← Джавами‘

Джавами‘ · id 21782

خطب ودروس الشيخ عبد الرحيم الطحان

عبد الرحيم الطحان

Полный текст (6 674 стр.). Показаны 351–390 · переход к 356.

стр. 351

اختاره الإمام ابن القيم – عليه رحمة الله تعالى – لدلالة النصوص الشرعية عليه، فقال: إنه جسم مخالف بالماهية لهذا الجسم المحسوس وهو جسم نوراني علوي، خفيف حي، متحرك، ينفذ في جوهر الأعضاء، ويسري فيها سريان الماء في الورد، وسريان الدهن في الزيتون، والنار في الفحم، فما دامت هذه الأعضاء صالحة لقبول الآثار الفائضة عليها من هذا الجسم اللطيف بقي الجسم اللطيف مشابكاً لهذه الأعضاء وأفادها هذه الآثار من الحس والحركة والإرادة، وإذا فسدت هذه الأعضاء بسبب استيلاء الأخلاط الغليظة عليها، وخرجت عن قبول الآثار، فارق الروح البدن، وانفصل إلى عالم الأرواح، وهذا القول، هو الصواب في المسألة، وهو الذي لا يصح غيره، وكل الأقوال سواء باطلة، وعليه دل الكتاب والسنة، وإجماع الصحابة – رضي الله تعالى عنهم – وأدلة العقل، ثم سرد ستة عشر دليلا ً ومائة دليل على ذلك القول الجليل (١) . وذلك التعريف مستقى من واقع الروح، ومما ورد في وصفها من النصوص، فهي موجودة، قائمة بنفسها، يشار إليها، فيصح إطلاق لفظ الجسم عليها، وهي مخالفة بالماهية لهذا الجسم الكثيف، ولذلك هي نورانية علوية خفيفة، ولكونها حية حصل منها الدخول والخروج، والتعارف والتناكر، فهذه الصفات لا تقوم بغير الخير، وواقع اتصالها بالبدن يماثل ما شبهت به من سريان الماء في الورد، والدهن في الزيتون، والنار في الفحم، وإليك سرد بعض النصوص المتعلقة بالروح، ليظهر الأمر في غاية الوضوح.

стр. 352

ثالثاً نماذج من النصوص الثابتة القوية في وصف الروح الإنسانية، ثبت في صحيح مسلم والمسند وسنن أبي داود عن أبي هريرة – رضي الله تعالى عنه – أن رسول الله – ﷺ – قال: "الأرواح جنود مجندة، فما تعارف منها ائتلف، وما تناكر منها اختلف"، والحديث رواه البخاري في صحيحه تعليقاً عن أمنا عائشة – رضي الله تعالى عنها – ووصله في الأدب المفرد ورواه عنها الطبراني وأبو يعلى وفي روايتهما أن عمرة بنت عبد الرحمن قالت: كانت امرأة بمكة مزّاحة، فنزلت على امرأة مثلها في المدينة، فبلغ ذلك عائشة – رضي الله تعالى عنها – فقالت: صدق حِبِّي، سمعت رسول الله – ﷺ – يقول: "الأرواح جنود مجندة فما تعارف منها ائتلف وما تناكر منها اختلف" ورواه الطبراني عن عبد الله بن مسعود بسند رجاله رجال الصحيح، ورواه أيضاً عن سلمان الفارسي – رضي الله تعالى عنه – بعد سرد قصة طريفة، وهي عن الحارث بن عميرة قال: انطلقت إلى المدائن فإذا أنا برجل عليه ثياب خلقان، ومعه أديم أحمر يغزله، فالتفت فنظر إليّ فأومأ بيده مكانك يا عبد الله، فقمت فقلت لمن كان عندي: من هذا الرجل؟ قالوا: هذا سلمان، فدخل بيته فلبس ثياباً بيضاً، ثم أقبل، واخذ بيدي، وصافحني، وساءلني، فقلت له: يا أبا عبد الله ما أريتني فيما مضى، ولا رأيتك، ولا عرفتني، ولا عرفتك، قال: بلى والذي نفسي بيده، لقد عرف روحي روحك حين رأيتك، ألست الحارث بن عميرة؟ قلت: بلى، قال سمعت رسول الله – ﷺ – يقول: "الأرواح جنود مجندة، فما تعارف منها ائتلف وما تناكر منها اختلف (١)

стр. 353

". قال عبد الرحيم – غفر الله له ذنوبه أجمعين – تأمل أيها الأخ الكريم، هذا الأمر العظيم الذي تعجز عن الإحاطة بكنهه عقول الخلق أجمعين، وهو مشاهد لهم في كل آن وحين، فالطيب سائر إلى مثله الصالح النفيس، والخبيث منجذب إلى شكله الخسيس التعيس، كانجذاب الحديد إلى المغناطيس، فطوبى ثم طوبى لمن سكن في قلبه حب الرحمن، وتعلق فؤاده بخير الأنام – نبينا محمد ﵊ – ومال إلى أهل الإيمان، وإن فلت منه شيء من العصيان في بعض الأزمان، حسب القصور الموجود في بني الإنسان، والويل والثبور، لمن ركن إلى الشيطان الغرور، وأحب أهل الزيغ والفجور، وإن كانت الجوارح الظاهرة مشتغلة بالعمل المبرر، ولذلك كان من أعظم البشائر والسرور، عند أهل النهى والعقول، حديث نبينا – ﷺ –: "المرء مع من أحب" ففي الصحيحين وغيرهما عن أنس بن مالك – رضي الله تعالى عنه – أن رجلا ً سأل النبي – ﷺ – عن الساعة، فقال متى الساعة؟ فقال النبي – ﷺ –: "وما أعددت لها؟ قال: لا شيء إلا أني أحب الله ورسوله، فقال: وأنت مع من أحببت"، قال أنس – رضي الله تعالى عنه – فما فرحنا بشيء فرحنا بقول النبي – ﷺ –: "أنت مع من أحببت" قال أنس – رضي الله تعالى عنه –: "فأنا أحب النبي – ﷺ – وأبا بكر وعمر – رضي الله تعالى عنهم أجمعين – وأرجو أن أكون معهم بحبي إياهم، وإن لم أعمل أعمالهم، وفي رواية في البخاري بعد قول النبي – ﷺ – للأعرابي: "إنك مع من أحببت" فقلنا: ونحن كذلك؟ قال: نعم ففرحنا فرحاً شديداً (١) .

стр. 354

وإليك بعض كلام أئمة الإسلام، في بيان الترابط بين الأنام، حسب ما في أرواحهم من معان وأحكام، قال الإمام الخطابي – عليه رحمة الله تعالى – في شرح حديث: "الأرواح جنود مجنده": إن الأجساد التي فيها الأرواح تلتقي في الدنيا، فتأتلف وتختلف، على حسب ما جعلت عليه من التشاكل أو التنافر في بدء الخليقة، ولذلك ترى البر الخبر يحب شكله، ويحن إلى تِرْبِه، وينفر من ضده (١) ،

стр. 355

وكذلك الرّهِق الفاجر، يألف شكله، ويستحسن فعله، وينحرف عن ضده – وفي هذا دليل على أن الأرواح ليست بأعراض، وأنها كانت موجودة قبل الأجساد، وأنها تبقى بعد فناء الأجساد ١٠هـ وفي فتح الباري: قال الإمام ابن الجوزي – عليه رحمة الله تعالى –: ويستفاد من هذا الحديث أن الإنسان إذا وجد من نفسه نفرة ممن له فضيلة أو صلاح فينبغي أن يبحث عن المقتضى لذلك، ليسعى في إزالته حتى يتخلص من الوصف المذموم، وكذلك القول في عكسه، وقال القرطبي: الأرواح وإن اتفقت في كونها أرواحاً لكنها تتمايز بأمور مختلفة تتنوع بها، فتتشاكل أشخاص النوع الواحد، وتتناسب بسبب ما اجتمعت فيه من المعنى الخاص لذلك النوع للمناسبة ولذلك نشاهد أشخاص كل نوع تألف نوعها وتنفر من مخالفها، ثم إنا نجد بعض أشخاص النوع الواحد يتآلف وبعضها يتنافر، وذلك بحسب الأمور التي يحصل الاتفاق والانفراد بسببها ١هـ وللإمام الغزالي – عليه رحمة الملك الباري – كلام سديد في ذلك هاك خلاصته، قال – رحمه الله تعالى –: ائتلاف القلوب أمر غامض، فالمودة تستحكم بين شخصين من غير ملاحة في صورة ولا حسن في خَلق، ولاخُلق، ولكن باطنة توجب الألفة والموافقة، فإن شبه الشيء ينجذب إليه بالطبع، والأشياء الباطنية خفية، ولها أسباب دقيقة ليس في قوة البشر الاطلاع عليها وقد عبر رسول الله – ﷺ – عن ذلك بقوله: "الأرواح جنود مجندة فما تعارف منها ائتلف وما تناكر منها اختلف" فالتناكر نتيجة التباين، والائتلاف نتيجة التناسب الذي عبر عنه بالتعارف، والمشاهدة والتجربة للئتلاف عند التناسب في الطباع والأخلاق باطناً وظاهراً أمر مفهوم، وأما الأسباب التي أوجبت تلك المناسبة فليس في قوة البشر الاطلاع عليها، ولا معنى للخوض فيما لم يكشف سره للبشر، فما أوتينا من العلم إلا قليلا ً قال مالك بن دينا – عليه رحمة الله تعالى –: لا يتفق اثنان في عشرة إلا وفي أحدهما وصف من الآخر، وإن أجناس

стр. 356

الناس كأجناس الطير، ولا يتفق نوعان من الطير إلا وبينهما مناسبة، ورأى يوماً غراباً مع حمامة فعجب من ذلك، وقال: اتفقا وليسا من شكل واحد، ثم طارا فإذا هما أعرجان، فقال: من ههنا اتفقا، ولذلك قال بعض الحكماء: كل إنسان يأنس إلى شكله، كما أن كل طير يطير مع جنسه، وإذا اصطحب اثنان برهة من زمان ولم يتشاكلا في الحال، فلابد أن يفترقاً، وهذا معنى خفي حتى تفطن له بعض الشعراء فقال: وقائل كيف تفارقتما ... فقلت قولا ً فيه إنصاف ج لم يك من شَكْلي ففارقته ... والناس أشْكالوألاف١٠هـ ... وقد أطال الإمام ابن القيم – عليه رحمة الله تعالى – في تقرير ذلك المعنى، ورد ما يثار حوله من شبه، في الباب الخامس في دواعي المحبة ومتعلقها من كتاب القيم "روضة المحبين" وخلاصته على سبيل الإيجاز: التناسب بين الأرواح من أقوى أسباب المودة: وكل امرئ يصبو إلى من يناسبه، وهذه المناسبة نوعان: أصلية من أصل الخلقة، وعارضة بسبب المجاوزة، أو الاشتراك في أمر من الأمور، فإن من ناسب قصدك قصده حصل التوافق بينك وبينه، فإذا اختلف القصد زال التوافق، وأما التناسب الأصلي فهو اتفاق أخلاق، وتشاكل أرواح، وشوق كل نفس إلى مشاكلها فإن شبه الشيء ينجذب غليه بالطبع، فتكون الروحان متشاكلتين في أصل الخلقة، فتنجذب كل منهما إلى الأخرى بالطبع، وقد يقع الانجذاب والميل بالخاصية، وهذا لا يعلل، ولا يعرف سببه، كانجذاب الحديد إلى الحجر المغناطيسي، ولا ريب أن وقوع هذا القدر بين الأرواح أعظم من وقوعه بين الجمادات، وإذا كانت المحبة بالمشاكلة والمناسبة ثبتت وتمكنت، وإذا لم تكن بالمشاكلة فإنما هي محبة لغرض من الأغراض تزول عند انقضائه وتضمحل، فمن أحبك لأمر ولى عند انقضائه. ... والمقصود أن المحبة تستدعي مشاكلة ومناسبة، وذكر لبقراط رجل من أهل النقص يحبه فاغتنم لذلك، وقال: أحبني غلا وقد وافقته في بعض أخلاقه، واخذ المتنبي هذا المعنى فقلبه وأجاد فقال:

стр. 357

وإذا أتَتْك مَذمّتي مِنْ ناقصٍ ... فهي الشهادةُ لي بأني فاضلُ ... وأنت إذا تأملت الوجود لا تكاد تجد اثنين يتحابان غلا وبينهما مشاكلة أو اتفاق في فعل أو حال أو مقصد، فإذا تباينت المقاصد والأوصاف والأفعال والطرائق، لم يكن هناك إلا النفرة والبعد بين القلوب. وصفوة الكلام: المحبة قسمان ك محبة عرضية غرضية، فهذه لا يجب الاشتراك فيها في المحبة بين المحب والمحبوب، بل يقارنها مقت المحبوب وبغضه للمحب كثيراً، إلا إذا كان له معه غرض نظير غرضه، فإنه يحبه لغرضه منه، كما يكون بين الرجل والمرأة اللذين لكل منهما غرض مع صاحبه.

стр. 358

والقسم الثاني: محبة روحانية سببها المشاكلة والاتفاق بين الروحين، فهذه لا تكون إلا من الجانبين، فلو فتش المحب المحبة الصادقة قلب المحبوب لوجد عنده من محبته نظير ما عنده أو دونه أو فوقه (١)

стр. 359

١٠هـ. ... وقد ورد في النصوص الشرعية، وصف الروح البشرية بالدخول والخروج، والإشارة إليها إشارة حسية، ففي صحيح مسلم، وغيره من كتب الحديث المرضية عن أمنا أم سلمة الطيبة التقية زوج خير البرية – ﷺ تسليماً كثيراً – قالت: دخل رسول الله – ﷺ – على أبي سلمة وقد شق بصره، فأغمضه، ثم قال: "إن الروح إذا قبض تبعه البصر" فضج ناس من أهله، فقال: "لا تدعوا على أنفسكم إلا بخير، فإن الملائكة يؤمنون على ما تقولون، ثم قال: اللهم اغفر لأبي سلمة، وارفع درجته في المهديين، وأدخله في عقبه الغابرين، واغفر لنا وله يا رب العالمين، وافسح له في قبره، ونور له فيه". ... ولذلك أمرنا بإغماض بصر الميت بعد موته، لأن بصره تبع روحه، وقد فعل ذلك نبينا – ﷺ – مع أبي سلمة، – رضي الله تعالى عنه – وفي سنن ابن ماجه بسند حسن عن شداد بن أوس – ﵁ – قال: قال رسول الله – ﷺ –: "إذا حضرتم موتاكم فأغمضوا البصر، فإن البصر يتبع الروح، وقولوا خيراً، فإن الملائكة تؤمن على ما قال أهل الميت" وفي صحيح مسلم عن أبي هريرة – رضي الله تعالى عنه – قال: رسول الله – ﷺ –: "ألم تروا الإنسان إذا مات ما شخص بصره؟ قالوا: بلى، قال: فذلك حين يتبع بصره نفسه (١) ".

стр. 360

وسأختم الكلام على ما ورد من نصوص عن نبينا – ﵊ – في وصف أرواح الأنام ببيان ما ورد في علم الأرواح وتصرفها، بعد خروجها من الأشباح ومفارقتها ليعلم الإنسان مدى عجزه وقصوره عن الإحاطة، بمخلوق مثله، فكيف سيطلع على حقيقة صفات ربه؟ (١) .

стр. 361

.. ثبت في الصحيحين وغيرهما عن أنس بن مالك – رضي الله تعالى عنه – قال: ترك رسول الله – ﷺ – قتلى بدر ثلاثاً، ثم أتاهم فقام عليهم فنادهم فقال: "يا أبا جهل بن هشام ما أمية بن خلف بن ربيعة، يا شيبة بن ربيعة، أليس قد وجدتم ما وعد ربكم حقاً؟ فإني قد وجدت ما وعدني ربي حقاً" فسمع عمر – رضي الله تعالى عنه – قول النبي – ﷺ – فقال يا رسول الله، كيف يسمعوا، وانى يجيبوا، وقد جَيَّفوا؟ فقال النبي – ﷺ – "والذي نفسي بيده، ما أنتم بأسمع لما أقول منهم، ولكنهم لا يقدرون أن يجيبوا" ثم أمر بهم فسُجِوا، فألقوا في قليب بدر (١) .

стр. 362

.. وقد شرع لنا النبي – ﷺ – زيارة القبور، والسلام على الموتى بلفظ السلام عليكم وهذا خطاب لمن يسمع ويعقل، ولولا ذلك لكان ذلك الخطاب منزلة خطاب المعدوم والجماد كما قال الإمام ابن القيم – عليه رحمة الله تعالى – روى الإمام مسلم – عليه رحمة الله تعالى – في صحيحه عن أمنا عائشة – رضي الله تعالى عنها – قالت: قلت كيف أقول لهم يا رسول الله – ﷺ – تعنى في زيارة القبور –: السلام على أهل الديار من المؤمنين والمسلمين، ويرحم الله المستقدمين منا والمستأخرين، وإنا إن شاء الله بكم للاحقون (١) . ... وفي صحيح مسلم أيضاً عن بريدة – رضي الله تعالى عنه – قال: كان رسول الله – ﷺ – يعلمهم إذا خرجوا إلى المقابر، فكان قائلهم يقول: "السلام عليكم أهل الديار من المؤمنين والمسلمين، وإنا إن شاء الله بكم للاحقون، أسأل الله لنا ولكن العافية (٢) ".

стр. 363

.. وثبت في سنن الترمذي يسند حسن عن ابن عباس – رضي الله تعالى عنهما – قال: مرَّ رسول الله – ﷺ – بقبور المدينة، فأقبل عليهم بوجهه فقال: "السلام عليكم يا أهل القبور يغفر الله لنا ولكم، وأنتم سلفنا ونحن بالأثر (١) ". وورد في صحيح مسلم وغيره عن أبي هريرة – رضي الله تعالى عنه – أن رسول الله – ﷺ – أتى المقبرة، فقال: "السلام عليكم دار قوم مؤمنين وإنا إن شاء الله بكم لاحقون (٢)

стр. 364

". وهذه الأحاديث الصحيحة تدل على سماع الميت، وشعوره بمن يزوره كما قرر ذلك الإمام ابن القيم – عليه رحمة الله تعالى – من وجهين: أولهما: مشروعية السلام على الموتى دليل على سماعهم، لأن ذلك السلام خطاب لمن يسمع ويعقل، ولولا ذلك لكان خطابهم بالسلام بمنزلة خطاب الجماد والمعدون، والسلام على من لا يشعر، ولا يعلم بالمسلم محال. بداية ملف توحيد ٥ ثانيهما: تسمية المسلم عليهم زائداً، ولولا شعورهم به لما صح تسميته بذلك، فإن المزور إن لم علم بزيارة من زاره لم يصح أن يقال زاره، هذا هو المعقول من الزيارة عند جميع الأمم (١) .

стр. 365

.. ومن أتاه الله معرفة بكلام النبي – ﷺ – واطلاعاً على هديه لا يتردد في صواب ما قرره الإمام ابن القيم وحقيقته، ففي الصحيحين وغيرهما عن أنس – رضي الله تعالى عنه – عن النبي ﷺ – قال: "إن الميت إذا وضع في قبره، وتولى عنه أصحابه، إنه ليسمع قرع نعالهم، يأتيه ملكان، فيقعدانه، فيقولا له: ما كنت تقول في هذا الرجل محمد – ﷺ ؟ فأما المؤمن فيقول: أشهد أنه عبد الله ورسوله، فيقال له: انظر إلى مقعدك من النار، قد أبدلك الله به مقعداً من الجنة، قال النبي ﷺ – فيراهما جميعاً، وأما الكافر – أو المنافق – فيقول: لا أدري، كنت أقول ما يقول الناس، فيقال: لا دريت ولا تليت، ثم يضرب بمطرقة من حديد ضربة بين أذنيه، فيصيح صيحة يسمعها من يليه إلا الثقلين (١) .

стр. 366

.. وقال الإمام ابن القيم – عليه رحمة الله تعالى –: والسلف مجمعون على هذا، وقد تواترت عنهم الآثار بأن الميت يعرف زيارة الحي له، ويستبشر به، وسرد في تقرير ما قاله عنهم، وقائع كثير صدرت منهم، فمن ذلك قوله: وصح عن حماد بن سلمة من ثابت عن شهر بن حوشب أن الصعب بن جثامة وعوف بن مالك كانا متآخين، قال صعب لعوف: أي أخي أينا مات قبل صاحبه فليتراء له، قال: أو يكون ذلك؟ قال: نعم، فمات صعب فرآه عوف فيما يرى النائم كأنه قد أتاه. قال قلت أي أخي، قال: نعم، قلت: ما فعل بكم. قال: غفر لنا بعد المصائب، قال: ورأيت لمعة سوداء في عنقه، قلت: أي أخي ما هذا؟ قال: عشرة دنانير استسلفتها من فلان اليهودي، فمن في قرني فأعطوه إياها، واعلم أخي أنه لم يحدث في أهلي حدث بعد موتي إلا قد لحق بي خبره، حتى هرة لنا ماتت منذ أيام، واعلم أن ابنتي تموت إلى ستة أيام، فاستوصوا بها معروفاً، فلما أصحبت، قلت: إن في هذا لمعلماً، فأتيت أهله، فقالوا: مرحباً بعوف، أهكذا تصنعون بتركة إخوانكم، لم تقربنا منذ مات صعب، قال: فاعتللت، بما يعتل به الناس، فنظرت إلى القرن فأنزلته، فانتشلت ما فيه، فوجدت الصرة التي فيها الدنانير، بعثت بها إلى اليهودي، فقلت: هل كان لك على صعب شيء؟ قال: رحم الله صعباً كان من خيار أصحاب رسول الله – ﷺ – هي له، قلت: لتخبرني، قال: نعم، أسلفته عشرة دنانير فنبذتها إليه، قال: هي – والله بأعيانها، قال: قلت هذه واحدة. ... قال: فقلت هل حدث فيكم حدث بعد موت صعب؟ قالوا: نعم، حدث فينا كذا، قال: قلت اذكروا، قالوا، نعم، هرة ماتت منذ أيام، فقلت: هاتان اثنتان.

стр. 367

.. قلت: أين ابنة أخي؟ قالوا: تلعب، فأتيت بها فمسستها فإذا هي محمومة، فقلت استوصوا بها معروفاً، فماتت في ستة أيام (١) .

стр. 368

.. ونقل الإمام ابن القيم عن الإمام ابن عبد البرد – عليهم رحمة الله تعالى – أنه روى في كتابه "الاستيعاب" عن ابنة ثابت بن قيس بن شماس – رضي الله تعالى عن أبيها وعنها – قالت: لما كان يوم اليمامة خرج ثابت مع خالد بن الوليد – رضي الله تعالى عنهما – إلى مسيلمة الكذاب، فلما التقوا به وانكشفوا، قال ثابت وسالم مولى أبي حذيفة – رضي الله تعالى عنهما – ما هكذا كنا نقاتل مع رسول الله – ﷺ – ثم حفر كل واحد له حفرة فثبتا وقاتلا حتى قتلا وعلى ثابت – رضي الله تعالى عنه – يومئذ درع نفيسة، فمر به رجل من المسلمين فأخذها، فبينما رجل من المسلمين نائم إذ أتاه ثابت – رضي الله تعالى عنه – في منامه، فقال له: إني أوصيك بوصية فإياك أن تقول هذا حلم فتضيعه، إني لما قتلت أمس، مر بي رجل من المسلمين فأخذ درعي، ومنزله في أقصى الناء، وعند خبائه فرس يستن في طوله، وقد كفأ على الدرع برمة، وفوق البرمة رجل، فأت خالداً فمره أن يبعث إلى درعي فيأخذها، وإذا قدمت المدينة على خليفة رسول الله – ﷺ – يعني أبا بكر الصديق – رضي الله تعالى عنه – فقل له: أن علي من الدين كذا وكذا، وفلان من رقيقي عتق وفلان، فأتى الرجل خالداً فأخبره فبعث إلى الدرع فأتى بها، وحدث أبا بكر – رضي الله تعالى عنهم أجمعين – برؤياه، فأجاز وصيته، قال: ولا نعلم أحداً أجيزت وصيته بعد موته غير ثابت بن قيس – رضي الله تعالى عنه ورحمه وإيانا جميعاً –.

стр. 369

.. قال الإمام ابن القيم – عليه رحمة الله تعالى –: وإذا عرف الميت مثل هذه الجزئيات وتفاصيلها فمعرفته بزيارة الحي له، وسلامه عليه، ودعائه له أولى وأحرى، والله تعالى (١) أعلم.

стр. 370

.. قال عبد الرحيم – غفر الله ذنوبه أجمعين – أخبرني بعض الإخوة الصالحين من أهالي المدينة المنورة في شهر ربيع الثاني من هذه السنة أن رجلا ً صالحاً من أهالي الرياض توفي بعض جيرانه ممن كان معهم الجماعة في المسجد، فرآه في نفس الليلة التي دفن فيها ووجهه مسود كئيب، فسأله عن سبب ذلك، وعما فعل معه في قبره، فقال له: إن العذاب متواصل علي منذ دفنت إلى الآن بسبب ما أحضرته إلى بيتي من مزامير الشيطان، جهاز المفسدون "التلفاز" فأسألك بالله أن تراعي ما بيننا من صحبة، وأن تخبر أهلي بحالي، ليكسروا ذلك الجهاز، فعسى الله أن يفرج عني ويرحمني، فتهيب الرجل من عرض ما رآه على أهله، فرآه في الليلة الثانية على حالته في الليلة الماضية، وكرر عليه الطلب والمناشدة فإخبار الأهل بذلك، فتباطأ في الإخبار وطن ذلك من قبيل أضغاث الأحلام، فرآه في الليلة الثالثة على تلك الحالة، وهو يعاتبه معاتبة شديدة، ويطلب منه إبلاغ أهله بذلك، فأخبرهم في الصباح بما رآه في الليالي الثلاثة فوقعت تلك الواقعة في قلوبهم موقع القبول، وتركوا ذلك العمل المرذول، فرآه في الليلة الرابعة، وعليه البهجة والحسن، وهو يقول له: فرج الله عنك الكروب كما فرجت عني (١) .

стр. 371

فحال الروح عجيب، وأمرها غريب، ونحن ندرك آثارها، ولا نحيط بكيفيتها وأحوالها فكيف سنحيط بصفات رب العالمين، وأنى تتماثل صفاته بصفات المخلوقين، روى أبو نعيم في الحليلة وغيره أيضاً عن سلمان الفارسي – رضي الله تعالى عنه – أنه قال لعبد الله بن سلام – رضي الله تعالى عنه –: أينا مات قبل صاحبه فليتراء له، قال عبد الله بن سلام – رضي الله تعالى عنه – أويكون ذلك؟ قال سلمان – رضي الله تعالى عنه –: نعم، إن نسمة المؤمن مخلاة تذهب في الأرض حيث شاءت، ونسمة الكافر في سجين، قال عبد الله بن سلام: فمات سلمان – رضي الله تعالى عنهما – فبينما أنا ذات يوم قائل بنصف النهار على سرير لي فأغفيت إغفاءة إذ جاء سلمان – رضي الله تعالى عنه – فقال: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، فقلت: وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته يا أبا عبد الله، كيف وجدت منزلك؟ قال: خيراً، وعليم بالتوكل فنعم الشيء التوكل، ردده ثلاث (١) مرات – عليه رضوان الله ورحمته –. رابعاً: أحوال تعلق الروح بالأبدان في الدور التي يسكنها الإنسان: للروح بالبدن خمسة أنواع من التعلقات، مغايرة الأحكام والاعتبارات، ولا نحيط علماً بتحقيق حالة من تلك الحالات، فسبحان ربنا الذي أحاط علمه بالظواهر والخفيات، وسبحانه فهو رب الأرض والسموات، وعالم بجميع أحوال المخلوقات، لا تخفى عليه خافية في الأرض ولا في السموات , وإليك تلك التعليقات، جعلنا الله الكريم من أهل البصائر النيرات وختم لنا بالحسنى إنه سميع مجيب الدعوات. التعلق الأول:

стр. 372

تعلق الروح بالإنسان عندما يكون جنيناً في ظلمات ثلاث: ﴿يَخْلُقُكُمْ فِي بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ خَلْقاً مِن بَعْدِ خَلْقٍ فِي ظُلُمَاتٍ ثَلَاثٍ ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَهُ الْمُلْكُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَأَنَّى تُصْرَفُونَ﴾ الزمر٦ فتم خلقه في ظلمة البطن، والرحم، والمشيمة، من طريق تكوينه نطفة، ثم علقة، ثم مضغة، وبعد ذلك نفخت فيه الروح، كما ثبت في الصحيحين وغيرهما عن عبد الله بن مسعود – رضي الله تعالى عنه – قال: حدثنا رسول الله – ﷺ – وهو الصادق الصدوق فقال: "إن أحدكم يجمع خلقه في بطن أمه أربعين يوماً نطفة، ثم يكون علقة مثل ذلك، ثم يكون مضغة مثل ذلك، ثم يرسل إليه الملك، فينفخ فيه الروح، ويؤمر بأربع كلمات: يكتب رزقه، وأجله، وعمله، وشقيّ أو سعيد، فوالله الذي لا إله غيره، إن أحدكم ليعمل بعمل أهل الجنة حتى ما يكون بينه وبينها إلا ذراع، فيسبق عليه الكتاب، فيعمل بعمل أهل النار فيدخلها، وإن أحدكم ليعمل بعمل أهل النار حتى ما يكون بينه وبينها إلا ذراع فيسبق عليه الكتاب، فيعمل بعمل أهل الجنة فيدخلها (١)

стр. 373

". التعلق الثاني: ... تعلق الروح بالبدن بعد خروجه من بطن أمه إلى الأرض، وعندما يكون حياً يقظاً، وهذا التعلق يختلف عما قبله فيه يتصرف هنا وهناك، ويقوم بمختلف الأعمال والحركات، وهذا من الأمور والمشاهدات، ولا ينفك عنها حيّ من الحيوانات. التعلق الثالث: ... تعلق الروح بالإنسان عندما يكون حياً في حال نومه، فتعلق الروح به في حال يقظته فارقه، ولذلك لا يحس بما حوله، ولا يعي ما يقال له، وصاحبه تعلق آخر للوح به، لا يعلمه إلا خالق الأرواح، ربنا الكريم الفتاح، وذلك يتنفس ويقوم بعملية الزفير والشهيق كما يقوم بها الحي اليقظ، ويحفظ جسمه من الآفات مهما امتد به السبات، وقد لبث أصحاب الكهف في نومهم أكثر من ثلاثمائة من السنوات، ولم تتغير أبدانهم ولم تفسد أجسامهم، قال ربنا – جل وعلا –: ﴿وَلَبِثُوا فِي كَهْفِهِمْ ثَلَاثَ مِئَةٍ سِنِينَ وَازْدَادُوا تِسْعاً﴾ الكهف٢٥. التعلق الرابع:

стр. 374

.. تعلق الروح بالإنسان، بعد مفارقته دار الامتحان، ومصيره دار البرزخ التي سيلقى فيها بداية الإهانة أو الإكرام، على ما قدمه من طاعات أو عصيان، فالبدن وإن فارقه تعلق الروح به في الحياة الدنيوية، في دار البرزخ العلية، فلا يتنفس ولا يقوم بالتصرفات الاختيارية، إنما هو جثة هامدة مرمية، فللروح تعلق به في تلك الحالة العلية لا يعمله إلا رب البرية، وقد تقدم قريباً دلالة النصوص الشرعية على سماع الميت قرع نعال أصحابه الذين دفنوه، عند انصرافهم عن قبره الذي فيه وضعوه، وتقدم أيضاً في هذا الكتاب المبارك أن عمر بن الخطاب – رضي الله تعالى عنه – قال للنبي – ﷺ – عندما ذكر فتّان القبر: أتُرَدُ علينا عقلونا يا رسول الله – ﷺ – فقال النبي – ﷺ –: "نعم، بهيئتكم اليوم" فقال عمر – رضي الله تعالى عنه –: بغية الحجر، وكل ذلك لا يتم إلا إذا كان الإنسان ذا شعور وإحساس تام، وللوح تعلق متين ببدن الإنسان لا يعلمه إلا الرحمن الرحيم، وفي المسند بسند حسن عن أمنا عائشة – رضي الله تعالى عنها – قالت: قال رسول الله – ﷺ –: "يرسل على الكافر حيّتان، واحدة من قبل رأسه، وأخرى من قبل رجليه، تقرضانه قرضاً، لكما فرغتا عادتا إلى يوم القيامة"، وفي المسند أيضاً وسنن الدارمي، ومسند أبي يعلى عن أبي سعيد الخدري – رضي الله تعالى عنه – قال – قال رسول الله – ﷺ –: "يسلط على الكافر في قبره تسعة وتسعون تنيناً تنهشه وتلدغه حتى تقوم الساعة، ولو أن تنيناً منها نفخ في الأرض ما نبتت خطراً (١)

стр. 375

". ... ... وقد دلت النصوص الشرعية على أن القبر روضة من رياض الجنة، أو حفرة من حفر النار، ولا يتحقق كل من النعيم والجحيم، إلا إذا كان ذا شعور تام سليم، يتناسب مع تلك الدار ولا يقاس بما عندنا من موازين، ورد في سنن الترمذي عن أبي سعيد الخدري – رضي الله تعالى عنه – قال: دخل رسول الله – ﷺ – مصلاه، فرأى ناساً يكشرون – أي تظهر أسنانهم من الضحك – فقال: "أما إنكم لو أكثرتم من ذكر هادم اللذات لشغلكم عما رأى الموت، فأكثروا من ذكر هادم اللذات: الموت، فإنه لم يأت على القبر يوم إلا تكلم فيه فيقول: أنا بيت الغربة، وأنا بيت الوحدة، وأنا بيت التراب، وأنا بيت الدود، فإن دفن العبد المؤمن قال له القبر: مرحباً وأهلا ً، أما إن كنت لأحب من يمشي على ظهري إليّ، فإذا وليتك اليوم، وصرت إليّ فسترى صنيعي بك، قال: فيتسع له مد بصره، ويفتح له باب إلى الجنة، وإذا دفن العبد الفاجر أو الكافر، قال له القبر: لا مرحباً، ولا أهلا ً، أما إن كنت لأبغض من يمشي على ظهري إلىّ، فإذا وليتك اليوم، وصرت إليّ فسترى صنيعي بك قال: فيلتئم عليه حتى تلتقي وتختلف أضلاعه، قال: وقال رسول الله – ﷺ – بأصابعه، فأدخل بعضها في جوف بعض، قال: ويقيض الله له سبعين تنيناً، لو أن واحداً منها نفخ في الأرض ما أنبتت شيئاً ما بقيت الدنيا، فينهشه، ويخدشه، حتى يفضي به الحساب، قال: قال رسول الله – ﷺ –: "إنما القبر روضة من رياض الجنة، أو حفرة من حفر النار (١)

стр. 376

". ... وقد كان النبي – ﷺ – يتعوذ بالله من عذاب القبر في الصلاة، وأمرنا بذلك ثبت هذا في الصحيحين وغيرهما، ولفظ رواية مسلم – رحمه الله تعالى – عن أبي هريرة – رضي الله تعالى عنه – قال: قال رسول الله – ﷺ –: "إذا تشهد أحدكم فليستعذ بالله من أربع، يقول: اللهم إني أعوذ بك من عذاب جهنم، ومن عذاب القبر، ومن فتنة المحيا والممات، ومن شر فتنة المسيح الدجال" وفيه أيضاً عن ابن عباس – رضي الله تعالى عنهما – أن رسول الله – ﷺ – كان يعلمهم هذا الدعاء كما يعلمهم السورة من القرآن، يقول: "قولوا اللهم إنا نعوذ بك من عذاب جهنم، وأعوذ بك من عذاب القبر، وأعوذ بك من فتنة المسيح الدجال، وأعوذ بك من فتنة المحيا والممات (١) ". التعلق الخامس: ... تعلق الأرواح بأجسادها، حالة بعثها من موتها، وانتقالها من عالم البرزخ إلى عالم الآخرة، وهذا التعلق أتم أنواع التعلقات، فلا يعتريه موت ولا سُبات، وعنده يستقر المؤمن في الدرجات العاليات، والعاتي المشرك في الدركات السافلات حفظنا الله بمنه وكرمه من سائر الآفات المهلكات، ومنّ علينا بالتمتع برؤيته في دار الجنات إنه واسع المغفرة كثير الهبات. ... وأما الدور التي يسكنها الإنسان، ولا يخرج عنها في زمن من الأزمان، فثلاثة دور نسبة كل دار لما بعدها كنسبة التي قبلها لها، وتلك الدور هي:

стр. 377

الدار الأولي: دار الغرور، التي ستنقضي وتزول، وهي دار الدنيا الفانية، وتبتدئ حياة الإنسان في تلك الدار من وجوده في بطن أمه حتى موته. الدار الثانية: دار البرزخ، وهي ما بين الدنيا والآخرة، والبرزخ هو الحاجز، ودار البرزخ حاجر بين الدنيا والآخرة، وفاصل بينهما، قال الله – ﷻ – ِ: ﴿حَتَّى إِذَا جَاء أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ رَبِّ ارْجِعُونِ لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحاً فِيمَا تَرَكْتُ كَلَّا إِنَّهَا كَلِمَةٌ هُوَ قَائِلُهَا وَمِن وَرَائِهِم بَرْزَخٌ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ فَإِذَا نُفِخَ فِي الصُّورِ فَلَا أَنسَابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ وَلَا يَتَسَاءلُونَ فَمَن ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ وَمَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ فَأُوْلَئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنفُسَهُمْ فِي جَهَنَّمَ خَالِدُونَ﴾ المؤمنون ٩٨-١٠٣.

стр. 378

الدار الثالثة: دار الآخرة، وهي التي لا آخر بعدها، وتبتدئ من بعث الأموات إلى ما لا نهاية له من الأوقات، فالإقامة فيها أبدية سرمدية، في غرف الجنان العلية أو في دركات النار السفلية (١) .

стр. 379

.. واعلم أخي – علمني الله وإياك – أن مما ينبغي التنبه له غاية الانتباه، ومعرفته تام المعرفة لئلا يقع الإنسان في اللبس والاشتباه، والانحراف عن طريق الرشد والسداد، أن كل دار من تلك الدور الثلاثة لها موازينها الخاصة بها، ولا يصح بحال وزن دار بميزان دار أخرى، بل إن دار الدنيا تختلف باختلاف وجود الإنسان فيها، فلوجوده في بطن أمه موازين واعتبارات تختلف عن وجوده حياً يقظاً على ظهر الأرض، بعد انفصاله من بطن أمه، وكل منهما أيضاً تختلف موازينه عن موازين وجوده على ظهر الأرض حياً نائماً، فافهم هذا حق الفهم، لتحفظ نفسك من العار، ولتصونها عن مسلك الأشرار، ولذلك قرر أهل السنة الأبرار أن نسبة الحياة الدنيوية إلى الحياة البرزخية كنسبة بطن الأم إلى سعة دار الدنيا، ونسبة الحياة في البرزخ إلى الحياة في الدار الآخرة كنسبة الحياة والدنيوية إلى الحياة البرزخية، والإنسان في جميع مراحل حياته في تلك الدار يشعر بالعذاب والنعيم بروحه وجسده، لكن نسبة تلك الشعور متفاوتة مختلفة. ... ففي الحياة الدنيوية ينصب العذاب والنعيم على الأبدان أصالة، فيسري ذلك إلى الأرواح تبعاً، ولهذا رتبت الشريعة المطهرة الأحكام في هذه الدار على ما يظهر من حركات الأبدان وإن كان خلاف ذلك في الأنفس والجنان.

стр. 380

.. وفي الحياة البرزخية ترد الأحكام على الأرواح أصالة فيسري ذلك إلى الأبدان تبعاً عكس ما يكون في الحياة الدنيوية تماماً فكما تبعت الأرواح الأبدان في أحكام الدار الدنيوية، فالتذت براحتها، وتألمت بألمها، ففي دار البرزخ هي التي تباشر العذاب والنعيم، فيتألم البدن ويلتذ حسبما يرد على روحه، وإذا كانت الأبدان ظاهرة في دار الدنيا، والأرواح خفية مستترة في أبدانها، والأبدان للأرواح بمنزلة القبور في هذه الحياة، ففي البرزخ يكون الأمر بالعكس تماماً فالأرواح هي الظاهرة، والأبدان خفية في قبورها، وتجري أحكام البرزخ على الأرواح فتسري إلى الأبدان نعيماً كان ذلك أو عذاباً، كما تجري أحكام الدنيا على الأبدان، فتسري إلى أرواحها نعيماً أو عذاباً. ... وفي دار الآخرة تجري الأحكام على الأرواح والأبدان، أصالة في كل منهما، فهي أكمل الدور وهي غاية ما سبقها من الدور، نسأل الله أن يجعل لنا فيها دار كرامته، وأن يمنّ علينا بواسع فظه ورؤية نور وجهه، إنه سميع الدعاء. ... فافهم ما سبق – يا عبد الله – حق الفهم، لتزول عنك الإشكالات، وتتضح لديك المتشابهات وترفع عنك الشبهات، وتقف على الحقائق البينات، التي تعثر في فهمها كثير من العقول الذكيات وهي من الزكاء عاريات ـ وذلك لأن ما سبق من أحوال الروح تحار العقول في فهمها، والوقوف على حقيقة أمرها، ولكن لا تحليها، والشرائع تأتي بما تحار فيه العقول، لا بما تحيله، وتلك الحيرة مقصودة للشرع الحنيف، ليسلم الإنسان بعجزه عن الإحاطة بشيء من أمر هذا المخلوق الضعيف، فكيف سيحيط بالخبير اللطيف، سبحانه سبحانه: ﴿لاَّ تُدْرِكُهُ الأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الأَبْصَارَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ﴾ الأنعام١٠٣ ورحمة الله على الإمام الغزالي حيث يقول: قُل لمن يَفْهمُ عني ما أقول ... قَصِّر القولَ فذا شرح يطول ثَمَّ سِرٌ غامِضٌ من دونه ... ضُربتْ والله أعناق الفُحول

стр. 381

أنت لا تعرفُ إيّاك ولا ... تدر من أنت ولا كيف الوصول ج لا ولا تدري صفاتٍ رُكِبّتْ ... فيك حارتْ في خفاياها العقول أين منك الروح في جوهرها ... هل تراها فترى كيف تجول هذه الأنفاسُ تحصرها ... لا ولا تدري متى عنك تزول أين منك العقل والفهم إذا ... غَلَبَ النومُ فقل لي يا جهول أنتَ آكل الخبز لا تعرفه ... كيف يجري فيك أم كيف تبول فإذا كانت طواياك التي ... بين جنبيك كذا فيها ضَلول كيف تدري من على العرش استوى ... لا تقل كيف استوى كيف النزول (١) ج

стр. 382

.. قال الإمام ابن القيم – رحمه الله تعالى – في تقرير للروح بما سبق في الدليل المائة، وهو ما قد اشترك في العلم به عامة أهل الأرض من لقاء الموتى، وسؤالهم لهم، وإخبارهم إياهم بأمور قد خفيت عليهم فرأوها عياناً، وهذا أكثر من أن يتكلف إيراده، وأعجب من هذا: (الوجه الحادي والمائة) وهو أن روح النائم يحصل لها في المنام آثار فتصبح يراها على البدن عياناً، وهي من تأثير للروح في الروح، كما ذكر القيرواني في كتاب "البستان" عن بعض السلف قال: كان لي جار يشتم أبا بكر وعمر – رضي الله تعالى عنهما – فلما كان ذات يوم أكثر من شتمهما فتناولته وتناولني فانصرفت إلى منزلي وأنا مغموم حزين، فنمت وتركت العشاء، فرأيت رسول الله – ﷺ – في المنام، فقلت يا رسول الله – ﷺ – فلان يسب أصحابك، قال: مَنْ أصحابي؟ قلت: أبا بكر وعمر، قال: خذ هذه المُدْية فاذبحه بها فأخذتها فأضجعته وذبحته، ورأيت كأن يدي أصابها من دمه، فألقيت المدية، وأهويت بيدي إلى الأرض لأمسحها، فانتبهت، وأنا أسمع الصراخ من نحو داره، فقلت ما هذا الصراخ؟ قالوا: فلان مات فجأة، فلما أصبحنا جئت فنظرت إليه، فإذا خط موضع الذبح (١) .

стр. 383

.. فهذا وغيره مما يتعلق بالروح تحار العقول في فهمه، والوقوف على حقيقته وكنهه، ولكن لا تحيله أبداً، فافهم هذا جيداً، وتذكر قول من أحصى كل شيء عدداً ولا تخفى عليه خافية أبداً: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَمَا أُوتِيتُم مِّن الْعِلْمِ إِلاَّ قَلِيلاً﴾ الإسراء٨٥، نسأل الله الكريم أن يعرفنا بحقارة نفوسنا وجهلها، وبعظمة ذات ربنا وفضلها إنه سميع مجيب. خامساً المسائل المتعلقة بالروح وآخرها: ... إذا كانت الروح البشرية مجهولة لنا، ولا نحيط بشيء من متعلقاتها في بدننا، فإن ذلك يثبت لنا سفاهة المنحرفين في هذا العصر، الذين يروجون لعلم النفس الذي هو منبع الضلال والكفر ويطلقون عليه علم النفس البشرية، أو دراسات سيكولوجية، وإنما كانت تلك الدراسات السيكولوجية، بتلك الدركة السفلية، والشناعة الردية، لأن مجرد فروض نظرية، من قبل الأبالسة الغوية، فرويد وإدكر وغيرهما من قرود البشرية – عليهم جميعاً لعنات رب البرية – فالنفس البشرية لا يعلم حقيقتها، ولا يحيط بكيفيتها إلا خالقها وفاطرها، والذين بحثوا فيها وربتوا أحكامها على بحثهم، ليست مأخوذة من شرع ربهم، لا يتبعون في ذلك إلا الظن، الذي أضل من قبلهم من الكافرين، وهو لا يغني من الحق شيئاَ كما قال رب العالمين – جل وعلا –: ﴿وَمَا لَهُم بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِن يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنَّ الظَّنَّ لَا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئاً﴾ النجم٢٨. ويقرر هذا ثلاثة أمور، فاغتنم معرفتها لتعرف حقائق الأمور:

стр. 384

١- لا يصلح اعتبار العقل أساساً لبحث مسائل النفس، ومعرفة قضاياها، لأن العقل وما يستند إليه من تجارب وإحصاءات لا يمكن أن يكون حكماً في مسائل علم النفس، لأنها تدخل في عالم الغيب الذي لا يخضع لحساه من الحواس، وتقرير الخطأ والصواب، والفضيلة والرذيلة يحتاج إلى معرفة العلة الأولى والهدف الأخير، ونحن لا نعرفها في هذه الحياة الدنيا أو فيما وراءها، فلا ندري من أين جئنا وإلى أين نصير. ٢- ثبت عجز الحواس عن إدراك أشياء كثيرة من المحسوسات، فالعين البشرية مثلا ً ينحصر مدى إدراكها فيما بين الموجات الضوئية التي طولها: ٠.٠٠٠٠٧، والموجات الضوئية التي طولها: ٠.٠٠٠٠٤ من السنتيمتر، وهي الموجات المحصورة بين اللون الأحمر واللون البنفسجي، ولا ندرك شيئاً مما تحت الأحمر، وقل مثل ذلك في حاسة السمع، وسائر الحواس فقد ثبت قصور التفكير البشري المبني على مشاهدات هذه الحواس.

стр. 385

٣- نتج عن الأمرين السابقين تشتت أراء أرباب الدراسات السيكولوجية، وكثرت افتراضاتهم الردية، وتباينت مذاهبهم الشيطانية، ففرقوا الناس، ومزقوا وحدتهم، وشككوهم في قيمهم بعد أن جمع الدين الناس على قيم الخير ومثله، ولم يستطع واحد من علماء علم النفس الملاعين، جمع الناس على مذهبه بعد أن فرقهم في الدين، فصار ذلك العلم اللعين سبباً في تفريق الناس أجمعين، وطلي الباطل بعبارات معسولة، وصارت وظيفة علم النفس تسفيه الفضائل وتبرير الجرائم فالدكتور عبد العزيز القوصي المستشار الفني لوزارة التربية بمصر يقرر في كتابه سلسلة دراسات سيكولوجية ضرورة الخلط بين الذكور والإناث في دور التعليم، وفي سائر أمور الحياة، فيدعو إلى إخراج المرأة للكدح في الأسواق، وامتهانها بين الرجال، وتصل به الخلاعة والمجون ليقرر أن القبلة، والغزل الرقيق، والتلميحات الجنسية ليست أمور شائنة، فليهدأ الشباب بالا ً، فليس كل ما يدور حول الجنس يدخل في باب المحرمات، ولعل كثيراً مما نكتبه كان ضحية سوء التوجيه. ويسير على تلك الخطا نظيره الرقيع المبعوث الأزهري إلى باريس الشيطان رفاعة الطهطاوي فيقرر في كتبه المرشد الأمين للبنات والبنين وكتاب تلخيص الإبريز في تلخيص باريز، وكتاب الألباب المصرية في مباهج الآداب العصرية، يقرر في تلك الكتب ما قاله القوصي، ويزيد عليه حيث اعتبر الرقص بين الذكور والإناث نوعاً من الرشاقة ودماثة الأخلاق (١) .

стр. 386

.. ويجيء بعد ذينك الرجلين الخبيثين خبيث ثالث، وهو الدكتور مصطفى محمود فيصدر فتواه الأثيمة بأنه لا مانع من إرسال النظر إلى الصدر العريان، والشعر المرسل، والأفخاذ المكشوفة إذا كان القلب نظيفاً، ليرى الناظر الجمال، فيرى فيه الخالق، فيقول: الله فيكتسب حسنات، كبرت كلمة تخرج من أفواههم إن يقولون إلا كذباً. ... قال عبد الرحيم – غفر الله له ذنوبه أجمعين –: يعلم الله الكريم، أن الأمة ما رزئت إلا بأولئك الشياطين، فنسأل الله أن يحفظنا من وساوسهم، وأن يطهر الأرض من رجسهم، ورجس شيعتهم، عاجلا ً غير آجل، فربنا على كل شيء قدير، وهو حسبنا ونعم الوكيل (١) . ختام الكلام على طريقة أهل السنة الكرام في إيمانهم بصفات الرحيم الرحمن: ... ما تقدم من الكلام يدور حول طريقة أهل السنة الكرام في الصفات الثابتة لذي الجلال والإكرام، وقد ورد في النصوص الشرعيات، نفي بعض الصفات، عن رب الأرض والسموات، كما أنه يوجد ألفاظ مسكوت عنها، دار المتكلمون حولها، ولم يرد نفيها عن الله ولا وصفه بها، فما طريقة أهل السنة فيها وفيما قبلها؟ ... وإليك البيان في ذلك يا طالب الهدى، حفظني الله وإياك من الزيغ والردى، وجعلنا من عباده السعداء. ... وردت نصوص الشرع المبين، بوصف رب العالمين، بصفات يتصف بها، كما وردت بنفي صفات يتنزه عنها، والأولى يقال لها: صفات ثبوتية، أي: ثابتة لذات ربنا العلية، ويتصف بها رب البرية، والثانية يقال لها: صفات سلبية، أي: منتفية عن ربنا، ولا يوصف بها خالقنا.

стр. 387

وطريقة أهل العقول الزاكيات، في إيمانهم بصفات النفي والإثبات، تتلخص فيما يأتي من التحقيقات البينات: ١- صفات الإثبات لها ثلاثة خصائص عند أهل السنة الكرام، دل عليها كلام الرحيم الرحمن: أ) التفصيل: إذ بها يقع المدح للرب الجليل، والممدوح يمدح بما يقوم فيه من صفات ثبوتية، وأوصاف حسنى مرضية، ولذلك فصل أهل السنة الأبرار، في الصفات الثبوتية للعزيز الغفار، كما دل على ذلك كلام الواحد القهار: ﴿هُوَ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْمَلِكُ الْقُدُّوسُ السَّلَامُ الْمُؤْمِنُ الْمُهَيْمِنُ الْعَزِيزُ الْجَبَّارُ الْمُتَكَبِّرُ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يُشْرِكُونَ هُوَ اللَّهُ الْخَالِقُ الْبَارِئُ الْمُصَوِّرُ لَهُ الْأَسْمَاء الْحُسْنَى يُسَبِّحُ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ آخر الحشر. ب) إنها مقصودة لذاتها، لأنه يقع بها التمدح للموصوف بها، فالمراد من وصف الله – جل وعلا – بالعلم، والرحمة والغضب، وغير ذلك من الصفات الثبوتية: الدلالة على وصف الله – ﵎ – بتلك الأوصاف.

стр. 388

جـ) تدل على نفي أضدادها، فاتصاف ربنا بصفات الكمال، يستلزم نفي النقائص عنه في جميع الأحوال، فكل ما ضاد أسماء الله الحسنى، وصفاته المباركة، فهو منتفٍ عنه، لأن إثبات الشيء نفي ضده، ولما يستلزم ضده (١) .

стр. 389

٢- وأما الصفات السلبية، فلها ثلاثة خصائص أيضاً، عند الفرقة الناجية المرضية: أ) الإجمال: لعدم وقوع المدح بها لذي العزة والجلال، فالممدوح يمدح بها يقوم فيه من صفات ثبوتية ـ لا بما يتنزه عنه من أمور عدمية، كما دل على ذلك قول رب البرية: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ﴾ الشورى١١، ففي جانب النفي أجمل " لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ" وفي جانب الإثبات فصل " وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ"، فذكر صفتين من صفات رب الكونين. ب) تدل على نفي ما دلت عليه، فما نفاه ربنا عن نفسه من الظلم والسنة والنوم، وغير ذلك، يدل على نفي تلك الصفات الناقصة الذميمة، عن ربنا ذي الصفات الكاملة الكريمة.

стр. 390

جـ) المقصود إثبات ما يضادها من صفات الإثبات مع ما دلت عليه من نفي النقائص الرديات فليس في النفي المجرد مدح، وكل نفي لا يدل على إثبات ما يضاده من الصفات فلا يتصف به رب البريات، ولم يترد في الآيات المحكمات، وقد دل على هذا كلام رب الأرض والسموات: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعْجِزَهُ مِن شَيْءٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ إِنَّهُ كَانَ عَلِيماً قَدِيراً﴾ فاطر٤٤، فالعجز منتفٍ عن الله – جل وعز – لثبوت ما يضاده من صفات الكمال، ولهذا علل ربنا – جل وعلا – نفي العجز عنه بأمرين بثبوت علمه وقدرته، وذلك لأن العجز سببه أمران لا ثالث لهما: جهل أو ضعف، وهما منتفيان عن ربنا، فهو العالم بكل شيء والقدير على كل شيء، ولهذا قال – ﷻ –: " إِنَّهُ كَانَ عَلِيماً قَدِيراً" (١) .
следующие страницы →