← Джавами‘

Джавами‘ · id 21782

خطب ودروس الشيخ عبد الرحيم الطحان

عبد الرحيم الطحان

Полный текст (6 674 стр.). Показаны 281–320 · переход к 286.

стр. 281

وقال الإمام الألوسي – عليه رحمة الله تعالى –: كون الرحمة في اللغة: رقة القلب، إنما هو فينا، وهذا لا يستلزم التجوز عند إثباتها لله – جل وعلا – لأنها حينئذ صفة لائقة بكمال ذاته، كسائر صفاته، ومعاذ الله – ﵎ – أن تقاس صفاته بصفات المخلوقين، وأين التراب من رب الأرباب (١) .

стр. 282

٥- التعطيل في اللغة: الإخلاء والتفريغ، تقول العرب: إبل معطلة: إذا خُلِيَتْ فلا راعي لها وعطل الدار: إذا أخلاها، وعُطِلتْ الفلات والمزارع: إذا تركت فلم تعصر، ولم تحرث، وتَعَطَّلَ الرجل: إذا صار فارغاً لا عمل له، والاسم: العُطْلَة، وتعطيل الحدود: تركها وعدم إقامتها على من وجبت عليه، وكل ما ترك ضياعاً فهو مَعْطَلٌ ومُعَطَّلٌ، قال الله – جل وعلا –: ﴿فَكَأَيِّن مِّن قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا وَهِيَ ظَالِمَةٌ فَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا وَبِئْرٍ مُّعَطَّلَةٍ وَقَصْرٍ مَّشِيدٍ﴾ الحج٤٥ أي: بئر متروكة لا يسقى منها، ولا ينتفع بمائها، مخلاة لا يردها أحد، لبيود أهلها وموتهم، وفي حديث ابن عمر – رضي الله تعالى عنهما – قال: قيل لنبي – ﷺ –: إن ميسرة المسجد تعطلت، فقال النبي – ﷺ –: "من عَمّرّ ميسرة المسجد كتب له كفلان من الأجر (١) " أي: خليت ميسرة المسجد، وتركت الصلاة فيها رغبة في الصلاة في ميمنة المسجد. ... والمراد من التعطيل في علم التوحيد: إنكار ما يجب لله – جل وعلا – من الأسماء والصفات كلا ً أو بعضاً، فالمُعطِل يفرغ الرب – ﵎ – من صفاته التي يتصف بها، ويخليه منها ويجرده عنها.

стр. 283

.. وهذه المقالة الخبيثة تقابل مقالة التشبيه والتمثيل، لكنها أخطر منها وأشنع، وانتشارها في الناس أعظم وأفظع، فمتكلموا هذه المقالة لم يثبتوا إلهاً محموداً بل ولا رباً موجوداً، فهم يعبدون عدماً، كما أن الممثل يعبد صنماً، ولذلك كانت عناية الكتب الإلهية بالرد على هذه المقالة الردية أكثر من عنايتها بالرد على مقالة التمثيل الغبية كما قرر هذا الشيخ ابن تيمية – عليه رحمة رب البرية (١) . ... ونقل الإمام الذهبي عن الإمام ابن عبد البر – عليهم رحمة الله تعالى – كلاماً في منتهى الإحكام والمتانة، هاك بيانه: أهل السنة مجمعون على الإقرار بالصفات الواردة في الكتاب والسنة، وحملها على الحقيقة لا على المجاز، إلا أنهم لم يكيفوا شيئاً من ذلك، وأما الجهمية والمعتزلة والخوارج فكلهم ينكروها، ولا يحمل شيئاً منها على الحقيقة، ويزعمون أن من أقر بها مشبه، وهم عند من أقر بها نافون للمعبود ١٠هـ وعقب الإمام الذهبي على كلام الإمام ابن عبد البر بقوله: قلت: صدق الله، إن من تأول سائر الصفات، وحمل ما ورد منها على مجاز الكلام، أداه ذلك السلف إلى تعطيل الرب، وأنه يشابه المعدوم، كما نقل عن حماد بن زيد أنه قال: مثل الجهمية كقوم قالوا: في دارنا نخلة، قيل: لها سعف؟ قالوا: لا، قيل: لها كرب؟ قالوا: لا، قيل: لها رطب وقنو؟ قالوا: لا، قيل: فلها ساق؟ قالوا: لا، قيل فما في داركم نخلة.

стр. 284

.. قال الإمام الذهبي: قلت كذلك هؤلاء النفاة، قالوا: إلهنا الله – ﵎ – وهو لا في زمان، ولا في مكان، ولا يرى، ولا يسمع، ولا يبصر، ولا يتكلم، ولا يرضى، ولا يغضب، ولا يريد، ولا، ولا، وقالوا: سبحان المنزه عن الصفات، بل نقول: سبحان الله العظيم السميع البصير المريد، الذي كلم موسى تكليماً، واتخذ إبراهيم خليلا ً، ويُرى في الآخرة. ... المتصف بما وصف به نفسه، ووصفه به رسله – عليهم الصلاة والسلام – والمنزه عن سمات المخلوقين وعن جحد الجاحدين، ليس كمثله شيء، وهو السميع البصير (١) .

стр. 285

٦- الإلحاد، معناه في اللغة: الميل والعدول عن القصد، ومنه قول النبي – ﷺ – "اللحد لنا، والشق لغيرنا" واللحد هو الشق الذي يكون في جانب القبر موضع الميت لأنه قد أميل عن وسط إلى جانبه (١) ،

стр. 286

وفي سورة النحل يقول ربنا – ﷻ –: ﴿وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّهُمْ يَقُولُونَ إِنَّمَا يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ لِّسَانُ الَّذِي يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِيٌّ وَهَذَا لِسَانٌ عَرَبِيٌّ مُّبِينٌ﴾ النحل١٠٣ أي لغة الذي يميلون إليه، ويدعون أنه يعلمه أعجمي، فكيف يعقل صدور هذا الكلام العربي المعجز منه، روى الحاكم بسند صحيح عن ابن عباس – رضي الله تعالى عنهما – أنه قال في قوله – –: " إِنَّمَا يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ لِّسَانُ الَّذِي يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِيٌّ وَهَذَا لِسَانٌ عَرَبِيٌّ مُّبِينٌ " قالوا: إنما يعلم محمداً عبد بن الحضرمي وهو صاحب الكتب، فقال الله – جل وعلا –: " لِّسَانُ الَّذِي يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِيٌّ وَهَذَا لِسَانٌ عَرَبِيٌّ مُّبِينٌ إِنَّمَا يَفْتَرِي الْكَذِبَ الَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِآيَاتِ اللهِ (١)

стр. 287

". ... وفي سورة الحج يقول ربنا – جل وعز –: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَيَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ الَّذِي جَعَلْنَاهُ لِلنَّاسِ سَوَاء الْعَاكِفُ فِيهِ وَالْبَادِ وَمَن يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ بِظُلْمٍ نُذِقْهُ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ الحج٢٥ والمراد بالإلحاد في الآية الكريمة: أن يميل ويحيد عن دين الله الذي شرعه ويعم ذلك كل ميل وحيدة عن الدين، ويدخل في ذلك دخولاً أولياً: الكفر بالله، والشرك به في الحرم، وفعل شيءٍ مما حرمه، وترك شيءٍ مما أوجبه، فكل مخالفة بترك واجب، أو فعل محرم تدخل في الظلم المذكور (١) . ... والمراد من الإلحاد المذموم في الشرع: الانحراف عما يجب اعتقاده، أو عمله وله قسمان:

стр. 288

القسم الأول: إلحاد في أسماء الله الكريمة، وصفاته العظيمة، ولذلك خمسة أنواع، دل على شناعتها، وتهديد المتلبس ببعضها، قول رب الأرض والسماء: ﴿وَلِلّهِ الأَسْمَاء الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا وَذَرُواْ الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَآئِهِ سَيُجْزَوْنَ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ﴾ الأعراف١٨٠، وإليك بيان تلك الأنواع: أ) تعطيل أسماء الرب – جل وعلا – عن معانيها، وجحد حقائقها، كقول الجهمية الردية ذوي العقول الآسنة الغبية: إن أسماء الله لا تتضمن صفات، ولا معاني حسنى مباركات، فيطلقون على رب المخلوقات، اسم: السميع، والبصير، والحي، والمتكلم، والمريد، ويقولون: لا سمع له، ولا بصر، ولا حياة، ولا كلام، ولا إرادة تقوم به، وهذا من أعظم الإلحاد وأشنعه في أسماء الله – جل وعلا – شرعاً وعقلا ً، ولغة وفطرة. ب) تشبيه صفات رب الأرض والسموات بصفات المخلوقات – تعالى الله عما يقول الظالمون علواً كبيراً – وإلحاد هؤلاء الضلال، في صفات الكبير المتعال يقابل إلحاد المعطلة أهل الخبال، فأولئك نفوا صفات كماله وجحدوها، وهؤلاء بصفات خلقه مثلوها وشبهوها، وقد حفظ الله الكريم أهل السنة الصادقين، من زيغ الفرقتين، فأثبتوا صفات رب العالمين، ونزهوا الرب عن مشابهة صفاته بصفات المخلوقين، دون تعطيل لها، عن الكمال اللائق بها، فهم وسط في النِحَل، كما أن أهل الإسلام وسط في المِلل، وتوقد مصابيح معارفهم من شجرة مباركة زيتونية، لا شرقية ولا غربية، يكاد زيتها يضيء ولو لم تمسسه نار، نور على نور، يهدي الله لنوره من يشاء. جـ) اشتقاق أسماء الطواغيت والأنداد من أسماء الله رب العباد – – كتسمية المشركين اللات من الله، والعزّى من العزيز، ومناة من المنان، وهذا عدول بأسماء ربهم إلى أوثانهم وطواغيتهم.

стр. 289

د) تسمية رب العالمين بما لم يرد في نصوص شرعه الحكيم، كتسمية النصارى الملعونين لله الكريم بالأب، وتسمية الفلاسفة له بأ، هـ عِلّة فاعلة بالطبع، وتسمية الدهريين له بالطبيعة. هـ) وصف الله – ﵎ – بما يتقدس عنه ويتعالى، كقول أخبث الناس، اليهود الأنجاس إن الله فقير، ويده مغلولة، قال الله – جل وعلا –: ﴿لَّقَدْ سَمِعَ اللهُ قَوْلَ الَّذِينَ قَالُواْ إِنَّ اللهَ فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِيَاء سَنَكْتُبُ مَا قَالُواْ وَقَتْلَهُمُ الأَنبِيَاءَ بِغَيْرِ حَقٍّ وَنَقُولُ ذُوقُواْ عَذَابَ الْحَرِيقِ﴾ آل عمران١٨١، وقال الله – ﷻ –: ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللهِ مَغْلُولَةٌ غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ وَلُعِنُواْ بِمَا قَالُواْ بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ يُنفِقُ كَيْفَ يَشَاءُ وَلَيَزِيدَنَّ كَثِيراً مِّنْهُم مَّا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ طُغْيَاناً وَكُفْراً﴾ المائدة٦٤. القسم الثاني: إلحاد في آيات الله العظام، ولذلك نوعان وقع فيهما أهل الآثام والأوهام: النوع الأول: إلحاد بعض البرية من ذوي العقول الردية في آيات الله الشرعية وهي: ما أتى به الرسل الكرام – عليهم الصلوات والسلام – من الأخبار والأحكام، عن طريق تحريفها، أو تكذيب أخبارها، أو عصيان أحكامها. النوع الثاني: إلحاد بعض المخلوقات من ذوي العقول المنكوسات في آيات الله الكونيات، وهي: ما خلقه الله، ويخلقه في الأرض والسموات، في جميع الأوقات، عن طريق نسبتها إلى غير فاطرها أو اعتقاد شريك أو معين له فيها (١) . لا إله غيره، ولا رب سواه –.

стр. 290

﴿إِنَّ الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي آيَاتِنَا لَا يَخْفَوْنَ عَلَيْنَا أَفَمَن يُلْقَى فِي النَّارِ خَيْرٌ أَم مَّن يَأْتِي آمِناً يَوْمَ الْقِيَامَةِ اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ إِنَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ فصلت٤٠. الأدلة المحكمة الحِسان على صحة طريقة أهل السنة الكرام، في إيمانهم بصفات ربهم الرحمن: ... إن الأدلة الدالة على صحة تلك الفرقة الجليلة، في إيمانهم بصفات ربهم الكريمة الجميلة، كثيرة غزيرة، وهي محكمة البيان، ثابتة الأركان، سأقتصر منها على أصلين أصيلين وعلى مثلين مضروبين، ليزول عن القلوب الران والفَيْن، ويتضح الحق لذي عينين، فدونك التفصيل والبيان، وما توفيقي إلا بالرحيم الرحمن: الأصل الأول: الإيمان بالصفات، كالإيمان بالذات: ... وتقرير ذلك الأصل عند أهل العقول الزاكيات، أن الصفات تتبع الموصوفات، فالكلام فيها فرع الكلام في الذات، فهذا هو الذي تقتضيه العقول الصريحات، وتقدم تقرير هذا عن الأئمة الثقات، في أول مبحث طريقة إيمان أهل السنة بالصفات. ... وقد أجمع أهل الإيمان، أن إيماننا بذات الرحمن، يقوم على ثلاثة أركان، إذا انخرم واحد منها خرج الإنسان من دوحة الإيمان، والتحق بزمرة الشيطان، وعبدة الأوثان، وتلك الأركان هي: ١) الثبوت، فلربنا الجليل ذات علية، موجودة خارج الأذهان وجوداً حقيقياً، وليست ذاته – جل وعلا – فكرة وهمية، ولا شطحية خيالة. ٢) عدم مشابهة ذات خالق الأرض والسموات، لذوات المخلوقات، فأين التراب من رب الأرباب، وأين المخلوق الحقير من الله العلي الجليل. ٣) انتفاء علم المخلوقات بمعرفة كيفية ذات رب البريات، فهو – – أحد صمد لا والد ولا ولد، ولا يكافئه أحد، ليس كمثله شيء وهو السميع البصير. ... وبما أن الصفات تقوم تلك الذات، فينبغي أن تعطي تلك الاعتبارات، لأن الصفات تتبع الموصوفات، فيجب القول لزاماً بما يلي:

стр. 291

أ) الصفات ثابتة كثبوت الذات، ولا يعقل وجود ذات متجردة عن الصفات، فالقول بنفي الصفات يلزم منه نفي الذات، ولذلك كان مآل قول المعطلة نفاة الصفات إلى مقالة الفلاسفة نفاة الخالق عن المخلوقات، وإمامهم في ذلك التعطيل فرعون العاتي الحقير وقد صرح بهذه الحقيقة من اطلع على حقيقة المذهبين، مذهب أهل السنة الكرام، ومذهب المعطلة اللئام، قال شيخ الإسلام: كان ابن النفيس المتطبب الفاضل – عليهم جميعاً رحمة الله تعالى – يقول: ليس إلا مذهبان، مذهب أهل الحديث، أو مذهب الفلاسفة (١) . ب) تلك الصفات الثابتة لرب الأرض والسموات، لا تماثل صفاتنها ولا تشبهها، كما ذاته كذلك لا تماثل ذواتنا ولا تشبهها. لا ذاتُه تُشْبهها الذواتُ ... ولا حكتْ صفاتهِ الصفاتُ جـ) لا نعلم كيفية تلك الصفات التي يتصف بها رب البريات، كما أننا عاجزون عن معرفة الذات.

стр. 292

والخلاصة: يجب إثبات الصفات على النحو الذي أثبتت به الذات، وهذا الأمر في منتهى الوضوح والسداد، ولذلك عول عليه أهلُ الرشاد، في إثبات صفات رب العباد – جل وعلا – ودحض مذهب المخالفين من أهل الغباء والعناد، قال الإمام الذهبي – عليه رحمة الله تعالى –: إن نصوص الصفات واضحة، ولو كانت الصفات ترد إلى المجاز، لبطل أن تكون صفات الله – جل وعلا – وإنما الصفة تابعة للموصوف، فهو موجود حقيقة لا مجازاً وصفاته ليست مجازاً، فإذا كان لا مثل له، ولا نظير، لزم أن تكون صفاته لا مثل لها، ولا نظير ونقل عن أبي عمر الطلمنكي – عليه رحمة الله تعالى – أنه قال: لو كانت الأسماء – أي اتفاق الخالق والمخلوقات في مسمى الصفات – توجب اشتباهاً لاشتبهت الأشياء كلها لشمول اسم الشيء لها وعموم تسمية الأشياء به، ثم إننا نسألهم – أي: المعطلة – أتقولون إن الله موجود؟ فإن قالوا نعم، قيل لهم: يلزمكم على دعواكم أن يكون مشبهاً للموجودين، وإن قالوا: موجود، ولا، ولا يوجب وجوده الاشتباه بينه وبين الموجودات، قلنا: كذلك هو حي عالم قادر مريد سميع بصير متكلم يعني ولا يلزم اشتباهه بمن اتصف بهذه الصفات ١٠هـ. وهكذا قال الشيخ ابن تيمية – عليه رحمة رب البرية – في الرسالة التدمرية، ونص كلامه: إن الله – جل وعلا – ليس كمثله شيء لا في ذاته، ولا في صفاته، ولا في أفعاله. فإذا كان له – جل وعز – ذات حقيقية لا تماثل الذوات، فالذوات متصفة بصفات حقيقية لا تماثل سائر الصفات. فإذا قال – أي المعطل –: كيف ينزل ربنا إلى السماء الدنيا؟ قيل له: كيف هو؟ فإذا قال: لا أعلم كيفيته.

стр. 293

قيل له: ونحن لا نعلم كيفية نزوله، إذ العلم بكيفية الصفة يستلزم العلم بكيفية الموصوف، وهو فرع له، وتابع له، فكيف تطالبني بالعلم بكيفية سمعه وبصره، وتكليمه، واستوائه ونزوله، وأنت لا تعلم كيفية ذاته؟ وإذا كنت تقر بأن له حقيقة ثابتة في نفس الأمر، مستوجبة لصفات الكمال لا يماثلها شيء، فسمعه وبصره وكلامه، ونزوله واستواؤه ثابت في نفس الأمر، وهو متصف بصفات الكمال، لا يشابهه فيها سمع المخلوقين، وبصرهم، وكلامهم، ونزولهم، واستوائهم ١٠هـ وبمثل هذا قرر شيخنا محمد الأمين – عليه رحمة رب العالمين – طريقة أهل السنة المكرمين، وفند أوهام أهل البدع الزائفين، فقال: نقول لمن سأل عن بيان كيفية الصفات: هل عرفت كيفية الذات المقدسة المتصفة بهذه الصفات؟ فلابد أن يقول: لا. فعند ذلك نقول: معرفة كيفية الصفات تتوقف على معرفة كيفية الذات. فالذات والصفات من باب واحد، فكما أن ذاته تخالف جميع الذوات، فإن صفاته تخالف جميع الصفات، ومعلوم أن الصفات تختلف باختلاف موصوفاتها، ألا ترى مثلا ً إلى لفظة "رأس" كلمة واحدة؟ إن أضفتها إلى الإنسان فقلت: رأس الإنسان، وإلى الوادي، قلبت: رأس الوادي، وإلى المال فقلبت: رأس المال، وإلى الجبل قلبت: رأس الجبل، فإن كلمة "الرأس" اختلفت معانيها، وتباينت تبايناً شديداً بحسب اختلاف إضافتها، مع أنها مخلوقة حقيرة، فما بالك بما أضيف من الصفات إلى رب البريات، وما أضيف منها إلى المخلوقات، فإنما تتباين كتباين الخالق والمخلوق، كما لا يخفى (١) .

стр. 294

ولإمام الأئمة – أثابه الله الجنة – كلام طويل، محكم جميل، في تأييد مذهب البررة المتقين وتفنيد مذهب المعطلة الزائغين، هاك نبذة يسيرة، من تقريراته الوفيرة، قال – رحمه الله تعالى –: استمعوا أيها العقلاء ما يذكر من جنس اللغة السائرة بين العرب هل يقع اسم المشبهة على أهل الآثار، ومتبعي السنن؟ نحن نقول وعلماؤنا جميعاً في الأقطار: إن لمعبودنا – – وجهاً كما أعلمنا الله في محكم تنزيله: ﴿كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ﴾ الرحمن ٢٦-٢٧، فذواه بالجلال والإكرام، وحكم له بالبقاء، ونفى عنه الهلاك ونقول: إن لوجه ربنا – – من النور والضياء والبهاء، ما لو كشف حجابه لأحرقت سبحات وجهه كل شيء ٍ أدركه بصره (١)

стр. 295

محجوب عن أبصار أهل الدنيا، لا يراه بشر ما دام في الدنيا الفانية ونقول: إن وجه ربنا القديم لم يزل بالباقي الذي لا يزل، فنفى عنه الهلاك والفناء. ونقول: إن لبني آدم وجوهاً كتب الله – جل وعلا – عليها الهلاك، ونفى عنها الجلال والإكرام غير موصوفة بالنور والضياء والبهاء، التي وصف بها وجهه – ﵎ – يدرك وجوه بني آدم أبصار أهل الدنيا، لا تحرق لأحد شعرة فما فوقها، لنفي السُبُحات عنها، التي بينها نبينا المصطفى – ﷺ – لوجه خالقنا. ونقول: إن وجوه بني آدم محدثة مخلوقة لم تكن فكونها الله – جل وعلا – بعد أن لم تكن مخلوقة، أوجدها بعد ما كانت عدماً، وإن جميع وجوه بني آدم فانية غير باقية، تصير جميعاً ميتاً ثم تصير رميماً، ثم ينشئها الله – جل وعلا – بعد ما قد صارت رميماً، فتلقى من النشور والحشر والوقوف بين يدي خالقنا في القيامة، ومن المحاسبة بما قدمت يداه، ونسيه في الدنيا ما لا يعلم صفته غير الخالق الباري، ثم إما تصير إلى الجنة منعمة فيها، أو إلى نار معذبة.

стр. 296

فهل يخطر يا ذوي الحِجَا ببال عاقل مركب فيه العقل، يفهم لغة العرب، ويفهم خطابها ويعلم التشبيه أن هذا الوجه شبيه بذاك الوجه؟ وهل ههنا أيها العقلاء تشبيه وجه ربنا – جل ثناؤه – الذي هو كما وصفنا وبينا صفته من الكتاب والسنة بتشبيه وجوه بني آدم التي ذكرناها، ووصفناها غير اتفاق اسم الوجه، وإيقاع اسم الوجه على وجه بني آدم، كما سمّى الله وجهه وجهاً، ولو كان تشبيهاً من علمائنا لكان كل قائل: إن لبني آدم وجهاً، وللخنازير والقردة، والكلاب، والسباع، والحمير والبغال، والحيات والعقارب وجوهاً قد شبه وجوه بني آدم بوجوه الخنازير والقردة، والكلاب، وغيرها مما ذكرت، ولست أحسب أن أعقل الجهمية المعطلة عند نفسه لو قال أكرم الناس عليه: وجهك يشبه وجه الخنزير والقرد، والدب والكلب والحمار والبغل، ونحو هذا، إلا غضب، وإلا خرج من سوء الأدب في الفحش من المنطق من الشتم للمشبه وجهه بوجه ما ذكرنا، ولعله يقذفه، ويقذف أبويه – ولست أحسب أن عاقلا ً يسمع هذا القائل المشبه وجه ابن آدم بوجه ما ذكرنا إلا ويرميه بالكذب والزور والبهت، أو بالعته والخبل، أو يحكم عليه بزوال العقل، ورفع القلم عنه، لتشبيه وجه ابن آدم بوجه ما ذكرنا، فتفكروا يا ذوي الألباب، أوجوه ما ذكرنا أقرب شبهاً بوجه بني آدم، أو وجه خالقنا بوجوه بني آدم فإذا لم تطلق العرب تشبيه وجوه بني آدم بوجوه ما ذكرنا من السباع والبهائم، واسم الوجه قد يقع على جميع وجوهها كما يقع اسم الوجه على وجوه بني آدم، فكيف يلزمنا أن يقال لنا: أنتم مشبهة ووجوه بني آدم ووجوه من ذكرنا من السباع والبهائم كلها محدثة مخلوقة، قد قضى الله – جل وعلا فناءها وهلاكها، وقد كانت عدماً فكونها الله – – وخلقها وأحدثها، وجميع ما ذكرنا من السباع والبهائم لوجوهها أبصار، وخدود، وجباه وأنوف، وألسنة وأفواه، وأسنان وشفاة ولا يقول مركب فيه العقل لأحد من بني آدم: وجهك شبيه بوجه خنزير، ولا عينيك

стр. 297

شبيهة بعين قرد، ولا فمك فم دب، ولا شفتاك كشفتي كلب، ولا خدك خد ذئب، على المشاتمة كما يرمي الإنسان بما ليس فيه، فإذا كان ما ذكرنا على ما وصفنا ثبت عند العقلاء وأهل التمييز، أن من رمى أهل الآثار القائلين بكتاب ربهم، وسنة نبيهم – ﷺ – بالتشبيه فقد قال الباطل والكذب والزور والبهتان، وخالف الكتاب والسنة، وخرج عن لسان العرب (١) .

стр. 298

الأصل الثاني: القول في بعض الصفات كالقول في بعضها الآخر: ... المقصود بهذا الأصل الرد على متأخري الأشعرية أصالة، ويمكن سحب هذا الأصل لتفنيد قول المعتزلة أيضاً، وإليك البيان: ... يتلخص قول متأخري الأشعرية في صفات رب البرية: أنهم يقسمون صفات الرحمن – جل وعلا – إلى أربعة أقسام: ١) نفسية: وهي الوجود فقط، ونسبت هذه الصفة للنفس أي الذات لأن الذات لا تتعقل إلا بها، فلا تتعقل نفسي إلا بوجودها، فالوجود صفة نفسية ثبوتية يدل الوصف بها على نفس الذات دون معنى زائد عليها. ٢) سلبية: وهي سلوب تسلب عن الله – جل وعلا – ما لا يليق به من أضدادها. ٣) صفات المعاني: وهي سبع: العلم، والحياة، والقدرة، والإرادة، والسمع، والبصر، والكلام، وهي معان ٍ وجودية قائمة بذات الله – جل وعلا –. ٤) صفات معنوية: وهي نفس صفات المعاني فهما متلازمان وأفردت بالذكر لبيان وجوب قيام الصفة بالموصوف، فيقال في الصفات المعنوية: إذا كان متصفاً بالحياة والعلم والقدر والإرادة، والسمع والبصر والكلام، فهو: حي، عليم، قادر، مريد، سميع، بصير، متكلم. ... وقالوا: إن تلك الأقسام الأربعة بصفاتها العشرين، تجب لرب العالمين – ﵎ – وما عدا تلك الصفات فتدور بين أمرين، ولا تخرج عن قسمين: القسم الأول: إما أن تكون من صفات الأفعال: كالخلق والرزق، والإماتة، والإحياء، وبسط الرزق وقدره ورحمته وغضبه وغير ذلك من أفعاله التي يصف بها ربنا – جل وعلا – نفسه المقدسة. القسم الثاني: وإما أن تكون من الصفات الخبرية: كصفة الوجه، واليدين، وغير ذلك مما ورد به السمع في وصف ربنا – ﷻ – ولا يوجبه العقل. وللمتأخرين من الأشعرية نحو هذين القسمين موقفان:

стр. 299

أ) رد تلك الصفات إلى صفتي القدرة والإرادة، فقالوا: إن تلك الصفات آثر من آثار القدرة والإرادة، وهذا شامل لسائر صفات الأفعال فيقولون في رد صفة الرحمة مثلاً إلى صفة الإرادة: إرادة الإحسان ويقولون في ردها إلى صفة القدرة: الإحسان نفسه لأن الإحسان فعل يتم بصفة القدرة، ويقولون في رد صفة الغضب إلى صفة الإرادة، إرادة العقوبة، ويقولون فر ردها إلى صفة القدرة، العقوبة نفسها، لأن العقوبة فعل يتم بصفة القدرة. ب) التخيير بين التأويل والتغويض في بعض صفات الأفعال، وجميع الصفات الخبرية، ففي حال تأويل صفتي الرحمة والغضب يقولون ما تقدم، أو يقولون: هما صفتان ثابتتان للرحمن لا يعلم كيفيتهما إلا هو، وهكذا يقولون في صفة الوجه أيضاً، فإذا أولوا قالوا: إنه بمعنى الذات، وإذا فوضوا، قالوا: هو صفة لله – جل وعلا – لا يعلم كيفيتها إلى هو (١) . بداية ملف توحيد ٤ ونحن معشر أهل السنة المتبعون للحق المبين – لا ننازعهم فيما أثبتوه، إنما ننازعهم في تفريقهم بين ما أثبتوه من الصفات، وقالوا: إن الله – جل وعلا – متصف بها، ولا يعلم كيفيتها إلا هو، وبين باقي الصفات التي ردوها إلى بعض ما أثبتوه، أو أجازوا فيها التأويل أو التفويض وإنما نازعناهم فيما نازعناهم فيه، لأن الصفات كلها تتبع موصوفاً واحداً، والكلام فيها ينبغي أن يكون على وتيرة واحدة، فما يقال في صفة السمع والبصر والكلام يقال في صفة الرحمة والوجه واليدين، والتفريق بينهما في الكلام تفريق بين المتماثلين في الأحكام، وهذا مما ينبغي أن يتنزه عنه أولو النهى والأحلام.

стр. 300

فإن قالوا: إن ما عدا ما أثبتناه من الصفات الواجبات، لرب الأرض والسموات، يوهم مماثلة الخالق للمخلوقات، لذلك سلكنا فيه غير ما سلكناه في تلك الصفات الواجبات، فنقول: لا فرق بين الأمرين على الإطلاق، بل القول في أحدهما كالقول في الآخر بلا شقاق لأنك لو قلت: إن إرادته مثل إرادة المخلوقين، فكذلك محبته ورحمته، ومقته وغضبه، وهذا هو التمثيل، وأنت لا تقول به، وإن قلت: إن له إرادة تليق به، كما أن للمخلوق إرادة تليق به، قيل لك: وكذلك لله – جل وعلا – محبة تليق به، وللمخلوق محبة تليق به، ولله – جل وعز – غضب يليق به، وللمخلوق غضب يليق به. ... فإذا قلت: إن الغضب غليان دم القلب لطلب الانتقام، قيل لك: والإرادة ميل النفس إلى جلب منفعة، أو دفع مضرة، فإن قلت: هذه إرادة المخلوق، قيل لك: وهذا غضب المخلوق. ... وهكذا يقال أيضاً في الرد عليهم في ردهم الصفات الزائدة على ما أثبتوه إلى صفة القدرة ووجه ذلك أن يقال إن من فسر الرحمة بالإحسان والمثوبة والغضب بالإهانة والعقوبة فكل منهما فعل، ولابد من قيام ذلك بالفاعل أولا ً ثم إيقاعه على المفعول، فهم إن أثبتوا ذلك على مثل ما هو معقول في الشاهد للعباد مثلوا وهم لا يقولون بذلك، وإن أثبتوه على خلاف المعقول في الشاهد للعباد، فنقول لهم كذلك الأمر في الصفات. ... وصفوة الكلام أنه يلزمهم فيما صاروا إليه نظير ما يلزمهم فيما فروا منه، فإن فوضوا العلم بكيفية ما صاروا إليه في النهاية، نقول لهم: فوضوا العلم بذلك إلى الله من البداية، واسلكوا مسلك أهل التقى والهداية. ... فإذا قال الأشعرية المتأخرون: تلك الصفات أثبتناها بالعقل لأن الفعل الحادث يدل على القدرة، والتخصيص يدل على الإرادة والإحكام يدل على العلم، وتلك الصفات مستلزمة للحياة، والحي لا يخلو عن السمع والبصر والكلام، أو ضد ذلك، وضده مستحيل لأنه نقص، والله منزه عنه – – فثبت لله – جل وعز – صفة السمع والبصر والكلام.

стр. 301

.. فالجواب عن ذلك الكلام عند أهل السنة الكرام من وجهين: الوجه الأول: عدم الدليل المعين لا يستلزم عدم المدلول المعين، فهب أن ما سلكت من الدليل العقلي لا يثبت ذلك، فإنه لا ينفيه، وليس لك أن تنفيه بغير دليل، لأن النافي عليه الدليل كما على المثبت. وقد دل عليه السمع، ولم يعارضه عقلي ولا سمعي،، فيجب إثبات ما أثبته الدليل السالم عن المعارضة.

стр. 302

الوجه الثاني: يمكن إثبات ما عدا ما أثبته متأخروا الأشعرية من الصفات بنظير ما أثبتوا به تلك الصفات من العقليات، فيقال مثلا ً، نفع العباد بالإحسان إليهم يدل على الرحمة كدلالة التخصيص على الإرادة، كما قال الله – جل وعلا –: ﴿وَالأَنْعَامَ خَلَقَهَا لَكُمْ فِيهَا دِفْءٌ وَمَنَافِعُ وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ وَلَكُمْ فِيهَا جَمَالٌ حِينَ تُرِيحُونَ وَحِينَ تَسْرَحُونَ وَتَحْمِلُ أَثْقَالَكُمْ إِلَى بَلَدٍ لَّمْ تَكُونُواْ بَالِغِيهِ إِلاَّ بِشِقِّ الأَنفُسِ إِنَّ رَبَّكُمْ لَرَؤُوفٌ رَّحِيمٌ﴾ النحل٥-٧، وهكذا إكرام الله – جل وعلا – الطائعين يدل على محبته لهم، وعقابه – جل شأنه – للكافرين يدل على بغضه لهم وغضبه عليهم، كما ثبت ذلك بالشهادة، والخبر من إكرامه أوليائه، وعقاب أعدائه وهكذا أيضاً الغايات المحمودة، في مفعولاته ومأموراته – وهي ما تنتهي إليه مفعولاته ومأموراته من العواقب الحميدة – تدل على حكمته البالغة كما يدل التخصيص على الإرادة والمشيئة، بل وأولى، لقوة العلة الغائية، ولهذا كان ما في القرآن من بيان ما في مخلوقاته من النعم والحكم أعظم مما في القرآن من بيان ما فيها من الدلالة على محض المشيئة، قال الله – جل وعلا –: إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَهُمْ جَنَّاتُ النَّعِيمِ خَالِدِينَ فِيهَا وَعْدَ اللَّهِ حَقّاً وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا وَأَلْقَى فِي الْأَرْضِ رَوَاسِيَ أَن تَمِيدَ بِكُمْ وَبَثَّ فِيهَا مِن كُلِّ دَابَّةٍ وَأَنزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَنبَتْنَا فِيهَا مِن كُلِّ زَوْجٍ كَرِيمٍ هَذَا خَلْقُ اللَّهِ فَأَرُونِي مَاذَا خَلَقَ الَّذِينَ مِن دُونِهِ بَلِ الظَّالِمُونَ فِي ضَلَالٍ مُّبِينٍ﴾ لقمان ٨-١١ فمجيء " خَلَقَ السَّمَاوَاتِ " إلى آخر الآية بعد قوله – جل وعلا –: " وَهُوَ الْعَزِيزُ

стр. 303

الْحَكِيمُ " لقيام الأدلة، والاستشهاد بما ذكر على كمال عزته، وتمام حكمته، لأن خلق الأشياء المذكورة، على تلك الشاكلة والصورة، يدل دلالة واضحة على كامل غزته وبالغ حكمته – – (١) . ... قال كاتب هذه الأسطر – ستره الله في الدنيا والآخرة –: أبرز ما يظهر لي من التحقيقات المرضية في بطلان مذهب متأخري الأشعرية أمران، فتدبرهما يا طالب العلم والعرفان: الأول منهما: يلزم المؤول فيما صار إليه نظير ما يلزمه فيما فر منه تماماً، فإن فوضي العلم إلى الله – جل وعلا – بكيفية ما صار إليه في النهاية، نقول له: فوض العلم بكيفية ذلك إلى المتصف به من البداية، فتفويض العلم بكيفية الصفات إلى رب الأرض والسموات لابد منه، ولا مناص من القول به، والمؤول إذا لم يفوض فيما صار إليه وقع فيما فر منه، فالسعيد السعيد من فوض من البداية ولم يسلك طريق العماية (٢) . والثاني: لو سئل المؤول: هل تجزم بأن ما صرت إليه هو المراد – جل وعلا – من كلامه؟ لقال: لا، إنما رجت احتمالا ً على احتمال خشية الوقوع في تشبيه صفات ذي الجلال بغيره من المخلوقات.

стр. 304

.. ولا يخفى فساد هذه الطريقة وشناعتها، فأمر لا يجزم المؤول به، كيف يصير إليه في صفات ربه – ﷻ – (١) . ... يضاف إلى تلك المفسدة الردية، أن في المصير إلى التأويل فتح لباب تأويلات أهل الإلحاد الباطنية، قال الإمام ابن تيمية – عليه رحمة رب البرية – وبهذا احتج الملاحدة كابن سينا وغيره على مثبتي المعاد، وقالوا: القول في نصوص المعاد كالقول في نصوص التشبيه والتجسيم وزعموا أن الرسول – ﷺ – لم يبين ما الأمر عليه في نفسه، لا في العلم بالله – ﵎ – ولا باليوم الآخر، فكان الذي استطالوا به على هؤلاء هو موافقتهم لهم على نفي الصفات، وإلا فلو آمنوا بالكتاب كله حق الإيمان لبطلت معارضتهم، ودحضت حجتهم، ولهذا كان ابن النفيس المتطبب الفاضل يقول: ليس إلا مذهبان: مذهب أهل الحديث، أو مذهب الفلاسفة (٢) .

стр. 305

.. واعلم أن هذا الأصل – وهو: إثبات الصفات إثبات لبعضها الآخر والقول في بعض الصفات كالقول في بعضها الآخر- كما يصلح للرد به على قول متأخري الأشعرين، يصلح الرد به أيضاً على قول المعتزلة الردية، ويتلخص قول المعتزلة في أسماء الله وصفاته – جل وعلا – أنهم يثبتون الأسماء دون ما تتضمنه من الصفات، وقالوا: إنه عليم بلا علم، قدير بلا قدرة، سميع بصير بلا سمع، ولا بصر وجعلوا تلك الأسماء بمثابة الأعلام المحضة المترادفة، لأنها هي الذات. ... وهذا القول الفاسد في حقيقته، ثم هو متناقض في نفسه. أما فساده فمن ثلاثة أوجه: الوجه الأول: إثبات ونفي معناه مكابرة، وجحد للضروريات، فالاسم يدل على معنى، ولذلك كان كل اسم لربنا – جل وعلا – صفة (١) . الوجه الثاني: جعل تلك الأسماء المتعددة الدلالات، المختلفة في الحقائق بمنزلة الأعلام المحضة المترادفة كما هو الحال في لفظ السيف والمهند والصارم والبتار إنكار أيضاً للحقائق، وجحد لما هو ثابت نعم تلك الصفات من قبيل الأسماء المترادفة من حيث دلالتها على ذات واحدة، لكنها متباينة لتعدد الصفات واختلافها فيما بينها، وهكذا الحال في دلالات السيف والمهند والصارم والبتار والحسام من قبيل المترادفة من حيث دلالتها على ذات واحدة، ومن قبيل المتباين من حيث تعدد الصفات وتنوعها حيث لوحظ في المهند النسبة إلى المهند، وقصد بالصارم، والبتار والحسام معنى الصرم والبتر والحسم (٢) .

стр. 306

الوجه الثالث: إدعاء كون الأسماء الحسنى، وما تدل عليه من صفات علا هي الذات، ادعاء باطل مرفوض، لأن الأسماء وما تدل عليه من صفات تطلق على الذات وتقوم بها وليست هي الذات. ... وأما تناقض ذلك القول: ففي منتهى الظهور والوضوح، لأن الذي دعاهم إلى نفي الصفات خشية التشبيه حيث قالوا: إثبات الحياة والعلم والقدرة وغيرها من الصفات يقتضي تشبيه الخالق بالمخلوقات، لأنا لا نعلم في الشاهد متصفاً بالصفات إلا ما هو جسم، وهذا الوهم الذي تخيلوه من إثبات الصفات يلزمهم أيضاً في إثبات الأسماء لأنا لا نجد في الشاهد ما هو مسمى حي عليم قدير إلا ما هو جسم، فإن ما نفيت لكونك لم تجده في الشاهد إلا للجسم فأنف الأسماء بل وكل شيء، لأنك لا تجده في الشاهد إلا للجسم (١) .

стр. 307

.. قال عبد الرحيم – غفر الله له ذنوبه أجمعين – لو درى المعتزلة، ومتأخروا الأشعرية، وسائر فرق المعطلة الردية أن اتفاق الخالق الجليل والمخلوق في الصفات وتماثل مسماهما واتحاده لا يلزم منه محظور البتة، ولا يستلزم التشبيه، ولا رائحته، لأن ذلك الاتفاق والاتحاد في المسمى محصور في حالة الإطلاق، وليس للمطلق مسمى موجود خارج الأذهان، والعقل يفهم من المطلق قدراً مشتركاً بين المسميين، وعند الاختصاص يقيد ذلك بما يتميز به الخالق عن المخلوق، والمخلوق عن الخالق، وكل من لم يرسخ في ذهنه فسيأتي بالطامات ـ ويقول المتناقضات، ويسفسط في العقليات، ويقرمط في السمعيات (١)

стр. 308

– حفظنا الله من البدع المهلكات ومن سائر الرديات، إنه سميع مجيب الدعوات. تنبيه مهم: ... اعلم – علمني الله وإياك – أنني عندما حكيت مذهب الأشعرية في صفات رب البرية أضفته إلى المتأخرين منهم، لأن الإمام أبا الحسن الأشعري استقر على عقيدة أهل السنة والجماعة، وعلى ذلك كان المتقدمين من أتباعه، وأول من مزج بين ما كان عليه الإمام أبو الحسن الأشعري في أول الأمر وبين ما صار إليه: إمام الحرمين، ثم رجع عن ذلك، ثم تبنى المزج بين قولي أبي الحسن المتقدم والمتأخر الغزالي ثم رجع عن ذلك أيضاً، لكن تلك الأقوال دونت في الكتب ونقلت في البلاد فعكف عليها العباد، وهي أقوال باطلة قد ثبت رجوع أصحابها عنها والله المستعان لا إله غيره ولا رب سواه.

стр. 309

.. أما الإمام أبو الحسن فهو على بن إسماعيل الأشعري – عليه رحمة الله تعالى – أقام على مذهب الاعتزال أربعين حولا ً من الأحوال، حتى صار لهم إماماً، في ذلك الضلال ثم رأى النبي – ﷺ – ثلاث مرات في شهر رمضان يأمره بترك ذلك الهذيان ونصرة سنة النبي – ﷺ – فلزم الكتاب والسنة، عول على اعتقاد أهل الجنة، ونبذ أوهام ذي الجِنة، ورد على المعتزلة، وجحرهم في أقماع السمسم، قال في كتابه "مقالات الإسلاميين" تحت عنوان: هذه حكاية جملة قول أصحاب الحديث وأهل السنة، جملة ما عليه أهل الحديث والسنة: الإقرار بالله وملائكته وكتبه ورسله، وما جاء من عند الله وما رواه الثقات عن رسول الله – ﷺ – لا يردون من ذلك شيئاً، وأن الله – – إله واحد فرد صمد، لا إله غيره، ولم يتخذ صاحبة ولا ولداً، وأن محمداً عبده ورسوله – ﷺ – وأن الجنة حق، وأن النار حق، وأن الساعة آتية لا ريب فيها، وأن الله يبعث من في القبور، وأن الله – – على عرشه كما قال: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ طه٥، وأن له يدين بلا كيف كما قال: ﴿خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾ ص٧٥، ﴿بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ﴾ المائدة٦٤، وأن له عينين بلا كيف كما قال: ﴿تَجْرِي بِأَعْيُنِنَا﴾ القمر١٤، وأن له وجهاً كما قال: ﴿وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ﴾ الرحمن٢٧، ثم قال ويصدقون بالأحاديث التي جاءت عن رسول الله – ﷺ – أن الله – – ينزل إلى السماء الدنيا، فيقول: "هل من مستغفر" كما جاء في الحديث عن رسول الله – ﷺ – إلى أن قال: ويُقِرّون أن الله – – يجيء يوم القيامة، كما قال: ﴿وَجَاء رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفّاً صَفّاً﴾ الفجر٢٢ ثم بعد أن عدد بقية ما عليه أهل السنة والجماعة من أمور الاعتقاد، قال فهذه جملة ما

стр. 310

يأمرون به ويستعملونه، ويرونه وبكل ما ذكرنا من قولهم، نقول، وإليه نذهب، وما توفيقنا إلا بالله، وهو حسبنا ونعم الوكيل، وبه نستعين، وعليه نتوكل، وإليه المصير ١٠هـ وكذر نحو هذا في كتابه الإبانة عن أصول الديانة (١) .

стр. 311

.. قال الإمام ابن تيمية: وأما الأشعري نفسه وأئمة أصحابه فلم يختلف قولهم في إثبات الصفات الخبرية، وفي الرد على من يتأولها، كمن يقول: "استوى" بمعنى استولى وهذا مذكور في كتبه كلها، كالموجز الكبير، والمقالات الصغيرة والكبيرة، والإبانة وغير ذلك، وهكذا نقل سائر الناس عنه، حتى المتأخرون، كالرازي الآمدي ينقلون عنه إثبات الصفات الخبرية، ولا يحكون عنه في ذلك قولين، فمن قال: إن الأشعري كان ينفيها، وإن له في تأويلها قولين فقد افترى عليه ولكن هذا فعل طائفة من متأخري أصحابه كأبي المعالي ونحوه، فإن هؤلاء أدخلوا في مذهبه أشياء من أصول المعتزلة (١) .

стр. 312

.. وقال الإمام السبكي في طبقات الشافعية: وعقيدة الإمام أبي الحسن الأشعري وعقيدة الإمام أحمد واحدة، لا شك في ذلك ولا ارتياب، وبه صرح الأشعري في تصانيفه، وكرر غير ما مرة: أن عقيدتي هي عقيدة الإمام المبجل أحمد بن حنبل، وهذه عبارة الشيخ أبي الحسن في غير موضع من كلامه (١) .

стр. 313

.. وقد تقدم في هذا الكتاب المبارك عند الكلام على ذم علم الكلام نقل أقوال إمام الحرمين، والغزالي، والرازي – عليهم رحمة الله تعالى – في رجوعهم عما ابتدعوه من التأويل، وتحسرهم على ما فلت منهم، وفات من أعمارهم في تقرير تلك الأباطيل، وتعويلهم بعد ذلك على طريقة السلف الأبرار، قال الإمام ابن تيمية – عليه رحمة رب البرية –: أول قولي أبي المعالي تأويل الصفات كما ذكر ذلك في الإرشاد إلى قاطع الأدلة، وآخر قوليه تحريم التأويل ذكر ذلك في الرسالة النظامية، واستدل بإجماع السلف على أن التأويل ليس بسائغ، ولا واجب ١هـ.

стр. 314

.. وقد تقدم نقل كلام إمام الحرمين، وهاكه مرة أخرى لأهميته، قال في الرسالة النظامية: وقد اختلف مسالك العلماء في الظواهر التي وردت في الكتاب والسنة، وامتنع على أهل الحق اعتقاد فحواها، وإجراؤها على موجب ما تبدره أفهام أرباب اللسان منها، فرأى بعضهم تأويلها والتزام هذا المنهج في آي الكتاب، وما يصح من سنن الرسول – ﷺ – وذهب أئمة السلف إلى الانفكاك عن التأويل، وإجراء الظواهر على موارها، وتفويض معانيها إلى الرب – ﵎ – والذي نرتضيه رأياً، وندين الله به عقلا ً: إتباع سلف الأمة فالأولى الإتباع، وترك الابتداع، والدليل السمعي القاطع في ذلك: أن إجماع الأمة حُجة متبعة وهو مستند معظم الشريعة، وقد درج صحب رسول الله – ﷺ – ورضي الله تعالى عنهم – على ترك التعرض لمعانيها، ودرك ما فيها، وهم صفوة الإسلام، والمستقلون بأعباء الشريعة، وكانوا لا يألون في ضبط قواعد الملة والتواصي بحفظها، وتعليم الناس ما يحتاجون إليه منها، فلو كان تأويل هذه الآي والظواهر مسوغاً ومحتوماً، لأوشك أن يكون اهتمامهم بها فوق اهتمامهم بفروع الشريعة، وإذا انصرم عصرهم، وعصر التابعين على الإضراب عن التأويل كان ذلك قاطعاً بأنه الوجه المتبع، فحقٌ على ذي دين: أن يعتقد تنزه الباري عن صفات المحدثين، ولا يخوض في تأويل المشكلات، ويكل معناها إلى الرب – ﵎ – وعد إمام القراء وسيدهم: الوقوف على قوله – ﵎ –: "وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلاَّ اللهُ " من العزائم، ثم الابتداء بقوله – جل وعلا –: "وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ" أل عمران ٧، ومما استحسن من كلام إمام دار الهجرة – رضي الله تعالى عنه – وهو: مالك بن أنس أنه سئل عن قوله – ﵎ ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ طه٥، فقال: الاستواء معلوم، والكيفية مجهولة، والسؤال عنه بدعة، فلتجر آية الاستواء والمجيء، وقوله:

стр. 315

"لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ" ص ٧٥، "وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ" الرحمن ٢٧، وقوله: "تَجْرِي بِأَعْيُنِنَا" القمر ١٤، وما صح من أخبار الرسول – ﷺ – كخبر النزول وغيره على ما ذكرنا (١) . ... وبعد هذه الجولة المباركة في تقرير الأصلين الدالين على صحة طريقة أهل السنة الكرام في إيمانهم بصفات الرحيم الرحمن، فإليك ما يقرر طريقتهم الرشيدة في إيمانهم بصفات ربهم المجيدة، بمثلين مضروبين، ليتضح الحق لذي عينين، وليزول عن القلوب الران والفين. المثال الأول: ما يكون في الآخرة من نعيم للمؤمنين، وعذاب لعتاة الأرض المفسدين يدل على صحة مذهب أهل السنة الصادقين، في إيمانهم بصفات رب العالمين، ووجه ذلك: ... أن الله – جل وعلا – أخبرنا عما أعد للمؤمنين في جنات النعيم، من أصناف المطاعم والملابس، والمناكح، والمساكن، فأخبرنا أن فيها لبناً وعسلا ً، وخمراً وماءً، ولحكماً وحريراً وفضة وذهباً، وفاكهة حوراً، وأنهاراً وقصوراً. ... وحقائق تلك الأشياء مخالفة لما هو موجود في الدنيا، وليس بينهما مماثلة، مع موافقتها لها في الأسماء، قال ابن عباس – رضي الله تعالى عنهما –: ليس في الجنة شيء مما في الدنيا إلا الأسماء (٢) .

стр. 316

.. ومن المعلوم لذي العقول والفهوم أن ما في الجنة مخلوق، وما في الدنيا مخلوق، فإذا توافق مخلوقان في الاسم واتحدا في المسمى، ولم يلزم من ذلك التوافق والاتحاد المماثلة في الحقائق والكيفيات، بل بينهما من التباين ما لا يعلمه إلا الله – جل وعلا – فالخالق إن وافق المخلوقات في الأسماء، واتحد معها في المسمى لا يلزم من ذلك مماثلته لمخلوقاته، ولا مشابهته لهم بوجه من الوجوه، بل إن مباينته للمخلوقات أعظم من مباينة المخلوق في الآخرة للمخلوق الموجود في الدنيا، فافهم هذا تسلم وتغنم. ... وإليك بعض النصوص الدالة على المباينة التامة، والبون الشاسع بين النعيم الموجود في الآخرة والنعيم الموجود في الدنيا، ليتضح لك الحق جلياً.

стр. 317

.. ثبت في الصحيحين وغيرهما عن أبي هريرة – رضي الله تعالى عنه – عن رسول الله – ﷺ – قال: "قال الله – ﵎ –: أعددت لعبادي الصالحين ما لا عين رأت ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر " قال أبو هريرة – رضي الله تعالى عنه – اقرؤوا إن شئتم: ﴿فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَّا أُخْفِيَ لَهُم مِّن قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاء بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ السجدة١٧ (١) ،

стр. 318

ومن الطريف الجليل ترجمة المنذري في الترغيب والترهيب لهذا الحديث وما يشبهه بقوله: فصل في أن أعلى ما يخطر على البال أو يجوزه العقل من حسن الصفات المتقدمة فالجنة وأهلها فوق ذلك ومن جملة ذلك النعيم المُعد للمؤمنين أنه لا تبلى ثيابهم، ولا يفنى شبابهم، ونعيمهم دائم في جميع الأوقات، فلا تعتريهم شدة، ولا آفة من الآفات، كما ثبت في صحيح مسلم وغيره عن أبي هريرة – رضي الله تعالى عنه – قال: قال رسول الله – ﷺ –: "من يدخل الجنة ينعم لا يبأس لا تبلى ثيابه، ولا يفنى شبابه" زاد أحمد والدرامي: "وله في الجنة ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر (١) ". ... وفي صحيح مسلم وغيره عن أبي سعيد الخدري وأبي هريرة – رضي الله تعالى عنهما – عن النبي – ﷺ – قال: "ينادي منادٍ: إن لكم أن تصحوا فلا تسقموا أبداً، وإن لكم أن تحيوا فلا تموتوا أبداً، وإن لكم أن تشبوا فلا تهرموا أبداً، وإن لكم أن تنعموا فلا تبأسوا أبداً"، فذلك قوله – –: ﴿وَنُودُواْ أَن تِلْكُمُ الْجَنَّةُ أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ (٢) ﴾ الأعراف٤٣.

стр. 319

.. ويقع تنعم المؤمنين بما في جنة النعيم على أتم وجه، فلا يترتب عليه ما يترتب على نعيم الدنيا من آثار ففي صحيح مسلم وغيره عن جابر بن عبد الله – رضي الله تعالى عنه – قال: سمعت رسول الله – ﷺ – يقول: "إن أهل الجنة يأكلون فيها، ويشربون، ولا يتفلون ولا يبولون، ولا يتغوطون، ولا يتمخضون قالوا: فما بال الطعام؟ قال: جشاء ورشح كرشح المسك، يلهمون التسبيح والتحميد كما يلهمون النفس (١)

стр. 320

". ... وقد ثبت أنهم لا ينامون، فهم في النعيم مستغرقون، وبنعمة الله عليهم فرحون، روى الطبراني في معجمه الأوسط، والبزار ورجال البزار رجال الصحيح عن جابر بن عبد الله – رضي الله تعالى عنه – قال: سئل رسول الله – ﷺ – فقيل: يا رسول الله أينام أهل الجنة؟ فقال رسول الله – ﷺ –: "النوم أخو الموت، وأهل الجنة لا ينامون (١) " ... وأما نساء أهل الجنة الطاهرات، من المؤمنات الصالحات القانتات، ومن الحور الحسان الخيرات، فقد ورد في وصفهن ما يبهر العقول، ويدعو العقلاء لفعل كل عمل مبرور، وترك كل عمل مرذول ليحظوا بالأنس بهن في جوار العزيز الغفور. ... وتقدم في تخريج الحديث السابق رواية الصحيحين المصرحة بأن لكل من دخل الجنة من المؤمنين ـ زوجتين كريمتين، يرى من مخ سوقهما من الحسن، من وراء اللحم، وفي رواية الطبراني والبزار عن ابن مسعود – رضي الله تعالى عنه – عن النبي المختار – ﷺ – قال: "أول زمرة يدخلون الجنة يوم القيامة وجوههم على صورة القمر ليلة البدر، والذين يلونهم كأحسن كوكب دري في السماء، ولكل واحد منهم زوجتان على كل زوجة سبعون حلة يرى مخ ساقها من وراء اللحم، كما يرى الشراب الأحمر في الزجاجة البيضاء (٢) ".
следующие страницы →