← Общие книги

Общие книги · id 21781

تأملات

مالك بن نبي

Полный текст (218 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.

стр. 106

كبار شعوب المحور الشمالي .......... شعوب إفريقية آسيوية التضامن الإستعماري الذي عبر عنه .......... التضامن الإفريقي الآسيوي الذي عبر مؤتمر برلين في القرن الماضي .......... عنه مؤتمر باندونج لأول مرة مشاكل القوة .......... مشاكل البقاء سياسة القوة التي تمثلت في شخص دلاس .......... سياسة اللاعنف التي تمثلت في شخص نهرو منطقة الحرب الباردة .......... منطقة السلم الأحلاف العسكرية، استراتيجية التطويق .......... الحياد الإيجابي فهذا الجدول يرسم في الواقع الصورة الراهنة للعالم، ويكشف عن جميع القوى التي توجه التاريخ وتكيف مصير الإنسان؛ والنظرة المتأملة فيه يمكنها أن تستخلص منه بعض الاستنتاجات، المتصلة بإمكان تلاقي التيارين اللذين يصورهما هذا الجدول، واجتماعها في تيار يوحد الإنسانية، أي في النقطة التي يبدو أنها قطب التاريخ، أي النقطة التي تتوق إليها كل قوى التاريخ على الرغم مما فيها من متناقضات، وإذا أدركنا أن التضامن الإفريقي الآسيوي في صورته السياسية، التي عبر عنها مؤتمر باندونج، هو إحدى هذه التناقضات التي تعبر عن البناء المزدوج للعالم، في الصورة التي كان ينظر إليها (جول فرن) عندما كان يكتب قصته المشهورة (ميشل ستروجف)، القصة التي كان يؤلفها هذا الكاتب الفرنسي لتمجيد البطولة في موجة الإستعمار الروسي، عندما انطلقت روسيا القيصرية تتوسع في القارة الآسيوية، فإذا كان التضامن الإفريقي الآسيوي في النظرة الأولى، يبدو وكأنه قوة تواجه التضامن الإستعماري، ويعيد هكذا للعالم بناءه المزدوج، فإن النظرة الفاحصة تبين أنه يعيد له هذه الصورة في نقطة انتقال فقط، أي في صورة مؤقتة ينتقل منها إلى صورة متحررة، من الإستعمار ومن القابلية للاستعمار، في مرحلة تطورية معينة، لابد أن تجتازها الإنسانية التي تهدف إلى توحيد بنائها.

стр. 107

فالتضامن الإفريقي الآسيوي لحظة معينة من الحوار التاريخي الذي أشرنا إليه، ولكنه اللحظة التي تغير مجرى هذا الحوار وتوجهه في اتجاه جديد، بين شعوب تواجه مشكلات البناء والبقاء، ودول تقدس القوة وتراها الحل الوحيد لجميع المشكلات القائمة في العالم. ولكن لو تأملنا مرة أخرى جدول التناقضات الذي قدمناه، لأدركنا جانب الضعف في التضامن الإفريقي الآسيوي، لنرى من خلال هذا الجدول أن الوعي الذي يتمثل في ردود أفعاله، يتكون ويتطور طبقا للأسباب التي نشأت على محور واشنطن موسكو، المتصلة بمشاكل القوة، أكثر من الأسباب الناشئة على محوره، المتمثلة في مشاكل البقاء، أي أن هذا الوعي يتصل أكثر، بالأسباب السياسية الناتجة عن الحالة العأمة في العالم، كما تشكلها الأوضاع القائمة على المحور الآخر، أكثر مما يتصل بالأسباب التاريخية الاجتماعية المتكونة على محوره، وقرارات باندونج والمبادئ الخمسة، التي تكون التوجيهات الأساسية للتضامن الإفريقي الآسيوي، تعبر عن هذا الاتجاه المنحرف، انحرافا يجعل الأسباب الاجتماعية الماثلة في صورة النموذج البشري، الذي اكتشفه زائر السماء في رحلته من طنجة إلى جاكرتا في المرتبة الثانية من الأهمية، بينما يجب أن تكون هي المشكلات الأساسية التي يواجهها الوعي الإفريقي الآسيوي. ويبدو فعلاً أن هذا الاتجاه لا زال قائماً، وأن الاهتمام لا زال منصرفاً إلى المشكلات السياسية منذ مؤتمر باندونج أكثر من المشكلات الاجتماعية، فنرى أن الأولى تدرس وتعالج على أعلى مستوى في المؤتمرات التي تعاقبت، وأعطت فعلاً مفهوم التضامن الإفريقي الآسيوي أقصى معناه في الاتجاه السياسي، بينما نعالج الثانية في نطاق الرسميات أو عن طريق المبادرة الفردية، أي في نطاق محدود الإشعاع من الناحية الأيديولوجية، أو بعبارة أوضح بوسائل لا تشكل التضمامن الإفريقي الآسيوي في أكمل معناه، وربما ينجر هكذا الوعي الإفريقي

стр. 108

الآسيوي، إلى الاهتمام بمشكلات القوة، أكثر من مشكلات البقاء، أي إلى الإنحراف ذاته الذي نؤاخذ عليه قادة السياسة على المحور الشمالي، الذين يكادون في كل لحظة يدفعون الإنسانية إلى كارثة عالية. وهذا الإنحراف يسبب بالتالي تحويلاً للطاقات الاجتماعية وصرفها إلى القضايا الشكلية على حساب القضايا الحيوية، فيضيع هكذا الوقت الثمين الذي أصبح المادة الأولية في تنمية أي مجتمع، وخاصة إذا كان المجتمع في نقطة الإنطلاق، وتضيع بالتالي الحلول المناسبة لطبيعة المشكلات التي يواجهها اليوم الإنسان الأفروسيوي على المحور الجنوبي، أعني الحلول التي تحقق وحدها كيان ومصير هذا الإنسان ورسالته في العالم. فلو كان لنا أو علينا، بموجب هذه الملاحظة، أن نعيد النظرة في الموضوع، لرجعنا مرة أخرى إلى كراسة زائر السماء، إلى ملاحظاته الوصفية، أي المجردة من كل تعليل، لنعطيها هذه المرة ما تستحق من التعليل في نطاق القوانين الاجتماعية. إن هذه الملاحظة أعطتنا صورة صحيحة للإنسان، الذي يعيش اليوم على محور طنجة جاكرتا، ولكنها لم تعطنا معنى الواقع الذي يتجلى في هذه الصورة، بالكيفية التي تتيح لنا معالجته بطريقة منهجية وعلى أعلى مستوى، أي في نطاق التضامن الإفريقي الآسيوي في أقصى معناه. فلا جدوى أن نذكر مرة أخرى ملاحظات زائر السماء، ولكن فلنتصرف في معناها في ضوء التاريخ وعلم الاجتماع. فنحن نرى أولا أن هناك مشكلة خاصة للإنسان الإفريقي الآسيوي بالذات، أي مشكلة تخصه دون غيره من البشر في القرن العشرين، لأن المشكلات التي تواجه المجتمعات الأخرى سواء في أوربا أو في أمريكا تحدها حدود الدولة، ويمكن حلها في نطاقها، بينما المشكلة التي نضعها هنا موضوع الدراسة

стр. 109

تخص المصير المشترك الذي يخيم من طنجة إلى جاكرتا، وفي وضع عام يسود على طول هذا الخط وقد يسميه بعض الدارسين (التخلف)؛ وهو على كل حال وضع الفرد المحروم من الضمانات الاجتماعية، في نطاق وحدة تاريخية اجتماعية، تتجلى في النموذج الاجتماعي الذي اكتشفه زائر السماء على المحور الجنوبي. ثم إننا مضطرون إلى أن نلاحظ أن هذا الوضع العام، وهذه الوحدة التي تفرض قانونها على مصير الفرد، مستقلان عن الظروف السياسية، والحدود القومية، والإطارات العنصرية، باعتبار أنها في مكان معين تتغير مع الزمن، وفي زمن معين تتغير حسب المحور الجغرافي. فلو أننا- علاوة على الظروف التي تحدد مكانها بالنسبة لمحور أو لآخر- نأخذ في اعتبارنا طبيعة العلاقة التي تربط حياة الفرد بهاته الوحدة، نكون مضطرين، بسبب خاصتها الجغرافية التاريخية وطابعها الاجتماعي، فيما يتعلق بالحتمية التي تفرضها على حياة الفرد المرتبط بها، ونكون مضطرين على اعتبار هاته (الوحدة) - التي لاحظها زائر السماء في صورتها القشرية، دون أن يفسرها لأنه يجهل ظروف الأرض- هي مجموعة الشروط التي تكون في المكان وفي الزمان حضارة معينة، أي الحضارة التي تطبع جميع حقائقها الثقافية، وخصائصها الأخلاقية والجمالية والصناعية، في أسلوب حياة يشمل النظر الإنساني، ويحدد سلوك النموذج الاجتماعي الذي يتحرك فيه. وعليه فكل تفكير في مشكلة الإنسان بالنسبة إلى حظه في الحياة، هو في أساسه تفكير في مشكلة الحضارة، والمشكلة القائمة من طنجة إلى جاكارتا، وهي في جوهرها مشكلة حضارة، وهذا هو ما يفسر التغيير الجذري، الذي يشعر به زائر السماء عندما ينتقل من المحور الشمالي إلى المحور الجنوبي، فيرى الإنسان المعطل والتراب المعطَّل والوقت التائه، إنه يرى في الواقع حضارة معطلة، أو كما نقول بمصطلح العصر: إنه يرى مجتمعات متخلفة.

стр. 110

والآن يمكننا تفسير الحرمان الشامل الذي يطبع اليوم حياة الإنسان من طنجة إلى جاكرتا وتفسير عجز هذا الإنسان في مواجهة المشكلات العادية كما سبق أن بينا. فمن البديهي إذن القول إن الإنسان الإفريقي الآسيوي يواجه اليوم أزمة حضارة، يجب عليه أن يحققها على محور تاريخه، أي أن يحقق وضعاً عاماً يتفق مع الشروط الفنية، التي من شأنها أن تخوله الضمانات الاجتماعية، التي يتمتع بها إنسان المحور الشمالي، فيتغير بذلك وضع الحياة البشرية من طنجة إلى جاكرتا، وتتغير معه كل القيم الحضارية، وينتج بالتالي تغيير كلي في طبيعة العلاقات ذاتها، بين المحورين تلك العلاقات التي يمكننا وصفها اليوم سياسياً وإقتصادياً واجتماعيا، بأنها علاقات الإستعمار بالقابلية للاستعمار، وعلاقات الإنتاج الصناعي بالزراعة والمادة الخام، وعلاقات مشكلات القوة بمشكلات البقاء، فتتغير هذه العلاقات حتى لا يبقى الحوار التاريخي بين الطرفين حواراً بين سيد ومسود، بين قوي وضعيف، بين متحضر دون مستوى الإنسانية الأخلاقي، ومتخلف دون مستوى الحضارة الاجتماعي، لأن كل تغيير اجتماعي على محور طنجة جاكرتا، يفرض تغييراً أخلاقياً وسياسيا على محور واشنطن موسكو، كما يمكننا أن ندرك ذلك من خلال تاريخ اليابان الحديث، إذ نراه على أثر الهجوم الإستعماري سنة ١٨٥٣ يبادر منذ بداية العهد اليجي سنة ١٨٦٨ بتغيير كل أوضاعه الاجتماعية بدخوله في دور حضارة جديدة. وإذا بهذا التغيير الداخلي يغير كل علاقاته السياسية بمحور القوة. فتأتي دول هذا المحور ترغب في صداقة ومحالفة الميكادو، وتعد إنجلترا معه فعلاً معاهدة صداقة دامت بين الدولتين ولم تلغها بريطانيا إلا سنة ١٩٢٥. بعد أن كان لها أثرها الفعال في الحرب العالمية الأولى. وبعد ما بدأت المنافسة الإقتصادية القاسية التي شرع فيها اليابان، عندما اكتسح أسواق جنوب آسيا، وهدد مراكز بريطانيا الإقتصادية في تلك النواحي، بما أطلق عليه الدنبنج الياباني Dumping.

стр. 111

ومهما يكن في هذه الطفرة من انحراف جذري لم نر معه اليابان يتطور في نطاق التضامن الإفريقي الآسيوي، بل على العكس نراه يتطور إلى دولة استعمارية، مندفعة في هذا الاتجاه بنزوع الروح القيصريه التي كانت تسيطر على الثقافة والسياسة في اليابان، الروح الذي يمثل في شخص الميكادو وفي شخصية الساموراي؛ ولكن على الرغم من هذا الإنحراف يبقى في تطور اليابان دلالة واضحة، على أن كل تغيير يحدث في الاوضاع الاجتماعية في صورة بناء حضارة، يؤدي حتما إلى تغيير في طبيعة العلاقات السياسية بين المحورين، كما يدل على ذلك مرة أخرى تاريخ اليابان، عندما نزلت بأرضه الجيوش الاجنبية على أثر الحرب العالمية الثانية، إنها نزلت للاحتلال العسكري، لا من أجل الاستغلال الإستعماري، لأن العهد الميجي قد محا نهائياً من النفس اليابانية، كل الاستعدادات السلبية التي نسميها القابلية للاستعمار. فالطريقة إذن ناجحة مع التعديل الضروري، حتى لا تنجر الشعوب الإفريقية الآسيوية إلى انحراف اليابان الذي نشير إليه. والطريقة تكون ناجحة بالنسبة إلى الشعوب الإفريقية الآسيوية من نواح متعددة، لأنها ترفع أولاً قيمة التضامن الإفريقي الآسيوي، من مستوى المفهوم السياسي المحدود الإشعاع، لأنه يخص في كل بلد القيادة السياسية، إلى مستوى المفهوم المطلق الذي لا يخص إشعاعه طائفة معينة، بل كل الأفراد في المجتمع الذي تبق فيه الحضارة بما فيهم الراعي ورجل العلم. والحضارة تحقق هذا الشمول من وجهتين: ١ - من الوجهة الديناميكية أولا، لأنها بوصفها فكرة سوف تضيف إلى الأسباب الناشئة على المحور الشمالي، التي تكوّن وحدها تقريباً كما بينا مضمون التضامن الإفريقي الآسيوي اليوم، تضيف إليها الأسباب الناشئة على المحور الجنوبي، التي بقيت تقريباً خارج هذا المضمون.

стр. 112

وهذا يعني أنها تعطي للتضامن الإفريقي الآسيوي أقصى معناه الفعال في إدراك الشعوب، لأنها تغرس روحه في كيانهم، محققة بذلك القاعدة الإيديولوجية التي لا كيان لسياسة بدونها. ٢ - ومن الوجهة العملية التطبيقية فإنها- بوصفها مشروعاً لعمل مخطط- تحرك أقصى ما يمكن من الطاقات الاجتماعية، لمواجهة أكثر ما يمكن من المشكلات الحيوية، المتصلة بواقع النموذج الاجتماعي، الذي اكتشفه زائر السماء على هذا المحور، فتغير بذلك وجه العالم كما يتوقع ذلك الكاتب الغربي الذي ذكرناه في صدر هذا الحديث. لكن على شرط أن هذا العمل المخطط يحمل كل معناه، على أن يكون عمل بناء لاعمل تكديس، لأن الحضارة لا تصنعها (كومة) من الأشياء المستوردة، وإنما هي بناء تطبعه فكرة معينة، كما تطبع فكرة المهندس المعماري العمارة التي شرع في بنائها، وإننا لنترك جانباً الحديث عن الشروط الفنية التي يقوم على أساسها هذا البناء. ولكن إذا ما توافرت هذه الشروط كلها في تخطيط البناء الإفريقي الآسيوي، وفي المفهوم الأيديولوجي الذي تعبر عنه كلمة التضامن، فإن موجة جديدة ستغمر تاريخ الإنسانية من طنجة إلى جاكرتا، الموجة التي تدفعها ملحمة الإنسان الإفريقي الآسيوي في القرن العشرين، لتكون الكلمة الفاصلة في الحوار التاريخي بين المحورين. حلب ٢٩/ ١٢/ ١٩٦٠ ***

стр. 113

الفعالية محاضرة ألقيت في بيروت يوم ٨/ ٧/ ١٩٥٩

стр. 114

إنني لم آت لأحاضركم، وإنما لأتحدث معكم، فإن المحاضرة تتطلب مني التهيؤ لها والاستعداد، وكرم الاستاذ محمد عمر الداعوق قد حرمني هذا كله، فهو قد أخذني منذ أمس ولم يسلمني إلى نفسي إلا منذ قليل. لقد كنت الآن في القاعة التي أنتظر فيها موعد الحديث، أستمع إلى أحد إخواننا المهندسين وكان يدرس في جنيف. ولقد استفدت من حديثه إذ أتاح لي أن أستيقن من ظاهرة نعيشها اليوم، وهي ظاهرة النهضة العربية في مختلف المجالات حتى في مجال الفن المعماري، والفن المعماري لا شك يتصل كبقية الفنون بأرواحنا وقلوبنا. ولقد عبرت عن إعجابي بما شاهدته من نموذج جديد لصورة المنبر في المساجد التي أشرف على بنائها الأخ المهندس. غير أني شعرت في أثناء حديثه أنه يواجه مشكلات، وخاصة مشكلة يعبر عنها بالرموز، لأنه مؤدب ويتحاشى إن أفصح القول أن يسيئنا فقال: ليت لنا هيئات علمية أو معاهد فنية تقوم بنشر ما نعده اليوم تجديداً لثورتنا الفنية. وهكذا في كل خطوة من خطواتنا في طريق الحياة نرى أنه تواجهنا مشكلات، وتعلق على رؤوسنا عدداً عديداً من نقط الاستفهام والألغاز، تحثنا للجواب عليها. وأحياناً نجد أنفسنا مضطرين إلى الاعتراف بأننا لا نجيد التصرف بها أو توجيه إمكانياتنا التوجيه المناسب لحلها. فالمشكلة بالنسبة لكل عربي يعيش هذه المرحلة الخطيرة التي نسميها النهضة العربية، والتي- والحمد لله- أصبحت رايتها مرفوعة في كثير من البلدان العربية وفي مقدمتها الجمهورية العربية المتحدة، أقول إن المشكلة بالنسبة لكل فرد عربي يعيش هذه المرحلة الخطيرة، أن يحاول فهم الصعوبات التي تواجهنا في صورة مشكلات متنوعة سواء في ناحية الإقتصاد أو الثقافة، وبعبارة أخرى أن يصوغ حياته صياغة جديدة تطابق حاجاته وما يحس به. إن الأخ المهندس حينما عبر عن هذه المشكلة عبر عن حالة نفسية يمكن أن نسميها

стр. 115

بأنها قلق؛ والحمد لله فقد أصبحت نفوسنا تشعر بهذا القلق، لأنه هو علأمة الحياة الأولى، هو علأمة الولادة الجديدة، إن الطفل يستبشر أهله بولادته ولادة سليمة حينما يبكي. فنحن إذ يعترينا القلق في حياتنا نشعر بأنا قد ولدنا ولادة جديدة، فقد عشنا قروناً طويلة لا نشعر فيها بأي قلق. فحياة جدي ﵀ كان يحتويها جو من الطمائينة، فقد كان رجلاً فاضلاً مؤمنا يقوم بواجباته مسما، ولكنه لا يشعر في يوم من الأيام بوجود مشكلة في حياته. ثم أتى من بعده جيل هو جيل أبي فبدأت المشكلات تواجهه رويداً رويداً وبدأ يشعر شيئاً ما بالقلق. ثم أتى جيلنا فتعلقت على رأسه آلاف من المشكلات ونقط الاستفهام ملحة للجواب عليها، ملحة لدراستها لأنها تتصل بجوهر الحياة، بجوهر كياننا. فمثلا الآن وأنا أحدثكم أشعر بأن هناك مشكلة قائمة تنصب على رأسي نقطة استفهام خطيرة، نقطة استفهام حمراء، وهي مثلاً الثورة الجزائرية. لأنني بالطبع أفكر في هذا وأرجو من الله أن يحلها. ثم أرى مشكلة أخرى قريبة من مشكلة الثورة الجزائرية وهي مشكلة فلسطين، فهي أيضاً تمس حياتي في الصميم بصفتي مواطناً عربياً وبصفتي مسلماً، ثم إنى أرى مشكلة أخرى تواجهني حينما أقرأ في صحيفة عن قضية برلين، فهذه المشكلة وإن كانت بعيدة عني ظاهراً فإنها تمس حياتي من جانب آخر وفي مستوى آخر طبعاً، إذ أن هذه المشكلة إذا لم تحل حلاً سلمياً تورطنا نحن مع بعدنا عن برلين وواشنطن وجنيف وموسكو، تورطنا في ساحة المعركة، لأن القنبلة الذرية الأولى إذا انفجرت فإن وراءها سلسلة من القنابل الذرية والصواريخ الموجهة، تستطيع القضاء على كيان البشرية. فأنا إذن تواجهني المشاكل كل يوم في صور مختلفة، غير أني إذا رتبتها ترتيبا منطقياً لأعرف أي قيمة أعطي لكل نوع منها، فإنني أرى أن هذه المشكلات تترتب في فصلين: مشكلة تهمني بصفتي مواطناً عربياً، ومشكلات أخرى تواجهني بصفتي إنساناً يعيش في مجتمع أوسع من المجتمع العربي والإسلامي، إنه

стр. 116

المجتمع الإنساني، فإن هذا المجتمع قد أصبح يفرض كيانه اليوم. ولعلنا كنا من قبل هذا التاريخ لا نشعر بحتمية هذا المجتمع ولا باتصاله في حياتنا اتصالاً دقيقاً، أما اليوم فإننا بمجرد الضغط على زر في جهاز الراديو نستطيع أن نسمع صوت موسكو وواشنطن والعالم أجمع، فكأنه بهذا قد وقع بيني وبين العالم صلة شخصية. وهذه الصلة الشخصية ليست صلة معنوية فحسب، ولكنها صلة إقتصادية أيضاً، فإن ظروفنا الإقتصادية الكبرى تخضع اليوم لقوانين عالمية، فالقضايا الحيوية كقضية السلام أو الحرب، لا تتعلق برأي مسيو خروتشوف أو رأي أيزنهاور، وإنما تتعلق بكياني أنا بوصفي فرداً مسلماً جزائرياً عربياً إلخ .. فأنا إذن أواجه دائماً وفي كل لحظة من حياتي المشكلات من نوعين: مشكلة المواطن ومشكلة الإنسان. غير أن الحياة لا تخطئ في صياغة المشاكل، لأنها تأتي بالنتائج طبقاً للمسببات. ولكنني بعد تجربة طويلة أشعر للأسف بأنني أخطئ في فهم المشكلات، أخطئ في نطاق جوهر المشكلات. ولقد نتج عن هذا أنني أواجه المشكلات وخاصة مشكلاتي بصفتي مواطناً ببديهيات: فأجمع المشكلات تحت عناوين مسبقة. إنه قد أصبح من الشائع في صحافتنا وكتبنا التكلم مثلاً عن الفقر في البلاد المتخلفة، ونحن بالطبع قطعة من هذه البلاد، فنجعل عدداً معيناً من المشكلات التي تواجهنا يومياً تحت عنوان الفقر، ثم نقتنع بهذا صياغة للمشكلة، واقتناعنا هذا يؤدي إلى حل ضمني، فكلمة فقر تقابلها كلمة غنى؛ ثم نجعل عدداً آخر من المشكلات تحت عنوان آخر هو الجهل مثلا، والحل المتبادر إلى الذهن هنا العلم. وكذلك المشاكل التي نضعها تحت عنوان الإستعمار فإن علاجه ما يناقضه من الاستقلال. فنقتنع هكذا بهذه الصياغة السهلة لمشكلات وبالحل البديهي لها. ولكن النظرة الفاحصة تكشف لنا عن ضعف الحلول. ودليل ضعفها أنني

стр. 117

بعد تجربة ثلانين سنة، أرى أننا ما حصلنا طائلاً في وضعنا المشكلات تحت هذه العناوين البديهية، ذلك لأننا لم نضع المشكلات في وضعها الصحيح، ولم نتأملها في جوهرها؛ فإن جوهر المشكلات ليست في حوادث خارجية. فنحن إذا تصورنا المشكلات في إطار اجتماعي فقلنا هي الجهل، أو في إطار إقتصادي فقلنا هي الفقر، أو في إطار سياسي فقلنا هي الإستعمار، فإننا في هذا كله إنما نبحث نتائج لأسباب سابقة أصولها في أنفسنا. ومن هنا كان الضعف في ثمرات أعمالنا وجهادنا وكفاحنا المرير، إذ هي ثمرات لا تقنعنا في النهاية. فإذا ما وضعت مشكلة ما تحت عنوان فقر، فإنني خلال الطريق يأتيني أخ كريم ويقول لي مثلاً: والله إننا نتمنى أن تكون هناك هيئات علمية تقوم بنشر الأفكار والثقافة، وبتشجيع الجانب الفني في نهضتنا. فهذه المشكلة يمكن أن نضعها تحت عنوان فقر، فنقول إننا لا نستطيع ذلك لأننا فقراء، غير أنه سرعان ما يعقب الأخ ويقول لنا- وهنا صورة أخرى لمشكلة- إن أثرياءنا الذين بأيديهم ثروات طائلة، يصرفونها في اللهو ويبخلون بالقرش في سبيل حل هذه المشكلة؛ فهل نضع هنا المشكلة تحت عنوان فقر، أو تحت عنوان ثروة لا نحسن التصرف بها؟ المشكلة هنا مزدوجة. فأحياناً تضطرنا الظروف أن نجعلها عنوانما فقر، وأحياناً حينها نستمع إلى الأخ نجعلها تحت عنوان ثروة معطلة. فالقضية إذن ليست قضية إمكانيات، ليست قضية فقر أو غنى، لأننا لو قدمنا عنوان الغنى فإننا سنستمر عشر خطوات، فتضطرنا الظروف أن نجعل المشكلة تحت عنوان فقر، فنحن إذن في مناقضة ضرورية لأن تفكيرنا لم يتصل بجوهر القضية. فما هي القضية إذن؟ إن القضية سواء كانت في إطار إقتصادي أو إطار اجتماعي أو إطار سياسي تتصل بموقفنا نحن أفراداً. تتصل بموقفي مواطناً أمام المشكلات، إنني عاجز عن صياغتها فكرياً، وإذا صيغت فكرياً بصورة ما فإنني

стр. 118

عاجز عن التصرف في الإمكانيات لحلها، فعجزي إذن مزدوج وليس عجزاً بسيطا. فحينما نعالج مشكلة النظافة في الشوارع مثلاً، فإننا نرجعها إلى إهمال المواطنين وتهاونهم، وهذا صحيح ومن ثم فإنني أشعر بنصيبي في التفريط. فانا أحد المسؤولين الذين يحملون جزءاً من هذا التفريط، غير أني حينما أعالج هذه المشكلة بزيادة عدد سلال المهملات في الشوارع فقط، فإنني أشعر بخطئي في حل المشكلة حلاً صحيحاً. فإن السلال الزائدة إذا كانت تصلح لمجتمع معين، فإنها في مجتمع كالمجتمع العربي مثلاً، أرى بعد خبرة دامت ثلاثين عاماً أن هذا الحل حل نظري، فهو تكديس لعدد آخر من سلال الهملات. ودليلي على ذلك أنني شاهدت في كثير من شوارعنا عددا كبيراً من سلال المهملات، ولكنها شبه فارغة ومن حولها الأرض ملأى بالمهملات. فالقضية إذن ليست قضية أدوات ولا إمكانيات، إن القضية كانت في أنفسنا، إن علينا أن ندرس أولاً الجهاز الاجتماعي الأول وهو الإنسان، وليست السلال وغيرها؛ فإذا تحرك الإنسان تحرك المجتمع والتاريخ، وإذا سكن سكن المجتمع والتاريخ (١). ذلك ما تشير إليه النظرة في تاريخ الإنسانية منذ أن بدأ التاريخ، فنرى المجتمع حيناً يزخر بوجود النشاط وتزدهر فيه الحضارة، وأحياناً نراه ساكناً لا يتحرك يسوده الكساد وتغمره الظلمات. وهل هذه المظاهر غير تعبير عن حركة الإنسان أو ركوده؟ على أنني حينما أرى في حركة التاريخ حركة الإنسان وفي ركودِه ركودَه، فإن ذلك يضعني أمام مشكلة تتصنف تحت عنوان الفعالية، فعالية الإنسان في التاريخ. فما هي شروط هذه الفعالية؟ وللجواب على هذا السؤال لا بد أن نوضح ما نعني بالتاريخ وبالإنسان.

стр. 119

إن نظرتنا إلى التاريخ لا تؤدي إلى نتائج نظرية فحسب، بل إلى نتائج تطبيقية تتصل بسلوكنا في الحياة، فهي تحدد مواقفنا أمام الأحداث، وبالتالي أمام المشكلات التي تنجم عنها. ذلك أننا إذا نظرنا إلى التاريخ باعتباره مجرد حوادث تتعاقب، دون ما ربط جدلي بينها، فإن هذه النظزة تؤدي إلى نتائج معينة، ليست هي التي تنتج عن نظرنا إليه، حينما نعده سيراً مطرداً، تترتب فيه الحوادث ترتيباً منطقياً كما تترتب عن الأسباب مسبباتها. فإن النظرة الأولى تؤدي إلى تسجيل ما يطرؤ من حوادث في أنفسنا وفي مذكراتنا، على أنه من حكم القضاء والقدر، أي من حكم لا يد للإنسان فيه، ولا يسعه أمامه سوى الإذعان ومسايرة الظروف، أو كما يعبر عنه بعضهم الاستسلام للواقع. فهذه النظرة تجعلنا نطأطئ الرؤوس أمام الأحداث، لأن جهلنا بأسبابها ونتائجها يؤدي بنا إلى أن نحني لثقلها ظهورنا، فإذا ما وضعتها عن ظهورنا يد الموت ألقتها على كاهل الأجيال من بعدنا. أما نظرتنا الثانية إليه فإنها بدلاً من أن تلقي على أكتافنا ثقل الأحداث تجعلنا نحدد إزاءها مسؤولياتنا. فبقدر ما ندرك أسبابها ونقيسها بالقياس الصحيح، نرى فيها منبهات لإرادتنا وموجهات لنشاطنا، وبقدر ما نكتشف من أسرارها نسيطر عليها بدلاً من أن تسيطر علينا، فنوجهها نحن ولا توجهنا هي، لأننا حينئذٍ نعلم أن الأسباب التاريخية كلها تصدر عن سلوكنا وتنبع من أنفسنا، من مواقفنا حيال الأشياء، أعني من إرادتنا في تغيير الأشياء تغييراً يحدد بالضبط وظيفتنا الاجتماعية، كما رسمها القرآن الكريم في قوله تعالى: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ﴾ [آل عمران: ١١٠/ ٣]. والمعروف في أعم صوره والمنكر في أشمل معانيه، يكونان جوهر الأحداث التي تواجهنا يومياً كما يكونان لب التاريخ.

стр. 120

هذا هو المعنى العام للفعالية، وشرطها الأول: هو الذي يحدد موقف الإنسان إزاءها بصفته صانعا للتاريخ ومحركا له. غير أننا إذا راجعنا الآن على ضوء هذه الملاحظة الفترة الطويلة التي قضيناها في معركتنا مع الإستعمار منذ قرن مثلاً، وجدنا أننا قد أضعنا وقتاً طويلا، إذ لم نضع مشكلاتنا خلال هذه الفترة بمنطق الفعالية. فنحن لو تأملنا في حقيقة الكلمة نفسها، كلمة استعمار التي جعلناها عنواناً لصراعنا منذ ما يزيد عن نصف قرن، نرى أن الشعوب العربية الإسلامية قد تصارعت مع الإستعمار صراع الأبطال لتتخلص منه، ولكنها كانت في الواقع تتصارع مع ظل وليس مع واقع بالمعنى الصحيح، كنا نتصارع مع وهم من الأوهام ومع شبح من الأشباح لا مع حقيقة. والصراع مع الأشباح ينهك القوة، والنصر فيه قليل الجدوى أو عديمها، لأن فيه شيئا من الخيال الذي كان يحيط بالصراع. هذا ما تكشف عنه النظرة الفاحصة في معنى الإستعمار. وقد كان علينا أن نفعل ذلك منذ عهد بعيد، حتى ينجلي عن صراعنا الغبار سواء في المستوى السياسي أو الاجتماعي. واسمحوا لي أن أبسط الموضوع ببعض صور توضح لنا معنى الإستعمار وحقيقته، وتقفنا على خطئنا في فهمه بوصفه حدثاً من أحداث التاريخ، مما أدى بنا إلى البذل في صراعه بالجهود الكبيرة، من أجل نتائج غالباً ما تكون هزيلة ناقصة، كتلك التي نراها اليوم من خلال الوضع السياسي في بعض البلاد التي حصلت على استقلالها أخيراً. أما الصور فثلاث؛ أولاها: تعرض لنا صورة طفل صغير وجَمَل قوي كبير. فمن الطبيعي أن نرى الصبي على الرغم من حداثة سنه يسيطر على الجمل القوي، يقوده كيفما شاء يميناً ويساراً بعصاه أو بدون عصا. فلو أننا وضعنا هذه الصورة في مجال تأملنا، فلسوف نرى في الواقع حيوانا ضعيفاً يتصرف في حركات

стр. 121

وسكنات حيوان أقوى منه، وإذا تساءلنا عن هذه الظاهرة الغريبة فالجواب بديهي معلوم، إن الجمل القوي يفقد بطبيعته، ومن فضل الله علينا نحن الآدميين، شيئاً بسيطاً هو الإرادة. أما الصبي فإنه قوي بالإرادة التي يمتاز بها جنسه على جنس الجمال. وهذا واضح تمام الوضوح، وتشعرون أن الحديث فيه ضرب من تحصيل الحاصل ولكننا سنجد أنه مفيد فيما بعد. أما ثانيتها: فإنها ترينا الطفل نفسه الذي كان يتصرف مع الجمل تصرف السيد مع مسوده، يتصرف هذه المرة مع حيوان من جنسه جنس الآدميين، وهو رجل أكبر منه سنا وأقوى عضلا، ولكنه لا يتمتع بقواه العقلية فهو مجنون أو معتوه. فإن الطفل سوف يتصرف معه كما كان يتصرف مع الجمل، من أمره بالقيام أو القعود أو السير أو الوقوف. والرجل يمتثل للصبي في هذا كله، وما ذلك إلا لتمتع الصغير بإرادته مع خلو الكبير منها بحكم فرضنا. أما ثالثة الصور: فإنها الشعب الهندي مثلا والشعب الإنكليزي في القرن التاسع عشر. فإن تعداد الأول بالنسبة للثاني، يمثل قوة الرجل الضخم فاقد الإرادة والجَمَل في صورتينا السابقتين، بالنسبة إلى ضعف الصغير الجسمي في كلتا الصورتين، فنرى أن الشعب الإنكليزي الذي تفصل بينه وبين الشعب الهندي الابعاد- إذا استعملنا اصطلاح الصورتين السابقتين- نرى بالاحرى الطفل الإنكليزي، على الرغم من حداثة سنه يتصرف في الرجل الهندي على الرغم من قوة جسمه. إذ أن إنكلترا قد كونت جهازها الصناعي خلال القرن التاسع عشر باحتلالها للهند. كما أن الطفل الهولندي- إذا اعتبرنا ستة الملايين من سكان هولندا كأنها طفل صغير لم يتجاوز السنين الست من عمره يتصرف في الثروة التي حص الله بها البلاد الإندونيسية دون غيرها فصنعت بها بلادها ومدت فيها شبكة الخطوط الحديدية الخ ...

стр. 122

فلو أننا جعلنا هذه القضية تحت نظرنا لنصدر فيها حكمنا، فهل يجوز أن يكون مخالفا للذي طبقناه على الصورة الأولى والصورة الثانية؟ لا فإن مقتضيات الصورة الثالثة تتطلب الحكم نفسه، بمعنى أن القضية تمثل في الصورة الأولى حالة طبيعية أوردناها للقياس، لنكون منها مقياساً نطبقه في الصورة الثانية، التي تمثل حالة مرضية ليس المريض فيها الصبي الذي يتصرف في المعتوه كما كان يتصرف في الجمل، إنما المريض هو المعتوه، وحالته تتطلب أن نعالجه علاجاً يعيد له إرادته ورشده. أما لو أننا بقينا نوجه للصبي اللوم والاستنكار على سلوكه مع المجنون مثلاً، فإنني أشك في أن استنكارنا هذا وإلحاحنا، يعيد للمريض رشده وإرادته، ولو قضينا نصف قرن أو أكثر في هذا الطريق. فإذا كان حكمنا في الصورة الأولى، أعني في مستوى الاعتبار صحيحاً وكان صحيحاً في الصورة الثانية- أي في مستوى حالة نفسية مرضية- فإن الحكم بالصحة ينسحب على الصورة الثالثة، التي هي في مستوى حالة سياسية مرضية، حيث التشابه بينها وبين الحالتين الأوليين واضح ظاهر. ولكننا في تاريخنا القريب، أي منذ نصف قرن لم نتبع هذا التحليل المنطقي في معالجة مشكلة الإستعمار- وإنما نحن قد صرفنا وقتنا في التعبير بكل وسيلة وبكل صيغة عن استيائنا من سلوك الإستعمار، كأننا نطالب إبليس أن يعدل من تصرفاته، ويصبح ملكا كريماً. أما المريض الحقيقي أعني الإنسان المستعمَر، الإنسان الذي أصابه داء القابلية للاستعمار، فقد تركناه يستفحل فيه المرض من غير أن نحاول محاولة جدية في فهم حالته المرضية حتى نعالجه منها. وما ذلك إلا لأننا- خلال صراعنا مع الإستعمار- لم نعبر عن الأشياء بلغة الفعالية، ولكن بلغة العاطفة التي أدت بنا أحياناً إلى تصرفات ومواقف هزلية، تتفق تماماً مع الخطط الإستعمارية في بلادنا. وهذا ناتج عن أننا لا نقدر حوادث التاريخ كما ينبغي لنا تقديرها، أعني أن نقدرها بصفتها أفعالاً وردود أفعال بين

стр. 123

عوامل اجتماعية ونفسية معينة، توجب علينا فحصها بالجهد الدقيق ودراستها دراسة مدققة. فلو أننا قد عدلنا هكذا فهمنا للتاريخ، لحققنا تلقائياً الشرط الأولي للفعالية، سواء بالنسبة للاستعمار أو بالنسبة لأي حدث آخر من أحداث التاريخ. ولو أننا قد صححنا معنى الإنسان في أذهاننا، إذن لأدركنا مباشرة السبب في أنه يحرك التاريخ أحياناً، وأحياناً أخرى لا يحرك ساكناً، في حين أن الإنسان في كل الظروف هو الإنسان الذي كرمه الله ، يوم خلق آدم ﵊، ذلك أن هناك حقيقة اجتماعية هأمة، أرى من حُسن شرحها أن أضرب المثل الآتي: لو أخذنا قطعة من معدن الزنك مثلاً، سواء أكانت في حالتها الخام، أو في حالة مخلفات تلقى في المهملات، أي في حالة فقدت فيها صلاحيتها فما أعدت له أو تكتسب بعد تلك الصلاحية. فإن هذه القطعة في كلتا الحالتين تفقد قيمتها العملية. ومن البديهي أننا لن نستطيع أن نعيد إليها هذه القيمة، ما لم نعد إليها أولاً صلاحيتها المفقودة، أو نخلق فيها شروط تلك الصلاحية التي لم تكتسبها بعد. ولقد سنحت لي الفرصة صباح اليوم أن أزور المصنع الذي يشرف عليه الأستاذ (أبو عمر الداعوق)، ورأيت بعض تلك العمليات التي تحول قطعة معدن الزنك، بعد أن فقدت صلاحيتها وألقيت في المهملات، تحولها من الشيء التافه الذي يلتقط في الشارع، إلى الشيء الذي أعيدت إليه صلاحيته، بما طرأ عليه من العمليات الصناعية. فقد تتبعت هذه المراحل كلها، منذ أن كانت هذه القطعة شيئاً ذا قيمة إقتصادية زهيدة، إلى أن أصبحت شيئاً لا يثمن بما فيه من المادة، ولكن بما فيه من العمل. وإنكم لتعلمون أن قيمة هذه القطعة الحقيقية، ليست غير تلك التي قدرتها الأقدار، عندما حددت ميزاتها الخاصة بوصفها عنصراً من عناصر الطبيعة. ولم

стр. 124

يكن للمصنع أن يعطيها أي قيمة إقتصادية، لولم تكن فيها أولاً وقبل كل شيء قيمتها الطبيعية. فلو أننا نقلنا هذه البديهيات إلى مستوى الإنسان، فإنها تفسر لنا لماذا نجده أحياناً عنصراً حياً في التاريخ ويسيطر على الأحداث، وأحياناً نجده ساكناً تسيطر عليه الأحداث. إن الملاحظة تجبرنا على أن نقدر للإنسان قيمتين: قيمته إنساناً، وقيمته كائناً اجتماعياً، قيمة توهب له في طينته الأولى بما وضع الله فيها من تكريم، وليس لظرف من الظروف ولا لأحد من الناس أن يغير منها شيئا، كما أنه لا يمكن لأي ظرف أن يغير شيئاً من خصائص عينة الزنك. وقيمة أخرى تعطى له بعمليات اجتماعية معينة، تماماً كما تعطى العمليات الصناعية لعينة من الزنك قيمتها العملية. وبعبارة أخرى إن الإنسان يمثل معادلتين: معادلة تمثل جوهره إنساناً صنعه من أتقن كل شيء صنعه، ومعادلة ثانية تمثله كائنا اجتماعياً يصنعه المجتمع. ومن الواضح أن هذه المعادلة الأخيرة هي التي تحدد فعالية الإنسان. إنسان في جميع أطوار التاريخ لا يتغير فيه شيء، بل تتغير فعاليته من طور إلى طور. وهذا يعني أن شخصيته ليست بالبسيطة، وإنما هي مركبة تشتمل على عنصر ثابت يحدد كيانه إنسانا وعنصر متغير يحدد قيمته كائناً اجتماعياً. وهذا يجعلنا نصوغ مشكلته صياغة جديدة وأن نتساءل: ما هي الظروف التي تجعل المجتع يخلق في الفرد القيمة التي تبعث فيه الفعالية.؟ إننا حينما ندرس مجتمعا ما في حقبة من الزمن كافية لتعطينا خبرة بشؤون المجتمعات في مختلف أطوارها، نرى أن المجتمع نفسه يكون أحياناً في حالة ركود وكساد. ولو أننا قد حللنا في مثل هذه الحالة الوضع النفسي، الذي يكون عليه الفرد، فإننا نراه يتمتع بصورة واضحة بشعور الاستقرار. فلا يحتويه أي قلق

стр. 125

وبالتالي فإنه لا يبذل أي محاولة لتغيير الوضع من حوله، إذ تسير الأشياء والحوادث دونما تدخل من إرادته. وهنا يصبح التاريخ سيلاً يجرفه إلى حيث لا يدري مستسماً له الاستسلام المطلق. فإذا ما حدثت في المجتمع حالة جديدة غيرت هذه الأوضاع كلها، فإن موقف الإنسان هنا يتغير أمام الحوادث والأشياء، وبالتالي يتغير مجرى التاريخ. وهذا لا يحدث إلا في حالات معينة من تاريخ المجتمعات. ولو أننا أخذنا بالتحليل هذه الحالات، لوجدنا أنها أولا وقبل كل شيء حالة قلق، يسودها الشعور بالخطر، سواء أكان الخطر واقعياً أم مجرد فكرة خامرت العقول. وهكذا يسود المجتمع وضع جديد نستطيع تسميته بحالة إنقاذ. وأول ما يكون من أثر هذه الحالة في نفس الفرد، أنها تحرمه الشعور بالاستقرار، بما يعتريه ويسيطر على مشاعره من قلق، لا يمكن دفعه إلا بتغيير الوضع، بتغيير الأشياء، بالوقوف أمام الحوادث لتوجيهها لغايات واضحة وقريبة في شعور الفرد، سواء أكان الواقع يؤيد هذا الشعور أم لا يؤيده. فلقد رأينا إحدى صورها تحققت في تاريخ بني إسائيل، الذين كان فرعون يسومهم من العذاب ألواناً، يستحي نساءهم ويقتل أبناءهم ويسخرهم لأحقر الاعمال وأشقها، من غير أن يجد بنو إسائيل المخرج من هذا العذاب، حتى استسلمت أنفسهم له ورضوا به وهم كارهون. ولقد ظلوا على ذلهم حتى جاءهم موسى ﵇، فأثار قضية بني إسرائيل أول ما أثارها في أذهان بني جلدته أنفسهم، فصور لهم حالة خطر أو بالضبط حالة إنقاذ، لا تستطيع معها النفوس أن تعمد إلى الاستقرار بما يسودها من القلق الدائم، وتتعلق أنظارها في الأفق مرتقبة الحدث الذي يغير وضعها،

стр. 126

مرتقبة صوتا يرشدها إلى الطريق، بعد أن لم تعد يطيب لها المقام. وهكذا شعر بنو إسرائيل أنه لا بد من السير إلى حيث تدعوهم الأقدار، ورأوا في موسى ذلك النقذ الذي يستطيع أن يقوم بهذه المهمات جميعها، فارتفع صوته أولاً في بني إسرائيل، ليصور لهم حالة الإنقاذ التي لم يكونوا يشعرون بها من قبل، فدكّ صوته الارواح الساكنة المستسلمة، فحركها وأشاع فيها القلق؛ ثم صور لهم ضرورة السير معه في الطريق. ولكن أين نهاية هذا الطريق؟ ذلك مالم يكونوا يعلمونه، ولكنهم مع ذلك ساروا معه، لأن شعور بني إسرائيل بحالة الإنقاذ كان أقوى لديهم من غريزة المحافظة على الحياة. ولذلك فإنهم لم يترددوا في الدخول معه في اليم مستسلمين للخطر. ولكن وراء هذا الخطر الذي تحداه موسى بمعجزة يقصها علينا القرآن الكريم، كان بنو إسرائيل يرون رأي العين الغاية التي يسيرون إليها.، وقد تجسدت في شخص المنقذ الذي شق الطريق أمامهم بعصاه. وهذه الصورة النفسية قد تكررت مع نتائجها الاجتماعية أكثر من مرة في تاريخ الإنسانية، مع اختلاف الغايات التي تسير إليها الشعوب حينما يهزها الشعور بحالة إنقاذ، فتسير وراء خطوات منقذ يشخص لها الغايات، حتى تصبح وكأنها تراها وتلمسها، كما رأى أصحاب بدر الجنة على مقدار شبر منهم، حتى إن بعضهم ليلقي بحفنة تمر كان يأكلها ليدخل المعركة، لأنه كان يرى الجنة أقرب إليه من التمرات التي كانت بيده. والحالة النفسية هذه قد تكررت في عصرنا ولكن في اتجاه آخر، ولغايات أخرى في حياة الشعب الألماني مثلاً. فإن التاريخ قد حقق جميع شروط حالة إنقاذ ألمانيا بعد الحرب العالمية الأولى. فلقد كان الشعور بالقلق يسيطر على الحياة، ويسود جميع الأوساط، مما دفع المارشال هندنبرج إلى توجيه ندائه التاريخي ليطلب الخبرة من أميركا حوالي سنة ١٩٢٥. وهكذا تهيأت جميع الشروط التي فيها يظهر النقذ. ولقد كان منقذ الشعب

стр. 127

الألماني هتلر الذي خاض به اليم ... ولكن اليم قد ابتلعه لأنه لم تكن بيده عصا النبوة؛ إلا أن هتلر قد خلف وراءه موضوعاً هاماً للدراسة، يعتني به كل مهتم بشأن المجتمعات التي تغمرها موجة القلق، ويهزها الشعور بحالة إنقاذ فتتشخص أمامها الغايات وتعنو لها المصاعب، وهكذا ينطلق الفرد الذي كان من قبل مكبلاً بكساده، ينطلق لأنه يشعر فجأة بانفجار ذاتي في نفسه، انفجار يطلق طاقاته المكبلة فتغير وجه التاريخ. وإن هذه الشروط- في أبسط صورها ودونما خوض في التفاصيل المدققة- لهي الشروط النفسية الاجتماعية التي تحرك المجتمعات، وتفرض على الأفراد الانسجام مع قانون تلك الحركة. بما لديهم من المؤهلات المكتسبة التي تكون ما سميناه المعادلة الاجتماعية، أعني المعادلة التي تحدد فعاليتهم أمام المشكلات وتعطيهم قيمتهم في المجتمع وفي التاريخ. ***

стр. 128

الثقافة ألقيت في ندوة خاصة في طرابلس- لبنان يوم الأحد ٢٨ من حزيران (يونيو) سنة ١٩٥٩ ثم أعيدت كتابتها فيما بعد

стр. 129

سادتي: ما هي الثقافة؟ إنني حينما أضع أمام عيني هذا السؤال فإن كثيرا من التجارب التي مرت بي، والذكريات التي سجلتها في حياتي تمر بخاطري. ذلك أن هذه الخواطر الذاتية هي التي تحدد موقفي أمام هذا السؤال. ولعلي في هذا الاعتراف أبدو أمام المستمعين الكرام، وكأنني أقف من المشكلة موقفاً غير موضوعي. ولكنني في الواقع أرى أن موقفي سوف يكون أقل موضوعية، حينما أحدده بأشياء خارجة عن نطاق حياتي وعن مجال تجربتي الشخصية. لقد خصصت كتاباً لدراسة هذا الموضوع نفسه، ولم تكن المصادفة هي التي جعلتني أهتم بمثل هذا الموضوع، ولكن بعض الظروف التي لا أرى من المبالغة وصفها بأنها مرة هي التي أثارته في نفسي. فلقد كنت قبل أن أكتب عن الثقافة قد كتبت في مواضيع أخرى، منها خاصة كتاب عن (الظاهرة القرآنية) كتبت بهذا العنوان، وتمنيت لو ترجمته إلى العربية لسببين: أولهما أنني وجهته للشباب المسلم المتعرض لبعض الأفكار الهدأمة، وكنت أقدر أنه لن يصل إليه فعلا ما لم يترجم إلى العربية. وثانيهما أنني كنت أريد ذلك من أجل تحصين الكتاب نفسه، لأن بعض الظروف التي لا مجال لشرحها هنا كانت تقتضي مثل هذا التحصين حتى لا يضيع الكتاب بعد موت الكاتب. فهذان السببان قد جعلاني أبحث عن وسيلة الترجمة في بلاد كل وسائلها، إما في يد الإستعمار، وإما هي في يد من لا يحسن التصرف فيها. ولقد بعثني هذا كله، أن أقدم كتابي إلى بعض الشخصيات في العالم العربي الإسلامي، لعله يكون في إحدى هذه الشخصيات من يقوم بإنجاز الترجمة على

стр. 130

نفقته ولحسابه أو لحساب من يهمه الأمر. فأرسلت نسخة من الكتاب مع التفاصيل اللازمة إلى ملك عربي أعلم أنه كان يتقرب إلى الله. وأخرى إلى ملك آخر كان يبدي حبه للكتب والكتاب. وزدت على ذلك أنني سلمت عدداً لا بأس به من النسخ إلى بعض السفارات الإسلامية والعربية في باريس، وانتظرت وطال الانتظار، ومرت أكثر من عشر سنوات، ولكن دون أن يأتيني رد من تلك الأطراف العالية، ولا من تلك السفارات، ودون أن تظهر ترجمة الكتاب في السوق. فالتجربة هذه قد عشتها بنفسي، عشتها بفكري مرات، لأنني كلما وضعت مشكلة الثقافة أمام عيني عادت تفاصيلها إلى ذهني. وهي في كل مرة تزداد تفاصيلها وضوحا، وأرى فيها جانباً من المشكلة مفيدا لا يسعني طرحه منها مهما يكن من سلبيته. فهي تعبر عن اختلال واضح في الحياة الثقافية في البلاد الإسلامية العربية، تعبر عن افتقارنا لبعض الشروط الأولية البسيطة، افتقاراً لا يوجد معه في هذا المجتمع شبكة للعلاقات الثقافية اللازمة تحيا فيها الأفكار، كما لا يوجد فيه الدفء الإنساني الذي يشعر به الكاتب، حينما يأتيه على الأقل جواب شكر يشجعه على المثابرة، في حين أن هذين الشرطين أساسيان للحياة الثقافية في أي بلد؛ غير أني لن أهتم في حديثي هنا إلا بتوضيح الشرط الأول الذي يتضمن قيماً اجتماعية، يمكن أن ندرك أهميتها من وجهة فنية، كما يمكن لنا أن نتخذ للدلالة على أهميتها مقاييس من حوادث التاريخ. إن عصر النهضة في أوربا يزخر ببعض المظاهر ذات الدلالة في الموضوع. فالمطبعة مثلا حينما استوطنت البلاد الأوربية على يد (غوتنبرغ) أحدثت فيها مشاريع مطبعية هأمة. أسهمت في صورة مباشرة في تعميم العلم ونشر الأفكار، ومن بين تلك المشاريع مشروع طبع (كتاب العهد القديم).

стр. 131

فقد قامت بطبعه مطبعة يشرف عليها في مدينة (أنفرس) ببلجيكا مستوطن فرنسي، تخصص في الطباعة العلمية المتقنة. ولقد كانت هذه المحاولة تهدف إلى نشر الكتاب المقدس باللغات القديمة، التي كتبتها ونطقت بها الأجيال في صدر المسيحية: مثل الآرامية والسريانية واليونانية واللاتينية. ومن الطبيعي أن مثل هذا المشروع يعتمد على مشاركة علماء هذه اللغات في تنفيذه. وهكذا اشترك فعلاً علماء من روما ومدريد ولندن وباريس وبرلين حتى أنجزوا العمل. فلو أننا رسمنا خريطة نحدد فيها بلاد العلماء المشتركين في هذا المشروع، فإننا نرى مدينة (أنفرس) من خلال إنجاز المشروع قد أصبحت وكأنها مركز هاتفي، تصل إليه من مختلف البلاد الأوربية خطوط تمثل شبكة الاتصالات الهاتفية، وصورة العلاقات هذه التي ربطها مشروع نشر ما يسمى طبعة اللغات من كتاب (العهد القديم)، هي في الواقع صورة لشبكة الثقافة في عصر النهضة مرسومة على الخريطة. على أننا لو تساءلنا اليوم: هل تغيرت هذه الصورة في القرن العشرين، نرى أن الجواب سوف يكون بالنفي. ودليلنا على ذلك أننا لو وضعنا مكان طبعة كتاب العهد القديم إنتاجاً فكرياً آخر كجهاز الراديو مثلاً، فإننا لا نرى على الخريطة شيئاً يختلف كثيرا في خريطة العلاقات التي أنتجت جهاز الراديو، عن صورة العلاقات التي أنتجت طبعة اللغات للعهد القديم. فهي الخريطة نفسها تمثل شبكة العلاقات الثقافية في البلاد الاوربية. وهكذا فإنني حينما أقيس الآن تجربتي الشخصية بهذا القياس الذي استعرته من الحضارة الغربية، فإنني أرى فيها ما يشير إلى أن شبكة العلاقات الثقافية لم تتكون بعد في المجتمع الإسلامي. وإن محاولتي البسيطة في ترجمة أحد كتبي لا تدل على فقدان هذا الشرط

стр. 132

الأساسي للحياة الثقافية فحسب، ولكنها تدل أيضا على أنه ليس هناك لدى الشخصيات التي حاولتُ الاتصال بها أي اهتمام بالموضوع. هذا هو معنى تجريبي في حقل الثقافة، ومن هنا كان اقترانها بالسؤال الذي صدرت به الحديث أمراً ضرورياً. ولكن هذا الجانب السلبي ليس بالجانب الوحيد الذي يجعلني أقف أمام القضية موقفا خاصاً. بل هناك أشياء أخرى تستدعيها ذاكرتي، كلما حاولت الخوض في مشكلة الثقافة. هناك صورة أخرى تعبر أيضاً عن جانب سلبي، وهي صورة أخذت هذه المرة من الحياة العأمة. فإن ذاكرتي إذ تمتد في هذا الحقل إلى أكثر من ربع قرن، فإنها بذلك تتضمن تجربة لا بأس بها. فلقد شاهدت خلال بعض المواقف السياسية في الجزائر جيلاً من السياسيين، يقفون من قضية مهمة بالنسبة للشعب الجزائري، وهي قضية الأمية، يقفون منها موقفاً جديرا بالملاحظة. فقد كتب هؤلاء السياسيون المقالات الطويلة لشرح هذا المرض الاجتماعي الخطير، موضحين نتائجه المنكرة في حياة الفرد، بما يضربون من الامثال المدعمة بالأرقام. وهم في هذا كله يهاجمون الإستعمار في خطب ملتهبة بالحماسة متقدة بالوطنية، لأنه يُجرم في حق الشعب الجزائري، إذ يتركه إلى جهله. وهكذا يستمرون في خطبهم ومقالاتهم حتى تنقطع أنفاسهم عن الكلام، ولا يبقى تحت أيديهم ورق يكتبون عليه. وتمر الأعوام تلو الأعوام، والمشكلة لا تجد في مجهوداتهم حلها، وإنما تستفحل في التعقيد، ذلك أنهم لم يدخلوا إلى المشكلة من طريق حلها. ولقد استطاعت الحرب العالمية الثانية، أن تعطينا مثلاً للموازنة مما يوضح خطأ موقفنا السلبي أمام القضية. فقد كان من أول نتائج هذه الحرب، أنها قد غيرت الوضع السياسي بالنسبة ليهود الجزائر، على أثر سقوط المجهورية الثالثة

стр. 133

سنة١٩٤٠م، وقيام حكومة فرنسية تساير طواعيةً أو كرهاً الموقف الذي حدده هتلر إزاء اليهود. فقد أصدرت هذه الحكومة قوانين استثنائية قاسية في تنظيم التعليم في مختلف مراحله بالنسبة للطائفة اليهودية. وهكذا شعرت هذه الطائفة بأن أطفالها قد أصبحوا مهددين بالأمية، غير أنها لم تكتب مقالة واحدة تستنكر هذا الإجراء، ولم يلق واحد منها محاضرة عن هذا الأمر .. وإنما اجتمعت النخبة فيها ودرست المشكلة لكي تحدد موقفها منها، ولقد حددت فعلاً موقفها، بأن يتطوع كل ذي علم بقدر ما عنده من العلم، فيقوم بحصته من التعليم الابتدائي أو الثانوي أو العالي. وهكذا أصبح كل بيت من بيوت المتعلمين مدرسة في ساعات معينة. ولما وضعت الحرب أوزارها وأسفرت عن نتيجتها المعلومة، وارتفعت القوانين الاستثنائية التي صاغتها حكومة المارشال (بيتان) ضد الأطفال اليهود، ارتفعت دون أن تحقق أغراضها في المجتمع اليهودي، لأنه عرف كيف يتحصن ضدها. هذه هي الصورة الثانية التي تمر بخاطري حينما أضع مشكلة الثقافة نصب عيني. فإن هذه الصورة توضح لي أي فرق بين موقف النخبة العربية الجزائرية، وموقف النخبة اليهودية من قضية واحدة يتمثل فيها خطر الأمية. ولا نستطيع في حال من الأحوال أن نعزو الاختلاف في الموقفين إلى شروط مادية، فإن القوانين في هذه الحقبة كانت قاسية على كلا الجانبين. كما أننا لا نستطيع أن نرجعه إلى مجرد قضية علم وتعليم، لأنه ليس لنا أن نفترض مثلاً أن الطبيب أو الصيدلي أو المحامي اليهودي، علمه أغزر من علم زميله العربي الجزائري، فبرامج التعليم والكتب التي درسا عليها واحدة، وأحياناً كان أساتذهما موحدين. فالاختلاف في موقفهما الاجتماعي إزاء مشكلة معينة لا يمكن أن يعزى إلى شيء من ذلك في قليل أو كثير. وإذن إلى أي شيء نرده؟

стр. 134

إننا في الواقع أمام حالتين تتصف إحداهما- طبقا للظروف التي تحيط بها كما ذكرنا- باللافعالية وتتصف الأخرى بالفعالية. وجوابنا على هذا السؤال إذن يمس بالضرورة قضية هأمة في حياة أي مجتمع، أعني بالضبط قضية الفعالية. فالصورة الأولى التي ذكرتها تدلنا على أن المجتمع الإسلامي يفقد شبكة الاتصالات الثقافية. فالشخصيات التي يمكنها المساهمة ماديا في القيام بمشروع كهذا لا تشعر بأهيته، بل إنها لتقدم قضية شراء سيارة كاديلاك على مشروع ثقافي. أما الصورة الثانية فإنها تكشف لنا عن ضعف الطبقة المثقفة نفسها في البلاد العربية والإسلامية أو في بعضها على الأقل. وإن هذا ليعني إذا قسنا بالقياس الذي نجده في مواقف طبقة مثقفة أخرى مثل يهود الجزائر، أن التعليم والعلم شيء والثقافة شيء آخر. فنحن نرى أن الطبيب الجزائري يتساوى مع زميله اليهودي أو يفوقه أحياناً فيما يتصل بالجانب المهني. ولكن الطبيب اليهودي يقف أمام مشكلة اجتماعية معينة غير الموقف الذي يقفه منها الأول. وهذا يعني بالتالي أنهما يتساويان في العلم ويختلفان في الثقافة. وأرجو ألا يتبادر إلى أذهان المستمعين أنني- بعدما تحدثت عن أهمية شبكة الصلات الثقافية في مجتمع معين وعن فعالية الفرد فيه- إنما أضع القضية في سؤالين أو أكثر. فأنا حينما ذكرت هذه الأمثلة ذكرتها شاهداً فقط يوضح الموضوع، فأنا لم أذكرها لأدرس قضايا جزئية. فالقضية واحدة لأن الكائن الإحتماعي كأي كائن حي يكون تلقائيا وسائله وأفعاله. فالثقافة إذا ما تكونت في مجتمع نشأت فيه تلقائيا شبكة الصلات الثقافية، وتحددت فيه فعالية الفرد. وإذن فالسؤال الذي نضعه أمام أعيننا واحد: ماهي الثقافة التي تنشئ

стр. 135

الصلات الثقافية في المجتمع وتخلق الفرد الفعال؟ وبهذه الصيغة الجديدة للسؤال الذي صدرت به الحديث أدخل إلى الموضوع. لاشك أننا لاحظنا في أثناء الحديث أن الثقافة ليست مجرد علم يتعلمه الإنسان في المدارس ويطالعه في الكتب، فإن الصورة الثانية التي أوردناها أظهرت اختلافاً في السلوك لا في المعرفة .. والملاحظة تفرض علينا هنا أن نقدر هذا السلوك بوصفه نتيجة للوسط الذي تتكون فيه شخصية الفرد، ومن الطبيعي أن الوسط اليهودي في الجزائر يختلف عن الوسط العربي في هذا البلد، يختلف عنه بعاداته وأذواقه وأوضاعه النفسية والخلقية الخاصة به. ونحن إذا عددنا هذه العوامل هي التي تؤثر في تكوين الشخصية، لأنها تكون الجو العام الذي يحدد دوافع الفرد وانفعالاته، وصلاته بالناس والأشياء، فإننا نكون بهذا عرفنا الثقافة على أنها ذلك الجو المتكون من عادات وتقاليد وأذواق. وإذا نحن قد حللنا شيئاً ما هذه الكلمات فإننا- مع اعتبارنا لكل ما يطبع الشخصية في ظاهرها وباطنها- نقول بالتالي: إن الثقافة هي الجو المشتمل على أشياء ظاهرة، مثل الأوزان والألحان والحركات وعلى أشياء باطنة كالأذواق والعادات والتقاليد. بمعنى أنها الجو العام الذي يطبع أسلوب الحياة في مجتمع معين وسلوك الفرد فيه بطابع خاص، يختلف عن الطابع الذي نجده في حياة مجتمع آخر. هذا هو معنى الثقافة، غير أن تحديدنا لها على هذه الصورة يجعلها في صورة غير مركبة. أعني في صورة لا تعطي أي فكرة عن تطبيقها في حين أن الغرض من الجهد الذي نبذله في موضوع كهذا، ليس هو مجرد المعرفة لمفهوم من الفاهيم ولكن من أجل تحقيقه في مجتمعنا. وإذن فلا بد لنا من أن نصنف عناصر الثقافة الذي ذكرناها من عادات، وتقاليد، وأذواق الخ .. تصنيفاً ينتهي إلى تطبيقه، كما يجب أن تنتهي كل عملية تحليلية ضرورية لفهم الأشياء، إلى عملية تركيبية ضرورية لتحقيق هذه الأشياء.

стр. 136

والحقيقة الأولى التي تبادر إلى أذهاننا هي أن الثقافة لا تستطيع أن تكون أسلوب الحياة في مجتمع معين كما ذكرنا، إلا إذا اشتملت على عنصر يجعل كل فرد مرتبطاً بهذا الأسلوب، فلا يحدث فيه نشوزاً بسلوكه الخاص. ونحن إذا دقتقنا النظر في هذا العنصر، فإننا نرى أنه لابد أن يكون خلقياً. فإذا قررنا وجود هذا العنصر بوصفه ضرورة منطقية اجتماعية، فإننا نكون بهذا قد وضعنا فصلاً هاماً من فصول الثقافة، وحققنا شرطاً أساسياً من شروطها وهو: المبدأ الأخلاقي. ولو أننا اتخذنا الآن هذا المبدأ مقياساً يوضح لنا بعض الظواهر الاجتماعية، التي تعترضنا أحياناً في صورة ألغاز لا ندرك معناها، فسوف نجد مثلاً أن العلاقات الشخصية لا تقوم في أي مجتمع على غير أساس أخلاقي. ولا كانت شبكة الصلات الثقافية عبارة عن تعبير عن العلاقات الشخصية في مستوى معين، فإن هذه الشبكة لا يمكنها أن تتكون دون مبدأ أخلاقي. وهذا الجانب من القضية قد أصبح واضحاً الآن، فإن شبكة الصلات الثقافية تختل حتما في بلد ما، إذا اختل فيه المبدأ الأخلاقي، وإن هذه الحقيقة هي وحدها التي تفسر فشل التجربة التي ذكرتها في الصورة الأولى. وهي أيضاً تفسر لنا كيف أن فعالية المجتمعات تزيد أو تنقص بقدر ما يزيد فيها تأثير المبدأ الأخلاقي أو ينقص. فإن مواقفها إزاء المشكلات محددة بذلك المبدأ الذي يكون الشرط الأساسي لأفعالها، تحديداً ينظم فيها علاقات الأشخاص تنظيماً يناسب المصلحة العأمة، وليس ثمة أساس آخر يقوم بهذه المهمة. فالمبدأ الأخلاقي يقوم بالضبط ببناء عالم الأشخاص، الذي لا يتصور بدونه عالم الأشياء، ولا عالم المفاهيم. ومن هنا كانت أهميته الكبرى في تحديد الثقافة في مجتمع ما. وفي توضيح الخلاف الجوهري بين الثقافة التي تتضمن بوصفها شرطاً أولياً تحديد الصلات بين الأفراد وبين العلم الذي لا يهتم إلا بالصلات الخاصة بالمفاهيم

стр. 137

والأشياء. فالرجل العالم قد يكون عنده إلمام بالمشكلة كفكرة، غير أنه لا يجد في نفسه الدوافع التي تجعله يتصورها عملاً. في حين أن الرجل المثقف يرى نفسه مدفوعاً بالمبدأ الأخلاقي الذي يكون أساس ثقافته إلى عمليتين: عملية هي مجرد علم، وعملية أخرى فيها تنفيذ وعمل. وبهذا يتضح لنا الخلاف الجوهري الذي يفسر لنا الصورة التي أوردتها شاهداً في صدر هذا الحديث (١). غير أن المبدأ الأخلاقي في الثقافة لا يحدد الصلات داخل عالم الأشخاص فقط فيغذي فيه نزعته الإنسانية، بل نراه يبعث بإشعاعه إلى الخارج لتشمل نزعته الإنسانية أحياناً عالم الحيوان الذي يعيش مع الإنسان. فنجد في المجتمع المثقف شعراً رقيقا يعبر عن عواطف الإنسان إزاء رفيقه غير الناطق، كما نجد فناً يحاول أن يترجم بالنحت أو بالريشة عن عواطف الحيوان، كما يحدث في أحيان أخرى مبالغات في هذا الاتجاه حينما نرى مطاعم للكلاب وحمامات ومقابر. وهذه المبالغات تعبر في الواقع عن انحراف يحدث في المبدأ الأخلاقي لسبب سوف نحلله فيما بعد. على أن الصلات الاجتماعية لا يحددها المبدأ الأخلاقي فقط بل إن الذوق الفطري يجعلها في صورة معينة. تتدخل فيها الاعتبارات الشكلية. ونحن نجد في أحاديث الرسول ﷺ أكثر من مرة أثر هذه الاعتبارات. فإن النبي ﷺ يريد أن ينقل حقيقة إلى من حوله، فنراه يعبر عنها أحياناً بصورة تتفق مع ما يتطلبه الذوق. والإعتبارات الأخيرة هذه تعبر عن الأساس الثاني الذي تقوم عليه الثقافة، أعني ذوق الجمال الذي يطبع الصلات الاجتماعية بطابع خاص. فهو يضفي على

стр. 138

الأشياء الصورة التي تتفق مع الحساسية والذوق العام ألواناً وأشكالا. فإذا كان المبدأ الأخلاقي يقرر الاتجاه العام للمجتمع بتحديد الدوافع والغايات، فإن ذوق الجمال هو الذي يصوغ صورته. وهنا وجه آخر للفرق بين العلم والثقافة: فإن الأول تنتهي عمليته عند إنشاء الأشياء وفهمها، بينما الثانية تستمر في تجميل الأشياء وتحسينها. ومن هذه الناحية يعد ذوق الجمال من أهم العناصر الديناميكية في الثقافة، لأنه يحرك الهمم إلى ما هو أبعد من مجرد المصلحة، وهو في الوقت نفسه يحقق شرطاً من أهم شروط الفعالية، لأنه يضيف إلى الواقع الأخلاقي عند الفرد دوافع إيجابية أخرى، من شأنها أحياناً أن تعدل من بعض الدوافع السلبية، التي ربما يخلقها المبدأ الأخلاقي الجاف في سلوك الفرد، حينما يصطدم هذا السلوك الصادر عن مبدأ أخلاقي مجرد من الحساسية الإنسانية مع الذوق العام، كما تدلنا على ذلك بعض الأحاديث التي لا تعبر عن حقيقة الأشياء فقط، ولكن تعبر عنها في صورة مقبولة أيضا. ونحن أيضاً نرى خلال مشاهداتنا اليومية أن كل نوع من النشاط يقوم على أساس الحركة. والتاريخ نفسه ليس إلا قائمة إحصائية لعدد معين من الحركات والأفكار، ولذلك فإنه من البديهي أن المجتمع الذي يسجل يومياً أكبر عدد ممكن من الحركات والأفكار، يكون لنفسه محصولاً اجتماعياً أكبر، فالفرد الذي يسير عشر خطوات، ويحرك يده عشر مرات، يقدم للمجتمع من الثمرات أكثر مما يقدمه فرد يسير خطوة واحدة ويحرك يده مرة واحدة. والاعتبارات البديهية هذه هي التي أدت إلى تحديد فكرة تبلور فيما يخص الإنتاج الصناعي، وإنها لتؤدي- في مستوى آخر- إلى تحديد مبدأ يخص الإنتاج الاجتماعي وهو مبدأ المنطق العملي. وعندما نضيف هذا المبدأ الثالث إلى مفهوم الثقافة، فإننا نكون به شرطا هاماً من شروط الفعالية في الفرد وفي المجتمع. ولا بد لنا أن نلاحظ أن تطبيقه، يتضمن فكرة الوقت والوسائل البداغوجية لبث هذه الفكرة في سلوك الفرد وفي

стр. 139

أسلوب الحياة في المجتمع. ولا شك في أن هذا المبدأ سيزيد في وضوح الخلاف البعيد بين الثقافة والعلم، وبالتالي بين الفرد المثقف ومجرد العالم والمتعلم. على أننا حتى هذه النقطة من حديثنا لم نشر إلا إشارة عابرة إلى عالم الأشياء، بينما نحن لا نتصور حياة الإنسان دون جانبها المادي. كما لا نتصور شيئاً لا يصدر عن فكرة معينة تتصل بطبيعتها بعالم المفاهيم. وإن هذا ليفرض علينا أن نحدد عنصراً رابعاً في الثقافة. فالمبدأ الأخلاقي وذوق المجال والمنطق العملي لا تكون وحدها شيئا من الأشياء إن لم تكن في أيدينا وسائل معينة لتكوينه، والعلم هو الذي يعطينا تلك الوسائل. فالعلم أو الصناعة- حسب تعبير ابن خلدون- يكون عنصراً هاماً في الثقافة لا يتم بدونه تركيبها ومعناها، فهو إذن عنصرها الرابع. وهكذا يتم تحديد الثقافة بطريقة لا ينبغي لنا فيها أن نفكر في عنصرآخر. وأية إضافة على هذه العناصر الأربعة سوف تكون من فضول الحديث ولا حاجة بنا إليها. فالمبادئ الأربعة التي قررناها كفيلة بجمع شروط الفعالية، التي- كما بينا- هي الشيء الذي نريده من وراء كلمة (ثقافة)، ذلك أننا لو حللنا عملا ما على أنه كائن مركب ومشتمل على دوافع نفسية، فإننا نرى أن هذه الدوافع يبعثها المبدأ الأخلاقي في النفس، بعثاً لا يمكن معه أن يتصور هذا العمل بدونها عملا إرادياً. وهذا العمل يأتي بصورة معينة يحددها ذوق المجال، وبهذا يتم جزء من فعاليته؛ كما أن هذا العمل سنجده يؤدي للمصلحة الاجتماعية بقدر ما فيه من المنطق العملي الذي يحدد سعة إنجازه، وبه تمام جزء فعاليته الآخر. وهو أخيراً يطلب تطبيق أصول نظرية ووسائل مادية يقدمها العلم. وهل بعد تحديد دوافع العمل وصورته وسعة إنجازه ووسائله شيء يبقى دون أن يستكمل العمل صورته التأمة؟ لاشك أنه من الفضول تحديد العمل بشيء أكثر من هذا. وكل فضول في

стр. 140

تحديد أي شيء من الأشياء فإنه لا يزيد ذرة في وضوح معناه، بل لعله يخلق التباسا وبلبلة. فيجب علينا إذن أن نقول: إن الثقافة تشكل على أربعة فصول: فصل أخلاق، وفصل جمال، وفصل منطق عملي، وفصل علم. على أننا لو تأملنا أخيراً في الموضوع، لوجدنا أن الترتيب بين هذه العناصر يختلف باختلاف الدوافع التي تدفع إلى العمل، وليس باختلاف الأصول النظرية والوسائل الفنية. وهذا يعني أن ذاتية الثقافة في نوعها تقوم على تقديم أو تأخير مبدأين اثنين منها: هما مبدأ الأخلاق ومبدأ الجمال. فالأولوية التي يمثلها أحد المبدأين في تركيب الثقافة يحدد ذاتيتها، كما يتحدد به اتجاه عام للحضارة التي تستند إلى تلك الثقافة. فلو حللنا على ضوء هذه الإعتبارات الإتجاه العام للحضارة المعاصرة، لعلمنا أن دوافعها تصدر عن ذوق الجمال أكثر مما تصدر عن المبدأ الأخلاقي. وهذا يعني تقديماً وتأخيراً بين مبدأين أي ترتيبا ضمنيا لفصول الثقافة. ولعل هذا الترتب الذي حدد نوع الحضارة الغربية، يعود إلى عصر النهضة في أوربا. فمن المعلوم أن ذلك العهد قد نصب الجمال مثلا أعلى في أفق الثقافة الغربية. وهذا ما لاحظه تولستوي في كتابه (ما هو الفن) الذي يرى فيه أن فكرة الجمال بدأت تحتل المكان الأول في عصر النهضة، وأنها أستولت نهائيا على الشعور الغربي حوالي منتصف القرن الثامن عشر، عند ظهور دراسات (وينجهمان) التي تشير إلى أن المبدأ الأخلاقي قد اضمحل في الفن وسلم مكانه للجمال. وإن هذه الإعتبارات لتدعونا إلى كثير من التأمل، في الوقت الذي بدأت فيه البلاد العربية الإسلامية تحدد نوع ثقافتها، في محيط من علاقاتها الثقافية مع البلاد المتحضرة بالحضارة العصرية. فإن التصرف الحكيم ينبغي ألا يفوتنا في مثل هذه الفترة، وذلك حتى لا يكون في البلاد حمامات للكلاب وفيها بعض الناس يموتون جوعاً، كما هو حاصل الآن في المجتمعات التي يستولي الجمال فيها على شعور القوم ويسيطر على ثقافتهم.

стр. 141

كيف نبني مجتمعاً أفضل ؟ ألقيت هذه المحاضرة في طرابلس لبنان في نادي جمعية مكارم الأخلاق الإسلامية، وذلك في يوم الأربعاء أول تموز (يوليو) سنة ١٩٥٩ وقد نقلت عن الشريط المسجل بأكملها.

стр. 142

سادتي: اسمحوا لي أولاً أن أقدم شكري إلى جمعية مكارم الأخلاق التي أتاحت لي هذه الفرصة النادرة الثمينة، التي يجب علي أن أقدرها بثمنها. والإبن عمر مسقاوي قد أشعرني بقيمة هذه الفرصة النادرة في كلماته الأخيرة، ووصل بيني وبينكم أنا بوصفي متحدثا بسيطا، وأنتم بوصفكم مستمعين كراما تربطني بكم صلة المحبة وصلة الأخوة والزمالة في الطريق. إنني لم آت لأحاضركم، فالمحاضرة تتطلب شروطا لم يوفرها لي لساني، ولكني سوف أتحدث معكم بكل بساطة، كما يتحدث الأخ إلى أخيه في موضوع، تمليه على كل مسلم ملابسات التي نراها في العالم، والتطورات التي تجري في العالم العربي، حيث نرى نهضة كبرى يرفع رايتها زعيم كريم هو الرئيس جمال عبد الناصر. إنني أريد أن أدرس معكم بعض الملابسات العالمية، حتى نتجنب التناقض بين سلوكنا ونشاطنا أفراداً وجماعات وبين سير العالم. فإنني أرى العالم وكأنه يطوي الصفحة الأخيرة من العصر الذي سماه جيلنا نحن كبارا بالعصر الجديد. فإن هذا العصر قد أصبح قديماً وبدأ التاريخ اليوم يمحو معالمه. ولقد كنا- نحن الذين عشنا بوادر هذا العصر منذ أربعين سنة- نرى من معالم هذا العالم الجديد انتشار ضوء الكهرباء مثلاً وشبكة الخطوط الحديدية، غير أننا اليوم بعد أربعين سنة أو أقل من ذلك، نرى أن هذا العالم قد بدأ يدخل في ظلام التاريخ، وبدأت الخطوط الحديدية التي كانت تمثل في أعيننا علأمة العصر الحديث، بدأت هذه المخترعات تبدو لنا شيئاً قديماً أودع ضمير الماضي.

стр. 143

ففي بعض الأقطار اليوم عطلت فيها هذه الخطوط وأصبحت آثاراً، ولعله يأتي يوم نرى فيه هذه المصابيح الكهربائية التي أضاءتنا قرابة أربعين سنة منذ اكتشاف أديسون، وقد أصبحت هي الأخرى آثاراً تدل على طور من أطوار العالم، فقد دخلنا عهداً جديداً: عهد الصاروخ الموجه الذي اكتشف الفضاء، عهد الصاروخ الكوني الذي ربما سيحمل الإنسان إلى ما وراء الأرض وربما إلى وراء القمر. فالملابسات هذه تدعنا في حيرة أمام المستقبل القريب، المستقبل العاجل الذي نرى التاريخ يتمخض ليلده عما قريب. فما حظ العالم من هذا المستقبل؟ إن هذه قضية لا شك تهمنا، ولكن الذي يهمني أكثر من ذلك أن أعلم أنا بوصفي عربياً ماذا سوف يكون مصيري في هذا المستقبل، وما هو حظي من هذا الغيب القريب المؤكد. فلقد وقفنا على الأهداف التي حققها العصر الذي سميناه بالعصر الحديث ... ولكن ما هي الأهداف التي سوف يحققها عالم الصاروخ الموجه؟ وعالم القنبلة الهيدروجينية؟ إننا لا نعلم منها شيئاً. ولكن الذي ينبغي علينا أن نعلمه ونفكر فيه منذ اليوم، هولون الواجبالا التي يلقيما على؟ هلنا بناء النهضة،! مة مجتمعنا. ذلك المجتمع الذي أصبحنا نشعر بوجوب بنائه وتحريك طاقاته التي عطلهما التاريخ منذ قرون، قرون التدهور والأنحطاط التي كان حظ العالم الإسلامي منها كب! يرأ بعد ازدهارحضارته. فليس من الترف الفكري إذن أن نختارموضوعأ كهذا الوضموع عنوانه (كيف نبني مجتمعاً أفضل). فالظروف واللابسات هي التي تملي هذا الموضوع. ولوأننا تأملنا شيئاً فشيئاًا لمجتمعات الحيوانية التي تعيش كجتهعنا، كما لنحلة مثلاً، فإننا نرى أن النحلة لا يمكنها أن تعيش بعسلها ونشاطها، ولا أن تحقق أهداف حيا! اوكيانها، لو! يكن نشاطها هادفاً إلى فكرة عأمة ومستقرة في حياة المجتمع الذي هي جزء منه، أي في حياة ثلاثة آلاف أوأربعة آلاف من الحشراتا

стр. 144

التي تعيش معها في الخلية. فلو أنها انفصلت يوماً من الأيام أوفصلاً من الفصول عن الخلية، فإنها ستموت حتما مهما يكن في الطبيعة من زهور، ومهما يكن فيها من طاقات للعمل، لأن الله قد ربط كيانها بهذا المجتمع، وأودع في نفسها وفي غريزتها سر الحياة الاجتماعية. فعلينا إذن أن نتعلم معنى الحياة الاجتماعية حتى من الحشرات، لأن في حياتها دروساً لنا قيمة. ففي مستوى حشرة بسيطة كالنحلة، نرى أن الحياة الاجتماعية ضرورة بالنسبة لكيان الفرد، فهو يلقي نفسه إلى التهلكة إذا ما انفصل عنها. والإنسان شأنه في هذا شأن النحلة، إنه لا يستطيع أن ينعزل عن المجتمع ويحاول العيش بجهده الخاص فمصيره من غير شك إلى الموت. على أننا إذا سلمنا بهذه البديهة فإن علينا أن نتساءل: هل الفرد يعيش ويحقق قسطه من الحياة ومصلحته فيها، بمجرد اتصاله بشيء نسميه المجتمع أي بعدد من الأفراد؟ هنا: سادتي، يبتدئ عندنا لبس أدى للاسف؛ في التاريخ القريب أي في الاربعين سنة أو الخمسين سنة التي مضت، أدى بنا إلى غلطات ارتكبناها لأننا لم ندقق في مصطلحات الاجتماع، ففهمنا أن المجتمع إنما هو عبارة عن عدد من الأفراد، يعيشون كما يشاؤون مهما كانت الصلات بينهم ليس هذا هو المجتمع. هذا يمكن أن نسميه بقايا مجتمعات أو بداية مجتمعات قبل أن تقوم بوظيفتها التاريخية. أما المجتمع الذي يقوم بوظيفته التاريخية، المجتمع الذي يقوم بوظيفته نحو الفرد ويحقق راحة الفرد، فإنه لابد أن نفهم معناه فهماً دقيقا. فهو ليس عددا من الأفراد، وإنما هو شيء خاص، هو بنيان وليس تكديسا من الأفراد، بنيان فيه أشياء مقدسة متفق عليها. فقبل أن تتجمع الأفراد تكون هناك فكرة عأمة هي التي تؤلف بين أفراد المجتمع. فإذا فقدت هذه الفكرة فقد فقدت الصلات بين الأفراد، وتفكك المجتمع وضاعت المصلحة التي كانت تتمثل فيه. فكما أن النحلة لو انفصلت عن خليتها ماتت، فإن المصلحة التي تجمع وتنسق سلوك كل نحلة من الخلية لو انعدمت لسبب لا أعلمه فإن الخلية ستتمزق، أي يضيع المجتمع ويضيع أفراده أيضاً.

стр. 145

فالقضية إذن ليست قضية تكديس لأفراد، فنسيمي كل تكديس مجتمعا. ولقد تورط أهل العلم أنفسهم، أهل علم (الأتنولوجي) في أوربا في هذه التعبيرات الزائفة، فسموا التجمعات البدائية مجتمعات، ولا بأس في هذا إن كان المراد به التعليم وتبسيط الأشياء. أما إذا أردنا أن نعلم الأشياء ونعمل بها فالمفاهيم تتطلب فحصاً أكثر. فلا يجوز لي أن أقول مجتمع بدائي وثقافة بدائية لمجرد أنني سمعت الكلام عن حضارة بدائية وهذا خرافة. إذن سادتي إذا قررنا أن المجتمع وظيفته حفظ كيان الفرد، وتحقيق أهداف جماعته، فإن هذه الأهداف في مستوى الحشرات حفظ النوع، ولكنها في مستوى الإنسان تفوق ذلك. فالقضية عن المجتمع الإنساني ليست قضية حفظ النوع، لأن التناسل قد وفرته الحياة الطبيعية، فالإنسان يعيش لأهداف أخرى، والمجتمع الإنساني يقرر فكرته في مستوى آخر ليس مستوى البقاء، ولكن مستوى تطور النوع ورقيه، هذه هي حقيقة المجتمع التي ينبني عليها كيانه. فما هي الأهداف التي من أجلها يتكون المجتمع بالمعنى والاصطلاح الذي نعنيه؟ إننا إذا عبرنا عتها بالنسبة للفرد المسلم، وجدنا القرآن الكريم يعبر عنها بقوله: ﴿وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الْآخِرَةَ وَلَا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا﴾ [القصص: ٧٧/ ٢٨] فالحياة الاجتماعية بالنسبة للمسلم لا تنفصل فيها الحياة الدنيوية عن الحياة الأخروية، فالرسول يقول «الدنيا مطية الآخرة» فنحن بالطبع لا نفصل الدنيا عن الأخرى، إذ هي المطية التي نمتطيها للوصول إلى أهداف هي أبعد من الموت. فإذا كانت هناك بعض المجتمعات الحديثة اليوم، تبني المجتمع لغايات اجماعية بحتة ولحياة أرضية بحتة- وأنا لا أقلل من شأن هذه الغايات وإنما أعلم أنها تقف في منتصف الطريق- فإن مجتمعنا يبني لما بعد الحياة، كما يبني لأهداف يحققها لحياة كل فرد. وهذا بالطبع يتطلب من المسلم ومن العربي جهدا أقدر من جهد الآخرين وجهادا أكبر من جهادهم.
следующие страницы →