.. ومن المعلوم لذي العقول والفهوم أن ما في الجنة مخلوق، وما في الدنيا مخلوق، فإذا توافق مخلوقان في الاسم واتحدا في المسمى، ولم يلزم من ذلك التوافق والاتحاد المماثلة في الحقائق والكيفيات، بل بينهما من التباين ما لا يعلمه إلا الله – جل وعلا – فالخالق إن وافق المخلوقات في الأسماء، واتحد معها في المسمى لا يلزم من ذلك مماثلته لمخلوقاته، ولا مشابهته لهم بوجه من الوجوه، بل إن مباينته للمخلوقات أعظم من مباينة المخلوق في الآخرة للمخلوق الموجود في الدنيا، فافهم هذا تسلم وتغنم.
... وإليك بعض النصوص الدالة على المباينة التامة، والبون الشاسع بين النعيم الموجود في الآخرة والنعيم الموجود في الدنيا، ليتضح لك الحق جلياً.
стр. 317
.. ثبت في الصحيحين وغيرهما عن أبي هريرة – رضي الله تعالى عنه – عن رسول الله – ﷺ – قال: "قال الله – ﵎ –: أعددت لعبادي الصالحين ما لا عين رأت ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر " قال أبو هريرة – رضي الله تعالى عنه – اقرؤوا إن شئتم: ﴿فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَّا أُخْفِيَ لَهُم مِّن قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاء بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ السجدة١٧ (١) ،
стр. 318
ومن الطريف الجليل ترجمة المنذري في الترغيب والترهيب لهذا الحديث وما يشبهه بقوله: فصل في أن أعلى ما يخطر على البال أو يجوزه العقل من حسن الصفات المتقدمة فالجنة وأهلها فوق ذلك ومن جملة ذلك النعيم المُعد للمؤمنين أنه لا تبلى ثيابهم، ولا يفنى شبابهم، ونعيمهم دائم في جميع الأوقات، فلا تعتريهم شدة، ولا آفة من الآفات، كما ثبت في صحيح مسلم وغيره عن أبي هريرة – رضي الله تعالى عنه – قال: قال رسول الله – ﷺ –: "من يدخل الجنة ينعم لا يبأس لا تبلى ثيابه، ولا يفنى شبابه" زاد أحمد والدرامي: "وله في الجنة ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر (١) ".
... وفي صحيح مسلم وغيره عن أبي سعيد الخدري وأبي هريرة – رضي الله تعالى عنهما – عن النبي – ﷺ – قال: "ينادي منادٍ: إن لكم أن تصحوا فلا تسقموا أبداً، وإن لكم أن تحيوا فلا تموتوا أبداً، وإن لكم أن تشبوا فلا تهرموا أبداً، وإن لكم أن تنعموا فلا تبأسوا أبداً"، فذلك قوله – –: ﴿وَنُودُواْ أَن تِلْكُمُ الْجَنَّةُ أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ (٢) ﴾ الأعراف٤٣.
стр. 319
.. ويقع تنعم المؤمنين بما في جنة النعيم على أتم وجه، فلا يترتب عليه ما يترتب على نعيم الدنيا من آثار ففي صحيح مسلم وغيره عن جابر بن عبد الله – رضي الله تعالى عنه – قال: سمعت رسول الله – ﷺ – يقول: "إن أهل الجنة يأكلون فيها، ويشربون، ولا يتفلون ولا يبولون، ولا يتغوطون، ولا يتمخضون قالوا: فما بال الطعام؟ قال: جشاء ورشح كرشح المسك، يلهمون التسبيح والتحميد كما يلهمون النفس (١)
стр. 320
".
... وقد ثبت أنهم لا ينامون، فهم في النعيم مستغرقون، وبنعمة الله عليهم فرحون، روى الطبراني في معجمه الأوسط، والبزار ورجال البزار رجال الصحيح عن جابر بن عبد الله – رضي الله تعالى عنه – قال: سئل رسول الله – ﷺ – فقيل: يا رسول الله أينام أهل الجنة؟ فقال رسول الله – ﷺ –: "النوم أخو الموت، وأهل الجنة لا ينامون (١) "
... وأما نساء أهل الجنة الطاهرات، من المؤمنات الصالحات القانتات، ومن الحور الحسان الخيرات، فقد ورد في وصفهن ما يبهر العقول، ويدعو العقلاء لفعل كل عمل مبرور، وترك كل عمل مرذول ليحظوا بالأنس بهن في جوار العزيز الغفور.
... وتقدم في تخريج الحديث السابق رواية الصحيحين المصرحة بأن لكل من دخل الجنة من المؤمنين ـ زوجتين كريمتين، يرى من مخ سوقهما من الحسن، من وراء اللحم، وفي رواية الطبراني والبزار عن ابن مسعود – رضي الله تعالى عنه – عن النبي المختار – ﷺ – قال: "أول زمرة يدخلون الجنة يوم القيامة وجوههم على صورة القمر ليلة البدر، والذين يلونهم كأحسن كوكب دري في السماء، ولكل واحد منهم زوجتان على كل زوجة سبعون حلة يرى مخ ساقها من وراء اللحم، كما يرى الشراب الأحمر في الزجاجة البيضاء (٢) ".
стр. 321
.. وذلك المقدار الذي يكرم به الأبرار لا ينافي حصول ما هو أكثر من تلك الدار، لدخول القليل في العدد الكثير، ولا منافاة بين العددين عند العالم النحرير (١)
стр. 322
ففي الصحيحين وغيرهما عن أبي موسى الأشعري – رضي الله تعالى عنه – عن النبي – ﷺ – قال: "إن للمؤمن في الجنة لخيمة من لؤلؤة مجوفة، طولها ستون ميلا ً، للمؤمن فيها أهلون، يطوف عليهم المؤمن فلا يرى بعضهم بعضاً (١) ".
... وفي المسند عن أبي هريرة – رضي الله تعالى عنه – قال: قال رسول الله – ﷺ –: "إن أدنى أهل الجنة منزلة، إن له لسبع درجات ـ وهو على السادسة، وفوقه السابعة، وإن له لثلاثمائة خادم، ويغدي عليه ويراح كل يوم بثلاثمائة صفحة – ولا أعلمه إلا قال من ذهب – في كل صفحة لون ليس في الأخرى، وإنه ليلذ أوله كما يلذ آخره، وإنه ليقول: يا رب لو أذنت لي لأطعمت أهل الجنة، وسقيتهم، لم ينقص مما عندي شيئاً، وإن له من الحور العين لاثنتين وسبعين زوجة سوى أزواجه من الدنيا، وإن الواحدة منهن ليأخذ مقعدها قدر ميل من الأرض (٢) ".
стр. 323
.. وورد في سنن ابن ماجه عن أبي أمامة – رضي الله تعالى عنه – قال: قال رسول الله – ﷺ –: "ما من أحد يدخله الله الجنة، إلا زوجه الله – – ثنتين وسبعين زوجة، ثنتين من الحور العين، وسبعين من ميراثه من أهل النار، ما منهن واحدة إلا ولها قبل شهي، وله ذكر لا ينثني" قال هشام بن خالد شيخ ابن ماجه: من ميراثه من أهل النار يعني رجالا ً دخلوا النار، فورث أهل الجنة نساءهم، كما ورثت امرأة فرعون (١) .
стр. 324
وورد في مسند أبي يعلى عن ابن عباس – رضي الله تعالى عنهما – وفي معجم الطبراني ومسند البزار عن أبي هريرة – رضي الله تعالى عنه – قال: قيل يا رسول الله – ﷺ – أنفضي إلى نساءنا في الجنة؟ فقال: "إي والذي نفسي بيده، إن الرجل ليفضي في اليوم الواحد إلى مائة عذراء (١) " وفي زوائد نعيم بن حماد على رواية المروزي لكتاب الزهد لابن المبارك: عن كثير بن مرة – رحمه الله تعالى – قال: إن من المزيد في الجنة أن تمر السحابة بأهل الجنة، فتقول: ما تدعون أن أمْطِرَكمْ؟ قال: فلا يدعون بشيء إلا أمطرتهم، قال كثير بن مرة: لئن أشهدني الله ذلك لأقولن أمطرينا جواري مزيناتٍ (٢) .
стр. 325
وتلك النساء قد ورد وصفهن عن خاتم الأنبياء – ﷺ – بما يحرك عزائم الأتقياء للمسارعة في طاعة رب الأرض والسماء ففي صحيح البخاري وغيره عن أنس بن مالك – رضي الله تعالى عنه – عن النبي – ﷺ – أنه قال: "لورحة ٌ في سبيل الله، أو غدوة خير من الدنيا وما فيها، ولقاب قوس أحدكم من الجنة أو موضع قيدٍ – يعني سوطه – خيرٌ من الدنيا وما فيها، ولو أن امرأة من أهل الجنة اطلعت على أهل الأرض لأضاءت ما بينهما، ولملأته ريحاً، ولنصيفها على رأسها – يعني: الخمار – خير من الدنيا وما فيها (١)
стр. 326
" وورد في معجم الطبراني الكبير والأوسط عن أم سلمة – رضي الله تعالى عنها – قالت: قلت: يا رسول الله – ﷺ – أخبرني عن قول الله – –: "حور عين"، قال: حور: بيض، عين: ضخام العيون، شفر الحوراء بمنزلة جناح النسور، قلت: يا رسول الله، فأخبرني عن قول الله – –: "كأنهن الياقوت والمرجان"، قال: صفاؤهن كصفاء الدر الذي في الأصداف لا تمسه الأيدي، قلت يا رسول الله، فأخبرني عن قول الله – – "فيهن خيرات حسان" قال: خيرات الأخلاق حسان الوجوه، قالت: قلت يا رسول الله، فأخبرني عن قوله – –: "كأنهن بيض مكنون" قال: رقتهن كرقة الجلد الذي في داخل البيضة مما يلي القشرة، قلت: يا رسول الله، فأخبرني عن قوله – –: "عرباُ أتراباً" قال: هن اللاتي قبضن في دار الدنيا عجائز رمصاً شمطاً، وخلقهن الله بعد الكبر فجعلهن عذارى، قال: عرباً: متعشقات متحببات، أترابا: على ميلاد واحد، قالت: قلت يا رسول الله، أنساء الدنيا أفضل أم الحور العين؟ قال: بل نساء الدنيا أفضل من الحور العين كفضل الظهارة على البطانة، قلت: يا رسول الله، وبم ذلك؟ قال: بصلاتهن، وصيامهن، وعبادتهن لله – –، أليس الله – – وجوههن النور، وأجسادهن الحرير، بيض الألوان، خضر الثياب، صفر الحلي، مجامرهن الدر، وأمشاطهن الذهب، يقلن:
ألا ونحن الخالدات فلا نَموتُ أبدا ... ألا ونحن الناعمات فلا نبأس أبدا
جج ... ج
ألا ونحن المقيمات فلا نَظعنْ أبدا ... ألا ونحن الراضيات فلا نسخط أبدا
طوبى لمن كنا له وكان لنا
стр. 327
قلت: يا رسول الله، المرأة تتزوج الزوجين والثلاثة والأربعة في الدنيا، ثم تموت، فتدخل الجنة، ويدخلون معها، من يكون زوجها منهم؟ قال: يا أم سلمة، إنها تخير، فتختار أحسنهم خلقاً، فتقول: أيْ رب إن هذا كان أحسنهم خلقاً في دار الدنيا فزوجنيه، يا أم سلمة، ذهب حسن الخلق بخير الدنيا والآخرة (١) .
стр. 328
وبالجملة فحال الجنة فوق ما يخطر ببالنا، أو يدور في خيالنا، كما في سنن ابن ماجه، وصحيح ابن حبان وغيرهما عن أسامة بن زيد – رضي الله تعالى عنهما – قال: قال رسول الله – ﷺ – ذات يوم لأصحابه: "ألا مُشَمِرٌ للجنة؟ فإن الجنة لا خطر لها، هي ورب الكعبة نور يتلألأ، وريحانة تهتز، وقصر مشيد، ونهر مطرد، وفاكهة كثيرة نضيجة، وزوجة حسناء جميلة، وحلل كثيرة، في مقام أبداً، في حبرة ونضرة، وفي دور عالية بهية، قالوا: نحن المشمرون لها يا رسول الله – ﷺ – قال: قولوا: إن شاء الله، ثم ذكر الجهاد وحض عليه (١) .
ومن أراد مزيد بيان لما يكون في دار الجنان، فعليه بمطالعة كتاب شيخ الإسلام ابن القيم الجوزية – عليه رحمة رب البرية –: "حادي الأرواح في بلاد الأفراح".
стр. 329
وكل ما ورد من أخبار عما ينعم به الأبرار في دار القرار في جوار العزيز الغفار، مخالف لما هو موجود في هذه الدار، كيفية وماهية، مع اتفاقهما في الاسم، واتحادهما في المسمى وكل منهما مخلوق، وذلك لأن الاتحاد والاتفاق في حالة الإطلاق ولكل منهما عن التقييد معنى يخصه فأنى ثم أنى تكون صفات رب العالمين كصفات المخلوق من طين إذا حصل بينهما اشتراك في الاسم، واتفاق في المسمى في حالة الإطلاق، والتجريد عن التقييد؟ نعوذ بالله من سوء الفهم، وانطماس البصيرة، ونسأله – جل وعلا – ذكاء العقل وزكاء السريرة، فهو حسبنا وهادينا ونعمه علينا كثيرة وفيرة.
стр. 330
وإذا كان ما في الجنة الباقية يباين ما في الدنيا الفانية مباينة تامة كاملة، مع اتفاقهما في الاسم، واتحادهما في المسمى، فإن ما في النار يباين أيضاً ما في هذه الدار، مع اشتراك ما فيهما في الاسم، واتحادهما في المسمى، ولن أفيض في بيان ذلك، إنما سأقتصر على مقال فقط مما هنالك، ورد عن عبد الله بن مسعود – رضي الله تعالى عنه – بإسناد صحيح في تفسير قول الله – جل وعلا –: ﴿الَّذِينَ كَفَرُواْ وَصَدُّواْ عَن سَبِيلِ اللهِ زِدْنَاهُمْ عَذَاباً فَوْقَ الْعَذَابِ بِمَا كَانُواْ يُفْسِدُونَ﴾ النحل٨٨، أنه قال: زيدوا عقارب أنيابها كالنخل الطِوال (١) .
стр. 331
وفي المسند وغيره بسند حسن عن عبد الله بن الحارث بن جزء الزبيدي – رضي الله تعالى عنه – قال: قال رسول الله – ﷺ –: "إن في النار حيات كأمثال أعناق البُخت تلسع إحداهن اللسعة فيجد حموتها أربعين خريفاً، وإن في النار عقارب كأمثال البغال الموكفة تلسع إحداهن اللسعة فيجد حموتها أربعين خريفاً (١)
стр. 332
".
ومن المعلوم لكل ذي حِجا أن تلك الحيات والعقارب تشارك حيات الدنيا وعقاربها في الاسم، وتماثلها في المسمى وهي مع ذلك تختلف عنها في الكيفية والماهية، فحجم حيات الآخرة وعقاربها يختلف عن حجم حيات الدنيا وعقاربها، وهكذا تختلف عنها أيضاً في مقدار سمها وشدة ضررها، كما تختلف عنها في ماهيتها وحقيقتها، فهي تؤذي أهل النار بسمها، ولا تتأذى هي بحرها، فلا وجود لذلك التماثل والاتفاق إلا في حالة الإطلاق، وعند التقييد والتخصيص ينفرد كل منهما عن الآخر بما يناسبه من معنى، ويتميز عنه بذلك وإذا كان هذا ثابتاً بين المخلوقات فثبوته أشد وأعظم فيما بين الخالق والمخلوقات، وله المثل الأعلى في السموات والأرض وهو العزيز الحكيم، كما قال ربنا في سورة الروم ٢٧ وفي سورة النحل ٦٠: ﴿وَلِلّهِ الْمَثَلُ الأَعْلَىَ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ .
стр. 333
ولما لم يدرك المشركون ذلك الفرق الفارق بين الصفات والمسميات لركة عقولهم، وانطماس بصيرتهم، وشططتهم وعتوهم، أثاروا لغطأً وضجيجاً، حول ما أنزله الله ليكون لهم هداية وتسديداً قال الله – جل وعلا –: ﴿وَإِذْ قُلْنَا لَكَ إِنَّ رَبَّكَ أَحَاطَ بِالنَّاسِ وَمَا جَعَلْنَا الرُّؤيَا الَّتِي أَرَيْنَاكَ إِلاَّ فِتْنَةً لِّلنَّاسِ وَالشَّجَرَةَ الْمَلْعُونَةَ فِي القُرْآنِ وَنُخَوِّفُهُمْ فَمَا يَزِيدُهُمْ إِلاَّ طُغْيَاناً كَبِيراً﴾ الإسراء٦٠ ثبت في صحيح البخاري وغيره عن ابن عباس – رضي الله تعالى عنهما – قال: " وَمَا جَعَلْنَا الرُّؤيَا الَّتِي أَرَيْنَاكَ إِلاَّ فِتْنَةً لِّلنَّاسِ" هي رؤيا عين أريها رسول الله – ﷺ – ليلة أسرى به " وَالشَّجَرَةَ الْمَلْعُونَةَ فِي القُرْآنِ" هي شجرة الزقوم (١) .
стр. 334
ووجه ذلك الاختبار أن المشركين ضجوا، وبالسفاهة عجوا، ونكصوا على أعقابهم وارتدوا فقالوا: كيف يذهب محمد – ﷺ – إلى بيت المقدس، ويرجع ببعض ليلة؟ وكيف تكون الشجرة في النار، ولا تحترق؟ والنار تحرق الأشجار، فكيف تنبتها؟ قال ربنا – جل وعلا – في سورة الصافات بعد بيان نعيم المؤمنين في الجنات: ﴿أَذَلِكَ خَيْرٌ نُّزُلاً أَمْ شَجَرَةُ الزَّقُّومِ إِنَّا جَعَلْنَاهَا فِتْنَةً لِّلظَّالِمِينَ إِنَّهَا شَجَرَةٌ تَخْرُجُ فِي أَصْلِ الْجَحِيمِ طَلْعُهَا كَأَنَّهُ رُؤُوسُ الشَّيَاطِينِ فَإِنَّهُمْ لَآكِلُونَ مِنْهَا فَمَالِؤُونَ مِنْهَا الْبُطُونَ﴾ الصافات ٦٢-٦٦ روى ابن جرير وغيره عن قتادة – رحمهم الله تعالى – قال: لما ذكر الله – جل وعلا – شجرة الزقوم، افتتن الظلمة – أبو جهل وأصحابه – فقالوا: ينبئكم صاحبكم هذا أن في النار شجرة، والنار تأكل الشجر، فأنزل الله – جل وعلا – ما تسمعون: " إِنَّهَا شَجَرَةٌ تَخْرُجُ فِي أَصْلِ الْجَحِيمِ" غُُذيت بالنار، ومنها خلقت (١) ،
стр. 335
فهل يريد المعطلة الأرزال، أن يضارعوا المشركين الأسافل لأن توهم مماثلة صفات رب العالمين، لما هو معروف في المخلوقين الناقصين، مسلك المشركين الضالين، في الزمن القديم، وفيما بعده من الأحايين، قال الإمام القرطبي – عليه رحمة الله تعالى –: وكان هذا القول منهم جهلا ً، إذ لا يستحيل في العقل أني خلق الله في النار شجراً من جنسها لا تأكله النار، كما يخلق الله فيها الأغلال، والقيود والحيات والعقارب، وخزنة النار، وقيل: هذا الاستبعاد الذي وقع للكفار هو الذي وقع الآن للملحدة، حتى جملوا الجنة والنار على نعيم أو عقاب تتخلله الأرواح، وحملوا وزن الأعمال والصراط، واللوح والقلم على معان زوروها في أنفسهم، دون ما فهمه المسلمون من موارد الشرع (١) .
قال عبد الرحيم – غفر الله له ذنوبه أجمعين –: شجرة الزقوم لأهل الجحيم، كشجرة طوبى لأهل النعيم، والفرق بين الشجرتين، كالفرق بين الدارين، وإليك بعض ما ورد في وصفها مَنّ الله الكريم علينا، بالتمتع بها والأكل من ثمرها، إنه سميع الدعاء.
стр. 336
ثبت في الصحيحين وغيرهما عن أبي هريرة، وأبي سعيد الخدري، وسهل بن سعد الساعدي – رضي الله تعالى عنهم أجمعين – أن نبينا الأمين – ﷺ – قال: "إن في الجنة لشجرة يسير الراكب في ظلها مائة عام لا يقطعها، واقرؤوا إن شئتم" ﴿وَظِلٍّ مَّمْدُودٍ﴾ الواقعة٣٠ (١) .
стр. 337
وتلك الشجرة هي شجرة طوبى كما نقل ذلك الإمام ابن حجر عن الإمام ابن الجوزي – عليهم رحمة الله تعالى – وارتضى ذلك، واستشهد عليه وقواه، وفي القرآن الكريم: ﴿الَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّالِحَاتِ طُوبَى لَهُمْ وَحُسْنُ مَآبٍ﴾ الرعد٢٩، قال ابن عباس وأبو هريرة – رضي الله تعالى عنهم – طوبى اسم شجرة في الجنة. زاد أبو هريرة – رضي الله تعالى عنه –: يقول الله لها: تفتقي لعبدي عما شاء فتتفتق له عن الخيل بسروجها ولُجُمِها، وعن الإبل برحالها وأزمتها، وعما شاء من الكسوة (١) .
стр. 338
وفي المسند، ومعجم الطبراني الكبير والأوسط عن عتبة بن عبد السلمي – رضي الله تعالى عنه – قال: جاء أعرابي إلى النبي – ﷺ – فسأله عن الحوض، وذكر الجنة ثم قال الأعرابي فيها فاكهة؟ قال: "نعم، وفيها شجرة تدعى طوبى، قال: أي شجر أرضنا تشبه؟ قال: ليست تشبيه شيئاً من شجر أرضك، ولكن أتيت الشام؟ قال: لا يا رسول الله – ﷺ – قال: فإنها تُشبه شجرة بالشام، تدعى "الجَوْزة" تنبت على ساق واحد، وينفرش أعلاها، قال: فما عِظم أصلها؟ قال: لو ارتحلت جذعة من إبل أهلك ما أحاطت بأصلها حتى تنكسر ترقوتها هرماً، قال: فيها عنب؟ قال: نعم، قال: فما عظم العنقود فيها؟ قال: مسيرة شهر للغراب الأبقع لا ينثني ولا يفتر، قال: فما عظم الحبة منه؟ قال: هل ذبح أبوك تيساً من غنمه عظيماً؟ قال: نعم، قال: فسلخ إهابه فأعطاه أمك، فقال: ادبغي هذا، ثم افري لنا منه ذنوباً يروي ما شيتنا؟ قال: نعم، قال: فإن تلك الحبة لتشبعني وأهل بيتي، فقال النبي – ﷺ –: وعامة عشيرتك (١) .
стр. 339
وفي مسند الإمامين أحمد وأبي يعلى عن أبي سعيد الخدري – رضي الله تعالى عنه – أن رجلا ً قال للنبي – ﷺ –: يا رسول الله، طوبى لمن رآك، وآمن بك، فقال النبي – ﷺ –: "طوبى لمن رآني وآمن بي، ثم طوبى، ثم طوبى، ثم طوبى لمن آمن بي ولم يرني" فقال له الرجل: وما طوبى؟ قال: "شجرة في الجنة مسيرة مائة عام، ثياب أهل الجنة تخرج من أكمامها (١)
стр. 340
".
قال كاتب هذه الأسطر – ستره الله في الدنيا والآخرة –: تفسير النبي – ﷺ – لطوبى بأنها شجرة في الجنة من باب تفسير اللفظ بأشهر أفراده، وأجود أنواعه، وذلك لا يمنع من حصول خيرات لهم يسرون بها غير ما ينالون من تلك الشجرة المباركة، لأن لفظ "طوبى" مصدر من طاب كبشرى وزلفى، وذلك شامل لما يناله من عيش طيب، وتحصيل كرامة، وإصابة خير، وقرة عين، فدخل في ذلك تنعيمهم بتلك الشجرة الطيبة بسائر ما يحصلونه من الطيبات، هذا أولى من قول الإمام القرطبي – عليه رحمة الله تعالى –: "حيث قال: والصحيح أنها شجرة، للحديث المرفوع الذي ذكرناه ١٠هـ لأنه لا منافاة بين القولين، بل تفسير "طوبى" بمعناها في اللسان العربي يشمل ما ثبت عن هادينا النبي – ﷺ –، وذلك التفسير أشمل وأجمع، وأوسع وأنفع (١) .
стр. 341
وصفوة المقال: إن شجرة الزقوم التي تخرج في أصل الجحيم، اتفقت في مسمى الشجرة مع شجرة طوبى المعدة للأبرار، والتباين بينهما كالتباين الحاصل بين دار الأبرار، ودار الفجار والأشرار والتباين أيضاً بين ما في الآخرة من نعيم للمؤمنين، وجحيم للكافرين، وبين ما هو موجود في الحياة الدنيا كالتباين بين الدارين، ولا يعلم حقيقته إلا رب الكونين، وليس بين تلك المسميات اتفاق إلى في الأسماء، فالمباينة بين صفات المخلوقين الضعفاء، وبين صفات رب الأرض والسماء، أعظم بلا امتراء، فقبحاً ثم قبحاً لعقول المعطلة، وتباً ثم تباً لتلك العقول السافلة، حيث لم تفهم من صفات الله الجليل، إلا التمثيل بالمخلوق الحقير، تعالى عن ذلك ربنا العلي الكبير: ﴿مَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ﴾ الحج٧٤، ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالْأَرْضُ جَمِيعاً قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّماوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ الزمر٦٧.
وقد كان الناس صنفان، نحو صفات الرحمن، ونحو ما يكون في الآخرة من عذاب وإكرام أهل السنة الكرام: يثبتون الأمرين على حقيقتهما كما أخبر الرحمن، ولا يتوهمون كيفية في الأذهان، ويثبتون المباينة بينهما وبين ما هو معروف للإنسان.
فلا سفة زنادقة، وباطنية من دين الله مارقة، ينفون الأمرين كليهما، ويحملون النصوص الواردة فيهما، على التلبيس والتخييل، والتمويه والتضليل، والرمز والتزوير – فعليهم لعنة الله الجليل.
стр. 342
ثم نبت صنف ثالث، وهم أهل الكلام، فركبوا مذهباً جديداً جمعوا به بين الكفر والإيمان حيث أثبتوا ما يكون في الآخرة من عذاب وإحسان، وقالوا: إن ذلك حقيقة على غير ما يتوهمه الإنسان، وهذا خلاف ما قرره الفلاسفة أتباع الشيطان، وهو قول أهل السنة الكرام، لكنهم أركسوا بعد ذلك في الهذيان، فحرفوا الكلام عن مواضعه في صفات ربنا الرحمن، فحملوها على الكنايات والرمز ومنكر الأوهام، وهذا خلاف قول أهل الإيمان، وهو قول الفلاسفة اللئام.
وبذنيك المسلكين كانوا متناقضين، وبين حزب الإيمان وحزب الشيطان مذبذبين ـ وترتب على قولهم نصرة مذهب الفلاسفة الملعونين، لأنه إذا جاز صرف الكلام عن ظاهره في صفات رب العالمين، حسبما يتخرص بعض المتوهمين، فيجوز أيضاً صرف الكلام عن ظاهره في إخبار رب العالمين، عما يكون في الآخرة من نعيم للمؤمنين، وجحيم للعتاة الطاغين (١) . نسأل الله الكريم إيمان الراسخين، والتمتع بالنظر إلى وجهه الكريم، مع عباده المتقين في عليين، آمين أمين والحمد لله رب العالمين.
المثال الثاني: "الروح":
... وجود الروح في الإنسان، يدل على صحة طريقة أهل السنة، في إيمانهم بصفات ربهم ذي الجلال والإكرام، ووجه ذلك: أن الروح موصوفة بصفات، توافق الأجسام المشاهدات، ومع ذلك فلا تماثل بين صفات الأرواح، وصفات الأشباح (٢) ، وبينهما من البون، ما لا يعلمه إلا رب الكونين، وعقول العباد عاجزة عن تكييف الروح، وقاصرة عن تحديدها، لأنهم لم يشاهدوها ولم يشاهدوا لها نظيراً، وحقيقة الشيء لا تدرك إلا بمشاهدته، أو بمشاهدة نظيره.
стр. 343
.. ومن المعلوم لذي العقول والفهوم أن الروح ليست من جنس هذا البدن، ولا من جنس عناصر المخلوقات من التراب والماء، والنار والهواء، ولا من المولدات من تلك العناصر، بل هي من جنس آخر مخالف لهذه الأجناس، فهي مما استأثر بعلمه رب الناس، كما قال ربنا – جل وعلا – ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَمَا أُوتِيتُم مِّن الْعِلْمِ إِلاَّ قَلِيلاً﴾ الإسراء٨٥، ثبت في الصحيحين وغيرهما عن عبد الله بن مسعود – رضي الله تعالى عنه – قال: بينما أنا أمشي مع النبي – ﷺ – في خِرَبِ المدينة – وهو يتوكأ على عسيب معه – فمر بنفر من اليهود فقال بعضهم: سلوه عن الروح، وقال بعضهم: لا تسألوه، لا يجيء فيه بشيء تكرهونه، فقال بعضهم: لنسألنه، فقام رجل منهم، فقال: يا أبا القاسم – ﷺ – ما الروح؟ فسكت بعلمت أنه يوحى إليه، فقمت من مقامي، فلما نزل الوحي، فقال: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَمَا أُوتِيتُم مِّن الْعِلْمِ إِلاَّ قَلِيلاً﴾ الإسراء٨٥ (١) .
стр. 344
.. وثبت في المسند والمستدرك وسنن الترمذي وغيرهما عن ابن عباس – رضي الله تعالى عنهما – قال: قالت قريش لليهود أعطونا شيئاً نسأل عنه هذا الرجل، فقالوا: سلوه عن الروح، فسألوه عن الروح، فأنزل الله – ﵎ –: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَمَا أُوتِيتُم مِّن الْعِلْمِ إِلاَّ قَلِيلاً﴾ الإسراء٨٥، قالوا: أوتينا علماً كبيراً، أتينا التوراة فيها حكم الله، ومن أوتي التوراة فقد أوتي خيراً كثيراً، فنزلت: ﴿قُل لَّوْ كَانَ الْبَحْرُ مِدَاداً لِّكَلِمَاتِ رَبِّي لَنَفِدَ الْبَحْرُ قَبْلَ أَن تَنفَدَ كَلِمَاتُ رَبِّي وَلَوْ جِئْنَا بِمِثْلِهِ مَدَداً﴾ الكهف ١٠٩ (١) .
стр. 345
.. وإذا كان هذا حال الروح وهي موجودة حية، عالمة قادرة، سميعة بصيرة، تصعد وتنزل وتذهب وتجيء، وتدخل وتخرج، ولها نحو ذلك من الصفات، وتلك الصفات لا تماثل المساهد من المخلوقات، وفالخالق العظيم أولى بمباينته لمخلوقاته المساكين، وإن حصل الاتفاق في الأسماء والصفات، وأهل العقول هم أعجز عن أن يحدوه أو يكيفوه منهم عن أن يحدوا الروح أو يكيفوها، وإذا كان من نفى صفات الروح جاحداً معطلا ً لها، ومن مثلها بما يشاهده من المخلوقات جاهلا ً ممثلا ً لها بغير شكلها، وهي مع ذلك ثابتة بحقيقة الإثبات، مستحقة لما لها من الصفات، فالخالق – – أولى أن يكون من نفى صفاته جاحداً معطلا ً، من قاسه بخلقه جاهلا ً به ممثلا ً، وهو – ثبت بحقيقة الإثبات، مستحق لما له من الأسماء الحسنى والصفات (١) .
وإليك بعض مباحث متعلقة بالروح، لينكشف لك الحق بوضوح:
أولا ً: الروح المسئول عنها في آية الإسراء المتقدمة هي التي بها يحيا البدن، هذا هو الحق ولا يعتد بخلاف هذا القول، وقد أورد الإمام ابن الجوزي – عليه رحمة الله تعالى – ستة أقوال في بيان الروح التي وقع عنها السؤال، وهي:
١- الروح الذي يحيا به البدن.
٢- ملك على خلقه هائلة.
٣- خلق على صور بني آدم.
٤- جبريل – علي نبينا وعليه الصلاة والسلام.
٥- القرآن الكريم.
٦- عيسى – علي نبينا وعليه الصلاة والسلام.
стр. 346
ثم قال الإمام الجوزي قال أبو سليمان الدمشقي – عليهم جميعاً رحمة الله تعالى –: قد ذكر الله ﵎ – الروح في مواضع من القرآن، فغالب ظني أن الناقلين نقلوا تفسيره من موضعه إلى موضع لا يليق به وظنوه مثله، وإنما هو – أي المسئول عنه في سورة الإسراء – الروح الذي يحيا به ابن آدم (١) .
стр. 347
.. وهذا الذي رجحه الدمشقي ومال إليه هو قول معظم المفسرين وجمهورهم، وقد خالف ابن القيم في ذلك فقال في كتابه العظيم "الروح" وأكثر السلف بل كلهم على أن الروح المسئول عنها في الآية ليست أرواح بني آدم، بل هو الروح الذي أخبر الله تعالى عنه في كتابه أنه يقوم يوم القيامة مع الملائكة، وهو ملك عظيم ١هـ وتبعه على الخلاف القاسمي في محاسن التأويل قال: الذي أراه متعيناً في الآية لسابقها ولا حقها، أن المراد بالروح الوحي بالقرآن ... إلخ , إليك بعض من مذهب إلى القول الأول، وعليه عند التحقيق المعول، فابن العربي في أحكام القرآن اقتصر عليه ولم يذكر سواه، فقال: والروح خلق من خلق الله تعالى جعله الله في الأجسام، فأحياها به.. فإذا أراد العبد إنكارها لم يقدر، لظهور آثارها وإذا أراد معرفتها – وهي بين جنبيه – لم يستطع، لأنه قصر عنها، وقصر به دونها، قال أكثر العلماء: إنه سبحانه ركب ذلك فيه عبرة، ليرى أن الباري – تعالى – لا يقدر على جحده لظهور آياته في أفعاله.... إلخ وقال البغوي: وقال قوم: هو الروح المركب في الخلق الذي يحيا به الإنسان، وهو الأصح ١هـ وتبعه على هذا الخازن، وقال الراغب في المفردات: هو المذكور في الآية ١هـ وقال الرازي: أظهرها أن المراد من الروح الذي هو سبب الحياة ١هـ ونقل القرطبي عن أكثر أهل التأويل: أن السؤال وقع عن الروح الذي يكون به حياة الجسد وأقر ذلك.
стр. 348
وفي الكشاف: والأكثر على أنه الروح الذي في الحيوان ١هـ وفي التسهيل: والروح هنا عند الجمهور هو الذي في الجسم ١هـ وفي البحر: والروح على قول الجمهور هنا: الروح التي في الحيوان، وهو اسم جنس، وهو الظاهر، ثم بعد أن حكى الأقوال الأخرى قال: والصحيح من هذه الأقوال القول الأول، والظاهر أنهم سألوا عن ماهيتها وحقيقتها، وقيل: عن كيفية مداخلها الجسد الحيواني، وابنعاثها فيه، وصورة ملابستها له، وكلاهما مشكل لا يعلمه إلا الله تعالى ١٠هـ وفي الجواهر الحسان: قال الجمهور: وقع السؤال عن الأرواح التي في الأشخاص الحيوانية ما هي، فالروح اسم جنس على هذا، وهذا هو الصواب، وهو المشكل الذي لا تفسير له ١هـ وفي إنشاد العقل السليم: الظاهر أن السؤال كان عن حقيقة الروح الذي هو مدبر البدن الإنساني، ومبدأ حياته ١هـ ونقل الخطيب الشربيني كلام البغوي السابق، وأقره، وقال الألوسي: والظاهر عند المنصف أن السؤال كان عن حقيقة الروح الذي هو مدار البدن الإنساني ومبدأ حياته لأن ذلك من أدق الأمور التي لا يسع أحداً إنكارها، ويشرئب كل إلى معرفتها وتتوفر دواعي العقلاء إليها، وتلك الأذهان عنها، ولا تكاد تعلم إلا بوحي، وزعم ابن القيم ثم بعد أن حكى قوله المتقدم قال: والحق ما ذكرنا، وهو الذي عليه الجمهور كما نص عليه في البحر وغيره نعم ما زعمه ابن القيم مروي عن بعض السلف إلخ.
стр. 349
وقد نقل ابن حجر في الفتح قول الرازي وغيره في أن الروح المسئول عنه هو الروح الذي به حياة الأبدان، ثم قال: وجنح ابن القيم في كتاب "الروح" ثم بعد أن ذكر قوله قال: ولا دلالة في ذلك لما رجحته، بل الراجح الأول (١) ١هـ والله تعالى أعلم.
ثانياً: لأهل السنة الكرام في الروح تعريفان، لا يخرجان عن الوصف الوارد للروح في السنة والقرآن:
التعريف الأول:
стр. 350
قال الإمام الجنيد – عليه رحمة الله تعالى –: الروح شيء موجود استأثر الله – جل وعلا – بعلمه، فلم يطلع عليه أحداً من خلقه، فلا يجوز للعباد البحث عن الروح بأكثر من أنها موجودة (١) .
وهذا التعريف – كما ترى – مستمد من آية الإسراء، ولم يخرج عنه قيد شعرة.
التعريف الثاني:
стр. 351
اختاره الإمام ابن القيم – عليه رحمة الله تعالى – لدلالة النصوص الشرعية عليه، فقال: إنه جسم مخالف بالماهية لهذا الجسم المحسوس وهو جسم نوراني علوي، خفيف حي، متحرك، ينفذ في جوهر الأعضاء، ويسري فيها سريان الماء في الورد، وسريان الدهن في الزيتون، والنار في الفحم، فما دامت هذه الأعضاء صالحة لقبول الآثار الفائضة عليها من هذا الجسم اللطيف بقي الجسم اللطيف مشابكاً لهذه الأعضاء وأفادها هذه الآثار من الحس والحركة والإرادة، وإذا فسدت هذه الأعضاء بسبب استيلاء الأخلاط الغليظة عليها، وخرجت عن قبول الآثار، فارق الروح البدن، وانفصل إلى عالم الأرواح، وهذا القول، هو الصواب في المسألة، وهو الذي لا يصح غيره، وكل الأقوال سواء باطلة، وعليه دل الكتاب والسنة، وإجماع الصحابة – رضي الله تعالى عنهم – وأدلة العقل، ثم سرد ستة عشر دليلا ً ومائة دليل على ذلك القول الجليل (١) .
وذلك التعريف مستقى من واقع الروح، ومما ورد في وصفها من النصوص، فهي موجودة، قائمة بنفسها، يشار إليها، فيصح إطلاق لفظ الجسم عليها، وهي مخالفة بالماهية لهذا الجسم الكثيف، ولذلك هي نورانية علوية خفيفة، ولكونها حية حصل منها الدخول والخروج، والتعارف والتناكر، فهذه الصفات لا تقوم بغير الخير، وواقع اتصالها بالبدن يماثل ما شبهت به من سريان الماء في الورد، والدهن في الزيتون، والنار في الفحم، وإليك سرد بعض النصوص المتعلقة بالروح، ليظهر الأمر في غاية الوضوح.
стр. 352
ثالثاً نماذج من النصوص الثابتة القوية في وصف الروح الإنسانية، ثبت في صحيح مسلم والمسند وسنن أبي داود عن أبي هريرة – رضي الله تعالى عنه – أن رسول الله – ﷺ – قال: "الأرواح جنود مجندة، فما تعارف منها ائتلف، وما تناكر منها اختلف"، والحديث رواه البخاري في صحيحه تعليقاً عن أمنا عائشة – رضي الله تعالى عنها – ووصله في الأدب المفرد ورواه عنها الطبراني وأبو يعلى وفي روايتهما أن عمرة بنت عبد الرحمن قالت: كانت امرأة بمكة مزّاحة، فنزلت على امرأة مثلها في المدينة، فبلغ ذلك عائشة – رضي الله تعالى عنها – فقالت: صدق حِبِّي، سمعت رسول الله – ﷺ – يقول: "الأرواح جنود مجندة فما تعارف منها ائتلف وما تناكر منها اختلف" ورواه الطبراني عن عبد الله بن مسعود بسند رجاله رجال الصحيح، ورواه أيضاً عن سلمان الفارسي – رضي الله تعالى عنه – بعد سرد قصة طريفة، وهي عن الحارث بن عميرة قال: انطلقت إلى المدائن فإذا أنا برجل عليه ثياب خلقان، ومعه أديم أحمر يغزله، فالتفت فنظر إليّ فأومأ بيده مكانك يا عبد الله، فقمت فقلت لمن كان عندي: من هذا الرجل؟ قالوا: هذا سلمان، فدخل بيته فلبس ثياباً بيضاً، ثم أقبل، واخذ بيدي، وصافحني، وساءلني، فقلت له: يا أبا عبد الله ما أريتني فيما مضى، ولا رأيتك، ولا عرفتني، ولا عرفتك، قال: بلى والذي نفسي بيده، لقد عرف روحي روحك حين رأيتك، ألست الحارث بن عميرة؟ قلت: بلى، قال سمعت رسول الله – ﷺ – يقول: "الأرواح جنود مجندة، فما تعارف منها ائتلف وما تناكر منها اختلف (١)
стр. 353
".
قال عبد الرحيم – غفر الله له ذنوبه أجمعين – تأمل أيها الأخ الكريم، هذا الأمر العظيم الذي تعجز عن الإحاطة بكنهه عقول الخلق أجمعين، وهو مشاهد لهم في كل آن وحين، فالطيب سائر إلى مثله الصالح النفيس، والخبيث منجذب إلى شكله الخسيس التعيس، كانجذاب الحديد إلى المغناطيس، فطوبى ثم طوبى لمن سكن في قلبه حب الرحمن، وتعلق فؤاده بخير الأنام – نبينا محمد ﵊ – ومال إلى أهل الإيمان، وإن فلت منه شيء من العصيان في بعض الأزمان، حسب القصور الموجود في بني الإنسان، والويل والثبور، لمن ركن إلى الشيطان الغرور، وأحب أهل الزيغ والفجور، وإن كانت الجوارح الظاهرة مشتغلة بالعمل المبرر، ولذلك كان من أعظم البشائر والسرور، عند أهل النهى والعقول، حديث نبينا – ﷺ –: "المرء مع من أحب" ففي الصحيحين وغيرهما عن أنس بن مالك – رضي الله تعالى عنه – أن رجلا ً سأل النبي – ﷺ – عن الساعة، فقال متى الساعة؟ فقال النبي – ﷺ –: "وما أعددت لها؟ قال: لا شيء إلا أني أحب الله ورسوله، فقال: وأنت مع من أحببت"، قال أنس – رضي الله تعالى عنه – فما فرحنا بشيء فرحنا بقول النبي – ﷺ –: "أنت مع من أحببت" قال أنس – رضي الله تعالى عنه –: "فأنا أحب النبي – ﷺ – وأبا بكر وعمر – رضي الله تعالى عنهم أجمعين – وأرجو أن أكون معهم بحبي إياهم، وإن لم أعمل أعمالهم، وفي رواية في البخاري بعد قول النبي – ﷺ – للأعرابي: "إنك مع من أحببت" فقلنا: ونحن كذلك؟ قال: نعم ففرحنا فرحاً شديداً (١) .
стр. 354
وإليك بعض كلام أئمة الإسلام، في بيان الترابط بين الأنام، حسب ما في أرواحهم من معان وأحكام، قال الإمام الخطابي – عليه رحمة الله تعالى – في شرح حديث: "الأرواح جنود مجنده": إن الأجساد التي فيها الأرواح تلتقي في الدنيا، فتأتلف وتختلف، على حسب ما جعلت عليه من التشاكل أو التنافر في بدء الخليقة، ولذلك ترى البر الخبر يحب شكله، ويحن إلى تِرْبِه، وينفر من ضده (١) ،
стр. 355
وكذلك الرّهِق الفاجر، يألف شكله، ويستحسن فعله، وينحرف عن ضده – وفي هذا دليل على أن الأرواح ليست بأعراض، وأنها كانت موجودة قبل الأجساد، وأنها تبقى بعد فناء الأجساد ١٠هـ وفي فتح الباري: قال الإمام ابن الجوزي – عليه رحمة الله تعالى –: ويستفاد من هذا الحديث أن الإنسان إذا وجد من نفسه نفرة ممن له فضيلة أو صلاح فينبغي أن يبحث عن المقتضى لذلك، ليسعى في إزالته حتى يتخلص من الوصف المذموم، وكذلك القول في عكسه، وقال القرطبي: الأرواح وإن اتفقت في كونها أرواحاً لكنها تتمايز بأمور مختلفة تتنوع بها، فتتشاكل أشخاص النوع الواحد، وتتناسب بسبب ما اجتمعت فيه من المعنى الخاص لذلك النوع للمناسبة ولذلك نشاهد أشخاص كل نوع تألف نوعها وتنفر من مخالفها، ثم إنا نجد بعض أشخاص النوع الواحد يتآلف وبعضها يتنافر، وذلك بحسب الأمور التي يحصل الاتفاق والانفراد بسببها ١هـ وللإمام الغزالي – عليه رحمة الملك الباري – كلام سديد في ذلك هاك خلاصته، قال – رحمه الله تعالى –: ائتلاف القلوب أمر غامض، فالمودة تستحكم بين شخصين من غير ملاحة في صورة ولا حسن في خَلق، ولاخُلق، ولكن باطنة توجب الألفة والموافقة، فإن شبه الشيء ينجذب إليه بالطبع، والأشياء الباطنية خفية، ولها أسباب دقيقة ليس في قوة البشر الاطلاع عليها وقد عبر رسول الله – ﷺ – عن ذلك بقوله: "الأرواح جنود مجندة فما تعارف منها ائتلف وما تناكر منها اختلف" فالتناكر نتيجة التباين، والائتلاف نتيجة التناسب الذي عبر عنه بالتعارف، والمشاهدة والتجربة للئتلاف عند التناسب في الطباع والأخلاق باطناً وظاهراً أمر مفهوم، وأما الأسباب التي أوجبت تلك المناسبة فليس في قوة البشر الاطلاع عليها، ولا معنى للخوض فيما لم يكشف سره للبشر، فما أوتينا من العلم إلا قليلا ً قال مالك بن دينا – عليه رحمة الله تعالى –: لا يتفق اثنان في عشرة إلا وفي أحدهما وصف من الآخر، وإن أجناس