← Общие книги

Общие книги · id 21781

تأملات

مالك بن نبي

Полный текст (218 стр.). Показаны 141–180 · переход к 146.

стр. 141

كيف نبني مجتمعاً أفضل ؟ ألقيت هذه المحاضرة في طرابلس لبنان في نادي جمعية مكارم الأخلاق الإسلامية، وذلك في يوم الأربعاء أول تموز (يوليو) سنة ١٩٥٩ وقد نقلت عن الشريط المسجل بأكملها.

стр. 142

سادتي: اسمحوا لي أولاً أن أقدم شكري إلى جمعية مكارم الأخلاق التي أتاحت لي هذه الفرصة النادرة الثمينة، التي يجب علي أن أقدرها بثمنها. والإبن عمر مسقاوي قد أشعرني بقيمة هذه الفرصة النادرة في كلماته الأخيرة، ووصل بيني وبينكم أنا بوصفي متحدثا بسيطا، وأنتم بوصفكم مستمعين كراما تربطني بكم صلة المحبة وصلة الأخوة والزمالة في الطريق. إنني لم آت لأحاضركم، فالمحاضرة تتطلب شروطا لم يوفرها لي لساني، ولكني سوف أتحدث معكم بكل بساطة، كما يتحدث الأخ إلى أخيه في موضوع، تمليه على كل مسلم ملابسات التي نراها في العالم، والتطورات التي تجري في العالم العربي، حيث نرى نهضة كبرى يرفع رايتها زعيم كريم هو الرئيس جمال عبد الناصر. إنني أريد أن أدرس معكم بعض الملابسات العالمية، حتى نتجنب التناقض بين سلوكنا ونشاطنا أفراداً وجماعات وبين سير العالم. فإنني أرى العالم وكأنه يطوي الصفحة الأخيرة من العصر الذي سماه جيلنا نحن كبارا بالعصر الجديد. فإن هذا العصر قد أصبح قديماً وبدأ التاريخ اليوم يمحو معالمه. ولقد كنا- نحن الذين عشنا بوادر هذا العصر منذ أربعين سنة- نرى من معالم هذا العالم الجديد انتشار ضوء الكهرباء مثلاً وشبكة الخطوط الحديدية، غير أننا اليوم بعد أربعين سنة أو أقل من ذلك، نرى أن هذا العالم قد بدأ يدخل في ظلام التاريخ، وبدأت الخطوط الحديدية التي كانت تمثل في أعيننا علأمة العصر الحديث، بدأت هذه المخترعات تبدو لنا شيئاً قديماً أودع ضمير الماضي.

стр. 143

ففي بعض الأقطار اليوم عطلت فيها هذه الخطوط وأصبحت آثاراً، ولعله يأتي يوم نرى فيه هذه المصابيح الكهربائية التي أضاءتنا قرابة أربعين سنة منذ اكتشاف أديسون، وقد أصبحت هي الأخرى آثاراً تدل على طور من أطوار العالم، فقد دخلنا عهداً جديداً: عهد الصاروخ الموجه الذي اكتشف الفضاء، عهد الصاروخ الكوني الذي ربما سيحمل الإنسان إلى ما وراء الأرض وربما إلى وراء القمر. فالملابسات هذه تدعنا في حيرة أمام المستقبل القريب، المستقبل العاجل الذي نرى التاريخ يتمخض ليلده عما قريب. فما حظ العالم من هذا المستقبل؟ إن هذه قضية لا شك تهمنا، ولكن الذي يهمني أكثر من ذلك أن أعلم أنا بوصفي عربياً ماذا سوف يكون مصيري في هذا المستقبل، وما هو حظي من هذا الغيب القريب المؤكد. فلقد وقفنا على الأهداف التي حققها العصر الذي سميناه بالعصر الحديث ... ولكن ما هي الأهداف التي سوف يحققها عالم الصاروخ الموجه؟ وعالم القنبلة الهيدروجينية؟ إننا لا نعلم منها شيئاً. ولكن الذي ينبغي علينا أن نعلمه ونفكر فيه منذ اليوم، هولون الواجبالا التي يلقيما على؟ هلنا بناء النهضة،! مة مجتمعنا. ذلك المجتمع الذي أصبحنا نشعر بوجوب بنائه وتحريك طاقاته التي عطلهما التاريخ منذ قرون، قرون التدهور والأنحطاط التي كان حظ العالم الإسلامي منها كب! يرأ بعد ازدهارحضارته. فليس من الترف الفكري إذن أن نختارموضوعأ كهذا الوضموع عنوانه (كيف نبني مجتمعاً أفضل). فالظروف واللابسات هي التي تملي هذا الموضوع. ولوأننا تأملنا شيئاً فشيئاًا لمجتمعات الحيوانية التي تعيش كجتهعنا، كما لنحلة مثلاً، فإننا نرى أن النحلة لا يمكنها أن تعيش بعسلها ونشاطها، ولا أن تحقق أهداف حيا! اوكيانها، لو! يكن نشاطها هادفاً إلى فكرة عأمة ومستقرة في حياة المجتمع الذي هي جزء منه، أي في حياة ثلاثة آلاف أوأربعة آلاف من الحشراتا

стр. 144

التي تعيش معها في الخلية. فلو أنها انفصلت يوماً من الأيام أوفصلاً من الفصول عن الخلية، فإنها ستموت حتما مهما يكن في الطبيعة من زهور، ومهما يكن فيها من طاقات للعمل، لأن الله قد ربط كيانها بهذا المجتمع، وأودع في نفسها وفي غريزتها سر الحياة الاجتماعية. فعلينا إذن أن نتعلم معنى الحياة الاجتماعية حتى من الحشرات، لأن في حياتها دروساً لنا قيمة. ففي مستوى حشرة بسيطة كالنحلة، نرى أن الحياة الاجتماعية ضرورة بالنسبة لكيان الفرد، فهو يلقي نفسه إلى التهلكة إذا ما انفصل عنها. والإنسان شأنه في هذا شأن النحلة، إنه لا يستطيع أن ينعزل عن المجتمع ويحاول العيش بجهده الخاص فمصيره من غير شك إلى الموت. على أننا إذا سلمنا بهذه البديهة فإن علينا أن نتساءل: هل الفرد يعيش ويحقق قسطه من الحياة ومصلحته فيها، بمجرد اتصاله بشيء نسميه المجتمع أي بعدد من الأفراد؟ هنا: سادتي، يبتدئ عندنا لبس أدى للاسف؛ في التاريخ القريب أي في الاربعين سنة أو الخمسين سنة التي مضت، أدى بنا إلى غلطات ارتكبناها لأننا لم ندقق في مصطلحات الاجتماع، ففهمنا أن المجتمع إنما هو عبارة عن عدد من الأفراد، يعيشون كما يشاؤون مهما كانت الصلات بينهم ليس هذا هو المجتمع. هذا يمكن أن نسميه بقايا مجتمعات أو بداية مجتمعات قبل أن تقوم بوظيفتها التاريخية. أما المجتمع الذي يقوم بوظيفته التاريخية، المجتمع الذي يقوم بوظيفته نحو الفرد ويحقق راحة الفرد، فإنه لابد أن نفهم معناه فهماً دقيقا. فهو ليس عددا من الأفراد، وإنما هو شيء خاص، هو بنيان وليس تكديسا من الأفراد، بنيان فيه أشياء مقدسة متفق عليها. فقبل أن تتجمع الأفراد تكون هناك فكرة عأمة هي التي تؤلف بين أفراد المجتمع. فإذا فقدت هذه الفكرة فقد فقدت الصلات بين الأفراد، وتفكك المجتمع وضاعت المصلحة التي كانت تتمثل فيه. فكما أن النحلة لو انفصلت عن خليتها ماتت، فإن المصلحة التي تجمع وتنسق سلوك كل نحلة من الخلية لو انعدمت لسبب لا أعلمه فإن الخلية ستتمزق، أي يضيع المجتمع ويضيع أفراده أيضاً.

стр. 145

فالقضية إذن ليست قضية تكديس لأفراد، فنسيمي كل تكديس مجتمعا. ولقد تورط أهل العلم أنفسهم، أهل علم (الأتنولوجي) في أوربا في هذه التعبيرات الزائفة، فسموا التجمعات البدائية مجتمعات، ولا بأس في هذا إن كان المراد به التعليم وتبسيط الأشياء. أما إذا أردنا أن نعلم الأشياء ونعمل بها فالمفاهيم تتطلب فحصاً أكثر. فلا يجوز لي أن أقول مجتمع بدائي وثقافة بدائية لمجرد أنني سمعت الكلام عن حضارة بدائية وهذا خرافة. إذن سادتي إذا قررنا أن المجتمع وظيفته حفظ كيان الفرد، وتحقيق أهداف جماعته، فإن هذه الأهداف في مستوى الحشرات حفظ النوع، ولكنها في مستوى الإنسان تفوق ذلك. فالقضية عن المجتمع الإنساني ليست قضية حفظ النوع، لأن التناسل قد وفرته الحياة الطبيعية، فالإنسان يعيش لأهداف أخرى، والمجتمع الإنساني يقرر فكرته في مستوى آخر ليس مستوى البقاء، ولكن مستوى تطور النوع ورقيه، هذه هي حقيقة المجتمع التي ينبني عليها كيانه. فما هي الأهداف التي من أجلها يتكون المجتمع بالمعنى والاصطلاح الذي نعنيه؟ إننا إذا عبرنا عتها بالنسبة للفرد المسلم، وجدنا القرآن الكريم يعبر عنها بقوله: ﴿وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الْآخِرَةَ وَلَا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا﴾ [القصص: ٧٧/ ٢٨] فالحياة الاجتماعية بالنسبة للمسلم لا تنفصل فيها الحياة الدنيوية عن الحياة الأخروية، فالرسول يقول «الدنيا مطية الآخرة» فنحن بالطبع لا نفصل الدنيا عن الأخرى، إذ هي المطية التي نمتطيها للوصول إلى أهداف هي أبعد من الموت. فإذا كانت هناك بعض المجتمعات الحديثة اليوم، تبني المجتمع لغايات اجماعية بحتة ولحياة أرضية بحتة- وأنا لا أقلل من شأن هذه الغايات وإنما أعلم أنها تقف في منتصف الطريق- فإن مجتمعنا يبني لما بعد الحياة، كما يبني لأهداف يحققها لحياة كل فرد. وهذا بالطبع يتطلب من المسلم ومن العربي جهدا أقدر من جهد الآخرين وجهادا أكبر من جهادهم.

стр. 146

غير أني أحب أن أعبر عن المشكلة لا بلسان الدين، ولكن باللسان البسيط، بلسان الأدب. فما هي المشكلة وكيف نعبر عنها؟ ولماذا يحيا الفرد؟ ولماذا يتصل بالمجتمع؟ ولماذا لا يستطيع أن ينفصل عنه؟ وهنا سأجيب بكل بساطة فأقول: إن الغاية من ذلك كله تحقيق سعادته. فالفرد إذ يتصل بالمجتمع فإنما ليحقق سعادته، وما أتت الأديان والفلسفات إلا لتحقق السعادة، وما خططت السياسات إلا لهذا الغرض. ولكن ما هي هذه السعادة التي نتطلع إليها؟ وما هو الشيء الذي يحققها؟ لو أردنا أن نستخدم لغة العصر، وهي لغة الإقتصاد الذي يسيطر اليوم على عقولنا وعلى سير التاريخ، لو أردنا أن نقبس من هذا المنطق لندخل في موضوعنا فإننا نقول: إنه متوسط الدخل السنوي للفرد؛ فلو أنني أخذت قائمة متوسط الدخل السنوي للفرد عالميا، فإنني سوف أجد فيها مئات الأرقام طبعا، ولكني سأكتفي منها بأرقام ثلاثة. فمتوسط الدخل السنوي للفرد في العالم يتراوح بين ١٨٥٠ دولارا في أميركا إلى ٣٨ دولارا في جمهورية ليبريا. هذا هو سلم الدخل السنوي في العالم، من أول درجة فيه إلى أسفل درجة. ولو أني أمسكت بطرفي السلم وبحثت عن نقطة الوسط لا من جهة الأرقام بل من جهة المستوى الإقتصادي، وبالنسبة للحقائق الأخرى كتجنيد الطاقات الاجتماعية وحل مشكلة البطالة، وحل مشكلة الأمية، وبكلمة واحدة بالنسبة لتحقيق سعادة الفرد، فإننا نرى حسب ما نعلم عن الحياة وعن توزيع الثروة العالمية والمستوى الاجتماعي في العالم، أن متوسط الدخل في العالم هو ٢٠٠ دولار سنوياً. وهذه النقطة تتفق بالضبط مع حياة ودخل اليابان. فمتوسط الدخل الفردي في اليابان ٢٠٠ دولار، وبه يتحقق للفرد الياباني جميع الضمانات. أعني ٢٠٠ دولار تحل جميع مشكلات المجتمع الياباني، فإنه لا أمية فيه ولا مرض وبائياً ولا فقر بصفة وبائية. فالحياة الإجتماعية منظمة تحقق للإنسان ما نسميه السعادة

стр. 147

بالمنطق الإقتصادي. وهذا يعني أننا دون ذلك سنسقط في الحضيض، في مستوى الشقاء. والآن سادتي، لو أعود فأوزع هذه الأرقام على خريطة العالم فإنني أرى شيئا يدعو إلى الملاحظة. أرى أن الأرقام التي تكون السلم من ٢٠٠ دولار إلى ١٨٥٠ دولاراً تمتد من سان فرنسيسكو إلى طوكيو- أي في القطاع الشمالي من العالم بين القطب الشمالي ومستوى جنوب أوربا، على طول خط العرض حتى جزر اليابان ... فالأرقام التي تكون السلم من ٢٠٠ إلى ١٨٥٠ دولاراً تكون هذه القارة التي نسميها قارة السعادة. والأرقام التي تكون السلم من ٢٠٠ إلى ٣٨ دولاراً تكون القارة التي تسمى الآن بالمصطلح السياسي الدولي البلاد المتخلفة؛ أي الحياة الإقتصادية لـ ٢٩ دولة، وهي الدول التي اجتمعت في مؤتمر باندونج. إذن فنحن أمام ظاهرة غريبة. فإن شرط السعادة أن نحقق مستوى للدخل الفردي فوق الـ ٢٠٠ دولار؛ والمسألة هكذا تبدو بسيطة، ولكن هذه البساطة صورة فقط. إن هذا ظاهر الشيء، وسوف يكون من الخطأ أن نفكر هذا التفكير السطحي. ولكي ندرك هذا الخطأ ونشعر به سوف أوضحه من ناحيتين: أ- في صورة إنسانية شاهدتها بعيني، وكانت هي الحافز الذي حفزني على هذا الاتجاه. فقد كنت جالساً على ظهر مقهى في مرسيليا وبجاني رجل فاضل، عالم كريم، أخلاقه سامية وهو من العلماء التقليديين الجزائريين. وقد كان شديد البنية متكاملا من جميع النواحي جسماً وعقلاً وخلقاً. وكان يشكو لي الزمن، وهو أب ذو عائلة، وله أبناء كثر، يقص لي قصة مؤسفة حدثت له، ثم لم يلبث أن انصرف. وبقيت بعده مدة، وفي تلك المدة التي بقيت فيها على سطع المقهى أتت امرأة فرنسية، أتصور فيها كل معاني الانحطاط الأخلاقي لو كان لنحات أن ينحته، هذا إلى قبح في الخلقة كبير. ثم وقفت على رجل واحدة ورقصت وهي

стр. 148

مخدرة بالسكر وغنت أقبح الصوت ومدت يدها للجالسين وبقيت أنظر. فرأيتها أخذت من سخاء الجالسين ومن طيبة الفرنسيين ما كان يزود أخي الذي كانت تتمثل فيه الفضيلة، وأهله أسبوعا. هذه القصة توضح لنا ناحيتين: ١ - فالإنسان لا تسعفه خصائصه، وإمكانياته الشخصية في تحقيق سعادته. وليس يعني هذا أنني أغض من قيمة هذه الخصائص، ولكني أرى أن القيم الأخلاقية هنا أصبحت عاجزة أمام ظاهرة أخرى. فإن هذا الرجل الذي تتوافر فيه الصحة والفضيلة والكرم والعلم والنشاط لا يملك قوت يوم. والمرأة التي تصورت فيها الرذيلة يأتيها عيشها رغدا. فإن هذا السر عميق يدعونا إلى كثير من التأمل إذ هنا بيت القصيد. فقضية تحصيل السعادة ليست بلا قيد ولا شرط، بل هناك أمور أخرى. فقد سبق أن قلت إن ارتباط الفرد بالمجتمع هو الذي يحقق السعادة. والآن أرى هذه الواقعة تؤيد صحة هذا المقياس. ٢ - غير أن هناك جانبا آخر تدل عليه هذه القصة. فلو كان المقياس الإقتصادي الذي سبق أن أوضحته لكم أعني مقياس متوسط الدخل صحيحا، فمن الطبيعي أن يحقق أوتوماتيكيا وبلا قيد وشرط، شروط الحياة لذلك الرجل الفاضل أيضا، لأنه يعيش في بيئة متوسط دخلها ٦٠٠ دولار. فلماذا هو قد حرم وتوافرت سبل المعيشة لهذه المرأة؟ فالملاحظة إذن تدعونا أن نقرر هذين المبدأين: القياس الإقتصادي ليس صحيحا بدون استثناء وإنما بشروط. الفرد لا يحصل على قوته بمجرد نشاطه فهناك شروط أيضا وإنه لمفيد لنا أن نتخذ من هذه الملاحظات دليلاً يوصلنا إلى سعادة الفرد حينما نتكلم على مجتمع أفضل.

стр. 149

ب- أما دليلنا الثاني على ضعف المقياس الإقتصادي فهو منطقي. فإنه لو كان المقياس صحيحا فإنه لا يجوز لي حينما أتساءل عن سبب السعادة، أن أقول إنه تحقق دخل سنوي فوق المئتين من الدولارات، لأن هذا السبب وراءه أسباب أخرى. وعلي دائما أن أبحث عن السبب الأول وليس عن سبب ثان أو ثالث أو رابع. وإن لم أفعل ذلك فسوف أقع في الخطأ حتما، لأن تحقيق السبب الخامس حينئذ يقتضي تحقيق السبب الرابع، والرابع شأنه في ذلك شأن الخامس. فالسبب الأول هو غايتي في البحث لأنه هو الذي يحقق لي الأسباب الأخرى آلياً. فحينما أضع العدد الذي أشرت إليه من نقط الاستفهام، فأين أجد الجواب عليها؟ إنني أجده في رجوعي إلى الخريطة التي سميتها السعادة. فقد سميت خريطة السعادة الرقعة الجغرافية التي يتوزع فيها الدخل السنوي فوق مئتي دولار للفرد الواحد. ولكن حينما أنسلخ عن منطق الإقتصاد وأتكلم بمنطق التاريخ ثم الاجتماع، وأتساءل ما هي هذه الرقعة التي تمتد من سان فرنسيسكو إلى طوكيو؟ فإن الجواب على هذا السؤال سوف يعطيني الجواب على جميع المسببات الثانية التي أتت بمتوسط الدخل السنوي للفرد وخلافه. هنا أصبح أمام مشكلة تاريخية واجتماعية. فلو أني رجعت إلى الوراء خمسين سنة أو مئة سنة وطبقت هذا المنطق، منطق الاجتماع. ومنطق الاجتماع ليس منطق الاستقرار، ليس منطق دراسات الحالات الساكنة بل المتحركة والمتطورة. فلو أني أخذت خريطة سنة ١٨٤٨ واستخرجت متوسط الدخل فيها، ثم خريطة سنة ١٩٠٠واستخرجت متوسط دخلها أيضاً. وفعلت مثل ذلك سنة ١٩٥٠، والخريطة فيها شيء جوهري، فقط نسبة الأشياء كمّاً ومساحةً. فخريطة سنة ١٨٤٨ التي تشير إلى عهد بداية التصنيع في العالم، متوسط الدخل السنوي المرتفع فيها مكانه في الرقعات المصنعة. أي في ألمانيا

стр. 150

الغربية وسييسيا وإنكلترا وإلى حد ما في أميركا. ولو أني سرت مع التاريخ قليلا ووقفت عند سنة ١٩٠٠م ونظرت نظرتي السابقة، فإني سأجد البقعة لم تتغير وإنما اتسعت. فكأن الظاهرة بدأت تتسع لأن الإقتصاد في حركة لا تعرف الجمود. فهو قد انتشر شرقا في روسيا وغربا في أميركا. والأمر في سنة ١٩٠٥ قد انتشر قليلاً عن ذي قبل ولكنه بلغ مساحة كبيرة جداً في سنة ١٩٥٠. فلو أني رسمت خريطة سنة ١٩٠٥ لوجدت أن متوسط الدخل السنوي المرتفع قد انتشر من سان فرنسيسكو إلى طوكيو مثلاً. فمتوسط الدخل السنوي فوق ٢٠٠ دولار لم يتزحزح عن مكانه، وإنما اتسع فقط. فكأنه زلزال حدث في منتصف القرن الثامن عشر أو بدئه، في وسط أوربا بين برلين وباريس ولانكشير ولندن، وامتدت تموجاته واتسعت، ولكنها لم تتسع في جميع الاتجاهات، فكأن التمهوجات موجهة لتتجه في اتجاهات معينة، لو دققنا النظر لوجدناها اتجاهات الحضارة الغربية، فقد اتسع الإقتصاد واتسعت رقعته في خريطة الحضارة الغربية. ودليلي على ذلك أنني لو رجعت إلى الوراء، لأستخرج هذه المرة خريطة الحضارة الغربية لا خريطة الإقتصاد لسنة ١٨٤٨ و١٩٠٠ و١٩٤٠، لوجدت تطابقا تاما بين الخريطة الإقتصادية وخريطة فكرة الحضارة الغربية، وما ذلك إلا لأن الظاهرة الإقتصادية صورة للحضارة الغربية. فمراحل الظاهرة الإقتصادية هي مراحل الحضارة الغربية فقط. ونستطيع أن نستنتج من هذا التحليل شيئا: فالإنسان الذي لا يكون مجتمعه مجتمع حضارة، معرض للحرمان من الضمانات الاجتماعية. فأنا حينما أحاول تحديد مجتمع أفضل فإننى أحاول تحديد أسلوب حضارة. إذ أنني حينما أحقق الحضارة، أحقق جميع شروط الحياة، والأسباب التي تأتي بمتوسط الدخل المرتفع، بمعنى أنني أحقق الخريطة الإقتصادية، ونتائجها الاجتماعية والثقافية أيضا. ومن هنا نرى أنه ينبغي أن نبحث المسألة من زاوية واحدة. ولقد كنا من

стр. 151

قبل منذ مئة سنة نخطئ إذ نبحث المسألة من زوايا متعددة، فتشعب علينا الأمور. وأحيانا نترك الطريق ونخرج عن الجادة. على أننا اليوم نتوقع بفضل ما يطرؤ ويدور في المجتمع العربي الناشئ من نهضة جديدة تحقيق مجتمع أفضل. وعلى ضوء هذه الكلمات نفهم ما عنى به الزعيم جمال عبد الناصر في تصريحاته أمس حينما قال: إن بناء المجتمع يتطلب تنمية إقتصادية وطاقات روحية. ولم يقل تنمية إقتصادية فقط. ولقد عدنا والحمد لله نقرن الأشياء ولا نمزقها، لأن الحقائق العلمية والاجتماعية والرياضية إذا مزقت فإنها لا تكون من الأجزاء حقيقة. فينبغي علينا أن نحتفظ بكيان الحقائق. لأن الحقائق لا تؤدي مفعولها في التاريخ إلا بوصفها أشياء كاملة. فإذا أردنا أن نبني مجتمعا أفضل فهذا يعني أننا نبني مجتمعاً متحضراً، وهو بدوره أيضاً يعني أنه لابد أن نعمل لتكوين حضارة. وإن نظرة واحدة إلى نهضتنا البعيدة، حينما نهضنا على صوت زعمائنا الأقدمين كجمال الدين ومحمد عبده والشيخ رشيد رضا، حينما سمعنا هذه الأصوات الجليلة وأيقظتنا من سباتنا فأين توجهنا؟ إننا توجهنا بالطبع في طريق الحضارة. ولكنا بكل أسف من غير أن نحدد الهدف ونوضح معالم الطريق. فلو أننا وازنّا سيرنا الحضاري بسير حضارة أخرى، فسوف نشعر في عصر السرعة، في العصر الذي يخضع فيه التطور الاجتماعي إلى عوامل التاريخ، إلى عوامل التسريع، بأننا نسير في بطء. وهذه الحقيقة تتجلى بكل وضوح في مقارنة بسيطة. فحينما استمعنا لأول مرة لمنادي النهضة العربية الإسلامية وهو جمال الدين الافغاني سنة١٨٥٨ نهضنا وبدأنا السير. ولكن فلنوازن سيرنا ونتائجه الاجتماعية بسير مجتمع آخر استيقظ بعد عشر سنوات سنة ١٨٦٨ وهو مجتمع اليابان. أيقظه الإستعمار كما أيقظنا نحن، فقد دقت على بابه يد الإستعمار الحمراء وشعر بأن كيانه مهدد، ففتح الأبواب له ولأفكاره

стр. 152

الإستعمارية، غير أن الياباني أدرك أن واجبه أن ينهض وأن يقوم بدور حاسم قبل أن يسيطر عليه الإستعمار ويمحو شخصيته. فقام وسار في الطريق نفسها التي حاولنا أن نسير فيها. والغريب أن هذا المجتمع الذي نهض بعدنا بعشر سنوات قد سار إلى الحضارة ووصل إليها، وأصبح خلال أربعين سنة دولة قوية تناهض دولة من العصر الإستعماري، وهي دولة روسيا في ذلك الحين. فإنه حينها وقعت حرب سنة ١٩٠٥ وجد المجتمع الياباني في نفسه وفي عبقريته السلاح الكافي لمقاومة أكبر دولة استعمارية في ذلك العهد. بينما لو نوازن إنتاجنا الحضاري سنة ١٩٠٥ بالإنتاج الحضاري للمجتمع الياباني، فإنكم تعترفون بأنه لا مجال للموازنة. وهذا يعني أن القانون الذي طبقه المجتمع الياباني في سيره ليس هو القانون الذي طبقناه في سيرنا. فنحن قد مررنا في طريقنا مر الكرام، تستوقفنا الزهور التي في جنباتها مرة، ونتسلى بالطيور أخرى ونصغي إلى صوت أوربا أحيانا، ونشيد البلابل الأوربية. أما الياباني فقد فكر في خطته تفكيراً علميا، وخطط لها تخطيطا فنيا، وبعث في الأنفس حقيقة فكرة عأمة، جعلت كل ياباني يتصل بالمجتمع الياباني، كما تتصل النحلة بخليتها، فلقد أصبح المجتمع الياباني في خلال المرحلة من سنة ١٨٦٨ إلى سنة ١٩٠٥ كخلية النحل، كل نحلة تعمل لمصلحة عأمة في إطار فكرة عأمة، بينما نحن كنا ممزقين: جزائريون يفتح بهم الإستعمار المراكشيين، ومراكشيون يفتح بهم الإستعمار التونسيين، وتونسيون ومراكشيون يفتح بهم الإستعمار بعد الحرب العالمية الأولى لبنان وسوريا إلخ ... وهكذا مرت البلاد العربية في تجربة مؤلمة قاسية، وعاشت مرحلة غريبة، عاشتها في يقظتها لا في نومها وهنا كانت الغرابة. وذلك أننا لو أرخنا للعالم الإسلامي، لأرّخنا له من سنة ١٨٥٨ من معركة (السيباي) في الهند، التي حركت الوعي في العالم

стр. 153

الإسلامي، عندما حركت الوعي في روح طاهر نقي هو روح جمال الدين الأفغاني. غير أنه للأسف لم تحرك فينا ساكناً، فسرنا في الطريق رويداً رويداً ولا نصل بعد. فإذا فعلنا في الطريق وماذا فعلت اليابان؟ إن اليابان قد بنى مجتمعاً متحضراً، فهو قد دخل الأشياء من أبوابها. وطلب الأشياء بوصفها حاجة، درس الحضارة الغربية بالنسبة لحاجاته، وليس بالنسبة لشهواته. فلم يصبح من زبائن الحضارة الغربية يدفع لها أمواله وأخلاقه. أما نحن فقد أخذنا منها كل رذيلة، وأحياناً نأخذ منها بعض الأشياء الطيبة التي قدرها الله لنا. فما هو معنى سيرنا؟ وما هو معنى سير اليابان؟ إننا إذا عبرنا بالتعبير الصحيح، أعني بمصطلح له معنى اجتماعي، فإن اليابان قد سارت في الطريق لعمل نسميه البناء. فقد قامت خلال نصف قرن من سنة ١٨٦٨ إلى سنة ١٩٠٥ ببناء مجتمع، ونحن كدّسنا عناصر مجتمع. ولسائل هنا أن يسأل: ترى ما معنى التكديس وما الفرق بينه وبين البناء؟ هناك فروق كبيرة وهي عظيمة، أظنكم بعد الذي قدمت من الحديث تشعرون بها، تشعرون بالفرق بين البناء الذي يحقق النتائج عاجلاً والتكديس الذي ربما يأتي بنتيجة. فلعله يصادف يوم يخرج من التكديس شيئاً، والتكديس في الحقيقة ظاهرة اجتماعية، فإنه يحصل أن تكدس المجتمعات في مرحلة من مراحلها، ولكنها ليست في مراحل نهضتها، وإنما في عصور انحطاطها، لأنها في هذه المرحلة لا تفكر ولا تنظم أعمالها طبق أفكار وقوانين، وإنما تكدس الأشياء: وحتى ندرك أثر التكديس في المجتمع نفترض أننا كدسنا عناصر البناء لعمارة معينة: كدسنا من الحجر والإسمنت والخشب والحديد مئات

стр. 154

الأطنان، فإننا لا نستطيع أن نقيم من هذا التكديس البناء ولو بعد مئات السنين. بينما لو سلكنا طريق البناء فإننا في شهر واحد نبني على الأقل شقة واحدة. وهذا يقتضينا أن نفكر في المجتمع تفكير بناء وليس تفكير تكديس: لأن التكديس في المجتمع ظاهرة مضرة، وهي تظهر حتى في الأفكار. فقبل خمسين سنة نتكاتب ونتراسل في رسائلنا الأدبية والودية، فنبتدئ بعد الحمد لله بعشرة أسطر من الديباجات التقليدية والألقاب، ثم نقول: والحمد لله أنا بخير وأرجو أن تكونوا بخير والسلام عليكم: وهكذا تنتهي رسائل عالمنا. ومجتمعنا هذا نموذج من رسائلنا. أو إن شئت فقل رسائلنا نموذج من مجتمعنا. ولقد ظلت هذه الظاهرة في تفكيرنا حتى حينما استيقظنا، فإنا نرى حتى في بعض كتبنا هذا النوع من التكديس: فقد قرأت كتاباً تحت عنوان (مشكلاتنا الإجتماعية)، وتحت هذا العنوان رأيت فصولا أربعة أو خمسة تعالج موضوعات الفقر والجهل والمرض: فتحت عنوان الفقر نرى كل ما يتعلق بالحياة الإقتصادية من الحديث عن المصارف والبضاعة والأسواق، أي بكل ما يتصل بكلمة فقر وما يقابلها من غنى وثروة. ذلك لأن كلمة فقر توحي بهذه المعاني جميعاً. فهذا ضرب من تداعي المعاني والأفكار، إذ أضع كلمة وآتي تحتها بكل الأفكار التي تدخل تحتها. ومن الطبيعي أن هذا ليس ببناء، ولكن تكديس وجمع للمفردات لا يؤدي إلى حل المشكلات ولا يأتي بنتيجة، إذ القارئ لا يشعر بأنها قدمت له حقيقة. ثم نراه بعد ذلك يأتي إلى فصل الجهل فيتحدث عن المدارس وما يتعلق بها ويأتي بالإحصائيات في هذا المضمار، وكذلك الحالة الصحية وما يدخل تحت هذا العنوان من معان. فهذا النوع من الدراسات اسمه دراسات تكديس أو دراسات جزئية لا تأتينا بالحلول للقضايا، وإنما فقط تعطينا تلميحات لقضايا جزئية

стр. 155

معينة. وهذا ليس بالحل الصحيح الجذري الذي يقتلع المرض من جذوره. فلو أنني استخدت طريقة رد الفعل في حل المشكلات فقلت الفقر علاجه الغنى، فإن النظرة الفاحصة تكشف عن فساد القياس. ذلك لأننا لو نظرنا إلى العالم الإسلامي وحددنا إمكانياته المالية والإقتصادية، فهل نراه يتصرف طبقاً لإمكانياته أو دون ذلك؟ إنه لاشك يتصرف دون إمكانياته بكثير. وحتى أدلل لكم على ذلك أقص لكم هذه القصة: فقد كنت ذات يوم أتناقش مع أحد أصدقائي في مدينة تبسة، فقال لي نحن فقراء، فأجبته ليس الفقر فينا بل أشياء أخرى أجل من الفقر وأعظم. وقد كان هذا في معرض الحديث عن ميزانية مدرسة في المدينة لجمعية العلماء الجزائريين، كان يقوم على أمرها ويبذل من جهوده وإمكانياته في سبيلها الشيء الكثير، لأن المجتمع لا يؤدي الواجب عليه نحو هذا المعهد. فسألته عن ميزانية المدرسة فقال إنها ٦٠٠ ألف فرنك، والمجتمع فقير لا يستطيع تسديد هذا المبلغ، وهو مبلغ زهيد، فقلت له إن المجتمع ليس بفقير ولكن به مرض اجتماعي آخر. وإن شئت التأكد من صحة هذا القول فاخرج معي إلى المدينة لنقف على مبلغ فقر الشعب. فخرجنا وبعد جولة قصيرة وجدنا في تلك الليلة قاعتي سينما ومسرحاً للحيوانات وكان زيادة على ذلك زبائن الخمارات، فقدرنا مصاريف تلك الليلة بـ ٢٥٠ ألف فرنك. أي أكثر من ربع ميزانية سنة لمشروع خيري. فالقضية إذن ليست قضية فقر ولكن عدم شعور بالمسؤولية. فالمجتمع الإسلامي عندنا لم يشعر بعد بمسؤوليته، وهناك أمثلة كثيرة تؤكد هذه الحقيقة.

стр. 156

فحينما نراجع مأساة فلسطين فإن لها بالنسبة للعرب دلالة وبالنسبة لليهود دلالة أخرى. أما بالنسبة لليهود فقد كان اليهودي يؤدي واجبه منذ سنة ١٩٣٢. فاليهود عندنا في الجزائر كانوا يؤدون ضريبة يومية لقضية فلسطين، وللأسف فقد أشركوا معهم بعض المسلمين من حيث لا يعلون. إذ جعلوا صناديق في المقاهي والخمارات. والمسلم الذي يدخل إلى هذه الأماكن يدفع في الصندوق ثمن فلسطين اليهودية، وهكذا كانت أموالنا تذهب. فالقضية إذن ليست قضية فقر، وإنما هي أمر يتعلق بأساس مشكلاتنا. فعلينا أن نفكر في جذور المشكلات، وندرك أن القضية قضية حضارة. وما الفقر والغنى، ولا الجهل والمرض إلا أعراض لتلك المشكلة الأساسية. إن علينا أن نكون حضارة، أي أن نبني لا أن نكدس. فالبناء وحده هو الذي يأتي بالحضارة لا التكديس ولنا في أمم معاصرة أسوة حسنة. إن علينا أن ندرك بأن تكديس منتجات الحضارة الغربية لا يأتي بالحضارة، والاستحالة هنا إقتصادية واجتماعية. أما الاستحالة الإقتصادية فنحن لو أردنا أن نكدس عناصر حضارة لنكون منها حضارة، لأصبحنا أمام أشياء للحضارة لا تعد ولا تحصى. ولو أننا قدرنا ثمنها فلا نستطيع تسديده خلال ألف سنة. ثم إن هناك مغالطة منطقية، فالحضارة هي التي تكون منتجاتها وليست المنتجات هي التي تكون حضارة. إذ من البديهي أن الأسباب هي التي تكون النتائج وليس العكس. فالغلط منطقي ثم هو تاريخي لأننا لو حاولنا هذه المحاولة، فإننا سنبقى ألف سنة ونحن نكدس ثم لا تخرج بشيء. من هنا فقد وجب علينا أن نشعر بخطورة المشاريع التي نراها تقوم في

стр. 157

الجمهورية العربية المتحدة. فإن هذه المشاريع هي التي تجعلنا لأول مرة في التاريخ نقف على باب الحضارة. فنحن قد بدأنا بالتخطيط لأننا بدأنا بالبناء وليس بالتكديس. ولكن حتى نفهم هذه الأشياء في عمقها فإن علينا أن ندركها في معناها الصحيح، يجب علينا أن نتساءل: من أي شيء يبتدئ بناء الحضارة؟ وهذا السؤال يفرضه المنطق، فأنا إذا فكرت في بناء فإن علي أن أعلم بأي شيء أبتدئ. إن أول ما يجب علينا أن نفكر فيه حينما نريد أن نبني حضارة، أن نفكر في عناصرها تفكير الكيماوي في عناصر الماء إذا ما أراد تكوينه. فهو يحلل الماء تحليلاً علمياً، ويجد أنه يتكون من عنصرين عنصر الإيدروجين وعنصر الأوكسجين. ثم إنه بعد ذلك يدرس القانون الذي يتركب به هذان العنصران ليعطيانا الماء، وهذا بناء ليس بتكديس، ذلك لأنه لو كدس ملايين من الأطنان من الإيدروجين والأكسجين ثم بقي ينتظر أن يتكون الماء، فإنه لا يتكون وحده إلا بأن يبعث الله إليه شرارة من عنده. فحينما نحلل منتجات الحضارة ولنأخذ أياً منها ولتكن هذه الورقة، فإننا نجدها تتكون من عناصر ثلاثة: الإنسان، لأنه هو الذي ولدها بفكره وصنعها بيده في بغداد في العهد العباسي حيث اخترع الفكر الإنساني الورق. فالعنصر الأول إذن الإنسان أما العنصر الثاني فهو التراب. إذ من التراب كل شيء على الأرض وفي باطنها. ومعنى التراب هنا ليس هو المعنى المتبادر إلى الذهن، فقد تعمدت ألا أستخدم كلمة مادة لأسباب فقلت التراب. لأن التراب يتصل به الإنسان بصورتين: صورة الملكية أي من حيث تشريع الملكية في المجتمع الذي يحقق للفرد الضمانات الاجتماعية، فالتراب هنا شيء حيوي في المجتمع من حيث التشريع. وهو يتصل به بصورة أخرى، من ناحية علم التراب والمعلومات التي تتصل به كالكيمياء وغيرها، فالتراب نعني به هذين الجانبين جانب التشريع

стр. 158

وجانب السيطرة الفنية والإستخدام الفني. فالتراب بهذا المعنى يدخل في عناصر هذه الورقة. وأما العنصر الثالث فهو الزمن، لأنه إذا صح ما أقول، فلماذا يخترع الفكر الإنساني الورق قبل هذا التاريخ؟ إن الجواب على ذلك هو نقص تجاربه في هذا المضمار، في مضمار علم التراب والنباتات. فالزمن قبل ذلك التاريخ لم يكف لتخمر فكرة ابتكار الورق. إذن يجب أن تجتمع عناصر ثلاثة حتى يتكون منها الورق: الإنسان- التراب- الوقت وهذا التحليل يوجب علي أن أقول: منتوج حضارة (وهنا ورقة) = إنسان+ تراب+ وقت. منتوج حضارة أول = إنسان + تراب + وقت منتوج حضارة ثان = إنسان + تراب + وقت منتوج حضارة ثالث = إنسان + تراب + وقت إلخ إلى ما هنالك من منتجات. حتى الكلمة فإنها تعد منتوجاً حضارياً، وتساوي المعادلة السابقة، لأنها بنت هذه العناصر الثلاثة جميعاً. فلو لم تتوافر فالكلمة نفسها لا توجد .. فأنا إذن أمام كل منتوج حضاري أكتب معادلة كما يكتب الكيماوي حينما يحلل الماء إذ يقول: ماء = إيدروجين + أوكسجين. وأظل هكذا حتى أنتهي من قائمة المنتجات الحضارية كلها. ولسوف أستخلص من هذا التكديس النظري لمنتجات الحضارة حقيقة عأمة إذ أقول في النهاية: حضارة = رجل + تراب + وقت.

стр. 159

فأنا إذن حينما أحاول التخطيط لحضارة فليس علي أن أفكر في منتجاتها، وإنما في أشياء ثلاثة: في الإنسان والتراب والوقت. فحينما أحل هذه المشاكل الثلاثة حلا علميا، بأن أبني الإنسان بناء متكاملاً، وأعتني بالتراب والزمن فإنني حينئذ قد كونت المجتمع الأفضل، كونت الحضارة التي هي الإطار الذي فيه تتم للفرد سعادته، لأنه يقدم له الضمانات الكافية الاجتماعية والسلام عليم ورحمة الله وبركاته. وبعد أن انتهى الأستاذ من المحاضرة وجه إليه سؤالان: س ١:- ماذا نأخذ من الحضارة، وماذا ندع حتى نستطيع النهوض؟ ج: إنه ليس من شك في أننا لا نستطيع أن نعيش منعزلين عن العالم. فحينما نقول: إنه ينبغي أن نوجه أبحاثنا إلى هذه العناصر الثلاثة التي بها تبنى الحضارة، فإن هذا لا يعني أن ندع ما انتهى إليه الآخرون لنبدأ الطريق من أوله. إن علينا أن نأخذ من الحضارة الغربية الأدوات التي نحتاجها في بناء حضارتنا. فإذا لم نكن نستطيع صنع الآلات مثلاً فعلينا أن نستورد هذه الآلات من الخارج، حتى يأتي يوم نستطيع فيه الاستغناء عنها بمنتجاتنا. على أنه إذا كان من العبث أن أركب الجمل في العصر الذي انتشرت فيه السيارات، فإنه من العبث الأكبر والتبذير للأموال، أن أقتني أفخر السيارات وأعظمها، لأنه لا حاجة بي إلى هذا النوع من السيارات، طالما أستطيع الاكتفاء بأقل منها درجة. فنحن في مرحله البناء ينبغي لنا أن نقتصد في إمكانياتنا حتى نستخلص منها أقصى ما نستطيع من فائدة. ولكننا اليوم في صلتنا بالحضارة لا نضع هذه القاعدة في حسابنا، ولذلك فإن علاقتنا بالحضارة الغربية لن تستطيع أن تأتينا بالحضارة، طالما وجد في

стр. 160

مجتمعنا من يستورد فرو السيدات الباهظ الثمن وهو في صحراء العرب، حتى إذا ما أراد استعماله جعل داخل القصور مكيفا للهواء في درجة الصفر لتستطيع السيدات استعماله. فإن هذا عبث وصبيانية وإتلاف لإمكانيات المجتمع. س ٢:- إذا كانت الحكومة في الجمهورية العربية المتحدة تبني المجتمع بناء حضارياً كما بينتم فما هو واجبنا حيال هذا البناء؟ ج: إن علينا أن نقوم بمؤازرة كل عمل بناء، فلا تتضارب جهودنا وإنما تتضافر من أجل البناء. وإنما تؤتي الجهود ثمارها ويرتفع البناء، إذا قام كل فرد في حدود مهنته بواجبه على أتمه. فالقاضي يقوم بواجبه والزارع والتاجر أيضاً. لأن أي تهاون في هذا السبيل يعني تحطيم إمكانيات المجتمع وتخريبها. وعلينا واجب آخر، هو أن نكشف عن كل ما يخرب المجتمع ويعرقل سيره. فإنه إذا كان الحرام بيناً والحلال بيناً، فإنه في بعض الأحايين يتخفى الحرام في أثواب كثيرة، فإذا كان بعضنا يبني فإن علينا ألا ندع الآخرين يخربون. ***

стр. 161

خواطر عن نهضتنا العربية ألقيت على مدرج جامعة دمشق يوم الاحد في ٢٦ تموز (يوليو) سنة ١٩٥٩

стр. 162

سادتي: إنني أشكر الجامعة أن أتاحت لي فرصة الحديث معكم وتفضلت بوضعه تحت إشرافها، وإنني أوجه شكري خاصة إلى السيد المدير وإلى هيئة الأساتذة المحترمين، الذين تفضلوا بتحقيق هذه الفرصة، كما أشكر المستمعين الكرام الذين شرفوني بحضورهم، ملتمساً منهم العذر عن قصوري في التعبير العربي تعبيراً صحيحاً، يناسب ما يقتضيه موضوع الحديث من الوضوح. سادتي: إن الأمة العربية تمر اليوم بتجربة تتضمن نتيجتها مصير كل عربي، وربما تتضمن نصيباً من مصير كل إنسان بمقتضى التفاعلات الموجودة اليوم بين الكتل البشرية التي تؤلف الإنسانية، وبمقتضى الترابط الموجود بين الحوادث، التي تجري اليوم في عالم غيرته في جذوره التطورات العلمية والفنية، خلال الخمسين سنة الأخيرة، حتى أصبح من الصعب تقدير الأشياء والأحداث بالمقاييس، التي تصوغها الاعتبارات المحلية فقط. لاشك أن التجربة التي تقوم بها الأمة العربية اليوم، تأخذ معناها أولاً من الاعتبارات الخاصة الناتجة من صميم حياة العرب، المتصلة باطراد تاريخهم، ثم إنها تأخذ أيضاً معناها من اعتبارات أخرى تتصل بالاطراد العام، الذي يكون تاريخ الإنسانية ويربط أطوارها بعضها ببعض، لأن هذا الاطراد وذاك يلتقيان اليوم في نقطة أصبحت تمثل قطب التاريخ، القطب الذي كانت تتجه إليه تطورات العالم بصورة غامضة وأصبحت تتجه إليه بكل وضوح .. أعني أنه يفرض اليوم على سير التاريخ حتمية، دخلت في نطاق حسنا وشعورنا، حتى إننا نرى أثرها في التفكير الحديث عند بعض المؤرخين مثل (توينبي).

стр. 163

إن التجربة العربية تأخذ أيضا معناها من الوسائل الفنية الضخمة، التي أصبحت اليوم تحت تصرف الإنسانية، تفتح أمامها عهداً جديدا، وتعلق في وقت واحد على مصيرها كل التوقعات. إن العهد الحديث الذي مدّ شبكة الخطوط الحديدية في العالم وأضاء مدنه بنور الكهرباء، إن هذا العهد الحديث الذي بهر جيلنا منذ خمسين سنة أصبح قديماً، وبدأ يولي مدبراً إلى ظلمات التاريخ، وبدأت تذهب معالمه شيئاً فشيئاً، وتصبح آثاراً ومخلفات من بينها خطوط حديدية معطلة في أوربا، وبعض الخطوط الهاتفية التي أصبحت دون جدوى في قعر البحار. إن التطور العلمي خلف هذا كله وراءه، وكأن التاريخ يطوي الصفحة الأخيرة من الفصل الذي كتبه الجيل في عهد البخار، وأصبحنا على أبواب عهد جديد لا نعرف اسمه بعد، وإنما بدأنا نرى علاماته في الآفاق وفي أنفسنا، في عالم جديد تبصر فيه عيوننا إلى بعد المئات من الكيلو مترات، وتسمع فيه آذاننا إلى بعد الآلاف من الكيلو مترات، ويمتد حضورنا إلى أي مكان من العالم بسرعة الضوء، وننتقل فيه بسرعة الطائرة النفاثة اليوم وبسرعة الصاروخ الموجه غداً. إننا نعيش اليوم في عالم صاغه العامل الفني صياغة ذات أثر عميق في أنفسنا، لأن العوامل الجغرافية التي كان لها الجانب الأكبر في التأثير على سير التاريخ تفقد اليوم شيئاً فشيئاً مفعولها. إن العالم الذي نعيش فيه أصبح صغير الحجم، وبقدر ما يقل فيه تأثير الأبعاد الجغرافية، تزيد فيه سرعة التطور بفعل عوامل التسريع التي ذكرناها من TV و SF وأجهزة النقل. فالعالم اليوم يختصر الطريق ويختزل التاريخ، ويعيش تحت قانون اجتماعي وتاريخي جديد، هو قانون السرعة في جميع وجوه النشاط، لا يظهر أثره في عالم الأشياء والاعتبارات العسكرية فقط، بل يظهر أثره في عالم النفوس، التي بدأت تشعر به شعوراً واضحاً، كما يتبين ذلك من خلال دراسات حديثة مطبوعة بطابع خاص، يمكن

стр. 164

أن نسميها السياسة المقارنة أو الإقتصاد المقارن، مثل الدراسات التي خصصها (تيبور موند) للحالة في جنوب آسيا الشرقية، فإننا نفاجأ في مثل هذه الدراسات باعتبارات ذات طابع نفسي جديد، يترجم عن روح العصر وعن الاتجاهات والدوافع الخفية الجديدة، التي سجلها التطور في أعماق الأنفس، فنكون مثلاً نقرأ صفحة عن الإصلاح الزراعي في الهند، وإذا بجملة عن الإنتاج الزراعي في الصين تعترضنا فجأة، إن هذا يعني أن الحقائق الاجتماعية والإقتصادية في بلد ما، لا تصاغ في ضوء الأرقام التى تعبر عن حاجات وضرورات البلد فحسب، بل تسلط عليها أضواء من الخارج، وتقاس بمقاييس وأرقام تأتي من بلد بعيد، وليس في هذا الاتجاه إلا ضرورة من نوع جديد تعبر عن تصغير العالم وسعة التطور فيه، وعن وحدة المصير الذي يتجه إليه اليوم التاريخ، كما تتجه الإبرة المغناطيسية إلى قطبها في مجال المغناطيسية. وكل هذه الاعتبارات مسجلة اليوم في شعورنا وفي لا شعورنا، مسجلة بأي صفة كانت في أنفسنا، حتى إنه لا يمكن لأي شعب أن يفصل حياته عن هذا القانون العام، الذي صاغه العامل الفني خلال نصف القرن الأخير، لا يمكنه أن يفصل حياته عنه دون أن يتعرض إلى خطر النشوز في العالم والخروج من التاريخ، لأن التاريخ يعزل من لا يسير في اتجاهه، وكل من عزله التاريخ فإنه يدخل حتما في حظيرة الشعوب البدائية أو في حظيرة العدم، مثل الشعوب التي اكتشفها (كولومب) في أميركا. فهذه هي الظروف العامة الجديدة التي تدخل فيها النهضة العربية في عهدنا، الذي لا نعرف اسمه بعد وإنما نرى علاماته في الآفاق وفي أنفسنا، وهكذا تدخل نهضتنا عهد الصاروخ لتحقق مصير كل عربي ونصيبا من مصير الإنسانية. وهكذا يجب علينا حينما نضع قضية النهضة العربية نصب أعيننا أن ندرس مقتضياتها من جانبين: بنظرة إلى الخارج لنحدد واجباتها نحو العالم أي لنحدد

стр. 165

شروط انسجامها مع ضرورات السير العام، ثم بنظرة إلى الداخل لنحدد الطاقات التي يمكن توظيفها، من أجل المحافظة على البقاء في الداخل، والمحافظة على الاتجاه الصحيح في الخارج. فأما من الجانب الأول فإن كل عربي يعلم أن نظرة الرئيس جمال عبد الناصر، خطّت للنهضة العربية الاتجاه الصحيح، الذي يحقق الشرط الأول للانسجام مع القانون العام، وهو الشرط الذي يخص وحدة المصير، لأن قضية وحدة المصير في الظروف التي نمر بها في صميم قضية السلام. ومن يخط سياسته الخارجية على مبدأ الحياد الإيجابي مثل ما فعل عبد الناصر- وقد كشفت الحوادث الأخيرة عن شدة تمسكه بهذا المبدأ- من يرسم سياسته الخارجية هكذا، فإنه يضمن للأمة العربية ولنهضتها شروط الانسجام مع القانون العام فيما يتصل بوحدة المصير. ومن ناحية أخرى فإننا نجد في التخطيطات التي تجري الآن في الجمهورية العربية المتحدة، تحقيقاً لانسجام النهضة العربية مع ما يتصل بالجانب الثاني من القانون العام، وهو ما يتعلق بعوامل الشريع في التاريخ وسعة التطور في العالم: فإن فكرة التخطيط تلعب دوراً هاماً في العالم الحديث، لأنها تؤثر في الأوضاع النفسية والاجتماعية معا، إذ أنها تشخص الغايات قبل تحقيقها، فتزرع بذلك الأمل في النفوس الطامحة وتبث فيها روح التضحية والعمل. ولنا في تاريخنا القديم مثال ندل به على ذلك الأثر النفسي الذي ظهر واضحاً في نفس عمار بن ياس، حينما كان يقوم بمجهود عاملين في بناء أول مسجد في الإسلام. وفي تاريخنا الحديث مثال آخر يرينا الأثر النفسي عند (ستاخانوف) إبان النهضة السوفييتية، حينما قام بمجهود عاملين في التخطيطات الصناعية الأولى. فإن الأول حينما رأى غايته في الحياة قد تمثلت له وكأنه يراها رأي العين، سعى إليها بدافع نفسي عجيب. ولا يختلف الثاني عن الأول في رؤيته لأهدافه وسعيه

стр. 166

إليها السعي الحثيث، حتى أصبح سلوكه عنواناً لنظرية في الإنتاج (استاخانوفية). وأما من الناحية الفنية فإن فكرة التخطيط تكتل الوسائل وترب ضمناً - بدافع تفرضه طبيعة العمل المخطط- بين بعض المشاكل، التي قلما نفكر في ربطها بصفة منهجية، لأن العادات الفكرية لا تتغير بسرعة التطورات التي يحدثها العامل الفني في الأشياء. فقلما نفكر في العمل غير المخطط أن نربط بين مشكلة اليد ومشكلة العقل، أو بين مشكلة العمل ومشكلة الوقت، بينما يكون الربط بين هذه المشكلات ضرورة حتمية في العمل المخطط: ضرورة تفرضها طبيعة العمل نفسه دون إجهاد في التفكير، لأن التخطيط عملية تفكير، تفكير مسبق في عمل محدد من ناحية، ومن ناحية أخرى هو توقيت هذا العمل في مدة معينة وتوزيعه على عدد معين من السنوات. وبهذا فإنه يربط بين عوامل اجتماعية فعالة، ويحل ضمناً المشكلات التي تتضمنها، مثل مشكلة الربط الضروري بين العمل والفكر من ناحية العمل والوقت من ناحية أخرى، حتى تسير الوسائل بأسرع ما يمكن إلى أهدافها، وتنتج أكبر ما يمكن إنتاجه في وقت معين. فالتخطيط: هو، جملة، تعميم لنظرية (تايلور) الذي فكر في المشكلة في مستوى المصنع، بينما يرفع القرن العشرين هذه النظرية من مستوى المصنع، الذي يصنع منتوجاً حضارياً معيناً مثل السيارة والطائرة، إلى مستوى المجتمع الذي يصنع حضارة. فكما كان تطبيق نظرية (تايلور) من العوامل التي أثرت تأثيرا عميقاً في تسريع العمليات الصناعية منذ القرن التاسع عشر، فإن التخطيط يؤثر اليوم تأثيراً عميقاً في تسريع العمليات الاجماعية التي تقوم عليها الحضارة، فالتخطيطات القائمة اليوم في الجمهورية العربية المتحدة، تكون في النهضة العربية عنصراً أساسياً لانسجامها مع القانون العام من حيث سرعة التطور.

стр. 167

فيمكن إذن أن نقول إن النهضة العربية أخذت، تجاه الضرورات الخارجية، الإتجاه الصحيح بفضل سياسة الحياد الإيجابي التي يلتزمها الرئيس عبد الناصر، كما بدأت أيضاً تتجه الإتجاه الصحيح إزاء ضرورات الداخل بفضل المشروعات المخططة، التي أخذت طريقها إلى التنفيذ في الجمهورية العربية المتحدة. ولكن نظرتنا إلى هنا في الموضوع إنما هي نظرة إلى المستقبل، أي أنها تتصل بالشروط النظرية التي يجب أن تستجيب إليها النهضة العربية، كي تحقق مصير الأمة العربية وتسهم في تحقيق نصيب من مصير الإنسانية. ولا شك أن هذه النظرة كافية إلى حد ما بالنسبة إلى ضرورات الخارج، لأن مبدأ الحياد الإيجابي لا يتوقف تنفيذه إلا على إرادة فولاذية، لا تحيد عن سياسة الحياد، ولا شك أن الرئيس عبد الناصر برهن على أنه لا يحيد مهما تكن الظروف. ونرى إذن أن نظرتنا إلى المستقبل كافية بالنسبة إلى ضرورات الخارج، لأن تقرير المبدأ النظري يكفي في هذا المجال ولكنه لا يكفي وحده بالنسبة لضرورات الداخل، أي بالنسبة إلى مشروعات البقاء الاجتماعي المختلفة، بل لابد هنا من نظرة إلى الماضي لأن مقتضيات النهضة لا تنفذ بقرار من إرادة فولاذية، ففي المشكلات الداخلية جانب نفسي لا تعبر عنه الأرقام مهما تكن دقيقة، ولا يمكن في أي بناء اجتماعي أن نهمل هذا الجانب لأنه يصور معادلة شخصية، تتدخل ضمناً في أي حل تمليه الاعتبارات الفنية. إنه يجب ألا ننسى أن الإنسان لا يدخل العمليات الاجتماعية بوصفه مادة خاماً، بل يدخل في صورة معادلة شخصية، صاغها التاريخ وأودع فيها خلاصة تجارب سابقة وعادات ثابتة، تحدد موقف الفرد أمام مشكلات بما يكون هذا الموقف من القوة أو الوهن، من الاهتمام أو التهاون، من الضبط أو عدم الضبط الخ .. وإذن فلا تكفي هنا نظرة مجردة إلى المستقبل، لأن الإنسان جهاز دقيق، أدق من كل شيء نتصوره في الميكانيك الدقيق، ولكنه جهاز تخضع

стр. 168

حركاته وسكناته إلى قانون صاغه ماضي أسرته ومجتمعه وثقافته، ولا بد من نظرة إلى ماضي هذا الجهاز، لنعرف مدى صلاحيته في العمليات الاجماعية والمشروعات المخططة القائمة عليه. ولكن هذا الإنسان ليس قضيباً من الحديد نضعه تحت المجهر أو تحت تأثير مادة مشعة لنختبره، إذا ما أردنا استعماله في تركيب ميكانيكي معين. إن اختبار الإنسان لا يمكن أن يكون من النوع الستاتيكي، مثل قضيب الحديد في الظروف العادية، بل يجب أن يكون من النوع الديناميكي، أعني أنه يجب أن نختبره في حركاته لا في سكناته، وإذا اعتبرنا أن التاريخ إنما هو تسجيل لحركات مجتمع معين، فأي قطعة منه نحللها نجد في نهاية التحليل: إما الصورة الحقيقية لحالة الفرد بالنسبة إلى ضرورات المجتمع، وإما- على الأقل- بعض المعلومات عن معادلته الشخصية، أي عن مدى صلاحيته في العمليات الاجتماعية، كما يمكننا في نهاية التحليل أن نقرر ما يجب تعديله في تلك المعادلة، حتى تصبح منسجمة مع ضرورات الخارج وحاجات الداخل. وإذن فأي قطعة من التاريخ العربي تدلنا على مواطن الضعف في مجتمعنا، حتى يمكننا أن ندخل التعديل المناسب في المعادلة الشخصية التي تخصنا؟ فلنفرض أننا أخذنا صورة شمسية للعالم العربي خلال العقد الأول من القرن التاسع عشر مثلاً .. فإننا لا نرى شيئاً فيها، وكأنها صورة التقطت في ليل مظلم، ذلك الليل الطويل، الطويل جداً، الذي أشار إليه المستشرق (كوتييه) في كتابه (القرون المظلمة في الغرب). فهذه الصورة لا تفيدنا شيئاً في موضوع الحديث، لأنها لا تصور لنا حركة المجتمع العربي في ذلك العقد وإنما نومه وسكونه. فلنأخذ صورة شمسية أخرى حوالي سنه ١٨٦٨ .. إننا لن نجد فيها معلومات

стр. 169

أكثر من الأولى. ولكننا نرى خلال الشريط ما يدل دلالة غامضة على فجر بدأ بصيصه يظهر في أفق العالم العربي. ولناخذ الآن صورة شمسية ثالثة حوالي سنة ١٩٠٥. إننا سوف نجد العالم العربي يعيش الآن في ضوء النهار، وسوف نحكم بمقتضى ما رأينا في الصورة الثانية والثالثة، أن النهضة العربية بدأ فجرها يطلع حوالي سنة ١٨٦٨ وأن نهارها أصبح واضحا سنة ١٩٠٥. ولو أننا حللنا الصورة الثالثة، لوجدنا أن النهار الجديد يضيء أشياء حديثة لم يألفها العربي في مسكنه ولباسه وشوارعه، أشياء نرى عليها طابع حضارة الغرب. نرى لا شك هذه الأشياء، علامة بينة على وجود نهضة لم نتبين أثرها في الصورة مثلاً، ولكننا لم نستنتج من تلك العلامة غير المنتظرة سوى دلالة عامة على أن التاريخ العربي قد تحرك من جديد بين سنوات (١٨٦٨ - ١٩٠٥)، دون أن نعرف شيئا آخر عن سرعة حركته ومدى التطور في هذه الحقبة التي اخترتها عن قصد، لأنها تطابق في تاريخ القرن التاسع عشر ما يسمى في اليابان بعهد (الميجي) من بدايته، أي عندما طرق C.perry ( بيري) قائد الأسطول الأمريكي إذ ذاك أبواب اليابان سنة ١٨٦٨، فاضطرت لفتحها صاغرة حتى نهاية الحرب ضد روسيا القيصرية، وانتصار تلك الدويلة الآسيوية الناشئة على هذه الدولة الإستعمارية الكبرى سنة ١٩٠٥، انتصارا بهر بعض الشعوب المستعمرة التي بدأت تنظر إلى اليابان كالبطل الآخذ بثأرها. إنه لا يهمنا الحدث نفسه وإنما تهمنا دلالته على أن النهضة التي يسمونها العهد الميجي في اليابان، قد حققت فيه ما لم تحققه في البلاد الإسلامية عامة وفي البلاد العربية خاصة. إننا نجد أنفسنا أمام حقيقة يشهد بها التاريخ، وليس في وسعنا إلا الإعتراف بأن النهضة كان نشرها أعق في اليابان منه في البلاد العربية في أواخر القرن الماضي. وهذا يعني دون ريب أن سير بلاد الشمس المشرقة خلال الحقبة التي

стр. 170

اخترتها للموازنة، كان سيراً يتواءم مع ضرورات الداخل والخارج، أكثر من السير في البلاد العربية، وهذا يعني في التحليل أن المعادلة الشخصية اليابانية، كانت أرجح في كفة التاريخ من المعادلة الشخصية التي كونتها النهضة في البلاد العربية. وهذا يجعلنا نتساءل: لماذا رجحت كفة اليابان في أواخر القرن التاسع عشر إلى هذا الحد؟ إنه يجب علينا، للجواب على مثل هذا السؤال، أن نحدد معنى النهضة هنا، حتى لا نخالف منطق التاريخ في استنتاجاتنا ضمن هذا البحث. إذا راجعنا تاريخ القرن التاسع عشر وجدنا أن (النهضة) كانت ظاهرة عامة في مختلف البلاد الستعمَرة، وأن أسبابها تتصل بالظروف النفسية والإقتصادية والسياسية الجديدة، التي كونها المستعمر في تلك البلاد، فالنهضة كانت الفعل الذي ردت به الشعوب المستعمرة في تلك الظروف. فلماذا اختلفت النتيجة إذا كانت الأسباب التاريخية واحدة؟ إننا نضع هنا نقطة الاستفهام في صميم الموضوع، لأننا إذا حددنا النهضة بصفتها رد فعل إزاء الإستعمار، فإننا في خطوة ثانية مجبرون على أن نحدد رد الفعل لهذا النوع، من العلة الخاصة التي ربطها الشعب الناهض بالحضارة الغربية. إننا نجد (الهند) مثلاً تحدد صلتها بالحضارة الغربية في صورة فكرة دينية متعالية، تتجلى في حياة (راما كريسما) وفي حياة تلميذه (كناندا)، الذي قام بجولة إلى أوربا وأميرما في غرة هذا القرن، كأنه يريد أن يشعر الحضارة الغربية المتجبرة، أن روح (الفيدا) أي روح الهند الناهضة لا تخضع ولن تخضع للقوة المادية. وهذا الموقف هو الذي وقفه (غاندي) نفسه في بدء حياته العامة، الذي لا يزال يقفه اليوم بعض تلامذة (كناندا) مثل (أوروبدا) المفكر الهندي المعاصر لنا، فهو موقف على جانب من السلبية كما رآه (طاغور) نفسه، عندما

стр. 171

عبر عن موقف بلاده إزاء الحضارة الغربية، الموقف الذي يمكننا وصفه بموقف الضعيف المتكبر أمام القوي المتجبر. وهذا النوع من الصلة لم يكن لينفع النهضة في الهند، لو لم يأت غاندي الذي عدّل الجانب السلبي فيها بالإضافات الإيجابية، فغير اتجاه النهضة الهندية تغييرا نراه اليوم يتم على يد تلميذه (نهرو). ومن الواضح لمن تتبع سياسة الهند منذ عشر سنوات، أن النهضة الهندية نزلت من السحاب وبدأت تسير سيرا حثيثا للإنسجام مع القانون العام، انسجاما يستحق أحيانا الإعجاب فيما يتصل بضرورات الخارج خاصة، حتى أصبحنا نشعر أن الهند لم يعد يطيب لها الجلوس على مقعد المتفرج، الذي يتتبع الأحداث على شاشة التاريخ معلقا عليها، بل اختارت لنفسها- وليس لديها الكثير من الوسائل- أن تصنع الأحداث العالمية أو تشارك في صنعها بصفة جدية. ومهما يكن في هذا الاستطراد فإننا نريد أن نقول: إن النهضة الهندية كانت تحدد نوعاً من الصلة بالحضارة الغربية، فيه ما فيه من نزعة الكبرياء، التي ما برحت فيما أظن تطبع موقف الهند في العالم، ولا تعطينا الموازنة مع النهضة العربية سوى شيء واحد، هو أن الفكر الهندي لما رأى خلال القرن الماضي، أنه لا يستطيع حل مشكلات البقاء، ومشكلات الاتجاه الخاصة بالهند، انفصل عن الأرض وارتفع إلى السحاب مكابراً. أما النهضة في اليابان خلال الحقبة التي اخترناها للموازنة، فإنها عبرت عن صلة بالحضارة الغربية من نوع آخر. فإننا لو أخذنا صورة شمسية لمجتمع الياباني كما فعلنا للمجتمع العربي بين سنوات (١٨٦٨ - ١٩٠٥)، فسوف نجد فيها من أشياء حضارة الغرب، ما نجده قطعاً في صورة شمسية نلتقطها في الوقت نفسه لمجتعنا نحن، ولكننا لو حللنا الصورتين بالمجهر الدقيق، لوجدنا الصورة الشمسية الخاصة بالنهضة العربية زاخرة بالأشياء الغربية الحديثة، ولا نجد معها سوى أشياء أخرى من مخلفات حضارتنا التي ولت إلى ظلمات التاريخ.

стр. 172

أما لو حللنا الصورة الشمسية الخاصة بنهضة، ليابان، فإننا نجد فيها أيضا مع الأشياء الغربية الحديثة أشياء عتيقة من مخلفات حضارة (الميكادو، والساموراي)، وإننا سوف نجد فيها إلى جانب عالم زاخر بالأشياء، عالما آخر زاخراً بالأفكار الجديدة: الأفكار التي نبعت من عبقرية اليابان لما اصطدم بواقع القرن التاسع عشر. وهذه الملاحظة جديرة بالتأمل، لأنها تكشف لنا عن الفارق العظيم، بين الصلة التي ربطها اليابان بالحضارة الغربية وبين صلتنا بها. إن اليابان وقف من الحضارة الغربية موقف التلميذ، ووقفنا منها موقف الزبون. إنه استورد منها الأفكار خاصة ونحن استوردنا منها الأشياء خاصة ... إنه كان خلال- سنوات (١٨٦٨ - ١٩٠٥) ينشئ حضارة، وكنا نشتري بضاعة حضارة، وكان البون بيننا شاسعاً والخلاف جوهرياً، يؤدي حتما إلى ترجيح كفة اليابان كما بينا في الموازنة التي عقدناها لسنة ١٩٠٥. إن هذه النظرة إلى الماضي أفادتنا شيئين: إن حركة النهضة العربية كانت تسير على بطء، ثم إنها لم تكن تتجه نحو إنشاء حضارة، أو على الأقل إنها لم تنظم اتجاهها نحو الحضارة. ومن الطبيعي إذن أن نفترض فيها أولاً وجود عوامل تعطيل نفسية، أثرت في سيرها خلال الحقبة التي جعلناها عن قصد موضوع البحث. وثانياً وجود عوامل أخرى فكرية أثرت في اتجاهها تأثيراً سلبياً. والمشكلة في صورتها الجديدة إذن هي أن نتساءل: هل زال مفعول هذه العوامل المعوقة للنهضة العربية أم لا؟ ومن الواضح أننا لا نملك في أيدينا شيئا يتيح لنا الجواب عن هذا السؤال جواباً يقنعنا، لأنه يتطلب دراسة موضوعية لم نقم بها ولا نعلم أن أحداً قام بها. إنه بلغنا أن القضية دخلت أخيراً إلى المختبر لتدرس، وأن لجنة تأسست بالقاهرة لدراسة هذا الجانب النفساني في إطار التخطيطات القائمة اليوم. ولكننا قبل أن تصلنا نتيجة هذه الدراسة الموضوعية،

стр. 173

نجد أنفسنا مضطرين إلى تقدير نظري، وهو أن عوامل التعطيل التي نتحدث عنها، لا يزال بعضها عالقاً بعالم النفس عندنا، في صورة رواسب خلفها في نفوسنا عهد الكساد، الذي أشرنا إليه بعنوان كتاب المستشرق (كرتييه)، ولا أشعر أن هذا التقدير النظري يخرج من نطاق الواقع، إذا أخذنا باعتبارنا أننا لم نقم إلى الآن في العالم الإسلامي عامة والعالم العربي خاصة، بما يسميه علماء النفس عملية تصفية للرواسب التي نتحدث عنها. وفيما يخص هذا الحديث فإنني أقنع بالحديث عن هذا الجانب المرضي في النهضة العربية، تاركا جانب العلاج إلى من يقوم بهذا الأمر مباشرة في إطار التخطيطات، مع اعتقادي أنه يتصل بقضية (الثقافة) والتوجيهات الثقافية في البلاد العربية، على شرط أن نعطي لكلمة ثقافة معناها الصحيح، لتقوم أولا بالدور الخلاق للإنسان العربي الجديد، الذي يتواءم مع ضرورات النهضة في الخارج وفي الداخل. هذا من جانب الاعتبارات التي تمس ضعف النهضة من حيث النفس. وأما الاعتبارات التي تمس ضعفها من حيث الفكر، فإننا أيضاً مضطرون إلى التقديرات النظرية حتى تأتينا نتائج الدراسات الموضوعية للقضية، فإننا نقدر جملة أن الضعف الذي نشاهده في اتجاه النهضة العربية، من الجانب الفكري خلال الفترة التاريخية، التي اخترناها للموازنة أي فترة (١٨٦٨ - ١٩٠٥) إنما يرجع إلى أسباب منطقية معينة لا نتصور أنها تخرج عنها. ويمكن أن نرتب هذه الأسباب كما يأتي: ١ - عدم تشخيص غاية النهضة تشخيصا واضحا. ٢ - عدم تشخيص المشكلات الاجماعية تشخيصاً صحيحاً. ٣ - عدم تحديد الوسائل تحديدا يناسب الغاية المنشودة والإمكانيات. إننا نكون بهذا الترتيب قد صغنا ثلاث مشكلات تكون الحلقة الجديدة لهذا الحديث:

стр. 174

١ - فأما بالنسبة للسبب الأول- وبقدر صحة الملاحظة- فالضعف يتصل بقانون الحركة عامة. إن كل حركة تفقد غايتها، أعني أن غايتها لم تتحدد بوضوح، فإن شأنها التيه في السبيل والتبذير في الوسائل والخطأ في الهدف، وبالتالي فإنها حركة تخضع لقانون المصادفة، أي أنها لا تأتي بنتيجة في اتجاه معين وفي وقت معين. هذا من وجهة نظرية بحتة أي بالنسبة لكل نوع من الحركة. ولكن النهضة العربية والنهضة عامة (باعتبارها حدثاً يحدث في تاريخ أمة في ظروف معينة مثل النهضات المعاصرة لنهضتنا في آسيا كما ذكرنا، أو مثل نهضة أوربا في منتصف القرن الخامس عشر) هي حركة من نوع خاص تحدد غايتها طبقاً لنوعيتها: هل الحضارة هي تلك الغاية، وبالتالي هل هي غاية كل سير في التاريخ؟ سواء أكان عن طريق التحديد والتوجيه والتوقيت أم عن طريق الصدفة؟. إن الجواب على هذا السؤال يستوجب أولاً اعتبار التاريخ لا بصفته مجرد تسلسل حوادث على شاشة الزمن، بل بوصفه عملية اجتماعية محددة الأسباب والنتائج، ومرتبطة بمصير الإنسان تقدر حظه أو تلقيم في الحضيض. ويأتي إذن السؤال في هذه الصورة: في أي ظروف يحقق التاريخ حظ الفرد، ويرفع شأنه في بلده ويعزز مكانه في العالم؟ إننا لو وزعنا بعض الأرقام على خريطة العالم، لوجدنا الجواب للسؤال المطروح في صورة جغرافية ذات دلالة. فلنأخذ مثلاً قائمة متوسط الدخل السنوي للفرد في العالم، فإن أرقامها تتراوح من ١٨٥٠ دولاراً في الولايات المتحدة إلى ٣٨ دولاراً في جمهورية ليبريا. وإذا اعتبرنا في هذه القائمة أن متوسط الدخل السنوي في اليابان ٢٠٠ دولار هو الرقم الوسط في العالم، لا بوصفه عدداً ولكن بوصفه منحى إقتصادياً، ثم وزعنا أرقام القائمة على الخريطة، فإننا سوف نرى أنها تصور لنا رقعتين جغرافيتين، تتمتع إحداهما بمتوسط دخل سنوي فردي فوق

стр. 175

٢٠٠ دولار، والأخرى يقع الدخل الفردي فيها دون هذا الرقم. ومن الطبيعي أن نقول إن الفرد الذي يولد في الرقعة الأولى، يحصل بمجرد ولادته على حظ أكبر في الحياة من نظيره الذي يولد في الرقعة الأخرى. ولو لاحظنا بعد هذا أن الرقعة الأولى هي بالضبط رقعة الحضارة الغربية وامتدادها الجغرافي التاريخي شرقاً وغرباً، أي امتدادها من أقصى الغرب من سان فرانسيسكو مثلاً إلى طوكيو في الشرق، ولاحظنا في الوقت نفسه أن الرقعة الأخرى هي بالضبط رقعة الشعوب التي تعيش من طنجة إلى جاكرتا، في حالة نسميها ما قبل الحضارة، وربطنا القضية بالجغرافية من ناحية وبالتاريخ من ناحية أخرى، فإن هذه الاعتبارات تُملي الجواب على السؤال المطروح .. أي أن الشروط التي تحقق للإنسان حظه في الحياة هي عامة شروط حضارة، وأن مصيره مقيد بها يُرزق غداً إنما تحققت، ويحرم إن اختلت أو انهدمت. ولو اتخذنا قائمة أخرى ووزعنا أيضاً أرقامها على الخريطة، لوجدنا الظاهرة نفسها في صورة قارتين: قارة يسودها الرخاء لأن حضارتها تتكفل بحياة الفرد، وتقدم له جميع الضمانات الاجتماعية، وقارة يسودها الحرمان لأن الحياة الاجتماعية فيها في مرحلة دون الحضارة. فلو وزعنا مثلاً أرقام قائمة استهلاك الكهرباء أو الفحم الحجري فإننا سوف نصل للنتيجة نفسها. وعلى سبيل المثال فقط نذكر أرقام استهلاك الفحم في العالم للفرد: ٨ أطنان للفرد في الولايات المتحدة الأمريكية. ٤ أطنان للفرد في السويد ٢،٥ من الأطنان للفرد في فرنسا ١ طن للفرد في إيطاليا ١١٠ كيلو للفرد في الهند أي لبلاد واقعة في محور طنجة- جاكرتا. وإذا رجعنا الآن إلى قضية النهضة العربية في ضوء هذه الاعتبارات، فإننا

стр. 176

نرى أنه من الضروري أن تحدد غاية سيرها بوصفها محركة في التاريخ، ثم أن تتخذ، بصفتها عملية اجتماعية، الحضارة غاية لها. وبقدر ما يصح هذا التشخيص في ضوء الاعتبارات الاجتماعية والتاريخية كما سبق، نكون قد تداركنا جانباً من عوامل التعطيل الذي كشفته لنا الموازنة مع نهضة اليابان. ٢ - هذا بالنسبة للسبب الأول، وأما بالنسبة للسبب الثاني أي بالنسبة لتشخيص المشكلات، فإن الضعف يتسرب في تقدير مشكلات النهضة من حيث ضرورات الداخل وضرورات الخارج تقديراً سليما، لأننا كنا نفكر حتى عهد قريب، وإلى حد ما، لازلنا نفكر، لا حسب طبيعة الأشياء، ولكن حسب عادات فكرية توجه فكرنا مبدئياً في اتجاه معين، سواء أكان هذا الاتجاه صالحاً يناسب فعلا ما تقتضي المشكلات من الحلول أم لا يناسب. هذه العادات الفكرية تعمل مفعولها أحياناً في صورة البديهيات التي تطبق دون أي تحفظ، والبديهيات في التاريخ كثيراً ما قامت بدور سلبي كعوامل تعطيل مثل بديهية: الأرض مسطحة، فإنها عطلت إلى حد ما سير التاريخ وحالت دون اكتشاف أمريكا قروناً طويلة حتى عهد كولومبو، بينما كان العلم القديم نفسه ينشد كروية الأرض كما يشهد بذلك كتاب (بطليموس) .. إن أجيالاً كثيرة من البحارة لم تكتشف أمريكا، لأنها لم تكن تواجه مشكلة المواصلات البعيدة بفكرها بل بعاداتها الفكرية. وهذه العادات تؤثر فعلاً في سرعة التطور، لأنها تجعلنا نعد المشكلات طبقاً لبديهيات لا يدل شيء على أهميتها، بدل أن نفكر فيها حقيقة، وكثيراً ما نغتر بالصورة بدلاً من أن يكشف عن المرض نفسه، ومن الواضح أن علاجاً يتجه في حالة معينة إلى الحمى، عوضاً عن الاهتمام بسببها، قد يؤدي إلى زيادة المرض، وأحياناً إلى موت المريض نفسه، إذا ما فات وقت التدارك. إن كثيراً من المشكلات تعرض لنا، فلا نتعرض لها بفكرنا ولكن بعاداتنا الفكرية. وقد يكون نصيبنا من النجاح قليلاً دون أن نشعر بذلك أحياناً لأننا

стр. 177

نفقد وسائل الرقابة، وليست بين أيدينا المقاييس لتقدير النتيجة تقديراً صحيحا. قد نكون مثلاً مهتمين بقضية (الأمية) وهي تمس في الصميم قضية النهضة بوصفها عملية اجتماعية تتضمن الطاقات الفكرية مع الطاقات الأخرى، ومن الطبيعي أن نفكر في الجهل بوصفه مشكلة أساسية لا بد من حلها، ولكننا في الواقع قلما نفكر فيها تفكيرا جذرياً. فكثيراً ما نؤتي المشكلة الحلول التي اعتدناها في عاداتنا الفكرية، مع بعض الطقوس الاجتماعية التي لا تخلو من الرياء، فنقرر طبقاً لعاداتنا أن (العلم) هو العلاج النافع، ونميل أيضاً إلى هذا النوع هن العلاج بمقتضى الطقوس الاجتماعية القائمة في البلاد، بينما النتيجة أحيانا دون ما نريد، وأحياناً خلاف ما نريد، عندما نرى النتيجة في إحدى صورتيها: إما في صورة العالم الذي لا ينفع المجتع إلا قليلا، أو في صورة العالم الذي يضر المجتمع أحيانا بعلمه، لأن أساسه الخلقي لم يتكون، ولم نفكر في تكوينه مقتنعين بشكلية الأشياء دون اهتمام جدي بحقيقتها، وبصلتها بضرورات الداخل وضرورات الخارج .. وربما تزيد الحالة سوءاً، حين تتدخل الطقوس الاجتماعية في تشخيص المشاكل، فإن العلم يصبح إذن صنفاً من الرياء، وسبباً للتنافس بين الأسر البشرية، فيفقد بهذا كل فعاليته الاجتماعية، لأننا لم نفكر فيه على أساس اجتماعي نفسي وإنما على أساس مدرسي وجامعي .. فنكيف التعليم ليكون عملية تهدف أساساً إلى إضافة المعلومات بعضها إلى بعض، لا ليكون عملية تصفية نفسية في مستوى الفرد وفي مستوى المجتمع، أي بوصفه صياغة للإنسان صياغة جديدة، تتواءم مع ضرورات الداخل وضرورات الخارج، أي مع القانون العام الذي يفرض في الداخل سرعة السير وفي الخارج وحدة المصير، ولا نشعر بالخطأ في المنهاج القائم على مبدأ إضافة المعلومات، أو إذا سمح لي بهذا التعبير- تكديس المعلومات- لأننا لا نقدر تطورنا بالمقياس الذي يصوغه السير العام في العالم، وإنما نقدره بمقياس نسبي تصوغه ظروفنا الخاصة.

стр. 178

فحين يدخل العالم في عهد القمر الصناعي، ندخل نحن في عهد الكاديلاك، ونشعر أننا حققنا خطوة لا بأس بها في التقدم، لأننا كنا في عهد الحمار في بعض البلاد العربية. إنني لم أذكر هذا المثل للشعور بحاجتنا إلى القمر الصناعي والصاروخ الموجه، وإنما ذكرته لتوضيح الموقف، بل أشعر أن حاجتنا الأساسية في عالم النفس أكثر منها في عالم الأشياء. إن حاجتنا الأولى هي الإنسان الجديد .. الإنسان المتحضر .. الإنسان الذي يعود إلى التاريخ الذي خرجت منه حضارتنا منذ عهد بعيد. وصياغة هذا الجهاز الدقيق الذي يسمى الإنسان، لا تتم بمجرد إضافة جديدة إلى معلوماته القديمة لأنه سيبقى هو قديماً في عاداته الفكرية وفي مواقفه أمام المشكلات الاجتماعية، وفي فعاليته إزاءها، وخاصة في لافعاليته التي نجد أكثرها عندما تفاجئنا الظروف أحياناً ببعض الفضائح أو ببعض المآسي، مثل غرق السفينة (دندرة) في النيل، أو عندما نحلل صورة شمسية تكشف لنا موطن الضعف في المجتمع، كما كشفت لنا الصورة التي أتاحت لنا موازنة النهضة في اليابان مع النهضة في البلاد الإسلامية عموماً والعربية خصوصا، كما سبق. وإذن فإن قضية اجتماعية مهما كانت ظروفها لا تعالج بالبديهيات التي ترى العلاج النافع في وضع النقيض أمام كل داء. فقد كان من حكم الطب القديم أن الحرارة مثلاً دواؤها الرطوبة، ولا بأس بهذه الحكمة ما لم تكن قيداً يقيد التفكير وعادة تحجّر الفكر. فلو استسلم الطب لحكة كهذه مع رشدها وصلاحيتها في بعض الظروف، لما وجد (باستور) طريقاً لاكتشاف العلاج النافع لداء الكلب مثلاً، لأن هذا الطريق المبتكر كان في اتجاه يخالف تماماً حكمة النقيض، إذ نرى (باستور) يعالج الداء بالداء نفسه. فيجب إذن أن نحترز، قدر الإمكان في معالجة المشكلات الاجتماعية، من الطريقة التي تتخذ لكل داء نقيضه دواء، فنضع مثلاً العلم أمام الجهل دون قيد أو شرط، ونجد أنفسنا أحياناً وبالتالي أمام عالم نفعي غير نافع، يعيش على جسم المجتمع مثل النبات الطفيلي على الأشجار.

стр. 179

فقضية الجهل لا تعالج إذن بمجرد وضع البرامج التعليمية، والتعليم لا ينفع بمجرد إضافة معلومات، بل يجب أن يكون أولاً عملية تصفية نفسية .. وتعديل معادلة شخصية زيفتها عهود الكساد. وبكلمة واحدة أن يكون التعليم بناء الشخصية الجديدة في المجتمع العربي المتجدد، طبقاً لضرورات النهضة في الداخل والخارج. وهذا يعني ألا توضع برامج التعليم لما يسمى (العلم)، ولكن طبقاً لشيء أعم بكثير هو: الثقافة. أي أن توضع برامج تتصل بعالم النفس والدوافع الأساسية ثم بعالم العقل والمفهومات، وبعالم الأشياء والحاجات. ٣ - وأما من وجهة المشكلة الثالثة التي ذكرناها في الترتيب السالف، أي تحديد الوسائل، فإن تحليلنا للصورة الشمسية قد كشف لنا عن جانب سلبي في النهضة العربية، يتصل بضعف منطقي فيها، باعتبارها حركة تاريخية لم تعرف بالضبط أو لم تحدد غايتها. ولكن لابد أن نضيف بجانب هذا ضعفاً آخر متفشيا فيها باعتبارها عملية اجتماعية، لم تعرف بالضبط أو لم تحدد وسائلها. فإننا لو تتبعنا سيرها خلال فترة معينة، كما فعلنا، فسوف نجد فيها- على الرغم من كل الضعف في تحديد غايتها- اتجاها نحو حضارة، مهما يكن في هذا الاتجاه من الغموض: ولكننا إذا حللنا مرة أخرى الصورة الشمسية المذكورة، فإنها ستكشف لنا أن النهضة العربية كانت تحاول تحقيق غايتها، بالأشياء التي تستوردها من الحضارة الغربية. فالخطأ يتصل هذه المرة بقضية الوسائل؛ والسؤال: هل يصح أن تكون الأشياء التي نستوردها من الخارج وسائل لتشييد حضارة معينة، أومنتوجاً حضارياً بصفة مطلقة؟ فأما من حيث إنه منتوج حضارة معينة، فإنه قد يتفق مع مصلحة البلاد التي استوردته، أو لا يتفق معها أحياناً من الجانب الإقتصادي، وأحياناً من الجانب النفساني أيضاً. فاستيراد (الويسكي) مثلاً قلما يتفق مع مصلحة بلاد إسلامية عامة وبلاد عربية خاصة، وكذا استيراد سيارات الكاديلاك غالباً واستيراد فرو السيدات في البلاد التي تشرق عليها شمس المناطق الحارة.

стр. 180

هنا نلمس جانباً من الضعف المنطقي لا نكاد نختلف فيه، لأنه واضح تمام الوضوح، وهو يتصل بقضية نفسية وخلقية. ولكن هناك جانباً آخر يتعلق بسلوك المجتمع نفسه وموقفه، أمام الشيء المستورد باعتباره منتوجا حضارياً بصفة مطلقة، فلا بأس طبعا أن نستورد من الأشياء ما نسد به حاجاتنا الأساسية مؤقتاً، ولا بأس أن نستورد الطب والطبيب والمطبعة والأستاذ ومعلوماته، والصيدلي وأدواته والمهندس وآلاته، مادمنا نحن لا ننتج هذا كله. وإنما على شرط ألا تكوّن عندنا بعض العادات الفكرية، فتقلب ضمنا دون أن نشعر منطق الاجتماع، أن تكون عندنا بعض العقد النفسية فتربط اتجاهاتنا ودوافعنا بالشيء والشيئية. فإننا إذا صغنا جملة مثل هذه: " إن المنتوج لا يكوّن المنتج بل المنتج هو الذي يكوِّن المنتوج "- فلن نختلف في مضمونها لأننا صغناها صياغة عامة واضحة، لا يختلف فيها اثنان، وسوف نتفق لا شك على أن هذه القاعدة المنطقية صحيحة دوماً، وعليه فلنتخذها مقياساً عاماً في الموضوع. إننا حين حللنا الصورة الشمسية التي استخدمناها خلال حدينا، وجدنا في النهضة العربية بين سنوات (١٨٦٨ - ١٩٠٥) (عالم أشياء) جديداً، لم يعرفه آباؤنا في أواخر القرن الثامن عشر وأوائل القرن التاسع عشر مثلاً، ووجدنا الأشياء في اليابان نفسه استوردها كما استوردناها نحن من الحضارة الغربية، ولكن كشف لنا التاريخ أن تلك الأشياء لم تؤد في نهضتنا الدور الذي أدته في نهضة اليابان. فنستنتج من هذا أن الأشياء لا تؤدي مفعولها الاجتماعي تلقائياً، ولا تؤثر وحدها في صياغة العملية الاجتماعية، وإنما تؤثر بقدر ما يضاف إلى مفعولها من دوافع نفسية وتوجيهات فكرية معينة، فالشعب الياباني كان يريد بالأشياء التي استوردها خلال العهد الميجي، وسائل يواجه بها بناء حضارة: والبناء لا يتم بالأشياء مهما كانت صلاحيتها وثمنها، وإنما يتم بالدوافع التي تحرك تلك الأشياء،
следующие страницы →