Полный текст (6 674 стр.). Показаны 3256–3295 · переход к 3261.
стр. 3256
والفتنة هى الشرك والكفر وأنت وأصحابك تريدون أن تقاتلوا حتى تكون فتنة فأنتم تقتتلون من أجل مُلك ومن أجل حكم ونحن قاتلنا ليكون الدين كله لله فنحن ننكف عن القتال ولا نشارك فى هذه الفتن التى تجرى بين المسلمين
هذا الحديث كما قلت إخوتى الكرام من رواية سيدنا أسامة رضى الله عنه وأرضاه فعل ما فعل ما أوجب النبى ﵊ عليه القصاص بل ولا الدية على المعتمد وإن بحث الإمام ابن التين فى ذلك وقال ما ذكرت الدية لكن يعنى هى معلومة, لا لم يجب عليه دية ولا قصاص من باب أولى ولا إثم عند الله وهو كما قلت خالف شرع الله لكنه معذور تأول فيما فيه مجال للتأويل
هو الآن أمام قضية واقعة إنسان من المشركين سيأتينا حاله فى حديث جندب رضى الله عنه ليس من المشركين العاديين عمل فى المسلمين عملا فظيعا شنيعا كان يقتل نهم مقتلة عظيمة ينقض على هذا فيقتله وعلى هذا فيقتله يعنى قتل من الصحابة عددا فتبعه سيدنا أسامة والأنصارى رضى الله عنهم أجمعين بعد أن قتل عددا من الصحابة كما سيأتينا فى رواية جندب فلما رفع السيف عليه قال لاإله إلا الله
حقيقة يوجد مجال للتأويل أنه الآن ما قالها إلا ليحرز دمه وخوفا من السيف وهو الآن أدرك أن حياته قد انتهت فإيمانه ميؤوس منه الآن لا يقبل لأنه يأس من الحياة فإذن فى مجال للتأويل ضربه
حقيقة كما قلت لا إثم عليه لا ذنب عليه لا يترتب على هذا القتل أى حكم لكن مع ذلك لامَهُ نبينا ﵊ لأنه كان بإمكانه أن يتريث وأن يحتاط وإذا تركه سيكون ماذا؟
إذا عاد إلى الكفر يُقتل وإذا آمن فهذا الذى نريده ومن أجل هذا بُعث نبينا ﵊ بُعث ليقول الناس لا إله إلا الله محمد رسول الله ﵊ فعلامَ تتسرع؟ لامه لكن كما قلت وهو معذور وهنا الآن خالف شرع العزيز الغفور وقد عاتبه نبينا ﵊ عتابا شديدا
стр. 3257
واستمع للرواية التالية رواه الإمام مسلم فى صحيحه وهكذا الإمام ابن منده فى كتاب الإيمان وانظروا كتاب الإيمان صفحة تسع ومائتين من الجزء الأول, الحديث الذى ذكرته قبله مباشرة فى كتاب الإيمان أيضا للإمام ابن منده وتقدم معنا خرَّج حديث سيدنا أسامة وهذا حديث سيدنا جندب بن عبد الله البجلى ﵃ أجمعين
عن جندب بن عبد الله البجلى ﵁ أنه بعث إلى عسعس بن سلامة زمن فتنة عبد الله بن الزبير ﵃ أجمعين عسعس بن سلامة اختُلف فى صحبته قيل إنه صحابى والذى ذهب إليه الأكثر أنه تابعى وأرسل أحاديث عن النبى على نبينا وآله وصحبه صلوات الله وسلامه
لذلك قال الذهبى فى تجريد أسماء الصحابة فى الجزء الأول صفحة واحدة وثمانين وثلاثمائة تابعى أرسل عسعس بن سلامة وانظروا ترجمته إخوتى الكرام فى الإصابة فى الجزء الثانى صفحة ثمانين وأربعمائة ونقل عن الإمام ابن عبد البر أن حديثه مرسل وقيل له رؤيا للنبى ﵊ إذا ثبتت رؤيته للنبى ﵊ فهو صحابى
قال شيخ الإسلام الإمام النووى عليهم جميعا رحمة الله ورضوانه فى شرح صحيح مسلم فى الجزء الثانى صفحة أربع ومائة وقلت إن الحديث فى صحيح مسلم قال عسعس من الأسماء المفردة التى لا يُعرف لها نظير يعنى لا يوجد اسم آخر عسعس يشابهه فى ذلك لا يوجد أحد يشابهه فى هذا الإسم, لا من الصحابة ولا من التابعين, اسمه عسعس بن سلامة
أرسل إليه جندب بن عبد الله فى زمن فتنة سيدنا عبد الله بن الزبير ﵃ أجمعين فقال جندب لعسعس
اجمع لى نفرا من إخوانك حتى أحدثهم من أجل ألا يشاركوا فى الفتن التى وقعت فى أواخر عهد الصحابة الكرام رضوان الله عليهم أجمعين فبعث عسعس رسولا إليهم أى إلى أصحابه وجمعهم
стр. 3258
فلما اجتمعوا جاءه سيدنا جندب بن عبد الله البجلى وعليه برنس والبرنس إخوتى الكرام قَلَنسُوة طويلة كان النُّساك والزهاد والعُباد قلنسوة توضع على الرأس طويلة, كان النساك يلبسونها فى أول الإسلام قلنسوة طويلة يقال لها برنس فجاء وعليه برنس أصفر يعنى قلنسوة وطاقية صفراء
فقال تحدثوا بما كنتم تتحدثون به
جندب يقول لأصحاب عسعس بأى شىء كنتم تتحدثون أكملوا حديثكم حتى دار الحديث ووصل إلى جندب يتفاوضون
فلما دار الحديث إليه حَسَرَ البرنس عن رأسه وقال إنى أتيتكم ولا أريد أن أحدثكم إلا عن نبيكم ﵊ يعنى فقط أريد أن أروى هذا الحديث عن النبى ﵊ لتنتبهوا إلى حالكم ولا تتورطوا فى الفتن فيما بينكم
إن رسول الله ﷺ بعث بعثا من المسلمين إلى قوم من المشركين وإنهم التقوا التقى الجيشان الموحدون والكافرون
فكان رجل من المشركين إذا شاء أن يقصد إلى رجل من المسلمين قصد له فقتله إذا أراد أن يقتل أحدا قصده فقتله وأجهز عليه
وإن رجلا من المسلمين قصد غفلتهم
هذا المشرك الذى قتل ما قتل من المسلمين الصحابة الطيبين رضوان الله عليهم أجمعين وإن رجلا من المسلمين قصد غفلتهم قال وكنا نتحدث أنه أسامة بن زيد هو أسامة
تقدم معنا الحديث فى الصحيحين وغيرهما فلما رفع عليه السيف قال لاإله إلا الله فقتله سيدنا أسامة رضى الله عنه وأرضاه فجاء البشير إلى نبينا البشير النذير عليه صلوات الله وسلامه
فسأله وأخبره حتى أخبره خبر الرجل كيف صنع فدعاه فسأله فقال لمَ قتلته؟ فقال يا رسول الله ﷺ أوجع فى المسلمين وقتل فلانا وفلانا وفلانا
عمل فيهم مقتلة عظيمة وأوجع فيهم وفجعنا فى إخواننا
وسمى له نفرا وإنى حملت عليه فلما رأى السيف قال لاإله إلا الله قال رسول الله ﷺ أقتلته قال نعم قال فكيف تصنع بلا إله إلا الله إذا جاءت يوم القيامة
стр. 3259
هذه ستكون الآن تخاصم وتحاج وتجادل عن صاحبها وأنت قتلته بعد أن وحد ربه
كيف تصنع بلا إله إلا الله إذا جاءت يوم القيامة؟
فقال سيدنا أسامة رضى الله عنه وأرضاه يا رسول الله ﷺ استغفر لى ما استغفر له كما ستسمعون
وكما قلت لامه من أجل أن يحذر الأمة بعد ذلك من الوقوع فى مثل هذا
قلت يا رسول الله ﷺ استغفر لى قال يا أسامة كيف تصنع بلا إله إلا الله إذا جاءت يوم القيامة قال فجعل لا يزيده على أن يقول كيف تصنع بلا إله إلا الله إذا جاءت يوم القيامة ما زاد على هذا والنبى ﵊ يكرر هذا على سيدنا أسامة بن زيد رضى الله عنه وأرضاه
إخوتى الكرام كما قلت تأوَّل فيما فيه مجال للتأويل وأخطأ فهو معذور لكن قد يتوجه إليه اللوم دون الإثم والذنب والمعصية عليه يتوجه إليه اللوم لأنه كان بإمكانه أن يحتاط وأن يتريث لئلا يقع فيما وقع فيه
قال الإمام ابن التين كما حكى ذلك عنه الحافظ فى الفتح فى الجزء الثانى عشر صفحة خمس وتسعين ومائة
قال فى هذا اللوم تعليم وإبلاغ فى الموعظة حتى لا يُقدم أحد على قتل من تلفظ بكلمة التوحيد هذا حقيقة هذا اللوم الشديد هذا فيه تعليم وإبلاغ للأمة حتى يحتاطوا ولا يتساهل أحد لى قتل مَن يوحد الله
وقال الإمام القرطبى فى المُفهِم كما نقل ذلك عنه أيضا الحافظ ابن حجر فى الفتح فى تكريره ذلك كيف تصنع بلا إله إلا الله إذا جاءت يوم القيامة والإعراض عن قبول العذر زجر شديد عن الإقدام على مثل ذلك سيدنا أسامة رضى الله عنه وأرضاه كما قلت فعل ما فعل متأولا فكان يرى أنه إذا نطق الإنسان بلا إله إلا الله فى هذا الموطن لا تقبل منه لأنه يعنى يقولوها تعوذا, يقولوها خوفا من السلاح, يقولوها عندما آيس من حياته والله جل وعلا يقول
فلم يك ينفعهم إيمانهم لما رأوا بأسنا
стр. 3260
فإذن حمل الأمر على ذلك عنده كما قلت مبررات لفعله هذه المبررات حقيقة أسقطت عنه الذنب والمعصية وعقوبة الله جل وعلا
لكن كما قلت إنه فى فعله مخطىء وهو معذور وهذا مع أنه خرج فيه عن شرع العزيز الغفور, لا إثم عليه لما تقدم معنا من اعتبار ألا وهو تأويل فيما فيه مجال للتأويل قد يلام أحيانا إذا يعنى فرط وما احتاط فلامه نبينا ﵊ دون أن يترتب على ذلك أحكام القتل الشرعى
هذه الحالة الأولى إخوتى الكرام من الأحوال الثلاثة التى يعذر فيها الإنسان عندما يخالف شرع الرحمن شرع الله لا بد أن نلتزم به كما قلت إذا خرج الإنسان عنه حكما به تحكيما له ما حاله كما قلت له ثلاثة أحوال حالة يُعذر وحالة يوزر يأثم ويوزر وحالة يرتد ويكفر فالحالة الأولى التى يعذر فيها أيضا لها ثلاث حالات الحالة الأولى أن يكون متأولا فيما فيه مجال للتأويل كما حصل من سيدنا أسامة رضى الله عنه وأرضاه
يدخل فى هذا يعنى أمثلة كثيرو منها ما حصل لسيدنا حاطب بن أبى بلتعة وأمر عظيم عظيم حقيقة إخوتى الكرام ولا أريد أن أذكر قصته إنما قصته صحيحة ثابتة فى المسند والكتب الستة إلا سنن الإمام ابن ماجة وهى فى غير ذلك فى دواويين السنة عندما كاتب المشركين يخبرهم أن نبينا الأمين على نبينا وآله وصحبه صلوات الله وسلامه يتجهز لغزوهم وفتح مكة المكرمة
стр. 3261
حقيقة هذا الكتاب يعنى لو وصل للمشركين ونبينا الأمين ﵊ كان إذا أراد غزوة وَرَّى وما أعلم الناس بأمره من أجل ألا يكشف السر الحربى من أجل أن يباغت هؤلاء ولا يعد العدة لمقابلته عليه صلوات الله وسلامه وبعد أن هم نقضوا العهد وبدأوا بالخديعة والمكر إذا كان كذلك ما يبنغى أن يبلغهم الخبر فحاطب كتب ونبينا ﵊ أعلمه بذلك ذو الجلال والإكرام فلما علم بذلك وأرسل سيدنا عليا والزبير والمقداد ﵃ أجمعين وقال ظعينة يوجد فى مكان كذا فى روضة خاخ إذا قابلتموها هناك معها كتاب حاطب رضى الله عنه وأرضاه وفعلا بعد أخذوا الكتاب منها وعادوا, امرأة ذاهبة إلى مكة قال له نبينا ﵊:
ما حملك على هذا وهو مهاجرى بدرى رضى الله عنه وأرضاه فاعتذر وتأول فيما فعل
وقال يا رسول الله ﵊ جميع أصحابك لهم عشيرة وأنصار فى مكة إلا أنا فأنا ملصق بقريش لست منهم فخفت يعنى على أهلى وعلى أولادى فأردت أن اتخذ عندهم يدا وأنا على علم أن الله سينصرك ويؤيدك فهذا الفعل ينفعنى ولا يضرك فالنبى ﵊ حتما التمس له العذر وأنه أخطأ وسيدنا عمر ﵁ أن يعامل الواقعة بما تستحق فى الظاهر
فقال دعنى اضرب عنقه يا رسول الله ﵊ فقد نافق وكفر
قال وما يدريك يا عمر لعل الله اطلع على أهل بدر فقال اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم
الشاهد هذا أيضا فعل منه رضى الله عنه وأرضاه عذره نبينا ﵊ بنوع تأويل ولو لم يفعل هذا بتأويل لخرج من شرع الله الجليل كونه يدل المشركين على يعنى ما يبيته ويريد أن يفعله نبينا الأمين ﵊ هذا خروجا من دين رب العالمين كما قلت بنوع تأويل
стр. 3262
إخوتى الكرام هكذا ما حصل بين الصحابة رضوان الله عليهم أجمعين من فتن فيما بينهم رضى الله عنهم وأرضاهم بنوع تأويل وهم فى الجنة إخوانا على سرر متقابلين رضى الله عنهم وأرضاهم بنوع تأويل
نعم لو لم يقع هذا لكان أحسن لكن وكان أمر الله قدرا مقدورا لو لم يقتل سيدنا أسامة هذا الموحد لكان أحسن,
لو لم يكتب حاطب بن أبى بلتعة رضى الله عنه وأرضاه لكان أحسن لكن البشر محل الخطأ إذا ما تعمد القلب المعصية
قلت الضابط فى هذه الأحوال الثلاثة أن الإنسان لا يقصد المعصية إنما يتأول فيخطىء فيقع فى المعصية فعلا لا قصدا ولا نية ولا عزيمة, هو ما أراد المعصية ولا أراد الانحراف عن شرع الله لكنه وقع فى المعصية لكنه انحرف لكنه أخطأ ,بما أنه لم يقصد غفر له فعله, قد يوجه إليه كما قلت اللوم لأنه كان بإمكانه أن يحتاط وعنده تقصير ما ولو احتاط حقيقة لسلم من الخطأ ومن اللوم,
كان بإمكان حاطب أن يقول للنبى ﵊:
يا رسول الله عليه صلوات الله وسلامه هل للأمر سعة إن أردت أن اتخذ يدا عند المشركين وأن أكتب لهم بما يعنى تنوى وتعزم عليه هل فى ذلك سعة وأنا يعنى هذا ينفعنى ولا يضرك ولا يضرنا نحن معشر المسلمين كان بإمكانه أن يسأل وأن يأتى الأمر من بابه لكنه كما قلت تأول, فهذا حال البشر بما فيه مجال للتأويل هو يعلم أن الله سينصر رسوله ﵊ سواء علم المشركون أو لم يعلموا,
فقال إعلامى لهم لا يضر المسلمين وأنا انتفع فكأنه صار لى عندهم مصلحة ولى عندهم يد والنبى ﵊ منصور منصور رغم أنف الكبير والصغير لكن هذا كما قلت خطأ جرى منه رضى الله عنه وأرضاه
هذه حالة أولى إخوتى الكرام من الحالات الثلاث التى يُعذر فيها الإنسان كما قلت ليس عليه إثم ومن باب أولى لا يكفر بالله
الحالة الثانية أن يجهل الإنسان شرع الله الجليل
стр. 3263
وذلك الجهل دون إعراض منه أو تقصير وما أعرض عن تعلم شرع الله وما قصر فى يعنى طلب شرع الله لكن جَهِل وهذا الجهل كما قلت يعنى ليس هو من ديدنه لإعراضه عن دين ربه لأنه لا يسأل, لا يتعلم, لا, هو يسأل ويتعلم لكن فى بعض المسائل جَهِل ففعل ما فعل بناء على جهل منه فهو معذور لكن قد يوجه إليه لوم وقد لا يوجه على حسب حاله على حسب الواقعة التى تجرى منه
مثال هذا إخوتى الكرام ما جرى من عدد من الصحابة الكرام فى أول الأمر نحو فريضة الصيام يقول ربنا الرحمن
﴿أحل لكم ليلة الصيام الرفث إلى نسائكم هن لباس لكم وأنتم لباس لهن علم الله أنكم كنتم تختانون أنفسكم فتاب عليكم وعفا عنكم فالآن باشروهن وابتغوا ما كتب الله لكم وكلوا واشربوا حتى يتبين لكم الخيط الأبيض من الخيط الأسود﴾ [البقرة/١٨٧]
إلى هنا نزلت الآية ولم ينزل بقيتها وكلوا واشربوا حتى يتبين لكم الخيط الأبيض من الخيط الأسود (من الفجر)
كلمة من الفجر ورد أنه كان بين يعنى نزولها ونزول الآية سنة كاملة كما قال الحافظ ابن حجر فى فتح البارى وكلوا واشربوا حتى يتبين لكم الخيط الأبيض من الخيط الأسود من الفجر
كلمة من الفجر اتركها الآن لم تنزل فى أول الأمر وكلوا واشربوا حتى يتبين لكم الخيط الأبيض من الخيط الأسود ثم أتموا الصيام إلى الليل ولا تباشروهن وأنتم عاكفون فى المساجد
الآية بكاملها دون كلمة من الفجر هذه نزلت بعد ذلك
إذن وكلوا واشربوا حتى يتبين لكم الخيط الأبيض من الخيط الأسود إلى هنا هذا الذى نزل
فاستمع لما وقع من عدد من الصحابة الكرام رضوان الله عليهم أجمعين
روى الإمام الواحدى فى أسباب النزول والأثر رواه البغوى فى معالم التنزيل والطحاوى فى شرح معانى الآثار والبيهقى فى السنن الكبرى عن سيدنا سهل بن سعد رضى الله عنه وأرضاه والحديث إسناده صحيح
قال أنزلت هذه الآية وكلوا واشربوا حتى يتبين لكم الخيط الأبيض من الخيط الأسود ولم ينزل من الفجر
стр. 3264
إخوتى الكرام الحديث كما قلت رواه الواحدى فى أسباب النزول والبغوى فى معالم التنزيل والطحاوى فى شرح معانى الآثار والبيهقى فى السنن الكبرى ينبغى أن يضاف إلى ما هو أولى بالإضافة إليه من هذه الكتب الحديث فى الصحيحين أيضا فى صحيح البخارى وصحيح مسلم وهو فى سنن النسائى ورواه الطبرى أيضا فى تفسيره وهكذا الإمام ابن المنذر وابن أبى حاتم, انظروا الحديث فى جامع الأصول فى الجزء الثانى صفحة سبع وعشرين وعليه فهو فى أعلى درجات الصحة
إذن أنزلت وكلوا واشربوا حتى يتبين لكم الخيط الأبيض من الخيط الأسود ولم ينزل من الفجر فكان رجال إذا أراد أحد منهم الصوم ربط أحدهم فى رجليه خيطا أبيضا وخيطا أسودا يربط فى رجله خيطين خيط أبيض خيط أسود ولا يزال يأكل حتى يتبين له رِئيهما فأنزل الله جل وعلا من الفجر فعلموا أنه يراد بهما سواد الليل من بياض النهار
إذن فى أول الأمر يربط خيطين برجله خيط أبيض خيط أسود لا يزال يأكل حتى يتبين له رِئيهما أى منظرهما شكلهما كما قال الله جل وعلا ﴿وإذا تتلى عليهم آياتنا بينات قال الذين كفروا للذين آمنوا أي الفريقين خير مقاما وأحسن نديا *وكم أهلكنا قبلهم من قرن هم أحسن أثاثا ورئيا﴾ [مريم/٧٣-٧٤]
ورئيا منظرا حتى يتبين له رئيهما أى منظرهما هذا كما قلت إخوتى الكرام معنى رئيهما
قال الإمام النووى وضُبط حتى يتبين له زيهما بالزاى أى شكلهما رئيهما زيهما وضُبط أيضا بالراء مكسورة ومفتوحة رِ ورَ وبعدها همزة وياء مشددة يصبح رِئيِّهما رَئيِّهما
قال الخطابى وهذا خطأ لأن الرِئى هو التابع من الجن قال وإذا ثبتت الرواية فيراد حتى يتبين رِئيهما كما تقدم معنا رئيهما يعنى نظرهما وشكلهما
على جميع الرويات رِئيهما زيهما رِئيهما رَئيهما يعنى شكلهما منظرهما حتى يتميز أحد الخيطين عن الآخر حتى يظهر سواد الخيط الأسود وبياض الخيط الأبيض
стр. 3265
هذا كانوا يفعلونه فى أول الأمر ليس جميع الصحابة إنما جرى هذا من بعضهم كان رجال إذا أراد أحد منهم الصوم ربط فى رجله خيطا أبيضا وخيطا أسودا فلا يزال يأكل حتى يتبن له رِئيهما زيهما رِئيهما رَئيهما فأنزل الله جل وعلا بعد ذلك
وكلوا واشربوا حتى يتبين لكم الخيط الأبيض من الخيط الأسود من الفجر
فعلموا أن الله جل وعلا أراد بذلك سواد الليل وبياض النهار.
هذه حادثة
حادثة أخرى
ثبتت فى مسند الإمام أحمد والكتب الستة إلا سنن الإمام ابن ماجة والحديث رواه الإمام الدارمى فى سننه والإمام ابن عيينة فى تفسيره وسعيد بن منصور فى سننه والإمام ابن أبى شيبة فى مصنفه وهو فى تفسير الطبرى وابن المنذر وابن أبى حاتم رواه عبد بن حميد فى مسنده والبغوى فى معالم التنزيل والحميدى فى مسنده والطحاوى فى شرح معانى الآثار والبيهقى فى السنن الكبرى وهو كالحديث الذى قبله فى أعلى درجات الصحة فهو فى الصحيحين ذاك من رواية سهل رضى الله عنه وأرضاه عن رجال من الصحابة كانوا يفعلون وهذا من رواية عدى بن حاتم عن نفسه
يقول عدى رضى الله عنه وأرضاه لما نزلت
وكلوا واشربوا حتى يتبين لكم الخيط الأبيض من الخيط الأسود من الفجر إلى تمام الآية هنا
يقول عمدت إلى عقال أسود ما يعقل به البعير ويربط به يعنى إلى حبل أسود وإلى عقال أبيض عمدت إلى عقال أسود وإلى عقال أبيض فجعلتهما تحت وسادتى وجعلت أنظر من الليل إليهما حتى يتميز أحد العقالين عن الآخر أرى العقال الأسود من العقال الأبيض فلا يستبين لى فجعلت آكل ما يتبين لى العقال الأبيض من العقال الأسود فغدوت على رسول الله ﷺ فذكرت له ذلك فقال النبى ﵊ إنما ذلك سواد الليل وبياض النهار
حتى يتبين لكم الخيط الأبيض بياض النهار من الخيط الأسود سواد الليل
стр. 3266
يعنى إذا انشق عامود الفجر ولاح النور فى الأفق ضياء الصبح هذا هو الخيط الأبيض ليس هو عقال أبيض وعقال أسود تأكل حتى يتميز لك هذا من هذا
وفى رواية فى صحيح البخارى أنه أخذ عقالا أبيضا وعقالا أسودا
يقول حتى كان بعض الليل فجعل سيدنا عدى ينظر إليهما فلم يستبينا فبدأ يأكل فلما أصبح ذكر ذلك للنبى ﵊ وقال يا رسول الله ﵊ جعلت تحت وسادى عقالا خيطا أبيضا وخيطا أسودا عقالا أبيضا وعقالا أسودا,
فقال النبى ﵊
إن وسادك لعريض أن كان الخيط الأبيض والخيط الأسود تحت وسادتك
يعنى إذا كانت هذه الوسادة ستغطى الليل والنهار حقيقة هذه عريضة هذا الذى يُقصد إن وسادك لعريض أن كان الخيط الأبيض والخيط الأسود تحت وسادتك
يعنى أنت جعلت خيطين خيطا أبيضا وخيطا أسودا عقالا أبيضا وعقالا أسودا وظننت أن المراد هو الخيط الحقيقى المعروف والحبل المعروف ليس كذلك, المراد هنا سواد الليل وبياض النهار وإذا كان وسادك سيغطى سواد الليل وبياض النهار ولا ترى يعنى هذين فوسادك عريض حقيقة يعنى سيغطى الدنيا وما عليها
إن وسادك إذاً لعريض أن كان الخيط الأبيض والخيط الأسود تحت وسادتك
وفى رواية فى صحيح البخارى
قال سيدنا عدى رضى الله عنه وأرضاه يا رسول الله ﵊ ما الخيط الأبيض من الخيط الأسود أهما الخيطان يعنى المعروفان حبلان معروفان قال إنك لعريض القفا إن أبصرت الخيطين ,لا هما سواد الليل وبياض النهار
стр. 3267
إخوتى الكرام فى هذين الحديثين يعنى إشكال ينبغى أن نَزِيله ثم بعد ذلك نتدارس هذا الأمر وأنه ما جرى من الصحابة من سيدنا عدى رضى الله عنهم أجمعين يُعذرون فى ذلك ولا لوم عليهم لأنهم فهموا كما قلت ما فى لغتهم من أن الخيط يطلق على الخيط على الحسى المعروف كما أنه فى لغة العرب يطلق الخيط الأسود على ظلام الليل ويطلق الخيط الأبيض على نور الفجر فلعله فى لغة بعض قبائل العرب لا يطلق هذا أو يطلق هذا الإطلاق لكن غفلوا عنه واستحضروا المعنى الثانى الشاهد جهل المراد لكن هذا الجهل دون كما تقدم معنا إعراض عن العلم هو يتعلم وكما قلت يعنى إذن جهل فى قضية خاصة ,الجهل كما يقال قد يكون له ما يبرره له فيه عذره فيه سبب يعذر الإنسان عندما جهل فى هذه القضية
كما قلت عندنا فى هذين الخبرين إشكال,
الإشكال هو إخوتى الكرام إسلام سيدنا عدى كان فى العام التاسع أو العاشر من هجرة نبينا ﵊ للعام التاسع أو العاشر للهجرة فى أواخر حياة نبينا ﵊ وفريضة الصيام كانت فى العام الثانى من هجرة نبينا ﵊ وعليه هناك يعنى وقت متباعد بين ما جرى من الصحابة فى حديث سيدنا سهل وبين ما جرى من سيدنا عدى أوليس كذلك؟
стр. 3268
أولئك عند نزول آية الصيام لم ينزل من الفجر نزلت بعد ذلك أما هنا كانت نازلة وعدى رضى الله عنه وأرضاه عَلِمَها لكن مع ذلك ما انتبه لهذه اللفظة وفهم أن المراد من الخيط الأسود الخيط الحقيقى والخيط الأبيض كذلك الخيط الحقيقى ولم ينتبه لكلمة من الفجر أما من قبله لم تنزل كلمة من الفجر فلما نزلت عرفوا أن المراد سواد الليل من بياض النهار وعليه كما قلت إخوتى الكرام فعل سيدنا عدى متأخر عن فعل الصحابة الذين ذُكروا فى حديث سيدنا سهل بن سعد فإن قيل كيف هذا وقد حصل هذا لأناس قبله أقول لعله ما بلغه حديثهم يعنى هو آمن بنبينا ﵊ وفريضة الصيام نازلة من ثمانى سنين إذا آمن فى العام العاشر من الهجرة فهذه الفريضة هذه الآية تُليت عليه ففهم منها ان المراد يعنى خيطان حقيقيان فذهب إلى بيته وأحضر عقالا أبيضا وعقالا أسودا وبدأ يأكل حتى يتميز له أحدهما عن الآخر فذكر ذلك للنبى ﵊ فقال له إن وسادك إذاً لعريض إنك لعريض القفا
هنا إخوتى الكرام كما سيأتينا فى حديث سيدنا عدى شىء من لوم نبينا ﵊ لعدى بينما فى حديث سيدنا سهل عن الصحابة ما لامهم نبينا ﵊ لمَ؟
لأن أولئك حقيقة جهلوا ولم تكن الآية نازلة من الفجر فجهلهم يعنى قد يكون لهم فيه كما قلت عذر معتبر أما هنا يعنى يوجد شىء من التقصير هو لو تدبر الآية تماما لعلم أن كلمة من الفجر لا يراد منها خيط حقيقى أبيض وأسود
ولذلك عرض به نبينا ﵊ قال إن وسادك لعريض يعنى أنت الآن إذا كان وسادك سيسد الآن الأفق بكامله ولم يظهر سواد الليل من بياض النهار, ما أعظم هذا الوساد وقيل وهو تأويل ثانى كما قاله الإمام الخطاب إنك لعريض القفا
стр. 3269
والقفا إخوتى الكرام المكان الذى يضعه الإنسان يعنى على من رقبته وصفحة الرقبة على الوسادة كأنه يريد أن يعنى يُعرض بأنه عنده شىء من الغباء رضى الله عنه وأرضاه وهذا التعريض من نبينا خاتم الأنبياء ﵊
يقول أنت ما تأملت يعنى المراد بشىء من يعنى عدم الفطنة التامة والأمران كما قلت أشار إليهما الخطابى ﵁ وعن أئمتنا وبعض أئمتنا يعنى اعتبر الأول قال هذا إن وسادك لعريض الوساد يعنى كما قلت يراد منه الذى ينام عليه الإنسان يعنى المخدة فكأنه يقول إذا كان وسادك سَيسد الأفق بكامله وهو عريض فى ذلك تعريض بسيدنا عدى
وأما فى اللفظ الثانى إنك لعريض القفا وسادك أيضا لعريض يعنى من الوساد من يتوسد على الوساد إنك إذاً ما بذلت فطنة من أجل أن تعرف المراد فصار شىء كما يقال من اللوم والتعريض فى حق سيدنا عدى لأن كلمة من الفجر كانت نازلة وهو يقول تليت علَىَّ وأنا قرأت الآية لكن ظننت أن المراد يعنى الخيط الأبيض الخيط الحقيقى المعروف العقال الذى يربط فيه البعير وهكذا الخيط الأسود ﵁ وعن الصحابة أجمعين
إخوتى الكرام هذه الحادثة التى جرت من الصحابة وكما ترون يعنى قصروا فى فريضة الصيام وأكلوا بعد طلوع الفجر بنوع تأويل ووقع عندهم جهل بشرع الله الجليل لكن دون إعراض عن شرع الله دون تقصير فى تعلُّم شرع الله تعلم الآية لكن بعد ذلك ما نزلت كلمة من الفجر,
لعله كما قلت فى لغة بعض القبائل أنه لا يطلق الخيط الأبيض على نور الفجر ولا يطلق الخيط الأسود على ظلام الليل لعله, ففهم من هذين الخيطين ما هو معروف له فى لغته فقال إذن يستمر وقت الأكل والشرب, وقت الطعام, وقت الإباحة, وقت الفطر إلى أن يتبين لى رؤية هذين وهذا سيكون متى؟
стр. 3270
يعنى فى الإسفار الكثير بحيث يقارب طلوع الشمس يعنى بعد طلوع الفجر بنصف ساعة وأزيد يرخص للإنسان أن يكون إذن حتى يتبين له هذا الخيط من هذا الخيط هذا كماقلت إخوتى الكرام أيضا خالف لكن هذه المخالفة بنوع جهل من غير إعراض وتقصير فهو أيضا معذور ولا لوم عليه عند العزيز الغفور ولا ذنب عليه عند العزيز الغفور
ويدخل فى هذا إخوتى الكرام ما تقدم معنا الحديث الثابت فى الكتب الستة وهو فى المسند وغير ذلك من رواية أمنا الصديقة المباركة سيدتنا عائشة رضى الله عنها وأرضاها فى شفاعة سيدنا أسامة رضى الله عنه وأرضاه للمخزومية عندما سرقت وأراد نبينا ﵊ أن يقطع يدها تقدم معنا قالوا يعنى من يكلم رسول الله ﵊ فى شأنها قالوا ومن يجرؤ إلا أسامة حِب رسول الله ﵊ وابن حِبه فلما كلم سيدنا أسامة نبينا على نبينا وآله وصحبه صلوات الله وسلامه
قال يا أسامة أتشفع فى حد من حدود الله إنما أهلك من كان قبلكم إذغ سرق فيهم الشريف تركوه وإذا سرق فيهم الضعيف أقاموا عليه الحد وايم الله لو أن فاطمة بنت محمد على نبينا وآله وصحبه صلوات الله وسلامه سرقت لقطع محمد يدها
على نبينا وآله وصحبه صلوات الله وسلامه
إخوتى الكرام قال سيدنا أسامة كما تقدم معنا بعد ذلك يا رسول الله ﵊ استغفر لى هنا أيضا تدخل فى هذا الأمر وتوسط وشفع ولا يجوز له أن يشفع فى حد بعد أن يرفع إلى الإمام ومن شفع فى حد بعد أن يرفع إلى الإمام يلعن الشافع والمشفِّع يعنى أيضا لو قَبِلَ الإنسان شفاعته يلعن أيضا فلا يجوز أن يشفع, الشافع يلعن الذى يقبل الشفاعة يلعن من ولى الأمر إذا رفعت إليه قضية هذا لا بد إقامة حكم الله فيها
стр. 3271
طيب الآن هذا الذى جرى من سيدنا أسامة رضى الله عنه وأرضاه كما قلت جهل بالحكم ولا تعمد مخالفة ولا معصية وظن أن الأمر يعنى لا مانع من الشفاعة فيه إذا شفع فى ذلك فنبينا ﵊ أخبره أن الشفاعة لا تنبغى فى هذه الحالة وإذا يعنى إذا قُبلت شفاعتك يصبح حالنا كحال بنى اسرائيل من له وساطة يعنى يُعفى من الحد ومن هو مسكين يُقام عليه الحد لا بد من إقامة الحد عليها وعلى غيرها إذا بلغ الأمر للإمام والمسؤول كما قلت هذا يدخل أيضا فى هذا النوع أنه بنوع جهل ما عرف الحكم فهو أيضا معذور ورحمة الله واسعة
الحالة الثالثة إخوتى الكرام التى يعذر فيها الإنسان يخالف شرع الرحمن وهو أيضا معذور الحالة التى يكون الإنسان فيها مُكرها
يُكره على معصية الله فيفعل من غير اختياره وتقدم معنا فى الأحوال الثلاثة, قلت لا يقصد الإنسان المعصية ولا يريدها ولا خطرت بقلبه إنما فعل ما ظاهره المعصية دون أن يقصد المعصية هو بقلبه فهناك كما قلت تأول وهنا جهل وهنا أُلجأ وأُكره وقُسر ففعل المعصية دون أن يريدها فلا ذنب عليه ولا إثم عليه عند الله قال الله جل وعلا
﴿من كفر بالله من بعد إيمانه إلا من أكره وقلبه مطمئن بالإيمان ولكن من شرح بالكفر صدرا فعليهم غضب من الله ولهم عذاب عظيم﴾ [النحل/١٠٦]
إذن إذا كفر بالله من بعد إيمانه وهذا الكفر بسبب الإكراه والقسر والاضطرار لا لوم عليه ولا ذنب عليه إنما إذا انشرح صدره بالكفر وهو أراده أحبه وقصده ومال إليه فهذا الذى عليه غضب من الله ولهم عذاب عظيم
وهذه الآية إخوتى الكرام نزلت فى سيدنا عمار بن ياسر رضى الله عنه وأرضاه كما قال ذلك الحافظ ابن حجر فى الإصابة فى ترجمة سيدنا عمار قال باتفاق المفسرين باتفاق الروايات على أنها نزلت فى سيدنا عمار بن ياسر رضى الله عنه وأرضاه
стр. 3272
وحديثه إخوتى الكرام ثابت فى المستدرك فى الجزء الثانى صفحة سبع وخمسين وثلاثمائة وقال هذا حديث صحيح على شرط الشيخين وأقره عليه الذهبى الحديث صحيح صحيح إن شاء الله أما أنه على شرط الشيخين ففى ذلك شىء من التساهل فى الإسناد
إخوتى الكرام أبو عبيدة بن محمد بن عمار بن ياسر ﵃ أجمعين أبو عبيدة مقبول خرَّج له أهل السنن الأربعة ولم يخرج له أحد من الشيخين المباركين البخارى ومسلم ووالده محمد بن عمار مقبول أيضا وما خرج له إلا أبو داود فى سننه ولم يخرج له صاحبا الصحيحين فقوله على شرط الشيخين ويقره الذهبى كما قلت فى ذلك شىء من التساهل لكن الأثر صحيح ثابت ورواه عبد الرزاق فى تفسيره والإمام ابن سعد فى الطبقات والطبرى فى تفسيره وهكذا الإمام ابن أبى حاتم وابن مردويه فى التفسير والبيهقى فى دلائل النبوة والإمام أبو نعيم فى حلية الأولياء
والحديث إخوتى الكرام من رواية محمد بن عمار بن ياسر ولد سيدنا عمار ﵃ أجمعين
قال أخذ المشركون عمار بن ياسر رضى الله عنه وأرضاه فلم يتركوه حتى سب النبى ﷺ حتى سب النبى على نبينا وآله وصحبه صلوات الله وسلامه وقال فى آلهتهم خيرا أثنى على آلهتهم وسب النبى على نبينا وآله وصحبه صلوات الله وسلامه ثم تركوه فلما أتى نبينا ﷺ
قال له نبينا ﷺ يا عمار ما وراءك
قال يا رسول الله ﷺ ما تُركت حتى نلت منك
ما تركنى المشركون حتى نلت منك ما تركت حتى نلت منك وذكرت آلهتهم بخير
فقال النبى ﵊ كيف تجد قلبك يا عمار
قلت يا رسول الله ﵊ إنه مطمئن بالإيمان
ما عندى تردد فى ذلك
فقال نبينا ﵊ إن عادوا فَعُد
стр. 3273
يعنى إذا أخذك المشركون مرة ثانية وأرادوا منك أن تذكر آلهتهم بخير وأن تسبنى سبنى واذكر آلهتهم بخير وتخلص منهم ما دام القلب مطئنا بالإيمان فانزل ربنا الرحمن هذه الآية
﴿من كفر بالله من بعد إيمانه إلا من أكره وقلبه مطمئن بالإيمان ولكن من شرح بالكفر صدرا فعليهم غضب من الله ولهم عذاب عظيم﴾ [النحل/١٠٦]
ولكن من شرح بالكفر صدرا فعليهم غضب من الله وأما هذا فقلبه مطمئن بالإيمان رضى الله عنه وأرضاه
والأثر إخوتى الكرام كما قلت رُوى عن محمد بن عمار ورواه الإمام ابن المنذر فى تفسيره وهكذا ابن إبى حاتم وابن مردويه عن سيدنا عبد الله بن عباس ﵃ أجمعين ورواه الإمام ابن سعد فى الطبقات عن ابن سيرين مرسلا إلى نبينا الأمين ﵊
أن عمار بن ياسر أُخذ وهو لم يدرك عمار بن ياسر ولم يحدثه بذلك فإذن الأثر مرسل وقال له نبينا ﵊ إن عادوا فعد فهو من رواية محمد بن عمار ومن رواية عبد الله بن عباس ومن رواية ابن سيرين ﵃ أجمعين والأثر صحيح
إخوتى الكرام سيدنا عمار قال هذا تدرون متى؟
стр. 3274
بعد أن قُتل أبوه ياسر رضى الله عنه وأرضاه وهو أول شهيد فى الإسلام وقُتلت أمه يعنى أخذت هذه الأسرة الطيبة المباركة, الأب قُتل والأم طعنها اللعين الملعون أبو جهل بحربة فى فرجها وقتلها وعمار ينظر إلى أمه سمية رضى الله عنها وأرضاها وهى أول شهيدة فى الإسلام تطعن فى فرجها بحربة من هذا اللعين ووالده يُقتل وهو يُعذب وهم إخوتى الكرام من السبعة الذين أسلموا قبل غيرهم مع سيدنا أبى بكر ﵁ أما أبو بكر فله عشيرته وهو فى منعة من قومه فمنعه قومه من إيذاء السفهاء وأما هؤلاء فكانوا من المستضعفين فصُب عليهم أليم العذاب ومعهم بلال رضى الله عنه وأرضاه, ياسر يُقتل وأمه سمية أم عمار تُقتل وهو يعذب حقيقة بشر فضعُف أمام التعذيب فى الظاهر فقال ما قال فى حق نبينا ﵊ ومدح آلتهم فتركوه فذهب إلى نبينا ﵊ وهو حزين ما وراءك قال ورائى شر ما تركونى حتى نلت منك وذكرت آلهتهم بخير
قال كيف تجد قلبك قال أنه مطمئن بالإيمان قال إن عادوا فعد وأنزل الله جل وعلا الآية الكريمة من كفر بالله من بعد إيمانه إلا من أكره وقلبه مطمئن بالإيمان فلا لوم على هذا ولا إثم
هذا كما قلت إخوتى الكرام اضطرار وقع على الإنسان فالقلم مرفوع عنه فى هذه الحالة والمؤاخذة يعنى لا تحصل له ولذلك ثبت عن نبينا ﵊ أنه قال
إن الله تعالى تجاوز لي عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه
وهو فى كتب الفقه بلفظ:
رُفع عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه
وهو بهذا اللفظ إخوتى الكرام رواه الإمام ابن عدى فى كتاب الكامل بهذا اللفظ رُفع عن أمتى يعنى له أصل لكن الرواية الصحيحة الثابتة بلفظ
إن الله وضع عن أمتى تجاوز لى عن أمتى الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه
стр. 3275
والحديث صحيح ثابت عن نبينا ﵊ رواه ابن ماجة فى سننه والإمام ابن حبان فى صحيحه ورواه الدارقطنى فى سننه والحاكم فى مستدركه والبيهقى فى السنن الكبرى والطبرانى فى معجمه الكبير والطحاوى فى شرح معانى الآثار ورواه الإمام ابن حزم فى كتابه الإحكام فى أصول الأحكام فى الجزء الخامس صفحة ثلاث عشرة وسبعمائة وكما قلت لكم هو فى ثمانية أجزاء والطبعة التى عندى متسلسل الأرقام متسلسلة من الجزء الأول إلى الجزء الثامن فى صفحة ثلاث عشرة وسبعمائة والحديث رواه الإمام ابن أبى عاصم والإمام الضياء المقدسى أيضا وقد صحح الحديث الإمام الحاكم فى المستدرك وقال على شرط الشيخين وأقره عليه الذهبى وصححه ابن حبان وصححه أئمة الإسلام منهم الإمام النووى فى الأربعين النووية فقال إسناده حسن وفى كتاب روضة الطالبين فى كتاب الطلاق قال إسناده حسن
ولفظ الحديث من رواية سيدنا عبد الله بن عباس ﵄ أن النبى ﵊ قال:
إن الله وضع لى عن أمتى إن الله تجاوز لي عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه
والحديث إخوتى الكرام رُوى عن عدة من الصحابة الكرام الطيبين منهم ابن عمر وأبو ذر وأبو بكرة وأبو الدرداء وثوبان وعقبة بن عامر هؤلاء ستة ومعهم ابن عباس ﵃ أجمعين سبعة رُوى عنهم هذا الحديث إن الله تعالى وضع لي عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه
стр. 3276
انظروا الروايات إخوتى الكرام هذه الروايات الكلام عليها وتصحيح الحديث فى نصب الراية فى الجزء الثانى صفحة أربع وستين فى مختصره فى الدراية فى الجزء الأول صفحة خمس وسبعين ومائة وفى التلخيص الحبير فى الجزء الأول واحدة وثلاثمائة وانظروا بعض الروايات فى المجمع فى الجزء السادس صفحة خمسين ومائتين وللإمام السبكى فى طبقات الشافعية كلام على هذا الحديث فى قرابة ثلاث صفحات فى الجزء الرابع صفحة اثنتين وثلاثين ومائة فى ترجمة العبد الصالح محمد بن نصر الذى توفى سنة ثمان وتسعين ومائتين للهجرة عليهم جميعا رحمة الله ورضوانه فالخطأ والنسيان رُفع عنا وهكذا ما نُقسر عليه ما نُكره عليه ما نُضطر إلى فعله من غير اختيارنا ففى هذه الأحوال كما تقدم معنا نُعذر عند ربنا
إخوتى الكرام يدخل فى يعنى فى هذه الحالة الثالثة التى هى حالة اضطرار حالة عذر قد يفعل الإنسان المعصية كما قلت ويُعذر فى فعلها فلا إثم عليه وقد يُرفع عنه اللوم أيضا لعدم موجود تقصير منه
يدخل فى هذه الحالة قصة كنت ذكرتها سابقا هى من كرامات ومناقب سيدنا عبد الله بن حذافة السهمى رضى الله عنه وأرضاه
كنت ذكرتها ضمن تفسير سورة الفاتحة فى غالب ظنى, انظروا هذه القصة فى الإصابة فى الجزء الثانى صفحة ست وتسعين ومائتين وفى السير فى ترجمة عبد الله بن حذافة فى الجزء الثانى أيضا صفحة أربع عشرة
وخلاصة هذه المنقبة والكرامة رواها الإما البيهقى والإمام ابن عساكر فى تاريخ دمشق من طريق أبى رافع ﵃ أجمعين
стр. 3277
أن سيدنا عمر بن الخطاب ﵃ أجمعين وجَّه وأرسل جيشا إلى قتال الروم فأُسر سيدنا عبد الله بن حذافة أسره الروم عليهم لعائن الحى القيوم الروم, النصارى أسروا سيدنا عبد الله بن حذافة رضى الله عنه وأرضاه فوضعوه فى سجن وأرادوا منه بعد ذلك أن يكفر بالنبى ﵊ وأن يرتد فقابله المَلك بنفسه وقال هل لك أن تكفر بمحمد ﵊ ولك علىَّ أن أزوجك ابنتى وأعطيك نصف مُلكى واكفر بالنبى ﵊
قال والله لو أعطيتنى مُلكك كله ومُلك العرب أيضا لما كفرت بمحمد ﵊ طرفة عين
فقال هذا الطاغية رئيس الروم خذوه فاصلبوه ثم قال لجنده لا توجهوا السهام إليه إنما يعنى اجعلوها تقع بجانبه ميمنة وميسرة من أجل أن يرجع ويخاف لعله بعد ذلك يراجع نفسه فيكفر بالنبى ﵊ فصلبوه على شجرة وبدأوا يسددون السهام تنزل يمينا ويسارا يمينا وشمالا ثم رفعوا الضرب عنه فاستدعاه الملك
قال أتكفر يعنى لا تقتل قال لا أكفر لو أعطيتنى مُلكك وملك العرب فأتوا بقدر من نحاس كبير فوضعوا فيه الماء وأوقدوا عليه النار حتى صار فى منتهى درجة الحرارة وجاؤا ببعض أسرى المسلمين فألقاهم هذا الطاغية بيده فى هذا القدر فانفصل اللحم عن العظم
وعبد الله بن حذافة ينظر قال أتكفر وإلا يلقيك مع أصحابك فبكى عبد الله بن حذافة رضى الله عنه وأرضاه فالملك قال أعيدوه إلىَّ قبل أن تلقوه فى القدر
يعنى لعله يراجع نفسه
قال ما لك تبكى قال أبكى لأنه ليس لى إلا نفسا واحدة فإذا ألقيتمونى فى القدر سأموت مباشرة كنت أتمنى أن يكون لى أنفس وأرواح بعدد الشعر الذى فى جسمى حتى يعنى أجد عذابا كثيرا لأنال أجرا وفيرا عند الله جل وعلا أنا الآن لحظة سأموت لكن كنت أتمنى أن أموت موتات متعددة بهذه القِتلة التى تقتلنى بها
стр. 3278
فلما رأى حاله صلابته قال هل لك أن تقبل رأسى وأن أعفو عنك وأطلق سراحك قال بشرط هذا من باب الإكراه وحصول مصلحة قال بشرط أن تطلق أسرى المسلمين لا يبقى أسير عندك وأقبل رأسك النجس ماذا نعمل هذا شرط ما يبقى أسير إلا تطلقه
قال لك ذلك فقام عبد الله بن حذافة وقبل رأس طاغية الروم فأطلق أسرى المسلمين وكان ثلاثمائة وأعطاه ثلاثين ألف دينار وثلاثين وصيفة ,عبدة وثلاثين وصيفة وأعاده قال ارجع إلى بلادك سالما آمنا فلما وصل إلى سيدنا عمر وأخبره الخبر قال حق على كل مسلم أن يقبل رأس عبد الله بن حذافة وأنا أول من يفعل ذلك فقام وقبل رأسه ﵃ أجمعين
هنا إخوتى الكرام حقيقة هذا الفعل فعله من باب الاضطرار إخراج أسرى المسلمين وهو ما فعل هذا حتى لمصلحته ولذلك يعنى مصلحته مضمونة قال لا, إن تخرج الأسرى فعلت وإلا يعنى القتل أيسر علىَّ من هذا حقيقة هذا كما قلت يعنى من باب الاضطرار لتحصيل هذه المصلحة إنقاذ عباد الله فكما قلت مصلحة شرعية فعلها
الإمام الذهبى علق على هذا كما ذكرت سابقا قال لعل طاغية الروم كان يضمر الإيمان فى قلبه لعل ولا يستطيع أن يظهره على لسانه وجوارحه ولذلك يعنى فعل ما فعل من أجل أن يجد مبررا لإكرام عبد الله بن حذافة فأكرمه وأعاده وأطلق الأسرى بسببه ولو فعل هذا يعنى دون هذه القصة لقاتله قومه وكشفوا إيمانه
ثم قال ولعل هرقل أيضا كان يضمر الإيمان يعنى فى قلبه العلم عند الله جل وعلا
وعلى كل حال يقول الإمام الذهبى إذا كان فى يعنى قلب هذا الطاغية وقلب هرقل إيمان حقيقى قد ينفعه فى يوم من الأيام عند ذى الجلال والإكرام وإما إذا لم يكن هناك إيمان إنما فعل ما فعل فقط من أجل تعظيم رسول الإسلام وأنه رسول لكن للعرب لا إليهم ولم يؤمن به على نبينا وآله وصحبه صلوات الله وسلامه فهذا لا ينفعه مهما عمل والعلم عند الله جل وعلا
стр. 3279
كنت ذكرت إخوتى الكرام أن الإمام البخارى بدأ بحديث إنما الأعمال بالنيات فى كتاب الوحى وختمه بحديث سيدنا عبد الله بن عباس ﵄ فى قصة يعنى وفد أبى سفيان عندما كانوا فى بلاد الشام وسألهم هرقل فكأنه يشير كما تقدم معنا إلى أنه إذا كان فى قلب هرقل إيمان سينفعه فى يوم من الأيام والعلم عند ذى الجلال والإكرام كما وضح ذلك الحافظ فى الفتح ﵃ أجمعين
إخوتى الكرام كما قلت هذه الحالة الأولى من الحالات الثلاث لمن ينحرف عن حكم الله ينحرف لا يقوم بحكم الله لا يلتزم به لأنه كما قلت معذور ما وجه العذر؟
متأول أخطأ فيما فيه مجال للتأويل جهل ولم كما قلت يعرض ولم يقصر أما أنه هو بين المسلمين ويكفر برب العالمين ويطلق زوجته ولا يصلى ولا يعرف الوضوء ولا ولا ثم تقول لى أنا جاهل ولا يتقن قراءة الفاتحة يا عبد الله لمَ لا تتعلم؟ أنت معرض لست بجاهل واضح هذا ,هذا لا بد من تمييز هذه الحالة عن الحالة التى تقابلها
فإذن جهل كما قلت من غير إعراض ومن غير تقصير آية نزلت وفهموها على حسب لسانهم ولم ينزل من الفجر حقيقة لهم عذر
أما يأتينا إنسان كما قلت فى هذه الأيام يفهم كلام الرحمن على حسب هواه وهذيانه ويقول أنا معذور جهلت, يا عبد الله لا يحق لك هذا
والحالة الثالثة كما قلت أن يكون مُضطرا مُكرها مُلجأ إلى فعل المخالفة فالقلم مرفوع عنه رفع عن هذه الأمة الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه
الحالة الثانية إخوتى الكرام حالة كما تقدم معنا يأثم فيها الإنسان لكن لا يكفر بالله عليه وزر وعمله فسق لكن لا يصل إلى الكفر
стр. 3280
إخوتى الكرام يعنى هذه الحالة الثانية حقيقة كان فى نيتى أن ننتهى منها من أجل أن نتدارس الحالة الثالثة التى كما قلت يكفر فيها الإنسان إذا أعرض عن حكم الرحمن لم يحتكم إليه أو لم يحكم به كما تقدم معنا فى خمس حالات وسأفصلها وأدلل عليها بعون الله وتوفيقه لكن الحالة الثالثة كما قلت هذا الآن ليس بمعذور إنما هو موزور عليه وزر وهو آثم عاص للعزيز الغفور لكنه لا يكفر
أذكرها سردا وأشرحها وأمثل عليها فى الموعظة الآتية بعون الله وتوفيقه
أولها إخوتى الكرام أول هذه الحالات أن يتأول فيما ليس من محل التأويل أو هو ليس من التَأُوُّل, ليس هو فى هذه الرتبة فى هذه المكانة, ليس هو من أهل الاجتهاد, لس هو من أهل الفهم والاستنباط
الحالة الثانية أن يجهل الحكم الشرعى لكن مع تقصير فى الطلب
الحالة الثالثة أن يتعمد المخالفة طلبا لحظ عاجل دون استحلال للباطن
هذه الأحوال الثلاثة يأثم فيها الإنسان لكن لا يصل إلى الكفر نتدارس هذا بعون الله وتوفيقه فى الموعظة الآتية.
وصلى الله على نبينا محمد وعلى جميع الأنبياء والمرسلين وسلم تسليما كثيرا
ربنا آتنا فى الدنيا حسنة وفى الآخرة حسنة وقنا عذاب النار
اللهم اغفر لآبائنا وأمهاتنا اللهم ارحمهم كما ربونا صغارا
اللهم اغفر لمشايخنا ولمن علمنا وتعلم منا
اللهم أحسن إلى من أحسن إلينا
اللهم اغفر لمن وقف هذا المكان المبارك
اللهم اغفر لمن عبد الله فيه
اللهم اغفر لجيرانه من المسلمين
اللهم اغفر للمؤمنين والمؤمنات الأحياء منهم والأموات
وصلى الله على نبينا محمد وعلى جميع الأنبياء والمرسلين وسلم تسليما كثيرا
والحمد لله رب العالمين
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته
стр. 3281
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى جميع الأنبياء والمرسلين ورضى الله عن الصحابة الصادقين المفلحين وعمن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.
اللهم لا سهل إلا ما جعلته سهلا وأنت تجعل الحزن إذا شئت سهلا سهل علينا أمورنا وعلمنا ما ينفعنا وانفعنا بما علمتنا يا أرحم الراحمين اللهم زدنا علما نافعا وعملا صالحا بفضلك ورحمتك يا أكرم الأكرمين سبحانك الله وبحمدك على حلمك بعد علمك سبحانك الله وبحمدك على عفوك بعد قدرتك
اللهم صل على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا
أما بعد إخوتى الكرام
كنا نتدارس أحوال الإنسان عندما ينحرف عن شرع ربنا الرحمن تقدم معنا قبل ذلك بيان الفروق بين شرع الخالق جل وعلا وشرع المخلوق وقلت إن ذلك يحتم علينا لأن نأخذ بشرع ربنا وأن نبتعد بعد ذلك عن القوانين الوضيعة الوضعية وهذا الأخذ كما تقدم معنا واجب حتمى لا مفر لنا منه والإنسان إذا خرج عنه له كما تقدم معنا حالة من حالات ثلاثة إما أن يكون معذورا وإما أن يكون آثما موزورا وإما أن يكون جاحدا مرتدا كفورا
ولا يخرج أحوال الناس عندما ينحرفون عن شريعة رب الناس عن هذه الحالات الثلاث والحالة الأولى إذا كنا من أهلها فهنيئا لنا والحالة الثانية إذا كنا من أصحابها فيرجى لنا الخير عند ربنا وأما الحالة الثالثة فنستعيذ بالله منها ومن أهلها ونسأل الله أن يحفظنا من الوقوع فيها إنه أرحم الراحمين وأكرم الأكرمين
الحالة الأولى إخوتى الكرام عندما ينحرف الإنسان عن شرع ربنا الرحمن ولا يصيب حكم الله ولا يفعل ما أمر الله به قلت قد يكون معذورا وهذا كما تقدم معنا أيضا له ثلاثة أحوال:
стр. 3282
أولها كما تقدم معنا أن يتأول فيما فيه مجال للتأويل وهو من أهل التأويل فأخطأ شرع الله الجليل وأخطأ إصابة شرع الله الجليل ففى هذه الحالة لا لوم عليه ولا ذنب عليه ولا معصية عليه وهو معذور تقدم معنا قد يوجه إليه اللوم أحيانا قد لوجود تقصير منه ما, لكن دون أن يكون عليه عقاب فى العاجل أو فى الآجل
الحالة الثانية كما تقدم معنا إخوتى الكرام أن يكون جاهلا لحكم الله وهذا الجهل كما تقدم معنا ما صاحبه إعراض عن شرع الله ولا تقصير فى تعلم دين الله إنما كما قلت لا يمكن لبشر أن يحيط بشرع الله جل وعلا فطلب واجتهد وتعلم لكن أخطأ بعد ذلك الفهم وما أصاب الحكم رحمة الله واسعة يصحح له خطؤه فلا إثم عليه ولا ذنب
الحالة الثالثة كما تقدم معنا أن يقسر وأن يكره عل معصية الله ففى هذه الأحوال الثلاثة تقدم معنا لا يقصد الإنسان معصية الرحمن والشارع قد عذره فى هذه الأحوال الثلاثة فلا إثم عليه ولا ذنب عليه ولا معصية عليه وقد يوجه إليه اللوم أحيانا لوقوع تقصير منه فى الجملة والعلم عند الله جل وعلا
تقدم معنا إخوتى الكرام تفصيل الكلام على هذه الأمور الثلاثة الحسان
عندنا الحالة الثانية من أحوال من لم يحكم بما أنزل الرحمن أو لم يحتكم إلى شريعة ذى الجلال والإكرام
الحالة الثانية كما تقدم معنا وكما ذكرت آنفا يكون الإنسان آثما موزورا انتبهوا إخوتى الكرام قد يقصد المعصية فى هذه الحالة وقد لا يقصدها لكن الشارع ما عذره هناك لم يقصد المعصية قطعا وجزما لكن الشارع عذره وسمح له فى فعله هنا له حالتان قد يقصد معصية الرحمن هو يقصدها لكن دون استحلال لها كما سيأتينا قصد المعصية غلبته شهوته وكل بنى آدم خطاء وخير الخطائين التوابون
حالة ثانية ما قصد المعصية
стр. 3283
فعل فعلا لا يريد معصية الله لكن الشارع ما أذن له فى ذلك الفعل ولا عذره ولا رخص له فى الفعل فهو آثم فى ٦:١٠هذه الحالة الثانية التى يأثم الإنسان فيها كما قلت ويوزر أى يرتكب وزرا وإثما أيضا لها ثلاث حالات
الحالة الأولى
أن يتأول الإنسان فيما ليس من محل التأويل أو أن يكون هو ليس من أهل التأويل, حالة لا يصلح التأويل فيها فتأول مُنع من التأويل فيها وعليه إذا تأول فقد أخطأ وعصى الله وإن لم يقصد المعصية وما قصد المعصية لكن ما رُخص له أن يتأول فى هذا الجانب ولا أن يجتهد هنا يوجد أمر واضح ينبغى أن يقف عنده أو كما قلت المسألة فيها مجال للتأويل لكن هو ليس من أهل التأويل فتطفل عليها وأعمل رأيه فيها فإن أصاب وإن أخطأ فعليه إثم عند الله لأنه ليس من أهل التأويل, فى هذه المسألة مع ما قصد المعصية انحرف عن شرع الله فى هذه الحالة كما قلت اجتهد تأول فيما ليس من محل التأويل أو فيما هو من محل التأويل لكن ليس هو من أهل التأويل
ما هى الدائرة التى لا يجوز أن نجتهد فيها وليست هى من محل التأويل؟ هذا الشق الأول من هذه الحالة
إخوتى الكرام قلت مرارا عندنا فى ديننا مسائل عليها إجماع ومسائل فيها افتراق هذه عليها اتفاق وهذه فيها اختلاف وافتراق فما أجمع عليه أئمتنا هذا ليس من محل التأويل لا يجوز أن تبحث فيه وتعيد النظر وأن تجتهد وتقدم معنا كما قلت مرارا إجماع أئمتنا حجة قاطعة واختلافهم رحمة واسعة فما فيه إجماع وقطع فالمسألة واضحة ظاهرة تأتى بعد ذلك تجتهد فيها هذا حقيقة لا يقبل وأنت فى هذا الاجتهاد لا تعذر عند الله عزوجل فعليك إثم وإن لم تقصد المعصية
مثال هذا إخوتى الكرام
كما سأل بعض الإخوة الكرام فى الموعظة الماضية عن موضوع اللحية وقال يجتهد الآن بعض المشايخ فيها ويقولون إنها ليست من الشرع ليست مطلوبة فى شرع الله لمَ؟
стр. 3284
قال يأولون ويقولون هذه عادة فعلها نبينا ﵊ على حسب عادة قومه فكانوا يعفون لحاهم فأعفى النبى ﵊ لحيته مجاراة لقومه وعلى حسب عادة قومه فهذا كان فاشيا بين العرب وما وُجد فيهم من يحلق لحيته لكن ليس لها منزلة فى دين الله
قلت هذا التأويل مردود ومن قاله عليه إثم عند ربنا الودود وليس هذا من مجال التأويل
وحقيقة إخوتى الكرام هذه المسألة فاشية بين أهل الإسلام فأريد أن أنبه على وضعها باختصار دون بحث فى حكم اللحية فليس هذا كما يقال وقت البحث فى هذه المسألة لكن هل الاجتهاد فى هذه المسألة مقبول وحولها تشويش كثير, يعنى فى بلاد الشام عندنا الذى ينتشر عند العوام أن اللحية هذه يعنى شعار علماء الإسلام, العالم ينبغى أن يكون له لحية وهذا عُرف مع أنه خاطىء لكن أحسن من عُرف بعض البلاد كما هو فى مصر ليس هناك اللحية لا لعالم ولا لغيره يعنى شيوخ الأزهر الكبار إلا الذين يلتزمون بدين العزيز القهار هذا يعنى لا يدخلون فى هذه القاعدة لا فى مصر ولا فى بلاد الشام فما أريد أن يفسر الكلام خطأ يعنى لا ينسحب هذا على كل أحد لكن العُرف هناك يعنى شيوخ الأزهر يرون أن اللحية ليست مطلوبة يعنى فى شرع الله عزوجل بل يعنى أحيانا بعضهم يشتط ويزيد يقول:
تركها فى هذا الزمان أولى لأن اللحية صارت عنوانا على المبتدعة والمتنطعين والإرهابيين وما شاكل هذا فنحن لئلا نتهم بأننا من ذلك الصنف نحلقها ونمشى بعد ذلك مع الجماعة ويد الله مع الجماعة
стр. 3285
أما الصالح فيهم ممن يتأول فى هذه المسألة وهو زائغ ضال آثم عند ذى العزة والجلال يقول إنها سنة عادة وهذا يقوله كثير من مشايخ الأزهر الكبار سنة عادة ولذلك حقيقة لو دخل الإنسان إلى الأزهر مثلا إلى كلية الشريعة وأصول الدين يرى عجبا يعنى يدرس التفسير والحديث والتوحيد وليس فى وجهه شعرة توحد الله جل وعلا, طيب أنت تدرس التوحيد وتدرس الحديث وتدرس التفسير وأحيانا يأتى معك حديث النبى ﵊ كما سأذكر عشر من الفطرة إعفاء اللحية وأنت فى صباح هذا اليوم اعتديت على لحيتك, لما يأتى يقول هذه سنة عادة يعنى ليست هى مطلوبة فى الشرع يعنى على سبيل الترغيب أو على سبيل الجزم
ولذلك إخوتى الكرام كما قلت لا بد من بيان هذا الأمر
أولا
هذه المسألة أعنى إعفاء اللحية محل إجماع بين أهل الإسلام أنها مشروعة فى دين الرحمن وأنها مطلوبة ومرغب فيها ومُن يعنى اعتدى عليها فقد أثم وعصى الله هذا إخوتى الكرام لابد من وعيه ولا بد من نشر هذا الحكم لأن كثيرا من الناس يفعل هذه المعصية دون أن يعلم أنه عاص
التقيت مرة ببعض إخواننا فى بعض المساجد فى مصر يلبس خاتم ذهب فبعد أن انتهينا من الصلاة قلت يا عم هذا حرام قال حرام قلت حرام يعنى هذا لا يجوز أن يلبسه الرجال قال سبحان الله أنا ما حجيت إلا بالعافية يقول ما حججت إلا بالعافية يعنى بالصعوبة والمشقة على حسب القرعة التى تجرى هناك ثم بعد ذلك أعصى الله فرمى الخاتم طرحه إخوتى الكرام يعلم الله يطرح الخاتم فى المسجد قلت خذ يعنى١٣:٢٧للنساء أو كذا لا حرج لكن أنت لا تلبسه
يقول كيف أنا ألبس شيئا حرمه الله وأنا ما حججت إلا يعنى بمشقة وكلفة
إخوتى الكرام هذا لمَ؟
стр. 3286
حقيقة لا يوجد من يعلمه بل أحيانا يرى خطيب الجمعة يلبس خاتم الذهب ويرى من يصلى الصلوات الخمس يلبس خاتم الذهب وأنا رأيت رئيس قسم العقيدة دع ما دونه رئيس قسم العقيدة وصار بعد ذلك عميدا فى كلية أصول الدين لا لحية ولا شارب يلبس خاتم الذهب وكان يدرس التوحيد فى الدراسات العليا فى مكة المكرمة صانها الله وشرفها
هذا أمر عجيب حقيقة لا لحية ولا شارب ويبلس خاتم الذهب وعندما ترى يعنى ما تعلم هل هذا حقيقة إذا لو رآه الإنسان فى غير مجال عمله ماذا يعمل ما أحد يدرى يعنى كما قلت ليس عليه صفة من صفات طلبة العلم فكما قلت العُرف فى بلاد الشام أن اللحية لطلبة العلم وعلماء الإسلام أما هناك ولا يعنى حتى المشايخ لا يلتزموا بهذه اللحية فهذا أمر حقيقة فظيع منكر خبيث والحمد لله يعنى الشباب من فضل الله عادوا إلى رشدهم ونسأل الله أن يلهمنا رشدنا فى جميع أحوالنا واتبعوا نبيهم على نبينا وآله وصحبه صلوات الله وسلامه ويعنى ما قلدوا بعد ذلك ولا اتبعوا مَن يضللونهم باسم دين الله ممن يُحسبون على أنهم دعاة فى شريعة رب الأرض والسماوات
إخوتى الكرام كما قلت هذا أمر مجمع عليه ومن حلق اللحية فقد عصى هذا خلاف فيه فإذا جاء إنسان وأوَّل نقول أوَّلت فيما ليس من مجال التأويل فتأويلك من الأباطيل هذا مثلا إذا كان من أهل التأويل وإذا لم يكن من اهل التأويل كحالنا فجمع بين بليتين خالف ما أجمع عليه أئمتنا ثم هو فى الأصل لا يحق له أن يدلى بدلوه فى هذه المسألة
إخوتى الكرام أهل التأويل ذهبوا ٠٠٠انتهى وأما نحن ما لنا بعد ذلك إلا أن نأخذ بما قرره أئمتنا وأما أن نأتى لنجتهد من جديد فهذا ضلال بعيد فلا بد إخوتى الكرام من وعى أيضا هذه القضية فإذن هو أيضا ليس من أهل التأويل لكن لو سُلم له نقول تأولت فيما ليس من مجال التأويل
стр. 3287
استمع مثلا لمذهب من المذاهب الأربعة وهو أول المذاهب مذهب السادة الحنفية رضوان الله عليهم أجمعين يقولون وسائر المذاهب كذلك كما فى رد المحتار على الدر المختار وهذا القول موجود أيضا فى فتح القدير لمجدى همام أيضا عليهم جميعا رحمات ذى الجلال والإكرام فى رد المحتار فى الجزء الثانى صفحة سبع عشرة وأربعمائة يقول:
الأخذ من اللحية انتبه الأخذ من اللحية وهى دون القُبضة هذا ما يتكلم الآن على الحلق اسمع على التقصير الأخذ من اللحية وهى دون القبضة والقبضة أن تضع يدك إلى منتهى الذقن عند منتهى الذقن ليس فوق الذقن منتهاها فما كان داخل القبضة هذا قبضة لا يجوز أخذ شىء منه واضح هذا, ما زاد هذا الذى يرخص يعنى الأخذ منه عند الحنفية لكن انتبه الأخذ من اللحية وهى دون القبضة يعنى إذا لم تكن قبضة أقل يعنى لو وضعت يدك ما يسترسل الشعر وينزل من القبضة الأخذ من اللحية وهى دون القبضة انتبه كما يفعله بعض المغاربة ومخنثة الرجال فهذا حرام لم يبحه أحد ما هو؟ الأخذ من اللحية وهى دون القبضة انتبه قال وأخذ كلها هو فعل يهود الهند ومجوس الأعاجم أما استأصالها هذا فعل يهود الهند يعنى فى زمنهم حقيقة ما كان يعنى يفعل هذا حتى العرب إنما يهود الهند ومجوس الأعاجم هم الذين يستأصلون أما يعنى وُجد فى زمن التابعين وأتباع التابعين شىء من التقصير بدون القبضة فبحثوا فيه قالوا حرام كما يفعله بعض المغاربة اذهب الآن للمغاربة يعنى نادرا ترى شيخا فى المغرب له لحية أضعاف ما فى مصر ليس مصر, نادرا ترى إمام مسجد له لحية وليس له لحية لا لحية ولا شارب ترى الوجه مثل المرآة!!
стр. 3288
أمر عجيب حقيقة تراه أيضا خطيب جمعة وإماما ومفتيا وحالة عجيبة وهو بهذه الحالة فهذا كما قلت الاستئصال هذا فعل يهود الهند ومجوس الأعاجم والأخذ منها دون القبضة كما يفعله بعض المغاربة ومخنثة الرجال فهذا حرام لم يبحه أحد هذا الحرام الذى لم يبحه أحد كما قلت مرارا صار لحية الدعاة الملتزمين فى هذا الحين يعنى إذا كان داعيا ملتزما لحيته بمقدار أُنملة أو دون فهذا إذا كان يعنى من الملتزمين وأما إذا كان من المتحللين فنسأل الله العافية والسلامة
هذا الذى قرره أئمتنا إخوتى الكرام ويقول الإمام أبو شامة رفع الله مقامه, توفى سنة خمس وستين وستمائة كما نقل ذلك عنه الحافظ فى الفتح فى الجزء العاشر صفحة واحدة وخمسين ثلاثمائة يقول:
حدث قوم يحلقون لحاهم وهو أشد مما نُقل عن المجوس أنهم كانوا يقصونها ويقصرونها
يعنى يقول وُجد فى هذا القرن وهو القرن السادس والسابع من يحلق لحيته يقول هذا أشد مما كان عند المجوس أنهم يقصرون وسيأتينا أن المجوس كانوا يقصرون وما كانوا يستأصلون لكن يوفرون الشوارب يقول حدث قوم يحلقون لحاهم وهو أشد مما نُقل عن المجوس أنهم كانوا يقصونها
وكما قلت الإمام أبو شامة صاحب كتاب الباعث على إنكار البدع والحوادث من الأئمة الصالحين وهو صاحب المرشد الوجيز أوليس كذلك؟ وله شرح للشاطبية من أحسن شروحها, انظروا ترجمته فى طبقات الشافعية الكبرى فى الجزء الثامن صفحة حمس وستين ومائة عليه وعلى أئمتنا رحمة ربنا
إذن كما قلت هذا الأمر متفق عليه وليس هو من المسائل التى يجوز أن يُعمل أهل التأويل فيها رأيهم واجتهادهم ليتأولوا ويستنبطوا, لا هذه مسألة منتهية هذه مشروعة وهى من الواجبات على الرجال المؤمنين ينبغى أن يُعفوا لحاهم ويحرم عليهم أن يأخذوا شيئا منها إذا كانت دون القبضة
стр. 3289
ما زاد على ذلك اختلف أئمتنا فيه كما قلت مرارا ,ما اختلف فيه أئمتنا ففيه سعة بعضهم يرى الأحسن الأخذ كما هو عند الحنفية وبعضهم يرى الأحسن الإعفاء والترك كما قرره شيخ الإسلام الإمام النووى فى شرح صحيح مسلم
بقيت مسألة كما قلت ما اختلف فيه أئمتنا فيه سعة نُقل الأخذ عن سيدنا عمر وعن ابنه وعن سيدنا أبى هريرة ﵃ أجمعين كما فى فتح البارى فى الجزء العاشر صفحة خمسين وثلاثمائة مسألة كما قلت هذه مسألة مرخص فيها وفيها سعة الأخذ فيما زاد مما زاد على القبضة أما إذا كانت قبضة فهذا لا يجوز أخذ شىء منها ومن باب أولى كما قلت لا يجوز استئصالها وقد كان نبينا ﵊ كثَّ اللحية كثير شعر اللحية فلنقتدِ به فمن رزقه الله لحية كثة عظيمة فليحمد الله, شابه خير خلق الله على نبينا وآله وصحبه صلوات الله وسلامه
ثبت فى صحيح مسلم انظروا الحديث فى شرح الإمام النووى على صحيح مسلم فى الجزء الخامس عشر صفحة سبع وتسعين عن سيدنا جابر بن عبد الله ﵄ قال:
كان رسول الله ﷺ كثير شعر اللحية
وثبت فى مسند الإمام أحمد عن سيدنا على وفى سنن النسائى عن سيدنا البراء بن عازب ﵃ أجمعين قال:
كان نبينا ﵊ كان رسول الله ﷺ كث اللحية
إذن هناك كثير شعر اللحية كان كث اللحية عليه صلوات الله وسلامه فلنقتدِ به ولنا فيه أسوة حسنة عليه صلوات الله وسلامه
إخوتى الكرام كما قلت هذه لا افتراق فيها ولا اختلاف فيها هى من مسائل الاتفاق من مسائل الإجماع فمن أدخل كما يقال اجتهاده فيها ليتأول فقد ضل وعصى الله عز وجل
стр. 3290
استمع لبعض الأحاديث التى وردت تأمرنا بإعفاء لحانا عن نبينا على نبينا وآله وصحبه صلوات الله وسلامه ثبت فى مسند الإمام أحمد وموطأ الإمام مالك والحديث فى الكتب الستة إلا سنن ابن ماجة وهو فى أعلى درجات الصحة ورواه البيهقى وهو فى غير ذلك من دواوين السنة عن سيدنا عبد الله بن عمر ﵃ أجمعين أن نبينا الأمين على نبينا وآله وصحبه صلوات الله وسلامه قال:
أحفوا الشوارب والإحفاء هو المبالغة فى القص أى قصوها قصا شبيها بالحلق
أحفوا الشوارب وأعفوا اللحى من أعفى يعفى إعفاء أعفوا بمعنى اتركوا ويقال اعفوا بهمزة الوصل على انه من عفا بمعنى كثر أعفى ترك عفا كثر أعفوا اتركوا اعفوا أى كثروا ووفروا كما سأتينا فى بعض الروايات وضخموا لحاكم فإذا كنت كثة فاتركوها كذلك اعفوا كثروا أعفوا اتركوها ولا تأخذوا منها شيئا
والحديث إخوتى الكرام رواه الإمام مسلم فى صحيحه والبيهقى فى السنن الكبرى والطبرانى فى معاجمه الثلاثة والإمام ابن عدى فى الكامل عن سيدنا أبى هريرة رضى الله عنه وأرضاه عن نبينا على نبينا وآله وصحبه صلوات الله وسلامه أنه قال:
جزوا الشوارب وأوفوا اللحى من الإفاء وهى أن تكون كاملة ليست منقوصة أوفوا هناك أعفوا هنا أوفوا جزوا الشوارب والجز القص الشديد المبارغ فيه جزوا الشوارب وأوفوا اللحى
وفى رواية فى صحيح مسلم
جزوا الشوارب وأرخوا اللحى والإرخاء هو التطويل أن تكون مسترخية طويلة تملأ الصدر إن كانت كذلك
وهذا الحديث إخوتى الكرام رُوى عن عدة من الصحابة وهو يصل إلى درجة الاستفاضة إن لم يتواتر أما يعنى كون نبينا ﵊ كان له لحية والصحابة كذلك فهذا متواتر مقطوع به معلوم من الدين بالضرورة لكن هذا الأمر كما قلت فى هذا الحديث انظروا بعض الروايات له هذه روايتان من رواية سيدنا أبى هريرة وابن عمر أوليس كذلك؟
стр. 3291
الرواية الثانية عن سيدنا عبد بن عباس ﵄ فى معجم الطبرانى الأوسط انظروها فى المجمع فى الجزء الخامس صفحة تسع وتسعين ومائة
والرواية الثالثة عن سيدنا أنس بن مالك ﵁ فى مسند البزار ورواها الطحاوى فى شرح ماعنى الآثار انظروها فى المجمع فى المكان المتقدم وفى جمع الجوامه فى الجزء الأول صفحة ست وعشرين وثبت الحديث من رواية سيدنا أبى أمامة وهى رواية خامسة فى مسند الإمام أحمد ومعجم الطبرانى الكبير والحديث رواه الإمام البيهقى فى السنن الكبرى وثبت الحديث أيضا من رواية عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده وه سيدنا عبد الله بن عمرو بن العاص ﵃ أجمعين فى كتاب الكامل للإمام ابن عدى كما فى جمع الجوامع فى الجزء الأول صفحة ست وعشرين
هذه ست ورايات عن ستة من الصحابة فيها الأمر بإعفاء اللحية عن نبينا على نبينا وآله وصحبه صلوات الله وسلامه
إخوتى الكرام هذه الأحاديث انتبهوا إلى ثلاثة امور فيها الأمر الأول فيما يتعلق بلفظ الشارب وردت ألفاظ الحديث على خمسة أنحاء بخمسة أشكال:
أولها أحفوا من الإحفاء وهو قلت القص الذى يشبه الحلق والثانية قصوا والثالثة جزوا والرابعة أنكهوا من أنهك انهكوا من نهك وعليه٢٨:٦قطع والإنهاك هو يعنى المبالغة أيضا فى القص مبالغة فى القص أنهكوا الشوارب انهكوا الشوارب والرواية الخامسة اللفظ الخامس خذوا من الشوارب
وأما فيما يتعلق باللحية وهو الأمر الثانى انتبوا له أيضا على خمسة أنحاء وأشكال:
أعفوا كما تقدم معنا من أعفا او من عفا أعفوا اعفوا أرخوا اللفط الثالث أرجؤوا وعليه جزوا الشوارب وأرجؤوا اللحى يعنى أخروها عن الجز وعن القص ولا تستعملوا فيها المقص ولا الموسى أرجؤوا الرواية الرابعة أوفوا الرواية الخامسة وفروا
стр. 3292
وأما الأمر الثالث الذى ينبغى أن ننتبه له فى المخالفة ورد فى بعض الروايات خالفوا المشركين وفى بعض الروايات خالفوا أهل الشرك وفى رواية ثالثة خالفوا المجوس وفى رواية رابعة خالفوا أهل الكتاب وفى رواية خامسة لا تشبهوا باليهود ولا النصارى ورواية أبى أمامة التى ذكرتها إخوتى الكرام قلت إنها فى المسند ومعجم الطبرانى الكبير والسنن الكبرى للإمام البيهقى انتبوا للفظها عن سيدنا أبى أمامة ﵁ قال:
قلنا يا رسول الله ﷺ إن أهل الكتاب يقصون عثانينهم جمع عثنون وهى اللحية يقصون عثانينهم ويوفرون سبالهم جمع سبلة وهى الشارب ويطلق السبلة أيضا على الشعر الزائد سبالهم ويقصون عثانينهم جمع عثنون وهى اللحية كما فى النهاية فى غريب الحديث فى الجزؤء الثالث صفحة ثلاث وثمانين ومائة يقصون عثانينهم أهل الكتاب ويوفرون سبالهم وهكذا يفعل المجوس وأهل الشرك ونحن نخالف هؤلاء قاطبة وقال النبى ﵊
خالفوا اهل الكتاب وفروا عثانينكم وقصوا سبالكم
والحديث إسناده صحيح إخوتى الكرام مع الأحاديث المتقدمة وقد أخبرنا نبينا على نبينا وآله وصحبه صلوات الله وسلامه أن إعفاء اللحية من الفطرة من الجِبلة الطبيعية للإنسان وهذا من دين ربنا الرحمن إعفاء اللحية من الفطرة وعليه من اعتدى عليها فقد شذ وغيَّر خلقته وأطاع عدوه ولآمرنهم فلغيرن خلق الله
هذا الشيطان الذى يعنى قال ذلك وتوعد العباد بأنهم سيطيعونه ولآمرنهم فلغيرن خلق الله
ثبت فى مسند الإمام أحمد وصحيح مسلم والحديث فى السنن الأربعة وسنن الدارقطنى والسنن الكبرى للإمام البيهقى ورواه الإمام ابن خزيمة فى صحيحه والطحاوى فى شرح معانى الآثار والإمام أبو عوانة فى مستخرجه فى صحيحه وإسناد الحديث صحيح والحديث صحيح صحيح وهو فى صحيح مسلم من رواية أمنا الصديقة المباركة سيدتنا عائشة رضى الله عنها وأرضاها قالت:
стр. 3293
سمعت رسول الله ﷺ يقول عشر من الفطرة قص الشارب وإعفاء اللحية والسواك واستنشاق الماء عندما يضع الإنسان الماء فى أنفه ويخرج, الاستنشاق وقص الأظفار وغسل البراجم جمع بُرجمة وهى عقد الأصابع من الخلف ومن ظهر اليد هذه يجتمع فيها الأوساخ فيسن لنا أن نغسلها وأن نتعهدها لئلا يجتمع الوسخ عندها فى هذه العقد غسل البراجم والخصلة السابعة ونتف الإبط وحلق العانة وانتقاص الماء يعنى الاستنجاء وهذا أطيب الطيب أن يستنجى الإنسان بالماء وأطيب الطيب الماء كما كان يقول العرب:
أطيب الطيب الماء أن تزيل الروائح الكريهة عنك وأما بعد ذلك وجدت بخورا أو لم تجد هذه يعنى نافلة لكن الماء لا بد من أن تتعهد نفسك وأما طيب مع روائح منتنة لا تنفع يعنى ولا تؤثر أطيب الطيب الماء انتقاص الماء
قال مصعب بن شيبة ونسيت العاشرة إلا أن تكون المضمضة, أحد رواة الحديث يقول نسيت العاشرة ,عشر من الفطرة نسيت العاشرة إلا أن تكون المضمضة يقول لعلها المضمضة وفيما يظهر هى هى لأنه ذكر الاستنشاق فالمضمضة إذن أيضا من خصال الفطرة فى الوضوء وهكذا عندما ينظف الإنسان فمه ويتمضمض ويزيل الروائح الكريهة عشر من الفطرة
الختان تقدم معنا إخوتى الكرام يعنى ما ذكر هنا حلق العانة لكن الختان ما ذكر فى هذا الحديث, فى أحاديث أخرى
على كل حال نحن نريد من هذه الخصال إعفاء اللحية هذه التى نريدها وعليه إخوتى الكرام من اجتهد فى هذا الأمر كما قلت اجتهد فيما ليس من محل الاجتهاد فاجتهاده ضلال وفساد وكما قلت هذا ليس من التأويل إنما هو من التخريف والأباطيل وعليه لا يعذر عند الله الجليل فهو آثم وإن لم يقصد المعصية هذا ليس من محل الاجتهاد المسألة كما قلت عليها الاتفاق
стр. 3294
وحقيقة إخوتى الكرام كثير من المسلمين أنا على علم قطعى بذلك يفعلون هذه المعصية دون علم منهم أنها معصية يعنى يرى أن هذه من شعار المسلمين والقضاة والمشايخ الكبار أما مثلا هو عامى يعنى يعمل فى مزرعة هل يعفى لحيته يقولون له تمشيخت صرت شيخا وهو ليس بشيخ, من العرف الجاهلى الذى نعيشه وحقيقة الناس يتبعون صنفين يتبعون أمراءهم ويتبعون علماءهم فإذا حلق هذا الصنفان لحاهم الناس يقتدون فى هذين الصنفين وحلق أيضا الأمراء للحاهم يتبع لحلق العلماء للحاهم يعنى هؤلاء هم الأصل الذين يمثلون الشريعة الغراء وهم خلفوا نبينا خاتم الأنبياء على نبينا وآله وصحبه صلوات الله وسلامه وصنفان من الناس إذا صلحا صلح الناس وإذا فسدا فسد الناس العلماء والأمراء أكملوا الأثر إخوتى الكرام صلاح الأمراء وفسادهم بصلاح العلماء وفسادهم هذا لابد من وعيه أيضا وإذا صلح العالم يعنى أصلح الله به العباد والبلاد وإذا فسد حقيقة بعد ذلك الفساد سيتوسع يعنى عندما يرى الناس خطيب الجمعة يحلق لحيته وإمام المسجد يحلق لحيته ماذا سيقولون؟ حقيقة يقولون المسألة ليست ضرورية
أخبرنى بعض الإخوة كنت فى السعودية قبل وزير الأوقاف الجديد الذى قبله كان يحلق لحيته فبعض المسؤولين الكبار كنت معهم فى زيارة كلمتهم قال يا شيخ وزير الأوقاف يحلق لحيته وحقيقة ما كان له أن يحلق ولا شعرة فى وجهه توحد رب العالمين
قلت يا عبد الله ما رأيت إلا هذا الوزير تقتدى به فى هذه المسألة ما لك وله أولا عندنا رسول الله ﵊ الصحابة الكرام بعد ذلك يعنى هذا الذى كانوا عليه المذاهب الأربعة, ما أحد رخص فى ذلك ثم عندك مشايخ البلاد ما أكثرهم كل هؤلاء تعاميت عنهم وجئت فقط إلا وزير الأوقاف يحلق لحيته ستحلق أنت أيضا لحيتك
стр. 3295
يا عبد الله قلت هذا ضلال حقيقة هذا ضلال لكن كما قلت صار مجال لأن يدخل الشيطان على قلوب العوام يقول إذا كان وزير الأوقاف يحلق لحيته فهذا الذى هو مسؤول عن الشرع فى هذه البلاد إذن هذه ليست من الدين يعنى غاية ما يقال مباحة إنها عادة من العادات الحسن من فعلها أحسن وإلا فلا حرج عليه, هذا ضلال إخوتى الكرام وكما قلت يعنى حقيقة هذا التأويل الذى هو من الخرافات والأباطيل انتشر عند كثير من الناس
كنت مرة فى بعض المساجد فى مصر بعد أن صليت الظهر جاء الإمام ليصلى بنا يلبس بنطلون وقميص يعنى على آخر طراز كما يقال دخل إلى حجرة خاصة بجوار المنبر لبس الجبة الواسعة ووضع العمة لكن لا يوجد لحية على كل حال صلى بنا على هذه الحالة فلما انتهينا كنا مجموعة من الإخوة يعنى قلنا إذا سمحت على أيضا على العبارات الدارجة مولانا يعنى نجلس دقيقة بعد الصلاة دقائق نتحدث رحب ربنا وفتح صدره فقبل أن نبدأه بدأنا يعنى قبل أن نبدأ نحن لنصحه بدأنا هو بزيغه قال أنتم لمَ تقصون شواربكم ما توفرونها وله شارب مفتول ولا لحية
قلنا يا عبد الله نحن جلسنا معك لنكلمك فى أمر وإذ أنت فتحت فى نفس الأمر أنت تعيب علينا قص الشارب, السنة أن نقص الشارب قال لا هذه مُثلة الذى يقص شاربه يعذر قلنا وحلق اللحية قال مفيهاش حاجة!!!
قلنا كيف حلق اللحية ما فيها حاجة وقص الشارب مُثلة
قال هذه علامة الرجالة الرجل له شارب أما هذه اللحية أبدا
قلنا يا عبد الله رسول الله ﵊ الذى هو أمامنا أَمَا كان له لحية
قال نعم لكن عادة قومه وعادة قومنا الآن ما لهم لحى, اللحى هذه يعنى لا نطالب بها لكن الشوارب هذه ضرورية لأنها علامة الرجال جلسنا نبحث معه كما يقال طويلا وكثيرا لا فائدة
قال أبدا اللحية ليست من الشرع والذى يدخلها فى الشرع هذا ضال هذه عادة من العادات وتغير العرف لكن الشارب هذا لا بد منه الشارب علامة الرجال
следующие страницы →