لأصحابه رضوان الله عليهم: ((عدنا من الجهاد الأصغر إلى الجهاد الأكبر)).
فإذا صح الحديث فهل يعبر حقيقة عن قلب للمقاييس؟.
إننا نرى اليوم مجتمعات جديدة تتكون وتنمو أمام أعيننا، ونلمس على الطبيعة إطراد نموها تحت تأثير أحداث لا نتوء كبير لها.
والأحداث كلها- صغيرها وكبيرها- تثري المجتمعات فتستنتج منها دروسا. والأحداث التي يعيشها العالم العربي منذ أيام قد أثرته فعلا بطريقة تجعله أكثر انسجاما مع شروط مصيره ووحدته.
وكأننا نرى الثورة الكبرى- التي لم يسبقها مثيل في البلاد العربية- تجتاح هذه البلاد وتغير معالمها النفسية تحت أعيننا، حتى إن (الوحدة) التي دعا إليها كثير من الدعاة، خلال السنين العديدة دون جدوى، تتحقق في ومضة عين في هذه الأيام العصيبة لتصبح أثمن ما كسبته الثورة.
إن العرب الذين كانوا يحلمون بها، والذين يسقطون الآن في الميدان ليشتد عودها بدمائهم السخية، أولئك يعرفون ثمنها.
وعليهم الآن أن يعرفوا بأي ثمن سيحافظون عليها، لأننا- حتى إذا لم نستطع منذ الآن إصدار الحكم النهائي على ثورة لا زالت في حيز الاتجاه- نستطيع منذ الآن، الحكم على مكاسبها. وهي لن تصبح مكاسب نهائية إلا إذا أصبحت المسوّغات التي سجلتها في نفسية البلدان العربية وفي سياستها، هذه الأيام، القواعد التي تجري عليها حياتهم كل يوم.
إنها لمشكلة الغد، لأن ما لدينا من تجربة ثورية في العالم، وفي البلاد العربية بوجه خاص، يجعلنا نقول: إن لكل ثورة ما بعدها، فإما أن يكون مواصلة للثورة وإما أن يكون في اتجاه معاكس يتنكر لها ويمسخها.
стр. 107
وما نجزم به، أن للاستعمار، منذ الآن، خطة مفصلة لمسخ هذه الثورة.
ليس فحسب في الفترة التي ستتبع العدوان مباشرة، ولكن حتى في الوضع العسكري الراهن.
ولا شك بأنه سيسعى بكل ما لديه من وسائل مادية، لتوريط العرب في مأزق عسكري أولا، ليس فحسب من أجل الحفاظ على كيان إسرائيل؛ ولكن، قبل كل شيء، من أجل تحطيم الوحدة المعنوية العربية التي تحققت هذه الأيام.
ولسوف يصنع المستحيل من أجل إرجاع العرب إلى نقطة البداية النفسية التي انطلقوا منها في المعركة، حتى يغمسهم من جديد في التفرقة السياسية والفوضى الروحية، بينما نرى أن نكسة معنوية ستكون أشد عليهم من أية نكسة عسكرية (١).
إن ساعة الصفر التي يكون فيها كل أمر مهيأ للبعث والتجدد، لا تدق كل يوم. لقد دقت للشعوب العربية، في الدقيقة ذاتها التي ألقت فيها أول طائرة إسرائيلية أول قنبلة للعدوان، وكأن الأقدار تهيئ لهم الفرصة مرة أخرى، لتصفية رواسب عهد الإستعمار.
لقد بارك الله هذه القطعة من التراب التي نسميها فلسطين، وجعلها مهدا نزلت فيه الأديان، قبل الإسلام، وعلى العرب اقتداء بأسلافهم أولا، ولأن أبطالهم يستشهدون اليوم على أرضها، أن يباركوها بما يسترجع وحدتهم.
...
стр. 108
لحظة (الفلاش)
عن (الثورة الإفريقية) عدد ٢٢٧ في ١٩ حزيران (يونيو) ١٩٦٧.
كما هو متوقع، فالعدوان ضد البلاد العربية انطلق في اليوم والساعة اللذين حددهما الإستعمار في مخططه.
بتواضع تعودناه منه- وهو تواضع لا حاجة لنا إلى شرح دوافعه الخبيثة مرة أخرى- نراه لا يضع توقيعه على ما يصنع إلا إذا اضطرته إلى ذلك ظروف قاسية كما يحدث في فيتنام.
عدا ذلك فهو يتصرف بطريقة أخرى: إنه يهيئ كل ما يقلب الوضع رأسا على عقب، يضع القنبلة ثم ينسحب بكل تواضع، تاركا لسواه مهمة تفجيرها أمام العدسات الكبيرة وأجهزة الإعلام والإذاعة.
هكذا حدث في إيران، أيام مصدق.
وفي الكونجو، أيام لومومبا.
وكما يحدث في نيجيريا الآن.
فالإستعمار يوظف إذن من يضع توقيعه على أعماله، وموظفه في الشرق الأوسط هو إسرائيل الذي يوقع على كل عدوان في مكانه.
فحينما لا يريد الإستعمار أن يظهر أمام العالم، يشرع في تكليف سواه وضع اسمه مكانه، وهذه الطريقة أخذت تزداد أهميتها بقدر ما تزداد حساسية الناس نحو السلم في هذا العصر.
стр. 109
وإنها الطريقة نفسها التي أوحت إلى (جونسون)، من دون شك، أن يصرح قبيل الخامس من حزيران (يونيو)، بأن أمريكا محايدة من حيث النية ومحايدة مين حيث القول ومحايدة من حيث العمل.
وبعبارة أخرى؛ إنها ليست هي التي ستفجر القنبلة التي صنعتها، وأعدتها لليوم الموعود ضد العرب، ولكن على الرغم من شدة هذا التحفظ لم ير أحد (جونسون) يطوي في جيبه شراع الاسطول السادس في شرق البحر الأبيض المتوسط.
وهكذا رأينا، بل أرونا في لحظة (الفلاش) إسرائيل أمام العدسات الكبيرة وأجهزة الإذاعة والإعلام.
إن القلم يتوقف ... !
ولقد توقف في المرة السابقة، في لحظة تفرضها ذكرى الأبطال الذين سقطوا تحت قنابل الغرب وقد كتب على جوانبها إسرائيل.
أما اليوم فإنه يتوقف في لحظة غثيان ... !
فكل ما يحدث من تصفية هو خسارة على حساب الإستعمار.
فقد لاحظنا في الأضواء التي أطلقتها أجهزة الإعلام لحظة (الفلاش)، تلك التقدمية المتبجحة التي خدعت باسم النزعة الإنسانية، كثيرا من الناس في بلادنا، أثناء الثورة، وهي تنضم لجانب إسرائيل (١).
وإن هذا لكسب لنا في الحقيقة، إذا خلصنا عقولنا في سحر الأسطورة التي يسمونها (التقدمية)، وخسارة للجانب الآخر حين تنكشف إحدى وسائله في تخدير عقولنا، وهو منذ اليوم لن يستطيع استخدامها في ظروف أخرى،
стр. 110
خصوصا في تلك العاصمة العربية التي مجدت أكثر ممثلي هذه التقدمية تبجحا، فنقشت اسمه على جدران جامعتها، ولقبته (ضمير القرن).
على أية حال فها نحن أولاء أمام الأمر الواقع: إن (موشي دايان) الذي كان يؤرخ بلاغاته من تل أبيب، أصبح يؤرخها من القدس.
وليس لي أن ألخص الموقف العسكري، فإن رئيس مجلس الثورة قد لخصه للشعب الجزائري فقال مما قال: إن الغلبة تحققت إلى حين، للامبرياليين حلفاء الصهاينة، ولكن هذا لا يعني أننا خسرنا الحرب في معركة .. إننا لم نخسر الحرب.
إن آثار العدوان الصهيوني لا تقف عند حد ما نتصوره اليوم، فكما توقعت في مقالتي الأخيرة فقد أعطينا العدو فرصة ليجرنا إلى مأزق.
وإذا نحن تركنا جانبا الاعتبار العسكري الصرف، نرى أمرين يلفتان الانتباه في الحالة الراهنة، أحدهما يخص بدايتها والثاني يتعلق بنهايتها.
لقد شعر كل جزائري بألم، يوم أعلن نبأ الهزيمة، وعرفت أسبابها الفنية، ونعلم الآن أن هذه الأسباب كانت معروفة منذ اللحظة الأولى، إذ قضي الأمر منذ تحطمت الطائرات العربية في مكانها.
ولا أقول هنا سائر ما يجول في عقولنا حول تلك المفاجأة، إذ تكشفت أسباب جعلت النصر الإسرائيلي من الأمر اليسير. ففي وضع كان ينذر بعدوان إسرائيلي قريب كان ثمة إهمال في الرقابة والرصد المبكر لمبادرة العدو، ثم كانت لامبالاة في الإعلام ... الخ.
وإني لأساءل: لماذا لم تعلن القيادة العربية عن تلك الأسباب منذ اللحظة الأولى، أي منذ تحطمت الطائرات حتى يتفادى قدر الإمكان الصدمة النفسية في الوطن، عندما يفاجأ بالطامة الكبرى في النهاية.
стр. 111
إن الإعلام عن ذلك كله، لم يأت إلا في اليوم الرابع من العدوان، بينما كان الجيش العربي يواجه طيلة أربعة أيام، العدو من غير وقاية جوية في أرض لا يجد فيها الجندي غابة استوائية تقيه، كما وجد الجندي في فيتنام.
هل كان من صالح القيادة العربية أن تكتم السر؟
إن الذين سجلوا اعترافها في اليوم الرابع، وأصابهم هذا الاعتراف كقذيفة تصيب صدورهم، هؤلاء يعرفون أن (السر) الذي يعرفه العدو، ولا نكشفه للمواطنين لهو سر خطير.
إن الصراع النفسي، أو حرب الأعصاب كما يقولون، له قواعد لا يجوز الحياد عنها. وإذا لخصنا ما نقول فإننا نلخصه بهذه العبارة: إذا كانت الحقيقة سلاحا وكان الكذب سلاحا، فالأولى استعمال السلاح الأول لأن أسوأ نتائجه أقل سوءا من نتائج الكذب.
ولا شك أن نية القيادة في الاحتفاظ بالسر كانت نية طيبة، لأنها لا تريد إزعاج الرأي العام، ولكنها قدرت الأمر تقديرا خاطئا، إذ الواقع سيكشف السر، وحينئذ يتعرض الرأي العام إلى صدمة أكبر مما لو علمه من قياداته.
هذا من ناحية، ومن ناحية أخرى، فإذا نظرنا إلى القضية في خواتيمها نلاحظ أن صحافتنا مافتئت تتحدث، في سائر أجهزة إعلامنا عن ضرورة اليقظة والانتباه، وأصبحت كلمة (حذر) تتردد في كل مكان هذه الأيام.
حسن! إنه لحسن جدا .. !
ففي كل موقف أقل ما يجب على المواطن الانتباه لكل ما يدور حوله في وطنه، دون حقد على الأجنبي، ولا ضغط على أحد، ولا عقلية بوليس، بطبيعة الحال.
стр. 112
ولكن يجب ألا تكون كلمة (حذر) كلمة خاصة بعناوين كبيرة في الصحافة، وبالمواعظ التي ترددها الإذاعة، بل يجب أن يكون الحذر مطبوعا في سلوك كل فرد، وخصوصا في سلوك المسؤولين.
إن وطننا ليس ثكنة يقف فيها الفرد كما يقف الجندي أمام الضابط، ولكنه في الوقت نفسه ليس قاعة ميسر يقامر فيها من يريد، بأمن البلاد وإستقلالها. إننا في وضع عصيب فرضه علينا الإستعمار، ولا نبالغ في مثل هذا الوضع إذا ذكرنا المواطن بواجباته، أو إذا طلبنا من الأجنبي الذي يعيش بيننا، أن يحترم قوانيننا وأصول الضيافة.
هذه الإعتبارات تأخذ أهميتها من وضع لا نريد أن يتطور نحو الخاتمة التي يفضلها الإستعمار بل نحو تلك التي نرغبها نحن.
فقد مني الوطن العربي بنكسة عسكرية لا تنقص من ميزات أبنائه في القتال، كما يعرفها الجميع، ولكن النكسة كشفت عن بعض جوانبه النفسية التي كان لها ضلع في النكسة الأولى في سنة ١٩٤٨.
ويبدو أن العرب لم يتخلصوا بعد من هذه الجوانب. ولكنهم .. حتى في هذه الحالة، نراهم قد سجلوا أثرا محمودا ظهر في الوحدة المقدسة التي شاهدناها في أيامنا المثيرة هذه.
وهم إذا احتفظوا بهذا الأثر في سائر الظروف، فسوف يحققون آثارا أخرى في الميدان الإقتصادي والدبلوماسي.
وليس من شك في أن هذا هو السبب الذي جعل إسرائيل، تلح في التصريح بأنها مستعدة للتفاهم مع كل حكومة عربية على حدة حتى تفرق العرب مرة أخرى، وهو هدف تستهدفه الآن لتقول بطبيعة الحال، لكل واحد منهم على حدة إنه أعقل وأفضل من غيره.
стр. 113
وعلى الرغم من هذا كله فالإستعمار يشعر بأنه لم يكسب شيئا في هذه القضية، وهو سيدفع في كل شبر من تراب سيناء ثمنا غاليا إذا لم تقدر الأشياء تقدير المتبجحين.
وقد يستطيع العرب الزيادة في سلبية ميزانيته على الصعيد السياسي بتوثيق علاقتهم الأخوية أكثر فأكثر، ذلك التوثيق الذي بدأ يظهر منذ بضعة أسابيع. ولعله من الأسباب التي عجلت بالعدوان إذ أنه لم يكن هدف إسرائيل توسيع حدود بقدر ما كان تحطيم روح تخشاه.
على أننا نرى أن الميدان الإجتماعي هو الذي يجب أن تتأكد فيه خسارة الإستعمار. فالعدوان الصهيوني قد استهدف قطعا شل المجهود الذي تقوم به البلاد العربية في تشييدها الإجتماعي، فيجب إذن على العرب أن يحققوا انتصارا في هذا الميدان، وبالتالي عليهم أن يضاعفوا مجهودهم لمواجهة المحاولات التي تسعى لصرفهم عن البناء.
وبقدر ما يتمسكون باتجاههم وبنسقهم في السير، دون أن يزيدوا أو ينقصوا من سرعتهم بسبب خارجي، يستطيعون التغلب على الصعوبات، حتى تلك التي تكون أصعب ما يواجهونه اليوم.
***
стр. 114
لحظة التأمل
عن (الثورة الإفريقية) عدد ٢٢٨ في ٢٦ حزيران (يونيو) ١٩٦٧.
إن جريدة الجمهورية القاهرية- حسبها نقلته لنا زميلتها (لوموند) الباريسية- تقترح تصفية الثقافة الغربية في مصر.
لعل المشكلة مطروحة بعبارات أوحى بها الغضب إلى محرر مستعجل. ولكنها إذ طرحت على أية حال، لابد من ضبط صيغتها. وحسبنا أن نذكر هنا أننا تعودنا الإنصات بكل سمعنا إلى سائر الأصوات، خصوصا الأصوات الغربية.
فمنذ (لورانس) الذي كان يعدنا بـ (مملكة عربية)، في الوقت الذي كان زميله (بلفور) يعد بتأسيس وطن يهودي بفلسطين، كم ساحرة قد سحرتنا بكلامها ... فأنصتنا وسمعنا!!.
و (ضمير العصر) ذلك الصوت الذي نقش اسم صاحبه على جدار جامعة في عاصمة عربية، لم يأتنا صاحبه وحده من باريس، بل نحن الذين دعوناه.
وإذا ما أردنا سبر أغوار هذه القضية يجب أن نقول إن هذه الانحرافات ترتبط بأشياء معينة، لن تزول إلا معها.
فحين كان الطالب الياباني يذهب إلى الغرب في أواخر القرن الماضي، كان يذهب ليتعلم التقنية، مع الحفاظ المتشدد على أخلاق بلاده، كما سيذهب بعده،
стр. 115
ذلك التلميذ الصيني المتواضع (نسيان هماسين) ليتعلم في مختبر (جوليو- كوري) بباريس، وليعود لبلاده بالمعلومات النووية التي تدهش العالم اليوم.
بينما غالبا ما يحدث للطالب، الذي يذهب من بلادنا، أن يعود بشهادة ولكن بعد أن يترك روحه في مقاهي أو خمارات الحي اللاتيني أو في النوادي الوجودية بـ (سان جرمان).
ينبغا أن نتأمل هذه الأشياء التي تفسر لنا اليوم إلى حد كبير ما نحن فيه. وعلينا الصمت أيضاً، إذ بينها كنا ننصت لأصوات غيرنا أو نتكلم، كانت الأشياء الخطيرة التي عشناها في الأسبوع الماضي تتهيأ.
فالآن حان لنا أن نعود لأنفسنا، في موقف يفرض علينا لحظة تأمل عميق. ينبغي أولا أن نحدد بدون تردد أو لبس موقفنا الأخلاقي بالنسبة للحالة الراهنة.
إن لنا لعبرة في بعض فصول تاريخ المسلمين، فعمار بن ياسر في واقعة صفين، التي كادت تكون قاصمة كان يقول: ((والله لو ردونا إلى صحراء هجر لبقيت على يقيني أننا نقاتل على حق وهم على باطل)).
فحين نحدد هكذا بهذا الوضوح، لم يبق مجال للتولي والقهقرى، حتى لو صارت الأرض تدور في الاتجاه المعاكس فما علينا إلا أن نواصل طريقنا.
واليوم لا يجوز للعرب التردد في موقفهم أمام الحالة الراهنة؛ من دون تردد أو تراجع سنبقى مهيمنين على كل ما نستنتجه من تأملنا ومن استعادة رشدنا.
وإذا ما كشف لنا نقدنا الذاتي أخطاء ارتكبناها، تقضي علينا بالتحسر والندم فليكن ولنشرح صدورنا للندم ...
стр. 116
عندها لن يكون تقاعسا عن مواصلة الكفاح، بل هو الحافز على مواصلته مع شعور أشد رهافة بمسؤوليتنا، وتصور أكثر وضوحا لجوانب الضعف فينا ولأخطائنا التي تسببت في الإرتخاء الذي طبع الرحلة السابقة.
وبعبارة أخرى: من يندم يتقدم.
وكم نود لو يعود العرب إلى أنفسهم فيحاسبونها حسابا ينجيهم. فالأشياء التي نواجهها ثقيلة، وتفرض علينا لحظة تأمل شامل، لا هوادة فيه.
إن ساعة الحقيقية قد دقت في العالم العربي، كما دقت في أوربا في شهر حزيران (يونيو) سنة ١٩٤٠، وكما تدق كل مرة يكون فيها للمرء حساب مع نفسه.
ولا يجوز لنا كل مرة نشعر فيها بأننا نختنق بحقيقة أن نبتلعها مع ريقنا بسبب اعتبارات شكلية.
إن ساعة الحقيقة قد دقت في العالم العربي، وإنه من حسن حظه، في المأزق الحرج الذي يجد فيه نفسه، أن يغتنم الفرصة لمحاسبتها حسابا شديدا أي ألا يقف في منتصف الطريق في مراجعة الأخطاء.
إن للحالات الحرجة فضلا، حين يتحرر فيها المرء من بعض العقد ومن مراعاة الشكليات، ويستطيع المضي في تأمله إلى أعماق الأشياء، من دون تحفظ دبلوماسي.
وهي فرصة استثنائية لا يجوز إهمالها، بل يجب على العالم العربي أن يغتنمها وقد رأينا أمة أخرى تقوم بهذه المحاسبة طيلة ستة أشهر، يوم أعلنت الصين بعد انتصارها ما سمته (حملة الإعتراف)، ونعلم ما كان من أثر لهذه المعالجة في أمة تمثل ربع الإنسانية.
стр. 117
فلو قام العالم العربي بوضع ميزانيته، وفتش في كل ركن من بيته، ولو راجع ضميره من دون أي تلطيف، لشاهد معجزة تبرز من اعترافه، تدهش العالم وتدهشه هو نفسه (١).
وينبغي، خاصة، أن نعيد بكل اهتمام قراءة المأساة التي سجلها التاريخ هذه الأيام، ونطلب من كل كلمة ومن كل سطر أن يعطيانا ما يكتمان من سر.
فنترك إذن الأشياء تحدثنا بنفسها بلغتها وبكل بساطة، دون أن نفرض عليها رقابة أو تزيينا.
ماذا عساها تقول لنا الأشياء؟
إن أغلب الاخبار الواردة في الصحافة الغربية ليست صحيحة، وتبدو بكل وضوح أنها أعدت من أجل أن تزيد في الفوضى واللبس اللذين استوليا على العقول اليوم في العالم العربي، كأنما تريد جهات خفية وضعه أمام قدر محتوم، حتى تتخذ ردود أفعاله اتجاها معينا.
إنما تبقى لدينا حقيقة لا نزاع فيها، هي أن الجهاز الفني الحربي لم يكن له - في الجانب العربي- أي تأثير في المعركة.
وبجانب هذه الحقيقة، حقيقة أخرى لعلها تلطف الأولى: فالعدوان الصهيوني انطلق من دون إعلان حرب، ويخطئ من يوازن ذلك بواقعة (بيرل هربر)، فهذا محض تزييف للتاريخ، إذ لم يبدأ الأسطول الياباني قصفه ضد القاعدة الأمريكية المذكورة في شهر كانون الأول (ديسمبر) عام ١٩٤١ في اللحظة التي كان فيها سفير اليابان بواشنطن يسلم إعلان الحرب إلى البيت الابيض.
стр. 118
فالقضية تختلف تماما عما وقع صبيحة الخامس من حزيران (يونيو) الأخير: فـ (موشي دايان) وشركاؤه بواشنطن، كانوا وحدهم قادرين على تحدي العرف الدولي، وقد بادروا إلى القصف دون أي إخطار موجه للخصم.
إنما ذلك لا يعفي هذا الخصم من مسؤوليته العسكرية، ولا يشفع له إذا كان جهازه للرقابة والدفاع لم يتحرك صبيحة الخامس من حزيران، بينما كان الوضع على شفير الحرب منذ انسحاب قوات هيئة الأمم من (شرم الشيخ).
ومما يلفت النظر، أن أبواق النذير لم تنطلق في القاهرة إلا بعد عشرين دقيقة من القصف الأول للطيران الإسرائيلي لمطارات الجمهورية العربية المتحدة. وأجهزة الرادار لم تتحرك: ((إنها أشنع كلمة سجلها التاريخ في المأساة، وكم من كلمة أخرى تجب قراءتها وتستحق التأمل)).
ولكن .. إننا نعفي أنفسنا من مواصلة قراءة نص لم ينته التاريخ نفسه من كتابته. إن مصير الآلاف من الأسرى العرب بين أيدي الصهاينة- عفوا بين أيدي ضحايا معتقل (داخاء) (١) - لا يزال مبهما.
وبعد ذلك، سنشاهد بعض المواقف (الإنسانية) المعدة للإعلام، ولعلنا سوف نرى على الشاشة، (موشي دايان) يوزع الخبز والدواء على لاجئين مطرودين من بيوتهم كما طرد إخوانهم سنة ١٩٤٨.
وفوق هذا كله سنرى الوقفة الإنسانية الجديدة (التقدمية) في الغرب، إننا رأيناها منذ أسبوعين فقط تقف بجانب الصهيونية، معلنة أنها تدعم كفاحها العادل. فلا نستغرب أن نراها غدا- وربما اليوم- توجه نداء إنسانيا من أجل اللاجئين والأسرى العرب.
стр. 119
إن اللحظة تفرض أن نسد أذنينا وخاصة أنوفنا حتى لا نشم رائحة هذا النفاف. يجب أن نفرض الصمت والتأمل والعمل، لأنه ليس لدينا من الوقت متّسع لنسمع ثرثرة الآخرين وخصوصا ثرثرتنا.
في الحقيقة إذا كان الصمت من ذهب، قبل المأساة، فإنه اليوم من الذهب المصفى.
يجب على العرب، في الوضع الراهن، أن ينظموا سلوكهم تنظيما لا يتركون معه ما يستغله العدو: يجب أن تكون جبهتهم في الخارج كالبنيان المرصوص في ترتيب سياسة البترول، حتى يكون له دور فعال في الملابسة الديبلوماسية الراهنة، وفي الداخل يجب عليهم تنظيم دارهم، لأن الدرس لا يكون مفيدا إذا بقي الوضع كما هو، وقد أدانته بشدة الأحداث ذاتها.
لقد قلنا في المرة السابقة، إن كلمة (حذر) يجب ألا تكون فقط كلمة تتحلى بها الصفحات الأولى من جرائدنا، والسطور الأولى من خطاباتنا، بل يجب أن تكون قاعدة يراعيها في سلوكه: المواطن والمسؤول معا.
وإذا قلنا (قاعدة) نعني بذلك شيئا يطبق في الحين وتكون له نتائج عاجلة.
إننا لنهتف لنشر قائمة (أصدقاء الصهيونية في العالم الغربي) المعلقة على جدران شوراعنا. ولكن ... عفوا أين قائمة (أصدقاء الصهيونية) الذين يتفسحون في شوارعنا؟
يجب ألا يوضع المحراث قبل الثيران. وعلينا بهذه المناسبة أن نحيي الأصدقاء الأجانب المتعاونين معنا، ولكن نقول لهم في الوقت نفسه كما نقول لأنفسنا: ((يجب أولا أن يُحترم النظام في دارنا ويسود)).
стр. 120
فالعرب بحاجة إلى النظام كي يستعيدوا في الوقت المحدد كل ما تحطم من قيم معنوية أو مادية بسبب العدوان الصهيوني.
وقبل كل شيء يجب عليهم أن يأخذوا في الحساب كل معطيات المأساة، حتى يتخذوا المواقف البطولية التي يقتضيها الوضع، وكي يصدروا عن دراية حكهم على كل من وجبت إدانته بغير ضعف أو توانٍ.
إن الوضع لا يسمح بالتنازل عن أية جريمة.
فالإستعمار بالمرصاد كي يلفتنا عن وجهتنا بالوسائل كلها في هذه المرحلة، حتى لا يسمح لتأملنا ولجهدنا أن يأتيا بثمارهما.
ومن المؤكد أنه يجعلنا في المشكلة الداخلية، باسم أولويات ينخدع لها بسهولة سذج العقول. بينما هذه المشكلات، رأس القائمة، في سائر الظروف وخصوصا في الحالة الراهنة.
فحين كان عمر ﵁ يواجه أعظم ملابسات التاريخ الإسلاميكان يقول: ((والله لو سقط جذع إبل من جسر من جسور دجلة لخشيت أن يحاسبني الله عليه)).
وعندما كان نابليون في غمار الحملة التي قادته إلى موسكو كان، وهو يعيش أعسر أيامه، منكبا على تخطيط التنوير في شوارع باريس.
تلك عظمة المشكلات الداخلية في نظر عظماء التاريخ، وهم يواجهون في الوقت نفسه أخطر مشكلات زمانهم.
ففي الحالات الصعبة، ليس من المعقول أن يقلع القطار بعربات الدرجة الأولى بدعوى أنه قطار سريع، بل يجب أن يحرك سائر العربات وراءه من أولوية إلى أولوية.
стр. 121
والنبي ﷺ يدلنا على هذه الحقيقة في الحديث الشريف: «من كانت بيده غرسة يريد غرسها وقامت الساعة فليغرسها».
هذه الوصية لمن يتولى الغرس من المسلمين، يجب أن يتأملها ويستفيد منها كل مسلم، حتى لا يبقى بيده إلى ساعة النشر والحشر ما يريد غرسه اليوم، بدعوى أنه كان في ظرف غير يسير، أو أن الساعة قد حلت.
***
стр. 122
هيئة الأمم تدين شعب فلسطين
عن (الثورة الإفريقية) عدد ٢٣٠ في ١٠ تموز (يوليو) ١٩٦٧.
إن هيئة الأمم أصدرت حكمها، فأدانت شعب فلسطين، وهكذا ينتهي بالنسبة إلينا أسبوع الغثيان.
إن الألم المفرط يحرر من الألم، وكثرة السآمة تحرر من الغثيان، كما يؤدي الظلم في درجته القصوى إلى التحرير، وهكذا نعود إلى استخدام قلوبنا وشعورنا بطريقة مجدية، بعد أن شلهما الواقع المرير، ونستطيع حينئذ الحكم على الواقع بعقل رصين.
وهيئة الأمم لم تصدر حكمها على الشعب الفلسطيني فحسب بل إنها أغضت فلم تلفظ كلمة واحدة عن الاعمال الوحشية، التي طردته من دياره التي استقر بها منذ آلاف السنين.
إنها لم تحكم فقط على ضحايا النابالم، وعلى من وقعن ضحية اغتصاب مقيت، وعلى أولئك الذين اقتحمت بيوتهم عليهم، غداة عدوان بدأ من دون إعلان حرب.
لقد حكمت على نفسها أيضاً وهي بغير شك تكتب صفحتها الأخيرة في التاريخ. فالعاصفة التي اكتسحت الأرض العربية في الشهر الأخير، قد أماطت عن وجهها قناعا حجب حقيقتها عن الأبصار.
فأولئك الذين تقنعوا وتزيوا بزي القضاة قد ظهروا على حقيقتهم، والشعر
стр. 123
غير الطبيعي الذي كان يكسو رؤوسهم ليمنحهم بياضه وقار الشيوخ، قد طار وكشف عن وجوه ذات ملامح مريبة.
إن الظرف يعطينا أولا الفرصة للملاحظة بأن في المكروه درجات: فالقرصنة قرصنة في سائر الحالات.
والذي يضع الخنجر على رقبتك، ويأمرك بكل وقاحة، أن تعطيه ما عندك، مغتصب سارق ولا شك في ذلك.
والذي يتزيا بزي (الراهب المتسول) (١) أو يلبس إحرام الحاج، وبيده سُبحة، ويرصدك في منعطف الطريق، أو في ركن الشارع ليغتالك ويسلبك متاعك، هو أيضاً مغتصب سارق.
ولكن على أية حال! ألسنا إذا تبصرنا في الأمور أبعد من سطحها، نرى أنفسنا محقين إذا قلنا عن الأول: ياله من مغتصب عفيف.
لقد تحدث الناس، ولعلهم ما زالوا يتحدثون- وربما من أجل تصنيف توراة جديدة- عن العناء الذي عاناه اليهود في حكم هتلر. وتحدثوا بوجه خاص عن محكمة (نورمبرج) التي تحكم على اليهود باسم عنصرية لا تكتم اسمها.
ولكن .. ها نحن أولاء اليوم، نرى محكمة (نورمبرج) بين جدران هيئة الأمم، تحكم على الشعب العربي الفلسطيني باسم التوراة الجديدة!
إن مسوغات الحكم، لا تمت بصلة- نقرؤها في الحكم، أو نرى أثرها فيه بكل وضوح- إلى العنصرية والتعصب الديني.
ولا تمت بصلة نجدها في نص الحكم، إلى إرادة القوة التي أملت بتأسيس إسرائيل بوصفها رأس جسر أعد من أجل غايات استراتيجية، في احتمال حرب
стр. 124
عالمية ثالثة، ولأغراض سياسية تقف سدا في طريق وحدة البلدان العربية التي لا تقدر على شيء مادامت الوحدة غير موجودة.
فليس من الضروري أن نذهب إلى أبعد، بل نحن منذ الآن نستنتج نتيجة: فالمحكمة الهتلرية بهيئتها العنصرية، الصبيانية، لن يكون لها في تاريخ الإنسانية الأخلاقي الأثر الذي سيكون لمحكمة (نورمبرج) الجديدة التي أدانت شعب فلسطين بإتلاف قضيته.
ولعل الحكم الممقوت الذي أصدرته بتصويتها ضد العرب، يطلقنا من بعض قيود تفرضها علينا اللياقة، لنتحدث ببعض الحرية عن الوضع المتسم بالخلط والشبهات، الذي انغمس فيه العالم الثالث منذ عدة سنين والذي يفرض عليه مراجعات مؤلمة.
إننا نذكر بوجه خاص أن إسرائيل لم تجد نفسها مضطرة إلى إلغاء بعض مبادئها، ثمنا للحصول على صداقة الكثير من دول العالم الثالث وما يسمى بالعالم الحر.
إنها لم تتنكر لصفة من صفاتها إرضاء لأحد، بل ظهرت للجميع على حقيقتها كما هي بل شددت في الظهور كذلك ... في وجه العالم ... فملحدوه ومؤمنوه تكلموا بلغة واحدة أثناء الأحداث.
إنههم قاموا كلهم على جبل سيناء، في لحظة خشوع وقنوت، أمام توراة منشورة حملتها دبابة.
وفي اليوم الأول من العدوان، وجه (موشي دايان) إلى الجيش هذه الكلمات:
((إن جنود السماء تقاتل معنا)).
стр. 125
ونحن لا نشك في صحة هذا البلاغ، إذ لم نتلقه من صحافتنا، بل من صحافة الغرب التقدمية التي لا يجوز فيها الشك فيما تنقل عن تل أبيب.
وعليه، فإن إسرائيل لم تتنكر لشيء من حقيقتها، بل أظهرتها كما هي للعالم، ولسنا في هذا ننتقدها، بل على العكس، فنحن نحترم عقائد الآخرين.
إنما نريد، في تحليل وضع معين، أن نأخذ بعين الإعتبار سائر العوامل التي كان لها فيه دور أي دور.
فاستعمال النابالم لا يفسر فقط حسب نظرية (لود ندروف) في قيادة (الحرب الشاملة)، فهو مرتبط بعوامل نفسية لا يجوز إهمالها، ليس فحسب بسبب دورها الديناميكي في الأحداث، بل في نظرنا، لضبط معناها السياسي بصورة أكثر.
لقد كان لهذه العوامل دور، حتى في مداولات هيئة الأمم الأخيرة، أو في إدانتها شعب فلسطين كما فضلنا أن نقول.
ولعلنا نفسح المجال هنا لتعجبنا من الجهد الذي بذل في الأيام الأخيرة، من أجل إقناعنا بأن المداولات لم تكن تنطوي على أي شيء يمتُّ إلى الدين، أو العنصرية (١).
هل نصدق هؤلاء المحامين عن نزاهة (موشي دايان) في الموضوع، أم نصدق (موشي دايان) نفسه الذي يكذبهم بأعماله وأقواله .. ؟.
إننا نأبى- وقدى استطاع (موشي دايان) على الجبهة العسكرية أن يستخدم الشيفرة العربية التي حصل عليها عن طريق خونة متورطين- أن نستخدم الآن
стр. 126
على الجبهة الايديولوجية أصواتا عربية تشهد له، عن علم أو غير علم، بالنزاهة. يجب أن نترك هيئة الأمم تحمل مسؤولياتها كاملة أمام التاريخ.
إنما ينبغي أن نلاحظ بأن هذه المسؤولية لا تخص أمريكا وحدها، بل تخص إفريقيا أيضاً، تلك التي التفتت عن قضية عادلة في لحظة حاسمة، وضحت، بتصويتها، بوصفها شعبا من العالم الثالث على مذبح (مولوخ).
فقبيل (الإدانة) كنا نقرأ في مجلة أسبوعية تنتسب لإفريقية، على الأقل في عنوانها، مقالا عنوانه (صمت إفريقيا) يعبر عن الحقيقة.
أما بعد الإدانة فكنا نعلم أن إفريقيا- عدا ثلاث دول أو أربع- قد أسهمت في إصدار الحكم على شعب فلسطين.
لقد كتبنا منذ بضعة أسابيع، أن العرب خسروا معركة عسكرية، بسبب تواطؤ أمريكا في القضية، والآن يجب أن نقول: إن العرب خسروا معركة ديبلوماسية بسبب تواطؤ إفريقيا هذه المرة.
إنما بكل أسف لا بد أن نلاحظ في الوقت نفسه أننا حصدنا ما زرعنا.
ولا بد أن نعود إلى الوراء بعض الخطوات، لنرى كيفط ساعدنا الإستعمار في لعبته في العالم الثالث، وبالتالي ساعدناه ضد أنفسنا.
ففي عام ١٩٥٥ اجتمع المؤتمر الأفرسيوي الأول، وإنا لندكر ما أثار من آمال في العالم الثالث، ومن استياء في العسكر الإمبريالي.
وقد استطاع هذا المؤتمر فعلا أن يجعل الامبراطورية الإستعمارية سابقا، جبهة ضد الإستعمار يحركها روح باندونج، ومما زاد في أهمية الأمر أن هذه الجبهة حددت لنفسها خطا سياسيا أسمته (الحياد).
стр. 127
ولكي نتصور مدى هذه الكلمة، علينا أن نتصورها في فترة يسودها مناخ الحرب الباردة، ومن هنا نستطيع أن ندرك سائر المسوغات التي كانت تدفع الإستعمار إلى إحباط هذا التجمع الخطير لشعوب العالم الثالث، وبذل سائر جهوده لإحداث التشققات في البناء، وافتعال الانشقاقات في الجماعة.
ولنتساءل: ما هي الطرق التي كانت تسمح له بذلك؟
لم يكن في استطاعته، بطبيعة الحال، أن يقول للشعوب الإفريقية الآسيوية: تفرقي! أو يأمرها بتنكر علني لما قررت، وبالكفر به، وبالردة!
وحتى لو استجاب له بعض الزعماء لنادت الشعوب: بالخيانة.
لم يكن الإستعمار إذن ليتبع طريقا مسدودا يؤدي به إلى مأزق، وهكذا اتخذ سبيلا آخر.
إن الأهمية الأيديولوجية لمؤتمر باندونج، كانت في أنه قد وضع جسرا يربط بين إفريقيا وآسيا كما يبدو في عنوانه وهذه أهمية خطيرة بالنسبة للمعسكر الإمبريالي.
ولا أقول هنا، كل ما قيل عن هذا الجسر في الصحافة آنذاك، إنما ما يهمنا قوله هو إن اهتمام الاستعمار بتحطيمه كان أهتماما بليغا.
وهكذا ولدت منظمة الدول الإفريقية، التي لم تكن سوى بنت سفاح للاستعمار، وإفريقيا التي ولدتما دون أن تعلم من هو أبوها، ودون أن تعلم أن مولدها لم يأت إلى هذا العالم إلا من أجل التفريق بينها وبين آسيا.
كان عملادقيقا رقيقا يجب الاعتراف بذلك.
ولكن الأمر الذي يهمنا، هو أن الأوطان العربية ساعدت على انجازه بطريقتين:
стр. 128
أولا: لأنهم زهدوا (هل زهدوا فقط) في تنمية روح باندونج، بما لديهم من وسائل، وفي مستوى مسؤولياتهم، حتى يصبح محصنا من سائر المناورات المكشوفة، أو التي تسري تحت الأرض؟ وأضيف بأننا لو قدرنا مسؤولياتهم، فقط لوجود (السكرتيرية الدائمة لتضامن الشعوب الإفريقية الآسيوية) في القاهرة لعددنا مسؤوليتهم شيئا له وزن. بينما لو سألنا المسؤول العربي عن حصيلة مهمته الأفرسيوية أثناء إشرافه على السكرتيرية، فإنني أشك في أن تكون هذه الحصيلة إيجابية.
وعليه فمنذ البداية لم يفعل الإستعمار شيئا سوى أنه استغل سائر الثغرات ومن بينها ثغراتنا نحن العرب.
وإنني أذكر على سبيل المثال تصريح إحدى الشخصيات العربية التي حضرت جلسة لهيئة الأمم الإفريقية بالدار البيضاء سنة ١٩٦١ حين قالت: إن القرارات التي اتخذها هذا المؤتمر أهم من قرارات باندونج.
ونحن نتصور كم كان (بن غوريون) في ذلك اليوم مرتاحا لهذا التصريح الواقعي.
وإنا لنرى في الظروف الراهنة كم يندرج موقف الدول الإفريقية الأخير في هيئة الأمم المتحدة بتصويتها لصالح إسرائيل، كم يندرج هذا الموقف في تلك الواقعية قصيرة النظر.
وإنه لأمر عجيب حقا: فنحن حينا بمثاليتنا العرجاء، وحينا آخر بواقعيتنا الخرقاء، نصرف الماء دائما إلى طاحونة الإستعمار.
وبالتالي، فحين يتقرر في القاهرة، اجتماع مؤتمر إفريقي آسيوي مستعجل للتأثير فيما يبدو، على هيئة الأمم، نكتشف أنه لم يبق أي وزن لباندونج، ذلك
стр. 129
لأننا اجتهدنا عشرا من السنين لإفراغه من كل محتوى، وجاهرنا بانتقاصنا له حتى في تصريحاتنا الرسمية كما أشرنا إلى ذلك.
وإنها لمحنة إذا نحن لم نقرر جديا التخلص منها.
لكن من العسير معالجة مريض ليس فيه مرض فحسب، وإنما لديه إرادته في التمسك به فكيف يمكن شفاؤه.
وهنالك ما هو أدهى وأمر، حين يخفي المريض الدواء وراء ظهره، ثم يصرخ: أريد أن أشفى! أريد أن أشفى! .... إنه يحق لنا حينئذ أن نعده يمازحنا.
ومن حسن الحظ، فزمان المغالطة والمزاح قد انتهى، لأن عهد المحنة قد حان ولعلها تنضح ضمائرنا.
فالشكر للقدر على المصائب تصيبنا، إذا كان بها صلاح أمرنا.
***
стр. 130
مفاتيح الحرب
من جريدة (المجاهد) عدد ٣ من شهر آذار (مارس) ١٩٧١.
إن عهد تصفية الإستعمار لا زال مستمرا، منذ دقت شعوب العالم الثالث أبوابه التي انغلقت على حرياتهم، منذ أكثر من نصف قرن.
وحيثما تباطأت خطوته أو تسكعت، نشأت بمقتضى منطقه القاسي، تلك الحركات التحريرية التي تضع، من دماء الشعوب الثائرة، وصمة حمراء على وجه الإستعمار، كتلك النقطة التي نراها على جبين الآلهة التي صنعتها الأساطير الهندوكي.
وفي كل الأوطان تتمتع هذه الحركات بعطف الشعوب، وأحيانا بتأييد السلطات. وفي وطننا يجدون- بالإضافة إلى ذلك- الجو الذي يكهرب روحهم الثوري.
إن ثورة تريد أن تصنع شيئا في التاريخ، يجب عليها أن تصنع نفسها أولا. وقد استخلص (دوبونال) من خلال تأمله في الثورة الفرنسية ((من الإنجيل إلى العقد الإجتماعي، فالكتب هي التي تصنع الثورات)).
لقد كان اهتمامه عالقا، في هذا المقطع، بالجانب الإستراتيجي والنظري اللذين يكونان أيديولوجية الثورة في علاقاتها بالأهداف البعيدة.
لكن الثورة أيضاً، تكتيك يتعلق بالمهمات العاجلة والمتجددة مع ما يمليه سير الثورة في كل يوم.
стр. 131
فالثورة في حاجة اليوم إلى الدفاع عن قضيتها في الداخل والخارج، دفاعا أصبح معه للحركات التحررية أدب وأحيانا (سينماتيك) تضم أفلامها، فتنشر نشرات عن حركاتها وينشر عنها.
ولقد تبتدئ هنا مشكلة، عندما نريد التعرف إلى إحدى هذه الحركات بطريقة مجزية وسريعة، خصوصا إذا كانت الملابسات أو موقعها الجغرافي يضعها -كالثورة الفلسطينية- في نقطة تقاطع للديانات والثقافات والحضارات والمصالح الاستراتيجية المتعارضة، وفي مركز شبكة المناورات المنسوجة على يد أولئك الاختصاصيين المشرفين على (لعبة الأمم).
حينئذ يصبح من شبه المستحيل، أن نتعرف بسرعة على إحدى تلك الحركات لكثرة ما نشرت وما نشر عنها، أعني أن نتعرف عليها بطريقة مجدية تجنبنا حيل وأحابيل لعبة قد نقع فيها، بسبب أفكار غير ممحصة أو مستعصية على التمحيص بسرعة.
إن كثرة الوثائق تكون أحيانا أولى بتضليل الفكر من قلتها. إذ يكفي أن نحضر أي مؤتمر دولي له بعض أهمية، لنخرج بحقيبة من الوثائق، فمن الوثيقة التي تريد إلقاء الأضواء على المصادر الدينية للصهيونية ككتاب الأب (بول حتي مسعد): (بربرية التوصيات الصهيونية)، إلى الوثيقة التي تختص بجانب واحد من القضية الفلسطينية، إلى مجرد المنشور أو البلاغ الذي يشيد ببطولة عصابة من الفدائيين، أو يفند العمل البربري الصهيوني الأخير، كحرق المسجد الأقصى.
حينئذ لا يكون للقارئ إلا حيرة الاختيار، وهو سيكون في حيرة حتما، إذ ليس لديه غالبا فسحة من الوقت كي يتسكع في مطالعة الوثائق جميعها، كمراسل يبحث عن الخبر النادر ليثير به قراء ارتخت أعصابهم واستولى عليهم الملل.
стр. 132
فالقارئ إذا لم يكن منقادا لغرض خاص، لا يجد لنفسه مجالا للتسكع الفكري أمام مأساة فلسطين، بل يرى نفسه مجببرا على الاندفاع في لهيبها والدخول نحوها، بأيسر طريق يحصل فيه منذ الخطوات الأولى على معلومات مختصرة لكنها صحيحة، واضحة لكنها جوهرية.
إن هذه الصفات هي التي تتحقق بالضبط في كتاب (مفاتيح الحرب) الذي نشرته لـ (بيير روسي)، دار (جيرم مرتينو) في سلسلة (المكتبة العربية).
إن الناشر يقدم المؤلف في كلمة مطبوعة على ظهر الكتاب، يقول فيها:
((إن (بيير روسي) من الملاحظين المتميزين للشؤون العربية، إنه من مواليد جزيرة (كورسيكا) من أسرة عربية، ذات تقاليد عائلية في الميدان الإداري والعسكري، فقد عاش (روسي) أكثر من ربع قرن في تلك البلدان (العربية) حيث كان مديرا للمعهد الفرنسي ببغداد، الأمر الذي أتاح له أن يتعرف على الشرق وأزمته، فكان له اتصال مستمر بالمسؤولين وله معهم صداقة، جعلته يحصل على معلومات أساسية استخدم جوهرها في كتابه (مفاتيح الحرب).))
ونضيف إلى ذلك أن (روسي) يتمتع بشيء آخر، بمعادلة شخصية جعلته يهتم بتلك المعلومات ليستخلص منها ذلك النشيد الأساسي، الذي خصص له الفصل الأخير من كتابه تحت عنوان (نشيد العالم).
لم يكن القارئ يتوقع هذا النشيد في كتاب قرأ في سطره الأول هذه الكلمات: ((إننا نعيش في عهد الليل)).
وفي عرض الكتاب من السطر الأول إلى الفصل الأخير، لم يتبع المؤلف الطريق السهل الذي يتبعه (المخبر) البسيط، ولا الطريق الملتوي الذي يتعب من يتعمد التفنن في تلك (السرية الخاصة) بأدب الشيفرة، الذي يهواه ويهتم به بعض المستشرقين.
стр. 133
إن كل ما يكتب قد عرض على الضمير وعلى القلب قبل أن يدخل في مادة الكتاب:
فهذا الاوربي الفاضل يرى، ويرينا في لحظة نقضيها في صفحات كتابه، من خلال المحنة السوداء التي يعيشها ويتشرف بها الشعب الفلسطينى، يرى ويرينا التدهوت الفظيع الذي أصاب حضارة ضيقت بالتدريج حرية الفكر، ووضعته تحت وسائل جديدى لمراقبة العقول، فخفضت بذلك من قيمته الحقيقية الجلية حتى أصبحت تساوي صفرا.
هل هنالك من لعنة أشد من هذه، نستطيع تصورها على تلك النظم والمنظمات التي أنكرت، منذ صلح (فرساي) إلى تأسيس إسرائيل في ١٩٤٨، أنكرت أمام الرأي العام في الغرب حقيقة جلية كفلسطين والشعب الفلسطيني، وهي حقيقة أقرتها آلاف السنين من التاريخ؟.
فالفكر يلمس القضية هنا- كما نرى- في أرفع مستواها البشري، لمسا يكشف لنا (روسي) معه عن المناقضة التي لا دواء لها، بين حضارة (الفوتوي) الكرسي المنجد و (حضارة الروح)، تلك المناقضة التي تبلغ أشدها حين يصبح (الروح) أمام القوى التكنولوجية الفظيعة التي تدكه، لا يملك للدفاع عن مضمونه غير الجسم الضعيف الذي يحمله.
وفي هذا الصراع المتعادل، نرى (روسي) يثق بالإنسان، فيقول:
((منذ الأزل لدينا الحجة بأن التكنولوجية لا تستطيع قهر مقاومة الذرة الإنسانية.
فمنذا الذي يشك في هذه الحقيقة؟ وهو يرى ما يرى من مناضلي الفيتنام ومجاهدي الجزائر، ومقاومي أنجولا، والمقاتلين في كل مكان من أجل قضية عادلة؟.
стр. 134
أما الفدائيون الفلسطينيون فقد كشفوا للجيل الذي يشاهد تحليل الذرة، أن الذرة الإنسانية لا تحطم فعلا، وأن الأجهزة الضخمة التي تريد تحطيمها قد يصيبها العطب)).
و (روسي) لا يخرج من دائرة هذا الدرس السامي، حين يوازن ((جيش الغزاة المحتلين الذين يجدون لديهم ما يشتهون. ويمشون في ضوء الشمس، مع جيش الشعوب المكافحة الذي يسير في دجنة الليل حتى لا يرى)).
ثم يعكس هذه الحقيقة على موضوع كتابه فيقول عن جدارة: ((إن الجيش الفلسطيني هو ذلك الجيش: فرجال فلسطين ونساؤها وأطفالها أضحوا في وضع لم يبق لهم فيه سوى التجنيد، إذ لم يبق لهم سقف ولا أرض ولامال)).
لم يبق لهم سوى (كفنهم) كما تقول أنشودة أنشدوها في أرض الهجرة والاغتراب يذكرها المؤلف.
لكن هؤلاء الجائعين المنبوذين من وطنهم، هؤلاء المحذوفين هن قائمة الأمم بإرادة الدول الكبرى، أدركوا بأن وجودهم بوصفهم خعبا يوضع هذا الموضع إنما هو (في مشرب بندقيته) حسب تعبير (ماوتسي تونغ) إذا تصرفنا فيه قليلا.
وبازدراء تُعلقه الأقدار على رأس كل إرادة توسعية، وعلى رأس كل طاغية رأينا في الأسبوع الذي تلا الخامس من حزيران (يونيو)، الضباب الذي حجب شعبا قُبر حيا، بعد ما سقط (جالوت) مزيف تحت ضربات (داود) مزيف، وكانت قطيرات من الصداقة الدولية المقطرة تتخلل ذلك الضباب تحت إشراف هيئة الأمم. وها هو ذا الضباب يتمزق وتتمزق معه مطامع كانت تستهدف (يالطة جديدة) خاصة بالبحر الأبيض.
لقد ظهر شعب فلسطين من خلال الضباب، وخرج من مآويه الحقيرة التي أعدتها الصداقة الدولية على حدود بلاده، ليبين للعالم المتحضر- وقد أصبحت
стр. 135
مس إنجلترا وفراولين ألمانيا تتحليان بصورة (هنيبعل) الصغير (دايان) على صدورهما- أن أي قوة بشرية مهما ساندها من التكنولوجية والمال لن تستطيع حذف أمة من الوجود.
فالحلف بين المال والتكنولوجية له حدوده كما يلاحظ (روسي)، إذ يبدو له وجه التشابه في القتال بين أمريكا وإسرائيل في صورة ((قتال الترف الذي يجابه في مجتمع الاستهلاك العنصر البشري الفقير (ولكنه عظيم)، يجابه فيه من يعنى براحته وصحته ذلك الذي ليس لديه الوسيلة ولا الوقت ولا المال ليرفه عن نفسه)).
فهذا المقطع من كتاب (روسي) له، من بين مزاياه، أنه يقضي على خرافة خطيرة هي: أن الناس تعودوا على استخدام صورة مثبطة للهمم، عندما يتحدثون عن (صراع ماعون الطين مع ماعون الحديد).
هذه الصورة طالما خدرت الضمائر في عهد الإستعمار، وطالما خدمت سياسته لأنها لعبت دور المحبس النفسي، الذي يحبس انطلاق الطاقات الثورية لدى الأجيال المستعمرة.
ولعله وجب علينا أن نعطي الصورة قالبا آخر هو أقرب لواقع الصراع الثوري ضد سلطة استعمارية: إنه صراع ماعون العدم مع الحديد.
فمنذا الذي يستطيع تحطيم العدم، الذي هو في معناه وجوهره لا يحطم.
فكأنما (روسي) أراد أن يكشف لنا هذه الحقيقة فما أورده بصدد معركة الكرامة حيث يقول:
((إن العمليات الأولى التي بدأت في شهر آب (أغسطس) ١٩٦٧، لم يكن هدفها سوى لفت النظر للقضية، ورفع المعنويات العربية التي أصيبت إصابة
стр. 136
كبرى، إنها لم تكن من نوع الحرب، بل من نوع الدعاية المسلحة، فكانت على ذلك عمليات انتحارية غالية الثمن إذ فقد نصف القيادة حياته فيها.
أما في الكرامة، فالأمر يختلف، إذ استطاعت فئة من المتطوعين الفلسطينيين سد الطريق على وحدة مدرعة إسرائيلية تساندها وحدة من المظلات)).
وهكذا نرى أن (ماعون العدم) صمد فعلا، حتى إن القيادة الإسرائيلية ساومت مرغمة لتخليص جيشها من المأزق، بأن يترك السبيل لجيشها في الرجوع على أن يترك عتاده على أرض المعركة، وقبلت إسرائيل الشرط الذي قدمته (منظمة فتح).
وليس لسبب غير هذا، أن اختصاصي (لعبة الأمم) لجؤوا بعد الكرامة إلى مناورات حيكت خيوطها في عمان.
لكن قوة لا تستطيع تحطيم (ماعون العدم)، ولعل هذا ما دفع (روسي) لتخصيص الفصل الأخير من كتابه لـ (نشيد العالم).
إن القول الذي يقال عن كتاب مفيد إنه يستحق مكانه في مكتبة الرجل الظريف، قول صحيح ولكننا نقول إن كتاب (مفاتيح الحرب)، يستحق مكانه على مكتب كل مسؤول في السياسة العربية، ليس فحسب لأنه يجد فيه (الإبرة المغنطيسية)، التي تضعه في الإتجاه الصحيح بالنسبة لقضية فلسطين في محتواها العربي، ولكن ليقدر به أيضاً أهميتها الدولية في فترة لا نرى فيها الفدائي يمسك (في مشرب بندقيته) وجوده فحسب، بل ربما أيضاً السلم العالمي.
***
стр. 137
الفصل الخامس حول الإقتصاد
. مؤتمر ٧٧
. مؤتمر نيودلهي
. جولة البترول العربي
. شروط الإقلاع الإقتصادي
. العمل والإستثمار
. إقتصاد القوت واقتصاد التنمية
. نشتري أم نصنع؟.
стр. 138
مؤتمر ٧٧ (١)
عن (الثورة الإفريقية) عدد ٢٤٧ - ٩ تشرين الثاني (نوفمبر) ١٩٦٧.
لقد أنهى مؤتمر (٧٧) مداولاته، ولأنه لقب (باندونج الإقتصادي) فقد يرى من يؤمن بالفأل سبب تشاؤم في هذه التسمية. ولسوف يعزو ذلك إلى سوء حظ سابقه (باندونج السياسي) الذي لم يحظ فعلا بما يغبط عليه.
والحقيقة أن (باندونج السياسي) لم يبق سوى ذكرى طيبة بعد ما صبّ، عند انعقاده منذ اتنتي عشرة سنة، من روع في الروح الحساس الذي كان للراحل (فوستر دالس).
ولنترك جانبا- إذا شئتم- الخرافات هذه، والتشاؤم والتفاؤل معا، وحسبنا أن نكون موضوعيين لنقوم بمجرد تقويم لمؤتمر (٧٧).
لقد أضاف، لاشك، فصلا هاما إلى تاريخ الحركة التحريرية التي بدأت في العالم الثالث مع إستقلال الأوطان الأولى منه.
وعلى هذا الأساس نعترف بأن المؤتمر قد أضاف إلى هذا الجهد التحرري عملا سياسيا هاما ألا وهو ما سمي (ميثاق الجزائر).
بعد هذا لابد من ملاحظة: لقد اتخذ هذا المؤتمر من المؤتمر الذي سيعقبه في نيودلهي قبلته منذ اللحظة الأولى، وبذلك أضحى مؤتمر الجزائر، كأنه فقد الغاية في حد ذاتد أو بعض غايته.
стр. 139
ولم يكن هذا الأمر دون تأثير على نوع تفكير المؤتمر، وعلى نوع مراكز الإهتمام في تفكيره، كما لم تكن من جراء هذه التبعية لتفقد بعض التبعيات وزنها في اتجاه مداولاته، التي كانت على ذلك، ضربا من مقدمة للحوار المتوقع متابعته في نيودلهي، مع مخاطبه (العالم المصنع) الذي كان حاضرا في الجزائر وإن لم تره الأبصار.
فقد كان الإجتهاد في تهيئة مقررات الحوار المقبل مؤثرا على جدول أعمال، قد تأتي فيه المشكلات على عكس ترتيبها الطبيعي، ترتيبا يأتي معه المهم منها في الرتبة الثانية.
وإذا تصفحنا بدم بارد، الوثيقة التي تركها المؤتمر بين أيدينا باسم ميثاق الجزائر نجد فيها فعلا بعض الثغرات.
لقد كنا في الحقيقة ننتظر بنودا تحدد التزامات كل عضو في الوحدة أو الجهة الإقتصادية المزمع تشييدها، لكننا لم نجد في الوثيقة سوى كراسة المقترحات التي ستقدم بنيودلهي إلى المخاطب الحاضر غير المرئي.
وفي الحقيقة نجد الكراسة هذه تطالب بالكثير، من العالم المصنع، إن لم نقل إنها تطالب بكل شيء، فتطالب مثلا ١% من مدخوله العام لتنمية البلدان النامية.
فمن الناحية الأخلاقية، لعل هذا جائز، ولكن المخاطب لا ينصت لهذا المنطق ولا يتكلم هذه اللغة.
وهكذا انزلقت المداولات في الحديث عن حقوق (العالم الثالث) عوض أن تذكره (بواجباته) نحو نفسه، بينما مأساة الدول النامية كلها انعقدت حول نواة قي نفسها، تخلق فيها عقدة حرمان تحرمها من حرية التفكير أولا ثم من حرية العمل.
стр. 140
فكل شيء يزحزح مسؤوليتنا عن عاتقنا، ليضعها على كاهل غيرنا هو شيء لا يعدو أن يلحقنا منه ضرر.
ولهذا كان النبي ﷺ ينمي في كل مسلم الشعور بمسؤوليته بطريقة تربوية، نذكر منها مع ما نستطيع في ضبط النص هذا الحديث: «إنما هي أعمالم ترد إليكم، كما تكونوا يول عليم».
فالقضايا الإقتصادية لا تند عن دائرة هذا القانون: فمسؤوليتنا فيها لا تقل عن مسؤوليتنا في المجال الأخلاقي.
ولربما يتعذر استعمال هذا النص- ولست على يقين من ذلك- في عهد ما قبل الثورة، لأن الزعماء كانوا يزعمون أنه يجب علينا لمواجهة الإستعمار أن نصنع سهامنا من كل حطب، وزعموا أن (الحقوق) كانت الحطب الموجود في أيدينا.
إنني لا أشك في أن الإستعمار، أو وريثه الإستعمار الجديد، يريد ألا نحتطب إلا من ذلك الحطب إلى نهاية الدنيا، حتى نفقد تماما الشعور بالمسؤولية، كما لا نشك إذا راجعنا تاريخ الجزائر في الحقبة ما بين ١٩٣٤ و ١٩٣٩، أن الذي غير وجهتنا من القيام بالواجبات إلى المطالبة بالحقوق، لم يكن سوى إحدى نتائج تلك الميكيافيلية؛ ففي ضوء هذه التجربة التاريخية، نستطيع الآن الحكم على المؤتمر الإقتصادي الذي انعقد بالجزائر بأنه قد انزلق أيضاً في (المطالبة)، بينما كانت أولى المشكلات تحديد العلاقة بين المواد الخام والعملة، حتى لا تكون الأولى تحت رحمة الثانية في السوق تبعا لألاعيب البورصات العالمية.
أما اليوم، فصاحب العملة هو الذي يحدد وحده تلك العلاقة، باستثناء بعض الصفقات التي تقع على أساس المقايضة بين دولتين.
стр. 141
أما القانون العام للتبادل التجاري، فهو قائم على سيادة العملة، وهذا القانون يمسح المشكلة الإقتصادية في العالم الثالث، مسحا يطرح معه دائما طبقا للتقديرات النقدية، وأحيانا طبقا للتقديرات السياسية عندما يقرر إنشاء مشروع كبير للتنمية.
إننا نذكر على سبيل المثال، ما حدث لمشروع السد العالي في مصر، عندما كان بناؤه مقررا في البداية عن طريق البنك العالمي للتنمية، ونتذكر كيف أحجمت هذه المؤسسة النقدية العالمية بالتالي، حينما حددت الحكومة المصرية، سنة ١٩٥٥، خطها السياسي بالنسبة للأحلاف العسكرية الجوية، واتخذت بعض التدابير في التسليح للدفاع عن الوطن من عدوان إسرائيل.
ففي هذا الإطار كل محاولة تنمية ما هي إلا سراب، وكل تبادل إقتصادي تفرضه سلطة العملة فهو إجحاف.
إنه ليس تحت تصرف العالم الثالث وسيلة تساعده في الوضع الراهن على تنفيذ برامج تنمية سوى المواد الخام التي في أرضه. فإذا كانت هذه المواد في السوق العالمية رهينة البورصات تصبح خطط التنمية صعبة أو مستحيلة.
ولقد كان من واجب مؤتمر الجزائر أن يركز تفكيره في هذه المشكلة بصورة جذرية وأن يطرحها في إطار جديد، لأنه من العبث أن يطلب من مستغل أن ينهي استغلاله، بل يجب التفكير في إيجاد إطار جديد، في صورة تدابير من شأنها أن تلغي تلقائيا الاستغلال (١).
ولا نرى في هذه التدابير سوى قطع العلاقات الإقتصادية الكلاسيكية مع المستغل، أي بعبارة أخرى قطع العلاقة الراهنة بين المادة الخام والعملة.
стр. 142
لكن هذه العملية ليست ممكنة إلا إذا قرر العام! الثالث إنشاء (مصرف المواد الخام) تجاه مصرف العملة، سواء كان اسمها البنك العالمي للتنمية أو غير ذلك.
ويجب بعد ذلك ألا ينشأ هذا المشروع في صورة تحدٍّ، ولكن على أنه تدعيم للعدالة بين الدول، وللفعالية في البلاد المتخلفة.
فالأدوار موزعة في الوضع الراهن توزيعا تمثل فيه المادة الخام دور (العرض) والعملة دور (الطلب)، بينما مجرد النظرة في ميزانية التبادل بين الشمال والجنوب في العالم- حيث يمثل الشمال الصناعة والجنوب المواد الخام- تكشف عن عدم توازن صريح في توزيع الفائدة.
إنني ذكرت رقما كان تحت يدي عندما كنت أحرر فصل (مبادئ إقتصاد فعال) في كتاب الفكرة الأفروسيوية، وكان يعبر إجمالا على عدم التوازن بالنسبة لبلد مثل مراكش، حيث كانت قيمة الطن من صادراته (المادة الخام) ست مئة فرنك، وقيمة الطن من وارداته (المادة المصنوعة) ٢٣٠٠ فرنك.
إن هذا الرقم، على الرغم من أنه قديم (سنة ١٩٥٢)، يعبر على الأقل بطريقة رمزية عن عدم توازن زاد في التعمق خلال السنين الأخيرة، زيادة لا تكشف معه خريطة العلاقات الإقتصادية الراهنة بين الشمال والجنوب، عن اندمال التخلف بل عن زيادته نسبيا.
هذا الوضع هو الذي يلزمنا بإنشاء (مصرف المادة الخام) لإصلاح حال المادة الخام التي تمثل العرض، في العمليتين الأساسيتين: إنتاجها وتسويقها.
فالبلاد النامية زهدت، بعد إستقلالها، في استخلاص النتائج التي يقتضيها وضعها الجديد.
стр. 143
ففي الجزائر مثلا، استمر الإنتاج بعد عام ١٩٦٢، بينما ضاق السوق به، ثم بقيت تستورد من الكماليات ما شاء الله (١).
ولقد بقيت الفوضى سائدة في مجمل البلاد النامية، وكانت بالتالي في صالح (الطلب) على حساب (العرض) أي في صالح المال على حساب المادة الخام.
فإنشاء (مصرف المواد الخام) ضرورة، بوصفه وسيلة لتلافي هذه الفوضى مع استناده على مبدأ كم تمنينا لو قرره (مؤتمر ٧٧) أو اعتمد ضمنا عليه ألا وهو:
كي يكون لاقتصاد البلاد النامية فعاليته في الخارج، يجب أن يكون له نظامه الدقيق في الداخل.
إن العالم الثالث في حاجة ملحة إلى تشريع متقن، يطبق بطريقة قهرية بإتقان بين البلاد النامية، لفرض نظام ضروري لمصلحتها في سوق المواد الخام تطبيقا يكون معه (مصرف المواد الخام) هيئة تنسيق، وفي الوقت نفسه محكمة تدين كل مخالفة للقانون المقرر، أي تحكم في كل حالة تنشأ فيها (أزمة) سوق سوداء تعتدي علينا؛ من الخارج، وهذا أشبه بمزاحمة المركب الكيميائي للمادة الخام إضرارا بنا، أو من الداخل بسبب سوء التصرف.
فهل من السهل تطبيق هذه الإقتراحات، ونحن نرى تنوع المصالح الإقتصادية بل إختلافها في العالم الثالث أمام المصالح الموحدة في العالم المصنع؟
إن الجواب على هذا السؤال يتوقف على اختيار:
فإذا اختار العالم الثالث طريق التطورات البطيئة، التي ينتظر معها بعد كل خطوة أن تعطى له الإشارة الخضراء من الكتلة المصنعة ليقوم بالخطوة
стр. 144
الثانية، كما تفعل الهند، فإن إنشاء (مصرف الواد الخام) لن يكون سوى سراب آخر نضيفه إلى محور طنجة جاكرتا، كذلك السراب الذي تمثله، منذ عشر سنوات، السكريتيرية الدائمة لتضامن الشعوب الأفروسيوية في إحدى العواصم العربية.
أما إذا انطلق كما فعلت الصين على نسق توقيت محدد، فيجب إذن منذ الآن، الإقدام على تغيرات جذرية حتى بالنسبة للمخططات الوطنية في نطاق مخطط شامل.
وإننا لنجد في ذلك قدوة في أعضاء السوق المشتركة، ولا نقول مع ذلك أن الحل سيكون يسيرا، بل سيكون صعبا، إذا تصورنا العاهات الموجودة في بعض البلاد المتخلفة أو السلطات الجانبية التي تغطي، في بعض الحالات، على السلطات الرسمية، في خدمة سيدها الإستعمار من أجل تعطيل حركة التنمية.
ومهما يكن من أمر فالجواب على السؤال المطروح موجود، في اختيار - ضمني أو منصوص عليه- لإحدى الطريقتين اللتين أشرنا إليهما.
ولكننا نلاحظ أن مؤتمر الجزائر لم يحدد هذا الإختيار، فكان بالتالي مؤتمر (حقوق الشعوب الفقيرة).
***
стр. 145
مؤتمر نيودلهي
عن (الثورة الإفريقية) عدد ٢٦٦ في ٢١ آذار (مارس) ١٩٦٨.
أن مؤتمر (٧٧) الذي انعقد في الجزائر منذ بضعة أشهر، كان المقدمة للمؤتمر الذي تجري مداوالاته الآن في نيودلهي، وهذه المداولات تهمنا من نواح عدة خصوصا وقد اتخذت فجأة طورا مزعجا للغاية على الأقل بالنسبة للمسيو (راؤول بريببش)، الذي يحضرها بصفته الأمين العام لمنظمة إعانة الدول النامية cnuced. فقد رأى أن المقود الصعب للسفينة التي كلفته قيادتها هيئة الأمم المتحدة، يكاد يفلت من يده فتتحطم السفينة على الصخور. حتى إنه وجه نداء للدول الغنية يستنجدها، ويصرخ في ندوة صحفية: إن المؤتمر على حافة (الإفلاس).
لسنا ندري إذا كانت السفينة ستسلم بفضل ندائه، لكن الشيء المؤكد الآن، في احتمال فشل مسعاه (كما يراودنا الشك في ذلك منذ مؤتمر ٧٧) هو أن خيبة أمل الدول النامية قد تكون خيرا لها، إذا ما هضمت هذه الخيبة واستنتجت منها ما يفيدها.
والمشكلة بالنسبة لهذه الدول تطرح كما طرحت لأوربا، على الرغم من أنها طرحت لهذه الأخيرة بألفاظ أقسى، حين اعتبرت جولة (كندي) تحديا منح أوربا وعيا أكبر، عبّر عنه كتاب يحمل عنوان (التحدي الأمريكي) لـ (جان سرفان شرايد).
فالعالم الثالث يواجه تحدي الدول المصنعة، وعلينا هنا أن نواجه أنفسنا