أما القانون العام للتبادل التجاري، فهو قائم على سيادة العملة، وهذا القانون يمسح المشكلة الإقتصادية في العالم الثالث، مسحا يطرح معه دائما طبقا للتقديرات النقدية، وأحيانا طبقا للتقديرات السياسية عندما يقرر إنشاء مشروع كبير للتنمية.
إننا نذكر على سبيل المثال، ما حدث لمشروع السد العالي في مصر، عندما كان بناؤه مقررا في البداية عن طريق البنك العالمي للتنمية، ونتذكر كيف أحجمت هذه المؤسسة النقدية العالمية بالتالي، حينما حددت الحكومة المصرية، سنة ١٩٥٥، خطها السياسي بالنسبة للأحلاف العسكرية الجوية، واتخذت بعض التدابير في التسليح للدفاع عن الوطن من عدوان إسرائيل.
ففي هذا الإطار كل محاولة تنمية ما هي إلا سراب، وكل تبادل إقتصادي تفرضه سلطة العملة فهو إجحاف.
إنه ليس تحت تصرف العالم الثالث وسيلة تساعده في الوضع الراهن على تنفيذ برامج تنمية سوى المواد الخام التي في أرضه. فإذا كانت هذه المواد في السوق العالمية رهينة البورصات تصبح خطط التنمية صعبة أو مستحيلة.
ولقد كان من واجب مؤتمر الجزائر أن يركز تفكيره في هذه المشكلة بصورة جذرية وأن يطرحها في إطار جديد، لأنه من العبث أن يطلب من مستغل أن ينهي استغلاله، بل يجب التفكير في إيجاد إطار جديد، في صورة تدابير من شأنها أن تلغي تلقائيا الاستغلال (١).
ولا نرى في هذه التدابير سوى قطع العلاقات الإقتصادية الكلاسيكية مع المستغل، أي بعبارة أخرى قطع العلاقة الراهنة بين المادة الخام والعملة.
стр. 142
لكن هذه العملية ليست ممكنة إلا إذا قرر العام! الثالث إنشاء (مصرف المواد الخام) تجاه مصرف العملة، سواء كان اسمها البنك العالمي للتنمية أو غير ذلك.
ويجب بعد ذلك ألا ينشأ هذا المشروع في صورة تحدٍّ، ولكن على أنه تدعيم للعدالة بين الدول، وللفعالية في البلاد المتخلفة.
فالأدوار موزعة في الوضع الراهن توزيعا تمثل فيه المادة الخام دور (العرض) والعملة دور (الطلب)، بينما مجرد النظرة في ميزانية التبادل بين الشمال والجنوب في العالم- حيث يمثل الشمال الصناعة والجنوب المواد الخام- تكشف عن عدم توازن صريح في توزيع الفائدة.
إنني ذكرت رقما كان تحت يدي عندما كنت أحرر فصل (مبادئ إقتصاد فعال) في كتاب الفكرة الأفروسيوية، وكان يعبر إجمالا على عدم التوازن بالنسبة لبلد مثل مراكش، حيث كانت قيمة الطن من صادراته (المادة الخام) ست مئة فرنك، وقيمة الطن من وارداته (المادة المصنوعة) ٢٣٠٠ فرنك.
إن هذا الرقم، على الرغم من أنه قديم (سنة ١٩٥٢)، يعبر على الأقل بطريقة رمزية عن عدم توازن زاد في التعمق خلال السنين الأخيرة، زيادة لا تكشف معه خريطة العلاقات الإقتصادية الراهنة بين الشمال والجنوب، عن اندمال التخلف بل عن زيادته نسبيا.
هذا الوضع هو الذي يلزمنا بإنشاء (مصرف المادة الخام) لإصلاح حال المادة الخام التي تمثل العرض، في العمليتين الأساسيتين: إنتاجها وتسويقها.
فالبلاد النامية زهدت، بعد إستقلالها، في استخلاص النتائج التي يقتضيها وضعها الجديد.
стр. 143
ففي الجزائر مثلا، استمر الإنتاج بعد عام ١٩٦٢، بينما ضاق السوق به، ثم بقيت تستورد من الكماليات ما شاء الله (١).
ولقد بقيت الفوضى سائدة في مجمل البلاد النامية، وكانت بالتالي في صالح (الطلب) على حساب (العرض) أي في صالح المال على حساب المادة الخام.
فإنشاء (مصرف المواد الخام) ضرورة، بوصفه وسيلة لتلافي هذه الفوضى مع استناده على مبدأ كم تمنينا لو قرره (مؤتمر ٧٧) أو اعتمد ضمنا عليه ألا وهو:
كي يكون لاقتصاد البلاد النامية فعاليته في الخارج، يجب أن يكون له نظامه الدقيق في الداخل.
إن العالم الثالث في حاجة ملحة إلى تشريع متقن، يطبق بطريقة قهرية بإتقان بين البلاد النامية، لفرض نظام ضروري لمصلحتها في سوق المواد الخام تطبيقا يكون معه (مصرف المواد الخام) هيئة تنسيق، وفي الوقت نفسه محكمة تدين كل مخالفة للقانون المقرر، أي تحكم في كل حالة تنشأ فيها (أزمة) سوق سوداء تعتدي علينا؛ من الخارج، وهذا أشبه بمزاحمة المركب الكيميائي للمادة الخام إضرارا بنا، أو من الداخل بسبب سوء التصرف.
فهل من السهل تطبيق هذه الإقتراحات، ونحن نرى تنوع المصالح الإقتصادية بل إختلافها في العالم الثالث أمام المصالح الموحدة في العالم المصنع؟
إن الجواب على هذا السؤال يتوقف على اختيار:
فإذا اختار العالم الثالث طريق التطورات البطيئة، التي ينتظر معها بعد كل خطوة أن تعطى له الإشارة الخضراء من الكتلة المصنعة ليقوم بالخطوة
стр. 144
الثانية، كما تفعل الهند، فإن إنشاء (مصرف الواد الخام) لن يكون سوى سراب آخر نضيفه إلى محور طنجة جاكرتا، كذلك السراب الذي تمثله، منذ عشر سنوات، السكريتيرية الدائمة لتضامن الشعوب الأفروسيوية في إحدى العواصم العربية.
أما إذا انطلق كما فعلت الصين على نسق توقيت محدد، فيجب إذن منذ الآن، الإقدام على تغيرات جذرية حتى بالنسبة للمخططات الوطنية في نطاق مخطط شامل.
وإننا لنجد في ذلك قدوة في أعضاء السوق المشتركة، ولا نقول مع ذلك أن الحل سيكون يسيرا، بل سيكون صعبا، إذا تصورنا العاهات الموجودة في بعض البلاد المتخلفة أو السلطات الجانبية التي تغطي، في بعض الحالات، على السلطات الرسمية، في خدمة سيدها الإستعمار من أجل تعطيل حركة التنمية.
ومهما يكن من أمر فالجواب على السؤال المطروح موجود، في اختيار - ضمني أو منصوص عليه- لإحدى الطريقتين اللتين أشرنا إليهما.
ولكننا نلاحظ أن مؤتمر الجزائر لم يحدد هذا الإختيار، فكان بالتالي مؤتمر (حقوق الشعوب الفقيرة).
***
стр. 145
مؤتمر نيودلهي
عن (الثورة الإفريقية) عدد ٢٦٦ في ٢١ آذار (مارس) ١٩٦٨.
أن مؤتمر (٧٧) الذي انعقد في الجزائر منذ بضعة أشهر، كان المقدمة للمؤتمر الذي تجري مداوالاته الآن في نيودلهي، وهذه المداولات تهمنا من نواح عدة خصوصا وقد اتخذت فجأة طورا مزعجا للغاية على الأقل بالنسبة للمسيو (راؤول بريببش)، الذي يحضرها بصفته الأمين العام لمنظمة إعانة الدول النامية cnuced. فقد رأى أن المقود الصعب للسفينة التي كلفته قيادتها هيئة الأمم المتحدة، يكاد يفلت من يده فتتحطم السفينة على الصخور. حتى إنه وجه نداء للدول الغنية يستنجدها، ويصرخ في ندوة صحفية: إن المؤتمر على حافة (الإفلاس).
لسنا ندري إذا كانت السفينة ستسلم بفضل ندائه، لكن الشيء المؤكد الآن، في احتمال فشل مسعاه (كما يراودنا الشك في ذلك منذ مؤتمر ٧٧) هو أن خيبة أمل الدول النامية قد تكون خيرا لها، إذا ما هضمت هذه الخيبة واستنتجت منها ما يفيدها.
والمشكلة بالنسبة لهذه الدول تطرح كما طرحت لأوربا، على الرغم من أنها طرحت لهذه الأخيرة بألفاظ أقسى، حين اعتبرت جولة (كندي) تحديا منح أوربا وعيا أكبر، عبّر عنه كتاب يحمل عنوان (التحدي الأمريكي) لـ (جان سرفان شرايد).
فالعالم الثالث يواجه تحدي الدول المصنعة، وعلينا هنا أن نواجه أنفسنا
стр. 146
بصدق. فنحن إذا كنا نعرف كيف نقدر حاجاتنا من ناحية، فإننا من ناحية أخرى لا نقدر كما ينبغي إمكانيات الآخرين أو حسن نواياهم.
وقد لا نستطيع فعلا تقدير إمكانياتهم ليس فحسب لعوامل نفسية في أنانية الكبار وتسلطهم، جعلت الأقوباء جدا ضعفاء في التعاون بين الدول، بل هنالك عوامل أخرى تتصل بسياسة الكبار الداخلية وبما يشغلهم في عقر دارهم فيصرفهم عن مشاغلنا.
ولنذكر على سبيل المثال كيف أن الجنيه الاسترليني لا يعرف الآن مصيره، وكيف يتزعزع الدولار لأنه يفقد غطاءه الذهبي (١)، أو نذكر التحدي الأمريكي لأوربا لنجد الأسباب أو المعاذير، التي تجعل النداء الذي وجهه المسيو (راؤول بريببش) معرضا ليقع في الفراغ فلا يجد أذنا صاغية.
وقد يكون مصيره مصير النداء الذي وجهه، منذ أربعين سنة بطل (طاتبيرج) في الحرب العالمية الأولى، عندما أستنجد بالعالم المتحضر لإنقاذ عملة بلاده وجمهورية (فيمار).
وحتى البلدان الإشتراكية لها مشاغلها اليوم، على الصعيد الايديولوجما على الأقل (٢).
وإذا تصورنا مداولات نيودلهي، ومصير (الحوار) في إطار دولي كالذي أوضحنا، فإننا نتصور خاتمة الحوار في كلمة (نو) من طرف الانجلو سكسون و (نييب) من طرف السوفييت.
على العالم الثالث إذن أن يعتمد على نفسه، وأن يستعد لمواجهة سائر
стр. 147
الإحتمالات بوسائله الخاصة، ومشكلته ليست سهلة الحل، لأنها لا تتسم بالطابع الإقتصادي البسيط كما يعني إختصاصي الإقتصاد بهذه الكلمة.
فحين نقول إن العالم الثالث ملزم بمواجهة الوضع الإقتصادي بوسائله الخاصة وبإمكانياته التي بين يديه، فإننا لا نقول إلى أي حد يستطيع استخدام هذه الوسائل وتلك الإمكانيات.
إنني أعلم أن أهل (ميلة) يتذوقون النكتة، فليسمحوا لي بنكتة قسنطينية قديمة تنير هذا الجانب من القضية.
ففي قسنطينة كانت ألسنة حداد تصف صدق أهالي (ميلة) وأمانتهم بصورة كريكاتورية، فتذكر عنهم قصة خاتمتها هذه الكلمة: ((يا أهل ميلة! يا رؤوس بقر، إنكم تضعون أقدامكم على الفضة وتحسبونها قطعة من الصخر)).
قطعا ليست هذه سوى نكتة بالنسبة لأهل ميلة، لكنها تدخلنا بصورة رمزية في صلب الموضوع. أعني في الأوضاع النفسية الراهنة في العالم الثالث، هذا العالم الذي يضع أقدامه فعلا على خيرات لا يتصورها العقل، وهو لا يستفيد منها شيئا في خطة تنمية.
هذا الجانب هو جوهر مشكلته الإقتصادية، وهو الذي لفت، منذ نحو عشرين سنة، نظر (تيبورماند) الذي يلاحظ بحق، في أحد كتبه، هذه الملاحظة الكاشفة عندما يقول:
إن القضية تتطلب (عالم الحياة في الإجتماع) أكثر من (مهندس اجتماع).
إن الحياة الإقتصادية لا ترتبط فقط بأجهزة ذات طابع فني ومالى وتنظيمي، بل هي قبل ذلك مرتبطة بأجهزة نفسية موجودة في المعادلة الشخصية لدى الفرد الذي يفكر في الخطط والذي ينفذها.
стр. 148
وهذه المعادلة ليست من المعطيات البسيطة التي نجدها تلقائيا في الجهاز الميكانيكي الذي نقتنيه لتجهيز مصنع، ولكنها شيء يكتسب، جنبا إلى جنب مع تكوين ونمو ثقافة.
لقد شرحت هذه الاعتبارات في كتاب نشرته في الموضوع منذ عشر سنوات (١)، ولربما وجدناها بشروج مستوفاة بتوقيع كبار الإختصاصيين فى جريدة (لوموند الديبلوماسي) في عدد آذار (مارس) ١٩٦٨ الذي خصص تقريبا لمؤتمر نيودلهي.
ومن بين الآراء التي نقرؤها في هذا العدد نقتطف ما قاله (جوزوي كاسترو) بعنوان (تكوين الإنسان) هو مفتاح التنمية، إذ يبدو لنا أنه أبرز المشكلة على الصعيد الذي نطرحها عليه هنا.
فصاحب كتاب (جوعة العالم) الذي حصل الشهرة التي حصل عليها كتاب (فنديل ديلكي): (العالم واحد)، قد حلل تحليلا دقيقا الملابسة الإقتصادية التي مرت بالعالم في الفترة الأخيرة، وقد لخص رأيه فيها ((بأن العهد الذي كان ينتظر منه تحقيق شروط التنمية كان بالتالي عهد خيبة الأمل)).
إن (جوزي كاسترو) يبدأ في أطروحته من ملاحظة أولية يقول ((إن العلم يعترف اليوم بفشل استراتيجية التنمية التي اتبعتها البلدان المتخلفة)).
وينحصر سبب الفشل في نظره ((بأن هذه الإستراتيجية كانت موضوعة على مبادئ ومناهج تفكير بعيدة عن أن تحقق الفعالية)).
وأكبر الأخطاء التي ارتكبت في نظره هو ((أن الخطط قد وضعت على مبدأ تشابه اطراد التنمية في كل مكان، مع ما سار عليه النمو في البلدان الغنية في الغرب)).
стр. 149
وأضيف لو سمح لي أن أقول ((أو شبيه بالتنمية في البلاد ذات الايديولوجية الماركسية، دون أن نقدر حسابا للتغيير الذي أحدثته هذه الايديولوجية في الإنسان ذاته)).
هذا هو بصورة إجمالية مرض العالم اليوم. ويكفينا أن نتجرد بعض الشيء، لنبقى موضوعيين ونرى الأشياء على حقيقتها، في عالم فيه نصف الإنسانية يبذر، والنصف الآخر (يستعطي) بقايا الوليمة، فيتناولها في صورة صدقات أو عائدات بترول.
إن (محمد علي، كاسيوس كلاي)، لم يمنح قوة عضلات ضمنت إعجاب العالم فحسب، بل منح قوة ذهنية، حين لاحظ في مجتمع السود بأميركا، هذه الملاحظة التي تدل على صراحته فقال: ((لو لم يصنع الرجل الأبيض الصابون لبقي الرجل الأسود دون أن يغسل يديه)).
هذه اللمسة الكريكتورية، تسم على أية حال، نموذجا نفسيا معينا أطلق عليه (منوني) في كتابه (سيكولوجية الاستعمار) لقب (الإنسان التابع).
فهذه التبعية، وهي قبل كل شيء في الافكار، تكون اليوم جوهر المشكلة الإقتصادية في العالم الثالث.
لذا نرى (جوزوي كاسترو) يخرج من تأملاته في الموضوع بهذه النتيحة:
((إن المشكلة تعرض لنا في صورة مركب اقتصادي وثقافي معا، ولكن بكل أسف لم نتعود بعد ربط العلاقة بين هاتين الكلمتين: الإقتصاد والثقافة)).
هذا في الوقت الذي تفرض فيه علينا أحدث تجربة للإنسانية، أن نعقد في المستقبل صلة وثيقة بين الوقائع الإقتصادية والمعطيات الثقافية.
فخلل التوازن، بين أميركا وأوربا مع ما يصب من قلق في بعض النفوس
стр. 150
الأوربية، ليس في الحقيقة إلا اختلافا في المستوى التكنولوجي، تستطيع معه أوربا أن تتخلص منه ببعض التعديلات السياسية كإنشاء السوق المشتركة.
أما عدم التوازن بين العالم المصنع، والعالم الثالث فهو قضية أخرى:
إنه مشكلة حضارة.
فكيف تستطيع البلدان المتخلفة إدراك ذلك، ومتى تقدم الحل الناجح للمشكلة بأقل وقت ممكن ... ؟.
ينبغي إذن على الثورات السياسية التي حققت في العالم الثالث الإستقلال بثمن غال، أن تزدوج الآن مع ثورات ثقافية تحقق إنهاء ما يسميه (منوني):
(حالة تبعية).
فكل وطن أفلت من اليد التى كانت (تُمشِّيه) في التيار السياسي كما ((تُمشِّي)) الأم طفلها، عليه أن يتعلم أيضاً المشي وحده في الميدان الاقتصادي، دون يد تمسكه.
عليه بعد أن ترك يد (المرضعة) ألا يتشبث بثيابها كلما واجهته صعوبة، إذ ينبغي عليه أن يودع المرضعة نهائيا، وأن يتقبل الأخطاء الملازمة لـ (حالة الترك) كما يسميها (منوني).
فالطريق الوحيد للإستقلال الحقيقي، يقضي ببتر كل علاقات (التبعية) مهما كان نوعها، وتقبل سائر الصعوبات التي تواجه الإنسان عندما يرشد، ويتحمل كامل مسؤولياته.
لقد قال وزير الطاقة الجزائري عند عودته من نيودلهي ((يجب علينا أن نعتمد على أنفسنا)).
стр. 151
فهذا حسن .. حسن جدا شريطة ألا تكون هذه الكمات زخرف قول، أو مجرد تعبير عن غضب، بل البداية لتأمل جديد في القضية.
وبغير ذلك سنجد أنفسنا أمام المنظر المزعج، حين يرفض الغني المترف المتعالي، التصدق، ونرى الشحاذ يجلجل غضبه بين شفتيه.
وليس من شك في أننا هنا سنقول لذلك الغني الكلمة التي تخزيه، ولكن ما عسانا نقول للثاني خصوصا إذا كان يتمتع بكامل قواه؟!!!.
***
стр. 152
جولة البترول العربي
عن (الثورة الإفريقية) عدد ٢٢٩ - ٣ تموز (يوليو) ١٩٦٧.
كما كنا نتوقع، فالإستعمار يقوم في هذه الآونة بلعبة في منتهى الخطورة:
إنه لا يحاول فحسب بث التفرقة بين العرب، كيما يشعر بأن الوحدة المأمولة بينهم، تسقط في عالم الأساطير، بل إنه يريد أيضا، في توقع سياسة بترولية موحدة بدأ العرب يهددون بها، أن يُفقد هذا السلاح حده مسبقا.
هكذا بدأت منذ الآن، أقلام وأبواق مأجورة تحاول إقناعنا بأنه سلاح ذو حدين. ليشعرونا بأن سلاحنا قد يقطع حبل وريدنا وهذه العملية في المجال النفسي تسير جنبا إلى جنب مع عملية أخرى في المجال الإقتصادي ذاته.
يبدو أن الإستعمار يخشى من سلاحنا أن يقطع حبل وريده، فبدأ يطلب من بعض البلدان العربية أن تزيد في فتح محابس بترولها.
وهكذا نراه يقوم بمحاولة تخويف من ناحية، وبمحاولة استمالة من ناحية أخرى ليحقق فائدتين.
ففي الوضع الراهن لو اتفق العرب على كل شيء، سوى شيء واحد، فإن هذا الاستثناء انتصار معنوي كبير للاستعمار، يستطيع من ورائه، كسب نتائج لا يزهد فيها في المجال الديبلوماسي.
أما إذا كان الشيء الذي اختلفوا حوله هو البترول، فالإنتصار هنا ليس معنويا فحسب، بل هو انتصار كبير لا تقدر نتائجه بالنسبة للإستعمار، خصوصا
стр. 153
على الصعيد الإستراتيجي، وفي وقت لا نعرف فيه على أية نتيجة تنتهي المداولات التي تدور الآن في هيئة الأمم.
إننا إذا ما تصورنا المشاغل الحالية، في واشنطن أو لندن على حد سواء، من خلال التدابير المزمع اتخاذها بخصوص البترول، في المجال الإقتصادي أو الفني، فإننا نستطيع أن نأخذ مسبقا مقياسا نقيس به انتصار الإستعمار، إذا ما ارتخى الموقف العربي في ميدان البترول.
فالأنباء تفيدنا بأن الحكومة الأميركية قد جمعت هذه الأيام اللجنة الخاصة لاستيراد البترول من الخارج، ((لاتخاذ التدابير الضرورية في حالة نقص في المواد البترولية قد يصيب البلدان الأوربية)). بسبب الوضع في الشرق الأوسط.
والأخبار تفيدنا أيضاً، أن البلدان الأوربية المشتركة في منظمة ( ocde) تتابع من جانبها تبادل الافكار حول المشكلة نفسها.
ويقال أيضاً إن بعض البلدان كالسويد وسويسرة، بدأت ترفع تسعيرات البترول، كما نسمع عن قيام السوفييت بسحب عروضهم الأخيرة للبترول من السوق الغربية.
هكذا يصبح الإمبرياليون وجها لوجه مع البترول العربي. ونتصور من هنا حيرتهم وما سوف يكيدون به العرب لتمييع موقفهم.
علينا إذن أن نفكر في السؤال: ماذا يجب أن نفعل كيلا يرتخي هذا الموقف؟ لقد قال الرئيس (بومدين) في خطابه على سطح قصر الحكومة: ((يجب علينا أن نضع الحجر على بطوننا لمدة عام)) مقترحا بذلك سياسة تقشف.
إننا نلاحظ بأنه ليس للعرب مخرج آخر إذا ما أرادوا أن يعطوا لسلاحهم البترولي كل تأثيره في الموقف الراهن. ومن هنا لا بد أن نتصور ما هي في الواقع الإلتزامات التي يفرضها هذا المخرج؟.
стр. 154
إن كل سياسة تتطلب شيئا من المثالية توحي بمسوّغاتها، وشيئا من الواقعية تحدد وجوه تطبيقها والطرق الفنية للإنجاز.
وسهم المثالية لابد أن يكون على مستوى التقشف المطلوب. والقاعدة الايديولوجية لابد أن تكون متينة، بقدر ما تكون التضحيات المطلوبة والطاعات المفروضة على كل واحد، في مستوى الصعوبات التي يحتمها وضع استثنائي.
ولابد أن تكون هذه القاعدة من فولاذ كي لا يرتخي الموقف العربي، ولا يتزعزع عليها بناء الوحدة العربية مهما كانت الأعاصير والمناورات والمحن.
ويجب أن نلاحظ بأن (المثالية) التي نتحدث عنها ليست صنفا من (السوريالية) وتجريدا يسبح فوق الواقع، فوق الشروط الحقيقية، فوق المعطيات الطبيعية لوضع معين.
إنها لا تتنافى مع (الواقعية) بل تقتضيها على مستوى كبير.
وعلى هذا الأساس من الواقعية نقول: إن الأوطان العربية تختلف الآن فيما بينها. وليست الفوارق بينها ناتجة عن تاريخها لأنه واحد، ولكنها فوارق نتجت عن الإطار الإستعماري قبل إستقلالها وبعده.
وهذه الواقعية تلقننا أيضاً، ألا نقدم في الظروف الصعبة، لشعوب هذا واقعها من حيث الإختلاف، مقترحات لا تجد في قلوبها الحساسية نفسها، ولا تدفعها الدفعة نفسها ولا تهزها الهزة نفسها.
فما يدعو إلى الأمل أن نرى الزعماء العرب مهتمين الآن بهذه القضية، يبحثون لها عن حل. كما تدل على ذلك المحاولة التي تقوم بها بغداد هذه الأيام من أجل عرض مشروع (ميثاق عربي) للدراسة، ويبدو أن المبادئ العامة لهذا الميثاق قد تحددت منذ الآن.
стр. 155
وعلى أية حال فالمشروع مطروح في بغداد، ونتمنى له أن ينتهي في قريب عاجل إلى نص يعرض على من يريد أن يتأمله أو يطبقه في العالم العربي.
ومن الضروري أن يوضع بين يدي كل قطر عربي هذا النص ليستوحيه في سياسته على العموم، وفي سياسته البترولية على الخصوص طبقا لمبادئ أخلاقية تتحكم في الموقف العربي كله بالنسبة للبترول.
لكن (المثالية) كما قلنا لا تكفي وحدها. ومن أجل ألا يرتخي الموقف العربي لابد أيضاً أن تعالج قضية البترول بما تستحق من (الواقعية).
(فالمثالية) تتدخل لتحديد إلتزامات كل بلد من الوطن العربي، ولتفرض العقوبة المعنوية لكل مخالفة يرتكبها هذا البلد أو ذاك.
ولكن يجب أن نفكر أيضا كيف لا تكون هذه الإلتزامات فوق طاقة أي بلد، وكيف ينبغي أن تتخذ التدابير الإقتصادية الكفيلة بمساعدة ذلك البلد على القيام بالتزاماته، في التقشف المفروض عليه، كما هو مفروض على كل واحد من المجموعة في حدود لا حرج فيها.
هذا الجانب هو ما تتولاه (الواقعية)، فتجعلنا نلاحظ بأن أعضاء المجموعة ليسوا كلهم مرتبطين بقضية البترول في مستوى واحد.
فبالنسبة لبعض الدول كالكويت والسعودية والعراق (في وضعه الراهن)، يشكل البترول المورد الوحيد ويكون تقريبا كل ميزانيتهم.
أما بالنسبة للاعضاء الآخرين كالجزائر فالبترول يضيف فقط إلى المدخول العام. أما السودان فلا يمسه منه شيء كما لا يمس سوريا إلا في عائدات النقل.
كما أن أقطار مصر ومراكش وتونس، لا يهمها الأمر باعتبارها أعضاء مجموعة تفرض عليها الظروف القاسية أن تحدد سياسة بترول لم تتحدد بعد.
стр. 156
هكذا تبدو الفوارق التي تجب مراعاتها من الناحية الواقعية ..
فهذه الأوطان جميعها، متضامنة في نطاق مجموعة، تواجه بصورة شاملة حالة تحدّ تجعل من مشكلة البترول قضية حياة أو موت بالنسبة إليها.
وهي من ناحية أخرى، كما تنبغي الملاحظة، تجد نفسها في أوضاع إقتصادية خاصة حتى من الناحية النقدية. ولا ينبغي للتعديل الإقتصادي الطلولا بين البلدان العربية، أن يتجاهل هذه الفوارق التي ستدخل حتما في ميزانية المجموعة، التي يجب عليها أن تصفي حسابها على طريق (مقايضة clearing) في الداخل ومقايضة مع الخارج.
وعلى سبيل المثال فالدين المترتب على الجمهورية العربية المتحدة وحدها في بون، يبلغ نحو المئتين والخمسين مليونا من الدولارات.
هذا الرقم يعطينا فكرة عن الأوضاع السابقة، التي يجب إدخال التعديلات المطلوبة عليها في وضع سياسة إقتصادية عربية شاملة.
ولسنا نشك في أن الإقتصاديين العرب سيجدون الصيغة الكفيلة التي تضع هذه الأوضاع في الحساب.
فإذا كانت هذه الصيغة في صورة سوق عربية مشتركة، فإن أصحابها سيجدون قطعا في النموذج الأوربي دلالات مهمة، خصوصا من حيث فكرتها المبدئية التي حركت الهمم، عندما وجدت البلدان الأوربية نفسها، بعد الحرب العالمية الثانية، أمام كتلتين عملاقتين: الولايات المتحدة والإتحاد السوفييتي.
إن الواقع الإقتصادي في القرن العشرين، يدل على أن المنظمة الإقتصادية الكلاسيكية لا تستطيع في حجم الوطن، جمع الوسائل الكافية لتنمية هذا الوطن، وبالتالب فإنها لا تستطيع المنافسة في السوق العالمية أمام الكتل الإقتصادية المكتملة.
стр. 157
والأمر الذي كان يند عن انتباه اقتصاديي القرن التاسع عشر، هو أن النمو الإقتصادي الأوربي كان يتحقق على مساحات عذراء تمثلها المستعمرات حين كان كل مستعمر يستطيع أن يفرض ما يناسب أقتصاده، وقد أخفى هذا الأمر عن عالم الإقتصاد في ذلك العهد، العوامل التي تلعب اليوم دورا رئيسيا في اقتصاد يريد تحقيق استقلاله.
إن كلمة (الوطنية) كانت وحدها كافية للدلالة على الإستقلال. ولكن القرن العشرين كشف عن أن الإستقلال الإقتصادي يرتبط بعاملين: اتساع الرقعة وعدد السكان.
فالكلمتان اللتان تحققان الإستقلال الإقتصادي وقد ظهرتا بعد الحرب العالمية الثانية، ليستا غير ما يتمتع به الولايات المتحدة والإتحاد السوفييتي من الساحات الواسعة وعدد السكان.
والصين تستعد بدورها للدخول في زمرة العمالقة للأسباب نفسها، ومن الطبيعي أن بلدا كبلجيكا، لا يستطيع وحده مجاراة هؤلاء العمالقة، ومن باب أولى لا يستطيع منافستهم.
ففكرة السوق المشتركة الأوربية نشأت أمام هذه الحقيقة، وهي تعني مراجعة شاملة للأفكار الإقتصادية الكلاسيكية التي كانت تسود أوربا.
وإذا أصبحت إنكلترا- التي طالما اعتزت بـ (العزلة الجميلة) - تطمح للدخول في السوق المشتركة، فلأنها اكتشفت هذه الحقيقة التي فرضت عليها مراجعة أفكارها.
فاليوم أصبحت البلدان العربية مطالبة بالمراجعة نفسها، تطالبها بذلك ظروف أقسى من تلك التي أوحت بالسوق المشتركة الأوربية.
وربما عمدت البلدان العربية إلى مراجعة توحي بحلول كالتي عمدت إليها
стр. 158
الدول الأوربية، وربما انصرفت الرغبات عن مثل ذلك. لكنهم إذا لم يفعلوا وارتخى موقفهم في ميدان البترول، للأسباب التي قدمناها، فإنهم إذن سيرون النتائج الوخيمة التي أشرنا إليها.
أما إذا انتهجوا منهج الرشاد، فسوف تكون إذن مبادرتهم ذات معنى مهم ومغزى كبير، لأنهم يدركون بفضلها أنهم لا يواجهون مشكلة مؤقتة، أي قضية البترول، بل مشكلة عضوية ألا وهي إقتصادهم في الإتجاه الذي يسير إليه الزمن اليوم.
إنهم سيدركون أن إستقلالهم الإقتصادي في إطار بلد واحد هو ضرب من الأوهام في العصر الحاضر.
فالرقعة الجغرافية العربية مع عدد سكانها ومساحاتها وما تنطوي عليه من خبرات، قد تحقق شروط الكتلة المتكاملة ( autarcie) أي الشروط الأولية للإستقلال الإقتصادي.
فعلى طريق يؤدي إلى هذا الإستقلال، ليست قضية البترول إلا مرحلة؛ لكنها مرحلة ضرورية، لأن مشكلة البترول وما يعلق بها من اعتبارات ملتهبة في الظروف الراهنة كفيلة بتحريك الضمير في العالم العربي نحو وعي اقتصادي، ينسجم مع التطور الراهن أكثر مما يحركه خطاب سياسي.
ثم إن هذه الخطوة تستطيع تصفية (الذهان) المستولي على البلدان المنتجة للبترول خشية أن تفقد عائداته.
وبذلك سوف تساعد هذه الخطوة على وضع الإقتصاد العربي على قواعد سليمة، أكثر ملاءمة مع الإستقلال الإقتصادي، لأن من يسعى لتحرير البترول في الخارج من ربقة الإستعمار، عليه أت يتحرر هو من ربقة البترول في الداخل.
стр. 159
ثم، لعل الحكومات العربية تفكر في اتخاذ تدابير بصدد نظام العملة، إذا ما قررت اتخاذ غير الدولار الأميركي وغير الجنيه الاسترليني في المبادلات الإقتصادية فيما بينها أو مع الخارج، وحينئذ سيكون اختيارها في الميدان النقدي وسيلة تضاف إلى البترول من أجل الضغط على بلاد الانجلوسكسون.
وإذا ما حولوا رصيدهم في البنوك الأنجلو أميركية بقيمته من الذهب، فإن الدولار والجنيه الاسترليني سيتعرضان في القريب إلى الصعوبات في سوق العملة (١).
والكويت تستطيع أن تصبح (السيتي city) العربية لو شاءت ذلك في ظل هذه العملية، بل إنها تستطيع أن تلعب الدور الذي لعبته (السيتي) في القرن التاسع عشر، في إستقلال الإمبراطورية البريطانية.
من هنا تبدو مرحلة البترول- أو جولة البترول كما سميناها في العنوان- وهي تفضي إلى ملابسات مهمة إذا ما عرف العرب كيف يجتازونها.
ولا بد أن نكرر بأن اجتياز هذه المرحلة، يتطلب من (المثالية) بقدر ما يتطلب من (الواقعية) للأسباب التي ذكرناها.
فإذا قدرنا الأشياء بمقياس (المثالية) عرفنا ما يتطلبه منا تحقيق ذلك من تقشف وتضحية.
وإذا قدرناها بمقياس من (الواقعية) عرفنا الشروط الفنية التى تجعل تحقيقها ممكنا.
...
стр. 160
شروط الإقلاع الإقتصادي
عن (الثورة الإفريقية) عدد ٢٢٣ في ٢٢ أيار (مايو) سنة ١٩٦٧.
إن الملتقى العربي الذي سينعقد في الجزائر هذا الأسبوع، سيتناول في جدول أعماله الملابسات الإقتصادية في البلدان المعنية.
وفي هذا الإطار نقرأ للسيد محمد الريفي (العضو في الوفد المراكشي) تأملات، نشرها في العدد الأخير من هذه الصحيفة تضعنا فى قلب الموضوع. فهو يقول ((إنه بالنسبة للخطة الخمسية (المراكشية) لسنوات ١٩٦٠ - ١٩٦٤ فإن المخطط الثلاثي المقترح الذي أعد للفترة ١٩٦٥ - ١٩٦٧ يمثل تراجعا ورجوعا إلى الوراء، سواء من حيث تصوره العام أو من حيث الشروط المقررة لتنفيذه)).
إن الأستاذ (الريفي) يستحق الشكر كله على هذا الوضوح وإذن فالأمر بيّن، فالتخطيط قد يؤول في حالٍ كالتي يشير إليها المثل السابق، إلى ترك بعض المكاسب عوض أن يحقق مكاسب جديدة.
وليس من الإجحاف إذا ما وسعنا هذه الحقيقة إلى بلدان أخرى من العالم الثالث، أعني تلك البلدان التي أرادت بعد إستقلالها، أن تضع خططا إقتصادية لتنميتها فدعت من أجل ذلك مخططين بارعين كالدكتور (شاخت) مثلا.
وعندما تبوء هذه المحاولات بالفشل، فلا يجوز أن يشككنا فشلها في فكرة التخطيط ذاتها أو في أفكار من يقوم به.
стр. 161
فالتخطيط مظهر من مظاهر تعجيل خطا التاريخ في القرن العشرين، وهو مظهر يخص الميدان الإقتصادي.
إن فكرة التخطيط تعبر بالضبط، في هذا اليدان، عن رغبة بعض البلدان أو بصورة أدق بعض المجتمعات التي أحست بتخلفها عن مجتمعات أخرى، فصممت على أن تتدارك تخلفها هذا، بطرق فنية متسارعة.
فهذه- في جوهرها- فكرة التخطيط، ونجاحها قد تأكد على الأقل في بلدين من الكتلة الإشتراكية.
أما أفكار المخطط الخبير، كالدكتور (شاخت) مثلا، فهذه أفكار برهنت على جدواها بما حققته، في ظروف إجتماعية سياسية أخرى، كذلك النجاح الإقتصادي الكامل في ألمانيا خلال سنوات ١٩٣٣ - ١٩٣٩.
وهنا نتساءل: لماذا لا يعطي التخطيط النتائج نفسها في بلد أفروسيوي؟
ولماذا تصبح أفكار المخطط عقيمة؟.
هنا تبدو القضية بأكملها.
ولقد كان من اليسير على مؤتمر باندونج في عام ١٩٥٥ أن يطرحها بهذا الوضوح، لما كان أمامه من تجارب سبقت في آسيا أو إفريقيا. وكان يستطيع، انطلاقا من تلك التجارب، (الدالة بسبب نتائجها السلبية ذاتها) تكوين نظرية اقتصادية تطابق الواقع الأفروسيوي. إن علم الاقتصاد، لم يبرز من الأحداث الإقتصادية بعملية تجريد صرفة، وفقا للطريق الذي أتبعته الهندسة عندما وضعت مسلمتها الأساسية. بل إنه ظهر إلى الوجود (بنظارات) وضعها على عينيه على الرغم مما يدعيه أهله. فـ (آدم سميث) قد وضع له (نظارتي) المصلحة الفردية وحرية التصرف، كما وضع له (ماركس) (نظارتي) التسيير السلطاني والصراع الطبقي.
стр. 162
فلم يكن على مؤتمر باندونج أن يختار أي (النظارتين) أليق بالاقتصاد، بل كان عليه أن يبحث عن طريق تنمية مع الشروط الخاصة بالبلدان الإفريقية الأسيوية في مرحلتها الراهنة.
على أن هذه البلدان سلكت مسلكا كأنما هي لا تبحث عن أي (النظارتين) هي أصلح، بل لتضع لاقتصادها سائر (النظارات) الموجودة.
فبعض البلدان وضعت مخططها طبقا لاختيار إشتراكي من حيث الأهداف، ثم حددت طرق التنفيذ طبقا لمنهج رأسمالي من حيث الوسائل، وفيما يتصل بقضية الإستثمار بوجه خاص.
وهكذا وضعوا آمال الجماهير المشروعة تحت رحمة مصالح أجنبية، بسبب الوهم الذي كان لدى بعض المسؤولين، ((في إمكان عودة رؤوس الأموال الأجنبية بعد الإستقلال لاستثمارها)) كما يشير إلى ذلك الأستاذ (محمد الريفي).
كان على باندونج إِذن، في ضوء هذه السوابق المؤسفة، أن يعيد الأشياء إلى مكانها، والأفكار إلى مجراها القويم من أجل تحديد الأهداف والوسائل بطريقة تطابق شروط (الإقلاع) في العالم الثالث.
وكان عليه أن يستنير بأفكار تتصل بالموضوع، من شأنها أن تدل، على الأقل، على الإتجاه العام الذي كان بالضبط مفقودا لدى المؤتمر.
كان عليه أن يستنير على الأقل بفكرة قدمها (تيبور ماند) - مع أنه ليس من أهل الاختصاص- في كتاب له عندما قال: إن مشكلة التنمية في البلاد الأفروسيوية في حاجة إلى عالم (الحياة الاجتماعي) أكثر منها إلى (مهندس الاجتماع).
إن هذه الفكرة ليست في حد ذاتها هي الحل، لكن دلالتها بالنسبة لبلد
стр. 163
يريد الإقلاع الإقتصادي، هي أهم من مخطط وضعه إختصاصي ماهر، لا يرى واقعا إنسانيا له بعده الخاص في الحياة الإقتصادية.
إن فشل تجربة الدكتور (شاخت) في مخططاته خارج بلاده، لدليل واضح على عجز (المهندس الإجتماعي) في معالجة بعض القضايا الإقتصادية.
ترى أي درس نستخلصه من فشله؟
إن مخططا ما يجب ألا تكون له هوامش لعاب، بعضها من لعاب الرأسمالية، وبعضها الآخر من لعاب الماركسية.
فأي مشروع نفكر فيه بأفكار الآخرين، ونحاول إنجازه بوسائل غيرهم معرض للفشل لا محالة.
والموضوع هنا في منتهى الوضوح بالنسبة لتحديد الهدف: إن هدفنا خلق شروط الإقلاع وهذه هي مشكلة التنمية في جوهرها.
ثم علينا أن نحدد بأية وسيلة سنبلغ ذلك الهدف. إذ ليس من مصلحتنا أن نستثمر بأي شيء:
فليس من المقبول أن نستثمر ما نرغب فيه ونريده حتى بالوسائل التي هي في يد الغير. بل علينا أن نستثمر ما نستطيع بالوسائل الموجودة فعلا في أيدينا.
وإذن، ما هي الوسائل التي في يد أي شعب في ساعة الصفر من إقلاعه؟
إن ألمانيا- بعدما تعطلت تماما سفينتها في نهاية الحرب العالمية الثانية- أقلعت بمقدار خسة وأربعين (٤٥) ماركا للرأس فقط.
لكن الإستثمار الحقيقي كان في رأس كل مواطن ألماني وفي عضلاته، وبصورة أشمل وأدق كان في تصميم الشعب الألماني، وفي التراب الألماني على الرغم من فقره، وعلى الرغم من أنه كان محتلا.
стр. 164
وفي الفترة نفسها- أي سنة ١٩٤٨ - يقلع بلد آسيوي (الصين) في ظروف أقسى بكثير بسبب رواسب أكبر لم يعانها الشعب الألماني، فقد كان على الصين أن تخلق حق رأسمالها الفكري، بقطع النظر عن الفكرة الأيديولوجية التي تحركها.
إننا لنجد في تجربتنا، في وضع إجتماعي إقتصادي شبيه بالذي تعرفه كل البلدان الأفروسيوية، الدرس الذي يفيدنا أكثر في معرفة الشروط الأولية للإقلاع.
بصورة عامة، فوسائل أي بلد أفروسيوي في المرحلة الراهنة من تطوره، تصنف كما يلي:
١ - فلاحته وهي تنقص أو تزيد بدرجة وسائله البدائية.
٢ - ما يملك من مواد خام في السوق.
٣ - العمل المتوقع الذي يمكن تحويله إلى عمل واقع يعد بالساعات.
إن هذا هو سائر الرصيد الإقتصادي لوطن متخلف في ساعة الصفر من إقلاعه. وسائر العوامل الأخرى فهي إضافية: إذ كل قرض أو استثمار يأتي من الخارج لا يمكن أن يكون القاعدة التي يقوم عليها مخطط ما.
ومن ناحية أخرى، فالإختيار، أي النموذج الأيديولوجي إنما يؤثر في سرعة التنمية على وجه الخصوص.
فاختيار الإشتراكية، مثلا إذا ما احترمت سائر شروطها الأيديولوجية يؤثر في السرعة، بسبب التسيير المفروض على وسائل الإنتاج.
أما إذا لم تحترم شروطها في مرحلة الصياغة، بسبب هوامش مخالفة لجوهرها، أو في مرحلة الإنجاز، بسبب إرهاقها ببيروقراطية طفيلية، فإنه لن
стр. 165
يكون لها التأثير على الأجهزة النفسية المتوقع تحريكها، وهكذا تجمد الحركة ويستحيل الإقلاع.
وعليه، فبقطع النظر عن الإختيار الأيديولوجي، يجب اعتبار الوسائل الموجودة في حد ذاتها، أي بتقديرها الإقتصادي البحت.
إن بلدا متخلفا ليست لديه عملة ذات قيمة دولية يستطيع بها تجهيز صناعاته بالآلات الضرورية، فإن عملته، هي المادة الخام المصدرة إلى البلدان المصنعة، ومنها ما يفيض عن استهلاكه من القمح أو الأرز، أو ما ينتج من قطن أوجوت هالج.
هذه المواد هي ما لديه بوصفها وسيلة استثمار في الخطوة الأولى، من أجل اقتناء ما يحتاجه في ميدان التصنيع. وتجربة الجزائر في تسويق الغاز وما لاقته من معوقات تدل على ضعف هذه العملة، مادامت غير محصنة بالتدابير الضرورية من المناورات التي تحط من قيمتها الشرائيه في السوق. وهذه الحصانة لا تتأتى إلا في نطاق سياسة اقتصادية موحدة بين بلدان العالم الثالث، حتى لا يبقى ذريعة لمناورين يتنافسون في التخفيض بين أرز بورما وأرز مصر وبترول الكويت وبترول العراق.
وحينما قدم للمؤتمر الأفروسيوي الثاني في القاهرة في شهر كانون الأول (ديسمبر) ١٩٥٨ إقتراح لتأسيس (مصرف لمواد الخام) رأينا بكل أسف هذا الإقتراح يمسخ، ويعدل ويصدر في النهاية في صورة اقتراح لتأسيس (مصرف للتنمية) - أي في صورة فكرة لا وسيلة لها- وهكذا لم يكن لهذا المصرف الخيالي أي أثر في التنمية.
هذا الفشل ليس سوى مثل لتوضيح (اللافعالية) التي تختلف درجتها من وطن إلى آخر، ولكنها تعم العالم الثالث كله- عدا الصين-، فلم يحدث فيه إلى الآن تحويل العمل المتوقع إلى عمل واقع يقدر بالساعات.
стр. 166
ونلاحظ هنا أن القضية لا تتصل بفقر في الوسائل- لأن العمل هو الذي يخلقها- ولكن بفقر في الأفكار.
فمن أجل دفع الآلة الإجتماعية في الحركة، أي من أجل تحقيق شروط الإقلاع، يجب أن يقوم التخطيط على مسلمة مدرجة كمبدأ عام لكل تشريع إجتماعي إقتصادي ألا وهي: ((كل الأفواه تستحق قوتها، وكل السواعد يجب عليها العمل)).
فكل وطن متخلف يستطيع دفع عجلته على هذا الأساس الدستوري الذي يتكفل سائر الحقوق، ويفرض جميع الواجبات. ويحقق بذلك الحركة الإجتماعية التي تتغلب على كل نوع من الركود.
فمن أجل تحقيق ((الإقلاع)) هذا هو الطريق.
***
стр. 167
العمل والإستثمار
عن (الثورة الإفريقية) عدد ٢٢٤ في ٢٩ أيار (مايو) سنة ١٩٦٧.
إن الحدث الذي يوحي بهذه السطور وقع حوالي عام ١٩٥٦، حين كانت الصين وشيكة القيام بما سمته (الوثبة إلى الأمام)، هكذا قررت سياسة الإسكان، أو بعبارة أخرى تحديد النسل.
وعندما يقرر وطن- عدد سكانه أكثر من أي وطن آخر- تحديد نسبة زيادة السكان فلا غرابة في ذلك. هذا في الظاهر على الأقل، لأن منحنى التنمية يضع تلقائيا علاقة بين هذه الزيادة وحجم الإستثمار، وهي علاقة عكسية؛ أي إذا زادت نسبة السكان نقصت نسبة الإستثمار على الرؤوس.
هكذا تقول الأرقام.
إنها القاعدة المتبعة في كل تخطيط كلاسيكي، تفسر لعالم الإقتصاد التقليدي المهتم بصورة خاصة في العالم الثالث، من بين ما تفسر، الفشل النسبي الذي منيت به الهند بسبب زيادة السكان.
وهكذا لم يكن المشروع الصيني مخالفا لمنطق الأرقام عندما قرر تحديد النسل، من أجل تعديل منحنى الإسكان، لتكون بينه وبين مقتضيات الإستثمار النسبة المعينة.
стр. 168
لكننا رأينا حين التطبيق، كيفط دامت هذه النظرية ((كما تدوم زهور الورد ساعة صباح)). هكذا لم نرها تدوم في الواقع أكثر مما دامت نظرية (مئة الزهرة) (١).
وإذا نحن استطعنا تفسير إلغاء النظرية الأخيرة، بأسباب التقلبات السياسية، فإنه من الصعب أن نفسر، بالطريقة نفسها، إلغاء النظرية الأولى (نظرية تحديد النسل)، وهي نظرية إقتصادية لا تزال تحتفظ بقيمتها في رأي علماء الإقتصاد في الغرب، وحتى في بعض بلدان الشرق.
هكذا رأينا المسؤولين الصينيين يتراجعون عن نظرية تحديد النسل ويتركونها إلى سياسة حرية النسل.
إن للحدث معنيين مهمين:
فهو يعني أولا، أن أي طريقة عمل نختارها، لا يجوز لنا أن نضع منها منديلا على أعيننا، يمنعنا من النظر: بل يجب علينا أن تكون لدينا دائما القدرة على إعادة النظر في أي لحظة نريد.
ومن ناحية أخرى فإن الحدث يفيدنا بأن المسؤولين الصينيين قد أعادوا النظر فعلا فيما قرروا، وأنهم أدركوا بذلك طريقة أخرى جديدة للإستثمار.
هذا الجانب هو الذي يمثل جوهر موضوعنا، مع أن التجربة تثرينا بجانبيها:
فنحن نرى أن المخطط الصيني يطرح المشكلة أولا في صيغتها الكلاسيكية التي تقول: إذا أردنا أن نزيد من نسبة الإستثمار ينبغي أن نحفظ نسبة زيادة السكان.
стр. 169
ثم نراه في فترة وجيزة يغير موقفه تماما في الموضوع: فيطلق العنان للنسل دون تخفيض في منحنى التنمية.
بل على العكس من ذلك، فقد ازدادت في الصين سرعة التنمية في تلك الفترة التي تسميها (الوثبة إلى الأمام).
هل نستطيع من هنا أن نقرر أن التجربة قد دلت على عدم صحة النظرية العامة القائمة على الأرقام، والتي تربط بين نسبة زيادة السكان ونسبة الإستثمار بعلاقة عكسية؟.
وهل نكون بذلك قد كذبنا الأرقام التي كان لها فعلا ثقلها في تحديد منحنى التنمية في أكثر من بلد من العالم الثالث، حيث كان من الصعب تحقيق (شروط الإقلاع) بسبب تزايد السكان بالذات؟.
علينا أن نكون أقرب للمنطق فنجد إذن تفسيرا آخر. فالصين قد اكتشفت في نظرتها الثانية إلى الموضوع، طريقة تعويض، تعوض في مخطط الإستثمار الأثر السلبي لعامل السكان، ذلك الأثر الذي فعل فعله في تجربة الهند.
وقد يهمنا أن ننكب على المشكلة لنتفحصها عن كثب: فالمرحلتان اللتان مرت بهما التجربة الصينية تدلان على صورتين للإستثمار: الواحدة منهما على عكس الأخرى بل تنافيها تماما.
ولعلنا، نبسط الأشياء من أجل الفهم، إذا ما عرضناها في صورة جبرية، تكشف أكثر سمات النظريتين:
١) ففي الحالة الأولى سيكون العمل النتيجة النهائية للإستثمار، في صورة عدد من الوظائف يخلقها الإستثمار.
٢) أما في الحالة الثانية فالإستثمار هو نفسه نتيجة العمل مقدرا بساعات عمل ( H.T) .
стр. 170
وهكذا نرى أن طريقتي الإستثمار تختلفان اختلافا جذريا، ليس من حيث مبدأ التخطيط فحسب، بل من حيث سائر نتائجه الإقتصادية والإجماعية والسياسية. فالإستثمار الأول يقوم أساسا على المال، أما الثاني فهو يعتمد أساسا على الطاقات الإجتماعية.
والأول يتطلب غالبا وسائل مفقودة في البلاد المتخلفة، فيلجأ إلى رؤوس الأموال الأجنبية، وهي حين تأتي، تفرض شروطها السياسية التي تعرض البلاد لمشكلات لا حل لها، أو شروطا فنية تجعل إستثمارها دون جدوى، كالقروض التي استثمرت في جنوب شرق آسيا في نطاق مشروع (كولومبو).
إذ تأتي الأموال والقروض أولا، وتترك البلد الذي ينتظرها مكتوف اليدين مع مشروع معلق، كمصر في سنوات ١٩٥٥ - ١٩٥٦ مع مشروع السد العالي المعلق.
هذا من الناحية السياسية.
أما من الناحية الإقتصادية والإجتماعية، فالفوارق بين الطريقتين أعمق من ذلك بكثير. فالمجتمع الذي ينمو على الطريقة الكلاسيكية للإستثمار، لا يستفيد إلا من جزء من العمل المتوقع (وهو نسبة السواعد التي تعمل فعلا)، بينما يتحمل بالضرورة سائر الأفواه التي تأكل، سواء منها من كان عاملا أو من غير عمل، وبذلك يتحمل بطالة لها أثر مزدوج: فهو يتحمل الشحاذة على نطاق واسع، وهي طفيلية إجماعية تزيد في الأعباء غير المنتجة على كاهل الوطن. إذ الأفواه الطفيلية تأكل على أية صورة كانت. ثم نتيجة أخرى لهذا الأثر هي هجرة العمل المتوقع (الذي تمثله السواعد المعطلة)، والتحاقها بأي من الطاقات العاملة في الخارج، وأحيانا تكون هذه الطاقات ذات كفاءة. وبذلك يصبح هذا المجتمع وكأنما يصدر للخارج ثروته الرئيسية: العمل.
стр. 171
حتى الأطر التي لم تشغل في نطاق الإستثمار الكلاسيكي فإنها تهاجر أحيانا.
من هنا ندرك السبب الذي يجعل البلدان التي تخطط، مضطرة فيما يبدو لتحديد النسل، وذلك لتحديد عدد الأفواه الطفيلية والسواعد المعطلة، دون أن يصرحوا بهذه الحقيقة لاعتبارات أخرى.
أما المجتمع الذي ينمو على أساس استثمار إجتماعي، إذ تعمل السواعد كلها وتأكل الأفواه كلها، فإنه لا يجد نفسه معرضا لتلك المناقضة الصارخة. فالأعضاء غير المنتجة فيه تنحصر في أقل مقدار (الطفل والمريض والعجوز) أما بقية السواعد فهي تعمل.
وهنا لا تبقى في الوطن ضرورة لتحديد النسل، كما يكون متناسبا مع الإستثمار، كما هو الأمر في البلد الذي يخطط على أساس آخر.
والحاجة إلى تحديد النسل تذوب منذ النظرة الأولى في الإستثمار الإجتماعي، بل لعلنا إذا أعدنا النظر في القضية- وفي ضوء التجربة الصينية- سوف يتبين على العكس أنه ربما يفيدنا أن نزيد في نسبة النسل، في حدود لائقة بقدر يتناسب مع مساحة الرقعة وغنى ترابها من ناحية، ومع مرحلة النمو من ناحية أخرى.
قطعا، فحين يصل الوطن إلى طور الآلية الشاملة ( Automation) فقد يكون من حقه أن يعيد النظر مرة أخرى في قضية النسل.
والواقع أن بلدان العالم الثالث ما زالت بعيدة جدا عن هذا الطور، وعليه فإذا عدنا هنا لاعتبارات قدمناها في مقالنا السابق، فلأننا أردنا أن نلح مرة أخرى على مبدأ التخطيط الذي أشرنا إليه في صورة مسلمة: ((يجب أن تأكل الأفواه جميعها ويجب أن تعمل سائر السواعد)).
стр. 172
ولا نستطيع القول إن هذا الرأي يمتاز بالأصالة في صيغته. فالمدرسة الماركسية صاغته أيضا في عبارة أخرى: ((من كل حسب وسائله، إلى كل حسب حاجاته)).
وإذا كانت الصيغتان لا تختلفان تقريبا من حيث المحتوى، فإدراج هذا المحتوى في اطراد موضوعي للنمو الإقتصادي مع ما يستتبع من شروط فنية، يختلف تماما بين النظريتين.
فالنظرة الماركسية تضع هذا المبدأ في آخر الإطراد، أو كما يقولون: عند ظهور المجتمع الشيوعي الذي يلي المجتمع الإشتراكي. وعليه يكون المبدأ ذا قيمة أخلاقية يتدخل خصوصا في عملية التوزيع.
أما فيما نشير إليه ونلح فيه، فإن المبدأ الذي أشرنا إليه يوضع في بداية الإطراد، ليكون مبدأ فنيا في أساس التخطيط. وعلى ضوء ذلك لابد لتقنية التخطيط أن تتغيركلها لتكون مطابقة لذلك الأساس، وبالتالي فإننا نقول: إن إطعام سائر الأفواه وتشغيل السواعد كافة في بلد متخلف ليس إلا وهما، إذا ما فكر هذا البلد في استثماره على أساس رأسمالي.
أما إذا فكر على أساس ماركسي فإنه مجرد أمنية حلوة.
***
стр. 173
إقتصاد القوت والتنمية
عن (الثورة الإفريقية) عدد ٢٥٢ - ١٤ كانون الأول (ديسمبر) ١٩٦٧.
كان يسيرا أن يلقب القرن الثامن عشر لقبا واحدا يناسب طبيعته وهكذا سمي هذا القرن (قرن الأنوار).
ولكن يبدو من العسير على المؤرخين أن يلقبوا قرننا هذا بتسمية واحدة لتنوع جوانبه الأساسية: فهو فعلا متنوع في مظاهره العميقة، إنه عهد الذرة، وهو عهد الفضاء الذي يصرخ فيه أحد الرواد، (جاجارين)، بأنه لم يجد الله في جولته، كأنما كان على موعد معه على بعد أربع مئة (٤٠٠) كيلو متر من الأرض.
وهو أيضاً عهد الساحات الكبرى المخططة التي تعطي لعالم الإجتماع فرصة ليلاحظ- من خلال نسق النمو في الصين أو في الإتحاد السوفييتي- سعة تطور إجتماعي، تختزل أربعة أو خمسة قرون من التطور العادي في مدى بضعة عقود من الحركة المنظمة.
هذا المظهر الأخير هو الذي يهم بصورة خاصة البلدان المتخلفة، ويهمنا نحن في كل بلد عربي.
إن فكرة التخطيط تلازم ذهنية عصرنا، فهي جزء لا يتجزأ من ثقافته، لكن تطبيقها يفرض شروطا تختلف من رقعة إلى أخرى أو حتى من وطن إلى آخر.
стр. 174
فبلاد كالولايات المتحدة حيث تحققت النسبة اللائقة بين عدد السكان والساحات المنتجة أي بين الطاقات الإجتماعية وإمكانيات التراب، تستطيع غلق حدودها دون أن يخل ذلك بميزانيتها الإقتصادية.
إنها وحدة متكاملة ( Autarcie) في حيز الطاقة، تستطيع في كل لحظة أن تكون في حيز الوجود، إذا ما فرضت عليها ظروف خارجية خاصة، أن تستغني عن تجارتها مع الخارج، فتقصر حلقتها التجارية على الداخل فقط.
لكن فكرة التخطيط، في هذه الرقعة، لا تتصدى هنا لمشكلات الوجود، فالقوت متوفر منذ الآن، لكنها تتصدى لمشكلات القوة والهيمنة من أجل الحفاظ على توازن القوى في العالم، كما يزعمون.
ففي رقعة كهذه، تكون مهمة المخطط سهلة نسبيا، لأنها تعنى فقط بإيجاد أفضل استخدام للوسائل يتحقق به أقصى ما يمكن من القوة.
وفي رقعة أخرى، كالاتحاد السوفييتي والصين في بداية إقلاعها، كان على المخطط أن يواجه صنفين من المشكلات:
كان عليه أن يحل أولا، مشكلة القوت في وقت يواجه فيه مشكلة القوة.
إنما هو لن يستطيع حل الثانية إذا لم يحل الأولى قبلها .. يحلها على الأقل بصورة تدريجية.
وهذا يعني من الناحية النظرية، أنه لا يمكن تحقيق اقتصاد تنمية، بطريقة مستقلة عن إقتصاد متين لتحقيق القوت.
هذه الضرورة، المفروضة بحكم الطبيعة على التخطيط، كما رأيناها قد روعيت في بلدين كالصين والإتحاد السوفييتي، وكم يجب من باب أولى، مراعاتها في البلدان المتخلفة.
стр. 175
ففي هذه البلدان، لابد للتخطيط أن يعين، بكل وضوح، وسائل القوت ووسائل التنمية.
لكن الصلة بين الجانبين عضوية ووثيقة، وأي حل نتخذه، كنوع الإستثمار من أجل التنمية، فإنه سيفرض الحل، الحسن أو السيئ للمشكلة الأولى، وربما فرض مع ذلك نتائج سياسية في بعض الحالات.
وكما سبق أن قلنا في غير هذا المكان، فهناك نوعان من الإستثمار:
١) الإستثمار الكلاسيكي بالوسائل المالية.
٢) الإستثمار الإجتماعي لسائر الطاقات البشرية، سائر موارد التراب، وما تحت التراب أو الركاز كما يقول الفقهاء.
علينا إذن للتمييز بين النوعين، أن نقدر فعالية الأولا بالنسبة لوطن واحد (ومن أجل التبسيط)، وفي إحدى مهماته فقط، في الجزائر مثلا، فيما يتصل على الأقل بالتشغيل الجزئي لليد العاملة فيها. وزيادة في التبسيط سنقدر مهمتها فقط بالنسبة لعودة سبع مئة ألف من أبنائها الموجودين في أوربا الآن، مع ضان تشغيلهم في بلادهم.
وثمة ملاحظة أولى في هذا الصدد: إن تصدير فوج كهذا من السواعد إلى الخارج، يمثل نزيفا للطاقة الإجتماعية للبلاد المصدرة، دون أن نضيف إلى هذا التصدير، نبرة المأساة التي يعيشها أكثر من نصف مليون جزائري، تلقي بهم الحياة في الصعوبات وعدم الإستقرار، كما يعرف هذا من شاهد ظروف العمل القاسية التي تفرض على هؤلاء العمال.
فاسترجاع هذا الفوج، مهمة ذات مغزى كبير من الناحية الوطنية والإقتصادية والإنسانية.
стр. 176
ولنظرح الآن المشكلة من الناحية النفسية: فكم يكون مبلغ الإستثمار المالي الكفيل بإنجاز مهمة كهذه، أي إيجاد سبع مئة ألف وظيفة؟.
إن الأرقام هي التي تجيب على هذا السؤال: فنحن نعلم أن الميزانية الجزائرية رصدت تقريبا مئتي مليار من الفرنكات القديمة تقريبا، لتشيد بعنابة مركب الحديد والصلب لإيجاد- حسب التقديرات الرسمية- نحو خمسة آلاف وظيفة.
وعليه يتطلب إنجاز مهمة واحدة كهذه- أي إرجاع الجزائريين الذين يعملون في الخارج مبلغا قدره ثمانية وعشرون ألف مليار من الفرنكات القديمة تقريبا.
هذا الرقم وحده، يوضح بأن التخطيط والإستثمار على الطريقة الكلاسيكية - أي بوسائل المال- يجعل مهمة جزئية فوق استطاعة الوطن.
وهذه الحقيقة ستكون أكثر وضوحا لو قدرنا المشكلة بكاملها ولم نقتصر على جزئية من جزئياتها.
فاختيار الطريقة الكلاسيكية للإستثمار يقودنا حتما إلى مأزق إقتصادي أولا، ثم إنه سيضع خطة تنميتها تحت رحمة رأس مال أجنبي بالضرورة، قد يتوفر لنا أو لا يتوفر، ثم إنه يفرض علينا قيودا لا نقدر مسبقا ثقلها على الصعيد السياسي.
فأمام احتمالات كهذه نستطيع قطعا اتباع نظرية الإقتصاد الكلاسيكية لـ (آدم سميث)، حين وضع مبدأه (اتركوه يعمل، اتركوه يسير) فوضع معه في الوقت نفسه سياسة النعامة التي تغرس رأسها في الرمل عندما ترى خطرا محدقا بها.
وهو يعني في وطن كالجزائر، أن نترك الأشياء تسير وحدها، بخطوة السلحفاة في عصر الفضاء.
стр. 177
أما إذا انتهجنا الطريق الآخر للإستثمار، فإن علينا أن نحدد مبادئه ومسلماته، فنراعيها ونراعي نتائجها في تخطيطنا.
وينبغي أن تأخذ أولا كلمة (تخطيط) ضبطا أكبر ووضوحا أجلى في مصطلحنا التقني، فليس التخطيط أن نضع، الواحد تلو أالآخر، أجزاء متفرقة ومختلفة، تاركين للصدفة ولحسن الحظ أن يتلقفاها في مركب نسميه (التنمية).
هذا من حيث المصطلح، ففيه لكل كلمة قدرة على تحديد نظرية أو سياسة اقتصادية لها فعاليتها في النتيجة.
أما المبادئ والمسلمات الخاصة بالإستثمار الإجتماعي فهما اثنتان:
١ - يجب القوت لكل فم.
٢ - يجب العمل لكل ساعد.
وعليه فالقضية ليست بالنسبة للبلد الواحد في تشغيل جزء من السواعد، كسواعد العمال الجزائريين العائدين من الخارج، بل ينبغي تشغيل السواعد كلها. التي تمثل الرصيد الحقيقي للوطن بأجمعه في لحظة الصفر من إقلاعه.
وبهذا الثمن فقط نستطيع دفع عجلة التنمية في الوطن.
والمسلمة الأولى (القوت لكل فم) تفرض منذ اللحظة الأولى شروطا على الثانية لتطبيقها، إذ نحن لن نستطيع تشغيل السواعد كلها إذا لم نأخذ على عاتقنا إطعام الأفواه جميعها.
هكذا يتبين الربط العضوي بين اقتصاد القوت واقتصاد التنمية.
لقد عاشت الصين الشعبية مع الثورة الثقافية، تجربة تفيدنا في هذا الصدد من ناحيتين، فالمعارضون لـ (ماوتسي تونج) قاموا بمحاولة تعطيل لاقتصاد
стр. 178
التنمية، ببث الفوضى في أقتصاد القوت، فبذروا الإحتياطي من الغذاء بتوزيع يرضي العمال في حاجتهم العاجلة ويحطم مصلحتهم لم الآجلة.
لكن المسؤولين ما لبثوا أن أدركوا بسرعة هذا التخريب وأطلقوا عليه مصطلحا جديدا (الإقتصادانية) (١).
وكان التخريب المسمى بهذه التسمية موجها لتخدير الوعي الثوري لدى العمال الذين لم ينخدعوا، وموجها لإحباط الجهد الجبار المبذول في الوطن من أجل التنمية.
هكذا نلمس الرباط الحيوي بين اقتصاد القوت وأقتصاد التنمية، في بلد اختار بالضبط طريقة الإستثمار الإجتماعي مع مسلمتيه الأساسيتين.
ولا نرى، في الحالة الراهنة، طريقة ثالثة لرسم خطة تنمية للبلدان النامية؛ إنما اختيار أي الطريقتين يفرض نتائجها بأكملها، خصوصا في تخطيط العمل والتوزيع، إذ لكي نحرك السواعد كلها لابد أن نوفر القوت لسائر الأفراد.
وذلك يعني في المخطط أولا، إنتاج أقصى ما يمكن من الغذاء، لتوزيعه على أليق صورة، بين ما يخزن للإستهلاك وما يوفر للتصدير في نطاق مقتضيات التنمية.
وها نحن أولاء نجد مرة أخرى في الصين المثل الذي يوضح هذه الخطة، إذ القطاع الزراعي فيها قدم وحده وسائل اقتصاد التنمية، بالإضافة إلى وسائل اقتصاد القوت.
لقد قدم القطاع الزراعي وحده، على الأقل في العقد الذي تلا عام ١٩٤٨،
стр. 179
الوسائل التي أتاحت للصين أن تواجه راشدة سائر مشكلات الوجود (القوت)، وأن ترسي بنجاح القواعد التي تجعلها دولة قوية. إنها البلد الوحيد في العالم الثالث الذي استطاع أن يستثمر ٢٠% من دخله السنوي العام في تجهيز صناعته، وذلك بفضل قطاعه الزراعي.
والواقع أن مجمل البلدان المتخلفة أصبحت تعيش بشظف. وهي ما تزال تعيش على أي حال من قطاعها الزراعي، بينما نرى إنتاجها الزراعي قد انخفض منذ استقلالها، أي أصبح لا يعنى بضرورات القوت، ومن باب أولى لا يعنى بضرورات التنمية.
إن شروط التسويق، المهيمن عليها المال، لا تسمح أيضاً برفع ميزانية البلدان المتخلفة من أجل التصنيع، ولا تستطيع الواحدة منها أن تكون داخل حدودها سوقا مستقلة، إنما تستطيع على الأقل تحرير قوتها من شروط الخارج.
لا بد إذن من وضع اقتصاد القوت فوق سائر تقلبات السوق في الخارج، وكذلك مناورات البورصات، وعليه لابد أن يوضع مخططه في صورة حلقة مغلقة لا تؤثر عليها العوامل الخارجية، ولتحقيق هذا الهدف لابد من تجنب استهلاك بعض الأنواع من الغذاء المستوردة من الخارج، كالشوكولاه من النوع الفاخر وسمن النورماندي والويسكي الايكوسي.
ولا بد أن يكون هذا التخطيط الغذائي في صورة (أوترشي Autarcie) صغيرة جديرة، على الأقل، بتحقيق قوت الأفواه جميعها.
لابد لكل وطن متخلف أن ينظم أولا قطاعه الزراعي، حتى يقوت سائر الأفواه ويشغل بالتدريج كل ساعد.
إننا ننتظر نيران الأفراح تعلن أن البلدان الإسلامية تسير على هذا الطريق.
стр. 180
نشتري أم نصنع
عن (الثورة الإفريقية) عدد ٢٦٠ في ٨ شباط (فبراير) ١٩٦٨.
نشرت جريدة (الجزائر والأحداث) مقالا يتعلق بتحديد النسل، فقدمته إلى قرائها بتعليق تناولته بعض السطور.
إنه لا يهمني في هذا التقديم، ما لا يخصني كذكر (الضرورة الإقتصادية) بوصفها مسوغا لتحديد النسل في نظر (الغزالي)، مع أنني أعتقد أن تحميل صاحب (إحياء علوم الدين) مثل هذا التسويغ في قضية (العزل) إنما هو تعد على حقيقة شخصيته وزمانه.
ولقد أراد صاحب السطور أن يلمح إلى بعض ما قلته في إطار تحديد النسل والإقتصاد موضحا سطحية من يعزو التخلف بصورة خاصة إلى كثرة السكان.
وهكذا يتناول التعليق هذا الرأي قيعقب عليه بأننا في ذلك قد حاولنا أن نحيط النظرية (الملتوسيه) (١) بالشكوك، بينما أحطتها بالوضوح كله معتمدا على إحصائيات وتجارب واقعية، في بيان خطئها.
وإني لأعترف لصاحب السطور هذه، بأنه لم يجعل رأيي في الموضوع كله (شكوكا)، بل إنه تفضل وترك له نصيبا من الصحة والصواب. إنما هو قد حصر هذا النصيب فيما أسماه (الظاهرة اليابانية) و (الظاهرة الصينية).
ولقد ركز فعلا حالتي الصين واليابان، لا على أنهما حالتا شذوذ كما يوعز قلمه