← Улюм аль-Кур’ан

Улюм аль-Кур’ан · id 2176

نواسخ القرآن = ناسخ القرآن ومنسوخه ت المليباري

ابن الجوزي

Полный текст (660 стр.). Показаны 456–495 · переход к 461.

стр. 456

عمر، قال: بنا شُعْبَةُ عَنْ مُغِيرَةَ عَنْ إِبْرَاهِيمَ، وَالشَّعْبِيِّ، وَأَبِي رَزِينٍ١ أنهم قَالُوا: ﴿تَتَّخِذُونَ مِنْهُ سَكَراً﴾ ٢ (قَالُوا) ٣ هَذِهِ مَنْسُوخَةٌ٤. أَخْبَرَنَا الْمُبَارَكُ بْنُ عَلِيٍّ، قَالَ: أَبْنَا أَحْمَدُ بْنُ الْحُسَيْنِ بْنِ قُرَيْشٍ، قَالَ: أَبْنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ عُمَرَ، قَالَ: أَبْنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ بْنِ العباس، قال: بنا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي دَاوُدَ، قال: بنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الصَّبَّاحِ، قَالَ: بنا أبو علي الحنفي، قال: بنا إِسْرَائِيلُ عَنْ أَبِي الْهَيْثَمِ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ فِي قَوْلِهِ: ﴿تَتَّخِذُونَ مِنْهُ سَكَراً﴾، قَالَ: الْخَمْرُ٥. أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْوَهَّابِ الْحَافِظُ، قَالَ: أَبْنَا أَبُو طَاهِرٍ الْبَاقِلاوِيُّ، قَالَ: أَبْنَا أَبُو عَلِيِّ بْنُ شَاذَانَ، قَالَ: أَبْنَا عَبْدُ الرحمن بن الحسن قال: بنا إبراهيم ابن الحسين قال: بنا آدم، قال بناورقاء عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ عَنْ مجاهد ﴿تَتَّخِذُونَ مِنْهُ سَكَراً﴾ قَالَ: السَّكَرُ: الْخَمْرُ قَبْلَ تَحْرِيمِهَا، وهذا قول الحسن٦ وابن

стр. 457

أَبِي لَيْلَى وَالزَّجَّاجِ، وَابْنِ قُتَيْبَةَ١ وَمَذْهَبُ أَهْلِ هَذَا الْقَوْلِ أَنَّ هَذِهِ الآيَةَ نَزَلَتْ (إِذْ كَانَتِ) ٢ الْخَمْرُ مُبَاحَةٌ ثُمَّ نُسِخَتْ بِقَوْلِهِ: ﴿فَاجْتَنِبُوهُ﴾ ٣ وَمَنْ صَرَّحَ بِأَنَّهَا مَنْسُوخَةٌ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، وَمُجَاهِدٌ، وَالشَّعْبِيُّ، وَقَتَادَةُ، وَالنَّخَعِيُّ٤. وَيُمْكِنُ أَنْ يُقَالَ عَلَى هذا القول ليست بِمَنْسُوخَةٍ، وَيَكُونُ الْمَعْنَى: أَنَّهُ خَلَقَ لَكُمْ هَذِهِ الثِّمَارَ لِتَنْتَفِعُوا بِهَا عَلَى وَجْهٍ مُبَاحٍ، فَاتَّخَذْتُمْ أَنْتُمْ مِنْهَا مَا هُوَ مُحَرَّمٌ عَلَيْكُمْ. وَيُؤَكِّدُ هَذَا أَنَّهَا خَبَرٌ وَالأَخْبَارُ لا تُنْسَخُ وَقَدْ ذَكَرَ نَحْوَ هَذَا الْمَعْنَى الَّذِي ذَكَرْتُهُ (أَبُو الوفاء) ٥ ابن عَقِيلٍ فَإِنَّهُ قَالَ: لَيْسَ فِي الآيَةِ مَا يَقْتَضِي إِبَاحَةَ السُّكْرِ، إِنَّمَا هِيَ مُعَاتَبَةٌ وَتَوْبِيخٌ. وَالْقَوْلُ الثَّانِي: أَنَّ السَّكَرَ الْخَلُّ بِلُغَةِ الْحَبَشَةِ رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄. وَأَخْبَرَنَا الْمُبَارَكُ بْنُ عَلِيٍّ، قَالَ: أَبْنَا أَحْمَدُ بْنُ الْحُسَيْنِ بْنِ قُرَيْشٍ، قَالَ: أَبْنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ عُمَرَ، قَالَ: أَبْنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ، قَالَ: بنا أبو بكر ابن أبي داود، قال: بنا مُحَمَّدُ بْنُ سَعْدٍ، قَالَ: حَدَّثَنِي أبي عن الحسين بن

стр. 458

الْحَسَنِ بْنِ عَطِيَّةَ، عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَطِيَّةَ، قَالَ: قَالَ ابْنُ عُمَرَ أَنَّ الْحَبَشَةَ يُسَمُّونَ الْخَلَّ السَّكَرَ١. وَقَالَ الضَّحَّاكُ: هُوَ الْخَلُّ بِلِسَانِ الْيَمَنِ٢. وَالثَّالِثُ: أَنَّ السَّكَرَ: الطَّعْمُ. يُقَالُ هَذَا لَهُ سَكَرٌ أَيْ: طَعْمٌ٣. وَأَنْشَدُوا: جُعِلَتْ (عِنَبُ الأَكْرَمِينَ سَكَرًا) ٤. قَالَهُ: أَبُو عُبَيْدَةَ، فَعَلَى هَذَيْنِ الْقَوْلَيْنِ الآيَةُ مُحْكَمَةٌ٥. ذِكْرُ الْآيَةِ الثَّانِيَةِ: قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلاغُ الْمُبِينُ﴾ ٦.

стр. 459

قَالَ كَثِيرٌ مِنَ الْمُفَسِّرِينَ: إِنَّهَا مُنْسُوخَةٌ بِآيَةِ السَّيْفِ، وَقَدْ بَيَّنَّا فِي نَظَائِرِهَا أَنَّهُ لا حَاجَةَ بِنَا إِلَى (ادِّعَاءِ) ١ النَّسْخِ فِي مِثْلِ هَذِهِ٢. ذِكْرُ الآيَةِ الثَّالِثَةِ: قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ ٣. اخْتَلَفَ الْمُفَسِّرُونَ٤ فِي هَذِهِ الْآيَةِ على أربعة أقوال: أحدها: أَنَّ الْمَعْنَى جَادِلْهُمْ بِالْقُرْآنِ. وَالثَّانِي: بِلا إِلَهَ إِلا اللَّهُ، وَالْقَوْلانِ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ،٥ ﵄. وَالثَّالِثُ: أَعْرِضْ عَنْ أَذَاهُمْ إِيَّاكَ. أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْوَهَّابِ الأَنْمَاطِيُّ قَالَ: أَبْنَا أَبُو طَاهِرٍ، قَالَ: أَبْنَا ابْنُ شَاذَانَ، قَالَ: أَبْنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ الْحَسَنِ، قَالَ: أَبْنَا إِبْرَاهِيمُ الْحُسَيْنُ، قَالَ: أَبْنَا آدم، قال: بنا وَرْقَاءَ، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ ﴿وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ ٦ قَالَ: يَقُولُ أَعْرِضْ عَنْ أَذَاهُمْ إياك٧.

стр. 460

وَالرَّابِعُ: جَادِلْهُمْ غَيْرَ فَظٍّ وَلا غَلِيظٍ وَأَلِنْ لَهُمْ جَانِبَكَ، قَالَهُ الزَّجَّاجُ١. وَقَدْ ذَهَبْ كَثِيرٌ مِنَ الْمُفَسِّرِينَ إِلَى أَنَّ هَذِهِ الآيَةَ مَنْسُوخَةٌ بِآيَةِ السَّيْفِ٢. وَفِيهِ بُعْدٌ، لِأَنَّ الْمُجَادَلَةَ لا تُنَافِي الْقِتَالَ، وَلَمْ يَقُلْ لَهُ، اقْتَصِرْ عَلَى جِدَالِهِمْ، فَيَكُونُ الْمَعْنَى جَادِلْهُمْ فَإِنْ أَبَوْا فَالسَّيْفُ فَلا يُتَوَجَّهُ نَسْخٌ٣. ذِكْرُ الْآيَةِ الرَّابِعَةِ: قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ وَلَئِنْ صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ لِلصَّابِرِينَ﴾ ٤. لِلْمُفَسِّرِينَ فِي هَذِهِ الآيَةِ قَوْلانِ: أحدهما: أَنَّهَا (نَزَلَتْ) ٥ قَبْلَ بَرَاءَةٍ، فَأُمِرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، أَنْ يُقَاتِلَ مَنْ قَاتَلَهُ، وَلا يَبْدَأُ بِالْقِتَالِ، ثُمَّ نُسِخَ ذَلِكَ وَأُمِرَ بِالْجِهَادِ. قَالَهُ ابْنُ عباس والضحاك.

стр. 461

أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْوَهَّابِ، قَالَ: أَبْنَا أَبُو الْفَضْلِ بْنُ خَيْرُونُ، وَأَبُو طَاهِرٍ الْبَاقِلاوِيُّ، قَالا: أَبْنَا أَبُو عَلِيِّ بْنُ شَاذَانَ، قَالَ: أَبْنَا أحمد بن كامل، قال: حدثي مُحَمَّدُ بْنُ سَعْدٍ، قَالَ: حَدَّثَنِي أَبِي، قَالَ: حَدَّثَنِي عَمِّي عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ ﴿وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ﴾ ١ فَقَالَ: أَمَرَ اللَّهُ تَعَالَى نَبِيَّهُ ﷺ أَنَّ يُقَاتِلَ مَنْ قَاتَلَهُ، ثُمَّ نَزَلَتْ بَرَاءَةٌ، فَهَذَا مِنَ الْمَنْسُوخِ، فَعَلَى هَذَا الْقَوْلِ، يَكُونُ الْمَعْنَى: وَلَئِنْ صَبَرْتُمْ عَنِ الْقِتَالِ، ثُمَّ نُسِخَ هَذَا بِقَوْلِهِ: ﴿فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ﴾ ٢. وَالثَّانِي: أَنَّهَا مُحْكَمَةٌ، وَأَنَّهَا نَزَلَتْ فِيمَنْ ظُلِمَ ظَلامَةً فَلا يَحِلُّ لَهُ أَنْ يَنَالَ مِنْ ظَالِمِهِ أَكْثَرَ مِمَّا نَالَ الظُّلْمُ مِنْهُ. قَالَهُ الشَّعْبِيُّ، وَالنَّخَعِيُّ، وَابْنُ سِيرِينَ، وَالثَّوْرِيُّ. أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْوَهَّابِ، قَالَ: أَبْنَا أَبُو طَاهِرٍ، قَالَ: أَبْنَا ابْنُ شَاذَانَ، قَالَ: أَبْنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ الْحَسَنِ، قَالَ: أَبْنَا إبراهيم بن الحسين، قال: بنا آدم قال بنا وَرْقَاءَ عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ، ﴿وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ﴾ يَقُولُ: لا تَعْتَدُوا يَعْنِي: مُحَمَّدًا وَأَصْحَابَهُ٣. وَعَلَى هَذَا الْقَوْلِ يَكُونُ الْمَعْنَى: وَلَئِنْ صَبَرْتُمْ عَلَى الْمِثْلَةِ لا عَنِ٤ الْقِتَالِ. وَهَذَا أَصَحُّ من القول الأول٥.

стр. 462

ذِكْرُ الْآيَةِ الْخَامِسَةِ: قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَاصْبِرْ وَمَا صَبْرُكَ إِلاّ بِاللَّهِ وَلا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ﴾ ١. هَذِهِ الآيَةُ مُتَعَلِّقَةٌ بِالَّتِي قَبْلَهَا فَحُكْمُهَا حُكْمُهَا، وَقَدْ زَعَمَ بَعْضُ الْمُفَسِّرِينَ أَنَّ الصَّبْرَ هَاهُنَا مَنْسُوخٌ بآية السيف٢.

стр. 463

بَابُ: ذِكْرِ الْآيَاتِ اللَّوَاتِي ادُّعِيَ عليهن النَّسْخُ فِي سُورَةِ بَنِي إِسْرَائِيلَ ذِكْرُ الْآيَةِ الأُولَى: قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَقُلْ رَبِّ ارْحَمْهُمَا﴾ ١. قَدْ ذَهَبَ بَعْضُ الْمُفَسِّرِينَ إِلَى أَنَّ هَذَا الدُّعَاءَ الْمُطْلَقَ نُسِخَ مِنْهُ الدُّعَاءُ لِلْوَالِدَيْنِ الْمُشْرِكَيْنِ، وَرُوِيَ نَحْوُ هَذَا عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ وَالْحَسَنِ وَعِكْرِمَةَ وَمُقَاتِلٌ. أَخْبَرَنَا الْمُبَارَكُ بْنُ عَلِيٍّ، قَالَ: أَبْنَا أَحْمَدُ بْنُ الْحُسَيْنِ بْنِ قُرَيْشٍ، قَالَ: أَبْنَا أَبُو إِسْحَاقَ الْبَرْمَكِيُّ، قَالَ: أَبْنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ بْنِ الْعَبَّاسِ، قَالَ: أَبْنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي داود، قال: بنا محمد بن قهزاذ قَالَ: حَدَّثَنِي عَلِيُّ بْنُ الْحُسَيْنِ بْنِ وَاقِدٍ، قَالَ: حَدَّثَنِي أَبِي عَنْ يَزِيدَ النَّحْوِيِّ عَنْ عِكْرِمَةَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ (فِي) ٢ قَوْلِهِ: ﴿إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ الْكِبَرَ﴾ إِلَى قَوْلِهِ: ﴿كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيراً﴾ نَسَخَتْهَا ﴿مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ﴾ ٣.

стр. 464

قال أبو بكر: وبنا مُحَمَّدُ بْنُ (سَعْدٍ) ١ قَالَ: حَدَّثَنِي أَبِي (عَنِ الْحُسَيْنِ بْنِ الْحَسَنِ) ٢ بْنِ عَطِيَّةَ عَنْ عَطِيَّةَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ ﴿إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ الْكِبَرَ﴾ إِلَى قوله: ﴿صَغِيراً﴾ فَنَسَخَهَا ﴿مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ﴾ ٣. قال أبو بكر: وبنا أَحْمَدُ بْنُ يَحْيَى بْنِ مَالِكٍ، قال: بنا عَبْدُ الْوَهَّابِ، عَنْ سَعِيدٍ عَنْ قتادة نحوه٤. أَخْبَرَنَا بْنُ نَاصِرٍ، قَالَ: أَبْنَا ابْنُ أَيُّوبَ، قَالَ: أَبْنَا ابْنُ شَاذَانَ، قَالَ: أَبْنَا أَبُو بَكْرٍ النَّجَّادُ، قَالَ: أَبْنَا أَبُو دَاوُدَ السِّجِسْتَانِيُّ، قَالَ: أَبْنَا أَحْمَدُ بْنُ محمد، قال: بنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُثْمَانَ، عَنْ عيسى بن عبيد الله عن عُبَيْدِ اللَّهِ مَوْلَى عُمَرَ عَنِ الضحاك ﴿وَقُلْ رَبِّ ارْحَمْهُمَا﴾ نُسِخَ مِنْهَا بِالآيَةِ الَّتِي (فِي) ٥ بَرَاءَةٍ ﴿مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ﴾ ٦.

стр. 465

قُلْتُ: وَهَذَا لَيْسَ بِنَسْخٍ عِنْدَ الْفُقَهَاءِ إِنَّمَا هُوَ عَامٌّ دَخَلَهُ التَّخْصِيصُ وَإِلَى نَحْوِ مَا قُلْتُهُ ذهب ابن جرير والطبري١. ذِكْرُ الْآيَةِ الثَّانِيَةِ: قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ وَكِيلاً﴾ ٢. لِلْمُفَسِّرِينَ فِي مَعْنَى الْوَكِيلِ ثَلاثَةِ أقوال: أحدها: كفيلاً (تؤخذ بهم) ٣ قاله بْنِ عَبَّاسٍ ﵄. وَالثَّانِي: حَافِظًا وَرَبًّا، قَالَهُ الْفَرَّاءُ٤. وَالثَّالِثُ: كَفِيلا بِهِدَايَتِهِمْ وَقَادِرًا عَلَى إِصْلاحِ قُلُوبِهِمْ ذَكَرَهُ ابْنُ الأَنْبَارِيِّ. وَعَلَى هَذَا، الآيَةُ مُحْكَمَةٌ. وَقَدْ زَعَمَ بَعْضُهُمْ: أَنَّهَا مَنْسُوخَةٌ بِآيَةِ السَّيْفِ٥، وَلَيْسَ بِصَحِيحٍ، وَقَدْ تَكَلَّمْنَا على نظائرها فيما سبق٦.

стр. 466

ذِكْرُ الآيَةِ الثَّالِثَةِ: قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَلا تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ إِلاّ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ ١. قَدْ زَعَمَ مَنْ قَلَّ فَهْمُهُ، مِنْ نَقَلَةِ التَّفْسِيرِ أَنَّ هَذِهِ الآيَةَ لَمَّا نَزَلَتِ امْتَنَعَ النَّاسُ مِنْ مُخَالَطَةِ الْيَتَامَى فَنَزَلَتْ: ﴿وَإِنْ تُخَالِطُوهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ﴾ ٢. وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى جَهْلِ قَائِلِهِ بِالتَّفْسِيرِ وَمَعَانِي الْقُرْآنِ أَيَرَاهُ يُجَوِّزُ قُرْبَ مَالِ الْيَتِيمِ بِغَيْرِ الَّتِي هِيَ أَحْسَنُ حَتَّى يُتَصَوَّرَ نَسْخٌ وَإِنَّمَا الْمَنْقُولُ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ وَغَيْرِهِ مِنَ الْمُفَسِّرِينَ أَنَّهُمْ كَانُوا يَخْلِطُونَ طَعَامَهُمْ بِطَعَامِ الْيَتَامَى، فَلَمَّا نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ عَزَلُوا طَعَامَهُمْ عَنْ طَعَامِهِمْ، وَكَانَ يَفْضُلُ الشَّيْءُ فَيَفْسَدُ، فَنَزَلَ قوله: ﴿وَإِنْ تُخَالِطُوهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ﴾ ٣ فَأَمَّا أَنْ تُدْعَى نَسْخٌ فَكَلا...٤.

стр. 467

ذِكْرُ الْآيَةِ الرَّابِعَةِ: قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَلا تَجْهَرْ بِصَلاتِكَ وَلا تُخَافِتْ بها﴾ ١. رَوَى الضَّحَّاكُ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ أَنَّهُ قَالَ: نُسِخَتْ هَذِهِ الآيَةُ بِقَوْلِهِ: ﴿وَاذْكُرْ رَبَّكَ فِي نَفْسِكَ تَضَرُّعاً وَخِيفَةً وَدُونَ الْجَهْرِ مِنَ الْقَوْلِ﴾ ٢ وَقَالَ ابْنُ السَّائِبِ: نُسِخَتْ بِقَوْلِهِ: ﴿فَاصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ﴾ ٣ وَهَذَا الْقَوْلُ لَيْسَ بِصَحِيحٍ وَلَيْسَ بَيْنَ الآيَاتِ تَنَافٍ وَلا وَجْهَ لِلنَّسْخِ. وَبَيَانُ هَذَا أَنَّ الْمُفَسِّرِينَ اخْتَلَفُوا فِي الْمُرَادِ بِقَوْلِهِ: ﴿وَلا تَجْهَرْ بِصَلاتِكَ﴾ فَقَالَ قَوْمٌ: هِيَ الصَّلاةُ الشَّرْعِيَّةُ، لا تَجْهَرْ بِقِرَاءَتِكَ فِيهَا وَلا تخافت بها٤.

стр. 468

وَقَالَ آخَرُونَ الصَّلاةُ: الدُّعَّاءُ، فَأُمِرَ التَّوَسُّطَ فِي رَفْعِ الصَّوْتِ، وَذَلِكَ لا ينافي التضرع١.

стр. 469

فَأَمَّا سُورَةُ الْكَهْفِ: فَلَيْسَ فِيهَا مَنْسُوخٌ إِلا أَنَّ السُّدِّيِّ يَزْعُمُ: أَنَّ قَوْلَهُ تَعَالَى: ﴿فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ﴾ ١. قَالَ: وَهَذَا تَخْيِيرٌ نُسِخَ بِقَوْلِهِ: ﴿وَمَا تَشَاءُونَ إِلاّ أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ﴾ ٢ وَهَذَا تَخْلِيطٌ فِي الْكَلامِ، وَإِنَّمَا هُوَ وَعِيدٌ وَتَهْدِيدٌ، وَلَيْسَ بِأَمْرٍ (كَذَلِكَ قَالَ الزَّجَّاجُ وَغَيْرُهُ) ٣ وَلا وجه للنسخ.

стр. 470

بَابُ: ذِكْرِ الْآيَاتِ اللَّوَاتِي ادُّعِيَ عَلَيْهِنَّ النَّسْخُ فِي سُورَةِ مَرْيَمَ ذِكْرُ الْآيَةِ الأُولَى: قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَأَنْذِرْهُمْ يَوْمَ الْحَسْرَةِ﴾ ١. زَعَمَ بَعْضُ الْمُغَفَّلِينَ مِنْ نَاقِلِي التَّفْسِيرِ، أَنَّ الإِنْذَارَ (مَنْسُوخٌ بِآيَةِ السَّيْفِ) ٢ وَهَذَا تَلاعُبٌ مِنْ هَؤُلاءِ بِالْقُرْآنِ وَمِنْ أَيْنَ يَقَعُ التَّنَافِي بَيْنَ إِنْذَارِهِمُ الْقِيَامَةَ، وَبَيْنَ قِتَالِهِمْ فِي الدُّنْيَا. ذِكْرُ الآيَةِ الثَّانِيَةِ: قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيّاً﴾ ٣. زَعَمَ بَعْضُ الْجَهَلَةِ أَنَّهُ مَنْسُوخٌ بِالاسْتِثْنَاءِ بَعْدَهُ، وَقَدْ بَيَّنَّا أَنَّ الاسْتِثْنَاءَ لَيْسَ بِنَسْخٍ٤. ذِكْرُ الآيَةِ الثَّالِثَةِ: قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَإِنْ مِنْكُمْ إِلاّ وَارِدُهَا﴾ ٥.

стр. 471

زَعَمَ ذَلِكَ الْجَاهِلُ أَنَّهَا نُسِخَتْ بِقَوْلِهِ: ﴿ثُمَّ نُنَجِّي الَّذِينَ اتَّقَوْا﴾ ١ وَهَذَا مِنْ أَفْحَشِ الْإِقْدَامِ عَلَى الْكَلامِ فِي كِتَابِ اللَّهِ سُبْحَانَهُ بِالْجَهْلِ. وَهَلْ بَيْنَ الآيَتَيْنِ تَنَافٍ فَإِنَّ الأُولَى (تُثْبِتُ) ٢ أَنَّ الْكُلَّ يَرِدُونَهَا، وَالثَّانِيَةُ (تُثْبِتُ) ٣ أَنَّهُ يَنْجُو مِنْهُمْ مَنِ اتَّقَى، ثُمَّ (هُمَا) ٤ خَبَرَانِ وَالأَخْبَارُ لا تُنَسْخُ٥. ذِكْرُ الآيَةِ الرَّابِعَةِ: قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿قُلْ مَنْ كَانَ فِي الضَّلالَةِ فَلْيَمْدُدْ لَهُ الرَّحْمَنُ مَدّاً﴾ ٦. وَزَعَمَ ذَلِكَ الْجَاهِلُ، أَنَّهَا مَنْسُوخَةٌ بِآيَةِ السَّيْفِ٧. وَهَذَا بَاطِلٌ. قَالَ الزَّجَّاجُ: هَذِهِ الآيَةُ لَفْظُهَا لَفْظُ أَمْرٍ، وَمَعْنَاهَا الْخَبَرُ، وَالْمَعْنَى: إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى جَعَلَ جَزَاءَ ضَلالَتِهِ أَنْ يَتْرُكَهُ فِيهَا٨. وَعَلَى هَذَا لا وَجْهَ لِلنَّسْخِ. ذِكْرُ الآيَةِ الْخَامِسَةِ: قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿فَلا تَعْجَلْ عَلَيْهِمْ إِنَّمَا نَعُدُّ لَهُمْ عَدّاً﴾ ٩.

стр. 472

زَعَمَ بَعْضُ الْمُفَسِّرِينَ: أَنَّهَا مَنْسُوخَةٌ بِآيَةِ السَّيْفِ١. وَهَذَا لَيْسَ بِصَحِيحٍ، لِأَنَّهُ إِنْ كَانَ الْمَعْنَى: لا تَعْجَلْ بِطَلَبِ عَذَابِهِمُ الَّذِي (يَكُونُ) ٢ فِي الآخِرَةِ فَإِنَّ الْمَعْنَى أَنَّ أعمارهم (سَرِيعَةُ) ٣ الْفَنَاءِ، فَلا وَجْهَ لِلنَّسْخِ. وإن كان المعنى: ولا تَعْجَلْ بِطَلَبِ قِتَالِهِمْ، فَإِنَّ هَذِهِ السُّورَةَ نَزَلَتْ بِمَكَّةَ وَلَمْ يُؤْمَرْ حِينَئِذٍ بِالْقِتَالِ فَنَهْيُهُ عَنِ الاسْتِعْجَالِ بِطَلَبِ الْقِتَالِ، وَاقِعٌ فِي مَوْضِعِهِ، ثُمَّ أَمْرُهُ بِقِتَالِهِمْ بَعْدَ الْهِجْرَةِ لا يُنَافِي النَّهْيَ عَنِ طَلَبِ الْقِتَالِ بِمَكَّةَ فَكَيْفَ يُتَوَجَّهُ النَّسْخُ. فَسُبْحَانَ مَنْ قَدَّرَ وُجُودَ قَوْمٍ جُهَّالٍ يَتَلاعَبُونَ بِالْكَلامِ فِي الْقُرْآنِ، ويدعون نَسْخَ مَا لَيْسَ بِمَنْسُوخٍ، وَكُلُّ ذَلِكَ مِنْ سُوءِ الْفَهْمِ، نَعُوذُ بالله منه٤.

стр. 473

بَابُ: ذِكْرِ الْآيَاتِ اللَّوَاتِي ادُّعِيَ عَلَيْهِنَّ النَّسْخُ فِي سُورَةِ طَهَ . ذِكْرُ الْآيَةِ الأُولَى: قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿فَاصْبِرْ عَلَى مَا يَقُولُونَ﴾ ١. قَالَ جَمَاعَةٌ مِنَ الْمُفَسِّرِينَ، مَعْنَاهَا: فَاصْبِرْ عَلَى مَا (تَسْمَعُ) ٢ مِنْ أَذَاهِمْ، ثُمَّ نُسِخَتْ بِآيَةِ السَّيْفِ٣. ذِكْرُ الْآيَةِ الثَّانِيَةِ: قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿قُلْ كُلٌّ مُتَرَبِّصٌ فَتَرَبَّصُوا﴾ ٤. قَالُوا: هِيَ مَنْسُوخَةٌ بِآيَةِ السَّيْفِ٥. وَقَدْ ذَكَرُوا فِي سُورَةِ الأَنْبِيَاءِ مَا لا يَحْسُنُ ذِكْرُهُ مِمَّا ادعوا فيه النسخ فأضربنا عنه.

стр. 474

باب: ذكر الآيات التي ادُّعِيَ عَلَيْهِنَّ النَّسْخُ فِي سُورَةِ الْحَجِّ . ذِكْرُ الآيَةِ الأُولَى: قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَإِنْ جَادَلُوكَ فَقُلِ اللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾ ١. اخْتَلَفُوا فِي هَذِهِ الآيَةِ عَلَى قولين: أحدهما: أَنَّهَا نَزَلَتْ قَبْلَ الأَمْرِ بِالْقِتَالِ ثُمَّ نُسِخَتْ بِآيَةِ السَّيْفِ٢. وَالثَّانِي: أَنَّهَا نَزَلَتْ فِي حَقِّ الْمُنَافِقِينَ كَانَتْ تَظْهَرُ مِنْهُمْ فَلَتَاتٌ ثُمَّ يُجَادِلُونَ عَلَيْهَا فَأُمِرَ أَنْ يَكِلَ أُمُورَهُمْ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى، فَالآيَةُ عَلَى هَذَا مُحْكَمَةٌ٣. ذِكْرُ الآيَةِ الثَّانِيَةِ: قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَجَاهِدُوا فِي اللَّهِ حَقَّ جِهَادِهِ﴾ ٤ فيها قولان: أحدهما: أَنَّهَا مَنْسُوخَةٌ، لِأَنَّ فِعْلَ مَا فِيهِ وَفَاءٌ لِحَقِّ اللَّهِ لا يُتَصَوَّرُ مِنْ أَحَدٍ، وَاخْتَلَفَ هَؤُلاءِ في ناسخها على قولين:

стр. 475

أحدهما: أَنَّهُ قَوْلُهُ: ﴿لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلاّ وُسْعَهَا﴾ ١، وَالثَّانِي: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ ٢. وَالْقَوْلُ الثَّانِي: أَنَّهَا مُحْكَمَةٌ، لِأَنَّ حَقَّ الْجِهَادِ الْجِدُّ فِي الْمُجَاهَدَةِ، وَبَذْلُ الإِمْكَانِ مَعَ صِحَّةِ الْقَصْدِ. فعلى هَذَا هِيَ مُحْكَمَةٌ وَيُوَضِّحُهُ أَنَّ الله تعالى لم يؤمر بِمَا لا يُتَصَوَّرُ، فَبَانَ أَنَّ قوله: ﴿مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ تَفْسِيرٌ لِحَقِّ الْجِهَادِ فَلا يَصِحُّ نَسْخٌ، كَمَا بَيَّنَّا فِي قَوْلِهِ تَعَالَى فِي آلِ عِمْرَانَ: ﴿اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ﴾ ٣.

стр. 476

باب: ذكر الآيات (التي) ١ ادُّعِيَ عَلَيْهِنَّ النَّسْخُ فِي سُورَةِ الْمُؤْمِنُونَ ٢ ذِكْرُ الآيَةِ الأَولَى: قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿فَذَرْهُمْ فِي غَمْرَتِهِمْ حَتَّى حِينٍ﴾ ٣ أَيْ: فِي (عَمَايَتِهِمْ) ٤ وَحِيرَتِهِمْ إِلَى أَنْ يَأْتِيَهُمْ مَا وَعَدُوا بِهِ مِنَ الْعَذَابِ، وَاخْتَلَفُوا هَلْ هَذِهِ مَنْسُوخَةٌ أَمْ لا، عَلَى قَوْلَيْنِ: أحدهما: أَنَّهَا مَنْسُوخَةٌ بِآيَةِ السَّيْفِ لِأَنَّهَا اقْتَضَتْ تَرْكَ الْكُفَّارِ عَلَى مَا هُمْ عَلَيْهِ٥. وَالثَّانِي: أَنَّ مَعْنَاهَا الْوَعِيدُ وَالتَّهْدِيدُ، فَهِيَ مُحْكَمَةٌ٦. ذِكْرُ الآيَةِ الثَّانِيَةِ: قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ السَّيِّئَةَ﴾ ٧.

стр. 477

للمفسرين في معنا هذا أربعة أقوال: أحدها: ادفع إساءة المسيء (بالصفح) قاله الْحَسَنُ١. وَالثَّانِي: ادْفَعِ الْفُحْشَ بِالإِسْلامِ، قَالَهُ عَطَاءٌ وَالضَّحَّاكُ٢. وَالثَّالِثُ: ادْفَعَ الشرك بالتوحيد قاله بن السَّائِبِ. وَالرَّابِعُ: ادْفَعَ الْمُنْكَرَ بِالْمَوْعِظَةِ، حَكَاهُ الْمَاوَرْدِيُّ، وَقَدْ ذَكَرَ بَعْضُ الْمُفَسِّرِينَ أَنَّ هَذِهِ الآيَةَ مَنْسُوخَةٌ٣. وَقَالَ بَعْضُ الْمُحَقِّقِينَ مِنَ الْعُلَمَاءِ: لا حَاجَةَ بِنَا إِلَى الْقَوْلِ بِالنَّسْخِ؛ لِأَنَّ الْمُدَارَاةَ مَحْمُودَةٌ مَا لَمْ تَضُرَّ بِالدِّينِ، وَلَمْ تُؤَدِّ إِلَى إِبْطَالِ حَقٍّ وَإِثْبَاتِ بَاطِلٍ٤.

стр. 478

باب: ذكر الآيات (التي) ١ ادُّعِيَ عَلَيْهِنَّ النَّسْخُ فِي سُورَةِ النُّورِ ذِكْرُ الآيَةِ الأُولَى: قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿الزَّانِي لا يَنْكِحُ إِلاّ زَانِيَةً أَوْ مُشْرِكَةً وَالزَّانِيَةُ لا يَنْكِحُهَا إِلاّ زَانٍ أَوْ مُشْرِكٌ﴾ ٢. قَالَ عِكْرِمَةُ هَذِهِ الآيَةُ فِي بَغَايَا كُنَّ بِمَكَّةَ أَصْحَابَ رَايَاتٍ وَكَانَ لا يَدْخُلُ عَلَيْهِنَّ إِلا زَانٍ مِنْ أَهْلِ الْقِبْلَةِ أَوْ مُشْرِكٍ، فَأَرَادَ نَاسٌ مِنَ الْمُسْلِمِينَ نِكَاحَهُنَّ فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ٣. قَالَ ابْنُ جَرِيرٍ فَعَلَى هَذَا يَكُونُ الْمَعْنَى: الزَّانِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ لا يَتَزَوَّجُ امْرَأَةً مِنْ أُولَئِكَ الْبَغَايَا إِلا زَانِيَةً أَوْ مُشْرِكَةً؛ لِأَنَّهُنَّ كَذَلِكَ، وَالزَّانِيَةُ مِنْ أُولَئِكَ الْبَغَايَا لا يَنْكِحُهَا إِلا زَانٍ أَوْ مُشْرِكٍ٤. أَخْبَرَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ أَحْمَدَ، قال: بنا عُمَرُ بْنُ عُبَيْدِ اللَّهِ الْبَقَّالُ، قال: بنا ابْنُ بِشْرَانَ، قَالَ: أَبْنَا إِسْحَاقُ ابن أحمد، قالت: بنا عبد الله بن أحمد،

стр. 479

قال: حدثني أبي، قال: بنا هُشَيْمٌ، وَأَبْنَا ابْنُ نَاصِرٍ، قَالَ: أَبْنَا ابْنُ أَيُّوبَ، قَالَ: أَبْنَا ابن شاذان، قال بنا أبو بكر النجاد، قال: بنا أبو داود السجستاني، قال: بنا وهب بن بقية عن هشيم، قَالَ: أَبْنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ فِي قَوْلِهِ: ﴿وَالزَّانِيَةُ لا يَنْكِحُهَا إِلاّ زَانٍ أَوْ مُشْرِكٌ﴾ قَالَ نَسَخَتْهَا الْآيَةُ الَّتِي بَعْدَهَا: ﴿وَأَنْكِحُوا الأيَامَى مِنْكُمْ﴾ ١. قَالَ الشَّافِعِيُّ: الْقَوْلُ كَمَا قَالَ ابْنُ الْمُسَيِّبِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ٢.

стр. 480

ذِكْرُ الْآيَةِ الثَّانِيَةِ: قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ﴾ ١. زَعَمَ مَنْ لا فَهْمَ لَهُ، مِنْ نَاقِلِي التَّفْسِيرِ، أَنَّهَا نُسِخَتْ (بِالاسْتِثْنَاءِ) ٢ بَعْدَهَا، وَهُوَ قَوْلُهُ تَعَالَى ﴿إِلاّ الَّذِينَ تَابُوا﴾ ٣ وَقَدْ بَيَّنَّا فِي مَوَاضِعَ أَنَّ الاسْتِثْنَاءَ لا يَكُونُ نَاسِخًا٤. ذِكْرُ الآية الثالثة: قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَدْخُلُوا بُيُوتاً غَيْرَ بُيُوتِكُمْ﴾ الآيَةَ٥. ذَهَبَ بَعْضُ الْمُفَسِّرِينَ إِلَى أَنَّهُ نُسِخَ مِنْ حُكْمِ هَذَا النَّهْيِ الْعَامِّ حُكْمُ الْبُيُوتِ الَّتِي لَيْسَ لَهَا أَهْلٌ يُسْتَأْذَنُونَ، بِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَدْخُلُوا بُيُوتاً غَيْرَ مَسْكُونَةٍ﴾ ٦.

стр. 481

أَخْبَرَنَا الْمُبَارَكُ بْنُ عَلِيٍّ، قَالَ: أَبْنَا أَحْمَدُ بْنُ الْحُسَيْنِ بْنِ قُرَيْشٍ، قَالَ: أَبْنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ عُمَرَ الْبَرْمَكِيُّ، قَالَ: أَبْنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ قَالَ: أَبْنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي دَاوُدَ، قَالَ: أبنا محمد بن قهزاذ، قال: بنا عَلِيُّ بْنُ الْحُسَيْنِ بْنِ وَاقِدٍ قَالَ: حَدَّثَنِي أَبِي عَنْ يَزِيدَ النَّحْوِيِّ عَنْ عِكْرِمَةَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ:١ ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَدْخُلُوا بُيُوتاً غَيْرَ بُيُوتِكُمْ حَتَّى تَسْتَأْنِسُوا﴾ الآيَةَ ثُمَّ نُسِخَ وَاسْتُثْنِيَ مِنْ ذَلِكَ: ﴿لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَدْخُلُوا بُيُوتاً غَيْرَ مَسْكُونَةٍ فِيهَا مَتَاعٌ لَكُمْ﴾ (وَهَذَا) ٢ مَرْوِيٌّ عَنِ الْحَسَنِ، وَعِكْرِمَةَ، وَالضَّحَّاكِ٣، (وَلَيْسَ هَذَا نَسْخٌ) ٤ إِنَّمَا هُوَ تَخْصِيصٌ٥. وَالثَّانِي: أَنَّ الآيَتَيْنِ محكمتان (فالاستئذان) ٦ شَرْطٌ فِي الأُولَى، إِذَا كَانَ للدار أهل، و (الثانية) ٧ وَرَدَتْ فِي بُيُوتٍ لا سَاكِنَ لها

стр. 482

(وَالإِذْنُ) ١ لا يُتَصَوَّرُ مِنْ غَيْرِ آذِنٍ، فَإِذَا بَطُلَ الاسْتِئْذَانُ لَمْ يَكُنِ الْبُيُوتُ الْخَالِيَةُ دَاخِلَةٌ فِي الأُولَى، وَهَذَا أَصَحُّ٢. ذِكْرُ الآيَةِ الرَّابِعَةِ: قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَلا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلاّ مَا ظَهَرَ مِنْهَا﴾ ٣. قَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ ﵁ هُوَ الرِّدَاءُ٤. وَقَدْ زَعَمَ قَوْمٌ: أَنَّ هَذَا نَسْخٌ، بِقَوْلِهِ: ﴿وَالْقَوَاعِدُ مِنَ النِّسَاءِ اللاّتِي لا يَرْجُونَ نِكَاحاً فَلَيْسَ عَلَيْهِنَّ جُنَاحٌ أَنْ يَضَعْنَ ثِيَابَهُن﴾ ٥.أَخْبَرَنَا الْمُبَارَكُ بْنُ عَلِيٍّ، قَالَ: أَبْنَا أَحْمَدُ بْنُ الْحُسَيْنِ، قَالَ: أَبْنَا الْبَرْمَكِيُّ، قَالَ: أَبْنَا مُحَمَّدُ بن إسماعيل، قال: بنا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي دَاوُدَ، قال: بنا محمد بن قهزاذ قال: بنا عَلِيُّ بْنُ الْحُسَيْنِ بْنِ وَاقِدٍ، قَالَ: حَدَّثَنِي أَبِي عَنْ يَزِيدَ النحوي عن عكرمة عن بْنِ عَبَّاسٍ ﵄ ﴿وَقُلْ لِلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنّ﴾ إِلَى قَوْلِهِ: ﴿لِيُعْلَمَ مَا يُخْفِينَ مِنْ زِينَتِهِنّ﴾ ٦ نسخ ذلك

стр. 483

وَاسْتُثْنِيَ مِنْ قَوْلِهِ: ﴿وَالْقَوَاعِدُ مِنَ النِّسَاءِ اللاّتِي لا يَرْجُونَ نِكَاحاً﴾ ١ وَكَذَلِكَ قَالَ الضَّحَّاكُ٢ وَهَذَا لَيْسَ بِصَحِيحٍ، لِأَنَّ الآيَةَ الأُولَى فِيمَنْ يَخَافُ (الافْتِتَانَ) ٣ بِهَا وَهَذِهِ الآيَةُ فِي الْعَجَائِزِ، فَلا نَسْخَ٤. ذِكْرُ الآيَةِ الْخَامِسَةِ: قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا عَلَيْهِ مَا حُمِّلَ وَعَلَيْكُمْ مَا حُمِّلْتُمْ﴾ ٥. زَعَمَ بَعْضُهُمْ: أَنَّهَا مَنْسُوخَةٌ بِآيَةِ السَّيْفِ٦ وَلَيْسَ هَذَا صَحِيحًا، فَإِنَّ الأَمْرَ بِقِتَالِهِمْ لا يُنَافِي أَنْ يَكُونَ عَلَيْهِ مَا حُمِّلَ، وَعَلَيْهِمْ مَا حُمِّلُوا، وَمَتَى لَمْ يَقَعِ التَّنَافِي بَيْنَ النَّاسِخِ وَالْمَنْسُوخِ لَمْ يكن] نسخ [٧.

стр. 484

ذِكْرُ الْآيَةِ السَّادِسَةِ: قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿لِيَسْتَأْذِنْكُمُ الَّذِينَ مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ ١. اخْتَلَفُوا فِي هَذِهِ الآيَةِ، فَذَهَبَ الأَكْثَرُونَ إِلَى أَنَّهَا مُحْكَمَةٌ. أَخْبَرَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ أَحْمَدَ، قَالَ: أَبْنَا عُمَرُ بْنُ عُبَيْدِ اللَّهِ، قَالَ: أَبْنَا ابْنُ بِشْرَانَ، قَالَ: أَبْنَا إِسْحَاقُ بْنُ أَحْمَدَ، قَالَ: أَبْنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَحْمَدَ، قَالَ: حدثني أبي، قال: (بنا) ٢ عفان، قال: بنا أبو عوانة، قال: بنا أَبُو بِشْرٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄، قَالَ: هَذِهِ الآيَةُ مِمَّا تَهَاوَنَ النَّاسُ بِهِ ﴿لِيَسْتَأْذِنْكُمُ الَّذِينَ مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ وَمَا نُسِخَتْ قَطُّ٣. قَالَ أَحْمَدُ: وبنا وَكِيعٌ عَنْ سُفْيَانَ، عَنْ مُوسَى بْنِ أَبِي عَائِشَةَ، عَنِ الشَّعْبِيِّ ﴿لِيَسْتَأْذِنْكُمُ الَّذِينَ مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ قَالَ: لَيْسَتْ مَنْسُوخَةً، وَهَذَا قَوْلُ الْقَاسِمِ بْنِ مُحَمَّدٍ، وَجَابِرِ بْنِ زيد٤. (فقد) ٥ أَخْبَرَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ أَحْمَدَ، قَالَ: أبنا عمر، قَالَ: أَبْنَا ابْنُ بِشْرَانَ، قَالَ: أَبْنَا إِسْحَاقُ بْنُ أَحْمَدَ قَالَ: بنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَحْمَدَ قَالَ: حدثني أبي، قال: بنا هشيم، قال: بنا شعبة عن دَاوُدُ بْنُ أَبِي هِنْدٍ، عَنْ ابن

стр. 485

المسيب، قال: هذه الآية منسوخة١. وَقَدْ رُوِيَ عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ: هِيَ مَنْسُوخَةٌ بِقَوْلِهِ٢: ﴿وَإِذَا بَلَغَ الأطْفَالُ مِنْكُمُ الْحُلُمَ فَلْيَسْتَأْذِنُوا﴾ ٣ وَهَذَا لَيْسَ بِشَيْءٍ، لِأَنَّ مَعْنَى الآيَةِ: ﴿وَإِذَا بَلَغَ الأطْفَالُ مِنْكُمُ﴾ أَيْ: مِنَ الأَحْرَارِ (الْحُلُمَ) ٤ فَلْيَسْتَأْذِنُوا، أَيْ: فِي جَمِيعِ الأَوْقَاتِ فِي الدُّخُولِ عَلَيْكُمْ ﴿كَمَا اسْتَأْذَنَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾ يَعْنِي: كَمَا اسْتَأْذَنَ الأَحْرَارُ الْكِبَارُ الَّذِينَ بَلَغُوا قَبْلَهُمْ، فَالْبَالِغُ يَسْتَأْذِنُ فِي كُلِّ وَقْتٍ، وَالطِّفْلُ وَالْمَمْلُوكُ يستأذنان في العورات الثلاث٥.

стр. 486

ذِكْرُ الْآيَةِ السَّابِعَةِ: قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿لَيْسَ عَلَى الأعْمَى حَرَجٌ وَلا عَلَى الأعْرَجِ حَرَجٌ وَلا عَلَى الْمَرِيضِ حَرَجٌ وَلا عَلَى أَنْفُسِكُمْ أَنْ تَأْكُلُوا مِنْ بُيُوتِكُمْ﴾ ١. هَذِهِ الآيَةُ كُلُّهَا مُحْكَمَةٌ، وَالْحَرَجُ الْمَرْفُوعُ عَنْ أَهْلِ الضُّرِّ مُخْتَلَفٌ فِيهِ، فَمِنَ الْمُفَسِّرِينَ مَنْ يَقُولُ: المعنى: ليس عليكم في مواكلتكم حَرَجٌ، لِأَنَّ الْقَوْمَ تَحَرَّجُوا (وَقَالُوا) ٢: الأَعْمَى لا يُبْصِرُ مَوْضِعَ الطَّعَامِ الطَّيِّبِ، وَالْمَرِيضُ لا يَسْتَوْفِي الطَّعَامَ، فكيف نواكلهم٣ وَبَعْضُهُمْ يَقُولُ: بَلْ كَانُوا يَضَعُونَ مَفَاتِحَهُمْ إِذَا غَزَوْا عِنْدَ أَهْلِ (الضُّرِّ) ٤ وَيَأْمُرُونَهُمْ أَنْ يَأْكُلُوا فَيَتَوَرَّعُ أُولَئِكَ عَنِ الأَكْلِ فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآية٥.

стр. 487

وَأَمَّا الْبُيُوتُ الْمَذْكُورَةُ فَيُبَاحُ لِلْإِنْسَانِ الأَكْلُ مِنْهَا لِجَرَيَانِ الْعَادَةِ بِبَذْلِ أهلها الطعام لأهلهم، وَكُلُّ ذَلِكَ مُحْكَمٌ، وَقَدْ زَعَمَ بعضهم: أنها منسوخة بقوله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ﴾ ١ وليس هذا بقول فقيه٢.

стр. 488

بَابُ: ذِكْرِ الْآيَاتِ اللَّوَاتِي ادُّعِيَ عَلَيْهِنَّ النَّسْخُ فِي سُورَةِ الْفُرْقَانِ . ذِكْرُ الْآيَةِ الأُولَى: قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿أَفَأَنْتَ تَكُونُ عَلَيْهِ وَكِيلاً﴾ ١. زعم الكلبي٢ أنه مَنْسُوخَةٌ بِآيَةِ السَّيْفِ، وَلَيْسَ بِصَحِيحٍ، لِأَنَّ الْمَعْنَى: أَفَأَنْتَ تَكُونُ حَفِيظًا عَلَيْهِ تَحْفَظُهُ مِنِ اتِّبَاعِ هَوَاهُ؛ فَلَيْسَ لِلنَّسْخِ وَجْهٌ٣. ذِكْرُ الآيَةِ الثَّانِيَةِ: قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلاماً﴾ ٤. قَالَ الْحَسَنُ فِي تَفْسِيرِهَا: "لا يَجْهَلُونَ عَلَى أَحَدٍ وَإِنْ جَهِلَ عليهم حلموا"٥. وَهَذِهِ الآيَةُ مُحْكَمَةٌ عِنْدَ الْجُمْهُورِ.

стр. 489

وَقَدْ زَعَمَ قَوْمٌ: أَنَّ الْمُرَادَ بِهَا أَنَّهُمْ يَقُولُونَ لِلْكُفَّارِ، لَيْسَ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ غَيْرُ السَّلامِ، وَلَيْسَ الْمُرَادُ السَّلامَ الَّذِي هُوَ التَّحِيَّةُ، وإنما المراد بالسلام التسلّم، أَيْ: تَسَلُّمًا مِنْكُمْ وَمُتَارَكَةً لَكُمْ، كَمَا يَقُولُ: بَرَاءَةٌ (مِنْكَ) ١ أَيْ: لا أَلْتَبِسُ بِشَيْءٍ مِنْ أَمْرِكَ ثُمَّ نُسِخَتْ بِآيَةِ السَّيْفِ. وَهَذَا بَاطِلٌ، لِأَنَّ اسْمَ الْجَاهِلِ يَعُمُّ الْمُشْرِكَ وَغَيْرَهُ، فَإِذَا خَاطَبَهُمْ مُشْرِكٌ، قَالُوا: السَّدَادَ وَالصَّوَابَ فِي الرَّدِّ عَلَيْهِ. وَحُسْنُ (الْمُحَاوَرَةِ) ٢ فِي الْخَطَّابِ لا يُنَافِي الْقِتَالَ. فَلا وَجْهَ لِلنَّسْخِ٣. ذِكْرُ الآيَةِ الثَّالِثَةِ: قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَلا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلاّ بِالْحَقّ﴾ - إِلَى قَوْلِهِ - ﴿إِلاّ مَنْ تَابَ﴾ ٤. لِلْعُلَمَاءِ فِيهَا قَوْلانِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّهَا مَنْسُوخَةٌ، وَلِهَؤُلاءِ فِي نَاسِخِهَا ثَلاثَةُ أقوال: أحدها: أَنَّهُ قَوْلُهُ ﴿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِناً مُتَعَمِّداً﴾ ٥، قَالَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا٦ وَالأَكْثَرُونَ عَلَى خِلافِهِ فِي أن القتل لا

стр. 490

يُوجِبُ الْخُلُودَ. وَقَالَ أَبُو جَعْفَرٍ النَّحَّاسُ، مَنْ قَالَ: إِنَّ قَوْلَهُ: ﴿وَلا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ﴾ الآيَاتِ نَسَخَهَا قَوْلُهُ ﴿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِناً مُتَعَمِّداً﴾ فَمَعْنَاهُ نَزَلَ بِنُسْخَتِهَا١. وَالآيَتَانِ وَاحِدٌ، لِأَنَّ هَذَا لا يَقَعُ فِيهِ نَاسِخٌ وَلا مَنْسُوخٌ، لِأَنَّهُ خَبَرٌ. وَالثَّانِي: قَوْلُهُ ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ﴾ ٢. الآيَةَ (وَهَذَا لا يَصِحُّ، لِأَنَّ الشِّرْكَ لا يُغْفَرُ إِذَا مَاتَ الْمُشْرِكُ عَلَيْهِ) ٣. وَالثَّالِثُ: أَنَّهُ نُسِخَتْ بِالاسْتِثْنَاءِ فِي قَوْلِهِ: ﴿إِلاّ مَنْ تَابَ﴾ وَهَذَا بَاطِلٌ، لِأَنَّ الاسْتِثْنَاءَ لَيْسَ بِنَسْخٍ. وَالْقَوْلُ الثَّانِي: أَنَّهَا مُحْكَمَةٌ، وَالْخُلُودُ إِنَّمَا كَانَ لِانْضِمَامِ الشِّرْكِ إلى القتل والزنا٤.

стр. 491

بَابُ: ذِكْرِ مَا ادُّعِيَ عَلَيْهِ النَّسْخُ فِي سُورَةِ الشُّعَرَاءِ . قَوْلُهُ تعالى: ﴿وَالشُّعَرَاءُ يَتَّبِعُهُمُ الْغَاوُونَ﴾ ١. أَخْبَرَنَا ابْنُ نَاصِرٍ، قَالَ: أَبْنَا ابن أيوب، قل: أَبْنَا ابْنُ شَاذَانَ، قَالَ: أَبْنَا أَبُو بَكْرٍ النَّجَّادُ، قَالَ: أَبْنَا أبو داود السجستاني، قال: بنا أحمد بن محمد، قال: بنا عَلِيُّ بْنُ الْحُسَيْنِ عَنْ أَبِيهِ عَنْ يَزِيدَ النَّحْوِيِّ عَنْ عِكْرِمَةَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ ﴿وَالشُّعَرَاءُ يَتَّبِعُهُمُ الْغَاوُونَ﴾ فَنُسِخَ مِنْ ذَلِكَ، وَاسْتُثْنِيَ، فَقَالَ: ﴿إِلاّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَذَكَرُوا اللَّهَ كَثِيراً﴾ ٢. قُلْتُ: وَقَدْ بَيَّنَّا أَنَّ الاسْتِثْنَاءَ لَيْسَ بِنَسْخٍ، وَلا يُعَوَّلُ عَلَى هَذَا، وَإِنَّمَا هَذِهِ الأَلْفَاظُ مِنْ تَغْيِيرِ (الرُّوَاةِ) ٣ وَإِلا فَقَدْ أَخْبَرَنَا الْمُبَارَكُ بْنُ عَلِيٍّ، قَالَ: أَبْنَا أَحْمَدُ بْنُ الْحُسَيْنِ، قَالَ: أَبْنَا الْبَرْمَكِيُّ، قَالَ: أَبْنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ، قَالَ: أَبْنَا أَبُو بَكْرِ بن أبي داود، قال: بنا يعقوب بن سفيان، قال: بنا أبو صالح،

стр. 492

قَالَ: حَدَّثَنِي مُعَاوِيَةُ بْنُ صَالِحٍ عن علي بن أيي طَلْحَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ ﴿وَالشُّعَرَاءُ يَتَّبِعُهُمُ الْغَاوُونَ﴾ ثُمَّ اسْتَثْنَى الْمُؤْمِنِينَ فَقَالَ: ﴿إِلاّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾ فَهَذَا هُوَ اللَّفْظُ الصَّحِيحُ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ وَإِنَّ هَذَا هُوَ (اسْتِثْنَاءٌ) ١ لا نَسْخٌ وَإِنَّمَا الرُّوَاةُ تَنْقِلُ، بِمَا (تظنه) ٢ المعنى فيخطئون٣.

стр. 493

بَابُ: ذِكْرِ مَا ادُّعِيَ عَلَيْهِ النسخ في سورة النَّمْلِ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿فَمَنِ اهْتَدَى فَإِنَّمَا يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ﴾ ١. رَوَى عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَلْحَةَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ أَنَّ هَذَا مَنْسُوخٌ بِآيَةِ السَّيْفِ. وَكَذَلِكَ قَالَ قَتَادَةُ، وَقَدْ تَكَلَّمْنَا عَلَى جِنْسِ هَذَا وَبَيَّنَّا أَنَّ الصَّحِيحَ أَنَّهُ لَيْسَ بِمَنْسُوخٍ٢.

стр. 494

بَابُ: ذِكْرِ مَا ادُّعِيَ عَلَيْهِ النَّسْخُ فِي سُورَةِ الْقَصَصِ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَإِذَا سَمِعُوا اللَّغْوَ أَعْرَضُوا عَنْهُ وَقَالُوا لَنَا أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ سَلامٌ عَلَيْكُمْ لا نَبْتَغِي الْجَاهِلِينَ﴾ ١. اخْتَلَفَ الْمُفَسِّرُونَ فِي الْمُرَادِ بِاللَّغْوِ هَاهُنَا، فَقَالَ: مُجَاهِدٌ: هُوَ الأَذَى وَالسَّبُّ٢، وَقَالَ الضَّحَّاكُ: الشِّرْكُ٣. فَعَلَى هَذَا يُمْكِنُ (ادِّعَاءُ) ٤ النَّسْخِ٥. وَقَوْلُهُ: ﴿لَنَا أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ﴾ قَالَ الْمُفَسِّرُونَ لَنَا حِلْمُنَا وَلَكُمْ سَفَهُكُمْ، وَقَالَ بَعْضُهُمْ: لَنَا دِينُنَا وَلَكُمْ دِينُكُمْ، وَقَوْلُهُ: ﴿سَلامٌ عَلَيْكُمْ﴾ قَالَ الزَّجَّاجُ: لَمْ يُرِيدُوا التَّحِيَّةَ، وَإِنَّمَا أَرَادُوا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ (الْمُتَارَكَةُ) ٦ (وَهَذَا قَبْلَ أَنْ يُؤْمَرَ الْمُسْلِمُونَ بِالْقِتَالِ) ٧ وَقَوْلُهُ: ﴿لا نَبْتَغِي الْجَاهِلِينَ﴾ أي:

стр. 495

لا نَطْلُبُ (مُجَاوَرَتَهُمْ) ١ قَالَ الأَكْثَرُونَ: فَنُسِخَتْ هَذِهِ الآيَةُ، بِآيَةِ السَّيْفِ٢.
следующие страницы →