← Джавами‘

Джавами‘ · id 21782

خطب ودروس الشيخ عبد الرحيم الطحان

عبد الرحيم الطحان

Полный текст (6 674 стр.). Показаны 141–180 · переход к 146.

стр. 141

يبين ذلك أنه قال: "فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفاً فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا " وهذا نصب على المصدر الذي دل عليه الفعل الأول عند سيبوية وأصحابه فدل على أن إقامة الوجه للدين حنيفاً هو فطرة الله التي فطر الناس عليها وأطال شيخ الإسلام في تقرير ذلك الكلام فكتب قرابة مائتي صفحة أتى فيها بما يشرح صدور الأنام، وخلص إلى القول بأن الآثار المنقولة عن السلف الكرام لا تدل إلا على ولادة الناس على الإسلام (١) .

стр. 142

والقول بمصير هؤلاء إلى الجنة هو الذي جزم به البخاري كما في فتح الباري، واختاره ابن الجوزي كما في ردء العقل والنقل، قال النووي: وهو الصحيح الذي ذهب إليه المحققون (١) . وهذا القول مع وجاهته وقوة دليله ومتانته، فينبغي الجمع بينه وبين القول بامتحان هؤلاء في الدار الآخرة يوم الدين، حسبما دل على ذلك أحاديث خاتم الأنبياء والمرسلين – على نبينا وعليهم أفضل الصلاة وأتم التسليم – وسيأتيك بيان وجه الجمع عند ذكر ذلك القول، وهو آخر الأقوال، وما أبدع قول الإمام ابن القيم – عليه رحمة الله تعالى – في هذا المجال، إذ قال: وهذه حجج – كما ترى – قوة وكثرة، ولا سبيل إلى دفعها، وسيأتي – إن شاء الله تعالى – فصل النزاع في هذه المسألة، والقول بموجب هذه الحجج الصحيحة كلها، على أن عاداتنا في مسائل الدين كلها دقها وجلها أن نقول بموجبها، ولا نضرب بعضها ببعض، ولا نتعصب لطائفة على طائفة، بل نوافق كل طائفة على ما معها من الحق، ومخالفها فيما معها من خلاف الحق، لا نستثني من ذلك طائفة ولا مقالة، ونرجو من الله – جل وعلا – أن نحيا على ذلك، ونموت عليه، ونلقى الله به، ولا قوة إلا بالله (٢) . القول الثالث: الحكم عليهم بالنار وبئس القرار، ويدل على هذا أمران: ١- لم يصدر من هؤلاء الإيمان برب العالمين، وهو السبب الذي يتوصل به إلى جنة النعيم، وينجو العبد بواسطته من نار الحميم – ولا يعترض على هذا بأطفال المؤمنين، فتبعيتهم لآبائهم دلت عليها أدلة الشرع المبين، والله يختص برحمته من يشاء، وهو ذو الفضل العظيم.

стр. 143

٢- ورود الأحاديث بذلك عن الصادق الأمين – عليه أفضل الصلاة وأتم التسليم – ففي سنن أبي داود بإسناد صحيح قويم عن أمنا عائشة – رضي الله تعالى عنها – قالت: قلت يا رسول الله – ﷺ – ذراري المؤمنين؟ فقال: "من آبائهم" فقلت: يا رسول الله – ﷺ – بلا عمل؟ قال: "الله أعلم بما كانوا عاملين"، قلت: يا رسول الله – ﷺ – فذراري المشركين؟ قال: "من آبائهم" قلت: بلا عمل؟ قال: "الله أعلم بما كانوا عاملين" (١) . وروى أبو داود في سننه عن ابن مسعود – رضي الله تعالى عنه – أن رسول الله – ﷺ – قال: "الوائدة والمؤودة في النار" ورواه الإمام أحمد في المسند وفيه زيادة عن سمرة بن يزيد الجعفي قال انطلقت أنا وأخي – رضي الله تعالى عنهما – إلى رسول الله – ﷺ – قلنا يا رسول الله – ﷺ – إن أمنا مُليكة كانت تصل الرحم، وتقري الضعيف، وتفعل وتفعل هلكت في الجاهلية فهل ذلك نافعها شيئاً؟ قال: "لا" قلنا: فإنها كانت وأدت أختأً لنا في الجاهلية، فهل ذلك نافعها شيئاٍ؟ قال: الوائدة والمؤودة في النار، إلا أن تدرك الوائدة الإسلام فيعفو الله عنها (٢) ".

стр. 144

وروي في حديث ضعيف في المسند وغيره عن أمنا عائشة – رضي الله تعالى عنه – قالت: ذكرت لرسول الله – ﷺ – أطفال المشركين، فقال: "إن شئت أسمعتك تضاغيهم في النار (١) ". وروي أيضاً في حديث آخر ضعيف عند الطبراني وأبي يعلى عن أمنا خديجة – رضي الله تعالى عنها – قالت: قلت يا رسول الله – ﷺ – أين أطفالي منك؟ قال: "في الجنة" قلت: بلا عمل؟ قال: "الله أعلم بما كانوا عاملين" قلت: فأين أطفالي من قَبْلكَ؟ قال: "في النار" قلت: بلا عمل؟ قال: "لقد علم الله ما كانوا عاملين (٢) "

стр. 145

وقد تقدم عند الاستدلال على كون أولاد المسلمين في الجنة، قول نبينا – ﷺ –: "إن المسلمين وأولادهم في الجنة، وإن المشركين وأولادهم في النار". وهذا القول لا يسلم له الدليل الأول، بل هو مردود، لأنه إذا كان لا يدخل الجنة إلا المؤمنون فالنار لا يدخلها إلا الكافرون المعاندون الجاحدون، وهؤلاء ليسوا كذلك، فقد قامت الأدلة القطعية على أنه لا تكليف على العبيد، إذا لم تكتمل فيهم شروط التوحيد.

стр. 146

وأما الدليل الثاني فلو لم يكن فيه إلا الروايات الضعيفة لكان مردوداً كسابقه، لكن بعض تلك الروايات صحيحة ثابتة، والروايات الضعيفة في معناها، فلم تخرج عن محتواها، وسيأتيك توجيه تلك الروايات عند بيان القول الحق في هذه المسألة، كما تقدمت الإشارة إلى ذلك عند القول الثاني السابق قال الإمام ابن القيم – عليه رحمة الله تعالى –: في حديث عائشة – رضي الله تعالى عنها – ما يدل على أن الذين يلحقون بآبائهم منهم هم الذين علم الله أنهم لو عاشوا لاختاروا الكفر، وعملوا به، فهؤلاء مع آبائهم، ولا يقتضي أن كل واحد من الذرية مع أبيه في النار، فإن الكلام في هذا الجنس سؤالاً وجواباً، والجواب يدل على التفصيل، فإن قوله – ﷺ –: "الله أعلم بما كانوا عاملين" يدل على أنهم متباينون في التبعية بحسب نياتهم في معلوم الله – جل وعلا – فيهم، بقي أن يقال: إن الحديث يدل على أنهم يلحقون بآبائهم من غير عمل، ولهذا فهمت عائشة – رضي الله تعالى عنها – ذلك منه، فقالت: بلا عمل؟ فأقرها عليه، فقال: "الله أعلم بما كانوا عاملين"، ويجاب عن هذا بأن الحديث إنما دل على أنهم يلحقون بهم بلا عمل عملوه في الدنيا، وهو الذي فهمته عائشة – رضي الله تعالى عنها –، ولا ينفي هذا أن يلحقوا بهم بأسباب آخر، يمتحنهم بها في عرصات القيامة، كما سيأتي بيانه إن شاء الله – تعالى – فيحنئذ يلحقون بآبائهم، ويكونون منهم بلا عمل عملوه في الدنيا، وعائشة – رضي الله تعالى عنها – إنما استشكلت لحاقهم بهم بلا عمل عملوه مع الآباء، وأجابها النبي – ﷺ – بأن الله – – يعلم منهم ما هم عاملوه، ولم يقل لها: إنه يعذبهم بمجرد علمه فيهم، وهذا ظاهر بحمد الله، لا إشكال فيه (١) .

стр. 147

وهذا القول الثالث القائل بدخول أولاد المشركين ومن في حكمهم النار، قال به القاضي أبو يعلى من الحنابلة كما قال الشيخ ابن تيمية، ونسبه الإمام ابن القيم – عليهم جميعاً رحمة الله تعالى – إلى جماعة المتكلمين، وأهل التفسير دون تسمية أحد منهم، ونسبه ابن حزم في الفصل في الملل والأهواء والنحل إلى الأزارقة من الخوارج، وحكاية هذا القول عن الإمام أحمد – رحمة الله تعالى عليه – غلط عليه كما قال الشيخ ابن تيمية – عليه رحمة الله تعالى – (١) . القول الرابع: في خصوص أولاد المشركين الذين ماتوا قبل كونهم بالغين: ... خلاصة هذا القول: أن حكمهم حكم آبائهم في الدنيا والآخرة، فلا يفردون عنهم بحكم في الدارين، فكما هم منهم في الدنيا فهم منهم في الآخرة.

стр. 148

.. والفرق بين هذا القول، وبين القول السابق القائل أنهم في النار: أن صاحب هذا القول يجعلهم معهم تبعا لهم، حتى لو أسلم الأبوان بعد موت أطفالهما لم يحكم لأفراطهما بالنار، أما صاحب القول الآخر فيقول، هم في النار في كل حال، لكونهم لسيوا بمسلمين، فلم يدخلوها، هذا ما حكاه ابن القيم – رحمه الله تعالى – ولم ينسب هذا القول لقائل، وفي مقالات الإسلاميين لأبي الحسن الأشعري – رحمه الله تعالى – نسبة هذا القول لبعض الخوارج حيث قال: صنف منهم – من الخوارج – يزعمون أن أطفال المشركين حكمهم حكم آبائهم يعذبون في النار، واختلف هذا الصنف في الآباء إذا انتقلوا بعد موت أطفالهم عن أديانهم، فقال قائلون: ينتقلون إلى حكم آبائهم – وقال قائلون: هم على الحال التي كان عليها آباؤهم في حال موتهم، لا ينتقلون بانتقالهم (١) .

стр. 149

.. وأبرز ما يمكن أن يستدل به لهذا القول أدلة القول السابق، ويضاف إليها ما ثبت في الصحيحين وغيرهما عن الصَّعْب بن جَثَّامَة – رضي الله تعالى عنه – قال: سئل النبي – ﷺ – عن الذراري من المشركين؟ يبيتون فيصيبون من نسائهم وذراريهم، فقال: "هم منهم". وفي لفظ عن الصَّعْب بن جَثَّامَة – رضي الله تعالى عنه – قال: قلت يا رسول الله – ﷺ – إنا نصيب في البيات من ذراري المشركين، قال: "هم منهم"، وفي لفظ عن الصعب بن جثامة – رضي الله تعالى عنه – أن النبي – ﷺ – قبل له: لو أن خيلا ً أغارت من الليل فأصابت من أبناء المشركين؟ قال: "هم منهم" (١) .

стр. 150

.. ولا حجة لهذا القول في تلك الأدلة، أما الأدلة السابقة في القول الثالث فقد تقدم الكلام عليها وخلاصته، أن إلحاق الأبناء بالآباء بلا عمل عملوه في الدنيا لا ينفي إلحاقهم بهم بأسباب أخر، وهو ما سيكون في امتحانهم في عرصات القيامة كما سيأتي تحقيق ذلك، ولذلك قال الإمام ابن القيم – عليه رحمة الله تعالى -: حديث ابن مسعود – رضي الله تعالى عنه –: "الوائد والموؤدة في النار" ليس فيه أن هذا حكم كل واحد من أطفال الشركين، وإنما يدل على أن بعض أطفالهم في النار، وأن من هذا الجنس – وهن الموؤدات – من يدخل النار، وكونها موؤدة لا يمنع من دخولها النار بسبب آخر، وليس لمجرد أن كونها موؤدة هو السبب الموجب لدخول النار، حتى يكون اللفظ عاماً في كل موؤدة، وهذا ظاهر ولكن كونها موؤدة لا يرد عنها النار إذا استحقتها بسبب ففرق بين أن يكون جهة كونها موؤدة وهي التي استحقت بها دخول النار، وبين كونها غير مانعة من دخول النار بسبب آخر (١) .

стр. 151

.. وأما حديث الصَّعْب بن جَثَّامَة – رضي الله تعالى عنه – فليس فيه تعرض للعذاب بنفي أو إثبات، وإنما فيه: أنهم تبع لآبائهم في الحكم، وأنهم إذا أصيبوا في الجهاد والبيات لم يُضْمَنُوا بدية ولا كفارة وهذا مُصَرَّحٌ به في حديث الصَّعْب – رضي الله تعالى عنه – أنه في الجهاد، والنبي – ﷺ – لم يقل: هم معهم، وإنما قال: "هم منهم" "هم من آبائهم" وفرق بين الحرفين، فكونهم منهم لا يقتضي أن يكونوا معهم في أحكام الآخرة، بخلاف كونهم معهم فإنه يقتضي أن يثبت لهم أحكام الآباء في الدنيا من التوارث والحضانة والنسب، وغير ذلك من أحكام الإيلاد، والله – جل وعلا – يخرج الطيب من الخبيث، والمؤمن من الكافر، أفاد ذلك الإمام ابن القيم، وقال شيخ الإسلام – عليهما الرحمة والرضوان – منشأ الاشتباه في هذه المسألة اشتباه أحكام الكفر في الدنيا بأحكام الكفر في الآخرة، فإن أولاد الكفار لما كانوا يجري عليهم أحكام الكفر في أمور الدنيا، مثل ثبوت الولاية عليهم لآبائهم، وحضانة آبائهم لهم وتمكين آبائهم من تعليمهم وتأديبهم، والموارثة بينهم وبين آبائهم واسترقاقهم إذا كان آبائهم محاربين وغير ذلك، صار يظن من يظن أنهم كفار في نفس الأمر كالذي تكلم بالكفر وعمل به، ثم قرر الشيخ – رحمه الله تعالى – أن حكم الدار الآخرة غير حكم الدار الدنيا، فقد يكون في بلاد الكفر من هو مؤمن في الباطن يكتم إيمانه، ولا يعلم المسلمون حاله، فإذا قاتلوا الكفار قتلوه، وهو في الآخرة من المؤمنين أهل الجنة كما أن المنافقين تجري عليهم في الدنيا أحكام المسلمين، وهم في الآخرة في الدرك الأسفل من نار الجحيم (١) . القول الخامس: هم خدم أهل الجنة ومماليكهم، وهم معهم بمنزلة أرقائهم ومماليكهم في الدنيا: وهذا القول خاص بأطفال المشركين كسابقه.

стр. 152

وحجة هذا القول: ما ورد عن نبينا – ﷺ – من الخبر بذلك، والحديث بذلك عنه – ﷺ – في درجة الحسن روى الطبراني في الكبير والأوسط، والبزار عن سمرة بن جندب – رضي الله تعالى عنه – قال: سألنا رسول الله – ﷺ – عن أولاد المشركين، فقال "هم خدم أهل الجنة (١) ". وروى البزار، والطبراني في الأوسط عن أنس بن مالك – رضي الله تعالى عنه – قال: قال رسول الله – ﷺ –: "أطفال المشركين خدم أهل الجنة" ورواه أبو يعلى بلفظ "الأطفال خدم أهل الجنة (٢) " وروى أبو داود الطيالسي في مسنده عن يزيد الرقاشي قال: قلنا لأنس بن مالك – رضي الله تعالى عنه –: يا أبا حمزة ما تقول في أطفال المشركين؟ فقال: قال رسول الله – ﷺ –: "لم تكن لهم سيئات فيعاقبوا بها، فيكونوا من أهل النار، ولم تكن لهم حسنات فيجازوا بها فيكونوا من ملوك أهل الجنة هم خدم أهل الجنة (٣) ". وقد ذكر ابن القيم في كتابه حادي الأرواح إلى بلاد الأفراح اختلافاً في ولدان الجنة هل هم من ولدان الدنيا، أم أنشأهم الله – جل وعلا – في الجنة إنشاءً. وحاصل ما قاله:

стр. 153

١- قال علي بن أبي طالب، والحسن البصري – رضي الله تعالى عنهما –: هم أولاد المسلمين الذين يموتون، ولا حسنة لهم، فيكونون خدم أهل الجنة وولدانهم، ومن أصحاب هذا القول من قال هم أطفال المشركين فجعلهم الله خدماً لأهل الجنة، وروى حديث أنس بن مالك – رضي الله تعالى عنه – المتقدم، وحكم على طرقه بالضعف. ٢- الأشبه أن الولدان مخلوقون من الجنة كالحور العين خدماً لهم وغلاماناً (١) . والقول بأن أطفال المشركين خدم لأهل جنات النعيم ينبغي فهمه على ضوء النصوص المثبتة لامتحانهم في عرصات الموقف يوم الدين، فمن أطاع منهم فقد يكون من أهل الجنة من الغلمان، فترة أو في جميع الأزمان، ويا فوز من يحظى بتلك الرتبة في ذلك الأوان، والعلم بحقيقة ذلك عند الرحيم الرحمن.

стр. 154

القول السادس: يكونون في منزلة بين المنزلتين بين الجنة والنار (١) . ... وحجة هذا القول أنه لم يصدر من هؤلاء إيمان يؤهلهم لدخول جنة ربهم، وليس لآبائهم فوز يلحقون بهم تكميلا ً لثوابهم، زيادة في نعيمهم، ولا يستحق هؤلاء دخول النار لانعدام التكليف في حقهم. ... وقد فسرت تلك المنزلة بالأعراف وهو السور بين الجنة والنار، قال الإمام ابن القيم: قال عبد العزيز الكناني – عليهم رحمة الله جميعاً – أهل الأعراف هم الذين ماتوا في الفترة.

стр. 155

.. وهذا القول عقب عليه الإمام ابن القيم – رحمه الله تعالى – بقوله: والقائلون بهذا: إن أرادوا أن هذا المنزل مستقرهم أبداً، فإنه لا دار للقرار إلا الجنة أو النار، وإن أرادوا أنهم يكونون فيه مدة ثم يصيرون إلى دار القرار فهذا ليس بممتنع (١) . القول السابع: يصيرون تراباً، ولا يحصلون ثواباً ولا يلاقون عذاباً: ... قال بهذا المبتدع الضال ثُمامة بن أشرس كما في فتح الباري، وقال الذهبي في الميزان: ثُمامة بن أشرس من كبار المعتزلة، ومن رؤوس الضلالة، وقال ابن حزم: كان ثمامة يقول: إن المقلدين من اليهود والنصارى والمجوس، وعباد الأوثان لا يدخلون النار يوم القيامة، لكن يصيرون تراباً وكذلك جميع أولاد المسلمين الذين يموتون قبل الحلم وجميع مجانين الإسلام لا يدخلون الجنة أبداً لكن يصيرون تراباً (٢) . ... وقد تقدم بيان فساد ما يتعلق بقوله في أولاد المؤمنين، وهذا القول يقربه في الفساد والنكران فلا دليل له إلا التخرصات والأوهام.

стр. 156

القول الثامن: يمتحنون في عرصات القيامة، ويرسل إليهم هناك رسول، فمن أطاع الرسول دخل الجنة ومن عصاه أدخله الله النار، وعلى هذا فيكون بعضهم في الجنة وبعضهم في النار قال الإمام ابن القيم – عليه رحمة الله تعالى –: وبهذا يتآلف شمل الأدلة كلها، وتتوافق الأحاديث الشريفة، ويكون معلوم الله – حل وعلا – الذي أحال عليه النبي – ﷺ – حيث يقول: "الله أعلم بما كانوا عاملين" يظهر حينئذ، ويقع الثواب والعقاب عليه حال كونه معلوماً خارجياً لا علماً مجرداً ويكون النبي – ﷺ – قد رد جوابهم إلى علم الله فيهم – والله يرد ثوابهم وعقابهم إلى معلومه منهم، فالخبر عنهم مردود إلى علمه، ومصيرهم مردود إلى معلومه، وقد جاءت بذلك آثار كثيرة يؤيد بعضها بعضاً (١) . ... قال عبد الرحيم – غفر الله له ولوالدين والمسلمين – الأدلة على صحة هذا القول كثيرة وقوية أبرزها خمسة أمور ثابتة مرضية:

стр. 157

١- الأحاديث الصحيحة النبوية روى الأئمة: ابن حبان وأحمد والبزار – رحمهم الله تعالى – وغيرهم بسند رجاله رجال الصحيح عن الأسود بن سريع – رضي الله تعالى عنه – أن نبي الله – ﷺ – قال: "أربعة يمتحنون يوم القيامة: رجل أصم لا يسمع شيئاً، ورجل أحمق، ورجل هَرِم، ورجل مات في فترة فأما الأصم فيقول: رب لقد جاء الإسلام، وما أسمع شيئاً، وأما الأحمق فيقول: رب لقد جاء الإسلام، والصبيان يحذفونني بالبعر، وأما الهَرِم فيقول: رب لقد جاء الإسلام، وما أعقل شيئاً، وأما الذي مات في الفترة فيقول: رب ما أتانا لك رسول، فيأخذ مواثيقهم ليطيعنه فيرسل إليهم: أن ادخلوا النار، قال: فواالذي نفس محمد بيده لو دخلوها لكانت عليهم برداً وسلاماً (١) .

стр. 158

ورواه الإمام أحمد وغيره بإسناد صحيح عن أبي هريرة – رضي الله تعالى عنه – مرفوعاً مثل حديث الأسود بن سريع – رضي الله تعالى عنه – غير أنه قال في آخره: "فمن دخلها كانت عليه برداً وسلاماً ومن لم يدخلها يسحب إليها (١) . ورواية أبي هريرة – رضي الله تعالى عنه – المرفوعة، رواها ابن جرير الطبري، وغيره موقوفة عليه من قوله بإسناد صحيح على شرط الشيخين، وأنت خبير أن مثل ذلك لا يقال من قبل الرأي، فله حكم الرفع.

стр. 159

ولفظ الرواية: إذا كان يوم القيامة جمع الله – ﵎ – نَسَمَ الذين ماتوا في الفترة، والمعتوه والأصم، والأبكم، والشيوخ الذين جاء الإسلام وقد خرفوا، ثم أرسل رسولاً: أن ادخلوا النار، فيقولون كيف ولم يأتنا رسول؟ وايم الله لو دخلوها لكانت عليهم برداً وسلاماً، ثم يرسل إليهم فيطيعه من كان يريد أن يطيعه قبل، قال أبو هريرة – رضي الله تعالى عنه –: اقرؤوا إن شئتم: "وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولاً (١) ".

стр. 160

وروى الحاكم وغيره بإسناد صحيح على شرط الشيخين عن ثوبان – رضي الله تعالى عنه – أن النبي – ﷺ – قال: "إذا كان يوم القيامة جاء أهل الجاهلية يحملون أوثانهم على ظهورهم فيسألهم ربهم – –: ما كنتم تعبدون؟ فيقولون ربنا لم ترسل إلينا رسولا ً، ولم يأتنا أمر، ولو أرسلت إلينا رسولاً لكنا أطوع عبادك لك، فيقول لهم ربهم: أرأيتم إن أمرتكم بأمر تطيعوني؟ فيقولون نعم، قال: فيأخذ مواثيقهم على ذلك، فيأمرهم أن يعمدوا لجهنم فيدخلونها، قال: فينطلقون حتى إذا جاؤوها رأوا لها تغيظاً وزفيراً، فيرجعوا إلى ربهم، فقالوا: ربنا فرقنا منها، فيقول: ألم تعطوني مواثيقكم لتطيعوني؟ اعمدوا لها فادخلوها، فينطلقون حتى إذا رأوها فرقوا، فرجعوا فقالوا: ربنا لا نستطيع أن ندخلها، قال: فيقول: ادخلوها داخرين، قال: فقال: نبي الله – ﷺ – لو دخلوها أول مرة كانت عليهم برداً وسلاماً (١) ".

стр. 161

وروى أبو يعلى والبزار عن أنس بن مالك – رضي الله تعالى عنه – قال: قال رسول الله – ﷺ –: "يؤتى بأربعة يوم القيامة: بالمولود، والمعتوه، وبمن مات في الفترة، وبالشيخ الفاني، كلهم يتكلم بحجته، فيقول الرب – ﵎ – لعنق من النار: ابرز، فيقول لهم: إني كنت أبعث إلى عبادي رسلا ً من أنفسهم، وإني رسول نفسي إليهم، ادخلوا هذه، فيقول من كتب عليه الشقاء: يا رب أنى ندخلها، ومنها كنا نفر؟ قال: ومن كتب له السعادة يمضي فيقتحم فيها مسرعاً، قال فيقول الله – ﵎ –: أنتم لرسلي أشد تكذيباً ومعصية، فيدخل هؤلاء الجنة، وهؤلاء النار (١) ".

стр. 162

وأخرج البزار عن أبي سعد الخدري – رضي الله تعالى عنه – عن النبي – ﷺ – قال: يؤتى بالهالك في الفترة والمعتوه والمولود، فيقول الهالك في الفترة: لم يأتني كتاب ولا رسول ويقول المعتوه: أي رب لم تجعل لي عقلا ً أعقل به خيراً ولا شراً، ويقول المولود: لم أدرك العمل، قال فيرفع لهم النار، فيقال لهم: رِدُوها، أو قال: ادخلوها، فيدخلها من كان في علم الله سعيداً إن لو أدرك العمل، قال: ويمسك عنها من كان في علم الله شقياً إن لو أدرك العمل، فيقول – ﵎ –: "إياي عصيتم، فكيف برسلي بالغيب (١) " ... وروى الطبراني في الأوسط والكبير عن معاذ بن جبل مرفوعاً نحو حديث أبي سعيد الخدري – رضي الله تعالى عنهم أجمعين – (٢) .

стр. 163

وهذه أحاديث متعددة يشد بعضها بعضاً، ويشهد لها أصول الشرع وقواعده، والقول بمضمونها هو مذهب السلف والسنة كما في طريق الهجرتين للإمام ابن القيم، وقال الحافظ في الفتح: قد صحت مسألة الامتحان في حق المجنون , ومن مات في الفترة من طرق صحيحة، وحكى البيهقي في كتاب الاعتقاد – أنه المذهب الصحيح، وقال في الإصابة: والحديث ورد من عدة طرق في حق الشيخ الهرم، ومن مات في الفترة، ومن ولد أكمه أعمى أصم، ومن ولد مجنوناً، أو طرأ عليه الجنون قبل أن يبلغ ونحو ذلك، وأن كلا منهم يدلي بحجة، ويقول: لو عقلت، أو ذكرت لآمنت، فترفع لهم نار ويقال ادخلوها، فمن دخلها كانت عليه برداً وسلاماً، ومن امتنع أدخلها كرهاً. هذا معنى ما ورد من ذلك، وقد جمعت طرقه في جزء منفرد (١) .

стр. 164

٢- تجتمع شمل الأدلة بهذا القول، ويزال ما بينها من تعارض ظاهري، فبعض من يمتحن يدخل الجنة، وبعضهم يدخل النار، ويظهر معلوم الله الواحد القهار، الذي أحال عليه النبي – ﷺ – بقوله: "الله أعلم بما كانوا عاملين". ٣- ليس في تكليف الممتحنين بإلقاء أنفسهم في نار الجحيم، تكليف بما ليس في وسع المخلوقين، إنما هو تكليف بما فيه مشقة شديدة، وهو كتكليف بني إسرائيل قتل أولادهم وأزواجهم وآبائهم حين عبدوا العجل كما قال الله – جل وعلا –: ﴿وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ يَا قَوْمِ إِنَّكُمْ ظَلَمْتُمْ أَنفُسَكُمْ بِاتِّخَاذِكُمُ الْعِجْلَ فَتُوبُواْ إِلَى بَارِئِكُمْ فَاقْتُلُواْ أَنفُسَكُمْ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ عِندَ بَارِئِكُمْ فَتَابَ عَلَيْكُمْ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ﴾ البقرة٥٤. يضاف إلى هذا أنهم لو امتثلوا ما أمروا به، وأطاعوه فدخلوا النار وألقوا أنفسهم فيها لما ضرهم ذلك، وكانت عليهم برداً وسلاماً، فليس التكليف بذلك بممتنع ولا بما لا يستطاع. ٤- لا ينقطع التكليف إلا بعد دخول دار القرار، الجنة أو النار، أما في عرصات القيامة فلا ينقطع كما لا ينقطع في البرزخ، ومن أجاب في الدنيا طوعاً واختياراً أجاب الملكين عما يسألانه في البرزخ، ومن امتنع من الإجابة في الدنيا مُنِع منها في البرزخ وليس تكليفه في البرزخ وهو غير قادر قبيحاً، بل هو مقتضى الحكمة الإلهية، لأنه مكلف وقت القدرة وأبى، فإذا كلف وقت العجز، وقد حيل بينه وبين العقل كان عقوبة له وحسرة، وقد دلت الأحاديث المتقدمة على أن التكليف لا ينقطع إلا بعد دخول الجنة أو النار.

стр. 165

٥- هذا هو مذهب أهل السنة والحديث، وقد دلت عليه صحاح الأحاديث، فالأخذ به متعين جِدٌ نفيس (١) نسأل الله أن يصرف عنا لهو الحديث، وأن يحفظنا من كل وصف خبيث، إنه سميع مجيب. حكم تعلم علم التوحيد لعلم التوحيد حالتان: لا تخرج عنهما مباحثه العظام، وهما: أولا ً: حالة إجمالية: والعلم بها فريضة حتمية على كل مكلف من البرية، وتقوم تلك الحالة على الإيمان بوجود الله – جل وعلا – وأنه رب كل شيء ومليكه، وله على عباده حق العبادة فيجب صرف أنواع العبادات إليه، ويحرم صرف شيء من ذلك إلى غيره، وتقوم أيضاً على الإيمان بأن محمداً رسول الله – ﷺ – وقد بلغ دعوة الله – جل وعز – فيجب تصديقه فيما أخبر، وامتثال ما أمر به، وترك ما عنه نهى وحذر – عليه صلوات الله وسلامه – ويحرم صرف شيء من ذلك لغيره. ثانياً: حالة تفصيلية: والعلم بها واجب كفائي، والناس يتفاوتون في معرفة ذلك، وبذلك يتفاضلون فكل من أحاط علماً بمسائل التوحيد، وقام بموجبها فهو أفضل العبيد، وله الدرجات العلى عند الرب المجيد. قال شيخ الإسلام – عليه رحمة ربنا الرحمن –: من شروط الإيمان: وجود العلم التام، ولهذا كان الصواب أن الجهل ببعض أسماء الله وصفاته لا يكون صاحبه كافراً، إذا كان مقراً بما جاء به الرسول – ﷺ –، ولم يبلغه ما يوجب العلم بما يجهله على وجه يقتضي كفره إذا لم يعلمه (٢) .

стр. 166

والمقرر عند أهل السنة الطيبين أن أول واجب على المكلفين، توحيد رب العالمين، قال الإمام ابن تيمية شيخ المسلمين – عليه رحمة أرحم الراحمين –: إن السلف والأئمة متفقون على أن أول ما يؤمر به العباد الشهادتين، ومتفقون على أن من فعل ذلك قبل البلوغ لم يؤمر بتجديد ذلك عقيب البلوغ، والشهادة تتضمن الإقرار بالصانع – ﵎ – وبرسوله – ﷺ – لكن مجرد المعرفة بالصانع لا يصير به الرجل مؤمناً، بل ولا يصير مؤمناً بأن يعلم أنه رب كل شيء حتى يشهد أن لا إله إلا الله و، لا يصير مؤمناً بذلك حتى يشهد أن محمداً رسول الله – ﷺ – (١) .

стр. 167

وقال الإمام ابن قيم الجوزية – عليه رحمة رب البرية –: التوحيد أول دعوة الرسل – عليهم صلوات الله وسلامه – وأول منازل الطريق، وأول مقام يقوم فيه السالك إلى الله – ﵎ – قال الله – جل وعلا –: ﴿لَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحاً إِلَى قَوْمِهِ فَقَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُواْ اللَّهَ مَا لَكُم مِّنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ﴾ الأعراف٥٩، وقال هود – على نبينا وعليه الصلاة والسلام – لقومه: ﴿اعْبُدُواْ اللهَ مَا لَكُم مِّنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ﴾ الأعراف٦٥، وقال شعيب – على نبينا وعليه الصلاة والسلام – لقومه: ﴿اعْبُدُواْ اللهَ مَا لَكُم مِّنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ﴾ الأعراف٨٥، وقال ﵎: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَّسُولاً أَنِ اعْبُدُواْ اللهَ وَاجْتَنِبُواْ الطَّاغُوتَ﴾ النحل٣٦.

стр. 168

فالتوحيد مفتاح دعوة الرسل – عليهم صلوات الله وسلامه – ولهذا قال النبي – ﷺ – لرسوله معاذِ بن ِ جبلٍ – رضي الله تعالى عنه – وقد بعثه إلى اليمن: إنك تأتي قوماً من أهل الكتاب، فادعهم إلى شهادة أن لا إله إلا الله، وأني رسول الله – ﷺ – فإن هم أطاعوا لذلك فأعلمهم أن الله افترض عليهم خمس صلوات في كل يوم وليلة، فإن هم أطاعوا لذلك فأعلمهم أن الله افترض عليهم صدقة تؤخذ من أغنيائهم فترد على فقرائهم، فإن أطاعوا لذلك فإياك وكرائم أموالهم، واتق دعوة المظلوم فإنه ليس بينها وبين الله حجاب (١)

стр. 169

وقال – ﷺ –: "أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله، وأن محمداً رسول الله (١)

стр. 170

" ولهذا كان الصحيح أن أول ما يجب على المكلف: شهادة أن لا إله إلا الله، لا النظر ولا القصد إلى النظر، ولا الشك، كما هي أقوال لأرباب الكلام المذموم، فالتوحيد أول ما يدخل به في الإسلام، وآخر ما يخرج به من الدنيا، كما قال النبي – ﷺ –: ومن كان آخر كلامه لا إله إلا الله دخل الجنة (١)

стр. 171

فهو أول واجب، وآخر واجب، فالتوحيد: أول الأمر وآخره (١) . قال عبد الرحيم – غفر الله ذنوبه أجمعين –: وإنما الإقرار بتوحيد رب العالمين أول واجب على الكافرين، لأن دين الله الإسلام هو ما فطر الله عليه الإنس والجان، كما ثبت ذلك من خير الأنام نبينا – ﵊ –: كل مولود يولد على الفطرة. وإذا كان الأمر كذلك فلا داعي لتوقف صحة توحيد المكلف على النظر، ولا على الشك الموصل إلى سقر، ولا على بقية الأقوال التي أوصلها أهل الزيغ إلى اثني عشر، ولذلك قرر الإمام ابن حجر – عليه رحمة الله تعالى – أن قول الله – جل وعلا – ﴿فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفاً فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ﴾ الروم٣٠، وقوله – ﷺ – "كل مولود يولد على الفطرة" ظاهران في دفع تلك الأقوال، ودحضها من أساسها، ونقل عن أبي جمرة عن أبي الوليد الباجي عن أبي جعفر السِّمْناني – عليهم جميعاً رحمة الله تعالى – وهو من رؤوس الأشاعرة وكبارهم – أن تلك الأقوال من مسائل أهل الاعتزال، وبقيت في مذهب الأشعرية، والله المستعان.

стр. 172

فاعلم هذا يا أخا الإسلام، وحذار حذار من تلوث الأذهان بقاذورات علم الكلام، وشرح الله صدورنا للإيمان، ومَنّ علينا باتباع خير الأنام – عليه أفضل الصلاة وأزكى السلام – (١) . بعد تلك الجولة المباركة في بيان أقسام التوحيد، نرجع لمدارسة الموقف السديد، نحو صفات الرب المجيد، وسأتكلم على هذا الموضوع المفيد، ضمن أربعة مباحث على التحديد، وفي ذلك ذكرى لمن كان له قلب أو ألقى السمع وهو شهيد. ١- مصادر توحيد الأسماء والصفات: ... إن طريق الإيمان بأسماء الرب وصفات الرحمن منحصر فيما جاء به نبينا – ﵊ – من آيات القرآن، والأحاديث الصحيحة الحسان، وسار عليه السابقون الأولون من المهاجرين والأنصار والذين اتبعوهم بإحسان، إذ يستحيل قطعاً عدم بيان النبي – ﷺ – ما يتصف به ربنا – جل وعلا – من أسماء حسنى، وصفات كريمة عظمى، بياناً واضحاً محكماً، يدفع كل الشك، ويزيل كل شبهة، ويرفع كل وهم، ويدحض كل باطل، يدل على ذلك أمور كثيرة أبرزها:

стр. 173

أ- رسالة النبي – ﷺ – فيها الهدى والنور، وإرشاد العباد لأقوم الأمور، كما قرر ذلك العزيز الغفور، فقال: ﴿الَر كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ إِلَيْكَ لِتُخْرِجَ النَّاسَ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِ رَبِّهِمْ إِلَى صِرَاطِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ﴾ إبراهيم١، وقال – جل وعلا – في آخر سورة الشورى: ﴿وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ صِرَاطِ اللَّهِ الَّذِي لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ أَلَا إِلَى اللَّهِ تَصِيرُ الأمُورُ﴾ الشورى٥٣. وقد أمَرَ اللهُ نبيَّنا – ﷺ – أن يقول: ﴿قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَاْ وَمَنِ اتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ اللهِ وَمَا أَنَاْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ يوسف١٠٨، وشهد له ربنا – ﷻ – بأنه بعثه داعياً إليه، وسراجاً منيراً – فداه أبي وأمي – فقال: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِداً وَمُبَشِّراً وَنَذِيراً وَدَاعِياً إِلَى اللَّهِ بِإِذْنِهِ وَسِرَاجاً مُّنِيراً﴾ الأحزاب ٤٥-٤٦.

стр. 174

وإذا كان هذا حال رسالة نبينا – ﷺ – فمن المحال في العقل والدين أن يترك النبي – ﷺ – باب الإيمان بالله – جل وعلا – والعلم به ملتبساً مشتبهاً، لا يميز في ذلك بين ما يجب لله من الأسماء الحسنى، والصفات العليا، وما يجوز له، وما يمتنع عليه، لأن معرفة هذا أصل الدين، وأساس الهداية، أفضل وأوجب ما اكتسبته القلوب، وحصلته النفوس، أدركته العقول، قال الإمام ابن القيم – عليه رحمة الله تعالى – أصل الدين وأصل أعماله وإرادته محبة الله – جل وعلا – والأنس به، والشوق إلى لقائه، والرضا به وعنه، كما أن معرفته والعلم بأسمائه وصفاته وأفعاله أجَلّ علوم الدين كلها، فمعرفته أجل المعارف، وإرادة وجهه أجل المقاصد، وعبادته أشرف الأعمال، والثناء عليه بأسمائه وصفاته ومدحه بذلك وتمجيده أشرف الأقوال، وذلك أساس الحنيفية ملة إبراهيم – على نبينا وعليه الصلاة والسلام – فمن كان بالله – – وأسمائه وصفاته أعْرف، وفيه أرغب، وله أحب، وإليه أقرب وجد من هذه الحلاوة في قلبه ما لا يمكن التعبير عنه، ولا يعرف إلا بالذوق والوجد، ومتى ذاق القلب ذلك لم يمكنه أن يقدم عليه حباً لغيره، وأنساً به، وكلما ازداد له حباً ازداد له عبودية وذلاً، وخضوعاً ورقاً، وحرية عن رق غيره (١) .

стр. 175

ب- ترك النبي – ﷺ – الأمة على المحجة البيضاء ليلها كنهارها لا يزيغ عنها إلا هالك، وتحقيقاً لذلك فقد علمهم كل شيء حتى الخِراءة َ كما ثبت في المسند وصحيح مسلم والسنن الأربعة عن عبد الرحمن بن زيد بن أسلم قال: قيل لسلمان الفارسي – رضي الله تعالى عنه – قد علمكم نبيكم كل شيء حتى الخِراءة َ، فقال سليمان: أجل، قلد نهانا رسول الله – ﷺ – أن نستقبل القبلة لغائط أو بول، أو أن نستنجي بأقل من ثلاثة أحجار أو أن نستنجي برجيع أو بعظم" (١) .

стр. 176

وإذا كان هذا حال النبي – ﷺ – في بيان أمور الدين وإن دقت، فيستحيل في حقه قطعاً أن يترك تعليم الناس ما يقولونه بألسنتهم، ويعتقدونه في قلوبهم في ربهم ومعبودهم رب العالمين، الذي معرفته غاية المعارف، وعبادته أشرف المقاصد، والوصول إليه غاية المطالب، بل هذا خلاصة الدعوة النبوية، وزُبْدة الرسالة الإلهية، فكيف يتوهم من في قلبه أدنى مُسْكة من إيمان وحكمة أن لا يكون بيان هذا الباب قد وقع من الرسول – ﷺ – على غاية التمام. جـ- إذا ثبت أن بيان ذلك ضروري، فحال النبي – ﷺ – يحتم ذلك البيان على أتم وجه وأبلغه، وأحسنه وأحكمه، وذلك لاتصاف النبي – ﷺ – بثلاثة أمرو تستدعي وتوجب ذلك الحصول، فهو – فداه أبي وأمي – أعلم الخلق بربه – ﷻ – وهو أنصح الخلق للخلق، وهو أبلغ البرية بياناً، وأفصحهم لساناً، وإذا وُجد المقتضِي، وانتفى المانع وجب الحصول كما تحتمه صرائح العقول. د- إذا كان بيان أسماء الله – جل وعلا – وصفاته قد وقع من الرسول – ﷺ – لأمته على أتم ما يرام، فمن المحال أن يكون خير وأفضل قرونها قصروا في هذه الباب، زائدين فيه، أو ناقصين عنه. ... ومن المحال أيضاً أن تكون القرون الفاضلة غير عالمين، أو ليسوا قائلين في هذا الباب بالحق المبين، لأن ضد ذلك إما عدم العلم والقول – وذلك هو الجهل – أو اعتقاد نقيض الحق، وقول خلاف الصدق – وذلك هو الضلال والزيغ – وكل من الأمرين ممتنع.

стр. 177

.. أما وجه امتناع الأول – وهو جهلهم بأسماء الله تعالى وصفاته – فلأن من في قلبه أدنى حياة وطلب للعلم، أو نهمة في العبادة يكون البحث عن هذا الباب، والسؤال عنه، ومعرفة الحق فيه أكبر مقاصده، وأعظم مطالبه، وليس النفوس الصحيحة إلى شيء أشوق منها إلى معرفة هذا الأمر، وهذا أمر معلوم بالفطرة الوجدانية، فكيف يتصور – مع قيام هذا المقتضِي الذي هو من أقوى المقتضيات أن يتخلف عنه مقتضاه في أولئك السادة في مجموع عصورهم؟ هذا لا يكاد يقع في أبلد الخلق وأشدهم إعراضاً عن الله – جل وعلا – وأعظمهم انكباباً على طلب الدنيا، والغفلة عن ذكر الله – ﵎ – فكيف يقع في أولئك؟!. ... ثم لو فرضنا جهلهم بالحق في هذا الباب فإن جهل من بعدهم بأسماء الله وصفاته أولى وأحرى، لأن معرفة ذلك متوقف عن طريق بيان النبي – ﷺ – وتابعوهم بإحسان – رضي الله تعالى عنهم أجمعين – هم الواسطة بين الرسول – ﷺ – وبين الأمة، فإذا انتفى عنهم العلم بأسماء الله وصفاته يلزم أن لا يكون عند أحد علم في هذا الباب، وذلك ممتنع بلا ارتياب. ... وإذا انتفى جهل السلف الصالح بأسماء الله وصفاته، وثبت علمهم بذلك عن طريق التفصيل فلا يصح أن يقال: إنهم كتموا الحق، ولم يبينوه، فمن عرف حالهم في تبليغ الدين، وحرصهم على نشر هدي سيد المرسلين – عليه صلوات الله وسلامه – عَلِمَ عِلْمَ اليقين استحالة ذلك على سلفنا الكرام الصادقين – ﵃ أجمعين –. ... على أنه يقال: لو فرضنا كتمان السلف الصالح لذلك مع علمهم به، لفلا يمكن لمن بعدهم معرفة أسماء الله وصفاته، لأن السلف الكرام هو الواسطة والبيان، كما تقدم على ذلك البرهان، وبذلك تعلم انتفاء الجهل عنهم الكتمان، في صفات الرحيم الرحمن، وما نقل عنهم من إيضاح لذلك وبيان هو في غاية الإحكام والإتقان، ويدفع عنهم كل تخرص ووهم وهذيان.

стр. 178

.. وأما وجه امتناع اعتقاد السلف الصالح نقيض الحق وقولهم خلاف الصدق في أسماء الله وصفاته أن ذلك يستلزم أحد أمرين لا ثالث لهما، وهما: إما جهلهم أو سوء قصدهم وإرادة إضلال من بعدهم، وقد تقدم بيان فساد كل منهما في حقهم، ويزاد هنا أن سوء القصد لو صدر منهم وأمكن فيهم، وصح عليهم لانعدمت الثقة في سائر أبواب الدين، وهذا ضلال مبين، يلزم منه القدح في شريعة رب العالمين، ونبذ هداه المحكم المتين: وقد فطن العلماء من الأئمة الطيبين، لهذا المكر اللعين، فقال شيخ المحدثين، الإمام أبو زُرْعة الثقة الأمين – عليه رحمة رب العالمين –: إذا رأيت الرجل بنتقص أحداً من أصحاب رسول الله – ﷺ – فاعلم أنه زنديق، لأن الرسول – ﷺ – عندنا حق، والقرآن حق، وإنما أدَّى إلينا هذا القرآنَ، وأحاديث النبي – ﵊ – الصحابة ُ الكرامُ – عليهم من الله الرحمة والرضوان – ويريد الزنادقة جرح شُهودِنا ليبطلوا كتاب ربنا، وسنة نبينا – ﷺ – والجرح بهم أولى، وهم زنادقة (١) .

стр. 179

وإذ قد تبين لك – أيها المسترشد – أن الرسول – ﷺ – بين للناس أسماء الله وصفاته – جل وعلا – بياناً سديداً، مفصلا ً كافياً، واسعاً دقيقاً شافياً، تعلم علم اليقين أن الأخذ بذلك هو الصراط المستقيم، والتسليم له هو المنهج المحكم المتين، وعن ذلك الطريق يحصل النور المبين، وتفهم صفات رب العالمين، ومن انحرف عن ذلك المسلك القويم، فهو من الضالين الزائغين، إذ لا تعويل على العقول والآراء، في صفات رب الأرض والسماء ـ ولا دخل لقواعد المتكلمين وهَوَسات المتنطعين في صفات رب العالمين، فالعقل مع النقل كالعين مع الشمس، فكما أن الرؤية لا تحصل بدون عين سليمة، وشمس طالعة، فكذلك الاهتداء لا يحصل إلا بوجود عقل يستنير بوحي رب الأرض والسماء، فالعقل كالعين، ونور الوحي كنور الشمس، وكما أن العين لا ترى بدون نور مهما اشتدت قوة نظرها، فالعقل لا يهتدي بدون وحي مهما قويت ألمعيته وذكاؤه وكم من ذكي غير زكي (١) . ... ومن رحمة الله – ﵎ – على العباد، أن رفع عنهم التكليف إذا لم يتوفر فيهم سبب الاهتداء والسداد، فلا تكليف على فاقد العقل، كما أنه لا تكليف عند عدم وجود النقل، ولولا العقل لم يكن الدين باقياً، ولولا الدين لأصبح العقل تائهاً حائراً، وباجتماعهما يحصل الفلاح والرشاد ويتم الهدى والسداد، وفي ذلك أنشد الإمام أحمد – نضر الله وجهه –: دينُ النبيّ ﷺ محمدٍ أخْبَارُ ... نِعمَ المَطيّة ُ للفَتى الآثارُ لا ترْغَبَنّ عن ِ الحَديثِ وأهلهِ ... فالرأيُ ليْلٌ والحديثُ نَهَارُ

стр. 180

ولرُبّمَا جَهِلَ الفتى أثرَ الهُدى ... والشّمْسُ بَازغة لها أنْوارُ (١) ... وهذه المسألة هي الأساس الفارق بين أهل السنة، وأهل البدعة، وبين أهل الحق، وأهل الزندقة، فأعطها حقها من الدراية والرعاية لتكون من المعتدين، ومن حزب الله المفلحين، قال الإمام الرباني أبو المُظَفَّر ِ السَّمْعانيُّ – عليه رحمة الله تعالى –: اعلم أن فصل ما بيننا وبين المبتدعة هو مسألة العقل، فإنهم أسسوا دينهم على المعقول، وجعلوا الاتباع والمأثور تبعاً للمعقول.
следующие страницы →