← Фатава

Фатава · id 21771

رسائل وفتاوى عبد العزيز آل الشيخ

عبد العزيز بن عبد الله آل الشيخ

Полный текст (162 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.

стр. 106

الصوم سبب لإجابة الدعاء فعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «ثلاثة لا ترد دعوتهم: الصائم حتى يفطر (١) » . . . الحديث أخرجه الترمذي. وقد خص الصيام من بين سائر الأعمال بمزيد فضل ومزية، من ذلك أن خلوف فم الصائم أطيب عند الله من ريح المسك، فعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «والذي نفس محمد بيده لخلوف فم الصائم أطيب عند الله من ريح المسك، للصائم فرحتان يفرحهما، إذا أفطر فرح بفطره، وإذا لقي ربه فرح بصومه (٢) » متفق عليه. ومن ذلك أيضا أن جميع الأعمال جزاؤها الحسنة بعشر أمثالها إلى سبعمائة ضعف إلى أضعاف كثيرة، إلا الصوم فإن الله سبحانه أضافه إلى نفسه وتولى سبحانه جزاءه بغير حصر. يقول النبي ﷺ : «كل عمل ابن آدم له الحسنة بعشر أمثالها إلى سبعمائة ضعف إلى أضعاف كثيرة، قال الله: إلا الصوم فإنه لي وأنا أجزي به (٣) » . الصائمون لهم باب يخصهم من أبواب الجنة لا يدخل معه أحد غيرهم، يقال له باب الريان، ففي الصحيحين عن سهل بن سعد ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «إن في الجنة بابا يقال له: الريان يدخل منه الصائمون يوم القيامة، لا يدخل معهم أحد غيرهم، يقال: أين الصائمون؟ فيدخلون منه، فإذا دخل آخرهم أغلق، فلم يدخل منه أحد (٤) » .

стр. 107

هذه بعض فضائل الصوم المنصوص عليها في الشرع، وهناك فوائد أخرى يذكرها أهل الطب وغيرهم مثل كون الصوم علاج للبدن وتنقية له من الأخلاط الرديئة التي تضره، وقد كان كبار أهل الطب يصفونه علاجا لمرضاهم. ثم إن الصائم يجب عليه أن يخلص لله في صيامه وأن يحافظ عليه، ويحتسب ذلك عند الله فإنه سبب لمغفرة الذنوب، فعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «من صام رمضان إيمانا واحتسابا غفر له ما تقدم من ذنبه (١) » متفق عليه. هذا وإن هناك أمورا تنافي حقيقة الصوم وتبطله، يجب على الصائم البعد عنها. وهناك أمور تنافي كمال الصوم وتجرحه، وتنقص ثوابه، يجب تركها كل وقت، ويتأكد ذلك في رمضان، لحرمة الزمان. أما مبطلات الصوم فقسمان: قسم مجمع على كونه مفسدا للصوم، وهو ثلاثة أمور الأكل والشرب والجماع، في نهار رمضان من العامد المختار. دليل ذلك قوله تعالى: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَائِكُمْ هُنَّ لِبَاسٌ لَكُمْ وَأَنْتُمْ لِبَاسٌ لَهُنَّ عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ كُنْتُمْ تَخْتَانُونَ أَنْفُسَكُمْ فَتَابَ عَلَيْكُمْ وَعَفَا عَنْكُمْ فَالْآنَ بَاشِرُوهُنَّ وَابْتَغُوا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ وَلَا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلَا تَقْرَبُوهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ آيَاتِهِ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ﴾ (٢) .

стр. 108

وعن أبي هريرة ﵁: أن رسول الله ﷺ قال: «الصيام جنة، فلا يرفث ولا يجهل وإن امرؤ قاتله أو شاتمه فليقل: إني صائم- مرتين- والذي نفسي بيده لخلوف فم الصائم أطيب عند الله من ريح المسك، يترك طعامه وشرابه وشهوته من أجلي، الصيام لي وأنا أجزي به، والحسنة بعشر أمثالها (١) » رواه البخاري وغيره من أهل السنن، وفي لفظ للبخاري: «يدع شهوته وأكله وشربه من أجلي (٢) » . وقد أجمع المسلمون على أن هذه الأمور الثلاثة مفطرة للصائم مفسدة لصومه. القسم الثاني من المفطرات: ما وقع فيه الخلاف بين العلماء هل يعد مفطرا أم لا؟ وهذا القسم تحت أنواع:

стр. 109

منها: الحجامة، والصحيح أنها تفطر الصائم، فعن رافع بن خديج ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «أفطر الحاجم والمحجوم (١) » رواه أحمد والترمذي وغيرهما. وفي الباب عن ثوبان وشداد بن أوس وأبي هريرة وعائشة وأسامة بن زيد ومعقل بن سنان الأشجعي رضي الله عن الجميع. قال الإمام أحمد ﵀: أصح حديث في هذا الباب حديث ثوبان وشداد بن أوس، وحسن أبو زرعة ﵀ هذا الحديث من طريق أبي هريرة، وقال الدارمي ﵀: صح عندي حديث «أفطر الحاجم والمحجوم (٢) » بحديث ثوبان وشداد بن أوس وأقول به. وقال الإمام أحمد: أحاديث «أفطر الحاجم والمحجوم (٣) » و «لا نكاح إلا بولي (٤) » يشد بعضها بعضا. وأنا أذهب إليها. وكلام أئمة الحديث في الاحتجاج بهذا الحديث كثير، يصعب سرده هنا. وفي معنى الحجامة التبرع بالدم. ومن المفطرات أيضا ما كان بمعنى الأكل والشرب مما يحصل به غذاء البدن، كالإبر المغذية، وكحقن الدم في جسم الصائم، وكذلك أيضا الأدوية والعلاجات التي تؤخذ من الأنف أو الفم؛ لأنهما منفذان للجوف أما الفم فواضح، وأما الأنف فدليله قول النبي ﷺ للقيط بن صبرة: «وبالغ في الاستنشاق إلا أن تكون صائما (٥) » .

стр. 110

ومن المفطرات أيضا: إنزال المني بشهوة، بنحو استمناء أو تكرير نظر لما تقدم من عموم حديث أبي هريرة ﵁ عند البخاري: «يترك طعامه وشرابه وشهوته (١) » . ولا يفطر بالاحتلام ولا بالإنزال الناتج عن التفكير؛ لقول النبي ﷺ كما في حديث أبي هريرة ﵁: «إن الله تجاوز لي عن أمتي ما حدثت به أنفسها ما لم تعمل أو تتكلم (٢) » متفق عليه. ومن تعاطى شيئا من المفطرات السابقة في نهار رمضان عامدا مختارا، وجب عليه المبادرة إلى التوبة والتضرع إلى الله لعله أن يعفو عنه ويغفر له تلك الزلة. ومع التوبة يجب عليه يوم مكان ذلك اليوم الذي أفطره. والمجامع في نهار رمضان عامدا مختارا يجب عليه مع التوبة النصوح، وقضاء يوم مكان كل يوم أفسده بالجماع، كفارة عتق رقبة فإن لم يجد فصيام شهرين متتابعين، فإن لم يستطع فإطعام ستين مسكينا، والدليل على ذلك ما رواه الجماعة بألفاظ متقاربة من حديث أبي هريرة ﵁ قال: «جاء أعرابي إلى النبي ﷺ فقال: هلكت يا رسول الله، قال: وما أهلكك؟ قال: وقعت على امرأتي في رمضان. قال: هل تجد ما تعتق رقبة؟ قال: لا. قال: فهل تستطيع أن تصوم شهرين متتابعين؟ قال: لا. قال: فهل تجد ما تطعم ستين مسكينا؟ قال: لا. قال: ثم جلس فأتي النبي ﷺ بعرق فيه تمر. فقال: تصدق بهذا، قال: فهل على أفقر مني؟ فما بين لابتيها أهل بيت أحوج إليه منا. فضحك النبي ﷺ حتى بدت نواجذه. وقال: اذهب، فأطعمه أهلك (٣) » .

стр. 111

ومن أخر قضاء يوم من رمضان حتى دخل عليه شهر رمضان الآخر، وجب عليه مع القضاء، كفارة للتأخير، أفتى بذلك جمع من الصحابة كأبي هريرة وابن عباس وابن عمر رضي الله عن الجميع. ومن تعاطى شيئا من المفطرات ناسيا أو جاهلا أو بغير اختياره فهو معذور ولا شيء عليه؛ لقوله تعالى: ﴿رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا﴾ (١) . ولا يفطر الصائم أشياء لا تفطره بنحو قلع سن أو دواء جرح وإن وجد طعمه في الحلق، ولا بخروج الدم من السعال أو الرعاف، أو الناسور أو الباسور، ولا يفطر أيضا بشم الطيب، ولا البخور، لكن ينبغي له التحرز من الاستعاط بالبخور واستنشاقه؛ لأن له جرما ربما وصل إلى الجوف. ولا بأس باستعمال معاجين الأسنان، ونحوها من المنظفات مع التحفظ عند استعمالها لئلا يتحلل شيء منها فيذهب إلى الجوف، وترك ذلك في نهار رمضان أحوط للصائم؛ لأن له نفوذا قويا. ويشرع للصائم كغيره السواك أول النهار وآخره؛ لعموم قول النبي ﷺ : «لولا أن أشق على أمتي لأمرتهم بالسواك عند كل صلاة (٢) » أخرجه الجماعة من حديث أبي هريرة ﵁. ولم يصح في النهي عنه للصائم حديث فيما نعلم.

стр. 112

وإن مما يجب على المسلم تركه في كل وقت- ويتأكد ذلك عليه في رمضان لحرمة الزمان- المحرمات بأنواعها، فأعظم ذلك صرف شيء من أنواع العبادة لغير الله، كمن يذبح أو ينذر لغير الله من حجر أو شجر أو نبي أو ولي أو ملك، أو يطلب منه المدد أو الغوث، فإن ذلك كله من الشرك بالله يقول الله : ﴿وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلَا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَدًا﴾ (١) وعاقبة الشرك وخيمة يقول الله: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ (٢) ويقول سبحانه: ﴿إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ﴾ (٣) . ومما يجب على العبد التنبه له في هذا الشهر أيضا أمر الصلاة فإن أمرها عظيم، من حفظها وحافظ عليها حفظ دينه، ومن ضيعها فهو لما سواها أضيع، فالحذر الحذر من التساهل فيها أو أدائها في غير وقتها، فإن هذا فعل أهل السوء يقول الله سبحانه: ﴿فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلَاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا﴾ (٤) . ومن المحرمات التي يجب التنبه لها: عقوق الوالدين، والسحر، وأكل مال اليتيم، وقتل النفس التي حرم الله إلا بالحق، والزنا، والربا، وقذف المحصنات الغافلات المؤمنات، وشهادة الزور، والكذب، والخيانة، وشرب الخمر، وأكل أموال الناس بالباطل. ومنها: الغيبة والنميمة. وغير ذلك من المحرمات التي يجب على المسلم البعد عنها كل وقت، ويتأكد عليه في هذا الشهر الكريم أن ينزه عنها صومه، حتى يكون من الصائمين المحافظين على صيامهم. ثم إن الصائم سواء كان رجلا أو امرأة، قد يعرض له من العوارض ما يشرع معه الفطر في نهار رمضان. فمن الأعذار: المرض، يقول الله : ﴿فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ (٥) . والمريض له أحوال:

стр. 113

أولها: أن يكون مرضه خفيفا عارضا، لا يؤثر فيه الصوم، لا بشدة في المرض، ولا بتأخر في زمن البرء، فمن كانت هذه حاله فإنه لا يباح له الفطر، وهذا كمن يعرض له بعض الصداع في نهار صيامه، ونحو ذلك. ثانيها: أن يكون الصوم يؤثر على صحته إما باشتداد المرض، أو بتأخر زمن البرء، فهنا يستحب له الفطر. ثالث الأحوال: أن يكون الصوم مضرا به ضررا بينا، وقد يؤدي به إلى الهلكة، فهنا يتأكد تأكدا كبيرا، إبقاء على نفسه ودفعا للضرر عنها، فالرسول ﷺ يقول: «لا ضرر ولا ضرار (١) » ، والله يقول: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ (٢) . ويقول سبحانه: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ (٣) . ومن العلماء من قال: بوجوب الفطر في هذه الحال؛ لأن الله تعالى يقول: ﴿وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ﴾ (٤) . ومنهم من قال: بعدم الوجوب، وأن الصوم مكروه فقط وليس بمحرم. والقول بالوجوب أقرب. وبكل حال؛ فإن العبد إذا علم من نفسه عدم الصبر على شدة المرض أو زيادته، وأن ذلك ربما أدى به إلى التشكي والتسخط، فإنه والحالة هذه يجب عليه أن يفطر؛ لأن صوم من هذه حاله وسيلة إلى المحرم، وهو التسخط والجزع، وما كان وسيلة إلى المحرم فهو محرم. ولا ينبغي أن يكون في هذا خلاف. فإذا أفطر من شرع له الفطر بسبب المرض لزمه أحد أمرين: إما القضاء بعدد الأيام التي أفطرها، أو الإطعام عن كل يوم مسكينا نصف صاع من الطعام، على التفصيل الآتي بيانه: فالمريض الذي يرجى برؤه إذا أفطر لزمه القضاء، ولا يلزمه الإطعام، ولا يجزئه لو فعله.

стр. 114

فإذا استمر به المرض بعد رمضان ولم يتمكن من القضاء، حتى مات، لم يلزمه شيء، ولا يلزم ورثته أيضا شيء. أما إن تمكن من القضاء ففرط ولم يصم حتى مات؛ فإنه يشرع لوليه أن يصوم عنه؛ لحديث أم المؤمنين عائشة ﵂ أن رسول الله ﷺ قال: «من مات وعليه صوم صام عنه وليه (١) » متفق عليه؛ ولأنه دين عليه؛ ودين الله أحق بالوفاء. أما المريض الذي لا يرجى برؤه، فإنه لا يلزمه إلا الإطعام، فإن أطعم سقط عنه الفرض، وله أن يطعم جمعا من المساكين بعدد الأيام التي أفطرها، في يوم واحد، بأن يصنع لهم وليمة ويدعوهم إليها أو يوزعها عليهم. فإن شفي من المرض بعدما أطعم لم يلزمه القضاء؛ لأنه فعل الواجب عليه فبرئت ذمته. وإن مات وهو لم يطعم، أطعم عنه من ماله قبل قسمة التركة؛ لأنه دين ثابت في ذمته، حتى لو مات في أثناء الشهر ولم يطعم عما مضى من الأيام أطعم عنه من ماله. ومن الأعذار المبيحة للفطر في نهار رمضان، السفر، فإن المسافر مسافة قصر يشرع له الفطر لقوله تعالى: ﴿فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ (٢) . فإذا أفطر المسافر في سفره، لزمه القضاء بصيام يوم مكان كل يوم من رمضان أفطره في سفره. والتفضيل بين الفطر والصوم في السفر مسألة مشهورة عند أهل العلم، والخلاف فيها معروف ولكل دليله، وينبغي أن يعلم أن هذا الخلاف فيما إذا كان الصوم لا يشق على المسافر، أما إن كان شاقا عليه، فلا شك حينئذ في استحباب فطره؛ لقول النبي ﷺ «لما رأى رجلا قد ظلل عليه، قد أعياه الصوم في السفر: ليس من البر الصيام في السفر (٣) » .

стр. 115

بل إن النبي ﷺ قد شدد في هذا كثيرا، فإنه «لما خرج عام الفتح وكان صائما، فلما بلغ كراع الغميم، قيل له: إن الناس قد شق عليهم الصوم، فأفطر وأمر الناس بالفطر، فبلغه أن أناسا لا يزالون صياما، فقال ﷺ : أولئك العصاة، أولئك العصاة (١) » . وإذا كان القوم صحبة في سفر، وكان بعضهم صائما وبعضهم مفطرا، فإنه لا ينبغي أن ينكر هذا على هذا؛ لأن كلا منهما قد اتبع سنة، فالصائم عمل بفعل النبي ﷺ في غالب أسفاره. والمفطر عمل بقوله وبفعله ﷺ في بعض أسفاره؛ ولأن الصحابة ﵃ كانت هذه حالهم في أسفارهم مع رسول الله ﷺ ، يقول أنس ﵁: «كنا نسافر مع رسول الله ﷺ فمنا الصائم ومنا المفطر، فلم يعب الصائم على المفطر، ولا المفطر على الصائم (٢) » . ومن الأعذار التي يشرع لأجلها الفطر للصائم سواء كان رجلا أو امرأة: الكبر، فالكبير إذا شق عليه الصوم أفطر، وأطعم عن كل يوم مسكينا، دليل ذلك قوله تعالى: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ﴾ (٣) . قال ابن عباس ﵄: " ليست بمنسوخة. وهو الشيخ الكبير، والمرأة الكبيرة، لا يستطيعان أن يصوما، فيطعمان مكان كل يوم مسكينا " رواه البخاري.

стр. 116

ومن الأعذار التي يختص بها النساء دون الرجال: الحيض والنفاس، فالحائض لا يجوز لها الصوم، ولا يصح منها لو فعلت، وهي آثمة بصومها حال حيضها، وذلك بالإجماع. دليل ذلك قول النبي ﷺ في حديث خطبته لأحد العيدين، «ما رأيت من ناقصات عقل ودين أذهب للب الرجل الحازم منكن يا معشر النساء، قلن له: وما نقصان عقلنا وديننا؟ قال: أليس شهادة المرأة مثل نصف شهادة الرجل؟ قلن: بلى. قال: فذلك من نقصان عقلها. أليس إذا حاضت لم تصل ولم تصم؟ قلن: بلى. قال: فذلك من نقصان دينها (١) » متفق عليه من حديث أبي سعيد الخدري ﵁. والنفساء لها حكم الحائض. ويجب على كل من الحائض والنفساء، قضاء يوم عن كل يوم أصابها فيه الحيض والنفاس أثناء رمضان، لحديث معاذة، أنها سألت عائشة ﵂: «ما بال الحائض تقضي الصوم ولا تقضي الصلاة؟ قالت: أحرورية أنت؟ قالت: لست بحرورية، ولكنني أسأل. قالت: كان يصيبنا ذلك مع رسول الله ﷺ فنؤمر بقضاء الصوم ولا نؤمر بقضاء الصلاة (٢) » رواه الجماعة بألفاظ متقاربة. ومن الأعذار التي يختص بها النساء أيضا، الحمل والإرضاع، فإن الحامل أو المرضع إذا خافتا على نفسيهما أو ولديهما جاز لهما الفطر، أفتى بذلك بعض الصحابة ﵃ أجمعين. فإن أفطرت الحامل أو المرضع خوفا على نفسها، لزمها قضاء يوم مكان كل يوم أفطرته بسبب ذلك. وإن أفطرتا خوفا على ولديهما، لزمهما مع القضاء إطعام مسكين عن كل يوم، وهذا مروي عن ابن عباس وابن عمر ﵃ أجمعين ثم أنه يحسن هنا التنبيه لبعض الأمور:

стр. 117

أولا: أن النية في شهر رمضان واجبة، ويكفي أن ينوي العبد المسلم أنه سيصوم رمضان في أول الشهر، ويستصحب حكمها بقية الشهر، بمعنى ألا يقطع الصيام لا بفعله ولا بنيته، فإن قطعه بفعل أو بنية لزمه استئناف نية جديدة. وأمر النية قد يشكل على كثير من المسلمين، وقد يورث عند بعضهم الوسوسة، وهو أمر يسير، فالنية إنما هي العزم على الصيام، والعبد المسلم منذ أن يعلم أن غدا من رمضان وهو عازم على صيامه إلا إن كان فيه مانع من الموانع، ومحل النية القلب ولا يجوز التلفظ بها. ثانيا: ينبغي للمسلمين أن يحرصوا على السنة في تعجيل الفطور، لحديث سهل بن سعد ﵁، أن النبي ﷺ قال: «لا يزال الناس بخير ما عجلوا الفطر (١) » متفق عليه. وفي تأخير السحور جاء حديث زيد بن ثابت ﵁، قال: «تسحرنا مع رسول الله ﷺ ، ثم قمنا إلى الصلاة. قلت- أي الراوي عن زيد-: كم كان قدر ذلك؟ قال: خمسين آية (٢) » متفق عليه. ثالثا: يلاحظ على كثير من المسلمين السهر في ليالي هذا الشهر الكريم على الملهيات، حتى إذا اقترب وقت السحر ناموا، ففاتهم فضل السحور وفضل إدراك وقت النزول الإلهي، وربما فاتتهم صلاة الفجر والعياذ بالله، فالواجب على العبد الحزم في ذلك، وأن يجعل شهره هذا موسما للازدياد من الطاعات، وأن لا ينشغل بما يصده عن الله من الملهيات.

стр. 118

ومن العبادات المشروعة في هذا الشهر الكريم عبادة القيام، قيام الليل فإنه دأب الصالحين، وقد شرعه الله لنبيه ﷺ ولأمته في كل أيام العام، بل كان واجبا عليهم ثم خفف الله عنهم يقول الله: ﴿إِنَّ رَبَّكَ يَعْلَمُ أَنَّكَ تَقُومُ أَدْنَى مِنْ ثُلُثَيِ اللَّيْلِ وَنِصْفَهُ وَثُلُثَهُ وَطَائِفَةٌ مِنَ الَّذِينَ مَعَكَ وَاللَّهُ يُقَدِّرُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ عَلِمَ أَنْ لَنْ تُحْصُوهُ فَتَابَ عَلَيْكُمْ فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْآنِ عَلِمَ أَنْ سَيَكُونُ مِنْكُمْ مَرْضَى وَآخَرُونَ يَضْرِبُونَ فِي الْأَرْضِ يَبْتَغُونَ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ وَآخَرُونَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنْهُ وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَأَقْرِضُوا اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا وَمَا تُقَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ مِنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِنْدَ اللَّهِ هُوَ خَيْرًا وَأَعْظَمَ أَجْرًا وَاسْتَغْفِرُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ (١) . وقد أثنى الله على عباده المؤمنين بقيام الليل فقال: ﴿كَانُوا قَلِيلًا مِنَ اللَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ﴾ (٢) . وصلاة الليل هي أفضل الصلوات بعد الفرائض؛ فعن أبي هريرة ﵁، قال: «سئل رسول الله ﷺ أي الصلاة أفضل بعد المكتوبة؟ قال: الصلاة في جوف الليل (٣) » الحديث رواه مسلم وأبو داود والترمذي والنسائي. والأفضل تأخير قيام الليل إلى جوف الليل لمن وثق بالقيام؛ فعن جابر بن عبد الله ﵄: أن النبي ﷺ قال: «أيكم خاف أن لا يقوم من آخر الليل فليوتر، ثم ليرقد، ومن وثق بقيام من آخر الليل فليوتر من آخره، فإن قراءة آخر الليل محضورة، وذلك أفضل (٤) » رواه مسلم والترمذي وابن ماجه وأحمد.

стр. 119

والأصل في صلاة الليل أن تكون مثنى مثنى ثم يوتر بواحدة، فعن ابن عمر ﵄: أن رجلا سأل رسول الله ﷺ عن صلاة الليل، فقال رسول الله ﷺ : «صلاة الليل مثنى مثنى، فإذا خشي أحدكم الصبح صلى ركعة واحدة، توتر له ما قد صلى (١) » متفق عليه. والأفضل أن يختم صلاته بالليل على وتر؛ لحديث عبد الله بن عمر ﵄ أن النبي ﷺ قال: «اجعلوا آخر صلاتكم بالليل وترا (٢) » . ولا حد لصلاة الليل فإن صلى إحدى عشرة ركعة فحسن، وإن صلى ثلاث عشرة فحسن أيضا؛ فإن هذا مما واظب عليه النبي ﷺ كما قالت أم المؤمنين عائشة ﵂. فإن صلى ثلاثا أو خمسا أو سبعا أو تسعا، أو زاد فصلى خمس عشرة أو سبع عشرة، أو إحدى وعشرين أو ثلاثا وعشرين، أو أكثر من ذلك فلا بأس إذا قطعها على وتر؛ لأن الأصل في صلاة الليل عدم التحديد كما تقدم من الآية، ولحديث ابن عمر ﵄ المتقدم: «صلاة الليل مثنى مثنى (٣) » . وهذا جواب من رسول الله ﷺ لمن سأله عن صلاة الليل، ولو كانت محدودة بعدد قلة وكثرة لبين ذلك له.

стр. 120

والمسلم ينبغي ألا يغفل عن صلاة الليل، وإن لم يدرك ذلك فلا أقل من الوتر؛ فعن أبي هريرة ﵁ قال «أوصاني خليلي ﷺ بثلاث: بصيام ثلاثة أيام من كل شهر، وركعتي الضحى، وأن أوتر قبل أن أنام (١) » متفق عليه. هذا، وإن قيام الليل ليتأكد في رمضان ويزيد فيه الأجر والفضل يقول النبي ﷺ : «من قام رمضان إيمانا واحتسابا غفر له ما تقدم من ذنبه (٢) » رواه الجماعة. ويشرع في هذا الشهر الكريم قيام الليل جماعة وهو ما يسمى بـ (التراويح) فقد صح عن النبي ﷺ أنه فعل ذلك مع أصحابه ﵃ ثلاث ليال، أخبرت بذلك عائشة ﵂ كما في الصحيحين. وقد سنه عمر بن الخطاب ﵁ طوال الشهر وهذا ثابت عنه في الصحيحين أيضا. وينبغي للإمام مراعاة حال مأموميه قوة وضعفا، فلا يطيل بهم إطالة تشق عليهم، ولا يخل بمقصود الصلاة فينقرها نقرا، بل تكون صلاته معتدلة نافعة يسمع فيها من يصلي خلفه القرآن، من غير مشقة زائدة عليهم. ومن العبادات المشروعة في هذا الشهر الكريم، تلاوة القرآن كتاب الله العزيز، الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، وشهر رمضان هو شهر القرآن: ﴿شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ﴾ (٣) . وقد ثبت في الصحيحين وغيرهما أن جبريل ﵇، كان يدارس النبي ﷺ القرآن مرة كل عام وذلك في رمضان، ودارسه إياه عام قبض ﷺ مرتين في رمضان.

стр. 121

وقد كان للسلف أحوال يطول ذكرها مع القرآن في هذا الشهر الكريم، والمقصود هنا التنبيه على أفضل ما يشرع من العبادات في هذا الشهر الكريم، وإن كان جنسها مشروعا في غير رمضان لكن فضلها في رمضان أكبر وأجرها أعظم. ومما يشرع أيضا في هذا الشهر كثرة البذل والصدقات؛ فإن هذا من سنة المصطفى ﷺ ، فعن عبد الله بن عباس ﵄ قال: «كان رسول الله ﷺ أجود الناس بالخير، وكان أجود ما يكون في رمضان حين يلقاه جبريل، وكان جبريل ﵇ يلقاه كل ليلة في رمضان حتى ينسلخ، يعرض عليه النبي ﷺ القرآن، فإذا لقيه جبريل ﵇ كان أجود بالخير من الريح المرسلة (١) » . ومما يشرع في هذا الشهر الكريم من العبادات الاعتكاف. والاعتكاف في اللغة: من العكوف، وهو بمعنى الإقامة على الشيء، ولزومه. وفي الشرع: التعبد لله ، بلزوم بيت من ييوت الله، من شخص مخصوص، على صفة مخصوصة. وهو مشروع في المساجد كلها لعموم قوله تعالى: ﴿وَلَا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ﴾ (٢) ولا حد لأكثره باتفاق. واختلفوا في أقله، فمن قائل أقله يوم وليلة، ومن قائل بل يوم أو ليلة، ومن قائل بل ساعة، ومنهم من قال بل يكفي المرور بنية الاعتكاف. ومنهم من اشترط الصوم للاعتكاف، والصحيح عدم اشتراطه؛ لحديث عمر بن الخطاب ﵁ قال: «يا رسول الله إني نذرت في الجاهلية أن أعتكف ليلة في المسجد الحرام، فقال النبي ﷺ : أوف بنذرك فاعتكف ليلة (٣) » رواه البخاري ومسلم.

стр. 122

ويتجنب المعتكف الخروج من المسجد إلا لحاجة الإنسان، وهو البول أو الغائط؛ ففي الصحيحين أن أم المؤمنين عائشة ﵂ قالت: «وإن كان رسول الله ﷺ ليدخل رأسه وهو في المسجد فأرجله، وكان لا يدخل البيت إلا لحاجة إذا كان معتكفا (١) » هذا لفظ البخاري، وزاد مسلم «إلا لحاجة الإنسان (٢) » . وفسرها الزهري ﵀ بالبول والغائط. وكذلك يجوز له الخروج من المسجد للأكل والشرب إذا لم يكن له من يحضر الطعام والشراب في معتكفه. وإذا اعتكف في مسجد لا تقام فيه جمعة، وأدركته الجمعة وجب عليه الخروج ليصليها في مسجد تقام فيه الجمعة. ولا يخرج لغير ذلك من الحوائج لا لعيادة مريض ولا لاتباع جنازة ولا غيرها، إلا إذا شرطها. والجماع يفسد الاعتكاف بالإجماع. ويجوز لزوج المعتكف وأهله زيارته في معتكفه لفعل النبي ﷺ مع أزواجه، فعن علي بن الحسين قال: كان رسول الله ﷺ في المسجد وعنده أزواجه، فرحن، فقال لصفية بنت حيي: «لا تعجلي حتى أنصرف معك (٣) » الحديث رواه البخاري. وينبغي للمعتكف أن يستشعر حقيقة هذه العبادة، وأن يملأ وقته في المسجد، بأنواع العبادات من صلاة، وتلاوة لكتاب الله وذكر ودعاء واستغفار، والتنويع بين العبادات يبعث العبد على النشاط في العبادة وعدم الملل، فيحصل له بذلك الأجر الكثير. وينبغي هنا التنبيه على ما يفعله بعض إخواننا من اتخاذ المعتكف مكانا لمجلبة الزوار، وتجاذب أطراف الأحاديث، والانشغال بأمور الدنيا ومتابعتها، إما من طريق من يزورهم أو عبر هواتفهم ونحو ذلك. وكل هذا ينافي المقصود من الاعتكاف وهو الإقامة على طاعة الله وملء الوقت بعبادة الله.

стр. 123

وأفضل الأوقات للاعتكاف هو شهر رمضان وأفضل أيام الشهر ولياليه، هو العشر الأخيرة منه، وقد استقرت سنة النبي ﷺ على الاعتكاف في العشر الأخيرة من رمضان تحريا لليلة القدر، فعن أبي سلمة بن عبد الرحمن قال: سألت أبا سعيد الخدري ﵁ قلت: هل سمعت رسول الله ﷺ يذكر ليلة القدر؟ قال: نعم، «اعتكفنا مع رسول الله ﷺ العشر الأوسط من رمضان، قال فخرجنا صبيحة عشرين. قال فخطبنا رسول الله ﷺ صبيحة عشرين، فقال: إني أريت ليلة القدر، وإني أنسيتها، فالتمسوها في العشر الأواخر في وتر، فإني رأيت أني أسجد في ماء وطين، ومن كان اعتكف مع رسول الله فليرجع، فرجع الناس إلى المسجد، وما نرى في السماء قزعة، قال: فجاءت سحابة، فمطرت وأقيمت الصلاة فسجد رسول الله ﷺ في الطين والماء، حتى رأيت الطين في أرنبته وجبهته (١) » . رواه البخاري. ويشرع لمن أراد اعتكاف العشر أن يدخل معتكفه بعد صلاة الصبح من اليوم الحادي والعشرين؛ لحديث عائشة أم المؤمنين ﵂ في الصحيحين: «أن النبي ﷺ كان إذا صلى الصبح دخل معتكفه (٢) » متفق عليه. وقد ذكر بعض العلماء أن المعتكف ينبغي له أن يبدأ في اعتكافه من غروب شمس يوم العشرين من رمضان؛ ليدرك ليلة إحدى وعشرين وهي إحدى الليالي الوتر التي يرجى فيها ليلة القدر، بل قد حصل ذلك في عهد النبي ﷺ فكانت ليلة القدر هي ليلة إحدى وعشرين، كما مر قريبا في حديث أبي سعيد الخدري.

стр. 124

وأجاب هؤلاء العلماء عن حديث عائشة بأنها ﵂ إنما ذكرت دخول النبي ﷺ المعتكف في صبيحة إحدى وعشرين، ومعلوم أن النبي ﷺ كان يتخذ مكانا مهيأ له في المسجد ليعتكف فيه، وهذا لا يمنع كون الرسول ﷺ قد مكث في المسجد من غروب الشمس حتى الصبح، ثم دخل المعتكف بعد صلاة الصبح، ولعل هذا القول هو الأقرب. وينبغي للمسلم أن يتأسى بالنبي ﷺ ويهتدي بهديه، ويحرص على اتباع سنته، فيعتكف اعتكافا كما اعتكفه النبي ﷺ في وقته وهيئته وأن يبتعد عما يخدش ذلك أو يبطل اعتكافه من الأقوال والأعمال فالأمر يسير والأيام قليلة، فعلى العبد أن يوطن نفسه على الصبر في مواطن الطاعات، فإن ذلك من أجل القربات. ثم إن على المسلم أن يحرص في آخر هذا الشهر بكثرة العبادات والاجتهاد فيها خصوصا في ليالي العشر، فقد كان النبي ﷺ إذا دخل العشر شد المئزر وأيقظ أهله وأحيا ليله، وإحياء الليل يكون بالصلاة والذكر والدعاء وتلاوة القرآن والاستغفار، وغير ذلك من العبادات. إخواني إن شهر رمضان من الأزمان الفاضلة والمواسم الخيرة التي ينبغي للمسلم اغتنامها بالصالحات، والحرص على الطاعات، فكم من أخ لنا انتظر هذا الشهر ولم يستقبله، وكم ممن استقبله لم يكمله، وكم ممن أكمله لم يدركه من قابل.

стр. 125

والله سبحانه تفضل على عباده المسلمين بهذا الشهر الكريم وشرع لهم من العبادات ما يكون لهم به الأجر العظيم، والخير الكثير. وقد خص الله هذه الأمة على سائر الأمم بمزيد منه وعطائه، فالأعمار قصيرة، والأعمال قليلة، والأجور مضاعفة كثيرة، فعن ابن عمر ﵄ أن رسول الله ﷺ قال: «إنما بقاؤكم فيمن سلف من الأمم كما بين صلاة العصر إلى غروب الشمس، أوتي أهل التوراة التوراة فعملوا بها حتى انتصف النهار، ثم عجزوا فأعطوا قيراطا قيراطا، ثم أوتي أهل الإنجيل الإنجيل فعملوا به حتى صليت العصر، ثم عجزوا فأعطوا قيراطا قيراطا، ثم أوتيتم القرآن فعملتم به حتى غربت الشمس فأعطيتم قيراطين قيراطين، فقال أهل الكتاب: هؤلاء أقل منا عملا وأكثر أجرا، قال الله: هل ظلمتكم من حقكم شيئا؟ قالوا: لا. فقال: فهو فضلي أوتيه من أشاء (١) » رواه البخاري. اللهم اجعلنا ممن أدرك هذا الشهر الكريم، ووفقته فيه للصيام والقيام والذكر والدعاء وسائر الطاعات، اللهم واجعل عملنا فيه صالحا، ولوجهك خالصا، اللهم اجعلنا فيه من عتقائك من النار، اللهم واجعلنا ممن أدرك ليلة القدر، فكتبت له فيها عظيم الأجر، اللهم وفقنا للأعمال الصالحة بعد رمضان، وأعده علينا أعواما عديدة والأمة الإسلامية في خير حال يا رب العالمين. وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه ومن سار على دربه واقتفى أثره إلى يوم الدين.

стр. 126

بعض جوانب عبادة إراقة الدم (الذبح والنحر) لسماحة الشيخ: عبد العزيز بن عبد الله بن محمد آل الشيخ الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين، نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين والتابعين لهم بإحسان إلى يوم الدين، وبعد:

стр. 127

فإن الله إنما خلق خلقه من إنسه وجنه لتحقيق عبادته بصرف جميع أنواع العبودية له وحده لا شريك له، كما لم يكن له شريك في خلقهم ورزقهم وإحيائهم وإماتتهم، يقول الله سبحانه: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ (١) ﴿مَا أُرِيدُ مِنْهُمْ مِنْ رِزْقٍ وَمَا أُرِيدُ أَنْ يُطْعِمُونِ﴾ (٢) ﴿إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ﴾ (٣) فحصر سبحانه مراده من خلق الجن والإنس في تحقيق عبادته، وأداة الحصر هنا (ما، وإلا) كما هو معلوم، ونفى سبحانه أي إرادة له في تحصيل رزق من عباده ونحو ذلك؛ لأنه سبحانه هو الرزاق، وهو سبحانه ذو القوة المتين فتمحضت إرادة ربنا وخالقنا سبحانه من خلقنا في أمر واحد ألا وهو عبادته وحده لا شريك له ﴿وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا﴾ (٤) لأجل ذلك أرسل الرسل، وأنزل الكتب ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اُعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾ (٥) . والعبادة قد عرفها العلماء بعدة تعاريف كلها راجعة في نهاية الأمر إلى شيء واحد، ومن أوضح تعاريفها: ما ذكره شيخ الإسلام أحمد بن تيمية ﵀ في رسالته (العبودية) حيث قال: والعبادة اسم جامع لكل ما يحبه الله ويرضاه من الأقوال والأعمال الباطنة والظاهرة. ومن هنا يتبين لنا أن العبادة جنس تحته أنواع، وبعض الأنواع تحتها أفراد، فجنس العبادة منه الباطن ومنه الظاهر، والباطن له أنواع كثيرة من محبة ورجاء وخوف وخشية وقصد واعتقاد وتعظيم ونحو ذلك، والظاهر له أنواع، فمنه القولي ومنه العملي، والقولي له أفراد أعلاها قول لا إله إلا الله، ومن أفراده الصدق وقول الحق والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والنصيحة والذكر والدعاء. والعملي له أفراد من صلاة وزكاة وصيام وحج وجهاد، وإراقة الدم، ونحو ذلك. والعبادة متنوعة باعتبار آخر، فمنها فعل الشيء بالجوارح وملازمة فعله كالصلاة خمس مرات في اليوم.

стр. 128

ومنها ما يكون فيه بذل للمال كالزكاة. ومنها ما يكون فيه حبس للنفس عن مشتهياتها كالصيام، ومنها ما يكون فيه بذل للمال وعمل بالجوارح كالحج، ومنها ما يكون فيه بذل للنفس والمال كالجهاد في سبيل الله. ومن أنواع العبادة إراقة الدم تعظيما وتقربا لله ، وذلك هو الذبح أو النحر. ولعل فاتحة هذا العدد المبارك من مجلة البحوث الإسلامية، تكون حول بعض جوانب هذه العبادة العظيمة التي قرنها الله في كتابه بالصلاة ﴿إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ﴾ (١) ﴿فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ﴾ (٢) ﴿إِنَّ شَانِئَكَ هُوَ الْأَبْتَرُ﴾ (٣) . وأصل معنى الذبح في اللغة هو الشق، وعرفه بعضهم بأنه إزهاق الروح بإصابة الحلق أو النحر، فيشمل الذبح والنحر. والذبيحة تسمى أيضا بالنسيكة ومنه قوله تعالى: ﴿قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ (٤) وفي الجمع بين الصلاة والنحر حكمة عظيمة، وبيان لعظيم منزلة الذبح والنحر في الإسلام وأنها قربة لا يجوز صرفها إلا لله، يقول شيخ الإسلام ﵀: " أمره - يعني النبي ﷺ الله أن يجمع بين هاتين العبادتين وهما الصلاة والنسك الدالتان على القرب والتواضع والافتقار وحسن الظن وقوة اليقين، وطمأنينة القلب إلى الله وإلى عونه، عكس حال أهل الكبر والنفرة وأهل الغنى عن الله الذين لا حاجة لهم في صلاتهم إلى ربهم، والذين لا ينحرون له خوفا من الفقر، ولهذا جمع بينهما في قوله: ﴿قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي﴾ (٥) الآية، والنسك: الذبيحة لله تعالى ابتغاء وجهه فإنهما أجل ما يتقرب به إلى الله، إلى أن قال ﵀: وأجل العبادات البدنية الصلاة، وأجل العبادات المالية النحر، وما يجتمع للعبد في الصلاة لا يجتمع له في غيرها، كما عرفه أرباب القلوب الحية، وما يجتمع له في النحر إذا قارنه الإيمان والإخلاص في قوة اليقين وحسن الظن، أمر عجيب، وكان النبي ﷺ كثير الصلاة كثير النحر " اهـ.

стр. 129

وإزهاق نفس الحيوان البري المأكول اللحم، شرط لحله إلا الجراد، فإنه مستثنى على القول بأنه حيوان بري؛ فتحل ميتته بلا ذكاة، وأما على القول بأنه حيوان بحري فلا إشكال في حل ميتته. وإزهاق النفس يسمى بالذكاة.

стр. 130

من صفات طالب العلم لسماحة الشيخ: عبد العزيز بن عبد الله بن محمد آل الشيخ الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، أما بعد: فإن المؤمن في هذه الدنيا في جهاد وفي ابتلاء وامتحان، يقول الله جل وعلا ﴿أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ﴾ (١) ﴿وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ﴾ (٢) المؤمن في هذه الدنيا في جهاد، جهاد مع نفسه، هذه النفس التي بين جنبيه هو في جهاد معها ليكونها نفسا بتوفيق الله تلومه على ترك الخير وفعل الشر، ثم يرتقي بها إلى أن تكون نفسا مطمئنة، تطمئن للخير وترتاح له، إنه في جهاد مع عدو سلط عليه من القدم، عدو متربص به الدوائر، عدو قعد له في كل طريق يثبطه عن الخير ويصده عنه، عدو أنظره الله إلى يوم الدين فهو في جهاد ليتخلص من وساوسه ومن أباطيله ومن ضلالاته، إنه جهاد منع الأهواء التي إن ابتلي بها صرفته عن طريق الله المستقيم. قال تعالى: ﴿أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ وَأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلَى عِلْمٍ﴾ (٣) . والمخرج من الفتن بعد توفيق الله لا يكون إلا بالعلم الشرعي والحرص على طلبه والعمل به، وطالب العلم يتميز بأمور: فهو حريص على الخير أينما كان، طالب العلم متميز بحبه للخير وسعيه في الخير ودعوته الناس إلى الخير. طالب العلم هو ذلك الرجل الذي يعرف عند المواقف بحكمته وبصيرته وأناته وتفهمه لكل قضية لكي يعالجها على ضوء الكتاب والسنة.

стр. 131

طالب العلم متميز؛ لأنه عند كل قضية تحل به، فلا تراه مندفعا بلا روية، ولا تراه متسرعا، تراه بعيدا عن حلم وأناة، إن في قلبه غيرة، وفي قلبه حمية لدين الله، وفي قلبه نصرة لدين الله، لكنه يتعقل في أموره كلها، فينطق بالحق من غير شطط وجور، وهو بعيد عن قيل وقال وبئس مطية القوم زعموا. طالب العلم ينظر في أقواله التي يقولها، وألفاظه التي يتلفظ بها، فيزنها بالميزان الشرعي العادل. طالب العلم إذا أراد أن يعالج خطأ أو ينبه على خطأ، فإن الاتزان يصحبه في أموره كلها، لا ترى طالب العلم يكيل للناس الأقوال من غير روية، ولا يحكم على الناس بحكم عام من غير بصيرة، فالأحكام على الناس تحتاج إلى دليل يعتمد عليه القائل إلى دليل مادي واقعي يعتمد عليه فيما يقول وفيما يتصرف، ومن وزن أقواله قبل أن يقول، ووزن ألفاظه قبل أن ينطق بها، استطاع بتوفيق من الله أن يحقق مراده. طالب العلم دائما يقرأ قول الله ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ﴾ (١) وطالب العلم يحكم بالحق والعدل ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ لِلَّهِ شُهَدَاءَ بِالْقِسْطِ وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا﴾ (٢) . ولا يسيء الظن بالناس مطلقا، ولا يكيل لهم التهم مطلقا، ولكن يتبصر في الأمر ويحاول الدعوة إلى الخير وإصلاح الخطأ بالطريق الشرعي لا بطريق عاطفة تحمله على تصرفات خاطئة، فيتزن في أموره كلها ويحكم على الأشياء من منظار سليم ومن منظار صحيح، لا يكون ممن يتحكم الناس في قوله فينشر كل ما يقولون، ولكن يزن الأمور والأقوال على الميزان العادل حتى يقول كلمة الحق الواضحة التي لا إفراط فيها ولا تفريط.

стр. 132

لا شك في وجود عدو لنا وعدو لديننا وهذا أمر لا أحد ينازع فيه، ولكن الأمة مطالبة قبل كل شيء بإصلاح نفسها، بإصلاح وضعها، أن نصلح أخطاء أنفسنا، وكل منا خطاء وكل منا واقع في خطأ، فنسأل الله أن يوفقنا لإصلاح أنفسنا قبل كل شيء، الله تعالى قال لنبيه وأصحابه ﴿أَوَلَمَّا أَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ قَدْ أَصَبْتُمْ مِثْلَيْهَا قُلْتُمْ أَنَّى هَذَا قُلْ هُوَ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِكُمْ﴾ (١) فبين تعالى أن مصابهم كان من تلقاء أنفسهم لما خالفوا أمر النبي ﷺ ، قد فروا عن الثغر الذي ألزمهم النبي ﷺ البقاء فيه، فبين الله لهم أن هذا من أنفسهم، قال بعض الصحابة ما كنا نظن ذلك حتى سمعنا هذه الآية فتبصرنا في أنفسنا فعلمنا من أين أتينا. إن المملكة العربية السعودية بلد التوحيد والإسلام، بلد وفقه الله للخير وأنعم الله عليه نعمة الإسلام، بأن حكم شريعة الله ومحاكمه تحكم بشرع الله وتقيم حدود الله، وبلد حوى الحرمين الشريفين، وبلد يمثل قبلة المسلمين ومهوى أفئدتهم، وبلد من الله عليه بالأمن والاستقرار والهدوء والانضواء تحت قيادة نسأل الله لها التوفيق والعون والرشاد.

стр. 133

نحن لا نؤيد الأخطاء، لكن لسنا نجزم بأن هناك عدوا في داخلنا، نحن أمة واحدة، وجماعة واحدة، وإن وجد أخطاء عند بعضنا فعياذا بالله أن نقول هؤلاء أعداء، لا شك أن الأخطاء لا يقرها أحد ولكن هل نقول عند كل خطأ بتقسيم أنفسنا إلى صراع بيننا، لا يا إخوة، نحن أمة واحدة، ونحن ولله الحمد في هذا البلد المبارك أمة واحدة، لكن كون أحد منا يخطئ، الخطأ واقع من الناس ولا بد، قال الرسول ﷺ : «كلكم خطاء وخير الخطائين التوابون (١) » وقال ﵊: «لو لم تذنبوا لذهب الله بكم ولأتى بقوم يذنبون ثم يستغفرون الله فيغفر لهم (٢) » . فالله تعالى بين لنا أنه خلق أبانا آدم بيده وأسجد له ملائكته ونفخ فيه من روحه وأسكنه جنته، وقال: كل الجنة لك سوى هذه الشجرة، فآدم علم ولكن طبيعة ابن آدم الخطأ والنسيان ﴿فَأَزَلَّهُمَا الشَّيْطَانُ عَنْهَا﴾ (٣) ﴿وَعَصَى آدَمُ رَبَّهُ فَغَوَى﴾ (٤) ﴿ثُمَّ اجْتَبَاهُ رَبُّهُ فَتَابَ عَلَيْهِ وَهَدَى﴾ (٥) . فانظر إلى أبينا آدم أبي البشر من له تلك المميزات ومع هذا وقع في الخطأ، فوقوع الأخطاء في أي زمان وفي أي مجتمع ليس أمرا غريبا، إنما الغريب أن يستمر الناس على الخطأ، والغريب أن لا يعالج الخطأ، ولكن كيف يعالج الخطأ؟ إنه لا يعالج إلا بالأسلوب الحكيم والبصيرة في الأمور كلها.

стр. 134

والمنتسبون إلي العلم يعالجون كل قضية بحكمة وبصيرة وروية، يدرسونها، وينظرونها من كل الجوانب فإذا تصوروا الأمر التصور الصحيح ووضح عندهم وضوحا بينا وأدركوا القضية، وما يترتب عليها في الحاضر وما عسى أن سيكون- لأن علم الغيب عند الله- ودرسوها دراسة جيدة وتوصلوا إلى حلول مناسبة تعالج أي قضية، تقدموا إلى المسئولين بطريقة حكيمة، والمسئولون ولله الحمد لم يغلقوا أبوابهم أمامنا، ولم يوصدوها أمامنا بل هم يقبلون النصيحة، لكن الأمور تحتاج منا إلى حكمة، وتحتاج منا إلى روية، ويحتاج طالب العلم أن ينطلق من تصوره المنطلق الصحيح، لا شك أن هناك غيورين ومتحمسين يحملهم دين وتقى لا شك، لكن قد يفقدون الحكمة أحيانا، وقد يوسعون الهوة أحيانا، وقد يتسببون في حدوث تصادم أحيانا، وهذا أمر لا يليق، إنما طلاب العلم يتميزون برويتهم في الأمور وتبصرهم في المواقف وعلاجهم للقضايا على مستوى من العقل والعلم والإدراك، وأما أن نشيع أن هناك عدوا داخليا، وأن هناك وأن هناك حتى لو قدر أني أعلم شيئا من هذا فليست مهمتي أن أضخم هذه الأمور وأن أخيف الناس بكذا، لأني لا أريد أن أشيع الفاحشة بين المؤمنين، ولا أريد أن أفتح هوة، أقول إن مجتمعنا منفصل، لا، مجتمعنا مجتمع إسلامي إن شاء الله، ومجتمعنا مجتمع متوحد إن شاء الله، والزلات والهفوات هذه أمور لا يمكن أن يخلو أي زمن منها. إن العالم الإسلامي واجه مثل هذه الأمور في القرن الثاني بعد التابعين وتابعيهم عندما قال قوم بخلق القرآن، وماذا نتج عن ذلك، وكيف كان الإمام أحمد وأمثاله يعالجون هذه القضية بحكمة وبصيرة إلى أن وفقهم الله فصبروا وكان صبرهم عن علم حتى اتضح الحق وانجلى وافتضح الباطل واندمر.

стр. 135

إن علماء الأمة قديما لا يعالجون القضايا بتعظيمها وتضخيمها، نحن نعلم أن الدنيا لا تخلو من خطأ والله تعالى أخبرنا أن أولادنا قد يكونون أعداء لنا وأنهم فتنة لنا، هل نقول الأولاد أعداء فنهجرهم، هذا لا يصح؛ لأن الله تعالى أخبر أنهم نعمة، ولكن منهم من قد يكون عدوا لأبيه، وما نوع تلك العداوة، إنه لا ينبغي لطلاب العلم إذا حلت مشكلة أن يصوروها بشيء ربما يستثير عواطف من لا يحسن ولا يتبصر، وإنما تعالج القضايا بين أروقة العلماء، وفي مجتمعاتهم الخاصة دراسة وتبصرا وإدراكا للعواقب وتصورا للنتائج، ثم رفع ذلك إلى ولاة الأمر بطريقة أدبية يقصد من خلالها تحقيق المصلحة العامة، أما العواطف والحماس الذي قد يخرج عن طوره وقد لا ينضبط وقد يترك أثرا غير سليم فلا أوصي به إخواني ولا أنصحهم بذلك، وإنما نصيحتي لكم أيها الإخوة، أن نكون على اتصال دائم فيما بيننا، وصلة فيما بيننا، وتدارس للمشاكل فيما بيننا، وأما أخطاء الصحافة، أو كتاب الصحافة، وتجاهل بعضهم، وسوء عبارة بعضهم، فهذا خطأ منهم لا يمكن أن ننسبه لغيرهم، هؤلاء أخطئوا والواجب نصحهم وتحذيرهم، وإن شاء الله لن يتكرر ذلك، لكن أن أجعل هذه القضية دليلا على أن هناك عدوا منتصبا، هذا لا ينبغي، المجتمع مجتمع خير إن شاء الله، وقيادته حريصة على الخير أينما كان، إنها قيادة إسلامية وحريصة على ما ينفع هذا المجتمع، ولكن الأمور يجب أن تأخذ مسارها من الطرق السليمة والقنوات الصادقة والمخلصة، وأن يكون بيد أهل العلم يدرسون كل قضية دراسة متأنية، والدارسون حريصون على أن يجدوا حلولا مناسبة ثم يتقدمون بها، وسوف يحققون إن شاء الله الخير.

стр. 136

إنه لا ينبغي أن نفتح للمغرضين والفارغين وقاصري الفكر أبوابا يدخلون من خلالها، فيصعبون الأمور، ويتوقعون ما لا يكون، ونحن ولله الحمد مسلمون، وأما أن نقارن عدونا اليهودي بعدو بيننا فهذا أمر خطير لا ينبغي المجازفة فيه، أخوك المسلم يخطئ، فنعم، والمسلم يكون فيه خطأ وصواب، وإيمان وفسق كما قرر العلماء، وأما أن نقول هذا عدو يهودي خارجي، وهذا عدو مثله داخلي ونحو ذلك، فأنا لا أحب لطلبة العلم أن يجازفوا بالأقوال من غير روية ولا بصيرة، ولو سئل بعضهم، حدد العدو الداخلي، وما هي أهدافه، وأين يكون، لم تر جوابا، وإنما هي مجرد أقوال تتلقف. . قال تعالى ﴿إِذْ تَلَقَّوْنَهُ بِأَلْسِنَتِكُمْ وَتَقُولُونَ بِأَفْوَاهِكُمْ مَا لَيْسَ لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ وَتَحْسَبُونَهُ هَيِّنًا وَهُوَ عِنْدَ اللَّهِ عَظِيمٌ﴾ (١) . فأوصي طلبة العلم بتقوى الله والتمسك بدين الله وأن يكونوا دعاة إلى دين الله على علم وبصيرة، وأسأل الله للجميع التوفيق والسداد. وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

стр. 137

أجري لفتاة عملية جراحية فهل يلزم على أهلها إذا تقدم خاطب لهذه الفتاة أن يخبروه س: إذا أجري لفتاة عملية جراحية مثلا في بطنها، واستلزم عمل شق جراحي وخياطته، وكانت هذه العملية وهي صغيرة جدا عند الولادة أو بعدها بشهور، فهل يلزم على أهلها إذا تقدم خاطب لهذه الفتاة أن يخبروه بشأن هذه العملية وأنها تركت أثرا موجودا إلى الآن؟ وهل هذا من حقه الشرعي أم لا؟ ج: الحمد لله رب العالمين، اللهم صل على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين والتابعين له بإحسان إلى يوم الدين وبعد: على المسلم أن يلزم الصدق في كل أموره فإن الصدق نجاة وسلامة، فإذا تقدم للفتاة خاطب، وفيها ما ذكر من آثار تلك العملية، فينبغي لهم أن يخبروه؛ لأن هذه الآثار ربما بعض الناس لا يطيقها ويتقزز منها إذا لم يعلم، وربما يكون مشكلا بينه وبين أهلها، ويدعي ذلك عيبا فيها، فالذي ينبغي منهم أن يخبروا الزوج بحالها، حتى يكون على بصيرة، ولا يلحقهم ملامة بعد ذلك.

стр. 138

وجوب الزكاة ليس مربوطا برمضان س: متى تجب الزكاة؟ وما وقت وجوبها؟ ومن هم مستحقوها؟ ج: تجب زكاة الأموال إذا ملك المسلم نصابا وحال عليه الحول، وكان المالك حرا. ومقدار النصاب عشرون مثقالا بالنسبة للذهب، وهو ما يقارب اثنين وتسعين جراما، ومن الفضة مائتا درهم، وهو ما يقارب ستة وخمسين ريالا سعوديا، فمتى ملك النصاب وتمت السنة من ملكه له وجبت الزكاة، وهي ربع العشر. ففي مائة ريال مثلا ريالان ونصف، وفي الألف خمسة وعشرون ريالا، وهكذا. ووقت وجوبها: حسب ملك النصاب، فإن ملكه في محرم وجب في مقابله من العام المقبل، وهكذا، وليس وجوب الزكاة مربوطا برمضان، وإنما المسلمون يتحرون إخراج زكاة أموالهم في رمضان لمضاعفة الأجر فيه، ومن تم حول زكاته في غير رمضان وجب إخراجها، ولا يؤخرها إلى رمضان، وإن عجلها قبل تمام السنة ليوافق رمضان فلا بأس به إن شاء الله. وأما مستحقوها: فهم المذكورون بقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقَابِ وَالْغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ وَاِبْنِ السَّبِيلِ فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ (١) .

стр. 139

المقصود بصلاة الشكر س: عندما كان عمري يتراوح ما بين ١٥ - ١٦ سنة حدث شيء سرني، فقلت: سوف أصلي كل يوم ركعتين شكرا لله ، ولكني بعد فترة علمت أن صلاة الشكر يقصد بها في الفقه سجدتي الشكر، فمنذ ذلك الحين وأنا أسجد كل يوم سجدتين شكرا لله ولا أصلي الركعتين، فهل ما فعلته صحيح؟ وإن لم يكن صحيحا، فماذا يجب على فعله؟ أرجو الإفادة. ج: النبي ﷺ إذا بلغه أمر يسره خر لله ساجدا، فدل على استحباب سجود الشكر عندما يتجدد للإنسان نعمة أو تندفع عنه نقمة، والسجود فقط سجدة واحدة. وأما تكرارها كل يوم فهذا لا أصل له، وإنما يشرع السجود عند حصول تلك النعمة، أو زوال ذلك المكروه. وأما نيتك أن تصلي كل يوم ركعتين شكرا لله على النعمة فلا أصل له، وأما الاستمرار على ركعتين بدعوى أنها صلاة الشكر فهذا لا أصل له، كما أن استمرارك على السجود لا أصل له.

стр. 140

حكم الإسبال س: ما حكم الإسبال؟ وهل يجوز أن أطيع والدي إذا أرادا مني إسبال ثيابي؟ جزاكم الله خيرا. ج: الإسبال محرم، بل هو من كبائر الذنوب، ففي الصحيحين وغيرهما عن ابن عمر ﵄ «أن النبي ﷺ قال: من جر ثوبه خيلاء لم ينظر الله إليه يوم القيامة (١) » . وفي صحيح مسلم والسنن وغيرها من حديث أبي ذر ﵁ عن النبي ﷺ أنه قال: «ثلاثة لا يكلمهم الله يوم القيامة ولا ينظر إليهم ولا يزكيهم ولهم عذاب أليم، قال: فقرأها ثلاث مرار، قال أبو ذر: خابوا وخسروا، من هم يا رسول الله؟ قال: المسبل إزاره، والمنان، والمنفق سلعته بالحلف الكاذب (٢) » واللفظ لفظ مسلم. فالمسبل عاص لله ومتعد لحدوده سبحانه، فواجب عليه أن يتوب إلى الله، فإنه قد توعد بالعذاب الأليم وبعقابه بأن لا ينظر الله إليه ولا يزكيه، وهذا دال على أن فعل ذلك من الكبائر. ثم إن الإسبال فيه إفساد للملبس، وربما سبب تعثرا له في مشيه. وقد قال عمر بن الخطاب ﵁ لشاب جاء يعوده في مرض موته فلما أدبر إذا إزاره يمس الأرض، قال: ردوا علي الغلام. قال: يا ابن أخي، ارفع ثوبك، فإنه أنقى لثوبك وأتقى لربك أخرجه البخاري في صحيحه. وأما طاعة الوالدين فهي واجبة، وقد قرن الله حقهما بحقه في قوله تعالى: ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا﴾ (٣) . لكن مع ذلك فإن الوالدين لا يطاعان في معصية الله، شأنهما شأن كل مخلوق، فإنه لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق. فلو أمراك بالإسبال فلا تطعهما في أمرهما لك بالإسبال، مع قيامك بحقهما من البر والصلة، ومحاولة تطييب خاطرهما بخصوص الإسبال بالكلام الطيب، فتبين لهما بأن هذا أمر محرم بنص رسول الله ﷺ ، وأن الواجب علينا جميعا اتباع سنته والائتمار بأمره والانتهاء عن نهيه والوقوف عند حدوده. وأسأل الله أن يفتح على قلبيهما، وأن يوفق الجميع لما يحبه ويرضاه.

стр. 141

الدعاء في السجود بأمور الدنيا س: هل يجوز الدعاء في السجود بأمور الدنيا؟ ج: السنة أن يبدأ المصلي في سجوده بالأذكار الواردة عن النبي ﷺ ؛ فيبدأ بقول: سبحان ربي الأعلى، يقولها عشر مرات هذا هو الكمال، قال العلماء وأدنى الكمال في ذلك تكرارها ثلاث مرات، والمجزئ منها مرة واحدة. ودليل هذا ما جاء عند الخمسة إلا الترمذي، عن حذيفة ﵁ في حديث صلاته مع النبي ﷺ بالليل قال: «صليت مع النبي ﷺ ، فكان يقول في ركوعه: سبحان ربي العظيم، وفي سجوده: سبحان ربي الأعلى (١) » . . . الحديث. وفي حديث عقبة بن عامر قال: «لما نزلت: قال لنا رسول الله ﷺ : اجعلوها في سجودكم (٣) » . ودليل كون الكمال عشرا ما رواه أحمد، وأبو داود، والنسائي عن سعيد بن جبير عن أنس قال: «ما صليت وراء أحد بعد رسول الله ﷺ أشبه صلاة برسول الله ﷺ من هذا الفتى- يعني عمر بن عبد العزيز - قال: فحزرنا في ركوعه عشر تسبيحات، وفي سجوده عشر تسبيحات (٤) » . ثم إذا زاد العبد بعد ذلك دعاء مأثورا أو ذكرا يشرع في السجود فحسن ومن ذلك قول: سبوح قدوس رب الملائكة والروح، ومثل قول: سبحانك اللهم وبحمدك، اللهم اغفر لي. ومثل أن يقول العبد: اللهم اغفر لي ذنبي كله، دقه وجله وأوله وآخره وسره وعلانيته. ولا بأس أن يدعو العبد ربه بما شاء من حوائجه فإن الطلب من الله والتذلل له مقتضى الألوهية والتعبد لله ، وإجابة الداعي من مقتضى ربوبية الله سبحانه لجميع خلقه، ومتى استشعر العبد ذلك عظم في قلبه نور التوحيد والإيمان وفزع إلى ربه في كل ما يهمه من أمور دينه ودنياه ومن كانت هذه حاله فليبشر وليؤمل خيرا. والسجود موضع من المواضع التي يرجى فيها الإجابة فإن النبي ﷺ يقول: «وأما السجود فأكثروا فيه من الدعاء فقمن أن يستجاب لكم (٥) » .

стр. 142

أولياء أمور الزوجات قد لا يوجدون عند كتابة عقود الأنكحة س: برزت في الآونة الأخيرة ظاهرة تبني جماعة أعلنت عن نفسها في إحدى الصحف المحلية عن إدارة مشروع للزواج من متخلفات يقمن بالمملكة بصورة غير مشروعة، ويتم زواجهن بمهور ميسرة جدا لا تتجاوز (١٠٠٠) ريال للثيب و (١٥٠٠) للبكر. من هنا نود من سماحتكم تسليط الضوء على النواحي الشرعية لمثل هذا الزواج ومدى جوازه شرعا. علما أن أولياء أمور الزوجات قد لا يوجدون عند كتابة عقود الأنكحة؟ ج: الحمد لله، الله خلق بني البشر من جنسين ذكر وأنثى وهو سبحانه من حكمته جعل بين الذكر والأنثى الألفة والمودة والرحمة وغريزة التزاوج لحكمة أرادها الله. ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ (١) ، ويقول سبحانه: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾ (٢) . وشرع الله سبحانه لعباده المؤمنين النكاح إحصانا لفروجهم وتكثيرا للأمة ولغير ذلك من المصالح والمنافع التي لا تخفى، وفي شريعة الإسلام السمحاء ضبط أمر الزواج بشروط وضوابط تكفل بتوفيق من الله استمراره وبقاءه وتحقق الفوائد المتوخاة منه، وهي في نفس الوقت شرط لحل عقد النكاح في الإسلام، من ذلك: وجود الولي للمرأة، يقول النبي ﷺ : «أيما امرأة نكحت نفسها بغير إذن وليها فنكاحها باطل، باطل، باطل (٣) » وفي الحديث الآخر عنه ﷺ : «لا نكاح إلا بولي (٤) » وعلى هذا فإن هذا الزواج المنوه عنه في السؤال نكاح باطل لعدم وجود الولي، فيكون بذلك محرما، ثم أيضا إن ولي الأمر قد وضع للناس ضوابط وتعليمات تحقق للناس المصلحة العامة وتدفع عنهم مفاسد وأضرارا قد لا يدركها آحاد الناس ومن ذلك ما كان من تنظيم أمر الزواج من الخارج، ثم أيضا قاموا بتنظيم أمر الإقامة في داخل البلد، ومخالفة هذا التنظيم أمر محرم، ثم أيضا إن مقصود الشارع من الزواج الاستقرار وتحصيل الأبناء، ومثل هذا العمل قد يؤدي إلى ضياع الأبناء والاضطرار إلى الانفصال ونحو ذلك من الأمور المنافية لمقصود الشارع. إذن هذا الزواج محرم، وباطل من وجوه: ١ - عدم وجود الولي. ٢ - عصيان ولي الأمر بمخالفة الأنظمة التي وضعها لتحقيق مصالح عامة. ٣ - في هذا العقد مخالفة لمقصود الشارع من الزواج وهو السكن والاستقرار وتحصيل الأبناء، إذ هذا الأمر إن لم يكن متعذرا في هذا النوع من الزواج فهو متعسر جدا كما يعلم ذلك من له بصيرة في هذه الأمور. فالواجب تقوى الله، والحرص على اتباع الطرق الشرعية، والحذر من هذه المسالك المضرة على دين المرء ودنياه.

стр. 143

الله يعلم ما كان وما يكون س: هل الشخص عندما يتزوج فتاة يكون ذلك مكتوبا عند الله من قبل ؟ ج: ما يجري في الكون كله قد علمه الله وشاءه وكتبه فهو سبحانه يعلم ما كان وما يكون، وما لم يكن ولو كان كيف يكون، لا يعزب عن علمه شيء، ولا يجري في كونه شيء إلا بمشيئته وتقديره، فله سبحانه القدرة التامة والمشيئة النافذة، وقد كتب سبحانه مقادير الخلائق قبل خلق السماوات والأرض بخمسين ألف سنة، يقول النبي ﷺ كما في حديث عبد الله بن عمرو ﵁: «كتب الله مقادير الخلائق قبل أن يخلق السماوات والأرض بخمسين ألف سنة قال: وعرشه على الماء (١) » أخرجه مسلم. وفي حديث عبادة بن الصامت ﵁ الذي حدث به وهو في مرض موته: أن النبي ﷺ قال: «إن أول ما خلق الله القلم فقال له اكتب فجرى بما هو كائن إلى الأبد " أخرجه الترمذي والإمام أحمد في مسنده وزاد: " يا بني إن مت ولست على ذلك دخلت النار (٢) » وهذا التقدير هو التقدير العام المكتوب في اللوح المحفوظ، وهناك تقدير عمري يكتبه الله على عبده وهو في بطن أمه، يكتب عليه ما قدر له، وهذا جاء في حديث ابن مسعود ﵁ قال: حدثنا رسول الله ﷺ وهو الصادق المصدوق: «إن أحدكم يجمع في بطن أمه أربعين يوما، ثم يكون علقة مثل ذلك، ثم يكون مضغة مثل ذلك، ثم يبعث إليه ملكا بأربع كلمات فيكتب عمله وأجله ورزقه وشقي أو سعيد، ثم ينفخ فيه الروح (٣) » . . . " الحديث. أخرجه البخاري ومسلم وغيرهما. وهناك التقدير السنوي الذي جاء في قوله تعالى: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةٍ مُبَارَكَةٍ إِنَّا كُنَّا مُنْذِرِينَ﴾ (٤) ﴿فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ﴾ (٥) ، وهي ليلة القدر ينزل فيها ما قدر الله في تلك السنة كلها. وهناك التقدير اليومي يقول الله : ﴿كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ﴾ (٦) . وبهذا تعلم أن أمر زواجك من تلك الفتاة أو غيرها، بل ما هو أعظم من أمر الزواج أو أحقر كل ذلك قد علمه الله وقدره وشاءه وكتبه، ومن تدبر هذا زاد إيمانه بربه وعلم عظيم إحاطته سبحانه وعلمه، يقول جل وعلا: ﴿وَمَا تَكُونُ فِي شَأْنٍ وَمَا تَتْلُو مِنْهُ مِنْ قُرْآنٍ وَلَا تَعْمَلُونَ مِنْ عَمَلٍ إِلَّا كُنَّا عَلَيْكُمْ شُهُودًا إِذْ تُفِيضُونَ فِيهِ وَمَا يَعْزُبُ عَنْ رَبِّكَ مِنْ مِثْقَالِ ذَرَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي السَّمَاءِ وَلَا أَصْغَرَ مِنْ ذَلِكَ وَلَا أَكْبَرَ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ﴾ (٧) . فكونك تتزوج بهذه أو تلك كل ذلك بقدر الله سبحانه، وقدره سابق ولا بد أن يقع، يقول أبو الدرداء ﵁: «إن الرزق يطلب العبد أكثر مما يطلبه أجله» أخرجه البيهقي في الشعب ورجح وقفه هو والدارقطني. والله تعالى أعلم.

стр. 144

الحجر على المرأة من الأقارب حتى لا تتزوج إلا منه س: ما حكم الحجر الذي يقوم به أحد الرجال على إحدى قريباته بحيث لا تتزوج إلا منه؟ جزاكم الله خيرا. ج: هذا الفعل من أمر الجاهلية، وربما دخل في عموم العضل الذي نهى الله عنه في قوله تعالى: ﴿وَإِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَلَا تَعْضُلُوهُنَّ أَنْ يَنْكِحْنَ أَزْوَاجَهُنَّ إِذَا تَرَاضَوْا بَيْنَهُمْ بِالْمَعْرُوفِ﴾ (١) ثم أيضا يروى عن النبي ﷺ : «إذا جاءكم من ترضون دينه وخلقه فأنكحوه، إلا تفعلوا تكن فتنة في الأرض وفساد (٢) » أخرجه الترمذي. فرد الرجل المرضي في دينه وأمانته وخلقه سبب للفساد سواء الرجل أو المرأة، وأيضا فإن مبنى النكاح على التراضي بين الزوجين، فلا بد من رضا الزوجة بالزوج، وهذا شرط في النكاح، فإذا حجر عليها أحد أقاربها بغير رضاها فهذا أمر محرم، والواجب على الجميع تقوى الله ومراقبته وحسن الرعاية لمن تحت أيديهم من النساء فيتخيرون لهن الأكفاء من الرجال، ويجب عليهم أن يتركوا هذه العادات الجاهلية التي ما أنزل الله بها من سلطان، بل هي عادات محرمة جائرة تورث الضغائن والشقاق والنزاع بين الزوجين.

стр. 145

وقت التكبير المقيد أدبار الصلوات س: متى يبدأ وقت التكبير المقيد أدبار الصلوات، وما دليل مشروعيته ا؟ ج: المشروع للحاج أن يلبي من حين إحرامه إلى أن يرمي جمرة العقبة لحديث ابن عمر ﵄ قال: «غدونا مع رسول الله ﷺ من منى إلى عرفات منا الملبي ومنا المكبر (١) » والتكبير المقيد للحج يبدأ من صلاة الظهر يوم النحر إلى صلاة العصر آخر أيام التشريق، وأما غير الحاج فيبدأ من صلاة الفجر يوم عرفة إلى آخر أيام التشريق، ودليل مشروعية التكبير قوله تعالى: ﴿وَاذْكُرُوا اللَّهَ فِي أَيَّامٍ مَعْدُودَاتٍ﴾ (٢) وقوله: ﴿وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ﴾ (٣) ولفعل الصحابة ﵃.
следующие страницы →