← Акыда

Акыда · id 21770

حقيقة شهادة أن محمدا رسول الله صلى الله عليه وسلم

عبد العزيز بن عبد الله آل الشيخ

Полный текст (125 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.

стр. 71

﴿إِلَّا تَنْصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ﴾ (١) ويقول - سبحانه -: ﴿لَا تَجْعَلُوا دُعَاءَ الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعَاءِ بَعْضِكُمْ بَعْضًا﴾ (٢) ودليل الولاية قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ﴾ (٣) ﴿وَمَنْ يَتَوَلَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا فَإِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْغَالِبُونَ﴾ (٤) ومما يدخل في حقيقة هذه الشهادة العظيمة: التسليم له ﷺ ، وتحكيم شرعه، والتحاكم إليه، والرضا به،

стр. 72

والدليل قوله تعالى: ﴿لَا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ وَالْمُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ عَلَى الْقَاعِدِينَ دَرَجَةً وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى وَفَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ عَلَى الْقَاعِدِينَ أَجْرًا عَظِيمًا﴾ (١) وقال - سبحانه - في صفة المؤمنين مثنيا عليهم ومشيدا بهم: ﴿إِنَّمَا كَانَ قَوْلَ الْمُؤْمِنِينَ إِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ أَنْ يَقُولُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ (٢) وقال - سبحانه - واصفا المنافقين الذين يظهرون خلاف ما يبطنون: ﴿وَيَقُولُونَ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالرَّسُولِ وَأَطَعْنَا ثُمَّ يَتَوَلَّى فَرِيقٌ مِنْهُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَمَا أُولَئِكَ بِالْمُؤْمِنِينَ﴾ (٣) ﴿وَإِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ إِذَا فَرِيقٌ مِنْهُمْ مُعْرِضُونَ﴾ (٤) ﴿وَإِنْ يَكُنْ لَهُمُ الْحَقُّ يَأْتُوا إِلَيْهِ مُذْعِنِينَ﴾ (٥) ﴿أَفِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ أَمِ ارْتَابُوا أَمْ يَخَافُونَ أَنْ يَحِيفَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَرَسُولُهُ بَلْ أُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ (٦)

стр. 73

وقال - سبحانه - أيضا فاضحا أمرهم، مشددا في ترك طريقهم: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُوا أَنْ يَكْفُرُوا بِهِ وَيُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُضِلَّهُمْ ضَلَالًا بَعِيدًا﴾ (١) ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا إِلَى مَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ رَأَيْتَ الْمُنَافِقِينَ يَصُدُّونَ عَنْكَ صُدُودًا﴾ (٢) فتحكيم شرع الله وما جاء به الرسول ﷺ في كل صغيرة وكبيرة، الأفراد على أنفسهم، وكذلك الحكام وولاة الأمر على رعاياهم ومن تحت أيديهم - واجب فرض

стр. 74

متحتم، لا محيد عنه لمؤمن مسلم، بل هو من حقيقة شهادة أن لا إله إلا الله، وأن محمدا رسول الله. ومن حقيقة هذه الشهادة العظيمة - شهادة أن محمدا رسول الله ﷺ الاقتداء والتأسي به ﷺ ، واتباع سنته، والرد إليه في حياته عند التنازع، وإلى سنته بعد وفاته ﷺ ، وتقديم سنته على رأي كل أحد كائنا من كان، والحذر من مخالفته ومشاقته ومحادته ﷺ . يقول الله : ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا﴾ (١) ويقول : ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ (٢) ولما ادعى أقوام محبة الله - سبحانه - أنزل آية الامتحان في

стр. 75

سورة آل عمران، وهي قوله تعالى: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ﴾ (١) ويقول أيضا - جل وعلا -: ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا﴾ (٢) ويقول : ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ (٣) ويقول : ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا مُبِينًا﴾ (٤) وقال : ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ (٥)

стр. 76

قال ابن عباس ﵄: يوشك أن تنزل عليكم حجارة من السماء، أقول: قال رسول الله، وتقولون: قال أبو بكر وعمر؟ ! وقال الشافعي - يرحمه الله -: أجمع العلماء على أن من استبانت له سنة رسول الله ﷺ لم يكن له أن يدعها لقول أحد. وقال الإمام أحمد ﵁: عجبت لقوم عرفوا الإسناد وصحته، يذهبون إلى رأي سفيان، والله تعالى يقول: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ (١) أتدري ما الفتنة؟ الفتنة: الشرك، لعله إذا رد بعض قوله أن يقع في قلبه شيء من الزيغ فيهلك. أهـ. هذا قول أحمد فيمن اتبع رأي سفيان، وهو: الثوري الإمام الزاهد العابد الثقة الفقيه، إذا كان رأيه يخالف الحديث فكيف بمن هو دونه؟ ! ويقول الله : ﴿وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا﴾ (٢)

стр. 77

وقال - سبحانه -: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ شَاقُّوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَمَنْ يُشَاقِقِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَإِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾ (١) ويقول : ﴿أَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّهُ مَنْ يُحَادِدِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَأَنَّ لَهُ نَارَ جَهَنَّمَ خَالِدًا فِيهَا ذَلِكَ الْخِزْيُ الْعَظِيمُ﴾ (٢) هذه هي حقيقة شهادة أن محمدا رسول الله ﷺ بشيء من التفصيل والبيان. وقد أجملها بعض أهل العلم - وهو الشيخ محمد بن عبد الوهاب - يرحمه الله - فقال في معناها: طاعته فيما أمر، وتصديقه فيما أخبر، واجتناب ما نهى عنه وزجر، وألا يعبد الله إلا بما شرع.

стр. 78

فصل في حقوق النبي ﷺ على أمته هذا وإن للمصطفى ﷺ على أمته حقوقا عظيمة: منها: ألا يخاطب كما يخاطب سائر الناس، بل يخاطب باحترام وأدب، فيقال: رسول الله ﷺ ، نبي الله ﷺ ، ولا يقال: محمد، أو محمد بن عبد الله، ونحو ذلك، يقول الله تعالى: ﴿لَا تَجْعَلُوا دُعَاءَ الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعَاءِ بَعْضِكُمْ بَعْضًا﴾ (١) الآية ومنها أيضا: سؤال الله الوسيلة له ﷺ ؛ لقوله ﷺ : «ثم سلوا الله لي الوسيلة، فإنها منزلة في الجنة لا تنبغي إلا لعبد من عباد الله، وأرجو أن أكون أنا هو، فمن سأل لي الوسيلة حلت له الشفاعة (٢) » رواه مسلم

стр. 79

ومنها أيضا: الصلاة والسلام عليه ﷺ ، وهي في الصلاة واجبة، بل عدها بعض العلماء ركنا لا تصح الصلاة إلا بها. وتتأكد عند ذكره ﷺ ، ويوم الجمعة، وليلتها، وعند الدعاء، إلى غير ذلك. قال الله : ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ (١)

стр. 80

فصل في ذكر طرف من طريقة محبة الصحابة ﵃ لنبي الهدى والرحمة ﷺ واتباعهم له كان أبو بكر الصديق ﵁ من أكثر الناس نصرة للنبي ﷺ وأشدهم به إيمانا، وكانت له مواقف كثيرة مشهودة، تدل على شدة المحبة وعظيم الإيمان: فمنها: ما جاء في [الرياض النضرة في مناقب العشرة] لأبي جعفر أحمد بن عبد الله بن محمد الطبري: وعن أم سلمة ﵂ قالت: «كان أبو بكر خدنا للنبي ﷺ ، وصفيا له، فلما بعث ﷺ انطلق رجال من قريش على أبي بكر، فقالوا: يا أبا بكر، إن صاحبك هذا قد جن، قال أبو بكر: وما شأنه؟ قالوا: هو ذاك في المسجد يدعو إلى توحيد إله واحد، ويزعم أنه نبي، فقال أبو بكر: وقال ذاك؟ قالوا: نعم، هو ذاك في المسجد. (١)

стр. 81

يقول: فأقبل أبو بكر إلى النبي ﷺ فطرق عليه الباب، فاستخرجه، فلما ظهر له، قال له أبو بكر: يا أبا القاسم، ما الذي بلغني عنك؟ قال: " وما بلغك عني يا أبا بكر؟ ! " قال: بلغني أنك تدعو لتوحيد الله، وزعمك أنك رسول الله، فقال النبي ﷺ : " نعم يا أبا بكر، إن ربي جعلني بشيرا ونذيرا، وجعلني دعوة إبراهيم، وأرسلني إلى الناس جميعا ". قال له أبو بكر: والله ما جربت عليك كذبا، وإنك لخليق بالرسالة؛ لعظم أمانتك، وصلتك لرحمك، وحسن فعالك، مد يدك، فأنا أبايعك، فمد رسول الله ﷺ يده، فبايعه أبو بكر وصدقه وأقر أن ما جاء به الحق، فوالله ما تلعثم أبو بكر حيث دعاه رسول الله ﷺ إلى الإسلام» اهـ.

стр. 82

وأخرج الحاكم في [مستدركه] من حديث عائشة ﵂ قال: «لما أسري بالنبي ﷺ إلى المسجد الأقصى أصبح يتحدث الناس بذلك، فارتد ناس ممن كان آمنوا به وصدقوه، وسعوا بذلك إلى أبي بكر ﵁، فقالوا: هل لك إلى صاحبك يزعم أنه أسري به الليلة إلى بيت المقدس؟ قال: أوقال ذلك؟ ! قالوا: نعم. قال: لئن كان قال ذلك لقد صدق. قالوا: أوتصدقه إنه ذهب الليلة إلى بيت المقدس وجاء قبل أن يصبح؟ ! قال: نعم، إني لأصدقه فيما هو أبعد من ذلك، أصدقه بخبر السماء في غدوة أو روحة. فلذلك سمي أبو بكر الصديق (١) » قال الحاكم: هذا حديث صحيح الإسناد، ولم يخرجاه، ووافقه الذهبي. وحديث عائشة ﵂ قالت: «لقل يوم كان (٢)

стр. 83

يأتي على النبي ﷺ إلا يأتي فيه بيت أبي بكر أحد طرفي النهار، فلما أذن له في الخروج إلى المدينة لم يرعنا إلا وقد أتانا ظهرا، فخبر به أبو بكر، فقال: ما جاءنا النبي ﷺ في هذه الساعة إلا لأمر حديث، فلما دخل عليه، قال لأبي بكر: " أخرج من عندك " قال: يا رسول الله، إنما هي ابنتاي - يعني عائشة وأسماء - قال: أشعرت أنه قد أذن لي في الخروج، قال: الصحبة يا رسول الله، قال: " الصحبة ". قال: يا رسول الله، إن عندي ناقتين أعددتهما للخروج، فخذ إحداهما، قال: أخذتها بالثمن» وفي بعض الروايات: قالت عائشة ﵂: " فوالله ما شعرت قط قبل ذلك اليوم أن أحدا يبكي من الفرح حتى رأيت أبا بكر يبكي يومئذ " (١)

стр. 84

وهي في [مسند إسحاق بن راهويه] بزيادة: (لقد رأيت أبا بكر يبكي من الفرح) بعد قول النبي ﷺ : «نعم، الصحبة (١) » وأثناء الهجرة وفي الطريق جلس النبي ﷺ وأبو بكر ﵁ في غار ثور، وقريش قد أرسلت الطلب ليحضروهم، وجعلت الجوائز لمن يأتي بالنبي ﷺ ، وبينما هم في الغار، وإذ بالطلب حولهم، حتى إن أحدهم لو نظر أسفل منه لرآهم، «فقال أبو بكر للنبي ﷺ : والله لو رأى أحدهم موضع قدميه لأبصرنا، فقال له النبي ﷺ : " ما ظنك باثنين الله ثالثهما (٢) » . وفي ذلك أنزل الله قرآنا يتلى إلى يوم القيامة، يقول الله - سبحانه -: ﴿إِلَّا تَنْصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا فَأَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ وَأَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَمْ تَرَوْهَا وَجَعَلَ كَلِمَةَ الَّذِينَ كَفَرُوا السُّفْلَى وَكَلِمَةُ اللَّهِ هِيَ الْعُلْيَا وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ (٣)

стр. 85

ومنها: حديث أبي سعيد الخدري ﵁ قال: خطب النبي ﷺ فقال: «إن الله - سبحانه - خير عبدا بين الدنيا وبين ما عنده، فاختار ما عند الله " فبكى أبو بكر ﵁، فقلت في نفسي: ما يبكي هذا الشيخ؟ إن يكن الله خير عبدا بين الدنيا وبين ما عنده فاختار ما عند الله، فكان رسول الله ﷺ هو العبد، وكان أبو بكر أعلمنا، قال: " يا أبا بكر، لا تبك، إن أمن الناس علي في صحبته وماله أبو بكر، ولو كنت متخذا خليلا من أمتي لاتخذت أبا بكر، ولكن أخوة الإسلام ومودته، لا يبقين في المسجد باب إلا (١)

стр. 86

سد، إلا باب أبي بكر» وأخرج البيهقي في كتابه [الاعتقاد] بسنده: أن أبا هريرة قال: والذي لا إله إلا هو، لولا أن أبا بكر استخلف ما عبد الله، ثم قال: الثانية، ثم الثالثة، ثم قيل له: مه، يا أبا هريرة؟ فقال: إن رسول الله ﷺ وجه أسامة بن زيد في سبعمائة إلى الشام، فلما نزل بذي خشب قبض النبي ﷺ ، وارتدت العرب حول المدينة، واجتمع إليه أصحاب رسول الله ﷺ ، فقالوا: يا أبا بكر، رد هؤلاء، توجه هؤلاء إلى الروم، وقد ارتدت العرب حول المدينة، فقال: والذي لا إله إلا هو، لو جرت الكلاب بأرجل أزواج رسول الله ﷺ ما رددت جيشا وجهه رسول الله ﷺ ، ولا حللت لواء عقده رسول الله ﷺ ، فوجه أسامة، فجعل لا يمر بقبيل يريدون الارتداد إلا قالوا: لولا أن

стр. 87

لهؤلاء قوة ما خرج مثل هؤلاء من عندهم، ولكن ندعهم حتى يلقوا الروم، فلقوا الروم فهزموهم، وقتلوهم، ورجعوا سالمين، فثبتوا على الإسلام ومن ذلك حديث رفاعة بن رافع ﵁ قال: «قام أبو بكر الصديق على المنبر، ثم بكى، فقال: قام رسول الله ﷺ عام الأول على المنبر، ثم بكى، فقال: اسألوا الله العفو والعافية، فإن أحدا لم يعط بعد اليقين خيرا من العافية (١) » . أخرجه الترمذي، وقال: هذا حديث غريب من هذا الوجه عن أبي بكر ﵁ ومن المواقف: ما جاء في حديث أنس بن مالك - رضي

стр. 88

الله عنه - قال: ما كان لنا خمر غير فضيخكم هذا الذي تسمونه: الفضيخ، فإني لقائم أسقي أبا طلحة وفلانا وفلانا، إذ جاء رجل، فقال: وهل بلغكم الخبر؟ فقالوا: وما ذاك؟ قال: حرمت الخمر، قالوا: أهرق هذه القلال يا أنس، قال: فما سألوا عنها ولا راجعوها بعد خبر الرجل (١) وفي حديث أبي هريرة: أن رسول الله ﷺ قال يوم خيبر: «لأعطين هذه الراية رجلا يحب الله ورسوله، يفتح الله على يديه ". قال عمر بن الخطاب: ما أحببت الإمارة إلا يومئذ، قال: فتساورت لها، رجاء أن أدعى لها، قال: فدعا رسول الله ﷺ علي بن أبي طالب، فأعطاه إياها، وقال: امش ولا تلفت حتى يفتح الله عليك، قال: فسار علي شيئا ثم وقف، ولم يلتفت، فصرخ، يا رسول الله (٢)

стр. 89

على ماذا أقاتل الناس؟ قال: قاتلهم حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله، وأن محمدا رسول الله، فإذا فعلوا ذلك فقد منعوا منك دماءهم وأموالهم إلا بحقها وحسابهم على الله» أخرجه بهذا اللفظ مسلم، وأصله في البخاري. وفي حديث خروج النبي ﷺ زمن الحديبية في بضع عشرة مائة من أصحابه في حديث طويل، وفيه: أن عروة بن مسعود الثقفي ﵁ وكان إذ ذاك مشركا - لما رجع إلى قريش قال لهم: «أي قوم، والله لقد وفدت على الملوك، ووفدت على قيصر وكسرى والنجاشي، والله إن رأيت ملكا قط يعظمه أصحابه كما يعظم أصحاب محمد محمدا، والله إن تنخم نخامة إلا وقعت في كف رجل منهم فدلك بها وجهه وجلده، وإذا أمرهم ابتدروا أمره، وإذا توضأ كادوا يقتتلون على وضوئه، وإذا تكلم خفضوا

стр. 90

أصواتهم عنده، وما يحدون إليه النظر تعظيما له» . . . الحديث، أخرجه البخاري في صحيحه (١) هذه بعض الصور الجليلة الدالة على عظيم محبة الصحابة ﵃ للنبي ﷺ ، وحرصهم على اتباع أوامره والتسليم له. ووراء هذه المواقف المذكورة - مما طوينا ذكره طلبا للاختصار - مواقف أخرى عظيمة، قد حفلت بها دواوين السنة، وازدانت بها كتب التواريخ والسيرة، وهؤلاء هم السلف الصالح الذي يجب علينا اتباعهم، واقتفاء آثارهم في معرفتهم لحق النبي ﷺ وعملهم بسنته.

стр. 91

فصل في ذكر بعض أقسام المخالفين لشهادة أن محمدا رسول الله ﷺ أيها الأخوة في الله، قد بينا فيما سبق حقيقة شهادة أن محمدا رسول الله، التي من عمل بها والتزم بها ظاهرا وباطنا فهو الصادق في شهادته، ومن خالفها فإنه على خطر عظيم. والمخالف لهذه الشهادة أقسام: فقسم: لا يؤمن برسالة محمد ﷺ وينكرها جملة وتفصيلا، تكذيبا أو عنادا، كحال المشركين. وقسم: يؤمن برسالة النبي محمد ﷺ لكن ينكر عمومها، ويقول: إنها خاصة بالعرب، كحال طوائف من أهل الكتاب. ويقال لهؤلاء وأولئك: يقول الله لرسوله ﷺ :

стр. 92

﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا كَافَّةً لِلنَّاسِ بَشِيرًا وَنَذِيرًا﴾ (١) ويقول : ﴿قُلْ يَاأَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا﴾ (٢) ويقول - سبحانه -: ﴿قَدْ نَعْلَمُ إِنَّهُ لَيَحْزُنُكَ الَّذِي يَقُولُونَ فَإِنَّهُمْ لَا يُكَذِّبُونَكَ وَلَكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآيَاتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ﴾ (٣) وليس مقصودنا في هذه الكلمة استقصاء الرد على هؤلاء وغيرهم من الطوائف، فإن علماء الإسلام وأئمتهم قد أجادوا في ذلك، وصنفوا فيها المصنفات، فمن أراد الاستزادة فعليه مراجعة المطولات. وقسم: يشهدون أن محمدا رسول الله، وينتسبون للإسلام، لكنهم خالفوا حقيقة هذه الشهادة بأنواع ومراتب من المخالفات، بعضها أعظم من بعض.

стр. 93

فقسم منهم: بالغ في الغلو فيه ﷺ ، وجعله نورا أزليا ينتقل في الأنبياء، حتى جاء ﷺ ، ومنهم من يزعم أنه مظهر يتجلى الله فيهن والعياذ بالله. فالأول: قول الغلاة الشيعة والباطنية، وأيضا غلاة الصوفية. والثاني: هو قول أهل وحدة الوجود. وكل هذه أقوال كفرية لا تصدر عن قلب مؤمن، وإنما يزخرف فيها القول، وتلبس لباس الإسلام؛ تمويها على العوام. وإلا فهي مضاهاة لقول من سبق من الأمم الكافرة، مثل اعتقاد النصارى في المسيح، وأنه إله في صورة إنسان. والرسول ﷺ إنما هو بشر، وعبد من عباد الله، اصطفاه الله وشرفه بأن كان خاتم الأنبياء والمرسلين، وسيد ولد آدم أجمعين، وبشريته تنفي ما زعم فيه من المزاعم الباطلة التي ذكرت سابقا وما شابهها.

стр. 94

يقول الله : ﴿قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَمَنْ كَانَ يَرْجُوا لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا﴾ (١) وقال : ﴿قُلْ سُبْحَانَ رَبِّي هَلْ كُنْتُ إِلَّا بَشَرًا رَسُولًا﴾ (٢) وقال ﷺ : «إنما أنا بشر مثلكم، أنسى كما تنسون (٣) » وغير ذلك من الأدلة والنصوص الدالة قطعا على بشرية محمد ﷺ ، وأن الله - سبحانه - إنما ميزه بالرسالة والنبوة، أما الغلو فيه ورفعه فوق منزلته فهذا مخالف لحقيقة رسالته، ومخالف لـ (شهادة أن محمدا رسول الله) .

стр. 95

وقسم منهم: غلا فيه أيضا، بأن صرف له ﷺ أنواعا من العبادة، مثل: الدعاء، والخشوع، والصلاة إلى قبره، ونحو ذلك مما هو من خالص حق الله . وقد حذر النبي ﷺ أمته من ذلك، وشدد فيه، وأبدأ فيه وأعاد، بل قبل ذلك القرآن الكريم، فإن الله - سبحانه - خص الدعاء والخضوع والصلاة ونحوها من العبادات به سبحانه. ويقول : ﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ﴾ (١) ويقول - سبحانه - واصفا أفضل عباده: ﴿إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا وَكَانُوا لَنَا خَاشِعِينَ﴾ (٢)

стр. 96

وقال - سبحانه - لرسوله ﷺ : ﴿فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ﴾ (١) وقال أيضا آمرا نبيه ﷺ : ﴿قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ (٢) وقال ﷺ في الحديث الذي رواه عمر بن الخطاب ﵁: «لا تطروني كما أطرت النصارى ابن مريم، إنما أنا عبده، فقولوا: عبد الله ورسوله (٣) » أخرجاه. وفي [الصحيحين] أيضا عن عائشة ﵂ قالت: «لما نزل برسول الله ﷺ طفق يطرح خميصة له على وجهه، فإذا اغتم بها كشفها، فقال وهو كذلك: " لعنة الله على اليهود والنصارى؛ اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد "؛ (٤)

стр. 97

يحذر ما صنعوا قالت عائشة ﵂: فلولا ذاك أبرز قبره، غير أنه خشي أن يتخذ مسجدا» ونهيه ﷺ ، وتشديده في اتخاذ القبور مساجد بالصلاة لله عندها، وإخباره بلعن من فعل ذلك، مع أنه لم يعبدها ولم يدعها، وإنما ذلك ذريعة لعبادتها والشرك بها، فكيف بمن عبدها، وتوجه إليها، ونذر لها، وطاف بها، وذبح لها، ودعا أهلها، وطلب منهم النفع والضر. قال القرطبي ﵀: ولهذا بالغ المسلمون في سد الذريعة في قبر النبي ﷺ فأعلوا حيطان تربته، وسدوا المداخل إليها، وجعلوها محدقة لقبره ﷺ ، ثم خافوا أن يتخذ موضع قبره قبلة - إذا كان مستقبل المصلين - فتصور الصلاة إليه بصورة العبادة، فبنوا جدارين من ركني القبر

стр. 98

الشماليين، وحرفوهما حتى التقيا على زاوية مثلث من ناحية الشمال حتى لا يتمكن أحد من استقبال قبره. اهـ (١) وبهذا يتبين أن الله - سبحانه - قد صان قبره ﷺ إجابة لدعائه ﷺ : «اللهم لا تجعل قبر وثنا يعبد (٢) » وأن من توجه إليه إنما هو في الحقيقة قاصد لما قام في قلبه أنه قبر النبي ﷺ ، وإلا فقبره ﷺ لا يمكن استقباله ولا الوصول إليه. بل هو كما قال شيخ الإسلام ابن تيمية - يرحمه الله تعالى -: إن الوصول إلى قبره ﷺ غير مقدور ولا مأمور ا. هـ. وذلك بعد إحاطته بثلاثة جدران.

стр. 99

وقسم: غلوا فيه ﷺ ، وزعموا أنه يعلم الغيب ويعلم أحوالهم وما هم عليه، بل وصل بعضهم أن زعم أنه يشاهده ويجتمع به يقظة لا مناما. وهذا تكذيب لكتاب الله وكفر بالله ، يقول - سبحانه -: ﴿قُلْ لَا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللَّهُ وَمَا يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ﴾ (١) ويقول - سبحانه -: ﴿وَلِلَّهِ غَيْبُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ (٢) ويقول : ﴿عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ الْكَبِيرُ الْمُتَعَالِ﴾ (٣) ويقول آمرا نبيه ﷺ : ﴿قُلْ لَا أَقُولُ لَكُمْ عِنْدِي خَزَائِنُ اللَّهِ وَلَا أَعْلَمُ الْغَيْبَ﴾ (٤)

стр. 100

ويقول آمرا نبيه ﷺ : ﴿قُلْ لَا أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعًا وَلَا ضَرًّا إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ وَلَوْ كُنْتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ لَاسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيْرِ وَمَا مَسَّنِيَ السُّوءُ إِنْ أَنَا إِلَّا نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ (١) وأما أدلة وفاته ﷺ فكثيرة: منها: قوله تعالى: ﴿إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ﴾ (٢) وقوله ﴿وَمَا جَعَلْنَا لِبَشَرٍ مِنْ قَبْلِكَ الْخُلْدَ أَفَإِنْ مِتَّ فَهُمُ الْخَالِدُونَ﴾ (٣) ومنها قوله تعالى: ﴿كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ﴾ (٤) وفي حديث عائشة في قصة وفاته ﷺ ، وفي آخرها قال ﷺ : «في الرفيق الأعلى (٥) » ثم فاضت روحه ﷺ .

стр. 101

وقسم من الناس: جفا في حق النبي المصطفى ﷺ ، وسنته الصحيحة، فأخذوا ينكرون طائفة من أحاديث النبي ﷺ ، تارة بدعوى أن العقل لا يقبلها، فلما تعارض فهم عقولهم مع ما صح سنده من سنة المصطفى ﷺ نبذوا السنة وراء ظهورهم؛ تقديما منهم للعقل على النقل، وما علموا أن العقل الصريح لا يمكن أن يعارض النقل الصحيح، ومتى توهم هذا التعارض فإن المتهم في ذلك عقل من توهم التعارض، وإلا فالنص الصحيح مقدم بكل حال. وهذا القسم من الناس ضال مبطل، مخالف لمقتضى شهادة أن محمدا رسول الله ﷺ . وقد تقدم بيان الأدلة في ذلك، ونقل قول الشافعي ﵀: أجمع العلماء على أن من استبانت له سنة رسول الله ﷺ لم يكن له أن يدعها لقول أحد. وتارة يرد السنة بدافع الهوى وغلبة الشهوات، وقد كثير هذا في الأزمان المتأخرة، حتى صار ينطق في الأمور

стр. 102

الشرعية بتحليل أو تحريم من ليس أهلا لها، وهذا من أعظم الجرم. يقول الله - سبحانه -: ﴿وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا﴾ (١) ويقول - سبحانه -: ﴿قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالْإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ (٢) هذا وإن من الناس من خالف حقيقة شهادة أن محمدا رسول الله بما هو دون الكفر، وإن كان خطيرا يجب الحذر منه. فمن ذلك: الحلف بالنبي ﷺ وهذا شرك أصغر، وذريعة للشرك الأكبر.

стр. 103

يقول ﷺ : «من حلف بغير الله فقد كفر، أو أشرك (١) » وفي الحديث الآخر: «لا تحلفوا بآبائكم (٢) » وقسم من الناس: خالف حقيقة شهادة أن محمدا رسول الله بالابتداع في الدين، وكل بدعة أحدثت فهي مخالفة لحقيقة شهادة أن محمدا رسول الله؛ لأن من حقيقتها ألا يعبد إلا الله إلا بما شرع ﷺ ، فإذا تقرب العبد لله بالبدع فقد خالف مدلول الشهادة.

стр. 104

فصل في حكم الاحتفال بالمولد النبوي ومن البدع التي ظهرت وانتشرت واستشرت في المجتمعات الإسلامية، وخصوصا في أيام شهر ربيع الأول - بدعة المولد النبوي، ولما كانت البلوى قد عمت بها في هذه الأزمان، رأينا أن نعرض لها بشيء من التفصيل، فنقول وبالله التوفيق: إن الأصل في هذا الدين الذي دلت عليه الدلائل القطعية من الكتاب والسنة: أن لا يعبد إلا الله، وألا يعبد الله إلا بما شرع - سبحانه - في كتابه، وفي سنة رسوله ﷺ ، ومن هنا قال أهل العلم: إن العبادات توقيفية، بمعنى: أن المسلم لا يتقرب إلى الله إلا بما شرعه ، وبينته سنة رسوله ﷺ ، أما من قصد التقرب إلى الله بأعمال ظنها حسنة في عقله أو أخذها عن غيره وإن كان معظما من العلماء أو من غيرهم - فهذا عمله مردود مبتدع وإن

стр. 105

قصد الخير؛ لذا جاء عن ابن مسعود ﵁ أنه قال: (وكم من مريد للخير لن يصبه) . قاله لأقوام يسبحون ويكبرون ويهللون ويحمدون، ويعدون ذلك بالحصى، ولما نهاهم قالوا: (ما أردنا إلا الخير) وهنا أصل أيضا متقرر معلوم عند علماء الإسلام، وهو أنه عند حدوث التنازع يجب الرد إلى كتاب الله وسنة رسول الله ﷺ ، فما وجدناه فيه أخذنا به وعلمنا به، وما لم نجده لم نتقرب إلى الله به. يقول الله ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا﴾ (١) ويقول - سبحانه - أيضا: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ (٢)

стр. 106

ويقول ﷺ في حديث عائشة ﵂ الذي عده أهل العلم ميزان العمل الظاهر - يقول ﷺ : «من عمل عملا ليس عليه أمرنا فهو رد (١) » وفي رواية: «من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد (٢) » إذا تقرر هذا - وهو بحمد الله متقرر عند علماء الإسلام - نرجع إلى مسألة المولد النبوي، فنقول: لما كان بعض العلماء المتأخرين قد استحسنها، وقد شنع فيها غيرهم من العلماء والمحققين وذكروا بدعيتها، فكانت عندنا من مسائل التنازع، فهنا نرجع إلى الأصل في مسائل التنازع، ألا وهو الرد إلى كتاب الله،

стр. 107

وإلى سنة رسوله ﷺ ، ونحن إذا رجعنا لكتاب الله لم نجد لهذه المسألة أصلا يعتمد عليه، وبتتبع سيرته وسنته ﷺ لم ينقل لنا أنه أمر بالاحتفال بمولده، أو أنه احتفل ﷺ بمولده، أو أن أحدا احتفل بمولده في عهده ﷺ فأقره، مع أنه ﷺ قد عاش ثلاثا وستين سنة، وقد صحبه وآمن به رجال هم أشد الناس محبة له وتوقيرا وتعظيما وفهما لمراد الله والرسول، بل بذلوا أرواحهم دفاعا عنه ﷺ وذبا عن دينه ﷺ ، وحرصوا على متابعته في كل صغيرة وكبيرة، ونقلوا لنا سنته ﷺ ولم يخلوا بشيء منها، حتى نقلوا لنا اضطراب لحيته في الصلاة إذا استفتح، فلا يمكن أن يكون الاحتفال بالمولد قد عمل في زمنه ﷺ ، ولم ينقل مع تعاقب السنين وتوافر الهمم والدواعي لنقله. ثم نظرنا أفضل القرون بعده ﷺ وأحب الناس إليه وهم أصحابه، فلم ينقل عنهم ناقل أنهم احتفلوا بمولده ﷺ لا أبو بكر الصديق ﵁، ولا عمر الفاروق

стр. 108

- ﵁، ولا عثمان ذو النورين ﵁، ولا على بن أبي طالب صهر النبي ﷺ وابن عمه وأبو سبطيه ﵃، ولا غيرهم من الصحابة ﵃، بل ولا التابعين ومن تبعهم بإحسان لا في المائة الأولى ولا الثانية ولا الثالثة، مع قيام المقتضي - الذي يذكره أهل العصر الآن - وانتفاء المانع الحسي من ذلك. فعلم انهم إنما تركوه لقيام المانع الشرعي وهو أنه أمر لم يشرعه الله ولا رسوله ﷺ ، ولا هو مما يحبه الله ويرضاه ولا مما يقرب إليه زلفى، بل هو بدعة حادثة تتابع على تركها أفضل البشر ﷺ ، وأفضل القرون ﵃، وأفضل علماء الأمة علماء الصدر الأول من الإسلام، وفي هذا الدليل العظيم والأصل الأصيل مقنع لمن فتح الله على قلبه وأنار بصيرته ورزقه التوفيق والهدى والسداد. وهذا الذي ذكرناه من أن السلف لم يفعلوا هذا

стр. 109

المولد اتفق عليه علماء المسلمين ممن يرى إقامة المولد ومن لا يراه. والاحتفال بالمولد إنما حدث في القرن الرابع على يد بني عبيد القداح الذين يسمون بـ (بالفاطميين) ، وهؤلاء القوم قد بان لعلماء الإسلام ضلالهم وأنهم من الإسماعيلية الباطنية، ولهم مقالات وأفعال كفرية فضلا عن البدع والمنكرات، فليسوا أهلا للاقتداء والتأسي. ثم إن الله قد أكمل لنا الدين وأتم علينا النعمة فقال - سبحانه -: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا﴾ (١) وإحداث مثل هذه الموالد فيه استدراك على الله، وأن الدين لم يكمل حتى جاء في القرون المتأخرة من زاد فيه، ولا شك أن هذا تكذيب لظاهر القرآن واستدراك على الملك العلام، نعوذ بالله من الخذلان.

стр. 110

ثم إن رسول الله ﷺ قال في الحديث الصحيح عنه ﷺ : «إنه لم يكن نبي قبلي إلا كان حقا عليه أن يدل أمته على خير ما يعلمه لهم (١) » ولا شك أن نبينا محمدا ﷺ هو خاتم الأنبياء، وأفضلهم وسيدهم وأنصحهم لأمته وأوضحهم بيانا وأفصحهم لسانا، فلو كان الاحتفال بالمولد خيرا وقربة لبادر ﷺ لبيانه لأمته ولدلهم عليه وحثهم، فلما لم ينقل ذلك علمنا قطعا أنه لا خير فيه، فضلا عن كونه قربة لله سبحانه. ثم أيضا يقال لمن أراد الاحتفال بالمولد النبوي: في أي يوم تحتفل؟ وذلك لأن أهل السير قد اختلفوا في مولده ﷺ . فمنهم من قال: في رمضان، ومنهم من قال: في ثامن ربيع الأول، ومنهم من قال: إنه في ثاني عشر ربيع
следующие страницы →