← Джавами‘

Джавами‘ · id 21782

خطب ودروس الشيخ عبد الرحيم الطحان

عبد الرحيم الطحان

Полный текст (6 674 стр.). Показаны 176–215 · переход к 181.

стр. 176

وإذا كان هذا حال النبي – ﷺ – في بيان أمور الدين وإن دقت، فيستحيل في حقه قطعاً أن يترك تعليم الناس ما يقولونه بألسنتهم، ويعتقدونه في قلوبهم في ربهم ومعبودهم رب العالمين، الذي معرفته غاية المعارف، وعبادته أشرف المقاصد، والوصول إليه غاية المطالب، بل هذا خلاصة الدعوة النبوية، وزُبْدة الرسالة الإلهية، فكيف يتوهم من في قلبه أدنى مُسْكة من إيمان وحكمة أن لا يكون بيان هذا الباب قد وقع من الرسول – ﷺ – على غاية التمام. جـ- إذا ثبت أن بيان ذلك ضروري، فحال النبي – ﷺ – يحتم ذلك البيان على أتم وجه وأبلغه، وأحسنه وأحكمه، وذلك لاتصاف النبي – ﷺ – بثلاثة أمرو تستدعي وتوجب ذلك الحصول، فهو – فداه أبي وأمي – أعلم الخلق بربه – ﷻ – وهو أنصح الخلق للخلق، وهو أبلغ البرية بياناً، وأفصحهم لساناً، وإذا وُجد المقتضِي، وانتفى المانع وجب الحصول كما تحتمه صرائح العقول. د- إذا كان بيان أسماء الله – جل وعلا – وصفاته قد وقع من الرسول – ﷺ – لأمته على أتم ما يرام، فمن المحال أن يكون خير وأفضل قرونها قصروا في هذه الباب، زائدين فيه، أو ناقصين عنه. ... ومن المحال أيضاً أن تكون القرون الفاضلة غير عالمين، أو ليسوا قائلين في هذا الباب بالحق المبين، لأن ضد ذلك إما عدم العلم والقول – وذلك هو الجهل – أو اعتقاد نقيض الحق، وقول خلاف الصدق – وذلك هو الضلال والزيغ – وكل من الأمرين ممتنع.

стр. 177

.. أما وجه امتناع الأول – وهو جهلهم بأسماء الله تعالى وصفاته – فلأن من في قلبه أدنى حياة وطلب للعلم، أو نهمة في العبادة يكون البحث عن هذا الباب، والسؤال عنه، ومعرفة الحق فيه أكبر مقاصده، وأعظم مطالبه، وليس النفوس الصحيحة إلى شيء أشوق منها إلى معرفة هذا الأمر، وهذا أمر معلوم بالفطرة الوجدانية، فكيف يتصور – مع قيام هذا المقتضِي الذي هو من أقوى المقتضيات أن يتخلف عنه مقتضاه في أولئك السادة في مجموع عصورهم؟ هذا لا يكاد يقع في أبلد الخلق وأشدهم إعراضاً عن الله – جل وعلا – وأعظمهم انكباباً على طلب الدنيا، والغفلة عن ذكر الله – ﵎ – فكيف يقع في أولئك؟!. ... ثم لو فرضنا جهلهم بالحق في هذا الباب فإن جهل من بعدهم بأسماء الله وصفاته أولى وأحرى، لأن معرفة ذلك متوقف عن طريق بيان النبي – ﷺ – وتابعوهم بإحسان – رضي الله تعالى عنهم أجمعين – هم الواسطة بين الرسول – ﷺ – وبين الأمة، فإذا انتفى عنهم العلم بأسماء الله وصفاته يلزم أن لا يكون عند أحد علم في هذا الباب، وذلك ممتنع بلا ارتياب. ... وإذا انتفى جهل السلف الصالح بأسماء الله وصفاته، وثبت علمهم بذلك عن طريق التفصيل فلا يصح أن يقال: إنهم كتموا الحق، ولم يبينوه، فمن عرف حالهم في تبليغ الدين، وحرصهم على نشر هدي سيد المرسلين – عليه صلوات الله وسلامه – عَلِمَ عِلْمَ اليقين استحالة ذلك على سلفنا الكرام الصادقين – ﵃ أجمعين –. ... على أنه يقال: لو فرضنا كتمان السلف الصالح لذلك مع علمهم به، لفلا يمكن لمن بعدهم معرفة أسماء الله وصفاته، لأن السلف الكرام هو الواسطة والبيان، كما تقدم على ذلك البرهان، وبذلك تعلم انتفاء الجهل عنهم الكتمان، في صفات الرحيم الرحمن، وما نقل عنهم من إيضاح لذلك وبيان هو في غاية الإحكام والإتقان، ويدفع عنهم كل تخرص ووهم وهذيان.

стр. 178

.. وأما وجه امتناع اعتقاد السلف الصالح نقيض الحق وقولهم خلاف الصدق في أسماء الله وصفاته أن ذلك يستلزم أحد أمرين لا ثالث لهما، وهما: إما جهلهم أو سوء قصدهم وإرادة إضلال من بعدهم، وقد تقدم بيان فساد كل منهما في حقهم، ويزاد هنا أن سوء القصد لو صدر منهم وأمكن فيهم، وصح عليهم لانعدمت الثقة في سائر أبواب الدين، وهذا ضلال مبين، يلزم منه القدح في شريعة رب العالمين، ونبذ هداه المحكم المتين: وقد فطن العلماء من الأئمة الطيبين، لهذا المكر اللعين، فقال شيخ المحدثين، الإمام أبو زُرْعة الثقة الأمين – عليه رحمة رب العالمين –: إذا رأيت الرجل بنتقص أحداً من أصحاب رسول الله – ﷺ – فاعلم أنه زنديق، لأن الرسول – ﷺ – عندنا حق، والقرآن حق، وإنما أدَّى إلينا هذا القرآنَ، وأحاديث النبي – ﵊ – الصحابة ُ الكرامُ – عليهم من الله الرحمة والرضوان – ويريد الزنادقة جرح شُهودِنا ليبطلوا كتاب ربنا، وسنة نبينا – ﷺ – والجرح بهم أولى، وهم زنادقة (١) .

стр. 179

وإذ قد تبين لك – أيها المسترشد – أن الرسول – ﷺ – بين للناس أسماء الله وصفاته – جل وعلا – بياناً سديداً، مفصلا ً كافياً، واسعاً دقيقاً شافياً، تعلم علم اليقين أن الأخذ بذلك هو الصراط المستقيم، والتسليم له هو المنهج المحكم المتين، وعن ذلك الطريق يحصل النور المبين، وتفهم صفات رب العالمين، ومن انحرف عن ذلك المسلك القويم، فهو من الضالين الزائغين، إذ لا تعويل على العقول والآراء، في صفات رب الأرض والسماء ـ ولا دخل لقواعد المتكلمين وهَوَسات المتنطعين في صفات رب العالمين، فالعقل مع النقل كالعين مع الشمس، فكما أن الرؤية لا تحصل بدون عين سليمة، وشمس طالعة، فكذلك الاهتداء لا يحصل إلا بوجود عقل يستنير بوحي رب الأرض والسماء، فالعقل كالعين، ونور الوحي كنور الشمس، وكما أن العين لا ترى بدون نور مهما اشتدت قوة نظرها، فالعقل لا يهتدي بدون وحي مهما قويت ألمعيته وذكاؤه وكم من ذكي غير زكي (١) . ... ومن رحمة الله – ﵎ – على العباد، أن رفع عنهم التكليف إذا لم يتوفر فيهم سبب الاهتداء والسداد، فلا تكليف على فاقد العقل، كما أنه لا تكليف عند عدم وجود النقل، ولولا العقل لم يكن الدين باقياً، ولولا الدين لأصبح العقل تائهاً حائراً، وباجتماعهما يحصل الفلاح والرشاد ويتم الهدى والسداد، وفي ذلك أنشد الإمام أحمد – نضر الله وجهه –: دينُ النبيّ ﷺ محمدٍ أخْبَارُ ... نِعمَ المَطيّة ُ للفَتى الآثارُ لا ترْغَبَنّ عن ِ الحَديثِ وأهلهِ ... فالرأيُ ليْلٌ والحديثُ نَهَارُ

стр. 180

ولرُبّمَا جَهِلَ الفتى أثرَ الهُدى ... والشّمْسُ بَازغة لها أنْوارُ (١) ... وهذه المسألة هي الأساس الفارق بين أهل السنة، وأهل البدعة، وبين أهل الحق، وأهل الزندقة، فأعطها حقها من الدراية والرعاية لتكون من المعتدين، ومن حزب الله المفلحين، قال الإمام الرباني أبو المُظَفَّر ِ السَّمْعانيُّ – عليه رحمة الله تعالى –: اعلم أن فصل ما بيننا وبين المبتدعة هو مسألة العقل، فإنهم أسسوا دينهم على المعقول، وجعلوا الاتباع والمأثور تبعاً للمعقول.

стр. 181

وأما أهل السنة فقالوا: الأصل في الدين الاتباع، والعقول تبع، ولو كان أساس الدين على المعقول لاستغنى الخلق عن الوحي، وعن الأنبياء – عليهم صلوات الله تعالى وسلامه – ولبطل معنى الأمر والنهي، ولقال من شاء ما شاء، ولو كان الدين بني على المعقول، وجب أن لا يجوز للمؤمنين قبول أشياء أمروا بها حتى يعقلوها، ونحن إذا تدبرنا عامة ما جاء في أمر الدين من ذكر صفات الله – – وما تعبد الناس من اعتقاده، وكذلك ما ظهر بين المسلمين، وتداولوه بينهم، ونقلوه عن سلفهم، إلى أن أسندوه إلى الرسول – ﷺ – من ذكر عذاب القبر، وسؤال الملكين والحوض، والميزان، والصراط، وصفات الجنة، وصفات النار، وتخليد الفريقين فيهما، أمور لا تدرك حقائقها بعقولنا، وإنما ورد الأمر بقبولها، والإيمان بها، فإذا سمعنا شيئاً من أمور الدين، وعقلناه، وفهمناه فلله الحمد في ذلك والشكر، ومنه التوفيق، وما لم يمكنا إدراكه وفهمه، ولم تبلغه عقولنا آمنا به، وصدقناه، واعتقدنا أن هذا من قَبِلَ ربوبيته وقدرته، واكتفينا في ذلك بعلمه ومشيئته قال – ﵎ – في مثل هذا: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَمَا أُوتِيتُم مِّن الْعِلْمِ إِلاَّ قَلِيلاً﴾ الإسراء٨٥، وقال – جل وعلا –: ﴿وَلاَ يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِّنْ عِلْمِهِ إِلاَّ بِمَا شَاء﴾ البقرة٢٥٥. ثم نقول لهذا القائل الذي يقول: بني ديننا على العقل، وأمرنا باتباعه: أخبرنا إذا أتاك أمر من الله – ﷻ – يخالف عقلك، فبأيهما تأخذ؟ بالذي تعقل، أو بالذي تؤمر؟ فإن قال: بالذي أعقل فقد أخطأ، وترك سبيل الإسلام، وإن قال: إنما آخذ بالذي جاء من عند الله فقد ترك قوله. فالواجب علينا أن نقبل ما عقلناه إيماناً وتصديقاً، وما لم نعقله تسليماً واستسلاماً، وهذا معنى قول من قال من أهل السنة: إن الإسلام قنطرة لا تُعبر إلا بالتسليم.

стр. 182

وقال السمعاني – أيضاً – رحمه الله تعالى –: إن الله – ﵎ – أسس دينه وبناه على الاتباع، وقبوله بالعقل، فمن الدين معقول وغير معقول، والاتباع في جميعه واجب، ومن أهل السنة من قال بلفظ آخر فقال: إن الله – جل وعلا – لا يعرف بالعقل، ولا يعرف مع عدم العقل، ومعنى هذا: أن الله – ﵎ – هو الذي يُعَّرف العَبْدَ ذاتَهُ، فيعرف الله بالله لا بغيره، لقوله – –: ﴿إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَن يَشَاءُ﴾ القصص٥٦، ولم يقل: ولكن العقل والآيات في هذا المعنى كثيرة، فالله – جل ثناؤه – هو المُعَّرفُ إلا أنه إنما يُعِّرفُ العَبْدَ نَفْسَهُ مع وجود العقل، لأنه سبب الإدراك والتميز، لا مع عدمه، ونظير هذا أن الولد لا يكون مع فقد الوطء، ولا يكون بالوطء، بل يكون بإنشاء الله – ﵎ – وخلقه. وقال بعض أهل المعرفة: إنما أعطينا العقل لإقامة العبودية، لا لإدراك الربوبية، فمن شغل ما أعطي لإقامة العبودية بإدراك الربوبية فاتته العبودية، ولم يدرك الربوبية، ومعنى قولنا: أعطينا العقل لإقامة العبودية: أنه آلة التمييز بين القبيح والحسن، والسنة والبدعة، والرياء والإخلاص ولولاه لم يكن تكليف، ولا توجه أمر ولا نهى، فإذا استعمله الإنسان على قدره ولم يجاوز به حده أداه ذلك إلى العبادة الخالصة، والثبات على السنة، واستعمال المستحسنات وترك المستقبحات.

стр. 183

وقال بعضهم: العقل حجة الله – – على جميع الخلق؛ لأنه سبب التكليف، إلا أن صاحبه لا يستغني عن التوفيق في كل وقت، ونفس العقل بالتوفيق كان، والعقل محتاج في كل وقت إلى توفيق جديد من الله – جل وعلا – ولو لم يكن كذلك لكان العقلاء مستغنيين عن الله – جل وعلا – بالعقل، فيرتفع عنهم الخوف والرجاء، ويصيرون آمنين من الخذلان، وهذا تجاوز عن درجة العبودية، وتعد عنها، ومحال من الأمر، إذ ليس من الحكمة أن يُنزِّلَ اللهُ – جل وجلاله – أحداً غير منزلته، فإذا أغنى عبيده عن نفسه، فقد أنزلهم غير منزلتهم، وجاوز بهم حدودهم، ولو كان هذا هكذا لاستوى الخلق والخالق في معنى من معاني الربوبية، والله – جل وعلا – ليس كمثله شيء في جميع المعاني (١) .

стр. 184

وللإمام ابن تيمية – أسكنه الكريم الغرف العلية – كلام متين، وتحقيق محكم ثمين، حول هذا الموضوع العظيم، في كتابه النفيس القويم، والمسمى بدرء تعارض العقل والنقل، وبموافقة صريح المعقول لصحيح المنقول، إليك شذرة من ذلك،، وشيئاً من النور هنالك، قال – رحمه الله تعالى –: إذا تعارض الشرع والعقل وجب تقديم الشرع؛ لأن العقل مصدق للشرع في كل ما أخبر به، والشرع لم يصدق العقل في كل ما أخبر به، ولا العلم بصدقه موقوف على كل ما يخبر به العقل قال بعضهم: يكفيك من العقل أن يعلمك صدق الرسولَ – ﷺ – ومعاني كلامه، وقال آخر: العقل مُتَوَل ٍِ، ولى الرسول – صلى الله ليه وسلم – ثم عزل نفسه؛ لن العقل دل على أن الرسول – ﷺ – يجب تصديقه فيما أخبر، وطاعته فيما أمر، والعقل يدل على صدق الرسول – ﷺ – دلالة عامة مطلقة، وهذا كما أن العامَّي إذا علم عين المفتي، ودل غيره عليه، وبين له أنه مفتٍ، ثم اختلف العامي الدال والمفتي، وجب على المستفتي أن يقدم قول المفتي فإذا قال له العامي: أنا الأصل في علمك بأنه مفتٍ، فإذا قدمت قوله على قولي عند التعارض قدحت في الأصل الذي به علمت أنه مفتٍ، قال له المستفتي: أنت لما شهدت أنه مفتٍ، ودللت على ذلك شهدت بموجب تقليده دون تقليدك، كما شهد به دليلك، وموافقتي لك في هذا العلم المعين لا يستلزم أني أوافقك في أعيان المسائل، وخطؤك فيما خالفت فيه المفتي الذي هو أعلم منك لا يستلزم خطأك في علمك بأنه مفتٍ، وأنت إذا علمت أنه مفتٍ باجتهاد واستدلال، ثم خالفته باجتهاد واستدلال كنت مخطئاً في الاجتهاد والاستلال الذي خالفت به من يجب عليك تقليده، واتباع قوله، وإن لم تكن مخطئاً في الاجتهاد والاستدلال الذي به علمت أنه عالم مفتٍ يجب عليك تقليده، هذا مع علمه بأن المفتي يجوز عليه الخطأ، والعقل يعلم أن الرسول – ﷺ – معصوم في خبره عن الله –

стр. 185

تبارك وتعالى – لا يجوز عليه الخطأ، فتقديمه قول المعصوم على ما يخالفه من استدلاله العقلي أولى من تقديم العامي قوله المفتي على قوله الذي يخالفه. وكذلك – أيضاً – إذا علم الناس وشهدوا أن فلاناً خبير بالطب أو بالقيافة – وهي معرفة الآثار – أو الخرص – وهو الحرز –: ويقال: على حرز ما على النخل من الرطب تمراً – أو تقويم السلع ونحو ذلك وثبت عند الحاكم أنه عالم بذلك دونهم، أو أنه أعلم منهم بذلك، ثم نازع الشهود الشاهدون لأهل العلم بالطب والقيافة والخرص والتقويم أهل العلم بذلك، وجب تقديم قول أهل العلم بالطب والقيافة والخرص والتقويم، على قول الشهود الذين شهدوا لهم – وإن قالوا: نحن ركينا هؤلاء، وبأقوالنا ثبتت أهليتهم فالرجوع في محل النزاع إليهم دوننا يقدح في الأصل الذي ثبت به قولهم، كما قال بعض الناس: إن العقل مُزكّ الشرع ومعدله، فإذا قدم الشرع عليه كان قدحاً فيمن زكاه وعدله، فيكون قدحاً فيه. قيل لهم: أنتم شهدتم بما علمتم من أنه من أهل العلم بالطب أو التقويم أو الخرص أو القيافة، ونحو ذلك، وأن قوله في ذلك مقبول دون قولكم، فلو قدمنا قولكم عليه في هذه المسائل لكان ذلك قدحاً في شهادتكم وعلمكم بأنه أعلم منكم بهذه الأمور، وإخباركم بذلك لا ينافي قبول قوله دون أقوالكم في ذلك، إذ يمكن إصابتكم في قولكم: نحن أعلم ممن هو أعلم منا فيما ينازعنا فيه من المسائل التي هو أعلم بها منا، بل خطؤكم في هذا أظهر.

стр. 186

ومن المعلوم أن مباينة الرسول – ﷺ – لذوي العقول أظهر من مباينة أهل العلم بالصناعات العلمية والعملية والعلوم العقلية الاجتهادية كالطب والقيافة والخرص والتقويم، لسائر الناس فإن من الناس من يمكنه أن يصير عالماً بتلك الصناعات العلمية والعملية كعلم أربابها بها، ولا يمكن من لم يجعله الله رسولاً إلى الناس أن يصير بمنزلة من جعله الله – ﵎ – رسولاً إلى الناس فإن النبوة لا تنال بالاجتهاد كما هو مذهب أهل الملل (١) . وإذا كان الأمر كذلك فإذا علم الإنسان بالعقل أن هذا رسول الله – ﷺ – وعلم أنه أخبر بشيء، ووجد في عقله ما ينازعه في خبره، كان عقله يوجب عليه أن يسلم موارد النزاع إلى من هو أعلم به منه، وأن لا يقدم رأيه على قوله، ويعلم أن عقله قاصر بالنسبة إليه، وأنه أعلم، بالله – تعالى – وأسمائه وصفاته واليوم الآخر منه، وأن التفاوت الذي بينهما في العلم بذلك أعظم من التفاوت الذي بين العامة، وأهل العلم بالطب.

стр. 187

فإذا كان عقله يوجب أن ينقاد لطبيب يهودي فيما أخبره من مقدرات من الأغذية والأشربة والأضمدة والمسهلات، واستعمالها على وجه مخصوص، مع ما في ذلك من الكلفة والألم، لظنه أن هذا أعلم بهذا منى، وأني إذا صدقته كان ذلك أقرب إلى حصول الشفاء لي مع علمه بأن الطبيب يخطئ كثيراً وأن كثيراً من الناس لا يشفى بما يصفه الطبيب بل قد يكون استعماله لما يصفه سببا في هلاكه. ومع هذا فهو يقبل قوله، ويقلده، وإن كان ظنه واجتهاده يخالف وصفه، فكيف حال الخلق مع الرسل الكرام – عليهم الصلاة والسلام –؟

стр. 188

والرسل الكرام – عليهم الصلاة والسلام – صادقون مصدَّقون، لا يجوز أن كون خبرهم على خلاف ما أخبروا به قط، والذين يعارضون أقوالهم بعقولهم عندهم من الجهل والضلال ما لا يحصيه إلا ذو الجلال – – فكيف يجوز أن يعارض ما لم يخطئ قط بما لم يصب في معارضته له قط (١) .

стр. 189

قال عبد الرحيم – أكرمه الله بجنات النعيم –: ليت شعري أي عقل سنحتكم إليه، ونعول عليه إذا جعلناه أصلاً للدين، ومصدراً للتشريع القويم؟ أعقل بيجن أم لينين؟ أو عقل كارتر أم عباد الشياطين؟ أو عقل عباد البقر، أم عباد الفروج؟ أو عقل عباد الأصنام أم زنادقة الأنام؟ وبعض هؤلاء ذكاؤه مشهود، لكنه لا يرتفع عن مستوى الثعالب والقرود، إذ لا خير في ذكاء لم يصحبه زكاء، ولن يحصل ذلك إلا بوحي رب الأرض والسماء، ففتح باب التعويل على العقل بدون الاهتداء بالنقل فتح لباب الفوضى على مصراعيه، ليقول من شاء ما شاء، وليس بعد هذا البلاء بلاء. ومن أجل ذلك ذم سلفنا الكرام علم الكلام، وحذروا منه أهل الإيمان، وحكموا على أتباعه بالزيغ والعصيان، قال الإمام الشافعي – عليه رحمة الله تعالى –: لأن يلقى العبد ربه بكل ذنب خلا الشرك خير له من أن يلقاه بشيء من علم الكلام، ولقد اطلعت من أهل الكلام على شيء ما ظننت مسلماً يقوله وحكمي في أهل الكلام أن يضربوا بالجريد والنعال، ويطاف بهم في العشائر والقبائل، ويقال: هذا جزاء من تلك الكتاب والسنة وأقبل على الكلام، وقال في ذلك شعراً: كلُ العلوم سوى القرآن مشغَلة ٌ ... إلا الحديثَ وإلا الفِقْهَ في الدين ِ العِلمُ ما كانَ فيه قالَ حَدّثَنَا ... وما سوى ذاكَ وسْواسُ الشّياطِينِ

стр. 190

وكما يقول: لو علم الناس ما في الكلام لفروا منه كما يفرون من الأسد، وقال: الكلام يلعن أهل الكلام، ومن ارتدى بالكلام لا يفلح، وأفتى هو وغيره – عليهم جميعاً رحمة الله تعالى – بأن من أوصى لعلماء بلده لا يدخل فيهم المتكلمون، ولو أوصى إنسان بوقف كتبه العلمية لا يدخل فيها كتب الكلام الردية (١) .

стр. 191

وقال الإمام أحمد – نضر الله وجهه، وفي غرف الجنان أرقده –: من تعاطى الكلام لا يفلح، ومن تعاطى الكلام لم يَخْلُ من أن يتجهَّم، وقال: لست أتكلم إلا ما كان من كتاب، أو سنة، أو عن الصحابة والتابعين – رضي الله تعالى عنهم أجمعين – وأما غير ذلك فالكلام فيه غير محمود، وقال: عليكم بالسنة والحديث وإياكم والخوض والجدال والمراء، فإنه لا يفلح من أحب الكلام، وقال لولده حنبل: لا تجالسهم، ولا تكلم أحداً منهم، فقد أدركنا الناس وما يعرفون هذا، ويجانبون أهل الكلام، وقال: الكلام رديء لا يدعو إلى خير، تجنبوا أهل الجدال والكلام، وعليكم بالسنن وما كان عليه أهل العلم قبلكم فإنهم كانوا يكرهون الكلام والخوض مع أهل البدع، وإنما السلامة في ترك هذا، لم نؤمر بالجدال والخصومات وإذا رأيتم من يحب الكلام فاحذروه، وكان يقول: لا تجالسوا أهل الكلام وإن ذبوا عن السنة، وما زال الكلام عند أهل الخير مذموماً.

стр. 192

قال الإمام الذهبي: قلت: ذم الكلام وتعلمه جاء من طرق كثيرة عن الإمام أحمد وغيره – ﵏ جميعاً (١) – وقال الإمام أبو يوسف – عليه رحمة الله تعالى –: من طلب العلم بالكلام تزندق، ومن طلب المال بالكيمياء أفلس، ومن طلب غريب الحديث كُذِبَ، وقال لبِشْر المِرِّيسي: العلم بالكلام هو الجهل، والجهل بالكلام هو العلم، وإذا صار الرجل رأساً في الكلام قيل: زنديق، أو رمي بالزندقة أراد – رحمه الله تعالى – بالجهل به اعتقاد عدم صحته، فإن ذلك علم نافع، أو أراد به الإعراض عنه وترك الالتفات إلى اعتباره، فإن ذلك يصون علم الرجل، وعقله فيكون علماً بهذا الاعتبار (٢) .

стр. 193

وقال رجل لأبي عبيد القاسم بن سلام: ما تقول في علم الكلام؟ فقال له: لقد دلك ربك على سبيل الرشد وطريق الحق، وقال: ﴿فَإِن تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللهِ وَالرَّسُولِ إِن كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلاً﴾ النساء٥٩، أما دلك فيما دلك عليه ربك من كلامه، وسنة نبيه – ﷺ – ما يغنيك عن الرجوع إلى رأيك وعقلك، وقد نهاك عن الكلام في ذاته وصفاته إلا حسب ما أطلقه لك، قال الله – ﵎ –: ﴿وَإِذَا رَأَيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ فِي آيَاتِنَا فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ حَتَّى يَخُوضُواْ فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ﴾ الأنعام٦٨ (١) .

стр. 194

واعلم – علمنا الله جميعاً – أن السلف الصالح لم يكرهوا علم الكلام وذموه لمجرد كونه اصطلاحات جديدة على معان ٍ صحيحة، ولا كرهوا أيضاً الدلالة على الحق والمحاجة لأهل الباطل، إنما كرهوه وذموه وحذروا منه لاشتماله على أمور كاذبة مخالفة للحق الثابت في الكتاب والسنة، وأفظع ذلك وأشنعه ما اخترعوه من المقايسة بين الخالق الجليل، والمخلوق الحقير، فأخضعوا صفات الرب المجيد لما هو معرفٌ في صفات العبيد، ثم رتبوا على ذلك نفيها، وتعطيل الرب – جل وعلا – عنها (١) ولأصحاب الكلام غير ذلك من الضلالات والآثام التي تَقْشَعِرّ منها جلود المؤمنين الكرام، وستقف على شيء من ذلك في آخر هذا المبحث إن شاء الرحمن.

стр. 195

.. قال الإمام الغزالي – عليه رحمة الله تعالى –: وأما منفعته – علم الكلام – فقد يُظَنُّ أن فائدته كشف الحقائق على ما هي عليه، وهيهات فليس في علم الكلام وفاء بهذا المطلب الشريف، ولعل التخبيط والتضليل فيه أكثر من الكشف والتعريف، وهذا إذا سمعته من محدث أو حشوي (١)

стр. 196

ربما خطر ببالك أن الناس أعداء ما جهلوا، فاسمع هذا ممن خبر الكلام، ثم قلاه بعد حقيقة الخبرة، وبعد التغلغل فيه إلى منتهى درجة المتكلمين، وجاوز ذلك إلى التعمق في علوم أخر تناسب نوع علم الكلام وتحقق أن الطريق إلى المعرفة من هذا الوجه مسدود (١) .

стр. 197

.. وكلام الإمام الغزالي في هذا حجة بالغة إذ هو إمام عصره في علم الكلام، ثم رجع عنه بعد طول زمان، وخلفه الإمام الرازي – عليهما رحمة الله تعالى – فسار على طريقتي الغزالي الأولى ثم الأخيرة فقال في كتابه أقسام اللذات بعد أن أمضى أكثر عمره في تقرير البليات والطامات: لقد تأملت الطرق الكلامية، والمناهج الفلسفية، فما رأيتها تُشفي عليلا ً، ولا تَرْوي غليلا ً، ورأيت أقرب الطرق طريقة القرآن أقرأ في الإثبات ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ طه ٥، ﴿إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ﴾ فاطر١٠ واقرأ في النفي: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ الشورى١١، ﴿وَلَا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْماً﴾ طه١١٠، ومن جرب مثل تجربتي عرف مثل معرفتي (١) .

стр. 198

وقد تحسر وتأسف كل من دخل في علم الكلام ممن في قلبه نور وإيمان فالإمام أبو المعالي إمام الحرمين – عليه رحمة الله تعالى – يقول: يا أصحابنا لا تشتغلوا بعلم الكلام، فلو عرفت أن الكلام يبلغ بي إلى ما بلغ ما اشتغلت به، وقال عند موته: لقد خضت البحر الخضم، وخليت أهل الإسلام وعلومهم ودخلت في الذي نهوني عنه، والآن إن لم يتداركني ربي برحمته فالوابل لي، وها أنذا أموت على عقيدة أميّ (١) .

стр. 199

.. وبالختام فالنبي – ﷺ – بين للأنام، شرع الملك العلام، بغاية التفصيل والإحكام فلسنا بحاجة إلى قواعد الفلسفة وعلم الكلام، وغير ذلك من الهذيان والأوهام، قال الإمام ابن تيمية شيخ الإسلام – أسكنه الله غرف الجنان – في رسالته الفذة النادرة، والدرة الفاخرة: معارج الوصول إلى أن أصول الدين وفروعه قد بينها الرسول – ﷺ –: إن رسول الله – ﷺ – بين جميع الدين أصوله، وفروعه، باطنه وظاهره، علمه وعمله، فإن هذا الأصل هو أصل أصول العلم والإيمان، وكل من كان أعظم اعتصاماً بهذا الأصل كان أولى بالحق علماً وعملا ً. ... وأهل العلم والإيمان متفقون على أن الرسل الكرام – عليهم الصلاة والسلام – لم يقولوا إلا الحق وهم أعلم الخلق بالحق، فهم الصادقون المصدقون علموا الحق وبينوه.

стр. 200

.. وقد بين لنا نبينا – ﷺ – الأدلة والبراهين الدالة على أصول الدين، أحسن تبيين، ودل الناس إلى الأدلة العقلية، وهداهم إلى البراهين اليقينية التي بها يعلمون المطالب الإلهية وبها يعلمون إثبات ربوبية الله – جل وعلا – ووحدانيته، وصفاته وصدق رسوله – ﷺ – والمعاد، وغير ذلك مما يحتاج إلى معرفته بالأدلة العقلية، فجمع في بيانه – ﷺ – بين الطريقين السمعي، والعقلي، وليست دلالة الكتاب والسنة على أصول الدين بمجرد الخبر كما تظنه طائفة من الغالطين من أهل الكلام والحديث والفقهاء والصوفية وغيرهم، بل الكتاب والسنة دلا الخلق وهدياهم إلى الآيات والبراهين والأدلة المبيِّنة لأصول الدين (١) .

стр. 201

وقال – رحمه الله تعالى – في القاعدة الجامعة، التامة النافعة في وجوب الاعتصام برسالة خير الأنام – ﵊ –: إن السعادة والهُدى في متابعة الرسول – ﷺ – وإن الضلال والشقاء في مخالفته، وكل خير في الوجود إما عام وأما خاص فمنشأه من جهة الرسول – ﷺ – وكل شر في العالم مختص بالعبد فسببه مخالفة الرسول – ﷺ –، أو الجهل بما جاء به.

стр. 202

.. فسعادة العباد في معاشهم ومعادهم باتباع الرسالة، وهي ضرورية لهم، لابد لهم منها، وحاجتهم إليها فوق حاجتهم إلى كل شيء، والرسالة روح العالم ونوره وحياته، فأي صلاح للعالم إذا عُدم الروح والحياة والنور؟ والدنيا مظلمة ملعونة إلا ما طلعت عليه شمس الرسالة (١) .

стр. 203

وكذلك العبد ما لم تشرق في قلبه شمس الرسالة، ويناله من حياتها وروحها فهو في ظلمة، وهو من الأموات، قال الله – ﵎ –: ﴿أَوَ مَن كَانَ مَيْتاً فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُوراً يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ كَمَن مَّثَلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ لَيْسَ بِخَارِجٍ مِّنْهَا﴾ الأنعام١٢٢ فهذا وصف المؤمن كان ميتاً في ظلمة الجهل، فأحياه الله – جل وعلا – بروح الرسالة ونور الإيمان، وجعل له نوراً يمشي به في الناس، وأما الكافر فميت القلب في الظلمات. ... وقد سمى الله رسالته روحاً، والروح إذا عُدِم فقد فُقِدَت الحياة قال الله – –: ﴿وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحاً مِّنْ أَمْرِنَا مَا كُنتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلَا الْإِيمَانُ وَلَكِن جَعَلْنَاهُ نُوراً نَّهْدِي بِهِ مَنْ نَّشَاء مِنْ عِبَادِنَا وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ﴾ الشورى٥٢، فذكر هنا الأصلين، وهما: الروح والنور، فالروح الحياة، والنور النور.

стр. 204

.. وحاجة العبد إلى الرسالة أعظم بكثير من حاجة المريض إلى الطب فإن آخر ما يقدر بعدم الطبيب موت الأبدان، وأما إذا لم يحصل لعبد نور الرسالة وحياتها مات قلبه موتاً لا ترجى معه الحياة أبداً أو شقى شقاوة لا سعادة معها أبداً فلا فلاح إلا باتباع الرسول – ﷺ – فإن الله – جل وعلا – خص بالفلاح أتباعه المؤمنين وأنصاره، فقال: ﴿فَالَّذِينَ آمَنُواْ بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُواْ النُّورَ الَّذِيَ أُنزِلَ مَعَهُ أُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ الأعراف١٥٧ أي: لا مفلح إلا هم، كما قال – جل وعلا –: ﴿وَلْتَكُن مِّنكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ آل عمران١٠٤ فخص هؤلاء بالفلاح كما خص المتقين الذين يؤمنون بالغيب ويقيمون الصلاة وينفقون مما رزقهم، ويؤمنون بما أنزل على رسوله – ﷺ – وما أنزل من قبله، ويوقنون بالآخرة بالهدى والفلاح فعلم بذلك أن الهدى والفلاح دائران حول رَبْع ِ الرسالة وجوداً وعدماً، ولولا الرسالة لم يهتد العقل إلى تفاصيل النافع والضار في المعاش والمعاد، فمن أعظم نعم الله – جل وعلا – على عباده، وأشرف مِنّة عليهم أن أرسل إليهم رسله الكرام – عليهم الصلاة والسلام – وأنزل عليهم كتبه، وبين لهم الصراط المستقيم فمن قبل رسالة الله – ﵎ – واستقام عليها فهو من خير البرية ومن ردها وخرج عنها فهو من شر البرية، وأسوأ حالاً من الكلب والخنزير، والحيوان البهيم.

стр. 205

.. وليست حاجة أهل الأرض إلى الرسول – ﷺ – كحاجتهم إلى الشمس والقمر، والرياح والمطر، ولا كحاجة الإنسان إلى حياته، ولا كحاجة العين إلى ضوئها، والجسم إلى الطعام والشراب، بل أعظم من ذلك، وأشد حاجة من كل ما يُقَدَّرُ، ويخطر بالبال، فالرسل الكرام – عليهم الصلاة والسلام – وسائط بين الله وبين خلقه في أمره ونهيه، وهم السفراء بينه وبين عباده (١) . وهذا الأمر الواضح الحق، عارضه ثلاثة أصناف من الخلق: كما أشار إلى ذلك الإمام عبد الله بن المبارك – عليه رحمة الله تعالى – بقوله: رَأيْتُ الذنُوبَ تُميتُ القُلوب ... ويُورثُكَ الذلّ إدْمانُها وتَركُ الذنوبِ حياةُ القُلوب ... وخَيْرٌ لِنفْسِكَ عِصْيانُها ج وهلْ بَدّلَ الدّينَ إلا المُلوك ... وأحْبارُ سَوْء ورهْبَانُها جج فبَاعُوا النّفُوسَ ولمْ يَرْبَحُوا ... ولمْ تَغلُ في البيْعُ أثمَانُها ج لقدْ رَتَعَ القَوْمُ في جِيفَةٍ ... يَبينُ لذي العقل أنْتَانُها (٢)

стр. 206

.. فالملوك الجائرون، يعترضون على شريعة رب العالمين بالسياسات الجائرة، ويعارضونها بها، ويقدمونها على حكم الله – ﷻ – ويقولون إذا تعارضت السياسة مع الشرع قدمنا السياسة. ... وعلماء السوء يخرجون عن شريعة الله – ﵎ – بآرائهم الكاسدة، وأقيستهم الفاسدة المتضمنة مخالفة أمر الله – – فيما أحل وحرم، ويقولون: إذا تعارض العقل والنقل قدمنا العقل. ... والعُبَاد الجهلة يعارضون حقائق الإيمان، وأحكام الرحيم الرحمن، بما يقوم في نفوسهم من خيالات وأوهام، وأذواق باطلة يزينها لهم الشيطان، ويقولون: إذا تعارض الذوق والكشف مع ظاهر الشرع نقدم الكشف والذوق – ضل سعيهم، وخاب ظنهم –. ... وقبل أن أختم هذا المبحث الجليل سأنبه على ثلاثة أمور لها شأن خطير: أولها: إذا كان طريق العلم بصفات الرحمن – جل وعلا – متوقفاً على ما جاء به النبي – ﷺ – من سنة وقرآن، فإن ذلك يشمل أدلة العقول، لأنها مندرجة فيما جاء به الرسول – ﷺ – فالمنقول يشمل ما أخبر به الرسول – ﵊ – كما يشمل ما دل عليه مما يدرك بالبراهين والعقول، قال الإمام ابن تيمية – عليه رحمة رب البرية –: ما علم بالشرع لا يخلو: إما أن يراد به إخبار الشارع، أو دلالة الشارع، فإذا عُني به ما دل عليه الشارع مثل دلالته على آيات الربوبية، ودلالة الرسالة، ونحو ذلك، فإنه يجتمع في هذا أن يكون شرعياً عقلياً، فإن الشارع لما نبه العقول على الآيات والبراهين والعبر اهتدت العقول فعلمت ما هداها إليه الشارع.

стр. 207

.. واعلم أن عامة مسائل أصول الدين الكبار مثل الإقرار بموجود الخالق وبوحدانيته، وعلمه وقدرته ومشيئته وعظمته، والإقرار بالثواب، وبرسالة محمد – ﷺ – وغير ذلك مما يعلم بالعقل قد دل الشارع على أدلته العقلية، وهذه الأصول التي يسميها أهل الكلام العقليات، وهي ما تعلم بالعقل، فإنها تعلم بالشرع، لا أعني بمجرد إخباره، فإن ذلك لا يفيد العلم إلا بعد العلم بصدق المُخبِر، فالعلم بها من هذا الوجه موقوف على ما يُعلم بالعقل من الإقرار بالربوبية وبالرسالة، وإنما أعني بدلالته وهدايته، كما أن ما يتعلمه المتعلمون ببيان المعلمين، وتصنيف المصنفين إنما هو لما بينوه للعقول من الأدلة. ... فهذا موضع يجب التفطن له، فإن كثيراً من الغالطين من متكلم ومحدِث ومتفقه وعاميّ وغيرهم يظن أن العلم المستفاد من الشرع إنما هو مجرد إخباره تصديقاً له فقط، وليس كذلك، بل يستفاد منه بالدلالة، والتنبيه والإرشاد جميع ما يمكن ذلك منه من علم الدين. ... وقال أيضاً: إن أصول الدين الحق الذي أنزل الله به كتابه، وأرسل به رسوله – ﷺ – وهي الأدلة والبراهين، والآيات الدالة على ذلك، قد بينها الرسول – ﷺ – أحسن بيان، ودل الناس عليها، وهداهم إلى الأدلة والبراهين اليقينية التي بها يعلمون المطالب الإلهية، وبها يعلمون إثبات ربوبية الله ووحدانيته وصفاته وصدق رسوله – ﷺ – والمعاد، وغير ذلك مما يحتاج إلى معرفته بالأدلة العقلية، بل ويما يمكن بيانه بالأدلة العقلية وإن كان لا يحتاج إليها، فإن كثيراً من الأمور تعرف بالخبر الصادق، ومع هذا فالرسول – ﷺ – بين الأدلة العقلية الدالة عليها، فجمع بين الطريقين: السمعي والعقلي.

стр. 208

.. وليست دلالة الكتاب والسنة على أصول الدين بمجرد الخبر كما تظنه طائفة من الغالطين من أهل الكلام والحديث والفقهاء والصوفية وغيرهم، بل الكتاب والسنة دلا وهدياهم إلى الآيات والبراهين، والأدلة المبينة لأصول الدين، وهؤلاء الغالطون الذين أعرضوا عما في القرآن من الدلائل العقلية والبراهين اليقينية صاروا إذا صنفوا في أصول الدين أحزاباً. حزب من يقدمون في كتبهم الكلام في النظر والدليل والعلم، وأن النظر يوجب العلم، وأنه واجب ويتكلمون في جنس النظر، وجنس الدليل، وجنس العلم بكلام قد اختلط فيه الحق بالباطل، ثم إذا صاروا إلى ما هو الأصل والدليل للدين استدلوا بحدوث الأعراض على حدوث الأجسام، وهو دليل مبتدع في الشرع، وباطل في العقل.

стр. 209

والحزب الثاني عرفوا أن هذا الكلام مبتدع، وهو مستلزم مخالفة الكتاب والسنة، وعنه ينشأ القول بأن القرآن مخلوق، وأن الله لا يُرى في الآخرة وليس فوق العرش، ونحو ذلك من بدع الجهمية فصنفوا كتباً قدموا فيها ما يدل على وجوب الاعتصام بالكتاب والسنة من القرآن والحديث وكلام السلف، وذكروا أشياء صحيحة لكنهم قد يخلطون الآثار صحيحها بضعيفها، وقد يستدلون بما لا يدل على المطلوب، وأيضاً فهم إنما يستدلون بالقرآن من جهة إخباره لا من جهة دلالته، فلا يذكرون ما فيه من الأدلة على إثبات الربوبية والوحدانية والنبوة والمعاد، وأنه قد بين الأدلة العقلية على ذلك، ولهذا سموا كتبهم أصول السنة والشريعة، ونحو ذلك وجعلوا الإيمان بالرسول – ﷺ –قد استقر فلا يحتاج إلى أن يُبَين بالأدلة الدالة عليه، فذمهم أولئك ونسبوهم إلى الجهل، إذ لم يذكروا الأصول الدالة على صدق الرسول – ﷺ – وهؤلاء ينسبون أولئك إلى البدعة، بل إلى الكفر لكونهم أصلوا أصولاً تخالف ما قاله الرسول – ﷺ – والطائفتان يلحقهما الملام لكونهما أعرضتا عن الأصول التي بينها الله بكتابه، فإنها أصول الدين، وأدلته وآياته، فلما أعرض عنها الطائفتان وقع بينهما العداوة كما قال الله – ﵎ –: ﴿فَنَسُواْ حَظّاً مِّمَّا ذُكِّرُواْ بِهِ فَأَغْرَيْنَا بَيْنَهُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاء إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ﴾ المائدة١٤.

стр. 210

وقال أيضاً: قد غلط طوائف المتكلمين غلطاً عظيماً، بل ضلوا ضلالاً مبيناً فيظنهم أن الشرع دل على المسائل الأصولية بطريق الخبر الصادق المجرد فقط، والأمر في ذلك ما عليه سلف الأمة أهل العلم والإيمان من أن الله – – بين من الأدلة العقلية التي يحتاج إليها في العلم بذلك ما لا يَقْدِرُ أحد من هؤلاء قَدْرَهُ، ونهاية ما يذكرونه جاء القرآن بخلاصته على أحسن وجه. ثم قرر شيخ الإسلام – عليه من الله الرحمة والرضوان – ذلك الكلام، بأمثلة كثيرة من آي القرآن، إليك واحداً منها فقط: قال الله – جل وعلا –: ﴿ضَرَبَ لَكُم مَّثَلاً مِنْ أَنفُسِكُمْ هَل لَّكُم مِّن مَّا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُم مِّن شُرَكَاء فِي مَا رَزَقْنَاكُمْ فَأَنتُمْ فِيهِ سَوَاء تَخَافُونَهُمْ كَخِيفَتِكُمْ أَنفُسَكُمْ كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾ الروم٢٨ فالله – – بين في هذه الآية أن المخلوق لا يكون مملوكه شريكه في ماله حتى يخاف منه كما يخاف من نظيره، بل تمتنعون أن يكون المملوك لكم نظيراً، فكيف ترضون أن تجعلوا ما هو مخلوقي ومملوكي شريكاً لي يُدْعَى ويُعْبَدُ كما أدعى وأعبد؟ كما كانوا يقولون في تلبيتهم لبيك اللهم لبيك، لبيك لا شريك لك لبيك، إلا شريكاًً هو لك، تملكه وما ملك، وهذا باب واسع عظيم جداً ليس هذا موضوعه وإنما الغرض التنبيه على أن في القرآن والحكمة النبوية عامة أصول الدين من المسائل والدلائل التي تستحق أن تكون أصول الدين (١) .

стр. 211

ومما ينبغي أن يعلم أن إدراك تلك الأدلة الدالة على أصول الملة يحصل بالنظر العادي، لأن ذلك مما فطر الله العباد على معرفته، والقول بموجبه، والرسل الكرام – عليهم الصلاة والسلام – بعثوا لتقرير الفطرة وتكميلها، لا لتغييرها وتحويلها، ولهذا كان مأخذ العقيدة الحقة عند أهل السنة الكرام نصوص الشريعة الربانية والهداية الفطرية، ولا دخل في ذلك للتعمق في النظر العقلي، ولا للتنطع في الكشف الصوفي (١) ومن سلك من ذنيك الأمرين، ضل في الدارين، وإيضاح هذا بالأمر الثاني، فدونكه:

стр. 212

ثانيهما: الذين عولوا على نظر العقول، وأخذوا بما توهموه من أمور دون الالتزام بما جاء به الرسول – ﷺ – ضلوا وأضلوا وقد تقدم قريباً اعتراف ثلاثة من أئمة العقول الكبار (إمام الحرمين، والغزالي، والرازي) بأن ما صاروا إليه بعقولهم لم يوصلهم إلا إلى الحيرة والخسارة ومن رحمة الله بهم أن وفقهم للرجوع إلى الحق وتصحيح المسار، فلا يمكن أن يتعارض نقل صحيح مع عقل صريح، وإذا وقع التعارض بينهما فالآفة في أحدهما، فإما لم يصح النقل، أو هناك تخليط في العقل، قال الشيخ ابن تيمية، عليه رحمة الله تعالى –: والرازي متناقض في عامة ما يقوله، يقرر هنا شيئاً ثم ينقضه في موضع آخر، لأن المواد العقلية التي كان ينظر فيها من كلام أهل الكلام المتبدع المذموم عند السلف، ومن كلام الفلاسفة الخارجين عن الملة تشتمل على كلام باطل كلام هؤلاء وكلام هؤلاء، فيقرر كلام طائفة ثم ينقضه في موضوع آخر، وليس هذا تعمداً منه لنصر باطل، بل يقول بحسب ما توافقه الأدلة العقلية في نظره وبحثه، فإذا وجد في المعقول بحسب نظره ما يقدح به في كلام الفلاسفة قدم به، فإن من شأنه البحث الحر بحسب ما يظهر له فهو يقدح في كلام هؤلاء بما يظهر له أنه قادح فيه من كلام هؤلاء، وكذلك يصنع بالآخرين، ولو جمع ما تبرهن في العقل الصريح من كلام هؤلاء وهؤلاء لوجد جميعه موافقاً لما جاء به الرسول – ﷺ – مطابقاً لصحيح المنقول، لكن لم يعرف هؤلاء حقيقة ما جاء به الرسول – ﷺ – وحصل اضطراب في المعقول به، فحصل نقص في معرفة السمع والعقل (١) .

стр. 213

.. وسأقرر بمثالين – زيادة عما تقدم – أن الاعتماد على العلوم النظرية العقلية العوجاء، والترهات الكشفية الهوجاء، لن تجلب لصاحبها إلا الشقاء والعناء والبلاء، فتدبر المثالين، وسل الهداية من رب الثقلين – –: المثال الأول: رجل عول على عقله، وأعرض عن هَدي ربه، فهذى بكلامه هذيان المجانين، وهو الزنديق أبو المعري اللعين، كان ذكياً ولم يكن زكياً (١) ، بقي خمساً وأربعين سنة لا يأكل اللحم، ولا البيض، ولا اللبن، ويحرم ذبح الحيوان على طريقة البراهمة من زنادقة الفلاسفة، وكان يتقوت بالنبات وغيره، وأكثر ما كان يأكل العدس (٢) ،

стр. 214

فقال له رجل لما لا تأكل اللحم؟ فقال: أرحم الحيوان، قال: فما تقول في السباع التي لا طعام لها إلا لحوم الحيوان؟ فإن كان الخالق الذي دبر ذلك فما أنت بأرأف منه، وإن كانت الطبائع المحدثة لذلك فما أنت بأحذق منها، ولا أتقن عملا ً. قال أبو يوسف القَزْوينيُّ: اجتمعت به مرة، فقال لي: لم أهْجُ أحداً قط، قال، قلت: صدقت، إلا الأنبياء – عليهم الصلاة والسلام –. ... وله أشعار كثيرة تطاول بها على الشرع الحكيم، كل واحد منها يدل على كفره وضلاله، وزندقيته وانحلاله وعمى بصيرته وخباله، فمن ذلك قوله عليه لعنة الله: فلا تَحْسَبْ مَقالَ الرُسْل ِ حَقاً ... ولكنْ قَوْلُ زُور ٍ سَطّروهُ ج وكانَ الناسُ في عيْش ٍ رَغيد ٍ ... فَجاؤا بالمُحال فَكدّروهُ وقد رد عليه الإمام ابن كثير – عليه رحمة الله تعالى – بقوله: وقلت أنا معارضة عليه: فلا تَحْسَبْ مَقالَ الرُسْل ِ ُزوراً ... ولكنْ قَوْلُ حقاً بَلَّغُوهُ وكانَ الناسُ في جَهْل ٍ عظيم ٍ ... فَجاؤا بالبَيَان َ فأوضَحُوهُ ج وفي مدارج السالكين للإمام ابن القيم – عليه رحمة الله تعالى – أبيات فيها رد على المعري اللعين وهي: وكانَ الناسُ في لبْس ٍٍ عظيم ٍ ... فَجاؤا بالبَيَان َ فأظْهَروهُ وكانَ الناسُ في جَهْل ٍ عظيم ٍ ... فَجاؤا باليقين ِ فأذهَبُوهُ

стр. 215

وكانَ الناسُ في كفْر ٍ عظيم ٍ ... فَجاؤا بالرَشاد ِ فأبْطلوهُ (١) ومن سفاهة المعري وتفاهته، وسوء رأيه وانطماس بصيرته، أنه لما دخل بغداد وأقام بها سنة وسبعة أشهر قال بها: يدٌ بخمس مئين عَسْجَدٍ وديَتْ ... ما بَالها قُطِعَتْ في رُبْع دِينَار ِ تَنَاقُضٌ مالنا إلا السُكوتُ لهُ ... وأنْ نَعُوذ بموْلانَا مِنَ النّار فعزم الفقهاء على أخذه بهذا وأمثاله منْ ضلالاته، فهرب منها طريداً، فلزم بيته قعيداً، وسمى نفسه رهين الحبسين لذلك، ولعمى بصره، ولو درى أن عمى بصيرته أشنع حبس قيد به لانكف عن ضلاله واتبع ما يسعده في حاله ومآله.
следующие страницы →