← Джавами‘

Джавами‘ · id 21782

خطب ودروس الشيخ عبد الرحيم الطحان

عبد الرحيم الطحان

Полный текст (6 674 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.

стр. 71

المعنى الثاني: الذي لا جَوْفَ له ولا عَيْبَ فيه، فهو الذي يُطعِم ولا يُطعَم، ويَغلب ولا يُغلب، وهو الغنيّ عن العالمين (١) . ... والمعنيان – كما ترى – يستأصلان تلك الوسوسة، ويذهبانها، لأن فرض كونه مخلوقاً لغيره يتنافى مع السيادة الكاملة، والغنى التام. ... ولفظ "لم يلد" ينفي تلك الشبهة الشنيعة أيضاً، لأنه إذا كانت ولادته لغيره مستحيلة في حقه – جل وعلا – لاستلزام ذلك ثلاثة محاذير لا يمكن أن يتصف بواحد منها ربنا العليّ الكبير، وهي: ١- استدعاء الولادة انفصال مادة منه، وذلك يتنافى مع ما تقدم من كونه "أحداً"، "صمداً". ٢- اقتضاء كون المولود من جنس والده، والله – جل وعلا – ليس كمثله شيء، فهو "أحد" ليس يجانسه أحد. ٣- الغرض من الولد: الإعانة، وامتداد الأثر، عن طريق مساعدة الولد، وقيامه بعد والده، وهذا يتنافى مع كونه "صمداً فهو الغني عن العالمين، حي، دائم، باق ٍ، لا يشوب ذلك نقص في حين من الأحايين، وهو ملجأ الخلائق أجمعين (٢) . فاستحالة ولادته من غيره أعظم، وأظهر. وقوله: "ولم يولد": صريح في بطلان كونه حادثاً لمحدث، ومفعولاً لفاعل، فالمولودية تقتضي ثلاثة أشياء يستحيل قيام واحد منها برب الأرض والسماء وهي: أ) سبق العدم، وذلك يتنافى مع أحدية الله وصمديته. ب) الانفصال من الغير، ولا يمكن اجتماع هذا مع الموصوف بالأحدية والصمدية.

стр. 72

جـ) مجانسته لمن ولد منه، ويستحيل اتصاف الأحد الصمد بذلك. (١)

стр. 73

.. وقوله "ولم يكن له كفواً أحد": تحقيق لمعنى "الأحد"، "الصمد" فخُتمت السورة الكريمة بما بُدئت به، وقرر في ختامها النفي الوارد في وسطها، لأن نفي الكفء يستلزم نفي الوالدية، والمولودية، كما يستلزم ذلك اللفظ نفي المصاهرة عن الله – ﷻ – وكل ذلك تأكيد وتقرير وإثبات لمعنى الأحدية، والصمدية، فالله هو الغني المقصود، وهو الإله المعبود، لا مثيل له، ولا عديل، ولا شبيه، ولا نظير في ذاته، وصفاته، وأفعاله، ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ﴾ (١) .

стр. 74

.. فهذه السورة صفة الرحمن، ونسب الكريم المنان، كما ثبت ذلك عن خير الأنام، نبينا محمد – ﵊ – ومن قرأها عند نزعات الشيطان، ذهب عنه الوساوس والأوهام. ... وقد ورد في الصحيحين وغيرهما التصريح بكونها صفة الرحمن فعن أمنا عائشة – رضي الله تعالى عنها – قالت: بعث رسول الله – ﷺ – رجلا ً على سرية، وكان يقرأ لأصحابه في صلاتهم فيختم بـ "قل هو الله أحد" فلما رجعوا ذكروا ذلك لرسول الله – ﷺ – فقال: "سلوه لأي شيء يصنع ذلك؟، فسألوه، فقال: لأنها صفة الرحمن – – فأنا أحب أن أقرأ بها، فقال رسول الله – ﷺ –: أخبروه أن الله يحبه" (١)

стр. 75

.. وورد في المسند، وسنن الترمذي، وغيرهما التصريح بكون سورة الإخلاص نسب الرحمن، وبَوّبَ الإمام ابن أبي عاصم على ذلك كتاباً بهذا الخصوص في كتاب السنة، فقال: باب نسبة الرب – ﵎ – ورووا بأسانيدهم عن أبي بن كعب – ﵁ – أن المشركين قالوا لرسول الله – ﷺ –: انْسُبْ لنا ربك، فأنزل الله تعالى: "قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ اللَّهُ الصَّمَدُ لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ وَلَمْ يَكُن لَّهُ كُفُواً أَحَدٌ"، و"الصمد": الذي لم يلد ولم يولد، لأنه ليس شيء يولد إلا سيموت وليس شيء يموت إلا سيورث، وإن الله لا يموت، ولا يورث، "ولم يكن له كفواً أحد"، قال: لم يكن له شبيه، ولا عِدْلٌ، وليس كمثله شيء (١)

стр. 76

وأخرجه ابن جرير وغيره عن قتادة – رحمه الله تعالى – قال: جاء ناسٌ من اليهود إلى النبي – ﷺ – فقالوا: انْسُبْ لنا ربك، فنزلت: "قل هو الله أحد" حتى ختم السورة (١) .

стр. 77

ومما ينبغي معرفته والإحاطة به ودرايته، أن السبب الذي من أجله أرشدنا النبي – ﷺ – إلى الأمرين المتقدمين: الاستعاذة بالله من الشيطان، وقراءة صفة الرحمن – ﷻ – عند حصول ذلك الزور والبهتان، كونُ تلك الوساوسَ من الهذيان، ومنكر الأوهام، فلا يحتاج ردها إلى قوة بيان، وعظيم حجة وبرهان، وذلك لمنافاتها لما هو مركوز في فطرة الإنسان ويدل على ذلك أمران مُسلّمان، عند أولي النهى والأحْلام، وإليك البيان:

стр. 78

الأول: التسلسل في المؤثرات كالتسلسل في العلل والمعلولات، وهو التسلسل في الفاعلين والمفعولات ممتنع باتفاق العقلاء، لأنه يؤدي إلى ترتيب أمور غير متناهية فيستحيل تسلسل الفاعلين والخالقين، والمحدثين، مثل أن يقول: هذا المُحدَث له مُحدِث، وللمُحدِث مُحدِث آخر إلى مالا يتناهى، فهذا مما اتفقت عليه العقلاء على امتناعه؛ لأن كل مُحدِث لا يوجد بنفسه فهو معدوم باعتبار نفسه، وهو ممكن باعتبار نفسه، فإذا قُدِّرَ من ذلك مالا يتناهى لم تصر الجملة موجودة واجبة بنفسها فإن انضمام المُحدَث إلى المُحدِث، والمَعْدُوم إلى المَعْدُوم، والممكن إلى الممكن لا يخرجه عن كونه مفتقراً إلى الفاعل له، بل كثرة ذلك تزيد حاجتها وافتقارها إلى الفاعل، وافتقار المحدَثَين الممكِنين أعظم من افتقار أحدهما، كما أن عدم الإثنين أعظم من عدم أحدهما، فالتسلسل في هذا والكثرة لا تخرجه من الافتقار والحاجة، بل تزيده حاجة وافتقاراً، فلو قُدِرَ من الحوادث والمعدومات والممكِنات مالا نهاية له، وقُدِرَ أن بعض ذلك معلول لبعض، أولم يُقدَّر ذلك فلا يوجد شيء من ذلك إلا بفعل صانع لها، خارج عن هذه الطبيعة المشتركة المستلزِمة للافتقار والاحتياج، فلا يكون فاعِلها معدوماً ولا مُحدَثاً، ولا ممكِناً يقبل الوجود والعدم، بل لا يكون إلا موجوداً بنفسه واجب الوجود لا يقبل العدم، قديماً ليس بِمُحدَث، فإن كل ما ليس كذلك فإنه مفتقر إلى مَنْ يخلقه وإلا لم يوجد (١) .

стр. 79

وخلاصة هذا الدليل: أنه لو فُرِض أن الله – جل وعلا – خالقاً، فسيعاد السؤال: من خلق ذلك الخالق أيضاً؟ وهكذا كلما يقدر وجود خالق خلق من قبله، يقال أيضاً: من خلقه؟ وذلك مالا نهاية له، وهو مستحيل، لأن الممكنات بأسرها لابد لها من موجود واجب الوجود، غني بذاته، رجح أحد الاحتمالين في حقها: الوجود أو العدم على الآخر، وذلك هو الله رب العالمين، لم يكن قبله شيء، وخلق كل شيء. الثاني: الدور القُبْلي السَّبْقي ممتنع أيضاً باتفاق العقلاء، وهو: توقف الشيء على ما توقف عليه، مثل أن يقال: لا يكون هذا إلا بعد هذا، ولا هذا إلا بعد هذا، أي: لو فرضنا أن زيداً أوجد عمراً، وأن عمراً أوجد زيداً، لزم أن زيداً مُتقدِم على نفسه متأخر عنها، وأن عمراً كذلك، وكون الشيء سابقاً على نفسه مسبوقاً بها مستحيل، فلو فُرِض أن الله – جل وعلا – خلقه خالق، وذلك الخالق إن عاد أمرُ خلقه إلى الله فهذا هو الدور حيث رجع إلى مبدئه وهو مستحيل، وإن عاد أمر خلقِه إلى غير الله واستمر هكذا إلى مالا نهاية فهذا هو التسلسل، وهو مستحيل أيضاً كما عرفت (١) . ... وبالختام: فتلك الشبهة باطلة من أساسها عند الأنام، ولا يختلف في ذلك عاقلان؛ لاستلزامها للدور والتسلسل وهما باطلان، فالعلم بانتهاء الموجودات إلى موجود واجب الوجود لذاته مركوز في فطرة الإنسان، وقامت على ذلك الحجة والبرهان، وأوجبته عقول الإنس والجان.

стр. 80

.. ولذلك كان الاسترسال في مناقشة تلك الشبهة وتفنيدها كالاسترسال في مناظرة مكابر ينكر طلوع الشمس مع ظهورها ووضوحها، ولا شك أن الإعراض عن هذا وذاك مما يكرم العقول ولا يهينها، ويحفظ المروءة ويصونها، ويكرم الأديان ولا يشينها، قال الإمام الطِيْبيّ – طيب الله نراه –: إنما أمر بالاستعاذة والاشتغال بأمر آخر، ولم يأمر بالتأمل والاحتجاج، لأن العلم باستغناء الله – جل وعلا – عن الموجود أمر ضروري لا يقبل المناظرة، ولأن الاسترسال في الفكر في ذلك لا يزيد المرء إلا حيرة، ومن هذا حاله فلا علاج له إلا الملجأ إلى الله – – والاعتصام به (١) . الشبهة الثانية: تتلخص في أنه إذا كان الله – ﵎ – خالق كل شيء ومدبره، وهو على كل شيء قدير، فهل يقدِر أن يخلق مثله، أو لا يقدر؟.

стр. 81

وهذه الشبهة يقال: إنها وقعت زمن أمير المؤمنين هارون الرشيد – عليه رحمة الله تعالى – حيث كتب إليه ملك الهند: هل يقدِر الخالق – ﷻ – أن يخلُق مثله؟ فسأل هارون الرشيد أهل العلم عن ذلك، فبدر شابٌ فقال: هذا السؤال محال؛ لأن المخلوق مُحدَث، والمُحدَث لا يكون مثل القديم، فاستحال أن يقال: يقدَر أن يَخْلُق مثله، أو لا يقدر، كما يستحيل أن يقال في القادر العالم: يقدِر أو يصير عاجزاً جاهلا ً (١) . وحاصل تلك الشبهة أنها باطلة متهافتة ينقضُ بعضها بعضاً؛ وذلك لأن الرب – جل وعلا – هو الأول الذي ليس قبله شيء، فكيف سيكون المخلوق بعده مثله؟ هذا تناقض واضح، وهذيان مكشوف، فالمخلوق المدلول عليه في تلك الشبهة المنكرة بـ "يَخْلُقُ" حادث والله – ﷻ – قديم فأنى يكونان متماثلين؟ ولذلك كان ذلك السؤال من قبيل الهذيان، وساقط الكلام، ولا يقال في الجواب عليه: نعم أو لا، لأن السؤال متناقض فاسد، إنما يصحح للمشتبه السؤال، ليزال عنه الغباء والضلال، ويبين له أن مُتعلِّق قدرة الله – ﵎ – الممكنات وهي التي يتصور وجودها وعدمها فتنفذ قدرة الله – جل وعلا – ما شاء الله – ﷻ – من ذلك، أما الواجبات، وهي: ما لا يتصور في العقل عدمها فلا تعلق للقدرة بها لأنه لا يصح إعدامها لأنها لا تقبل العدم ولا يصح أيضاً إيجادها لأنها موجودة، فإيجادها تحصيل حاصل، وكما لا تعلق للقدرة بالواجبات فلا تعلق لها أيضاً بالمستحيلات وهي: ما لا يتصور في العقل، فلو تعلقت القدرة بالمستحيل لما صح إيجاده، لأنه لا يقبل الوجود، ولا يصح أيضاً إعدامه، لأنه معدوم، وذلك تحصيل حاصل.

стр. 82

وبذلك تعلم أن هذه الشبهة وما شابهها قد يكون لها في الظاهر شيء من البريق والوجاهة لكن عند التأمل في محتواها يتبين للعاقل أنها في أحط دركات السفاهة والتفاهة، وهذا هو سبيل أهل الزيغ والضلال، تزيين زندقيتهم بمعول من الأقوال، ليخدعوا بذلك بعض قاصري النظر من نساء ورجال، روى الخطيب البغدادي في تاريخ بغداد، وابن الجوزيّ في كتاب الأذكياء – عليهما رحمة الله تعالى – أن أبا الهُذيل قال: أول ما ناظرت ولي أقل من خمس عشرة سنة، بلغني أن رجلا ً يهودياً قدم البصرة، وقد قطع عامة متكلميهم، فقلت لعمي: يا عم، امض بي إلى هذا اليهودي أكلمه، فقال لي: يابني هذا اليهودي قد غلب جماعة متكلمي أهل البصرة، فمن أخذك أن تُكلم ما لا طاقة لك بكلامه؟ فقلت له: لابد من أن تمضي بي إليه، وما عليك مني غلبني أو غلبته، فأخذ بيدي ودخلنا على اليهودي، فوجدته يقرر الناس بنبوة موسى – علي نبينا وعليه الصلاة والسلام – ثم يجحدهم نبوة نبينا – ﷺ – ويقول: نحن على ما اتفقنا عليه من صحة نبوة موسى – على نبينا وعليه الصلاة والسلام – إلى أن نتفق على غيره، فنقر به، قال أبو الهذيل: قد خَلْتُ عليه، فقلت له: أسألك أو تسألني؟ فقال لي: يا بنيّ أوَ ما ترى ما أفعله بمن هو أكبر منك؟ فقلت له: دَعْ عنك هذا واخْتَرْ، إما أن تسألني، أو أسألك؟ قال: بل أسألك، خبرني أليس موسى – على نبينا وعليه الصلاة والسلام – نبياً من أنبياء الله قد صحت نبوته، وثبت دليله؟ [وثبت دليله] تُقِرُ بهذا، أو تجحده فتخالف صاحبك؟ فقلت له: إن الذي سألتني عنه عن أمر موسى – علي نبينا وعليه الصلاة والسلام – عندي على أمرين، أحدهما: أني أقِرُ بنبوة موسى الذي أخبر بصحة نبينا، وأمَرَ باتباعه، وبشر به وبنبوته، فإن كان عن هذا تسألني فأنا مُقِر بنبوته، وإن كان موسى الذي تسألني عنه لا يُقِرُ بنبوة نبينا محمد – ﷺ – ولم يأمر باتباعه ولا بشر به، فلست

стр. 83

أعرفه، ولا أقر بنبوته بل هو عندي شيطان مَخْزيّ، فتحيّر لمَّا ورد عليه ما قلته له، وقال لي: فما تقول في التوراة؟ قلت: أمر التوراة أيضاً على وجهين، إن كانت التوراة التي أنزلت على موسى الذي أقرَّ بنبوة محمد – ﷺ – فهي التوراة الحق، وإن كانت أنزلت على الذي تدعيه فهي باطل غير حق، وأنا غير مصدق بها، فقال لي: أحتاج إلى أن أقول لك شيئاً بيني وبينك فظننت أنه سيقول من الخير، فتقدمت إليه فسارّني فقال: أمُّك كذا وكذا، وأمّ من علمك لا يُكني، وقدر أني أثب به، فيقول: وثبوا بي، وشغبوا عليّ فأقبلت على من كان بالمجلس، فقلت: أعزكم الله، أليس قد وقفتم على مسألته إياي وعلى جوابي إياه؟ قالوا لي: نعم، فقلت: أليس عليه واجب أن يرد على جوابي؟ قالوا: نعم، قلت لهم: إنه لما سارني شتمني بالشتم الذي يوجب الحد، وشتم من علمني، وإنما قدر أن أثب به، فيدعي أنا واثبناه وشغبنا عليه، وقد عرفتكم شأنه بعد انقطاعه، فأخذته الأيدي بالنعال، فخرج هارباً من البصرة وقد كان له بها دين كثير فتركه، وخرج هارباً لما لحقه من الانقطاع (١) .

стр. 84

وبالختام: إن قلوب الناس على ثلاثة أقسام، قلب محشو بالإيمان، وقلب مملوء بالكفر والطغيان، وقلب فيه طاعة وعصيان، فالأول: خالٍ من الوساوس، والثاني: مملوء بالخبائث، قد استراح منه الشيطان، لأنه ساواه أو زاد عليه في الفجور والطغيان، والثالث: يغير الشيطان عليه عند غفلته ويهرب منه عند يقظته، وللإمام ابن القيم – عليه رحمة الله تعالى – في هذا كلام محكم متين، فدونكه لتأخذ بأحسن ما فيه، وتكون من المفلحين المهتدين. القلوب الثلاثة: قلب خالٍ من الإيمان، وجميع الخير، فذلك قلب مظلم، قد استراح الشيطان من إلقاء الوساوس إليه؛ لأنه قد اتخذه وطناً، وتحكم فيه بما يريد، وتمكن منه غاية التمكن. القلب الثاني: قلب استنار بنور الإيمان، وأوقد فيه مصباحه لكن عليه ظلمة الشهوات، وعواصف الأهوية، فللشيطان إقبال وإدبار ومجالات ومطالع، فالحرب دول وسجال وتختلف أحوال هذا الصنف بالقلة والكثرة، فمنهم من أوقات غلبته لعدوه وأكثر ومنهم من هو تارة وتارة. القلب الثالث: قلب محشو بالإيمان، قد استنار بنور الإيمان، وانقشعت عنه حجب الشهوات وأقلعت عنه تلك الظلمات، فلنوره في صدره إشراق ولذلك إيقاد لو دنا منه الوسواس احترق به، فهو كالسماء التي حرست بالنجوم، فلو دنا منها الشيطان يتخطاها رُجِم فاحترق وليست السماء بأعظم حرمة من المؤمن، وحراسة الله – جل وعلا – له أتم من حراسة السماء فالسماء متعبد الملائكة، ومستقر الوحي، وفيها أنوار الطاعات، وقلب المؤمن مستقر التوحيد والمحبة والمعرفة والإيمان، وفيه أنوارها، فهو حقيق أن يُحرس ويُحفظ من كيد العدو، فلا ينال منه شيئاً إلا خطفة ً، وقد مُثِل ذلك بمثال حسن وهو: ثلاث بيوت: بيت المَلِك فيه كنوزه وذخائره وجواهره وبيت العبد فيه كنوز العبد وذخائره وجواهره، وليست كجواهر الملك وذخائره، وبيتٌ خالٍ صفر لا شيء فيه، فجاء اللص يسرق من أحد البيوت، فمن يسرق؟.

стр. 85

فإن قلت: من البيت الخالي كان محالاً، لأن البيت العالي ليس فيه شيء يسرق، ولهذا قيل لابن عباس – ﵄ –: عن اليهود تزعم أنها لا توسوس في صلاتها، فقال: وما يصنع الشيطان بالقلب الخرب؟. وإن قلت: يسرق من بين الملك كان ذلك كالمستحيل الممتنع، فإن عليه من الحرس ما لا يستطيع اللصوص الدنو منه، كيف وحارسه الملك نفسه؟؟ وكيف يستطيع اللصوص الدنو منه؟ وحوله من الحرس والجند ما حوله؟ فلم يبق للص إلا البيت الثالث فهو الذي يشُن عليه الغارات. فليتأمل اللبيب هذا المثال حق التأمل، ولينزله على القلوب فإنها على منواله (١) .

стр. 86

واعلم أن الشعور بالوسوسة من قبل من لم تصل قلوبهم للمرتبة الكاملة المقدسة، دليل على صحة إيمانهم، حيث كرهوا ما يحط من منزلتهم، ويضع من قدرهم عند ربهم، ولا يكون هذا إلا عند حياة القلوب، وإلا، فما لِجُرْج ٍ بميت إيلام، روى الإمام مسلم وغيره – عليهم رحمة الله تعالى – عن أبي هريرة – رضي الله تعالى عنه – قال: جاء ناس من أصحاب النبي – ﷺ – فسألوه: إنا نجد في أنفسنا ما يتعاظم أحدنا أن يتكلم به، قال: "وقد وجدتموه" قالوا: نعم، قال: "ذاك صريح الإيمان" وفي رواية لمسلم وغيره أيضاً عن ابن مسعود – رضي الله تعالى عنه – قال: سئل النبي – ﷺ – عن الوسوسة، فقال: "تلك محض الإيمان"، وفي لفظ لأبي داود عن ابن عباس – رضي الله تعالى عنهم – قال: جاء رجل إلى النبي – ﷺ – فقال: يا رسول الله – ﷺ – إن أحدنا يجد في نفسه يعرض بالشيء، لأن يكون حُمَمَة ً أحب إليه من أن يتكلم به، فقال: "الله أكبر، الله أكبر، الله أكبر، الحمد لله الذي رد كيده إلى الوسوسة" وفي رواية للطبراني عن أم سلمة – ﵂ – قالت: سمعت النبي – ﷺ – وسأله رجل فقال: إني أحدث نفسي بالشيء لو تكلمت به لأحبطت آخرتي، فقال: "لا يلقى ذلك الكلام إلا مؤمن (١) ،

стр. 87

قال الإمام النووي – عليه رحمة الله تعالى – قوله: "ذلك صريح الإيمان" "تلك محض الإيمان" معناه: استعظام الكلام به هو صريح الإيمان، فإن استعظام هذا وشدة الخوف منه، ومن النطق به فضلا ً عن اعتقاده إنما يكون لمن استكمل الإيمان استكمالا ً محققاً، وانتفت عنه الريبة والشكوك. وقيل: معناه: أن الشيطان إنما يوسوس لمن آيَسَ من إغوائه، فيُنكِدُ عليه بالوسوسة لعجزه عن إغوائه، وأما الكافر فإنه يأتيه من حيث شاء، ولا يقصر في حقه على الوسوسة، بل يتلاعب به كيف أراد، فعلى هذا معنى الحديث: سبب الوسوسة محض الإيمان، أو: الوسوسة علامة محض الإيمان، وهذا القول اختيار القاضي عياض – عليه رحمة الله تعالى – (١) . شرح الله الكريم صدورنا، ويسر أمورنا، وغفر ذنوبنا، وستر عيوبنا، ونوّر قلوبنا، إنه سميع مجيب ... شروط التكليف بالتوحيد يشترط للتكليف بالتوحيد أربعة شروط وهي: الأول: العقل:

стр. 88

وهو الوصف الذي يفارق به الإنسان سائر البهائم، ويتمكن بسببه من تحصيل العلوم النظرية، وتدبير الصناعات الخفيَّة الفكرية، فهو غريزة يتهيأ بها الإنسان لإدراك العلوم، ونور يقذف في القلب يستعد به الإنسان لإدراك حقائق الأشياء، كما في الإحياء، وفي القاموس المحيط: والحق أنه نور روحاني به تدرك النفس العلوم الضرورية والنظرية، وابتداء وجوده عند اجتنان الولد، ثم لا يزال ينمو إلى أن يكمل عند البلوغ أ. هـ وسمي العقل عقلا ً لكونه يعقل صاحبه عن فعل القبيح الذي يميل إليه بطبعه كما في الزواجر لابن حجر (١) فالدابة عقالها الحبل والإنسان عقاله العقل.

стр. 89

والعقل بهذا الاعتبار، مجرد منحة من الله الواحد القهار، لا دخل فيه للكسب والاختيار وهو الذي يقال له: العقل المطبوع، ولا يوجد تكليف بدونه، وإذا أخذ الله ما وهب أسقط ما أوجب، ولذلك لما ذكر النبي – ﷺ – فتان القبور، قال عمر – رضي الله تعالى عنه – أتُردُّ علينا عقولنا يا رسول الله؟ فقال رسول الله – ﷺ –: نعم، كهيئتكم اليوم، فقال عمر – رضي الله تعالى عنه –: بِفِيهِ الحَجَر (١) قال الإمام الغزالي – عليه رحمة الملك الباري –: العقل منبع العلم، ومطلعه وأساسه، والعلم يجري منه مجرى الثمرة من الشجرة، والنور من الشمس، والرؤية من العين، فكيف لا يشرف ما هو وسيلة السعادة في الدنيا والآخرة، أو كيف يُسْتَرابُ فيه.

стр. 90

والبهيمة مع قصور تمييزها تحتشم العقل، حتى إن أعظم البهائم بدناً وأشدها ضراوة، وأقواها سطوة، إذا رأى صورة الإنسان احتشمه وهابه لشعوره باستيلائه عليه، لما خُصّ به من إدراك الحيل (١) . هذا، ويطلق العقل أيضاً على العلم الذي يحصله الإنسان بذلك الوصف، ويكتسبه بتلك الغريزة فيحصل له بذلك إدراك عواقب الأمور، وقمع الشهوة الداعية إلى اللذة العاجلة، وهو بهذا الاعتبار من الأمور المكتسبات، ولابد للإنسان في تحصيله من جهد ومشقات، ويقال له: العقل المسموع وهو الثمرة، والغاية القصوى من العقل المطبوع، كما أن العقل المطبوع هو الأساس للعقل المسموع، قال عليّ – رضي الله تعالى عنه –: رأيتُ العقلَ عَقْلَين ِ ... فمطبوع ٌ ومَسْموع ُ ولا يَنْفَع ُ مَسْموع ٌ ... إذا لم يكُ مَطبوعُ كما لا تنفعُ الشمسُ ... وضوءُ العين ِ ممنوع ُ (٢) ... ويقابل العقل المطبوع الجنون، وعنده يرتفع التكليف عن العباد، ويقابل العقل المسموع الجهل والفساد، والكفر والفسوق والعناد، وبه يحصل التباب، ويصلى الإنسان أليمَ العذاب.

стр. 91

.. وبذلك التفصيل تعلم أيها المسترشد – علمني الله وإياك – أن كل موطن ورد فيه مدح الإنسان والثناء عليه لاتصافه بالعقل، أو جاء فيه ذمه، والحط عليه لعدم اتصافه بالعقل فالمراد منه في الحالتين العقل بالاعتبار الثاني، وهو العقل المسموع، فاسمع ولا تكن من الغافلين، قال الله – جل وعلا –: ﴿وَتِلْكَ الْأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ وَمَا يَعْقِلُهَا إِلَّا الْعَالِمُونَ﴾ العنكبوت٤٣، وقال – ﵎ –: ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَاخْتِلاَفِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لآيَاتٍ لِّأُوْلِي الألْبَابِ﴾ آل عمران١٩٠، وقال – ﷻ –: ﴿كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِّيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُوْلُوا الْأَلْبَابِ﴾ ص٢٩، وقال – جل ثناؤه –: ﴿إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُوْلُواْ الأَلْبَابِ﴾ الرعد١٩ والزمر ٩، وقال تعالى شأنه: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِّأُوْلِي النُّهَى﴾ طه٥٤ وقال – عز سلطانه –: ﴿هَلْ فِي ذَلِكَ قَسَمٌ لِّذِي حِجْرٍ﴾ الفجر٥، وقال – –: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لِمَن كَانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ﴾ ق٣٧ ففي جميع هذه الآيات الكريمات وقع الثناء على الإنسان باعتبار اتصافه بالعقل بالمعنى الثاني، وهو العقل المسموع، وجاء التعبير عنه باللب لكونه خالص ما في الإنسان من معانيه كاللباب واللب من الشيء، وأطلق عليه النُهْية لكونه ينهي عن القبائح، وسمي بالحِجْر لأن الإنسان في منع منه مما تدعو إليه نفسه (١) .

стр. 92

.. وأما ما ورد من ذم الإنسان لتفريطه بالعقل بالوصف الثاني وهو العقل المسموع فقول الله – ﷻ –: ﴿وَمَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُواْ كَمَثَلِ الَّذِي يَنْعِقُ بِمَا لاَ يَسْمَعُ إِلاَّ دُعَاءً وَنِدَاءً صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لاَ يَعْقِلُونَ﴾ البقرة١٧١، وقوله – بتارك وتعالى –: ﴿وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيراً مِّنَ الْجِنِّ وَالإِنسِ لَهُمْ قُلُوبٌ لاَّ يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لاَّ يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ آذَانٌ لاَّ يَسْمَعُونَ بِهَا أُوْلَئِكَ كَالأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُوْلَئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ﴾ الأعراف١٧٩، وقوله – –: ﴿أَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ أَفَأَنتَ تَكُونُ عَلَيْهِ وَكِيلاً أَمْ تَحْسَبُ أَنَّ أَكْثَرَهُمْ يَسْمَعُونَ أَوْ يَعْقِلُونَ إِنْ هُمْ إِلَّا كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلاً﴾ الفرقان ٤٣-٤٤، وقوله – جل وعلا –: ﴿أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِهَا أَوْ آذَانٌ يَسْمَعُونَ بِهَا فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَكِن تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ﴾ الحج٤٦، وقوله – ﷻ – فيما حكاه عن أصحاب النار: ﴿وَقَالُوا لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ مَا كُنَّا فِي أَصْحَابِ السَّعِيرِ﴾ الملك١٠.

стр. 93

.. وقد ورد في سنة نبينا – ﷺ – ما يشير إلى اختلال العقول بالوصف الثاني آخر الزمان ففي المسند وسنن ابن ماجه عن أبي موسى الأشعري – رضي الله تعالى عنه – قال: قال رسول الله – ﷺ –: "إن بين يدي الساعة لهَرْجاً، قال، قلت: يا رسول الله ما الهرجُ؟ قال: القتلُ، فقال بعض المسلمين: يا رسول الله إنا نقتل الآن في العام الواحد من المشركين كذا وكذا، فقال رسول الله – ﷺ – ليس بقتل المشركين، ولكن يقتل بعضكم بعضاً، حتى يقتل الرجل جاره وابن عمه وذا قرابته، فقال بعض القوم: يا رسول الله، ومعنا عقولنا ذلك اليوم؟ فقال رسول الله – ﷺ –: لا تُنْزَعُ عقول أكثر ذلك الزمان، ويخلف له هباء من الناس لا عقول لهم (١)

стр. 94

" وفي المسند أيضاً ومعجم الطبراني الأوسط عن النعمان بن بشير – رضي الله تعالى عنهما – قال: صَحِبنا رسول الله – ﷺ – وسمعناه يقول: "إن بين يدي الساعة فتناً كقطع الليل المظلم، يصبح الرجل فيها مؤمناً ثم يمسي كافراً، ويمسي مؤمناً يبيع أقوام خلاقهم بعرض من الدنيا يسير" قال الحسن – رحمه الله تعالى –: والله لقد رأيناهم صوراً ولا عقول، أجساماً ولا أحلام، فراشي نار، وذُبّانُ طمع يغدون بدرهمين، ويروحون بدرهمين،، يبيع أحدهم دينه بثمن العَنْزِ (١) " وقد أكثر العلماء من الأشعار الحكيمة المحكمة في ذلك، منها ما في المدخل: ذهبَ الرجالُ المُقْتدى بِفعَالِهمْ ... والمُنْكرون لكل أمْر ٍ مُنْكر ِ وبَقيتُ في خَلَفِ يُزَكي بَعضُهم ... بعضاً ليَدْفَعُ معْورٌ عن معْوَر ِ أبُنَيَّ إنَّ مِن الرجال ِ بَهيمَة ً ... في صورة ِ الرجل ِ السميع ِ المُبْصر ِ فَطِن ٌ بكل مُصيبة ٍ في ماله ... فإذا أصيب بدينه لم يَشْعُر ِ

стр. 95

فَسََل ِ الفقيهَ تَكُنْ فقيهاً مِثْلَه ... مَنْ يَسْع في عِلْم ٍ بِلُبّ ٍ يَظْفَر ِ (١) ... نسأل رب الأرض والسماء، أن يحفظنا من مرض الشبهات والشهوات، لتكون عقولنا من الزاكيات الطاهرات، ولنسلم مما خافه علينا رسول الله خير البريات – عليه أفضل السلام وأزكى الصلوات – حيث قال فيما رواه عنه الأئمة الثقات: "إنما أخشى عليكم شهوات الغيّ في بطونكم وفروجهم، ومضلات الهوى (٢) " فمن وقي من هذين المرضين فاز بسعادة الدارين. الشرط الثاني البلوغ: وبه يستدل على تمام العقل عند الإنسان، واكتمال قواه التفكيرية، ومعرفته القضايا المصيرية، والصغير بمعزل عن جميع ذلك، فلا تكليف عليه.

стр. 96

وهذان الشرطان دل عليهما كلام خير الأنام – ﵊ – أخرج أئمة الإسلام عن عدة من الصحابة الكرام – عليهم من الله الرحمة والرضوان – أن النبي – ﵊ – قال: "رفع القلم عن ثلاثة، عن الصبي حتى يحتلم، وعن المعتوه حتى يفيق، وعن النائم حتى يستيقظ"، وفي رواية: "رفع القلم عن ثلاثة، عن المجنون المغلوب على عقله حتى يفيق، وعن النائم حتى يستيقظ، وعن الصبي حتى يحتلم (١)

стр. 97

". وحده البلوغ الذي يحصل به، ويتحقق بوجوده، واحدٌ من خمسة أشياء، اثنان منها خاصان بالنساء وهما: ١- الحيض: وهو الدم الخارج من رحم امرأة تمت تسع سنين، لا عن ولادة ولا عن داء. ٢- الحبل: وهو ثبوت كونها حاملاً وأما الأشياء الثلاثة المشتركة بين الذكور والإناث فهي: ١- خروج المني من القبل: وهو الماء الدافق الذي يخلق منه الولد، ويحصل به البلوغ كيفما خرج في يقظة أو منام، بجماع أو احتلام، أو بغير ذلك من أحوال خروجه عند الأنام.

стр. 98

٢- نبات العانة: وهي الشعر الخشن الذي يكون حول القبل، ويلزم أخذه (١)

стр. 99

ولا اعتبار للزغب، وهو الشعر الضعيف الناعم، ولا للخضرة، وهي تغير يصحب بشرة القبل عند اقتراب خروج الشعر. ٣- اكتمال السن خمس عشرة سنة (١)

стр. 100

الشرط الثالث: بلوغ الدعوة ... ودل على اشتراط هذا الأمر لتكليف العباد بتوحيد رب الأرض والسماء آيات كثيرة، وأحاديث وفيرة، سأقتصر منها على عشر آيات كريمات، وعلى أحاديث خير البريات – عليه أفضل السلام وأتم الصلوات –. ... أما الآيات الكريمات، ففي بعضها يخبر – جل وعلا – أنه لن يعذب المكلفين، حتى يرسل إليهم الرسل الصادقين – عليهم أفضل الصلاة وأتم التسليم – قال الله – ﵎ –: ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولاً﴾ الإسراء١٥ وفي بعضها يخبر – جل وعلا – أنه ما عاقب أمة إلا من بعد إرسال الرسل الكرام – عليهم صلوات الله وسلامه – إليهم، قال الله – جل وعز –: ﴿وَمَا أَهْلَكْنَا مِن قَرْيَةٍ إِلَّا لَهَا مُنذِرُونَ ذِكْرَى وَمَا كُنَّا ظَالِمِينَ﴾ الشعراء٢٠٨-٢٠٩، وقال – جل وعلا –: ﴿وَمَا كَانَ رَبُّكَ مُهْلِكَ الْقُرَى حَتَّى يَبْعَثَ فِي أُمِّهَا رَسُولاً يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِنَا وَمَا كُنَّا مُهْلِكِي الْقُرَى إِلَّا وَأَهْلُهَا ظَالِمُونَ﴾ القصص٥٩، وفي بعضها يخبر – جل وعلا – أنه لو عذب الناس قبل إرسال الرسل الكرام – عليهم صلوات الله وسلامه – إليهم، لاحتجوا على ربهم بأنه لم يرسل إليهم ما يهديهم به، قال الله – جل ثناؤه –: ﴿وَلَوْ أَنَّا أَهْلَكْنَاهُم بِعَذَابٍ مِّن قَبْلِهِ لَقَالُوا رَبَّنَا لَوْلَا أَرْسَلْتَ إِلَيْنَا رَسُولاً فَنَتَّبِعَ آيَاتِكَ مِن قَبْلِ أَن نَّذِلَّ وَنَخْزَى﴾ طه ١٣٤، وقال – جل وعلا –: ﴿وَلَوْلَا أَن تُصِيبَهُم مُّصِيبَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ فَيَقُولُوا رَبَّنَا لَوْلَا أَرْسَلْتَ إِلَيْنَا رَسُولاً فَنَتَّبِعَ آيَاتِكَ وَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ القصص ٤٧وقد أخبرنا ربنا – جل وعلا – أنه أرسل الرسل الكرام – عليهم صلوات الله وسلامه – ليقطع ذلك الكلام فقال – عز شأنه –: ﴿إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ كَمَا أَوْحَيْنَا إِلَى نُوحٍ

стр. 101

وَالنَّبِيِّينَ مِن بَعْدِهِ وَأَوْحَيْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالأَسْبَاطِ وَعِيسَى وَأَيُّوبَ وَيُونُسَ وَهَارُونَ وَسُلَيْمَانَ وَآتَيْنَا دَاوُودَ زَبُوراً رُّسُلاً مُّبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ لِئَلاَّ يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ وَكَانَ اللهُ عَزِيزاً حَكِيماً﴾ النساء ١٦٣-١٦٥، وقال – ﵎ ﴿وَهَذَا كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ مُبَارَكٌ فَاتَّبِعُوهُ وَاتَّقُواْ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ أَوْ تَقُولُواْ لَوْ أَنَّا أُنزِلَ عَلَيْنَا الْكِتَابُ لَكُنَّا أَهْدَى مِنْهُمْ فَقَدْ جَاءكُم بَيِّنَةٌ مِّن رَّبِّكُمْ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّن كَذَّبَ بِآيَاتِ اللهِ وَصَدَفَ عَنْهَا سَنَجْزِي الَّذِينَ يَصْدِفُونَ عَنْ آيَاتِنَا سُوءَ الْعَذَابِ بِمَا كَانُواْ يَصْدِفُونَ﴾ الأنعام ١٥٥-١٥٧، وفي بعض الآيات يخبر – جل وعلا – أن إرسال الرسل الكرام – عليهم صلوات الله وسلامه – قد وقع على أحسن ما يرام وبلغوا دعوة الله وبينوها أحسن بيان، لذلك بن ينفع الكفار أمنياتهم، ولن تقبل منهم اعتذاراتهم وتعليلاتهم قال – ﷻ –: ﴿وَأَنِيبُوا إِلَى رَبِّكُمْ وَأَسْلِمُوا لَهُ مِن قَبْلِ أَن يَأْتِيَكُمُ الْعَذَابُ ثُمَّ لَا تُنصَرُونَ وَاتَّبِعُوا أَحْسَنَ مَا أُنزِلَ إِلَيْكُم مِّن رَّبِّكُم مِّن قَبْلِ أَن يَأْتِيَكُمُ العَذَابُ بَغْتَةً وَأَنتُمْ لَا تَشْعُرُونَ أَن تَقُولَ نَفْسٌ يَا حَسْرَتَى علَى مَا فَرَّطتُ فِي جَنبِ اللَّهِ وَإِن كُنتُ لَمِنَ السَّاخِرِينَ أَوْ تَقُولَ لَوْ أَنَّ اللَّهَ هَدَانِي لَكُنتُ مِنَ الْمُتَّقِينَ أَوْ تَقُولَ حِينَ تَرَى الْعَذَابَ لَوْ أَنَّ لِي كَرَّةً فَأَكُونَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ بَلَى قَدْ جَاءتْكَ آيَاتِي فَكَذَّبْتَ بِهَا وَاسْتَكْبَرْتَ وَكُنتَ مِنَ الْكَافِرِينَ﴾

стр. 102

الزمر ٥٤-٥٩، وفي بعض ... الآيات يخبر – جل وعلا – أن الكفار عندما يساقون إلى النار تقول لهم خزنة جهنم: ﴿أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَذِيرٌ﴾ الملك ٨ وهكذا تكرر عليهم الخزنة هذا القول بعد أن يلقون فيها، فيعترفون ويقرون بأن الرسل الكرام – عليهم الصلاة والسلام – جاءتهم، ولكنهم كذبوهم وكفروا بما أنزل عليهم، قال الله – جل وعز –: ﴿وَسِيقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى جَهَنَّمَ زُمَراً حَتَّى إِذَا جَاؤُوهَا فُتِحَتْ أَبْوَابُهَا وَقَالَ لَهُمْ خَزَنَتُهَا أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِّنكُمْ يَتْلُونَ عَلَيْكُمْ آيَاتِ رَبِّكُمْ وَيُنذِرُونَكُمْ لِقَاء يَوْمِكُمْ هَذَا قَالُوا بَلَى وَلَكِنْ حَقَّتْ كَلِمَةُ الْعَذَابِ عَلَى الْكَافِرِينَ قِيلَ ادْخُلُوا أَبْوَابَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا فَبِئْسَ مَثْوَى الْمُتَكَبِّرِينَ﴾ الزمر ٧٠-٧١، وقال – ﵎ –: ﴿وَلِلَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ عَذَابُ جَهَنَّمَ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ إِذَا أُلْقُوا فِيهَا سَمِعُوا لَهَا شَهِيقاً وَهِيَ تَفُورُ تَكَادُ تَمَيَّزُ مِنَ الْغَيْظِ كُلَّمَا أُلْقِيَ فِيهَا فَوْجٌ سَأَلَهُمْ خَزَنَتُهَا أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَذِيرٌ قَالُوا بَلَى قَدْ جَاءنَا نَذِيرٌ فَكَذَّبْنَا وَقُلْنَا مَا نَزَّلَ اللَّهُ مِن شَيْءٍ إِنْ أَنتُمْ إِلَّا فِي ضَلَالٍ كَبِيرٍ وَقَالُوا لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ مَا كُنَّا فِي أَصْحَابِ السَّعِيرِ فَاعْتَرَفُوا بِذَنبِهِمْ فَسُحْقاً لِّأَصْحَابِ السَّعِيرِ﴾ الملك ٦-١١.

стр. 103

.. هذه عشر آيات من القرآن الكريم، تقرر أن الله العظيم، لا يؤاخذ المكلفين، إلا بعد أن يرسل إليهم رسله الصادقين – عليهم أفضل الصلاة وأتم التسليم – وقد ثبت هذا المعنى عن نبينا الأمين – عليه صلاة الله وسلامه – في أحاديث كثيرة رواها عنه أئمة الدين، منها ما في صحيح البخاري وغيره عن أبي سعيد الخدري – رضي الله تعالى عنه – قال: قال رسول الله – ﷺ : "يجيء نوح وأمته فيقول الله تعالى: هل بلغت؟ فيقول: نعم أي رب، فيقول لأمته: هل بلغكم؟ فيقولون: لا، ما جاءنا من نبي، فيقول لنوح: من يشهد لك؟ فيقول: محمد – ﷺ – وأمته، فنشهد أنه قد بلغ: وهو قوله – جل ذكره –: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطاً لِّتَكُونُواْ شُهَدَاء عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيداً﴾ البقرة١٤٣، والوسط العدل.

стр. 104

والحديث رواه الإمام أحمد وابن ماجه – ﵏ جميعاً – بلفظ أتم من هذا وأشمل، وهذا لفظ ابن ماجه، عن أبي سعيد الخدري – رضي الله تعالى عنه – قال: قال رسول الله – ﷺ – " يجيء النبي ومعه الرجلان، ويجيء النبي ومعه الثلاثة، وأكثر من ذلك وأقل، فيقال له: هل بلغت قومك؟ فيقول: نعم، فيدعى قومه، فيقال لهم: هل بلغكم؟ فيقولون: لا، فيقال: من يشهد لك؟ فيقول: محمد وأمته، فتدعى أمة محمد، فيقال: هل بلغ هذا؟ فيقولون: نعم، فيقول: وما علمكم بذلك؟ فيقولون: أخبرنا نبينا بذلك أن الرسل قد بلغوا، فصدقناه، قال: فذلكم قوله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطاً لِّتَكُونُواْ شُهَدَاء عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيداً﴾ البقرة١٤٣ (١) .

стр. 105

والحديث صريح في أن الحجة لا تقوم على المكلفين إلا بعد بلوغهم شرع رب العالمين، ولذلك سيسأل ربنا كل واحد عن هذا الأمر، لئلا يكون له عذر، كما في صحيح البخاري عن عدي بن حاتم – رضي الله تعالى عنه – عن رسول الله – ﷺ – أنه قال: "وليَلْقيَّن اللهَ أحدُكم يوم يلقاه وليس بينه وبيه تَرْجمان يترجم له، فيقولن: ألم أبعث إليك رسولاً فيبلغك؟ فيقول: بلى (١) " إشكال ورده: ... إن قيل: إن الإقرار بوجود الواحد القهار، ووجوب تعظيمه ثابت في العقول، فلم توقف إيجاب ذلك على مجيء الرسول – ﷺ –؟. والجواب: ... إن سبب ذلك يدور على أمرين اثنين:

стр. 106

أولهما: إن العقل وإن دل على الإقرار بوجود الخالق، ووجوب تعظيمه، وشناعة الشرك، وقبح المصير إليه، فلا عقاب على ترك ذلك الواجب والتلبس بضده إلا بعد الشرع المطهر، كما دل على ذلك الآيات المتقدمات، وللإمام ابن القيم – عليه رحمة الله تعالى – في تحقيق هذا الموضوع كلام حسن قيم، هذه خلاصته: والحق أن وجوب التوحيد ثابت بالعقل والسمع، والقرآن على هذا يدل، فإنه يذكر الأدلة والبراهين العقلية على التوحيد، ويبين حسنه، وقبح الشرك عقلا ً وفطرة، ويأمر بالتوحيد، وينهى عن الشرك، ولهذا ضرب الله – – الأمثال وهي الأدلة العقلية، وخاطب العباد بذلك خطاب من استقر في عقولهم وفطرهم حسن التوحيد ووجوبه وقبح الشرك وذمه، والقرآن مملوء بالبراهين العقلية الدالة على ذلك، كقوله – جل وعلا –: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ ضُرِبَ مَثَلٌ فَاسْتَمِعُوا لَهُ إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ لَن يَخْلُقُوا ذُبَاباً وَلَوِ اجْتَمَعُوا لَهُ وَإِن يَسْلُبْهُمُ الذُّبَابُ شَيْئاً لَّا يَسْتَنقِذُوهُ مِنْهُ ضَعُفَ الطَّالِبُ وَالْمَطْلُوبُ مَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ﴾ الحج ٧٣-٧٤، ولكن ههنا أمر آخر، وهو أن العقاب على ترك هذا الواجب يتأخر على حين ورود الشرع، كما دلت على ذلك الآيات الكريمات، فقوله – جل وغلا –: ﴿ذَلِكَ أَن لَّمْ يَكُن رَّبُّكَ مُهْلِكَ الْقُرَى بِظُلْمٍ وَأَهْلُهَا غَافِلُونَ﴾ الأنعام١٣١ يدل على أنهم ظالمون قبل إرسال الرسل الكرام – عليهم الصلاة والسلام – وأنه لا يهلكهم بهذا الظلم قبل إقامة الحجة عليهم.

стр. 107

.. ولهذا كان الصواب وجوب التوحيد بالسمع والعقل، وإن اختلفت جهة الإيجاب، فالعقل يوجب بمعنى اقتضائه لفعله، وذمه على تركه وتقبيحه لضده، وإذا لم يكن حُسْنُ التوحيد، وقُبْحُ الشرك معلوماًَ بالعقل مستقراً في الفطر، فلا وثوق بشيء من قضايا العقل، فهذه القضية من أجلِّ القضايا البديهيات، وأوضح ما ركب الله – جل وعلا – في العقول والفطر، والسمع يوجبه بهذا المعنى، ويزيد إثبات العقاب على تركه، والإخبار عن مقت الرب – جل وعلا – لتاركه، وبغضه له، وهذا قد يُعْلم بالعقل أيضاً فإنه إذا تقرر قبح الشيء وفحشه بالعقل، وعلم ثبوت كمال الرب – ﷻ – بالعقل أيضاً، اقتضى ثبوت هذين الأمرين علم العقل بمقت الرب – ﵎ – لمرتكبه، وأما تفاصيل العقاب، وما يوجبه مقت الرب – جل وعلا – فإنما يعلم بالسمع (١) . ثانيهما: أن العقول وإن دلت على ذلك، فتلك الدلالة على وجه الإجمال، ولابد من تفصيل ما يجب لله – جل وعلا – على عباده من حقوق وواجبات، وما يتصف به من صفات الكمال، وبيان ما يضاد ذلك الحال، فالعقول لا تهدى لتفاصيل ذلك، فيلزم التفصيل والبيان، لرفع اللبس والإبهام، وذلك عن طريق الرسل الكرام – عليهم الصلاة والسلام – ورحمة الله على الإمام ابن القيم حيث يقول في بيان مكانة الرسل الكرام – عليهم الصلاة والسلام – ووظيفتهم: وكان الناس في لَبْس ٍ عظيم ٍ ... فجاؤا بالبيان ِ فأظهروهُ وكان الناس في جَهْل عظيم ٍ ... فجاؤا باليقين فأذهبوه ُ وكان الناس في كُفْر عظيم ٍ ... فجاؤا بالرَّشَادِ فأبْطلوه ُ (٢) الشرط الرابع للتكليف بالتوحيد:

стр. 108

.. سلامة إحدى حاستي السمع والبصر، لأنه بسلامة إحدى هاتين الحاستين يتم حصول إعلامه بالمطلوب منه عن طريق السماع أو الرؤية، أما إذا فقدا معاً فلا يتأتى إخباره، ولا يحصل إبلاغه، فحكمه حكم فاقد العقل، ومن كان هذا حاله فالقلم مرفوع عنه، كما تقدم تقرير هذا، مع بيان ما يدل عليه (١) . مسألة مهمة: ... تقدم أن شروط التكليف بالتوحيد أربعة، وإذا انخرم واحد منها فلا عقاب في تلك الحال على من فرط في توحيد الله ذي الجلال، ويترتب على هذا مسألة تدور في البال، وهي: ما مصير الذين لم تكتمل فيهم شروط التكليف بالتوحيد في الآخرة؟ وللجواب على هذا السؤال تُحتَّمُ الأدلة تقسيمَ هذه المسألة إلى قسمين، إليك بيان الحكم في كل قسم: القسم الأول: أن يكون من لم تكتمل فيه شروط التكليف بالتوحيد من أولاد المسلمين الذين ماتوا صغاراً، فلأهل السنة الكرام فيهم قولان:

стр. 109

١- الوقف في أمرهم، وتفويض حالهم إلى ربهم – جل وعلا – قال بهذا جماعة من أهل الفقه والحديث منهم الحمادان – ابن سلمة بن دينار، وابن زيد بن درهم (١) ، وعبد الله بن المبارك، وإسحاق بن راهُوْيَهْ (٢) – ﵏ جميعاً –.

стр. 110

.. وعمدة هذا القول ما ثبت في صحيح مسلم وغيره عن أمنا عائشة – رضي الله تعالى عنها – قالت: دُعي رسول الله – ﷺ – إلى جنازة صبي من الأنصار، فقلت: يا رسول الله – ﷺ – طوبى لهذا عصفورٌ من عصافير الجنة، لم يعمل السوء، ولم يدركه، قال: "أوغير ذلك يا عائشة، إن الله خلق للجنة أهلا ً خلقهم لها وهم في أصلاب آبائهم، وخلق للنار أهلا ً خلقهم لها وهم في أصلاب آبائهم (١) ".
следующие страницы →