْسُوخَةٌ، وَلِهَؤُلاءِ فِي نَاسِخِهَا ثَلاثَةُ أقوال:
أحدها: أَنَّهُ قَوْلُهُ ﴿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِناً مُتَعَمِّداً﴾ ٥، قَالَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا٦ وَالأَكْثَرُونَ عَلَى خِلافِهِ فِي أن القتل لا
الحواشي
(٩٣) من سورة النساء.
٦ ذكره الطبري والنحاس بإسنادهما عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄. انظر: جامع البيان١٩/ ٢٨؛ والناسخ والمنسوخ(١١) .стр. 490
يُوجِبُ الْخُلُودَ. وَقَالَ أَبُو جَعْفَرٍ النَّحَّاسُ، مَنْ قَالَ: إِنَّ قَوْلَهُ: ﴿وَلا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ﴾ الآيَاتِ نَسَخَهَا قَوْلُهُ ﴿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِناً مُتَعَمِّداً﴾ فَمَعْنَاهُ نَزَلَ بِنُسْخَتِهَا١. وَالآيَتَانِ وَاحِدٌ، لِأَنَّ هَذَا لا يَقَعُ فِيهِ نَاسِخٌ وَلا مَنْسُوخٌ، لِأَنَّهُ خَبَرٌ.
وَالثَّانِي: قَوْلُهُ ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ﴾ ٢. الآيَةَ (وَهَذَا لا يَصِحُّ، لِأَنَّ الشِّرْكَ لا يُغْفَرُ إِذَا مَاتَ الْمُشْرِكُ عَلَيْهِ) ٣.
وَالثَّالِثُ: أَنَّهُ نُسِخَتْ بِالاسْتِثْنَاءِ فِي قَوْلِهِ: ﴿إِلاّ مَنْ تَابَ﴾ وَهَذَا بَاطِلٌ، لِأَنَّ الاسْتِثْنَاءَ لَيْسَ بِنَسْخٍ.
وَالْقَوْلُ الثَّانِي: أَنَّهَا مُحْكَمَةٌ، وَالْخُلُودُ إِنَّمَا كَانَ لِانْضِمَامِ الشِّرْكِ إلى القتل والزنا٤.
الحواشي
(٩٣) من سورة النساء مما سبق.
٢ الآية(٤٨) من سورة النساء.
٣ العبارة قلقة في (هـ) وقد جاء فيها: (لأن الشرك لا يغفر أن يشرك الآية وهذا لا يصح) ولعله من الناسخ.
٤ ناقش المؤلف واقعة النسخ في هذه الآية في زاد المسير٦/ ١٠٦، نحو ما ناقشها هنا عرضاً وترجيحاً، ولم يتعرض لها في مختصر عمدة الراسخ أصلاً.стр. 491
بَابُ: ذِكْرِ مَا ادُّعِيَ عَلَيْهِ النَّسْخُ فِي سُورَةِ الشُّعَرَاءِ .
قَوْلُهُ تعالى: ﴿وَالشُّعَرَاءُ يَتَّبِعُهُمُ الْغَاوُونَ﴾ ١.
أَخْبَرَنَا ابْنُ نَاصِرٍ، قَالَ: أَبْنَا ابن أيوب، قل: أَبْنَا ابْنُ شَاذَانَ، قَالَ: أَبْنَا أَبُو بَكْرٍ النَّجَّادُ، قَالَ: أَبْنَا أبو داود السجستاني، قال: بنا أحمد بن محمد، قال: بنا عَلِيُّ بْنُ الْحُسَيْنِ عَنْ أَبِيهِ عَنْ يَزِيدَ النَّحْوِيِّ عَنْ عِكْرِمَةَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ ﴿وَالشُّعَرَاءُ يَتَّبِعُهُمُ الْغَاوُونَ﴾ فَنُسِخَ مِنْ ذَلِكَ، وَاسْتُثْنِيَ، فَقَالَ: ﴿إِلاّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَذَكَرُوا اللَّهَ كَثِيراً﴾ ٢.
قُلْتُ: وَقَدْ بَيَّنَّا أَنَّ الاسْتِثْنَاءَ لَيْسَ بِنَسْخٍ، وَلا يُعَوَّلُ عَلَى هَذَا، وَإِنَّمَا هَذِهِ الأَلْفَاظُ مِنْ تَغْيِيرِ (الرُّوَاةِ) ٣ وَإِلا فَقَدْ أَخْبَرَنَا الْمُبَارَكُ بْنُ عَلِيٍّ، قَالَ: أَبْنَا أَحْمَدُ بْنُ الْحُسَيْنِ، قَالَ: أَبْنَا الْبَرْمَكِيُّ، قَالَ: أَبْنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ، قَالَ: أَبْنَا أَبُو بَكْرِ بن أبي داود، قال: بنا يعقوب بن سفيان، قال: بنا أبو صالح،
الحواشي
(١٢٤) من سورة الشعراء.
٢ الآية(١٢٧) من السورة نفسها.
والأثر أخرج الطبري نحوه عن عكرمة من طريق الحسين بن واقد، سبق أن قلنا مراراً إن علي بن الحسين قد تكلم فيه النقاد، ونرى المؤلف هنا يرفض هذه الرواية وقد جاء عند النحاس هَذَا الْمَعْنَى عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ من طريق جويبر، وهو أيضاً ضعيف جداً كما قال الحافظ في التقريب(٥٨) . انظر: جامع البيان ١٩/ ١٩؛ والناسخ والمنسوخ للنحاس ص: ٢٠٣.
٣ في (هـ): الروايات، وهو تحريف.стр. 492
قَالَ: حَدَّثَنِي مُعَاوِيَةُ بْنُ صَالِحٍ عن علي بن أيي طَلْحَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ ﴿وَالشُّعَرَاءُ يَتَّبِعُهُمُ الْغَاوُونَ﴾ ثُمَّ اسْتَثْنَى الْمُؤْمِنِينَ فَقَالَ: ﴿إِلاّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾ فَهَذَا هُوَ اللَّفْظُ الصَّحِيحُ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ وَإِنَّ هَذَا هُوَ (اسْتِثْنَاءٌ) ١ لا نَسْخٌ وَإِنَّمَا الرُّوَاةُ تَنْقِلُ، بِمَا (تظنه) ٢ المعنى فيخطئون٣.
الحواشي
(١) ١ في (م): استثنى، وهو خطأ إملائي.
٢ في (هـ): (مطه)، وهو تحريف ظاهر.
٣ أخرجه الطبري والنحاس عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ من طريق علي بن أبي طلحة، ثم قال النحاس: (وهذا أحسن ما قيل في الآية) وهو اختيار الطبري ومكي بن أبي طالب أيضاً، يقول بعد عزو دعوى النسخ إلى ابن عباس: (إنما هو استثناء وقد ورد ذلك كثير في القرآن عن ابن عباس فيها حرف الاستثناء، وهو يقول: إنه نسخ وهو لفظ مجاز لا حقيقة) ولم يتعرض المؤلف لدعوى النسخ في هذه الآية لا تفسيره ولا في مختصر عمدة الراسخ. انظر: جامع البيان١٩/ ٧٩؛ والناسخ والمنسوخ ص: ٢٠٤؛ والإيضاح ص: ٣٢٦ - ٣٢٧.стр. 493
بَابُ: ذِكْرِ مَا ادُّعِيَ عَلَيْهِ النسخ في سورة النَّمْلِ
قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿فَمَنِ اهْتَدَى فَإِنَّمَا يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ﴾ ١.
رَوَى عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَلْحَةَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ أَنَّ هَذَا مَنْسُوخٌ بِآيَةِ السَّيْفِ. وَكَذَلِكَ قَالَ قَتَادَةُ، وَقَدْ تَكَلَّمْنَا عَلَى جِنْسِ هَذَا وَبَيَّنَّا أَنَّ الصَّحِيحَ أَنَّهُ لَيْسَ بِمَنْسُوخٍ٢.
الحواشي
(٩٢) من سورة النمل.
ودعوى النسخ في عجزها، هو قوله: ﴿وَمَنْ ضَلَّ فَقُلْ إِنَّمَا أَنَا مِنَ الْمُنْذِرِينَ﴾ صرح بذلك المؤلف في زاد المسير٦/ ١٩٨؛ ولم يرجح، وأما في مختصر عمدة الراسخ ورقة(١٠) فذكر قول النسخ واختار الإحكام.
٢ انظر مناقشة الوقائع المشابهة لها مما سبق مثلاً الآية(١٢) من سورة هود، و(٨٩) من سورة الحجر.стр. 494
بَابُ: ذِكْرِ مَا ادُّعِيَ عَلَيْهِ النَّسْخُ فِي سُورَةِ الْقَصَصِ
قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَإِذَا سَمِعُوا اللَّغْوَ أَعْرَضُوا عَنْهُ وَقَالُوا لَنَا أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ سَلامٌ عَلَيْكُمْ لا نَبْتَغِي الْجَاهِلِينَ﴾ ١.
اخْتَلَفَ الْمُفَسِّرُونَ فِي الْمُرَادِ بِاللَّغْوِ هَاهُنَا، فَقَالَ: مُجَاهِدٌ: هُوَ الأَذَى وَالسَّبُّ٢، وَقَالَ الضَّحَّاكُ: الشِّرْكُ٣. فَعَلَى هَذَا يُمْكِنُ (ادِّعَاءُ) ٤ النَّسْخِ٥. وَقَوْلُهُ: ﴿لَنَا أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ﴾ قَالَ الْمُفَسِّرُونَ لَنَا حِلْمُنَا وَلَكُمْ سَفَهُكُمْ، وَقَالَ بَعْضُهُمْ: لَنَا دِينُنَا وَلَكُمْ دِينُكُمْ، وَقَوْلُهُ: ﴿سَلامٌ عَلَيْكُمْ﴾ قَالَ الزَّجَّاجُ: لَمْ يُرِيدُوا التَّحِيَّةَ، وَإِنَّمَا أَرَادُوا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ (الْمُتَارَكَةُ) ٦ (وَهَذَا قَبْلَ أَنْ يُؤْمَرَ الْمُسْلِمُونَ بِالْقِتَالِ) ٧ وَقَوْلُهُ: ﴿لا نَبْتَغِي الْجَاهِلِينَ﴾ أي:
الحواشي
(٥٥) من سورة القصص.
٢ ذكر الطبري هذا المعنى بإسناده عن مجاهد، وذكره المؤلف في زاد المسير عنه، بدود إسناد. انظر: جامع البيان٢٠/ ٥٨؛ وزاد المسير٦/ ٢٣٠.
٣ ذكره المؤلف عن الضحاك في المصدر نفسه.
٤ في (م): أدعى، وهو خطأ إملائي.
٥ لم أجد من ذكر النسخ في هذا الجزء من الآية، بل صرح هبة الله الذي يسرف في القول بالنسخ بأن هذا القول محكم، والمنسوخ ما بعده. انظر. الناسخ والمنسوخ له ص: ٧٣.
٦ في (م) أ: المباركة، وفي (هـ): التاركة، كلاهما تحريف، والصواب ما أثبت عن زاد المسير ٦/ ٢٣٠.
٧ في (هـ): (وقال: هذا قبل أن يؤمر بالقتال).стр. 495
لا نَطْلُبُ (مُجَاوَرَتَهُمْ) ١ قَالَ الأَكْثَرُونَ: فَنُسِخَتْ هَذِهِ الآيَةُ، بِآيَةِ السَّيْفِ٢.
الحواشي
(١٣٩) حيث يورد أربعة أوجه لإثبات إحكام الآية نجد أن وجهين منها تنطبقان على هذه الآية أيضاً، وهما: أن الآية خبر خارج مخرج الوعيد والتهديد، وأن المنسوخ ما لا يبقى له حكم، وحكم هذا الكلام لا يتغير فإن كل عامل له جزاء عمله فلو ورد الأمر بقتالهم لم يبطل تعلق أعمالهم بهم. راجع مناقشة الآية المذكورة، وراجع أيضاً مناقشة الآية(١٥) من الشورى من هذا الكتاب حيث أثبت هناك إحكام ما تشبه هذه الآية.
وأما قوله: ﴿سَلامٌ عَلَيْكُمْ﴾ فقد سبق آنفاً رد المؤلف في آية الفرقان على فرض أن المراد بالجاهلين، هم المشركون، فمعناه: قالوا: السداد والصواب في الرد عليه. وحسن المحاورة في الخطاب لا ينفي القتال فلا وجه للنسخ. انظر: مما سبق مناقشة الآية(٤٣) من سورة الفرقان.
ويؤيد ذلك قول مكي بن أبي طالب في الآية حيث قال: ذكر بعض العلماء أن الآية منسوخة بالنهي من النبي ﷺ عن السلام على الكفار، وقيل: هي منسوخة بالقتال. والذي عليه أهل النظر - وهو الصواب - أنها محكمة غير منسوخة، ومعنى: السلام فيها: المتاركة والمداراة من الكفار، وليس سلام التحية المحظور، بقوله: ﴿وَالسَّلامُ عَلَى مَنِ اتَّبَعَ الْهُدَى﴾ طه(٤٧) .
ويقول عن قوله: ﴿لا نَبْتَغِي الْجَاهِلِينَ﴾ قال مجاهد: لا نطلب عمل الجاهلين، فهي محكمة. انظر: كلام مكي بن أبي طالب في الإيضاح ص: ٣٢٨.следующие страницы →