منه صاحبه، ولا يحبط الأعمال التي لم يخالطها، وإنما الذي يحبط جميع الأعمال هو الشرك الأكبر، والذين يأتون بأعمال صالحة أمثال الجبال، ثم تذهب ولا يستفيدون منها هم الذين يأتون بمظالم للعباد، فيقتص للمظلومين من أعمالهم حتى لا يبقى منها شيء، ثم يؤخذ من سيئات المظلومين فتطرح عليهم، ثم يلقون في النار؛ كما جاء في الحديث.
أما الكافر والمشرك الذي مات على الكفر، فليس لهم أعمال مقبولة أصلا؛ لأن الأعمال لا تصح مع الكفر والشرك، وعليك بترك الوساوس وعدم الالتفات إليها، والاستعاذة بالله من الشيطان؛ لأنك إذا فعلت ذلك فلن تضرك - إن شاء الله -
وبالله التوفيق، وصلى الله على نبينا محمد وآله وصحبه وسلم.
اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء
عضو … عضو … عضو … الرئيس
بكر أبو زيد … صالح الفوزان … عبد الله بن غديان … عبد العزيز بن عبد الله آل الشيخ
стр. 562
السؤال الثاني من الفتوى رقم (١٨٤٣٨)
س ٢: أنا رجل أصلي بالناس إماما بعض الأحيان، وبعض الأحيان أخطب بالجمع، ولكن تأتيني نفسي في بعض الأحيان وتقول: إن هذا العمل أنت تبتغي فيه الرياء، وأنت تريد السمعة، وأنت تريد الرفعة والمكانة بين الناس، حتى أرفض أن أخطب وأرفض الإمامة.
стр. 563
ج ٢: ننصحك بالاستمرار بالإمامة وخطبة الجمعة؛ لأنها عمل طاعة، ولا تلتفت لوساوس الشيطان وتخذيله لك عن هذا العمل بحجة خوف الرياء، وعليك بعمل الطاعة والإخلاص لله ، والتعوذ بالله من الشيطان الرجيم، ومن هذه الوساوس المخذلة عن الخير، وسيعينك الله.
وبالله التوفيق، وصلى الله على نبينا محمد وآله وصحبه وسلم.
اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء
عضو … عضو … عضو … نائب الرئيس … الرئيس
بكر أبو زيد … صالح الفوزان … عبد الله بن غديان … عبد العزيز آل الشيخ … عبد العزيز بن عبد الله بن باز
стр. 564
السؤال الأول من الفتوى رقم (١٩١٤٧)
س ١: هل هذه العبارة صحيحة من حيث المعنى: (لولا النبي ﷺ لكانت العرب في جاهلية) ؟
ج١: الصواب أن يقال: (لولا الله ثم بعثة النبي ﷺ ) ، أو (لولا بعث الله النبي ﷺ ) ، ابتعادا عما يمس العقيدة من الألفاظ.
وبالله التوفيق، وصلى الله على نبينا محمد وآله وصحبه وسلم.
اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء
عضو … عضو … عضو … نائب الرئيس … الرئيس
بكر أبو زيد … صالح الفوزان … عبد الله بن غديان … عبد العزيز آل الشيخ … عبد العزيز بن عبد الله بن باز
стр. 565
السؤال الرابع من الفتوى رقم (١٦٨٢٦)
س ٤: هل قول الإنسان: (أشكر الله وأشكرك) ، يعتبر نوعا من أنواع الشرك بالله؟
стр. 566
ج ٤: لا يجوز العطف بالواو في قول الإنسان: (أشكر الله وأشكرك) ؛ لأن الواو للتسوية، وإنما الواجب أن يقول: (أشكر الله ثم أشكرك) ؛ لأن ثم للتراخي.
وبالله التوفيق، وصلى الله على نبينا محمد وآله وصحبه وسلم.
اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء
عضو … عضو … عضو … عضو … الرئيس
بكر أبو زيد … عبد العزيز آل الشيخ … صالح الفوزان … عبد الله بن غديان … عبد العزيز بن عبد الله بن باز
стр. 567
الطواغيت والحكم بغير ما أنزل الله
стр. 568
صفحة فارغة
стр. 569
التحاكم إلى العادات والأعراف القبلية
الفتوى رقم (١٦٨٩٤)
س: نرفع لسماحتكم معروضنا هذا، ونفيدكم فيه بأن القبائل التي تستوطن الطائف وضواحيها وهم قبيلة قريش وبنو سفيان وطويرق والنمور وقبيلة هذيل التي تستوطن وادي نعمان، تسيطر على هذه القبائل جميعا الأحكام العرفية، وما يسمونه بالمذهب العربي، وهو عبارة عن قوانين جاهلية لا تخضع للشريعة، ومن أمثلة ذلك: قانون تثليث الدم، بحيث إذا ضرب إنسان وقدر دمه بعشرة آلاف مثلا، فإن صاحب هذا الدم لا يحصل إلا على ثلاثة آلاف فقط، وفقا لقانون تثليث الدم السائد عندهم، حيث يخصم منه ثلث للفراش وهي الوليمة التي يجتمعون عليها، والثلث الثاني يهمل ويهدر حسب القانون، والثلث الباقي يسلم لصاحب الدم.
ومن أمثلة ذلك: أنهم يحكمون بالجنابي وهي أن يضرب الرجل رأسه بالجنبية حتى يسيل الدم، ويستمر ضرب رأسه والدم يسيل حتى يقول خصمه كلمة (أبيض) ، وفي هذه الأيام يتحايلون
стр. 570
على قضية الجنابي ويقولون: نحن نحكم بثمن الجنابي، ولا داعي للاعتراض، كما يقولون بأننا نقدر الجنبية بألف ريال أو بأكثر أو أقل، وعندهم أيضا ما يسمونه (بالأسية) وهو قانون سائد لديهم، وهو أن يشرعوا لكل حادثة أحكاما، مثل: عليك يا فلان خمس من الغنم أو ست جنابي أو ثمنها في حادثة من الحوادث، وغدا تقبل مني مثل هذا الحكم المذكور، ويتذرعون بأن الشرع لا يمنعهم من تطبيق عادات آبائهم وأجدادهم التي يفخرون بها ويجلونها ويعظمونها. . . وقد يلاقي المنكر عليهم نبذا وهجرا، ولو استطاعوا أن يفعلوا الأفاعيل لما ترددوا.
ونأمل من سماحتكم إفتاءنا في هذه الأمور فتوى مكتوبة، ولا سيما أن بعض العامة ينقلون عن سماحتكم أمورا لا ندري مدى ثبوتها.
وهذه الأمور المذكورة يا سماحة الشيخ عبارة عن واقع تعيشه هذه القبائل، والذين يتولون التحكيم رجال ليسوا مؤهلين شرعا، بل هم من العامة. فما حكم الإسلام في تثليث الدم وفي الجنابي أو في ثمنها أو في الأسية، وبقية ما ذكرنا؟ وهل يباح الحضور والأكل من وليمة الفراش المذكورة أعلاه؟ وعندهم أيضا ما يسمى بالمنصوبة، وهي ذبيحة أو أكثر تفرض على المخطئ، ويذهب بها إلى بيت المخطى عليه. فهل يجوز حضورها والأكل
стр. 571
منها؟ وما حكم الرضا بما يفرضه القضاة من العامة المعروفين؟
ج: الواجب على المسلمين أن يتحاكموا إلى الشريعة الإسلامية امتثالا لأمر الله جل وعلا في قوله تعالى: ﴿وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ﴾ (١) ، وقوله تعالى: ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ﴾ (٢) ، وقوله: ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ (٣) ، وقوله تعالى: ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ (٤) ، وقوله تعالى: ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ (٥) .
ويحرم على المسلمين التحاكم إلى الأحكام العرفية، والمبادئ القبلية، والقوانين الوضعية؛ لأنها من التحاكم إلى الطاغوت الذي نهينا أن نتحاكم إليه، وقد أمرنا الله بالكفر به في قوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُوا أَنْ يَكْفُرُوا بِهِ وَيُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُضِلَّهُمْ ضَلَالًا بَعِيدًا﴾ (٦)
стр. 572
ولا يحل لمشائخ القبائل الحكم بين الناس بما تمليه الأعراف والمبادئ القبلية، والواجب عليهم إرشاد من جاءهم بأن يذهب إلى القضاة في المحاكم الشرعية، الذين ولاهم إمام المسلمين للحكم بين الناس بالشرع المطهر.
وما ذكر من الحكم بالجنابي أو ثمنها، أو تثليث الدم، أو الحكم بالأسية أو المنصوبة، فكل هذه ليست أحكاما شرعية، وإنما هي من الأحكام القبلية التي لا يجوز الحكم بها بين الناس، ولا يجوز الأكل من الطعام المسمى بـ: (طعام الفراش) ؛ لأنه مبذول بغير طيب نفس، ولا يجوز حضورها ولا الرضا بها.
وبالله التوفيق، وصلى الله على نبينا محمد وآله وصحبه وسلم.
اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء
عضو … عضو … عضو … عضو … الرئيس
بكر أبو زيد … عبد العزيز آل الشيخ … صالح الفوزان … عبد الله بن غديان … عبد العزيز بن عبد الله بن باز
стр. 573
الفتوى رقم (١٤٦٧٦)
س: كما تعلمون عندنا في الجزائر ما يسمى بـ: (الانتخابات التشريعية) ، هناك أحزاب تدعو إلى الحكم الإسلامي، وهناك أخرى لا تريد الحكم الإسلامي. فما حكم الناخب على غير
стр. 574
الحكم الإسلامي مع أنه يصلي؟
ج: يجب على المسلمين في البلاد التي لا تحكم الشريعة الإسلامية، أن يبذلوا جهدهم وما يستطيعونه في الحكم بالشريعة الإسلامية، وأن يقوموا بالتكاتف يدا واحدة في مساعدة الحزب الذي يعرف منه أنه سيحكم بالشريعة الإسلامية، وأما مساعدة من ينادي بعدم تطبيق الشريعة الإسلامية فهذا لا يجوز، بل يؤدي بصاحبه إلى الكفر؛ لقوله تعالى: ﴿وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ وَاحْذَرْهُمْ أَنْ يَفْتِنُوكَ عَنْ بَعْضِ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ إِلَيْكَ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَاعْلَمْ أَنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُصِيبَهُمْ بِبَعْضِ ذُنُوبِهِمْ وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ لَفَاسِقُونَ﴾ (١) ﴿أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ﴾ (٢) ، ولذلك لما بين الله كفر من لم يحكم بالشريعة الإسلامية، حذر من مساعدتهم أو اتخاذهم أولياء، وأمر المؤمنين بالتقوى إن كانوا مؤمنين حقا، فقال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَكُمْ هُزُوًا وَلَعِبًا مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَالْكُفَّارَ أَوْلِيَاءَ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ (٣) .
стр. 575
وبالله التوفيق، وصلى الله على نبينا محمد وآله وصحبه وسلم.
اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء
عضو … نائب الرئيس … الرئيس
عبد الله بن غديان … عبد الرزاق عفيفي … عبد العزيز بن عبد الله بن باز
стр. 576
الفتوى رقم (١٨٨٣٨)
س: ما يقول فقهاء الدين وعلماء المحدثين وجماعة الموحدين، فيمن قدم العقل على النقل، وحاج وكابر وزعم أن العقل هو مرجع كل شيء، وإذا أتاه حديث صحيح - حتى ولو كان في البخاري ومسلم - رأيته يعرض عنه إعراضا ويلتمس له طرق تأويل فاسدة تخرج عن ظاهر الحديث، وصاروا بذلك يطعنون في متون الأحاديث. فهل هذا هو الحق أم هو الضلال المبين؟ أفيدونا بجواب رجاء الثواب يوم تأتي كل نفس تجادل عن نفسها.
ج: الواجب على المسلم اتباع أدلة الشرع ونبذ ما عارضها من العقليات المزعومة، قال تعالى: ﴿اتَّبِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ (١) ، وقال تعالى: ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ﴾ (٢) ، والذي يقدم العقل على الشرع يكون كافرا بالله ، قال تعالى:
стр. 577
﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ (١) .
وبالله التوفيق، وصلى الله على نبينا محمد وآله وصحبه وسلم.
اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء
عضو … عضو … عضو … نائب الرئيس … الرئيس
بكر أبو زيد … صالح الفوزان … عبد الله بن غديان … عبد العزيز آل الشيخ … عبد العزيز بن عبد الله بن باز
стр. 578
السؤال الرابع والأربعون من الفتوى رقم (١٢٠٨٧)
س ٤٤: حكم العمل في مجال المحاماة في بلد يحكم بالقانون، ولو كان القانون في بعض أجزائه لا يصادم الشرع؛ خصوصا في الأمور المبنية على العرف أو مسائل الحكومات؟
ج ٤٤: إذا كان الاشتغال بالمحاماة لأجل إحقاق الحق وإبطال الباطل شرعا، ورد الحقوق إلى أربابها، ونصر للمظلوم - فهو مشروع؛ لما في ذلك من التعاون على البر والتقوى، وإلا فلا يجوز لما فيه من التعاون على الإثم والعدوان، قال تعالى: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ﴾ (١) وبالله التوفيق، وصلى الله على نبينا محمد وآله وصحبه وسلم.
اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء
نائب الرئيس … الرئيس
عبد الرزاق عفيفي … عبد العزيز بن عبد الله بن باز
стр. 579
السؤال الخامس من الفتوى رقم (١٨٨٧٠)
س ٥: بدأ بعض الناس- من الدعاة- يهتم بذكر توحيد الحاكمية، بالإضافة إلى أنواع التوحيد الثلاثة المعروفة. فهل هذا القسم الرابع يدخل في أحد الأنواع الثلاثة أم لا يدخل، فنجعله قسما مستقلا حتى يجب أن نهتم به؟ ويقال: إن الشيخ محمد بن عبد الوهاب اهتم بتوحيد الألوهية في زمنه، حيث رأى الناس يقصرون من هذه الناحية، والإمام أحمد في زمنه في توحيد الأسماء والصفات، حيث رأى الناس يقصرون في التوحيد من هذه الناحية، وأما الآن فبدأ الناس يقصرون نحو توحيد الحاكمية، فلذلك يجب أن نهتم به، فما مدى صحة هذا القول؟
ج ٥: أنواع التوحيد ثلاثة: توحيد الربوبية، وتوحيد الألوهية، وتوحيد الأسماء والصفات، وليس هناك قسم رابع، والحكم بما أنزل الله يدخل في توحيد الألوهية؛ لأنه من أنوع العبادة لله سبحانه، وكل أنواع العبادة داخل في توحيد الألوهية، وجعل الحاكمية نوعا مستقلا من أنواع التوحيد عمل محدث، لم يقل به أحد من الأئمة فيما نعلم، لكن منهم من أجمل وجعل التوحيد نوعين: توحيد في المعرفة والإثبات؛ وهو توحيد الربوبية وتوحيد الأسماء والصفات. وتوحيد في الطلب والقصد؛ وهو توحيد الألوهية، ومنهم من فصل فجعل التوحيد ثلاثة أنواع كما سبق. والله أعلم. ويجب الاهتمام
стр. 580
بتوحيد الألوهية جميعه، ويبدأ بالنهي عن الشرك؛ لأنه أعظم الذنوب ويحبط جميع الأعمال، وصاحبه مخلد في النار، والأنبياء جميعهم يبدؤون بالأمر بعبادة الله والنهي عن الشرك، وقد أمرنا الله باتباع طريقهم والسير على منهجهم في الدعوة وغيرها من أمور الدين. والاهتمام بالتوحيد بأنواعه الثلاثة واجب في كل زمان؛ لأن الشرك وتعطيل الأسماء والصفات لا يزالان موجودين، بل يكثر وقوعهما ويشتد خطرهما في آخر الزمان، ويخفى أمرهما على كثير من المسلمين، والدعاة إليهما كثيرون ونشيطون. وليس وقوع الشرك مقصورا على زمن الشيخ محمد بن عبد الوهاب، ولا تعطيل الأسماء والصفات مقصورا على زمن الإمام أحمد - رحمهما الله -، كما ورد في السؤال، بل زاد خطرهما وكثر وقوعهما في مجتمعات المسلمين اليوم، فهم بحاجة ماسة إلى من ينهى عن الوقوع فيهما ويبين خطرهما. مع العلم بأن الاستقامة على امتثال أوامر الله وترك نواهيه وتحكيم شريعته - كل ذلك داخل في تحقيق التوحيد والسلامة من الشرك.
وبالله التوفيق، وصلى الله على نبينا محمد وآله وصحبه وسلم.
اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء
عضو … عضو … عضو … نائب الرئيس … الرئيس
بكر أبو زيد … صالح الفوزان … عبد الله بن غديان … عبد العزيز آل الشيخ … عبد العزيز بن عبد الله بن باز
стр. 581
الفتوى رقم (١٨٥٤٥)
س: يوجد لدينا في المنطقة الجنوبية ما يسمى ب: (أيمان الوسية) ، وهذه الأيمان تحل وتفصل كثيرا من المشاكل والخلافات بين الأفراد والقبائل، فمثلا عندما يحدث نزاع في أراض، أو إصابات وجراحات، أو اعتداء رجل على شجرة لشخص، أو إصابة ابنه بجرح على أثر مضاربة ونحوها، أو وقعت غنمه على مزرعة شخص فأكلت من مزرعته، فيحلف المعتدي أو وليه أنه لو كان في محل المصاب أو المعتدى عليه أو المعتدى على ملكه أنه لا يطالب بشيء، فيقول: (والله العظيم إنه لو كان حصل هذا الخطأ منك يا صاحب الشجر، أو يا صاحب الغنم، أو يا صاحب الولد، أنني أسامحك ولا أطالبك بشيء) هذه صفة أيمان الوسية. وهناك يا فضيلة القاضي مسألة أخرى، وهي تعزير من يحصل منه خطأ لا حد فيه من الأخطاء السابقة، وذلك بذبح شاة أو شاتين أو أكثر للقبيلة أو الجماعة في القرية الواحدة، وهذا أيضا يحل إشكالا كثيرا بالرضا بين أطراف النزاع. فما حكم هاتين المسألتين؟
ج: أولا: ما يسمى بأيمان الوسية، وصورتها: أنه إذا اعتدى شخص على آخر في نفسه أو ماله، فيحلف المعتدي أو وليه أنه لو كان في محل المصاب أو المعتدى على ملكه أنه لا يطالبه، هي عمل منكر، وإلزام للناس بحكم لم يوجبه الله
стр. 582
ولا رسوله ﷺ ، فالواجب على من ابتلوا بهذه الأيمان تركها وهجرها والاعتياض عن ذلك، بما هو مشروع من الصلح بين المتنازعين برضاهما، أو التحاكم إلى القضاة في المحاكم الشرعية.
ثانيا: تعزير المعتدي أو المخطئ بقدر ما ارتكبه من الاعتداء أو الخطأ؛ تأديبا له وتطييبا لخاطر المعتدى عليهم، بذبح شاة أو شاتين للقبيلة، هذا تأديب ممن لا يملكه شرعا، ثم هو قدر زائد على العقوبات التعزيرية التي مردها إلى القضاء، لا الأعراف القبلية، فلا يجوز فعل ذلك.
وبالله التوفيق، وصلى الله على نبينا محمد وآله وصحبه وسلم.
اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء
عضو … عضو … عضو … نائب الرئيس … الرئيس
بكر أبو زيد … صالح الفوزان … عبد الله بن غديان … عبد العزيز آل الشيخ … عبد العزيز بن عبد الله بن باز
стр. 583
الفتوى رقم (١٨٥٣٣)
س: قال الله : ﴿وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا﴾ (١) سماحة الشيخ: نحن طلبة علم من إحدى قبائل الجنوب، وكما يعلم سماحتكم انتشار الجهل وقلة الناصحين في صفوف القبائل، الأمر الذي جعلهم يتوارثون عادات وتقاليد
стр. 584
ومذاهب، ومن ذلك مشكلة زوجية حدثت بين رجل وزوجته، وعلى إثر نقاش وخلافات زوجية بينهما طلق الرجل زوجته طلقة واحدة، ثم أوصلها إلى أبيها، وبعد أيام من إيصالها إلى أبيها أرسل أناسا ليتدخلوا بالإصلاح، وذلك في أثناء مدة الثلاثة أشهر، إلا أن أبا البنت رفض إعادتها إليه؛ ونظرا لجهل الزوج بأنها ترجع إليه بدون إذن أبيها، ونظرا لجهل المصلحين بذلك وجهل أبي البنت وإصراره، تركوا الأمر ظانين أن الطلاق قد وقع، ولا علم لهم بأن الرجعة تحققت بإرسال أولئك المصلحين، فبعد مضي أشهر أرسل الزوج طالبا إعادة زوجته إليه، فتدخل مرة أخرى مصلحون، وحكموا على الزوج بمبلغ وقدره ٣٠.٠٠٠ ثلاثون ألف ريال، وذهبوا إلى القاضي ولم يخبروه بطلب الزوج إعادة زوجته أثناء فترة العدة، فأخبرهم بأن الأمر يحتاج عقد نكاح جديد ومهر جديد، فاستشار الزوج بعضا من الناس، فأخبروه بأنه قد راجع زوجته، وليس عليه شيء، ثم رفعت لسماحتكم مسألتهم وأفتيتهم بأنه لا عقد عليه ولا مهر ما دام قد راجعها أثناء العدة، ولأن الأمر يخالف عادات القبائل ويتنافى معها، لم يرضوا بهذه الفتوى ولم يقتنع أبو البنت بإعادتها بدون مهر، حيث قد شرط له المبلغ المدفوع أعلاه وهو ثلاثون ألف ريال من قبل المصلحين، وعند صدور الفتوى رفض الزوج وأبوه تسليم
стр. 585
ذلك المبلغ، وطلبوا تسليم زوجتهم إليهم، وعند ذلك استعان أبو البنت بعريف القبيلة وأعيان القبيلة وشرح لهم القضية، فلم يعبؤوا بفصل الشرع في هذه القضية، بل قالوا لأبي البنت: لك حق على زوج ابنتك وأبيه، وعلى أخيك الذي له الدور الأكبر في قضية الإصلاح بالمبلغ المرقوم أعلاه. وطلبوا إليه أن يحضر هؤلاء إليهم فينفذوا فيهم تلك الأحكام التي توارثوها عن آبائهم وأجدادهم، وفعلا حضر أخو أبو البنت، وعقدت جلسة القبيلة، وحكم عليه عريف القبيلة وأحد أعيانها أي أعيان القبيلة بمبلغ ١٠.٠٠٠ ريال على الرجل الذي تدخل بالإصلاح ولم يوجب مهرا كاملا لأخيه على زوج ابنته، وقالوا: هذا بمبلغ خبراء لك؛ لأنك خنت أخاك وملت مع خصومه ولم تقف مع أخيك ضدهم حتى يأخذ المبلغ وهو ثلاثون ألف ريال. فهل هذا العمل والتصرف من أولئك القوم يعد فصل القضاء في هذه المشكلة الزوجية؟ وهل التدخل وجيه وجائز؟ وهل هذا المبلغ الذي حكم به على المصلح حلال أكله؟ وهل يجوز دفع مثل هذا المبلغ لمثل هؤلاء القوم، أم على دافعه إثم؟ وما هذه المشكلة إلا نموذج بسيط ومثال لما يجري عند تلك القبائل والعشائر من تقديس لتلك العادات والمذاهب، حتى إنهم يعتبرون الذي لا يحكم بها مرتكبا أمرا كبيرا وعارا، وينتقصونه ويلمزونه بأنه لا يعرف
стр. 586
المذاهب وقاطع مذهب، فلا يجلس في مجالسهم ولا يحضر محاضرهم أي محاضر القبيلة حتى يحاكموه فيما شجر منه عليهم، وإلى غير ذلك من سلسلة العبارات والعادات.
سماحة الشيخ: إذا كان هذا العمل والتصرفات تعتبر حكما بغير ما أنزل الله تعالى. فما حكم الذي يخضع لتلك العادات ثم يقطعه أقاربه وإخوانه. هل يعتبر قاطع رحم وهو الممتنع عن الخصوم لهذه العادات أم هم القاطعون؟ وهل من نصيحة لعريف القبيلة كونه القدوة لهم وكبيرهم ومرشدهم كونه أحد الحكام في هذه القضية وأمثالا؟ أفتونا في هذه القضية راجيا كتابة ذلك وتعميمه إذا أمكن؛ حتى تعم الفائدة لعامة المسلمين. غفر الله لكم وجزاكم عنا وعن المسلمين خير الجزاء إنه مجيب الدعاء.
ج: أولا: ما دامت المرأة في العدة وطلاقها غير بائن، فهي زوجة يحق للزوج مراجعتها بدون رضاها، وبلا إذن وليها، وبدون مهر جديد، لقوله تعالى: ﴿وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ فِي ذَلِكَ إِنْ أَرَادُوا إِصْلَاحًا﴾ (١) ثانيا: ما ذكر في السؤال من العادات والأعراف القبلية هي أعمال منكرة مخالفة للشريعة الإسلامية، لا يجوز الحكم بها ولا
стр. 587
الرضا عنها، والواجب على المسلمين أن يتحاكموا إلى الشريعة الإسلامية لحل منازعاتهم وخصوماتهم لدى المحاكم الشرعية، فهذا هو مقتضى الإيمان؛ لقوله تعالى: ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ (١) وقوله سبحانه: ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا﴾ (٢) ، وقوله: ﴿أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ﴾ (٣) وعلى من له حق ولم يحصل عليه: مراجعة المحكمة مع خصمه، وفيما تراه الكفاية؛ لأن فصل الخصومات من اختصاصها.
وبالله التوفيق، وصلى الله على نبينا محمد وآله وصحبه وسلم.
اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء
عضو … عضو … عضو … نائب الرئيس … الرئيس
بكر أبو زيد … صالح الفوزان … عبد الله بن غديان … عبد العزيز آل الشيخ … عبد العزيز بن عبد الله بن باز
стр. 588
الفتوى رقم (١٨٥٤٢)
س: نحن في مجتمع قبلي قد نشأ أفراده على عادات وتقاليد
стр. 589
يحكمونها في مشاكلهم، سواء كان الاختلاف في المزارع أو في أراض سكنية، أو مشكلات زوجية، أو في مشاجرات تحدث بينهم، لهم في ذلك قواعد محفوظة في أذهان كبار السن من القبائل، يتحاكمون إليها ويحتجون بأن ذلك من إصلاح ذات البين، وأن ما يجري من دعوى وإجابة من الخصمين وبحضرة الذين يسمون حكاما يقولون: إن هذا ترتيب لا بد منه في حالة الإصلاح، وقد يحكمون بيمين على المنكر، ويقولون: اليمين يحكم بها القاضي في حالة الإنكار. فهم لا يرون بأسا بطريقتهم تلك، وبضغوطهم على من يأبى دفع المبلغ المحكوم به عليه يقولون: كل ذلك نقصد به القضاء على المشكلة. فهل هذا الأسلوب وهذه الوسيلة التي ينتهجونها يعد صلحا شرعيا، وهل لهم في هذا أجر؟ وإذا كان خلاف ذلك نرجو إيضاح صفات المصلحين بين الناس بالطريقة الشرعية الصحيحة؛ حتى نكون على بينة من الأمر. مع العلم بأن بعض الذين يحكمون في مثل هذه المشاكل قد يصوم من كل شهر الاثنين والخميس، ويظن إن كان هناك إثم فإنه بسيط، ويستغفر الله تعالى ويكفي، كما أن من عادات تلك القبائل أنهم يستنكرون رفع المشكلات إلى السلطات الرسمية استنكارا شديدا، مما يجعلهم يقفون يدا واحدة ضد الذي يرفع الشكوى ضد آخر، وأن الحق له بصرف النظر عن ذلك الذي قام بالشكوى، فإنهم
стр. 590
يعتبرونه أضاع حقه برفع الشكوى إلى السلطات، ولا يشهدون معه ولا يسمحون له بالحضور في محافلهم مثل الزواج وغيره من المناسبات التي تقام عند القبيلة، وكذلك إذا تعرض لحادثة من حوادث الزمان لا يقفون معه، ومثال ذلك: لو تعرض لدهس شخص وقرر عليه دية، لا يساعدونه فيها حتى يعود إلى القبيلة، ثم يسلم معدال (سيف) أو مبلغا من المال، ثم يسحب شكواه من السلطات الرسمية، ثم يتحاكم إلى عرفاء ومشائخ القبائل، ويحكمون عليه سلفا وحكما مغلظا في الشكوى، سواء كان هو مخطئا أو عليه الخطأ، ثم بعد ذلك يحكمون عليه في الشكوى، وينظرون في المشكلة بعد أخذ حق القبيلة، فإن كان وجده في مجلس ولم يصافحه فيحكمون عليه بألف ريال ١٠٠٠ وأحيانا أكثر، وإن كان قال له مثلا: كلمة (يا سارق) يحكمون عليه بخمسة آلاف ريال ٥٠٠٠، وهكذا ينظرون في مشاكل أفراد القبيلة، ويحكمون فيهم حكم الأوائل من آبائهم. وأجدادهم. فهل من نصيحة لأولئك القوم، خاصة الذين يعتبرون هذا العمل من الإصلاح بين الناس وتلافي المشاكل بينهم، ويقولون: ذلك من لمم الذنوب، ومما تكفره الصلوات الخمس وغيرها؟ فنرجو من سماحتكم تبيين الجواب في هذه المشكلة.
ج: يجب الرجوع في المنازعات والخصومات إلى المحاكم
стр. 591
الشرعية، وترك الحكم بالعادات القبلية والأعراف الجاهلية؛ لقول الله تعالى: ﴿وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ﴾ (١) ، وقوله جل وعلا: ﴿أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ﴾ (٢) ، وقوله سبحانه: ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا﴾ (٣) .
وأما الإصلاح بين الناس وتسوية النزاعات بينهم، فهذا أمر حسن ومطلوب، لكن الإصلاح المشروع هو ما لا يكون فيه مخالفة للشرع المطهر، ولا إلزام للممتنع، ورضي به الطرفان من غير إجبار ولا فرض عقوبة معينة، وحصل به حل النزاع وزوال الشحناء، فكل ذلك داخل في قوله سبحانه: ﴿وَالصُّلْحُ خَيْرٌ﴾ (٤) ، وقوله سبحانه: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَصْلِحُوا ذَاتَ بَيْنِكُمْ﴾ (٥) ، وقوله : ﴿لَا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِنْ نَجْوَاهُمْ إِلَّا مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلَاحٍ بَيْنَ النَّاسِ﴾ (٦)
стр. 592
وبالله التوفيق، وصلى الله على نبينا محمد وآله وصحبه وسلم.
اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء
عضو … عضو … عضو … نائب الرئيس … الرئيس
بكر أبو زيد … صالح الفوزان … عبد الله بن غديان … عبد العزيز آل الشيخ … عبد العزيز بن عبد الله بن باز
стр. 593
الفتوى رقم (١٨٥٦١)
س: نحن نواب قبائل آل وائلة بتهامة عسير، نقوم بالنظر في بعض القضايا، وذلك بقصد ردع أفراد القبيلة، وسعيا في تخفيف المشاكل، وهي كالآتي:
١- اللاذة: وهي أنه إذا حصل خصومة بين شخصين أحدهما يطلب حقه من الآخر، فالذي عليه الحق يستليذ بشخص آخر ويقوم الأخير بردع صاحب الحق، ويطلب منه عدم مطالبة الشخص الذي لاذ به، وإذا عاد صاحب الحق وطالب بحقه من خصمه مرة ثانية، فإن المليذ يثور باثني عشر رأسا من الغنم، يسلمها للشخص الذي لاذ به، ثم يعود المليذ فيذهب مع صاحب الحق الأول إلى النائب ويلزمه النائب بتسليم اثني عشر رأسا من الغنم للمليذ، فلا أخذ صاحب الحق حقه وألزم بدفع اثني عشر رأسا من الغنم من جراء مطالبته بحقه.
٢- عدالة: إذا حصلت قضية طعن بسكين أو إطلاق على شخص، فإن المعتدي والمعتدى عليه يجلسون عند نائب
стр. 594
القبيلة، ويتولى النظر في قضيتهم ليفض النزاع على النحو الآتي:
يقوم النائب بقوله: أنا سأحكم بينكما بشرط أن تقبلوا حكمي، ويمسحوا على لحاهم قابلين بحكمه مهما كان، ثم يحكم على الطاعن أو الضارب بما يراه من عشر إلى خمسمائة رأس من الغنم، ويقبل هذا الحكم وينفذه كل منهما.
قضايا الحدود:
السرقة: عند قيام شخص بسرقة رأس من الغنم، فحين التعرف عليه فإنه يلزم بدفع اثني عشر رأسا من الغنم، نكالا له وردعا لغيره.
فهل يعتبر نظرنا في مثل هذه القضايا من الحكم بغير ما أنزل الله؟ أفتونا ووجهونا بارك الله فيكم.
ج: ما ذكر في السؤال من عادات وأعراف قبلية هي أحكام جاهلية لا يجوز التحاكم إليها والرضا بها، والواجب على المسلمين أينما كانوا التحاكم إلى الشريعة الإسلامية ونبذ الأحكام المخالفة لها لقوله تعالى: ﴿وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ﴾ (١) وقوله سبحانه:
стр. 595
﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا﴾ (١) وقوله: ﴿أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ﴾ (٢)
وبالله التوفيق، وصلى الله على نبينا محمد وآله وصحبه وسلم.
اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء
عضو … عضو … عضو … نائب الرئيس … الرئيس
بكر أبو زيد … صالح الفوزان … عبد الله بن غديان … عبد العزيز آل الشيخ … عبد العزيز بن عبد الله بن باز
стр. 596
الفتوى رقم (١٩٩١٥)
س: أتوجه إلى سماحتكم بهذا السؤال راجيا من الله أن يدلكم ويلهمكم الإجابة الصائبة عليه، وهو: أن مجموعة من ذوي الرأي في بلد إسلامي ما لا يوجد لديهم حاكم شرعي، فكونوا لجنة لإصلاح ذات البين لفض الخصومات والمنازعات التي تنشب بين قبيلتين أو أكثر، ولكن من العادات السائدة والتقاليد أنهم يذهبون إلى القبيلة المظلومة أو إلى الجميع ويحملون معهم رأسا أو أكثر من الإبل أو البقر أو غيرها من بهيمة الأنعام، فإذا وصلوا إلى الخصوم عقروها عندهم تطييبا لخواطرهم، ولو ذهبوا بشيء من المال وإن كثر لا تقف الفتنة إلا بالفعل الذي تقدم آنفا وهو العقر. فما حكم الشرع في هذا العقر؟ وإذا كان حراما فإن
стр. 597
أصحاب هذه اللجنة قد اشتروا جملا بما يقارب خمسة وأربعين ألفا وجعلوها غرامة على كل عضو من أعضاء اللجنة، وبعض الأعضاء فقير، وطلبوا منا أي نحن المغتربين المساعدة مع العلم أنهم جاهلون بالحكم الشرعي في ذلك. فهل يجوز لنا مساعدتهم في قيمة هذا الجمل الذي سبق، ونخبرهم أن تكرار هذا الفعل لا يجوز؟ نرجو الإجابة الشافية.
ج: الله ﵎ أمر أهل الإيمان بالتعاون على البر والتقوى، ونهاهم عن التعاون على الإثم والعدوان، ومن ذلك قوله ﷺ : «لا عقر في الإسلام (١) » ، وذلك لإبطال أمر الجاهلية الذين يفعلون كفعلكم، ومن المعلوم أن فض الخصومات والإصلاح بين المسلمين من أعظم أنواع البر والإحسان، لكن هذا العرف المذكور، وهو الالتزام بذبح شيء من بهيمة الأنعام، وأن ذلك هو طريق الإصلاح وإرضاء القبيلة المتنازعة، هو عرف فاسد لا يجوز فعله ولا الاستمرار عليه؛ لكونه من أمر الجاهلية، ولأنه إيجاب أمر على العباد لم يوجبه الله ورسوله ﷺ ، وقد يكون وراءه اعتقاد في الذبح لغير الله، فيكون ذريعة للشرك بالله تعالى، كما أن هذه الالتزامات تثير البغضاء والشحناء والأحقاد بين الناس، وبناء على ذلك فيجب ترك هذه التقاليد والأعراف المخالفة للشرع المطهر.
стр. 598
وبالله التوفيق، وصلى الله على نبينا محمد وآله وصحبه وسلم.
اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء
عضو … عضو … عضو … نائب الرئيس … الرئيس
بكر أبو زيد … صالح الفوزان … عبد الله بن غديان … عبد العزيز آل الشيخ … عبد العزيز بن عبد الله بن باز
стр. 599
الفتوى رقم (٢٠٥١٠)
س: إننا من قبائل تسكن في مكة المكرمة وأطرافها، ويجاورنا قبائل أخرى، ويوجد لدينا عادات وأحكام قبلية نتحاكم إليها عند الخلافات والنزاعات، وإنني ومجموعة من أفراد القبيلة في خوف ووجل من ذلك، نخشى أن نكون بذلك نتحاكم إلى غير ما أنزل الله، وأردنا أن ننكرها ونغيرها، وإن أصرت القبيلة عليها نخرج عن دائرتهم ونقاطعهم، ولكن أعدنا النظر فوجدنا في ظاهر الأمر أن في هذه العادات والأحكام مصالح وحل نزاعات ودرء لمفاسد وحقن دماء وحفظ حقوق، هذا ما نراه في ظاهر الأمر. . والله أعلم. وخشينا أن ننكرها ونغيرها بغير علم، فيفوت ما فيها من المصالح، ويصعب عودة القبيلة إليها، فقررنا أن نوضح لكم صورة هذه العادات والأحكام، بان كانت تخالف أحكام الشرع المطهر فسنبادر إن شاء الله بالانتهاء عنها وتحذير الناس منها، وإن وجد فيها ما فيه مصلحة ولا يخالف الشرع فنرجو توضيحه وتوضيح ما يخالف الشرع لتغييره. علما أن القبيلة تفيد بأن عدم إقبالها على التحاكم في المحاكم الشرعية الحكومية ليس اعتراضا
стр. 600
على حكم الشرع، ولكن لأسباب، منها ما يلي:
١- البادية يشق عليهم مراجعة المحاكم والدوائر الحكومية باستمرار، وإجراءات الروتين قد تستغرق شهورا أو سنوات.
٢- الخوف من أحكام تعزير قاسية، مثل السجن لمدة طويلة.
٣- بعض الخصوم يتفنن في المماطلة والتلاعب والتحايل واستغلال ثغرات الروتين، فتستمر القضية لفترة طويلة قد تصل إلى سنوات، ولكن البادية والقبيلة يبتون في الموضوع في وقت قصير.
توضيح صورة العادات والأحكام القبلية: إذا حدث نزاع أو مشكلة بين طرفين يطلب المتضرر أو شيخه (الخاتمة) من المتسبب أو من شيخه، فيدفع المتسبب أو شيخه (معدال) وهو مبلغ من المال أو شيء ثمين يبقى مع المتضرر حتى يتم (مقعد) الحق والحكم في القضية والفصل فيها، ويعطي المتضرر أو شيخه (عاني) وهو تعهد والتزام بعدم اتخاذ أي فعل انتقام أو شكوى حكومية، حتى يتم مقعد الحق والفصل في القضية، وقد يكون العاني لدرء الفتنة، وهو في حالة نشوب قتال بين أفراد أو قبائل، وفي لحظة الاشتباك يقوم الذي يريد الخير بأخذ عان من الطرف الأول وعان من الطرف الثاني، وهذا عبارة عن هدنة ومنع