← Джавами‘

Джавами‘ · id 21782

خطب ودروس الشيخ عبد الرحيم الطحان

عبد الرحيم الطحان

Полный текст (6 674 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.

стр. 106

أولهما: إن العقل وإن دل على الإقرار بوجود الخالق، ووجوب تعظيمه، وشناعة الشرك، وقبح المصير إليه، فلا عقاب على ترك ذلك الواجب والتلبس بضده إلا بعد الشرع المطهر، كما دل على ذلك الآيات المتقدمات، وللإمام ابن القيم – عليه رحمة الله تعالى – في تحقيق هذا الموضوع كلام حسن قيم، هذه خلاصته: والحق أن وجوب التوحيد ثابت بالعقل والسمع، والقرآن على هذا يدل، فإنه يذكر الأدلة والبراهين العقلية على التوحيد، ويبين حسنه، وقبح الشرك عقلا ً وفطرة، ويأمر بالتوحيد، وينهى عن الشرك، ولهذا ضرب الله – – الأمثال وهي الأدلة العقلية، وخاطب العباد بذلك خطاب من استقر في عقولهم وفطرهم حسن التوحيد ووجوبه وقبح الشرك وذمه، والقرآن مملوء بالبراهين العقلية الدالة على ذلك، كقوله – جل وعلا –: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ ضُرِبَ مَثَلٌ فَاسْتَمِعُوا لَهُ إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ لَن يَخْلُقُوا ذُبَاباً وَلَوِ اجْتَمَعُوا لَهُ وَإِن يَسْلُبْهُمُ الذُّبَابُ شَيْئاً لَّا يَسْتَنقِذُوهُ مِنْهُ ضَعُفَ الطَّالِبُ وَالْمَطْلُوبُ مَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ﴾ الحج ٧٣-٧٤، ولكن ههنا أمر آخر، وهو أن العقاب على ترك هذا الواجب يتأخر على حين ورود الشرع، كما دلت على ذلك الآيات الكريمات، فقوله – جل وغلا –: ﴿ذَلِكَ أَن لَّمْ يَكُن رَّبُّكَ مُهْلِكَ الْقُرَى بِظُلْمٍ وَأَهْلُهَا غَافِلُونَ﴾ الأنعام١٣١ يدل على أنهم ظالمون قبل إرسال الرسل الكرام – عليهم الصلاة والسلام – وأنه لا يهلكهم بهذا الظلم قبل إقامة الحجة عليهم.

стр. 107

.. ولهذا كان الصواب وجوب التوحيد بالسمع والعقل، وإن اختلفت جهة الإيجاب، فالعقل يوجب بمعنى اقتضائه لفعله، وذمه على تركه وتقبيحه لضده، وإذا لم يكن حُسْنُ التوحيد، وقُبْحُ الشرك معلوماًَ بالعقل مستقراً في الفطر، فلا وثوق بشيء من قضايا العقل، فهذه القضية من أجلِّ القضايا البديهيات، وأوضح ما ركب الله – جل وعلا – في العقول والفطر، والسمع يوجبه بهذا المعنى، ويزيد إثبات العقاب على تركه، والإخبار عن مقت الرب – جل وعلا – لتاركه، وبغضه له، وهذا قد يُعْلم بالعقل أيضاً فإنه إذا تقرر قبح الشيء وفحشه بالعقل، وعلم ثبوت كمال الرب – ﷻ – بالعقل أيضاً، اقتضى ثبوت هذين الأمرين علم العقل بمقت الرب – ﵎ – لمرتكبه، وأما تفاصيل العقاب، وما يوجبه مقت الرب – جل وعلا – فإنما يعلم بالسمع (١) . ثانيهما: أن العقول وإن دلت على ذلك، فتلك الدلالة على وجه الإجمال، ولابد من تفصيل ما يجب لله – جل وعلا – على عباده من حقوق وواجبات، وما يتصف به من صفات الكمال، وبيان ما يضاد ذلك الحال، فالعقول لا تهدى لتفاصيل ذلك، فيلزم التفصيل والبيان، لرفع اللبس والإبهام، وذلك عن طريق الرسل الكرام – عليهم الصلاة والسلام – ورحمة الله على الإمام ابن القيم حيث يقول في بيان مكانة الرسل الكرام – عليهم الصلاة والسلام – ووظيفتهم: وكان الناس في لَبْس ٍ عظيم ٍ ... فجاؤا بالبيان ِ فأظهروهُ وكان الناس في جَهْل عظيم ٍ ... فجاؤا باليقين فأذهبوه ُ وكان الناس في كُفْر عظيم ٍ ... فجاؤا بالرَّشَادِ فأبْطلوه ُ (٢) الشرط الرابع للتكليف بالتوحيد:

стр. 108

.. سلامة إحدى حاستي السمع والبصر، لأنه بسلامة إحدى هاتين الحاستين يتم حصول إعلامه بالمطلوب منه عن طريق السماع أو الرؤية، أما إذا فقدا معاً فلا يتأتى إخباره، ولا يحصل إبلاغه، فحكمه حكم فاقد العقل، ومن كان هذا حاله فالقلم مرفوع عنه، كما تقدم تقرير هذا، مع بيان ما يدل عليه (١) . مسألة مهمة: ... تقدم أن شروط التكليف بالتوحيد أربعة، وإذا انخرم واحد منها فلا عقاب في تلك الحال على من فرط في توحيد الله ذي الجلال، ويترتب على هذا مسألة تدور في البال، وهي: ما مصير الذين لم تكتمل فيهم شروط التكليف بالتوحيد في الآخرة؟ وللجواب على هذا السؤال تُحتَّمُ الأدلة تقسيمَ هذه المسألة إلى قسمين، إليك بيان الحكم في كل قسم: القسم الأول: أن يكون من لم تكتمل فيه شروط التكليف بالتوحيد من أولاد المسلمين الذين ماتوا صغاراً، فلأهل السنة الكرام فيهم قولان:

стр. 109

١- الوقف في أمرهم، وتفويض حالهم إلى ربهم – جل وعلا – قال بهذا جماعة من أهل الفقه والحديث منهم الحمادان – ابن سلمة بن دينار، وابن زيد بن درهم (١) ، وعبد الله بن المبارك، وإسحاق بن راهُوْيَهْ (٢) – ﵏ جميعاً –.

стр. 110

.. وعمدة هذا القول ما ثبت في صحيح مسلم وغيره عن أمنا عائشة – رضي الله تعالى عنها – قالت: دُعي رسول الله – ﷺ – إلى جنازة صبي من الأنصار، فقلت: يا رسول الله – ﷺ – طوبى لهذا عصفورٌ من عصافير الجنة، لم يعمل السوء، ولم يدركه، قال: "أوغير ذلك يا عائشة، إن الله خلق للجنة أهلا ً خلقهم لها وهم في أصلاب آبائهم، وخلق للنار أهلا ً خلقهم لها وهم في أصلاب آبائهم (١) ".

стр. 111

.. وليس في الحديث الشريف دلالة على ذلك القول عند التحقيق، لأن الحديث يدل على أنه لا يُشهد لكل طفل من أطفال المؤمنين بالجنة، وإن أطلق على أطفال المؤمنين في الجملة أنهم في الجنة، لكن الشهادة للمعين ممتنعة، وهذا كما يشهد للمؤمنين مطلقاً أنهم في الجنة، ولا يشهد لمعين بذلك، إلا من شهد له النبي – ﷺ – فهذا وجه الحديث الشريف الذي يشكل على كثير من الناس، ورده الإمام أحمد – رحمه الله تعالى – وقال: لا يصح، ومن يشك أن أولاد المسلمين في الجنة، وتأوله قوم تأويلات بعيدة، أفاد ذلك الإمام ابن القيم – عليه رحمة الله تعالى – قال الإمام النووي – عليه رحمة الله تعالى –: توقف فيه – أي في الحكم بالجنة لمن مات من أطفال المسلمين – بعض من لا يعتد به لحديث عائشة – رضي الله تعالى عنها – وأجاب العلماء بأنه لعله نهاها عن المسارعة على القطع من غير أن يكون عندها دليل قاطع، ويحتمل أنه – ﷺ – قال هذا قبل أن يعلم أن أطفال المسلمين في الجنة (١)

стр. 112

ذهب جمهور العلماء إلى نجاتهم والحكم لهم بدخول الجنة وبعضهم حكى الاتفاق على هذا وتقى الخلاف في هذه المسألة، وقال الإمام ابن كثير في تفسيره – عليه رحمة الله تعالى –: أما ولدان المؤمنين فلا خلاف بين العلماء – أي: في نجاتهم وكونهم من أهل الجنة – كما حكاه القاضي أبو يعلى بن الفراء عن الإمام أحمد ﵏ جميعاً – أنه قال: لا يختلف فيهم أنهم من أهل الجنة، وهذا هو المشهور بين الناس وهو الذي نقطع به إن شاء الله – – ثم حكم على القول الأول القائل بالوقف فيهم بأنه غريب جداً أ. هـ وقول الإمام أحمد نقله الإمام ابن القيم في طريق الهجرتين وقال بمضمونه الإمام النووي في شرحه لصحيح مسلم، وعبارته: أجمع من يعتد به من علماء المسلمين على أن من مات من أطفال المسلمين فهو من أهل الجنة (١) ، قال كاتب هذه الصفحات – غفر الله الكريم له الزلات – لا إجماع في هذه المسألة على الصحيح والقول بنجاة أولاد المسلمين ودخولهم الجنة هو القول الصحيح الذي يدل عليه النقل الثابت الصحيح من آيات القرآن وأحاديث نبينا خير الأنام ﵊.

стр. 113

أما القرآن الكريم فقد وردت بالإشارة إلى ذلك في آيتين من آي الذكر الحكيم الآية الأولى: قول ربنا – ﵎ –: ﴿كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ إِلَّا أَصْحَابَ الْيَمِينِ فِي جَنَّاتٍ يَتَسَاءلُونَ مَا سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ قَالُوا لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ﴾ المدثر٣٨-٤٣، وأصحاب اليمين يشمل أولاد المسلمين الذين ماتوا صغاراً كما يشمل اللفظ أيضاً المؤمنين والملائكة وتفسيره بالأول ثابت عن صحابيين جليلين – ﵃ أجمعين – الأول على بن أبي طالب – رضي الله تعالى عنه – روى الحاكم وغيره بإسناد صحيح عن علي – رضي الله تعالى عنه – في قوله –: " كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ إِلَّا أَصْحَابَ الْيَمِينِ " قال: هم أطفال المسلمين (١) . والثاني ابن عمر –رضي الله تعالى عنهما – أخرج ذلك عنه ابن المنذر وغيره – ﵏ جميعاً– (٢) .

стр. 114

الآية الثانية: قول الله – جل وعلا –: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُم بِإِيمَانٍ أَلْحَقْنَا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَمَا أَلَتْنَاهُم مِّنْ عَمَلِهِم مِّن شَيْءٍ كُلُّ امْرِئٍ بِمَا كَسَبَ رَهِينٌ﴾ الطور٢١. ... وهذه الآية الكريمة تحتمل أمرين، كل منهما منقول مأثور، والجمع بينهما هو الذي تقتضيه صرائح العقول، والقول الثاني منهما، يدل على مسألتنا، وإليك تفصيلهما:

стр. 115

١- تحتمل الآية الكريمة أن المؤمنين إذا تبعتهم ذريتهم في الإيمان، فآمنت الذرية كما آمنوا يلحق الله العظيم الذرية بآبائهم في المنزلة، والدرجة يوم الدين، وإن لم يبلغوا عملهم ولم يستحقوا منزلتهم تفضيلا ً من الله وكرماً، وامتناناً ولطفاً لتقر أعين الآباء، وليكتمل الأنس والصفاء، ثبت في المستدرك وغيره بإسناد صحيح عن ابن عباس – رضي الله تعالى عنهما – قال: إن الله – جل وعلا – يرفع ذرية المؤمن معه في درجته في الجنة وإن كانوا دونه في العمل، ثم قرأ: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُم بِإِيمَانٍ أَلْحَقْنَا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَمَا أَلَتْنَاهُم مِّنْ عَمَلِهِم مِّن شَيْءٍ﴾ الطور٢١، يقول: وما نقصناهم، وقد روى البزار ذلك عن ابن عباس – رضي الله تعالى عنهما – مرفوعاً إلى النبي – ﷺ – ولفظه: قال قال رسول الله – ﷺ –: "إن الله ليرفع ذرية المؤمن إليه في درجته، وإن كانوا دونه في العمل لتقرَّبهم عينه" ثم قرأ: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُم بِإِيمَانٍ أَلْحَقْنَا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَمَا أَلَتْنَاهُم مِّنْ عَمَلِهِم مِّن شَيْءٍ﴾ الطور٢١ ثم قال: وما نقصنا الآباء بما أعطينا البنين (١) .

стр. 116

وعلى هذا القول فالمراد من الذرية الأولاد الكبار، وقوله:"بإيمان" في محل نصب الحال من الفاعلين وهم الذرية الكبار الذين تبعوا آبائهم في الإيمان، ولذلك قال النسفي: نُلحِقُ الأولاد بإيمانهم وأعمالهم درجات الآباء، وإن قصرت أعمال الذرية عن أعمال الآباء ١٠هـ ويصح الجار والمجرور "بإيمان" متعلقاً بالإتباع - أي اتبعتهم ذريتهم بإيمان في الجملة قاصر عن رتبة إيمان الآباء، وإليه مال الألوسي (١) .

стр. 117

٢- تحتمل الآية المباركة أيضاً: أن الله – جل ثناؤه – يلحق الأبناء الصغار وإن لم يبلغوا زمن الإيمان بآبائهم المؤمنين في درجتهم ومنزلتهم في جنات النعيم، ليتم للآباء السرور العظيم، تفضيلا ً وإحسانا ً من أرحم الراحمين، وهذا القول كسابقه نقل موقوفاًَ على ابن عباس – رضي الله تعالى عنه – مرفوعاً إلى النبي – ﷺ – ولفظه: "إن المسلمين وأولادهم في الجنة، وإن المشركين وأولادهم في النار"، قال الحافظ في الفتح: وهذا أصح ما ورد في تفسير هذه الآية، وبه جزم ابن عباس – رضي الله تعالى عنهما (١) .

стр. 118

.. وعلى هذا القول فالمراد من الذرية الأولاد الصغار، ويكون قوله – جل وعلا –: "بإيمان" متعلقاً بأحد أمور ثلاثة: أ- بألحقنا أي: ألحقنا بسبب إيمان الآباء بهم ذريتهم الصغار الذين ماتوا، ولم يبلغوا التكليف فهم في الجنة مع آبائهم. ب- يجوز أن يتعلق "بإيمان" بقوله: "واتبعتهم" على معنى اتبعتهم بهذا الوصف، بأن حكم لهم به تبعاً لآبائهم ـ فكانوا مؤمنين حكماً لصغرهم وإيمان آبائهم، والصغير يحكم بإيمانه تبعاً لأحد أبويه المؤمن، ذكر هذا والذي قبله الإمام الألوسي – عليه رحمة الله تعالى –. جـ- قال القرطبي في تفسيره – عليه رحمة الله تعالى –: إن جُعلت الذرية ههنا للصغار كان قوله – جل وعلا – "بإيمان" في موضع الحال من المفعولين، وكان التقدير: بإيمان من الآباء.

стр. 119

.. والآية المباركة – كما قدمت تحتمل القولين، والقول بهما هو المتعين فالله – جل وعلا – يتكرم على المؤمنين يوم القيامة فيلحق الذرية الكبار بدرجة الآباء – وإن لم تؤهلهم أعمالهم لدرجات آبائهم – فضلا ً منه ومنة، ويلحق أيضاً الذرية الصغار بدرجة آبائهم، وأن لم يصدر منهم عمل ما لانعدام تكليفهم لصغرهم، وقد رجح الطبري القول الأول ولم يرد القول الثاني، بل ذكر أن له ما يقرره، وإذا كان الطبري رجح القول الأول فإن القول الثاني قد رجحه القاضي منذر بن سعيد البَلُّوطي، وقال به الإمام الشافعي – ﵏ جميعاً – وعبارته في كتاب الأم: إن الله – – بفضل نعمته أثاب الناس على الأعمال أضعافهما، ومن ّ على المؤمنين بأن ألحق بهم ذرياتهم، ووفر عليهم أعمالهم، فقال: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُم بِإِيمَانٍ أَلْحَقْنَا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَمَا أَلَتْنَاهُم مِّنْ عَمَلِهِم مِّن شَيْءٍ﴾ الطور٢١ فلما منّ على الذراري بإدخالهم جنته بلا عمل كان أن منّ عليهم بأن يكتب لهم عمل البر في الحج وإن لم يجب عليهم، ثم قال وقد جاءت الأحاديث في أطفال المسلمين أنهم يدخلون الجنة (١) .

стр. 120

.. والقول الثاني في الآية الكريمة يقرر القول الصحيح القويم في دخول أطفال المسلمين جنة رب العالمين والله – تعالى – أعلم. ... وأما دلالة السنة المشرفة على دخول أطفال المسلمين الجنة المباركة فمتعددة متنوعة سأقتصر على اثنين منها: ١- الدلالة الأولى ثبوت شفاعة الأولاد لآبائهم وأمهاتهم إذا ماتوا صغاراً: ... روى البخاري في كتاب الجنائز – باب ما قيل في أولاد المسلمين – عن أنس بن مالك – رضي الله تعالى عنه – قال: قال رسول الله – ﷺ –: "ما من الناس مسلم يموت له ثلاثة من الولد لم يبلغوا الحِنثَ إلا ادخله الله الجنة بفضل رحمته إياهم". ... وورد في الصحيحين وغيرهما اعتبار ذلك الفضل لمن مات له اثنان من أولاده، ولفظ الحديث عند البخاري عن أبي سعيد الخدري – ﵃ أجمعين – أن النساء قلن للنبي – ﷺ –: اجعل لنا يوماً فوعظهن، وقال: "أيما امرأة مات لها ثلاثة من الولد كانوا لها حجاباً من النار، فقالت امرأة: واثنان؟ قال: واثنان". ... وتلك الفضيلة يحصلها الرجال أيضاً كما تحصلها النساء، وقد وردت بذلك روايات متعددة وأحاديث كثيرة صحيحة، ومنها ما في المسند ومعجم الطبراني الكبير بسند رجاله ثقات عن أبي ثعلبة الأشجعي – رضي الله تعالى عنه – قال قلت مات لي يا رسول الله – ﷺ – ولدان في الإسلام، فقال النبي – ﷺ –: "من مات له ولدان في الإسلام أدخل الله – – الجنة بفضل رحمته إياهما" قال: فلما كان بعد ذلك لقيني أبو هريرة – رضي الله تعالى عنهما – فقال لي: أنت الذي قال له رسول الله – ﷺ – في الولدين ما قال؟ قلت: نعم، فقال: لئن قاله لي أحب إليه من مُلْكي حِمْص وفلسطين" أي: لو حصل لي ما حصل لك لكان أحب إلي من ملكي لحصن وفلسطين، وما يحويانه من متاع ثمين.

стр. 121

.. وقد وردت الأحاديث الشريفة بزف تلك البشارة العظيمة لمن قدم ولداً واحداً أيضاً ففي سنن الترمذي عن ابن عباس – رضي الله تعالى عنهما – أنه سمع رسول الله – ﷺ – يقول: "من كان له فرطان من أمتي أدخله الله بهما الجنة، فقالت عائشة – رضي الله تعالى عنها –: فمن كان له فرط من أمتك؟ قال: فأنا فرط أمتي، لن يصابوا بمثلي (١)

стр. 122

في جنة النعيم يوم الدين، أن من كان سببا ً في حجب أبويه عن النار، ودخولهما الجنة مع الأبرار فهو أولا في حصول ذينك الأمرين له، لأنه أصل الرحمة وسببها، ولهذا كان الصحيح في عود الضمير في قوله: "بفضل رحمته إياهما" إلى الله – – والمعنى: بفضل رحمة الله – جل وعلا – للأولاد كما دل على هذا رواية ابن ماجه، ولفظها عن أنس – رضي الله تعالى عنه – عن النبي – ﷺ – قال: "ما من مسلمين يتوفى لهما ثلاثة من الولد لم يبلغوا الحنث إلا أدخلهم الله الجنة بفضل رحمته إياهم" ورواها أحمد في المسند بلفظ "ما من رجل مسلم يموت له ثلاثة من ولده لم يبلغوا الحنث إلا أدخل الله – – أبويه الجنة بفضل رحمته إياهم" وروى النسائي وأحمد وابن حبان عن أبي ذر – رضي الله تعالى عنهم أجمعين – قال: سمعت رسول الله – ﷺ – يقول: "ما من مسلمين يموت بينهما ثلاثة من الولد لم يبلغوا الحنث إلا أدخلهما الله الجنة بفضل رحمته إياهم"، وفي المسند وسنن النسائي عن أبي هريرة – رضي الله تعالى عنه – عن النبي – ﷺ – قال: "ما من مسلمين يموت بينهما ثلاثة أولاد لم يبلغوا الحنث إلا أدخلهما الله بفضل رحمته إياهم الجنة، قال: يقال لهم: ادخلوا الجنة، فيقولون: حتى يدخل آباؤنا، فيقال: ادخلوا الجنة أنتم وآباؤكم" هذا لفظ النسائي ولفظ المسند: "إلا أدخلهما الله وإياهم بفضل رحمته الجنة" وباقي الحديث بنحو رواية النسائي، وروى أحمد عن أم سُليم – رضي الله تعالى عنهم أجمعين – أنها سمعت رسول الله – ﷺ – يقول: "ما من امرأين مسلمين يموت لهما ثلاثة أولاد لم يبلغوا الحنث إلا أدخلهم الله الجنة بفضل رحمته إياهم" وفي رواية عنها في المسند أيضاً "ما من مسلمين يموت لهما ثلاثة أولاد لم يبلغوا الحنث إلا أدخلهما الله الجنة بفضل رحمته.

стр. 123

قالها ثلاثاً (١) ". الدلالة الثانية الإخبار عنهم بأنهم في الجنة:

стр. 124

.. ثبت في صحيح مسلم وغيره عن أبي حسان قال: قلت لأبي هريرة – ﵃ أجمعين –: إنه قد مات لي ابنان، فما أنت محدثي عن رسول الله – ﷺ – بحديث تطيب به أنفسنا عن موتانا؟ قال: قال نعم، صغارهم دعاميص الجنة، يتلقى أحدهم أباه، أو قال: أبويه، فيأخذ بثوبه، أو قال بيده، كما آخذ أنا بِصَنِفَةِ ثوبك هذا، فلا يتناهى، أو قال: فلا ينتهي حتى يدخله الله وإياه الجنة (١) .

стр. 125

وفي مسند الإمام أحمد بسند رجاله ثقات عن بعض أصحاب النبي – ﷺ – أنه سمع النبي – ﷺ – يقول: "يقال للولدان يوم القيامة: ادخلوا الجنة، قال: فيقولون: يا رب حتى يدخل آباؤنا وأمهاتنا، قال: فيأتون، قال: فيقول الله – –: مالي أراهم مُحْبَنْطِئينَ، ادخلوا الجنة، قال: فيقولون: يا رب آباؤنا وأمهاتنا، قال: فيقول: ادخلوا الجنة أنتم وآباؤكم (١) ".

стр. 126

وفي مسند الإمام أحمد، وصحيح ابن حبان، ومستدرك الحاكم، وسنن النسائي، وغيرها واللفظ للأخير عن معاوية بن قرة عن أبيه – رضي الله تعالى عنهما – قال: كان نبي الله – ﷺ – إذا جلس يجلس إليه نفر من أصحابه، وفيهم رجل له ابن صغير يأتيه من خلف ظهره، فيقعده بين يديه، فهلك، فامتنع الرجل أن يحضر الحلقة لذكر ابنه، فحزن عليه، ففقده النبي – ﷺ – فقال: "مالي لا أرى فلاناً؟ قالوا: يا رسول الله – ﷺ – بُنَيّه الذي رأيته هلك، فلقيه النبي – ﷺ – فسأله عن بُنِّيه، فأخبره أنه هلك، فعزاه عليه، ثم قال: أيما كان أحب إليك: أن تمتع به عمرك، أو لا يأتي غداً إلى باب من أبواب الجنة إلا وجدته قد سبقك إليه يفتحه لك؟ قال: يا نبي الله – ﷺ – بل يسبقني إلى باب الجنة فيفتحها لي، لهو أحب إليّ، قال: فذاك لك" وفي رواية الحاكم وغيره: "فقال رجل: أله خاصة أو لكلنا؟ قال: بل لكلكم (١)

стр. 127

". وفي مسند الإمام أحمد، ومستدرك الحاكم وغيرهما بإسناد صحيح عن أبي هريرة – رضي الله تعالى عنه – قال قال رسول الله – ﷺ –: "أولاد المؤمنين في جيل في الجنة يكلفهم إبراهيم وسارَّة، حتى يردَّهم إلى آبائهم يوم القيامة (١) ". وثبت في مسند البزار بسند رجاله رجال الصحيح غير محمد بن معاوية بن مالج وهو ثقة عن ابن عباس – رضي الله تعالى عنهم أجمعين – أن النبي – ﷺ – سئل من في الجنة؟ فقال: "النبي في الجنة، والشهيد في الجنة، والمولود في الجنة، والموؤدة في الجنة (٢) ".

стр. 128

وفي هذا الوجه من الدلالة والذي قبله بيان شافٍ كافٍ للحكم بدخول أولاد المسلمين جنة النعيم فضلا ً وكرماً من رب العالمين ولذلك عول على هذا القول جمهور المسلمين، ولم يذهب إلى الوقف في أمرهم إلا عدد قليل من المؤمنين، وهم بهذه الأدلة القوية من المحجوجين، والعلم عند رب العالمين مالك يوم الدين. وقبل الانتقال إلى بيان الشق الثاني من السؤال، وهو تفصيل المقال، في حكم أطفال أهل الشرك والضلال، ومن يشابههم في ذلك الحال، أحب أن أنبه إلى قول صار إليه بعض أهل الاعتزال في بيان مصير أولاد المسلمين في المآل، قال الأشرس النجس ثُمامة بن أشرس النَّحِس: إن إبراهيم ابن رسول الله الأمين – عليهما أفضل الصلاة وأتم التسليم –، وجميع أولاد المسلمين، الذين يموتون قبل كونهم بالغين، لا يدخلون الجنة في حين من الأحايين، بل يصيرون إلى تراب الأرضين (١) .

стр. 129

وهذا الكلام باطل بشقيه، أما في أولاد المسلمين فلما علمت من الأدلة والبراهين، الدالة على كونهم في جنات النعيم، وأما بطلان ذلك في ولد نبينا الهادي الأمين – عليهما أفضل الصلاة وأتم التسليم – فالأمر أظهر، وقد تقدم حكاية الإجماع على كون أولاد الأنبياء – عليهم الصلاة والسلام جميعاً – في الجنة، إذا ماتوا قبل البلوغ، وهذا الإجماع مبني على أدلة صحيحة غراء منها ما ثبت في صحيح البخاري وغيره عن البراء بن عازب – رضي الله تعالى عنه – قال: لما توفي إبراهيم، قال رسول الله – ﷺ –: "إن له مرضعاً في الجنة (١) " وفي صحيح مسلم وغيره عن أنس ابن مالك – رضي الله تعالى عنه – قال: إنه لما توفي إبراهيم، قال رسول الله – ﷺ –: "إن إبراهيم ابني مات وإنه في الثَّدْى، وإن له لَظِئْرين تكملان رضاعه في الجنة (٢) ".

стр. 130

وفي ثبوت هذا لإبراهيم، ولد نبينا سيد المرسلين – عليهم جميعاً أفضل الصلاة والتسليم – رجاء عظيم في حصول ذلك لأولاد المسلمين، وقد تقدم عند بيان ثبوت الفضل العظيم لمن قدم ولداً من المسلمين أن النبي – ﷺ – عزّى أحد أصحابه بموت ولده، فقال له: "أما ترضى أن يكون ابنك مع ابني إبراهيم يلاعبه تحت ظل العرش؟ قال: بلى يا رسول الله – ﷺ –". القسم الثاني: من انخرمت فيه بعض شروط التكليف بتوحيد رب العالمين من غير أولاد المسلمين. تشتمل هذه المسألة على أطفال المشركين ومن لم تبلغهم دعوة رب العالمين، والهالكين الفترة والمجانين ومن في حكمهم، وللناس في مصيرهم في الآخرة أقوال متعددة، هاك تفصيلها، وبيان قيمة كل قول منها: الأول: الوقف فيهم وتفويض أمرهم إلى ربهم، فلا يجزم لهم بجنة ولا نار، بل يوكل حالهم إلى العزيز الغفار، وحجة هذا القول أربعة أمور: أ) جواب النبي – ﷺ – بذلك ففي الصحيحين عن أبي هريرة وابن عباس – رضي الله تعالى عنهم – أن رسول الله – ﷺ – سئل عن أطفال المشركين، من يموت منهم صغيراً، فقال: "الله أعلم بما كانوا عاملين (١) ". ب) لا يرتبط بذلك حكم دنيوي، فلا فائدة من البحث في ذلك.

стр. 131

جـ) تعارض الأدلة في هذه المسألة كما سترى عند تعداد الأقوال فيها والسلامة في السكوت، وتفويض الحكم فيها إلى ذي العزة والجبروت. د) ثبوت نهى النبي – ﷺ – عن الكلام في ذلك، ففي المستدرك وصحيح ابن حبان عن ابن عباس – رضي الله تعالى عنهما – قال: قال رسول الله – ﷺ –: "لا يزال أمر هذه الأمة مواتياً أو مقارباً ما لم يتكلموا في الولدان والقدر (١) " ... وهذا القول منقول عن الحماديَنْ ابن سلمة بن دينار، وابن زيد بن درهم، وعبد الله بن المبارك، وإسحاق بن راهويه كما في فتح الباري ونقل عن ابن عباس، ومحمد ابن الحنفية، والقاسم بن محمد كما في طريق الهجرتين، وإليه مال البغوي في شرح السنة (٢) .

стр. 132

.. وهذا القول منقوض، ولذلك فهو مردود، فالحديث الشريف لا يدل على الوقف في هذه المسألة وإنما وكل علم ما كانوا يعلمون لو عاشوا إلى الله – – والمعنى: الله أعلم بما كانوا يعملون لو عاشوا، فهو – – يعلم القابل للهدى العامل به لو عاش، والقابل منهم للكفر المؤثر له لو عاش، لكن لا يدل هذا على أنه يجزيهم بمجرد علمه فيهم بلا عمل يعملونه، وإنما يدل على أنه يعلم منهم ما هم عاملون بتقدير حياتهم. ... وعلى هذا فليس في الحديث دلالة على نفي امتحانهم في الآخرة، وهو القول الحق في هذه المسألة كما سيأتينا عما قريب. ... وأما عدم تعلق حكم دنيوي بهذه المسألة، فلا يدل ذلك على وجوب الوقف فيهم، بل ولا على استحبابه، لأن معرفة أحكام الشارع الثابتة من جملة المطلوبات ويثيب على معرفته رب الأرض والسموات ولا مبرر للوقف في هذه المسألة لتعارض الأدلة، لأن الجمع بينها ممكن وهو في غاية اليسر والسهولة فما الداعي لتجاوزه إلى الأمر الرابع (١)

стр. 133

.. وأما نهي النبي – ﷺ – عن الكلام في الولدان فالمراد منه ذم من تكلم فيهم بغير علم، أو ضرب النصوص بعضها بعض فيهم، وأما من تكلم فيهم بعلم وحق فلا لوم، ولا ذم (١) . الثاني: الحكم لهم بالجنة، والحجة في ذلك ثلاثة أمور: أ- آيات القرآن العظيم المصرحة بعدم تعذيب الله للعباد قبل إرسال الرسل الكرام – عليهم صلوات الله وسلامه – إليهم، وإنزال الكتب عليهم، ولذلك يعترف الكفار عندما يدخلون النار، بأن النذر جاءتهم، ودعوة الله بلغتهم، لكنهم كذبوا واستكبروا، وقد تقدمت الآيات الدالة على ذلك عند بيان شروط التكليف بالتوحيد، وقد أخبر ربنا – جل وعلا – أن النار لا يصلاها إلا الكفار، فقال – –: ﴿فَأَنذَرْتُكُمْ نَاراً تَلَظَّى لَا يَصْلَاهَا إِلَّا الْأَشْقَى الَّذِي كَذَّبَ وَتَوَلَّى﴾ الليل ١٤-١٦ وقال – ﵎: ﴿وَاتَّقُواْ النَّارَ الَّتِي أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ﴾ آل عمران١٣١. ... وإذا لم يكن هؤلاء من أهل النار، فهم من أهل الجنة، فهي دار الفضل والله ذو الفضل العظيم. ب- ثبوت الدلالة الشريعة في السنة الصحيحة:

стр. 134

.. ورد في صحيح البخاري في حديث سمرة بن جندب – رضي الله تعالى عنه – الطويل في قص النبي – ﷺ – رؤياه على أصحابه، وفيه: "إنه أتاني الليلة آتيان، وإنهما ابتعثاني، وإنهما قالا: انطلق، وإني انطلقت معهما فأتينا على روضة معتمة فيها من كل لون الربيع، وإذا بين ظهري الروضة رجل لا أكاد أرى رأسه طولاً في السماء، وإذا حول الرجل من أكثر ولدان رأيتهم قط قال، قلت لهما: ما هذا؟ ما هؤلاء؟ فقالا له: إنا سنخبرك: أما الرجل الطويل الذي في الروضة فإنه إبراهيم – صلى الله على نبينا وعليه وسلم تسليماً كثيراً – وأما الولدان الذين حوله فكل مولود مات على الفطرة، فقال بعض المسلمين: يا رسول الله – ﷺ – وأولاد المشركين؟ فقال رسول الله – ﷺ – وأولاد المشركين" قال الإمام ابن القيم – عليه رحمة الله تعالى –: فهذا الحديث صريح في أنهم في الجنة، وؤيا الأنبياء – عليهم الصلاة والسلام – وحيٌ (١) .

стр. 135

.. وروى أبو يعلى بسند رجاله ثقات عن أنس بن مالك – رضي الله تعالى عنه – قال: قال رسول الله – ﷺ –: "سألت ربي اللاهين من ذرية البشر أن لا يعذبهم، فأعطانيهم (١) ". ... وقد تقدم عند البحث في أولاد المسلمين، قول النبي – ﷺ –: "النبي في الجنة والشهيد في الجنة، والمولود في الجنة، والموؤدة في الجنة"، والمولود شامل للصغير من أولاد المسلمين والمشركين، ويؤكد هذا المعنى لفظ "المؤودة " التي وئدت من قبل أبويها المشركين. جـ- دلالة المعقول، المستمدة مما جاء به نبينا الرسول – ﷺ – وبيان ذلك بعدة أمور:

стр. 136

١- الجنة دار فضل الله – جل وعلا – والنار عدله، ولا يستقيم في عدل الملك الرحمن تعذيب من لم توجد فيه شروط التكليف من إنس وجان كما أخبر بذلك الرحيم الرحمن وإذا انتفى دخول هؤلاء دار الجحيم، ثبت كونهم من أهل جنة النعيم، فليس في الآخرة إلا دار الإحسان، ودار العقوبة لأهل العصيان. ٢- يستحيل تعذيب هؤلاء، لأن تعذيبهم إما مع تكليفهم بالإيمان، أو بدون تكليف، والقسمان ممتنعان: فيمتنع بالأدلة المتقدمة في شروط التكليف بالتوحيد، ومن أن الله المجيد، لا يعذب أحداً من العبيد، إلا بعد قيام الحجة، ووضوح المحجة. ٣- لا يصح تعذيب هؤلاء لانتفاء الإيمان عنهم، لأنهم يشتركون في ذلك مع أطفال المسلمين، فالإيمان الفعلي لم يوجد منهم أجمعين، ولا يصح القول بأن منع العذاب عن أطفال المسلمين بسبب تبعيتهم لآبائهم بخلاف أطفال المشركين، لأن الله لا يعذب أحداً بذنب غيره كما قال الله – جل وعلا –: ﴿فَالْيَوْمَ لَا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئاً وَلَا تُجْزَوْنَ إِلَّا مَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ يس٥٤، وقال – ﷻ –: ﴿إِن تَكْفُرُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنكُمْ وَلَا يَرْضَى لِعِبَادِهِ الْكُفْرَ وَإِن تَشْكُرُوا يَرْضَهُ لَكُمْ وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى ثُمَّ إِلَى رَبِّكُم مَّرْجِعُكُمْ فَيُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ﴾ الزمر٧.

стр. 137

٤- أولاد المشركين مولودون على الفطرة، ولم يطرأ عليهم ما يغيرها، فينبغي الحكم لهم بالجنة، وقد ثبت عن نبينا – ﷺ – الإخبار بولادة المولودين على فطرة رب العالمين، ففي الصحيحين وغيرهما عن أبي هريرة – رضي الله تعالى عنه – قال: قال رسول الله – ﷺ –: "ما من مولود إلا يولد على الفطرة، فأبواه يهودانه، أو ينصرانه، أو يمجسانه، كما تنتج البهيمة بهيمة جمعاء، هل تحسون فيها من جدعاء؟ " ثم يقول أبو هريرة – رضي الله تعالى عنه –: اقرؤوا إن شئتم: ﴿فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ﴾ الروم٣٠ (١) .

стр. 138

والفطرة التي ولد عليها المولودون هي الإسلام ليس إلا، ولا يصح تفسيرها بغير ذلك أبداً، يدل على هذا أمور كثيرة أبرزها حديث عياض بن حمار المجاشي – رضي الله تعالى عنه – أن رسول الله – ﷺ – قال ذات يوم في خطبته: "ألا إن ربي أمرني أن أعلمكم ما جهلتم مما علمني في يومي هذا كل مال نحلته عبداً حلال، وإني خلقت عبادي حنفاء كلهم، وإنهم أتتهم الشياطين فاجتالتهم عن دينهم وحرِّمَتْ عليهم ما أحللت لهم، وأمَرَتْهُم أن يشركوا بي ما لم أنزل به سلطاناً (١) ".

стр. 139

وهذا المعنى ينسجم تمام الانسجام مع حديث أبي هريرة – رضي الله تعالى عنه – فكل عبد مولود على الفطرة، وهي الحنيفية السمحة، وذلك يستلزم الإقرار بالخالق، ومحبته، وإخلاص الدين له، عند بلوغه، وجريان الأحكام عليه إذا سلمت الفطرة من المعارض، فالتغيير طارئ ولهذا مثل النبي – ﷺ – حال العباد الذين ولدوا على الفطرة ثم نقلوا عنها بتغيير، مغير بحال البهيمة التي ولدت سليمة جمعاء، ثم غيرت صورتها بالجدع والخصاء، وكل منهما تغيير، الأول تغيير لما خلقت عليه النفس، وهيئت له، والثاني تغيير لما خلق عليه البدن، وكُوِّن له (١)

стр. 140

قال شيخ الإسلام ابن تيمية – عليه رحمة رب البرية –: الدلائل الدالة على أنه أراد: فطرة الإسلام كثيرة، ألفاظ الحديث التي في الصحيح، مثل قوله "على الملة" وعلى هذه الملة، ومثل قوله في حديث عياض بن حمار – رضي الله تعالى عنه –: "خلقت عبادي حنفاء كلهم " وفي لفظ: "حنفاء" مسلمين ومثل تفسير أبي هريرة وغيره من رواة الحديث – رضي الله تعالى عنهم أجمعين – ذلك، وهم أعلم بما سمعوا، وأيضاً، فإنه لو لم يكن المراد بالفطرة الإسلام لما سألوا عقب ذلك: "أرأيت من يموت من أطفال المشركين وهو صغير؟ " لأنه لو لم يكن هناك ما يغير الفطرة لما سألوه، والعلم القديم وما يجرى مجراه لا يتغير، وكذلك قوله: "فأبواه يهودانه، أو ينصرانه، أو يمجسانه" بين فيه أنهم يغيرون الفطرة التي فطر الناس عليها، وأيضاً فإنه شبه ذلك بالبهيمة التي تولد مجتمعة الخلق لا نقص فيها، ثم تجدع بعد ذلك، فعلم أن التغيير وارد على الفطرة السليمة التي ولد العبد عليها، وأيضاً، فإن الحديث مطابق للقرآن، لقوله تعالى: "فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا" وهذا يعم جميع الناس، فعلم أن الله فطر الناس كلهم على فطرته المذكورة، وفطرة الله أضافها إليه إضافة مدح لا إضافة ذم، فعلم أنها فطرة محمودة، لا مذمومة.

стр. 141

يبين ذلك أنه قال: "فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفاً فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا " وهذا نصب على المصدر الذي دل عليه الفعل الأول عند سيبوية وأصحابه فدل على أن إقامة الوجه للدين حنيفاً هو فطرة الله التي فطر الناس عليها وأطال شيخ الإسلام في تقرير ذلك الكلام فكتب قرابة مائتي صفحة أتى فيها بما يشرح صدور الأنام، وخلص إلى القول بأن الآثار المنقولة عن السلف الكرام لا تدل إلا على ولادة الناس على الإسلام (١) .

стр. 142

والقول بمصير هؤلاء إلى الجنة هو الذي جزم به البخاري كما في فتح الباري، واختاره ابن الجوزي كما في ردء العقل والنقل، قال النووي: وهو الصحيح الذي ذهب إليه المحققون (١) . وهذا القول مع وجاهته وقوة دليله ومتانته، فينبغي الجمع بينه وبين القول بامتحان هؤلاء في الدار الآخرة يوم الدين، حسبما دل على ذلك أحاديث خاتم الأنبياء والمرسلين – على نبينا وعليهم أفضل الصلاة وأتم التسليم – وسيأتيك بيان وجه الجمع عند ذكر ذلك القول، وهو آخر الأقوال، وما أبدع قول الإمام ابن القيم – عليه رحمة الله تعالى – في هذا المجال، إذ قال: وهذه حجج – كما ترى – قوة وكثرة، ولا سبيل إلى دفعها، وسيأتي – إن شاء الله تعالى – فصل النزاع في هذه المسألة، والقول بموجب هذه الحجج الصحيحة كلها، على أن عاداتنا في مسائل الدين كلها دقها وجلها أن نقول بموجبها، ولا نضرب بعضها ببعض، ولا نتعصب لطائفة على طائفة، بل نوافق كل طائفة على ما معها من الحق، ومخالفها فيما معها من خلاف الحق، لا نستثني من ذلك طائفة ولا مقالة، ونرجو من الله – جل وعلا – أن نحيا على ذلك، ونموت عليه، ونلقى الله به، ولا قوة إلا بالله (٢) . القول الثالث: الحكم عليهم بالنار وبئس القرار، ويدل على هذا أمران: ١- لم يصدر من هؤلاء الإيمان برب العالمين، وهو السبب الذي يتوصل به إلى جنة النعيم، وينجو العبد بواسطته من نار الحميم – ولا يعترض على هذا بأطفال المؤمنين، فتبعيتهم لآبائهم دلت عليها أدلة الشرع المبين، والله يختص برحمته من يشاء، وهو ذو الفضل العظيم.

стр. 143

٢- ورود الأحاديث بذلك عن الصادق الأمين – عليه أفضل الصلاة وأتم التسليم – ففي سنن أبي داود بإسناد صحيح قويم عن أمنا عائشة – رضي الله تعالى عنها – قالت: قلت يا رسول الله – ﷺ – ذراري المؤمنين؟ فقال: "من آبائهم" فقلت: يا رسول الله – ﷺ – بلا عمل؟ قال: "الله أعلم بما كانوا عاملين"، قلت: يا رسول الله – ﷺ – فذراري المشركين؟ قال: "من آبائهم" قلت: بلا عمل؟ قال: "الله أعلم بما كانوا عاملين" (١) . وروى أبو داود في سننه عن ابن مسعود – رضي الله تعالى عنه – أن رسول الله – ﷺ – قال: "الوائدة والمؤودة في النار" ورواه الإمام أحمد في المسند وفيه زيادة عن سمرة بن يزيد الجعفي قال انطلقت أنا وأخي – رضي الله تعالى عنهما – إلى رسول الله – ﷺ – قلنا يا رسول الله – ﷺ – إن أمنا مُليكة كانت تصل الرحم، وتقري الضعيف، وتفعل وتفعل هلكت في الجاهلية فهل ذلك نافعها شيئاً؟ قال: "لا" قلنا: فإنها كانت وأدت أختأً لنا في الجاهلية، فهل ذلك نافعها شيئاٍ؟ قال: الوائدة والمؤودة في النار، إلا أن تدرك الوائدة الإسلام فيعفو الله عنها (٢) ".

стр. 144

وروي في حديث ضعيف في المسند وغيره عن أمنا عائشة – رضي الله تعالى عنه – قالت: ذكرت لرسول الله – ﷺ – أطفال المشركين، فقال: "إن شئت أسمعتك تضاغيهم في النار (١) ". وروي أيضاً في حديث آخر ضعيف عند الطبراني وأبي يعلى عن أمنا خديجة – رضي الله تعالى عنها – قالت: قلت يا رسول الله – ﷺ – أين أطفالي منك؟ قال: "في الجنة" قلت: بلا عمل؟ قال: "الله أعلم بما كانوا عاملين" قلت: فأين أطفالي من قَبْلكَ؟ قال: "في النار" قلت: بلا عمل؟ قال: "لقد علم الله ما كانوا عاملين (٢) "

стр. 145

وقد تقدم عند الاستدلال على كون أولاد المسلمين في الجنة، قول نبينا – ﷺ –: "إن المسلمين وأولادهم في الجنة، وإن المشركين وأولادهم في النار". وهذا القول لا يسلم له الدليل الأول، بل هو مردود، لأنه إذا كان لا يدخل الجنة إلا المؤمنون فالنار لا يدخلها إلا الكافرون المعاندون الجاحدون، وهؤلاء ليسوا كذلك، فقد قامت الأدلة القطعية على أنه لا تكليف على العبيد، إذا لم تكتمل فيهم شروط التوحيد.
следующие страницы →