← Джавами‘

Джавами‘ · id 21782

خطب ودروس الشيخ عبد الرحيم الطحان

عبد الرحيم الطحان

Полный текст (6 674 стр.). Показаны 211–250 · переход к 216.

стр. 211

ومما ينبغي أن يعلم أن إدراك تلك الأدلة الدالة على أصول الملة يحصل بالنظر العادي، لأن ذلك مما فطر الله العباد على معرفته، والقول بموجبه، والرسل الكرام – عليهم الصلاة والسلام – بعثوا لتقرير الفطرة وتكميلها، لا لتغييرها وتحويلها، ولهذا كان مأخذ العقيدة الحقة عند أهل السنة الكرام نصوص الشريعة الربانية والهداية الفطرية، ولا دخل في ذلك للتعمق في النظر العقلي، ولا للتنطع في الكشف الصوفي (١) ومن سلك من ذنيك الأمرين، ضل في الدارين، وإيضاح هذا بالأمر الثاني، فدونكه:

стр. 212

ثانيهما: الذين عولوا على نظر العقول، وأخذوا بما توهموه من أمور دون الالتزام بما جاء به الرسول – ﷺ – ضلوا وأضلوا وقد تقدم قريباً اعتراف ثلاثة من أئمة العقول الكبار (إمام الحرمين، والغزالي، والرازي) بأن ما صاروا إليه بعقولهم لم يوصلهم إلا إلى الحيرة والخسارة ومن رحمة الله بهم أن وفقهم للرجوع إلى الحق وتصحيح المسار، فلا يمكن أن يتعارض نقل صحيح مع عقل صريح، وإذا وقع التعارض بينهما فالآفة في أحدهما، فإما لم يصح النقل، أو هناك تخليط في العقل، قال الشيخ ابن تيمية، عليه رحمة الله تعالى –: والرازي متناقض في عامة ما يقوله، يقرر هنا شيئاً ثم ينقضه في موضع آخر، لأن المواد العقلية التي كان ينظر فيها من كلام أهل الكلام المتبدع المذموم عند السلف، ومن كلام الفلاسفة الخارجين عن الملة تشتمل على كلام باطل كلام هؤلاء وكلام هؤلاء، فيقرر كلام طائفة ثم ينقضه في موضوع آخر، وليس هذا تعمداً منه لنصر باطل، بل يقول بحسب ما توافقه الأدلة العقلية في نظره وبحثه، فإذا وجد في المعقول بحسب نظره ما يقدح به في كلام الفلاسفة قدم به، فإن من شأنه البحث الحر بحسب ما يظهر له فهو يقدح في كلام هؤلاء بما يظهر له أنه قادح فيه من كلام هؤلاء، وكذلك يصنع بالآخرين، ولو جمع ما تبرهن في العقل الصريح من كلام هؤلاء وهؤلاء لوجد جميعه موافقاً لما جاء به الرسول – ﷺ – مطابقاً لصحيح المنقول، لكن لم يعرف هؤلاء حقيقة ما جاء به الرسول – ﷺ – وحصل اضطراب في المعقول به، فحصل نقص في معرفة السمع والعقل (١) .

стр. 213

.. وسأقرر بمثالين – زيادة عما تقدم – أن الاعتماد على العلوم النظرية العقلية العوجاء، والترهات الكشفية الهوجاء، لن تجلب لصاحبها إلا الشقاء والعناء والبلاء، فتدبر المثالين، وسل الهداية من رب الثقلين – –: المثال الأول: رجل عول على عقله، وأعرض عن هَدي ربه، فهذى بكلامه هذيان المجانين، وهو الزنديق أبو المعري اللعين، كان ذكياً ولم يكن زكياً (١) ، بقي خمساً وأربعين سنة لا يأكل اللحم، ولا البيض، ولا اللبن، ويحرم ذبح الحيوان على طريقة البراهمة من زنادقة الفلاسفة، وكان يتقوت بالنبات وغيره، وأكثر ما كان يأكل العدس (٢) ،

стр. 214

فقال له رجل لما لا تأكل اللحم؟ فقال: أرحم الحيوان، قال: فما تقول في السباع التي لا طعام لها إلا لحوم الحيوان؟ فإن كان الخالق الذي دبر ذلك فما أنت بأرأف منه، وإن كانت الطبائع المحدثة لذلك فما أنت بأحذق منها، ولا أتقن عملا ً. قال أبو يوسف القَزْوينيُّ: اجتمعت به مرة، فقال لي: لم أهْجُ أحداً قط، قال، قلت: صدقت، إلا الأنبياء – عليهم الصلاة والسلام –. ... وله أشعار كثيرة تطاول بها على الشرع الحكيم، كل واحد منها يدل على كفره وضلاله، وزندقيته وانحلاله وعمى بصيرته وخباله، فمن ذلك قوله عليه لعنة الله: فلا تَحْسَبْ مَقالَ الرُسْل ِ حَقاً ... ولكنْ قَوْلُ زُور ٍ سَطّروهُ ج وكانَ الناسُ في عيْش ٍ رَغيد ٍ ... فَجاؤا بالمُحال فَكدّروهُ وقد رد عليه الإمام ابن كثير – عليه رحمة الله تعالى – بقوله: وقلت أنا معارضة عليه: فلا تَحْسَبْ مَقالَ الرُسْل ِ ُزوراً ... ولكنْ قَوْلُ حقاً بَلَّغُوهُ وكانَ الناسُ في جَهْل ٍ عظيم ٍ ... فَجاؤا بالبَيَان َ فأوضَحُوهُ ج وفي مدارج السالكين للإمام ابن القيم – عليه رحمة الله تعالى – أبيات فيها رد على المعري اللعين وهي: وكانَ الناسُ في لبْس ٍٍ عظيم ٍ ... فَجاؤا بالبَيَان َ فأظْهَروهُ وكانَ الناسُ في جَهْل ٍ عظيم ٍ ... فَجاؤا باليقين ِ فأذهَبُوهُ

стр. 215

وكانَ الناسُ في كفْر ٍ عظيم ٍ ... فَجاؤا بالرَشاد ِ فأبْطلوهُ (١) ومن سفاهة المعري وتفاهته، وسوء رأيه وانطماس بصيرته، أنه لما دخل بغداد وأقام بها سنة وسبعة أشهر قال بها: يدٌ بخمس مئين عَسْجَدٍ وديَتْ ... ما بَالها قُطِعَتْ في رُبْع دِينَار ِ تَنَاقُضٌ مالنا إلا السُكوتُ لهُ ... وأنْ نَعُوذ بموْلانَا مِنَ النّار فعزم الفقهاء على أخذه بهذا وأمثاله منْ ضلالاته، فهرب منها طريداً، فلزم بيته قعيداً، وسمى نفسه رهين الحبسين لذلك، ولعمى بصره، ولو درى أن عمى بصيرته أشنع حبس قيد به لانكف عن ضلاله واتبع ما يسعده في حاله ومآله.

стр. 216

وقد فند العلماء تلك الفرية الشنعاء، قال الإمام ابن كثير – عليه رحمة الرب القدير: وهذا من إفكه، يقول: اليد ديتها خمس مائة دينار، فما لكم تقطعونها إذا سرقت ربع دينار، وهذا من قلة عقله وعلمه، وعمى بصيرته، وذلك أنه إذا جُنِيَ عليها يناسب أن يكون ديتها كثيرة لينزجر الناس عن العدوان، وأما إذا جنت هي بالسرقة فيناسب أن تقل قيمتها لينزجر الناس عن أموال الناس، وتصان أموالهم. وأجاب القاضي عبد الوهاب المالكي – عليه رحمة الله تعالى – كما في فتح الباري: صَيانةُ العُضْو ِ أغْلاها، وأرْخَصَهَا ... صَيانة ُ المَال ِ فافْهمْ حَكمَة َ البَارِي وأجابه علم الدين السخاوي – عليه رحمة الله تعالى – كما في رُوْح المعاني: عِزّ الأمَانَة أغْلاها، وأرْخصَهَا ... ذلّ الخِيَانة فافْهمْ حَكمَة َ البَارِي ... وفي مغني المحتاج الشِّرْبيني – عليه رحمة الله تعالى – سئل الإمام ابن الجوزي – عليه رحمة الله تعالى – عن هذا، فقال: لما كانت أمينة كانت ثمينة، فلما خانت هانت (١) . ومن حماقته أنه كان يستعجل الموت ظناً منه أنه يستريح، وكان يوصي بترك النكاح، ولا يرى في الإيجاد حكمة إلا العناء والتعب ومصير الأبدان إلى البلى، وأوصى أن يكتب على قبره: هذا جَنَاهُ أبي عليّ ... وما جَنَيْتُ على أحد

стр. 217

قال الإمام ابن الجوزي – عليه رحمة الله تعالى –: تأملت على قوم يدَّعون العقول، ويعترضون على حكمة الخالق، فينبغي أن يقال لهم: هذا الفهم الذي دلكم على رد حكمته أليس هو من مِنْحِهِ؟ أفأعطاكم الكمال ورضي لنفسه بالنقص؟ هذا هو الكفر الذي يزيد في القبح على الجحد، ثم بعد أن ذكر الإمام ابن الجوزي أن أول المعترضين إبليس أتبعه بذكر خليفته المعري، ونقل عنه ما تقدم ثم أتبعه بقوله: هذا لو كان كما يظن كان الإيجاد عبثاً، والحق – جل وعلا – منزه عن العبث، قال – ﷻ –: ﴿وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاء وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا بَاطِلاً﴾ ص٢٧ فإذا كان ما خُلِق لنا لم يُخْلقْ عبثاً، أفنكون نحن، ونحن مواطن معرفته، ومحال تكليفه قد وجُدِنْا عبثاً، واعجباه أو ما تقتضي العقول بوجوب طاعة الحكيم الذي تَعْجِزُ عن معرفة حِكْمَة مخلوقاته؟ فكيف تعارضه في أفعاله؟ نعوذ بالله – ﵎ – من الخذلان (١) .

стр. 218

المثال الثاني: رجل كان يدعي المكاشفات، ويتكلم بالخرافات، وهو ابن عربي صاحب الفصوص والفتوحات، قال الإمام ابن كثير – عليه رحمة الله تعالى – في ترجمته: أقام بمكة مدة، وصنف فيها كتابه المسمى بالفتوحات المكية، في نحو عشرين مجلداً، فيها ما يعقل وما لا يعقل وما ينكر وما لا ينكر، وما يعرف وما لا يعرف، وله كتابه المسمى بفصوص الحكم فيه أشياء كثيرة ظاهرها كفر صريح أ. هـ. وقال الإمام الذهبي – عليه رحمة الله تعالى – في ميزان الاعتدال: وصنف التصانيف في تصوف الفلاسفة وأهل الوحدة، فقال أشياء منكرة.

стр. 219

عدها طائفة من العلماء مروقاً وزندقة، وعدها طائفة من العلماء إشارات العارفين، ورموزا السالكين وعدها طائفة من متشابه القول، وأن ظاهرها كفر وضلال، وباطنها حق وعرفان، وأنه صحيح في نفسه كبير القدر، وآخرون يقولون: قد قال هذا الباطل والضلال فمن الذي قال إنه مات عليه، فالظاهر عندهم من حاله أنه رجع وأناب إلى الله – جل وعلا – فإنه كان عالماً بالآثار والسنن، قوي المشاركة في العلوم، وقولي أنا فيه: إنه يجوز أن يكون من أولياء الله – جل وعلا – الذين اجتذبهم الحق إلى جنابه عند الموت، وختم له بالحسنى، فأما كلامه فمن فهمه وعرفه على قواعد الاتحادية، وعلم محط القوم، وجمع بين أطراف عباراتهم تبين له الحق في خلاف قولهم، كذلك من أمعن النظر في فصوص الحكم، أو أنعم التأمل لاح له العجب، فإن الذكي إذا تأمل من ذلك الأقوال والنظائر فهو أحد رجلين: إما من الاتحادية في الباطن، وإما من المؤمنين بالله الذي يعدون أن هذه النحلة من أكفر الكفر، نسأل الله العفو، وأن يكتب الإيمان في قلوبنا، فوالله لأن يعيش المسلم جاهلاً خلف البقر، لا يعرف من العلم شيئاً سوى سور من القرآن يصلى بها الصلوات، ويؤمن بالله، وباليوم الآخر خيرٌ له بكثير من هذا العرفان، وهذه الحقائق، ولو قرأ مائة كتاب، أو عمل مائة خلوة (١) .

стр. 220

وقد عول هذا الرجل على الكشف كثيراً، فرد وأثبت وصحح وضعف بناءً على ذلك حسب زعمه فمن ذلك قوله في الفتوحات المكية: ورد في الحديث الصحيح كشفاً، الغير لثابت نقلاً عن رسول الله – ﷺ – عن ربه – جل وعز – أنه قال: "كنت كنزاً لا أعرف، فأحببت أن أعرف فخلقت الخلق فعرفتهم بي، فبي عرفوني" أ. هـ. قال الألوسي في روح المعاني: والتصحيح الكشفي شِنشِنَة لهم أ. هـ (١) .

стр. 221

أي: للصوفية، وهذا الحديث موضوع كما هو مبين في التخريج، ولا يخفى على عاقل منصف أن الحكم على الأحاديث بالصحة أو بالضعف حسبما يظهر شنشنة معوجة، وطريقة منحرفة عن الصراط المستقيم، وللشيخ العلامة المعلمي كلام سديد حول هذا الموضوع، هذه خلاصته: يقول المتصوفة: إن الكشف قد يكون حقاً، وقد يكون من الشيطان، وقد يكون تخيلاً موافقاً لحديث النفس، وصرحوا بأنه كثير ما يكشف للرجل بما يوافق رأيه حقاً كان أو باطلا ً، فالكشف إذن تبع للهوى، فغايته أن يؤيد الهوى ويرسخه في النفس ويحول بين صاحبه وبين الاعتبار والاستبصار، فكان الساعي في أن يحصل له الكشف إنما يسعى في أن يضله الله – – ولا ريب أن من التمس الهدى من غير الصراط المستقيم مستحق أن يضله الله – – وما يزعمه بعض غلاتهم من أن لهم علامات يميزون بها بين ما هو حق من الكشف، وما هو باطل دعوى فارغة، إلا ما تقدم عن أبي سليمان الداراني – عليه رحمة الله تعالى – وهو قوله: ربما تقع في قلبي النكتة من نكت القوم أياماً فلا أقبل منه إلا بشاهدين عدلين: الكتاب والسنة (١) ،

стр. 222

والمقصود الشهادة الصريحة التي يفهمها أهل العلم من الكتاب والسنة بالطريق التي كان يفهمها السلف الصالح، فأما ما عرف عن المتصوفة من تحريف النصوص بما هو أشنع وأفظع من تحريف الباطنية، فهذا لا يشهد لكشفهم، بل يشهد عليه أوضح شهادة بأنه من أبطال الباطل (١) .

стр. 223

قال الإمام ابن القيم – عليه رحمة الله تعالى – ومن كيد الشيطان ما ألقاه إلى جهال المتصوفة من الشطح والطامات، وأبرزه لهم في قالب الكشف من الخيالات، فأوقعهم في أنواع الأباطيل والترهات، وفتح لهم أبواب الدعاوى الهائلات، وأوحى إليهم: أن وراء العلم طريقاً إن سلكوه أفضى بهم إلى كشف العيان، وأغناهم عن التقيد بالسنة والقرآن، فحسن لهم رياضة النفوس وتهذيبها، وتصفية الأخلاق والتجافي عما عليه أهل الدنيا، وأهل الرياسة والفقهاء وأرباب العلوم، والعقل على تفريغ القلب وخلوه من كل شيء حتى ينقش فيه الحق بلا واسطة تعلم، فلما خلا من صورة العلم الذي جاء به الرسول – ﷺ – نقش فيه الشيطان بحسب ما هو مستعد له من أنواع الباطل، وخيله للنفس حتى جعله كالمشاهدة كشفاً وعياناً، فإذا أنكره عليهم ورثة الرسل – عليهم الصلاة والسلام – قالوا: لكم العلم الظاهر، ولنا الكشف الباطن، ولكن ظاهر الشريعة وعندنا باطن الحقيقة، ولكن القشور، ولنا اللباب، فلما تمكن هذا من قلوبهم سلخها من الكتاب والسنة والآثار كما ينسلخ الليل من النهار، ثم أحالهم في سلوكهم على تلك الخيالات، وأوهمهم أنها من الآيات البينات، وأنها من قِبَل الله – – إلهامات وتعريفات، فلا تعرض على السنة والقرآن، ولا تعامل إلا بالقبول والإذعان فليغفر الله لا له – – ما يفتحه عليهم الشيطان من الخيالات والشطحات، وأنواع الهذيان، وكلما ازداد بعداً وإعراضاً عن القرآن، وما جاء به الرسول – ﷺ – كان هذا الفتح على قلوبهم أعظم (١) .

стр. 224

قال مقيد هذه الصفات – ستره رب الأرض والسماوات –: نعوذ بالله الجليل مما أدركناه في هذه الأوقات، فقد ظهر أناس بطونهم منتفخة من أكل الحرام، ويتوهمون – مع هذا أنهم متصلون بالملك العلام، وأنه يفتح لهم ما لا يخطر بالحسبان، وقد اجتمعت ببعض أولئك الضلال فقال لي: أنتم أهل القال، ونحن أهل الحال، وأنتم تأخذون من أوراق، ونحن نأخذ من الخلاق، وجرى لي معهم ما يطول، وأسأل الله العظيم أن يقطع دابرهم إنه خير مسئول.

стр. 225

فاستمسك أيها المسترشد بما تركه نبينا – ﷺ – من قرآن وسنة ورد إليهما جميع أمورك لتكون من المهتدين، ولئلا يلبس عليك الشيطان الرجيم، فهذا عمر بن الخطاب أمير المؤمنين – رضي الله تعالى عنه – وإمام المُحَدِّثين كما أخبر بذلك الصادق الأمين – عليه صلوات الله وسلامه – بقوله: "لقد كان فيمن كان قبلكم من الأمم ناس مُحَدَّثُون من غير أن يكونوا أنبياء فإن يكن في أمتي أحد فإنه عمر (١)

стр. 226

" وكان مرجعه في جميع أموره الشرع لا ما يلقى في رُوْعِهِ عن طريق إلهام أو يحصل في صدره في يقظة أو منام، حفظنا الله بالإسلام، وحفظ لنا الإيمان، ومن علينا بحسن الختام، إنه كريم رحمن. ثالث الأمور وخاتمتها: وهي خاتمة المبحث الأول الشريف: إذا كان التعويل على العقول والآراء سبب كل فتنة وبلاء، وأصل كل زيغ وشقاء، وقد هلك بسبب ذلك خلق كثير لا يعلمهم إلا رب الأرض والسماء، وهم عند أهل الأرض في عداد الأذكياء، ولكنهم من الزكاء عَرَاء، فالواجب عليك أيها المسترشد أن تلجأ إلى رب الأرض والسماء، وأن تستغيث به أعظم من استغاثة الغريق في لجج الماء، وليحفظك ربنا – جل وعلا – من الفتن والأهواء، ولتكون من الأكياس أهل الاهتداء، وأنفع ما تقوله من الدعاء، ليحصل لك البرء والشفاء ما كان يردده إمام الأنبياء – على نبينا وعليهم جميعاً الصلاة والسلام – عندما يقوم لعبادة مولاه في الليالي الظلماء ثبت في صحيح مسلم والسنن الأربعة عن أمنا عائشة – رضي الله تعالى عنها – أنها قالت: كان النبي – ﷺ – إذا قام الليل افتتح صلاته: "اللهم رب جبرائيل وميكائيل وإسرافيل فاطر السموات والأرض عالم الغيب والشهادة أنت تحكم بين عبادك فيما كانوا فيه يختلفون. اهدني لما اختلف فيه من الحق بإذنك إنك تهدي من تشاء إلى صراط مستقيم" (١) .

стр. 227

ففي هذا الحديث الشريف الجليل يتوجه نبينا – ﷺ – إلى العلي القدير، بربوبيته لجبرائيل وميكائيل وإسرافيل أن يهديه لما اختلف فيه من الحق بإذنه، إذ حياة القلب بالهداية، وقد وكل الله – جل وعلا – الثلاثة بالحياة، فجبرائيل موكل بالوحي الذي هو سبب حياة القلوب، وميكائيل موكل بالمطر الذي هو سبب حياة الأبدان وسائر الحيوان، وإسرافيل موكل بالنفخ في الصور الذي هو سبب حياة العالم، وعود الأرواح إلى أجسادها، فالتوسل إلى الله – جل وعلا – بربوبيته لهذه الأرواح العظيمة الموكله بالحياة له تأثير عظيم في حصول المطلوب، والله المستعان وعليه التكلان. (١)

стр. 228

واعلم أيها المهتدي الذكي، أنه لا خلاص لك من عدوك الغوي، إلا بالالتجاء إلى ربك القاهر القوي، فللشيطان سبعة طرق ينصبها للناس، لا يسلم من غوائها إلا الأكياس، وبيانها ضروري ليحترس منها المسترشد الزكي، فدونكها كما قرر الإمام ابن القيم التقي – نضر الله وجهه البهي – فما إخالك تحظى ببيانها في غير تحقيقه القيم النقي. قال – رحمه الله تعالى –: إن الشيطان يريد أن يظفر بالإنسان في عقبةٍ من سبع عقبات، بعضها أصعب من بعض، لا ينزل من العقبة الشاقة إلى ما دونها إلا إذا عجزعن الظفر به فيها. العقبة الأولى: عقبة الكفر بالله – جل وعلا – وبدينه، ولقائه، وبصفات كماله، وبما أخبرت به رسله – عليهم الصلاة والسلام – عنه، فإنه إن ظفر به في هذه العقبة بردت نار عداوته واستراح فإن اقتحم هذه العقبة ونجا منها ببصيرة الهداية، وسلم معه نور الإيمان، طلبه على: العقبة الثانية: وهي عقبة البدعة، إما باعتقاد خلاف الحق الذي أرسل الله – جل وعلا – به رسوله – ﷺ – وأنزل به كتابه، وإما بالتعبد بما لم يأذن به الله – ﵎ – من الأوضاع والرسوم المحدثة في الدين التي لا يقبل الله منها شيئاً، والبدعتان في الغالب متلازمتان، قل أن تنفك إحداهما عن الأخرى، كما قال بعضهم: تزوجت بدعة الأقوال ببدعة الأعمال، فاشتغل الزوجان بالعرس، فلم يفجأهم إلا أولاد الزنا يعيثون في بلاد الإسلام، تضج منهم العباد والبلاد إلى الله – جل وعلا – وقال شيخنا – هو الإمام ابن تيمية رحمه الله تعالى –: تزوجت الحقيقة الكافرة بالبدعة الفاجرة، فتولد بينهما خسران الدنيا والآخرة، فإن قطع هذه العقبة، وخلص منها بنور السنة واعتصم منها بحقيقة المتابعة، وما مضى عليه السلف الأخيار من الصحابة والتابعين لهم بإحسان – رضي الله تعالى عنهم أجمعين –.

стр. 229

وهيهات أن تسمح الأعصار المتأخرة بواحد من هذا الضرب، فإن سمحت به نصب له أهل البدع الحبائل، وبغوه الغوائل، وقالوا: مبتدع محدث (١) فإذا وفقه الله – جل وعلا – لقطع المبحث الثاني: طريقة أهل السنة الكرام في صفات الرحيم الرحمن – جل وعلا –: تقدم في المبحث السابق أن مصدر الكلام في صفات الملك العلام منحصر فيما بينه خير الأنام – ﵊ –، وقد تقدم سرد الأدلة الدالة على كون النبي – ﷺ – بين أسماء الله وصفاته بياناً محكماً سديداً، وفصل الكلام في هذا تفصيلا ً رشيداً فلسنا بعد بيانه وتفصيله بحاجة إلى بيان أحدٍ أو تأويله، ولذلك عول أهل السنة الكرام في إيمانهم بصفات الرحمن على ما ورد في القرآن، وثبت عن النبي – ﷺ –، وعليه درج الصحابة الكرام، وتابعوهم بإحسان.

стр. 230

وطريقة إيمان أهل السنة بصفات ربهم منحصرة أيضاً في الطريقة الثابتة عن نبينهم – ﷺ –، وعليها سار الصالحون من أسلافهم، وتتلخص بكلمتين اثنتين: الإقرار والإمرار، أي: يجرون الصفة كما وردت فيقرون بمضمونها، ويجزمون بأنها على ظاهرها حسبما يليق بكمال الموصوف بها – – دون محاولة البحث عن حقيقتها وكيفيتها إذ لا يعلم ذلك إلا المتصف بها – جل وعلا –، وليس كمثله شيء، كما أخبر ربنا – جل وعلا – بذلك عن نفسه بقوله: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ﴾ الشورى١١ وهذا شامل لنفي المثيل له في الذات والصفات والأفعال.

стр. 231

قال الإمام ابن القيم – عليه رحمة الله تعالى – في أوائل كتاب القيم "الصواعق المرسلة على الجهمية والمعطلة: تنازع الناس في كثير من الأحكام، ولم يتنازعوا في آيات الصفات وأخبارها في موضع واحد، بل اتفق الصحابة الكرام والتابعون لهم بإحسان – رضي الله تعالى عنهم أجمعين – على إقرارها وإمرارها مع فهم معانيها، وإثبات حقائقها، وهذا يدل على أنها أعظم النوعين بياناً، وأن العناية ببيانها أهم، لأنها من تمام الشهادتين، وإثباتهما من لوازم التوحيد، فبينها الله – – ورسوله – ﷺ – بياناً شافياً لا يقع فيه لبس للراسخين في العلم، وآيات الأحكام لا يكاد يفهم معانيها إلا الخاصة من الناس، وأما آيات الصفات فيشترك في فهم معناها الخاص والعام، وأعني فهم أصل المعنى، لا فهم الكنه والكيفية أ. هـ (١) .

стр. 232

فإثبات أهل السنة الكرام لصفات الكريم الرحمن إثبات وجود لا إثبات تحديد وتكييف (١) وبعبارة أخرى: تقوم طريقتهم على إثبات الأسماء والصفات مع نفي مماثلتها للمخلوقات. إثباتاً بلا تمثيل، وتنزيهاً بلا تعطيل، كما قال العلي الكبير: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ﴾ الشورى١١ ففي قوله – جل وعلى –: "لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ" رد للتشبيه والتمثيل، وفي قوله: " وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ " رد للإلحاد والتعطيل (٢) .

стр. 233

ويمكن أن يقال بناء على ما سبق: إن أهل السنة الكرام يؤمنون بصفات الله – جل وعز – من غير تحريف ولا تمثيل، ولا تشبيه ولا تعطيل، ولا إلحاد في صفات الله الجليل، وهذه المحترزات تتكرر في كتب التوحيد، فإليك بيان ما يراد بها على وجه التحديد. ١- التحريف: معناه في اللغة التغيير والتبديل، وأصله من الانحراف عن الشيء والتحريف عنه قال الله – جل وعلا –: ﴿أَفَتَطْمَعُونَ أَن يُؤْمِنُواْ لَكُمْ وَقَدْ كَانَ فَرِيقٌ مِّنْهُمْ يَسْمَعُونَ كَلاَمَ اللهِ ثُمَّ يُحَرِّفُونَهُ مِن بَعْدِ مَا عَقَلُوهُ وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ البقرة٧٥، وذلك التحريف من اليهود – عليهم لعنة الله – شامل لتحريف اللفظ أي تغييره وتبديله، كما هو شامل لتحريف المعنى وتغييره والأمران منهما فعليهم لعنة ربنا (١) . والمراد من التحريف في الاصطلاح: تغيير النص لفظاً، أو معنى، وقد يصاحب التغيير اللفظي تغير في المعنى، وعليه تصبح أقسام التحريف ثلاثة: أولها: تحريف معنوي: ومنه تفسير المؤولة للاستواء في قول رب الأرض والسماء: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ طه ٥ باستولى. وقال الإمام ابن القيم – عليه رحمة الله تعالى – في القصيدة النونية: نُونُ اليهود ولامُ جهيميٍّ هما ... في وحي ربّ العَرْشِ زائدتان

стр. 234

ويشير الإمام ابن القيم بقوله: "نون اليهود" إلى قول الله – جل وعز –: ﴿وَإِذْ قُلْنَا ادْخُلُواْ هَذِهِ الْقَرْيَةَ فَكُلُواْ مِنْهَا حَيْثُ شِئْتُمْ رَغَداً وَادْخُلُواْ الْبَابَ سُجَّداً وَقُولُواْ حِطَّةٌ نَّغْفِرْ لَكُمْ خَطَايَاكُمْ وَسَنَزِيدُ الْمُحْسِنِينَ﴾ البقرة ومعنى "حطة": حُط عنا خطايانا، واغفر لنا ذنوبنا، فبدلوا ذلك القول، وقالوا: حنطة في شعرة، كما بدلوا الفعل فدخلوا يزحفون على أستاهم بدلا ً من السجود لربهم.

стр. 235

ولذلك قال ربنا – جل وعلا – عقيب الآيتين المتقدمين: ﴿فَبَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُواْ قَوْلاً غَيْرَ الَّذِي قِيلَ لَهُمْ فَأَنزَلْنَا عَلَى الَّذِينَ ظَلَمُواْ رِجْزاً مِّنَ السَّمَاء بِمَا كَانُواْ يَفْسُقُونَ﴾ البقرة٥٩، ﴿فَبَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُواْ مِنْهُمْ قَوْلاً غَيْرَ الَّذِي قِيلَ لَهُمْ فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِجْزاً مِّنَ السَّمَاءِ بِمَا كَانُواْ يَظْلِمُونَ﴾ الأعراف١٦٢ (١) ،

стр. 236

وفي المسند عن أبي هريرة – رضي الله تعالى عنه – عن النبي – ﷺ – في قوله – –: " وَادْخُلُواْ الْبَابَ سُجَّداً " قال: فدخلوا زحفاً، " وَقُولُواْ حِطَّةٌ " قال: بدلوا، فقالوا: حنطة في شعرة، وفي الصحيحين وغيرهما عن أبي هريرة – رضي الله تعالى عنه – قال: قال رسول الله – ﷺ –: قيل لبني إسرائيل: " وَادْخُلُواْ الْبَابَ سُجَّداً وَقُولُواْ حِطَّةٌ نَّغْفِرْ لَكُمْ خَطَايَاكُمْ " فبدلوا فدخلوا يزحفون على أستاهم، وقالوا: حبة في شعرة (١) . وقد أشار الإمام ابن القيم إلى ذلك في القصيدة النونية بقوله:

стр. 237

أمِرَ اليهودُ بأنْ يقولوا حِطَّة ٌ ... فأبواْ وقالوا حِنطَة ٌ لِهَوَان ِ وكذلك الجهميُّ قيل له استوى ... فأبى وزادَ الحرفَ للنُقْصان قال استوى استولى وذا مِنْ جهله ... لغة ً وعقلا ً ما هما سيان عشرون وجهاً تُبْطِلُ التأويلَ باستولى ... فلا تَخْرُجْ عن القرآن قد أفْردَتْ بمصنَّفٍ هو عندنا ... تصنيف حَبْر ٍ عالم ٍ ربّاني ولقد ذكرْنا أربعين طريقة ً ... قد أبطلتْ هذا بحُسْن بيان هي في الصواعق إن تُردْ تحقيقها ... لا تخفى إلى على العُميان نُونُ اليهود ولامُ جهيمي ٍّ هما ... في وحي ربّ العَرْش ِ زائدتان (١) ثانيها: تحريف لفظي مقصود متعمد لينتج عنه تحريف في المعنى المطلوب المعتمد:

стр. 238

ويروى أن رجلا ً من الجهمية الشياطين، جاء إلى شيخ المسلمين، أبي عمرو بن العلاء الثقة الأمين مقرئ كتاب رب العالمين، وطلب منه قراءة قول الله الكريم: ﴿وَكَلَّمَ اللهُ مُوسَى تَكْلِيماً﴾ النساء١٦٤ بنصب لفظ الجلالة، ومراده بذلك نفي صفة الكلام عن الرحمن – جل وعلا – ليكون المتكلم موسى – على نبينا وعليه الصلاة والسلام – وكلامه مع رب العالمين، بمنزلة أدعية المؤمنين، فهم يسألون مالك يوم الدين، ولا يكلمهم أحكم الحاكمين، فقال الإمام أبو عمرو بن العلاء لذلك العاتي قائد السفهاء: هب أني فعلت ما تريد، فما تقول في قول الرب المجيد: ﴿وَلَمَّا جَاء مُوسَى لِمِيقَاتِنَا وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ﴾ الأعراف١٤٣ فبهت الجهمي، وانقلب وهو خاسر شقي (١) . وروى الخطيب في تاريخ بغداد أن رجلا ً قال لركن الاعتزال، المائل عن الاعتدال عمرو بن عبيد الضال، أخبرني عن قول الله – جل وعلا –: ﴿تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ﴾ المسد١ أكانت في اللوح المحفوظ؟ فقال عمرو الزائغ: ليس هكذا كانت، فقال الرجل: وكيف كانت؟ فقال عمرو الخبيث: كانت تبت يدا من عمل بمثل ما عمل أبو لهب، فقال الرجل: هكذا ينبغي أن تقرأ إذا قمنا إلى الصلاة فغضب عمرو، وقال: لو كان الأمر كما تقول ما كان على أبي لهب من لوم، وليس لله على ابن آدم حجة (٢) .

стр. 239

وهذا القول من الضال الغوي، المنحرف عن الصراط السوي من ذهاب لبه، وفساد عقله، وانطماس قلبه، وإلا فلو درى ما يقول، لعلم صحة ما أتى به الرسول – ﷺ – فالله – جل وعلا – قدر الأمور، وكتبها في اللوح المسطور، حسبما علم من حال عباده، فربهم بصير غفور، قال الله – جل وعلا –: ﴿مَا أَصَابَ مِن مُّصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي أَنفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتَابٍ مِّن قَبْلِ أَن نَّبْرَأَهَا إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ لِكَيْلَا تَأْسَوْا عَلَى مَا فَاتَكُمْ وَلَا تَفْرَحُوا بِمَا آتَاكُمْ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ﴾ الحديد٢٢-٢٣، قال الحافظ ابن كثير – رحمه الله تعالى –: وهذه الآية الكريمة العظيمة من أدل دليل على القدرية نفاة العلم السابق – قبحهم الله تعالى –. وقد ثبت عن نبينا – ﷺ – أنه قال: "قدر الله المقادير قبل أن يخلق السموات والأرض بخمسين ألف سنة" (١) . تمت التصحيح إلى هنا *** على الفلاش

стр. 240

ثالثها: تحريف لفظي غير مقصود، وقد يلازمه تغير في المعنى أيضاً دون قصد له من الفاعل كما أنه لم يقصد ما تسبب إليه من التحريف اللفظي، ويقع في هذا الأمر عوام المسلمين الذين لم يتلقوا القرآن من الأئمة المتقنين، وقد سمعت بأذني فظائع مريرة من تلاواتهم لكلام الله، عندما يكونون في بيوت الله، فمن ذلك مثلا ً قراءة بعض الجهلة المغفلين: ﴿خُلِقَ الْإِنسَانُ مِنْ عَجَلٍ﴾ (١) الأنبياء ٣٧ بالعين المكسورة، والجيم الساكنة، وغير ذلك كثير وكثير. ... وهذا القسم الثالث لا غرض لنا ببحثه في علم التوحيد، وإنما ذكرته استكمالا ً للقسمة، واستيفاء للبيان، والقسمان الأولان هما المقصودان بقول أهل السنة الكرام، يجب الإيمان بصفات الرحمن من غير تحريف من قبل الإنسان، وكل من القسمين شر من الآخر من وجه، فأصحاب تحريف الألفاظ عدلوا باللفظ والمعنى جميعاً عما هما عليه، فأفسدوا اللفظ والمعنى، فهم شر من أصحاب تحريف المعنى فقط من هذا الوجه، وأصحاب تحريف المعنى شر من هؤلاء من حيث أنهم أفسدوا المعنى وتركوا اللفظ على حاله، فحصل بينهما التنافر، وكل منهما على ضلال وفي ضلال (٢) .

стр. 241

.. ٢-٣ التمثيل والتشبيه، يقصد بهذين اللفظين إثبات مثيل وشبيه لرب الكونين – جل وعلا – وقياس رب الأرض والسموات، وماله من صفات كريمات ـ على الحالة المعروفة في المخلوقات، وما يقوم بهم من صفات ناقصات قاصرات. وليس بعد شناعة التمثيل والتشبيه شناعة ولا سفاهة، فقبحاً ثم قبحاً لعقول أهل الزيغ والتباب، إذ سوت تلك العقول السقيات القاصرات بين الخالق الملك الوهاب، وبين المخلوق من تراب، وأفٍ وتُفٍ لهاتيك العقول العفنة المرذولة حيث ساء ظنها بفاطرها، ففهمت من صفاته ما تفهمه في حق نفسها، وبذلك حق عليها قول رب كل شيء وربها في مطلع سورة الأنعام: ﴿الْحَمْدُ لِلّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ وَجَعَلَ الظُّلُمَاتِ وَالنُّورَ ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ بِرَبِّهِم يَعْدِلُونَ﴾ الأنعام١ أي يعدلون عن العبادة الخالصة لله رب العالمين، ويسوون به بعض مخلوقاته العاجزين لأن قوله – جل وعلا –: " يَعْدِلُونَ " من العدل، وهو إما بمعنى العدول أو بمعنى التسوية وأتى بـ " ثُمَّ " لدلالة على قبح فعل الكافرين، فخلق الله للسموات والأرض قد تقرر وظهر، وآياته قد سطعت ووضحت، وإنعامه بذلك قد تبين وتحقق، ثم بعد ذلك كله عدل الزائغون عن عبادة ربهم، وسووا به من هو من جنسهم – تعالى الله عما يقول الظالمون علواً كبيراً – (١) . ومما ينبغي التنبيه عليه أن كلا من لفظي التشبيه والتمثيل يشمل الآخر، ويدل على ما يدل عليه، وقد يفرق بينهما في الاستعمال فيطلق التمثيل على من سوى الله بمخلوقاته من كل وجه وأما التشبيه فيطلق على من شبه الرب المعبود بالعبد الكنود في أكثر الصفات أو بعضها.

стр. 242

.. وقد وردت النصوص الشرعية في نفي التمثيل والتشبيه عن رب البرية، والإنكار على من فعل ذلك من ذوي العقول الردية، قال الله – جل وعلا –: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ اللَّهُ الصَّمَدُ لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ وَلَمْ يَكُن لَّهُ كُفُواً أَحَدٌ﴾ الإخلاص، والكفء هو المثيل المكافيء، والنظير المساوي والتسبيه المعادل (١)

стр. 243

فالله – جل وعلا – لا يماثله شيء من المخلوقات، ولا نظير له في البريات ولا يشبهه شيء من الموجودات وقال – ﵎ –: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُواْ رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ ﴿الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الأَرْضَ فِرَاشاً وَالسَّمَاء بِنَاء وَأَنزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقاً لَّكُمْ فَلاَ تَجْعَلُواْ لِلّهِ أَندَاداً وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ البقرة ٢١-٢٢، والأنداد جمع ند، وملخص كلام أهل اللغة والمفسرين فيه أنه: المثل المناوئ، والنظير المخالف، والشبيه المضاهي المقاوم، فالكفء أعم، والند أخص، فالأول يقال في حصول المماثلة بين الشيئين، ولا يقال الثاني إلا إذا كان بين المثلين خلاف ومادة، وخصومة ومشادة، ومنازعة ومضادة، فاللفظ مأخوذ من ند البعير إذا شرد ونفر كما في لسان العرب، وقال الرازي – رحمه الله تعالى –: الند هو المثل المنازع، وناددت الرجل: نافرته، من ند ندوداً إذا نفر، كأن كل واحد من الندين يناد صاحبه، أي ينافره ويعانده، فإن قيل: إنهم لم يقولوا: إن الأصنام – وهكذا سائر المعبودات من دون الرحمن – تنازع الله – جل وعلا –؟ قلنا: لما عبدوها، وسموها آلهة أشبهت حالهم حال من يعتقد أنها آلهة قادرة على منازعته، قيل لهم ذلك على سبيل التهكم، وكما تهكم بلفظ الند شنع عليهم بأنهم جعلوا أنداداً كثيرة لمن لا يصلح أن يكون ند فقط (١) .

стр. 244

وهذا كما قال الله – جل وعلا –: ﴿وَاتَّخَذُوا مِن دُونِ اللَّهِ آلِهَةً لِّيَكُونُوا لَهُمْ عِزّاً كَلَّا سَيَكْفُرُونَ بِعِبَادَتِهِمْ وَيَكُونُونَ عَلَيْهِمْ ضِدّاً﴾ مريم ٨١-٨٢، وقال – ﷻ –: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَن يَتَّخِذُ مِن دُونِ اللهِ أَندَاداً يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللهِ وَالَّذِينَ آمَنُواْ أَشَدُّ حُبّاً لِّلّهِ وَلَوْ يَرَى الَّذِينَ ظَلَمُواْ إِذْ يَرَوْنَ الْعَذَابَ أَنَّ الْقُوَّةَ لِلّهِ جَمِيعاً وَأَنَّ اللهَ شَدِيدُ الْعَذَابِ﴾ البقرة١٦٥، وقال – جل وعلا –: ﴿وَجَعَلُواْ لِلّهِ أَندَاداً لِّيُضِلُّواْ عَن سَبِيلِهِ قُلْ تَمَتَّعُواْ فَإِنَّ مَصِيرَكُمْ إِلَى النَّارِ﴾ إبراهيم٣٠. وكما نفى الله الجليل عن نفسه الكريمة الكفء، والند، وذم من نسب إليه شيئاً منهما، فقد نفى عنه أيضاً ذينك الأمرين عن طريق السمي عنه كما قال – جل وعلا –: ﴿رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا فَاعْبُدْهُ وَاصْطَبِرْ لِعِبَادَتِهِ هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيّاً﴾ مريم٦٥ والسمي هو النظير المسامي والشبيه المضاهي وقد فسره ابن عباس – رضي الله تعالى عنهما – بالمثل والشبيه فقال: "هل تعلم له سميا" هل تعلم للرب مثلا ً أو شبيهاً؟ والاستفهام إنكاري بمعنى النفي والمراد من إنكار العلم ونفيه إنكار المعلوم ونفيه على أبلغ وجه وآكده (١) .

стр. 245

وقد نفى الله – ﷻ – مشابهته لغيره في أي معنى من المعاني عن طريق نفي المثل عنه فقال – –: ﴿فَاطِرُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ جَعَلَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجاً وَمِنَ الْأَنْعَامِ أَزْوَاجاً يَذْرَؤُكُمْ فِيهِ لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ﴾ الشورى١١ فنفى المثل عنه – جل وعز – يقتضي نفي المشابهة لغيره في أي معنى من المعاني، لأن لفظ "المثل" أعم الألفاظ الموضوعة للمشابهة وذلك لأن الند يقال: في حال تماثلهما مع حصول النفرة بينهما، والشبه يقال فيما يشارك في الكيفية فقط، والمساوي يقال فيها يشارك في الكمية فقط، والشكل يقال فيما يشاركه في القدر والمساحة فقط، والمثل عام في جميع ذلك، قال الراغب في مفرداته: ولهذا لما أراد الله – ﷻ – نفي التشبيه من كل وجه خصه بالذكر فقال – عز من قائل –: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ﴾ الشورى١١. قال مقيد هذه الكلمات – غفر الله الكريم له الزلات – يتحدد وجه صلة هذه الآية الكريمة بما قبلها بأمرين: ١) لما تقدم التنصيص على خلق أزواجنا من جنسنا، وخلق أزواج الأنعام من جنسها أيضاً، في قوله تعالى – جل وعلا –: " جَعَلَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجاً وَمِنَ الْأَنْعَامِ أَزْوَاجاً " أي: وخلق للأنعام من جنسها أزواجاً كما خلق لنا من أنفسنا أزواجاً، فلكل جنس ما يلائمه، ولكل صنف ما يشاكله، أتبع ربنا ذلك ببيان مباينته لغيره، وعدم موافقته لهم في معنى من المعاني ومن جملة ذلك وجود مثيل له يزاوجه، ويرتبط به ويلازمه، فقال – جل وعلا –: " لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ " فالمعنى في هذه الآية الكريمة كالمعنى في نفي الكفء في سورة الإخلاص الحكيمة.

стр. 246

٢) لما قدم ربنا العزيز، تقرير انفراده بتدبير أمور مخلوقاته على الوجه المحكم البديع، أتبع – جل وعلا – ذلك ببيان نفي حصول شيء من ذلك عن طريق غيره، لأنه – ﷻ – لا مثيل له في أمر من الأمور، كما قال العزيز الغفور: ﴿أَفَمَنْ هُوَ قَآئِمٌ عَلَى كُلِّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ وَجَعَلُواْ لِلّهِ شُرَكَاء قُلْ سَمُّوهُمْ أَمْ تُنَبِّئُونَهُ بِمَا لاَ يَعْلَمُ فِي الأَرْضِ أَم بِظَاهِرٍ مِّنَ الْقَوْلِ بَلْ زُيِّنَ لِلَّذِينَ كَفَرُواْ مَكْرُهُمْ وَصُدُّواْ عَنِ السَّبِيلِ وَمَن يُضْلِلِ اللهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ﴾ الرعد٣٣. ... هذا فيما يتعلق بصلة الآية الكريمة بما قبلها، وأما فيما يتعلق ببيان معنى "كمثله" ففي ذلك ستة أقوال يحتملها كلام الكبير المتعال. أ) الكاف صلة زائدة للتوكيد، والمعنى: ليس مثله شيءٌ. ب) لفظ "مثل" زايد للتوكيد، وأدخل ذلك اللفظ في الكلام لأن معناه كمعنى الكاف فيحصل باجتماعها مزيد توكيد وتقرير، والمعنى: ليس كهو شيءٌُ. جـ) كل منهما باق على أصله، ولا يلزم من الكلام محذور ألبته، لأن نفي مثل المثل يستلزم نفي المثل أيضاً، فلو قدر وجود مثل لله – ﷻ – لكان لذلك المثل مثل قطعنا وهو الله الإله الحق نفسه،، لأن كل متماثلين يعد كلاهما مثلا ً لصاحبه فلا يتم انتفاء مثل المثل إلا بانتفاء المثل، فثبت أنه لا مثل لله رب العالمين – ﷻ – ونفى بـ "ليس" الكاف والمثل، وفرق بينهما لتأكيد النفي، وتنبيهاً إلى أنه لا يصح استعمال أحدهما في حق مولانا وربنا – جل وعز –. د) المثل بمعنى الصفة، والمعنى: ليس كصفته صفة تنبيهاً على أنه وإن وصف بكثير مما وصف البشر، فليس تلك الصفات له على حسب ما يستعمل في البشر.

стр. 247

هـ) الجمع بين الكاف والمثل أفاد نفي المماثلة، وما يقرب منها على أتم وجه، وأحكم صورة، فلو قيل: "ليس مثله شيء" لربما فهم من لفظ المثل: المثل التام في المماثلة، وعليه فيكون النفي للمثل المكافئ فقط، وقد يرتب على ذلك قاصروا النظر، بأنه إذا لم يكن هناك رتبة تضارع الألوهية، فقد يوجد ما يليها، عن طريق حصول شبه ما بين رب العالمين، وبعض عباده المقربين، وذلك المعنى المنظر نُحِيَّ وزال باقتران الكاف مع لفظ المثال، فكأنه قال: ليس هناك شيء يشبه أن يكون مثلا ً لله – جل وعلا – فضلا ً عن أن يكون مثيلا ً له على الحقيقة، وهذا من باب التنبيه بالأدنى على الأعلى على حد قول الله – جل وعز –: ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلاَّ تَعْبُدُواْ إِلاَّ إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِندَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلاَهُمَا فَلاَ تَقُل لَّهُمَا أُفٍّ وَلاَ تَنْهَرْهُمَا وَقُل لَّهُمَا قَوْلاً كَرِيماً﴾ الإسراء٢٣ حيث نص على النهي عن يسير الأذى صريحاً، وعما فوقه بطريق الأحرى.

стр. 248

و) المراد من لفظ "مثله" ذاته، وعدل عن ذلك، وعن ليس كالله شيء للدلالة على أن من كانت له تلك الصفات الحسنى، وذلك المثل الأعلى، لا يمكن أن يكون له شبيه ولا يتسع الوجود لاثنين من جنسه، فلذلك جيء باللفظين ليؤدي كل منهما معنى المماثلة، وليقوم أحدهما ركناً في الدعوى، والآخر دعامة لها برهاناً. فالتشبيه المدلول عليه "بالكاف لما تصوب إليه النفي تأدى به أصل التوحيد المطلوب، ولفظ "المثل" المصرح به في مقام لفظ الجلالة، أو ضميره نبه على برهان ذلك المطلوب، وهذا مثال من أراد نفي نقيصة من امرئ في خلقه فقال: مثل فلان لا يكذب ولا يبخل، ولا يقصد المشير بتلك الإشارة إلى شخص آخر يماثله وهو منزه عن تلك النقائص، بل مراده من تلك الجملة تبرئة الممدوح والثناء عليه ببرهان كلي، وهو أن من يكون على مثل صفاته، وشيمه الكريمة لا يكون كذلك، لوجود التنافي بين طبيعة هذه الصفات، وبين ذلك النقص الموهوم.

стр. 249

.. وصفوة المقال: إن ذات الله – ﷻ – ليست كذوات المخلوقات التي تقبل التعدد والاشتراك والتماثل في مفهومها، كلا، فإن الذي يقبل ذلك إنما هو الكمال الإضافي الناقص أما الكما التام المطلق الذي هو قوام في الإلهية في الحي القيوم، وحقيقة ذلك تأبى على العقل أن يقبل فيها المشابهة، والإثنينية، لأنك مهما حققت معرفة الإله معرفة حقيقية، وجدت إنشاءً لكل شيء، وسلطاناً على كل شيء، وعلواً فوق كل شيء، فلو ذهبت تفترض اثنين يشتركان في هذه الصفات لتناقضت، إذ جعل كل واحد منهما سابقاً مسبوقاً، ومنشئاً منشأ ً، مستعلياً مستعلىً عليه، أو لأحلت الكمال المطلق إلى كمال مقيد فيهما، إذ تجعل كل واحد منهما بالإضافة إلى صاحبه ليس سابقاً ولا مستعلياً، فأنى يكون كل منهما إلاهاً، وللإله المثل الأعلى (١) .

стр. 250

.. وبالختام أقول: إن النصوص الشرعية نفت عن ذات ربنا العلية، الكفء والند والسمي والمثل ودخل في ذلك نفي الشبيه عن الرحمن، كما تقدم على ذلك البرهان، حسب لغة العرب وفهم السلف الكرام، وقد آثر شيخ الإسلام في العقيدة الواسطية الاقتصار على نفي ما ورد به النص صراحة، فقال: ومن الإيمان بالله بما وصف به نفسه في كتابه وبما وصفه رسوله – ﷺ – من غير تحريف ولا تعطيل، ومن غير تكييف ولا تمثيل، وذلك سبب ذكره للتمثيل دون التشبيه، فقال: ذكرت في النفي التمثيل، ولم أذكر التشبيه لأن التمثيل نفاه الله بنص كتابه فكان أحب إليّ من لفظ ليس في كتاب الله، ولا في سنة رسوله – ﷺ – (١) .
следующие страницы →