← Джавами‘

Джавами‘ · id 21782

خطب ودروس الشيخ عبد الرحيم الطحان

عبد الرحيم الطحان

Полный текст (6 674 стр.). Показаны 3361–3400 · переход к 3366.

стр. 3361

إخوتى الكرام من الذى سيقدر المصلحة أنا أو أنت أو غيرنا من الخلق أو سيقدرها الإله الحق من الذى تقول هذا مصلحة وهذا مفسدة هذا ينبغى أن يقوله المشرع ينبغى أن يقوله العليم الحكيم وأما أنا وأنت وغيرى وغيرنا فقد نستحسن ما هو ضلال ولذلك كل أمة تستحسن جاهليتها التى هى عليها وترى أن المصلحة فيها وما أتى رسول من رسل الله الكرام على نبينا وعليهم صلوات الله وسلامه إلى قوم من الأقوام إلا عارضوه وانه خالف مصالحهم وما هم فيه مصلحة لهم وهذا جاء ليغير يعنى مصالحهم التى ألفوها واعتادوها فمن الذى سيقول هذا مصلحة وهذا مفسدة من الذى سيقول ,الذى سيقوله العزيز الغفور وأما ان تستباح المحرمات ضمن بعد ذلك ستار موافقة روح شريعة رب الأرض والسماوات هذا ضلال مبين الشعارات الردية فى بعض الأماكن فى بلاد الشام كتب على مدرسة ولها شأن واعتبار أمة عربية واحدة ذات رسالة خالدة وحدة حرية اشتراكية يعنى بعد هذا الكفر يوجد كفر ما بقى بعد هذا الكفر كفر فجاء ضال مُضل من الذين يحرفون الكلم عن مواضعه ومن هؤلاء الذين كما قلت يطورون قال يعنى ينبغى أن تُكتب آية فوق هذا الشعار من اجل يعنى أن يكون هذا الشعار تفسير لهذه الآية وإيضاح لها ﴿إن هذه أمتكم أمة واحدة وأنا ربكم فاعبدون﴾ [الأنبياء/٩٢] فكتب هذا ثم لما تُكلم معه يعنى كيف هذا الأمة هنا يراد منها الأمة الإسلامية والملة الإسلامية وأنت بعد ذلك يعنى أمة عربية قال استمعوا وقال هذا بدون حياء من الله جل وعلا يعنى فى جمع أمة عربية واحدة نعنى بها الأمة الإسلامية, ذات رسالة خالدة قال هى رسالة الإسلام وحدة قال الإسلام دين الوحدة حرية دين الحرية, اشتراكية قال اقصدوا بها الذكاء نقصد ونتلاعب يا نقصد ونتلاعب شعارات لها دلالات معبرات عند من قالها نحن سنقصد بالإشتراكية الذكاء وكما قال الشيطان الثانى الشاعر: والإشراكيون أنت إمامهم

стр. 3362

سنقصد يعنى نحن هذا لها مدلول معين فهذا إخوتى الكرام كما قلت كله من باب تطوير الشريعة لتتسع لضلالات الشنيعة هذا كفر من سلكه فهو كافر وكان أئمتنا يقولون: من كان لاعبا فلا يلعبن بدينه إن أردت أن تعصى الله اعصِ وما أحد سلم من معصية نسأل الله أن يتوب علينا لكن اعصِ على أنك عاصٍ لا تعصى على انك مطيع والله ما طمع بهذا إبليس أن يعصى الله ويريد أجرا على معصيته إبليس ما طمع بهذا فنحن سنفعل المعاصى ثم ندعى أننا مطيعون للحى القيوم ما بعد هذا الجنون جنون من كان لاعبا فلا يلعبن بدينه قف عند حدك ولا داعى بعد ذلك لتطوير الشريعة لنجعلها تتسق مع الكفر وتتمشى معه فقفوا عند حدكم إخوتى الكرام حقيقة ابتلينا بصنف فى هذه الأيام يحرفون دين الإسلام وحالهم كحال اليهود اللئام عليهم لعائن ذى الجلال والإكرام والله قال فى حق اليهود ﴿أفتطمعون أن يؤمنوا لكم وقد كان فريق منهم يسمعون كلام الله ثم يحرفونه من بعد ما عقلوه وهم يعلمون﴾ [البقرة/٧٥] والتحريف إخوتى الكرام تغيير النص لفظا أو معنى شامل للأمرين إما أن يحرفه لفظا وأن يغيره يتلاعب فيه وإما أن يحرف معناه ونحن ابتلينا بهذا الصنف الذى يحرف معانى نصوص الشريعة المطهرة لتساير كما قلت الأنظمة الكافرة أنظمة الفجرة وفعل هذا كما قلت من المكفرات وقد خشى علينا نبينا ﵊ وحذِر على أمته ﵊ من هذا الصنف الخبيث أكثر من حذره وخشيته عليها من الدجال ثبت فى مسند الإمام أحمد وصحيح مسلم والحديث فى السنن الأربعة إلا سنن النسائى من رواية سيدنا النواس بن سمعان رضى الله عنه وأرضاه فى حديث الدجال الطويل وفيه أن نبينا الجليل عليه صلوات الله وسلامه قال: غير الدجال أخوفنى عليكم من الدجال عندما ذكر نبينا ﵊ الدجال وارتاع الصحابة وظنوه أنه فى طائفة من النخل قال ﵊ غير الدجال أخوفنى عليكم من الدجال من؟

стр. 3363

ثبت فى مسند الإمام أحمد بسند جيد من رواية سيدنا أبى ذر رضى الله عنه وأرضاه قالوا من يا رسول الله ﵊ قال: الأئمة المضلون إمام ضلالة لإمام حكم أو إمام دعوة إمام ضلالة هذا أشد خطرا على الأمة من الدجال لأنه يفسد فيها باسم الإسلام غير الدجال أخوفنى عليكم من الدجال الأئمة المضلون وهذا الحديث إخوتى الكرام أعنى حديث سيدنا أبى ذر رضى الله عنه وأرضاه بأن نبينا ﵊ يخشى علينا من الأئمة المضلين أكثر من خشيته على هذه الأمة من الدجال رُوى عن عدة من الصحابة الكرام رضوان الله عليهم أجمعين رُوى من رواية سيدنا أبى الدرداء رضى الله عنه وأرضاه فى مسند الإمام أحمد ومعجم الطبرانى الكبير ومن رواية سيدنا أبى أمامة رضى الله عنه وأرضاه فى معجم الطبرانى الكبير ومن رواية سيدنا عمر رضى الله عنه وأرضاه فى مسند الإمام أحمد ومن رواية سيدنا على رضى الله عنه وأرضاه فى مسند أبى يعلى ومن رواية سيدنا شداد بن أوس وسيدنا ثوبان مولى نبينا على نبينا وآله وصحبه صلوات الله وسلامه فى مسند الإمام أحمد انظروا هذه الروايات فى المجمع فى الجزء الخامس صفحة تسع وثلاثين ومائتين وانظروا رواية النواس بن سمعان وكما قلت إنها فى صحيح مسلم والسنن الأربعة إلا سنن النسائى فى جامع الأصول فى الجزء العاشر صفحة واحدة وأربعين وثلاثمائة غير الدجال أخوفنى عليكم من الدجال أئمة مضلون يدَّعون أنهم يطورون شرع الحى القيوم ليتمشى مع الكفر الملعون نعم خشى علينا نبينا ﵊ من كل منافق عليم اللسان ثبت فى صحيح ابن حبان انظروا الإحسان فى الجزء الأول صفحة ثمان وأربعين ومائة والحديث رواه البزار والطبرانى فى معجمه الكبير كما فى المجمع فى الجزء الأول صفحة سبع وثمانين ومائة ورواه البيهقى فى شعب الإيمان من رواية سيدنا عمران بن حصين رضى الله عنهما عن نبينا ﵊ أنه قال:

стр. 3364

إن أخوف ما أخاف على أمتى كل منافق عليم اللسان والحديث إخوتى الكرام كما قلت رواه البزار والطبرانى وغيرهما لكن بالنسبة لإسناد البزار والطبرانى يقول الهيثمى فى المجمع رجاله رجال الصحيح ورواه ابن حبان وصححه رجاله رجال الصحيح كما فى المجمع وقال الإمام المنذرى فى الترغيب والترهيب فى الجزء الأول صفحة سبع وعسرين ومائة رواته محتج بهم فى الصحيح والحديث رُوى أيضا عن عدة من الصحابة الكرام كل منافق عليم اللسان رواه الإمام أحمد فى المسند والإمام البزار وأبو يعلى من رواية سيدنا عمر بن الخطاب رضى الله عنه وأرضاه قال حذرنا رسول الله ﵊ كل منافق عليم اللسان والحديث رُوى من رواية سيدنا على وعقبة بن عامر ومعاذ بن جبل رضى الله عنهم أجمعين هذه كما قلت إخوتى الكرام حالة سادسة من تلبس بها فقد كفر بشرع الله أن يطور شريعة الله المطهرة لتتمشى مع أنظمة الكفرة الفجرة هذا كفر زمن فعله فهو كافر مرتد هذا كما قلت فى ستة أحوال من عصى الله وخالف شرع الله جل وعلا فقد كفر بعد هذا إخوتى الكرام كما قلت يعنى هذا التفصيل الذى تقدم معنا للأحوال الثلاث للإنسان التى يكون حكم عندما يخالف شرع الرحمن إما أنه يعذر أو يأثم أو يكفر هذه الأحوال إخوتى الكرام الثلاث قلت بعد ذلك سأستعرض الآيات التى فى سورة المائدة وفيها حكم الله جل وعلا بالكفر والظلم والفسق على من لم يحكم بشرعه المطهر (ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون) (ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الظالمون) (ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الفاسقون) إخوتى الكرام هذه الأوصاف الثلاثة لمن لم يحكم بشرع الله ولمن لم يحتكم إلى شرع الله جل وعلا يعنى سينزل عليها التفصيل المتقدم فانتبهوا لذلك إخوتى الكرام

стр. 3365

الحالة الأولى تقدم معنا لا تدخل فى هذا لا يشمله الكفر ولا الفسق ولا الظلم لأن الحالة الأولى تقدم معنا ضابطها أنه ما قصد معصية الله أوليس كذلك؟ تأول فيما فيه مجال للتأويل أو هو من أهل التأويل أخطأ من غير قصد ولا يريد المعصية, جهل كما قلت الحكم الشرعى ففعل ولا يظن أنه عاصٍ وتقدم معنا ما قصر ولا أعرض إنما فهم على حسب لغة قومه, ما فهم من النص الشرعى لكن فهمه خطأ ويصحح له الوضع والحالة الثالثة تقدم معنا أكره على المعصية ولا يريدها ولا يحبها فالحالة الأولى لا تدخل معنا فى هذه الآن فى هذه الأوصاف الثلاث الحالة الثانية حقيقة تدخل معنا والحالة الثالثة تدخل كفر دون كفر أو كفر مخرج من الملة ظلم أكبر يعتدى به الإنسان على الله جل وعلا فيكفر أو أنه يظلم نفسه فيما بينه وبين ربه دون أن يصل إلى درجة الكفر وهكذا الفسق فسق يخرج عن الشريعة جملة وفسق يبقى كما قلت فى حظيرة الإسلام لكنه عاصٍ للرحمن هذا كما قلت سنطبق هذه الأوصاف الثلاثة عليها حسبما نقل عن سلفنا فانتبهوا لذلك إخوتى الكرام أولا معنى هذه الألفاظ الكفر الكفر معناه الستر ستر الشىء معناه كفر به يقال كفَر الشىء وكفَّره إذا غطاه كفرَ السحاب السماء إذا سترها ومنع من رؤيتها ويقال كفر المتاع فى الوعاء أى غطاه وخبأه وأدخله فيه الكفر بمعنى الستر ويأتى الكفر عندنا فى شريعة الله بمعنيين اثنين بمعنى كفر المُنعم وبمعنى كفر النعمة أى عمد شكر الله أى الذى يقابل المعصية كفر المنعم جحوده هذا يخرجه من الملة كفر النعمة عدم القيام نحوها بما يجب من طاعة وشكر لله هذا يدخله فى دائرة الفسوق العصيان دون أن يخرجه إلى دائرة الكفران كفر أكبر كفر أصغر وهو الذى يعبر عنه أئمتنا بالكفر العملى وكفر دون كفر لا يصل إلى درجة الكفر الاعتقادية هذا معنى اللفظ الأول الكفر والظلم

стр. 3366

معناه وضع الشىء فى غير موضعه المختص به إما بنقصان أو زيادة عليه ينقص منه يزيد عليه أو بعدوله عن وقته يعدل عنه عن وقته أو مكانه الذى ينبغى أن يوضع فيه شىء ينبغى أن يوضع فى موضع يختص به ذلك الموضع فوضعته فى غير ذلك الموضع, زدت, نقصت فى مكان آخر فى وقت آخر, هذا يقال له ظلم وضع الشىء فى غير موضعه ظلم (إن الصلاة كانت على المؤمنين كتابا موقوتا) فمن تركها ظلم نفسه, من قدمها ظلم نفسه, من أخرها ظلم نفسه إلا من عذر هذا كله وضع للشىء فى غير موضعه, فى الزمن يعنى الذى ينبغى أن تفعل فيه ما فُعلت فعلها فى مكان نُهى عن فعلها فى ذلك المكان, هذا كله ظلم زاد نقص هذا كله ظلم فقس على ذلك إذاً وضع الشىء فى موضعه المختص به هذا هو العدل والظلم ألا تضع الشىء فى موضعه المختص به بحيث تزيد أو تنقص أو تنحرف به عن زمانه أو عن مكانه الذى ينبغى أن يوضع به أو يفعل فيه هذا كله ظلم إخوتى الكرام والظلم إذاً مجاوزة الحد, مجاوزة الحق ويكون أيضا ظلما يخرج من الملة (والكافرون هم الظالمون) (إن الشرك لظلم عظيم) ويكون أيضا ظلم أصغر وهو أن يقع الإنسان فى دائرة المعاصى والفسوق دون أن يكفر بالله جل وعلا ومن ذلك قول أبينا وأمنا آدم وحواء على نبينا وعليهما صلوات الله وسلامه ﴿قالا ربنا ظلمنا أنفسنا وإن لم تغفر لنا وترحمنا لنكونن من الخاسرين﴾ [الأعراف/٢٣] ظلم, إبليس ظالم وأبونا آدم على نبينا وعليه صلوات الله وسلامه يخبر عن نفسه بأنه ظلم نفسه, هل هذا الظلم كهذا الظلم؟ لا ثم لا ذاك ظلم وكفر وهذا ظلم إنما وقع فى دائرة المخالفة يعنى التى غُفرت له وما قصد المعصية لكنه ظلم نفسه, وضع الشىء فى غير موضعه عندما ما امتثل الأمر واجتنب النهى على نبينا وعليه صلوات الله وسلامه إذاً هذا ظلم وهذا ظلم لكن شتان ما بين الظلمين ولفظ الفسق

стр. 3367

إخوتى الكرام معناه فى اللغة الخروج فسقت الرطبة إذا خرجت عن قشرها ويقال للفأرة فويسق وفويسقة لأنها تخرج من جحرها وبيتها مرة بعد مرة ولا تستقر فيه مع ما فيها من الخبث والأذى والفساد فويسقة تكثر الخروج إذاً الفسق معناه الخروج فمن خرج يعنى عن شرع ربنا المعبود جملة وتفصيلا فهو فاسق ومن خرج فى بعض الأمور وعصى الله دون أن يجحد بقلبه وأن يكفر بربه فهو فاسق هذا فسق وهذا فسق (وإذ قلنا للملائكة اسجدوا لآدم فسجدوا إلا إبليس كان من الجن ففسق عن أمر ربه) [الكهف/٥٠] فسقه فسق كفر وهكذا قول الله جل وعلا فى سورة النور ﴿وعد الله الذين آمنوا منكم وعملوا الصالحات ليستخلفنهم في الأرض كما استخلف الذين من قبلهم وليمكنن لهم دينهم الذي ارتضى لهم وليبدلنهم من بعد خوفهم أمنا يعبدونني لا يشركون بي شيئا ومن كفر بعد ذلك فأولئك هم الفاسقون﴾ [النور/٥٥] والآيات فى ذلك كثيرة وتقرير هذه الأمور إخوتى الكرام على أن الكفر يأتى بمعنى الكفر الذى يخرج من الملة وسرد النصوص على ذلك والكفر على أنه يأتى بمعنى كفر أصغر عملى كفر دون كفر وسرد النصوص على ذلك وهكذا فى الظلم والفسق يعنى يحتاج لمواعظ فهذا ليس كما قلت من مجال بحثنا فى هذا الحين, لكن الكفر يأتى كما قلت فى اللغة بهذا المعنى وله عندنا فى الشريعة المطهرة نوعان كفر أصغر, كفر أكبر ,كفر اعتقادى, كفر عملى, كفر كما قلت يخرج من الملة وكفر دون كفر وهكذا الظلم وهكذا الفسق انظر لاستعمال لفظ الفسق فى معنى المعصية يقول الله فى سورة النور فى نفس السورة التى استعمل الفسق فيها بما يدل على الكفر استعمل الفسق فيها بما يدل على المعصية ﴿والذين يرمون المحصنات ثم لم يأتوا بأربعة شهداء فاجلدوهم ثمانين جلدة ولا تقبلوا لهم شهادة أبدا وأولئك هم الفاسقون* إلا الذين تابوا من بعد ذلك وأصلحوا فإن الله غفور رحيم﴾ [النور/٤-٥]

стр. 3368

والفسق هنا باتفاق أئمتنا لا يراد منه الفسق الذى يخرج من الملة إنما يحُكم على الإنسان بالفسق ترد شهادته تسقط عدالته وترد شهادته ويجلد ثمانين جلدة (فاجلدوهم ثمانين جلدة ولا تقبلوا لهم شهادة أبدا وأولئك هم الفاسقون إلا الذين تابوا من بعد ذلك وأصلحوا فإن الله غفور رحيم) ولذلك إذا تاب يعنى فاجلدوهم ثمانين جلدة لا تسقط عنه بالاتفاق أوليس كذلك؟ (فاجلدوهم ثمانين جلدة ولا تقبلوا لهم شهادة أبدا وأولئك هم الفاسقون) فهل يعود إلى المذكورَينِ الأخيرين يعنى قبول الشهادة ورفع الفسق؟ أئمتنا على قولين فى ذلك قيل يرفع الفسق ولا تقبل شهادته وقيل يرفع الفسق وتقبل الشهادة, على كل حال إخوتى الكرام الشاهد أن الفسق هنا لا يراد منه الفسق الذى يخرجه من دين الله بحيث يكون من عداد الكافرين ولوكان كذلك لما جُلد ثمانين جلدة لضُربت الرقبة إذن الفسق يأتى بهذا المعنى وبهذا المعنى والنصوص كما قلت فى ذلك كثيرة إذن عندنا الكفر يأتى بهذين المعنيين وهكذا الظلم وهكذا الفسق ,من المراد بهذه الآيات وهذه الأوصاف؟ (ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون) (فأولئك هم الظالمون) (فأولئك هم الفاسقون) غاية ما ذكر أئمتنا فى كتب التفسير كما ذكر ذلك الإمام الطبرى فى تفسيره فى الجزء العاشر صفحة ست وأربعين وثلاثمائة إلى ثمان وخمسين وثلاثمائة فى قرابة اثنتى عشرة صفحة وهكذا الإمام ابن الجوزى فى زاد المسير فى الجزء الثانى صفحة ست وتسعين وثلاثمائة والإمام ابن كثير فى تفسيره فى الجزء الثانى صفحة ستين وانظروا الآثار مجموعة فى الدر المنثور فى الجزء الثانى أيضا صفحة ست وثمانين وثلاثمائة خلاصة ما ذُكر وحاصل ما ذكر فى بيان المراد بتلك الأوصاف إذا حكم بغير شريعة الله فهو كافر ظالم فاسق خمسة أقوال: أولها المراد بذلك أهل الكتاب

стр. 3369

هذه الآيات نازلة فيهم واقرأ الآيات واقع الأمر سياقها يدل على ذلك ﴿إنا أنزلنا التوراة فيها هدى ونور يحكم بها النبيون الذين أسلموا للذين هادوا والربانيون والأحبار بما استحفظوا من كتاب الله وكانوا عليه شهداء فلا تخشوا الناس واخشون ولا تشتروا بآياتي ثمنا قليلا ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون *وكتبنا عليهم فيها أن النفس بالنفس والعين بالعين والأنف بالأنف والأذن بالأذن والسن بالسن والجروح قصاص فمن تصدق به فهو كفارة له ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الظالمون *وقفينا على آثارهم بعيسى ابن مريم مصدقا لما بين يديه من التوراة وآتيناه الإنجيل فيه هدى ونور ومصدقا لما بين يديه من التوراة وهدى وموعظة للمتقين *وليحكم أهل الإنجيل بما أنزل الله فيه ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الفاسقون﴾ [المائدة/٤٦-٤٧] هذه الآيات كلها فى سياق ما ذُكر لأهل الكتاب إنها فى أهل الكتاب قول اول قول ثانى هى فيهم ويراد بها جميع الناس أى كل من اتصف بهذ الوصف على أن العبرة بعموم الألفاظ لا بخصوص الأسباب والوقائع التى نزلت فيها القول الثالث كما قلت هذا فى كتب التفسير هى فيهم فى أهل الكتاب لكن تشمل المسلمين من باب أولى, انتبه هناك يقول فيهم وفى غيرهم على السواء إنما هنا يقول إذا كان أهل الكتاب يكفرون ويظلمون ويفسقون إذا لم يحكموا بالتوراة والإنجيل فنحن إذا لم نحكم بكلام الله الجليل يثبت لنا هذا الوصف من باب أولى فقد أنزل الله علينا أفضل كتبه وبعث إلينا أعظم رسله على نبينا وعليهم جميعا صلوات الله وسلامه فإذاً عدم تحكيم شريعته والاحتكام إليها كفر من باب أولى على القول الثانى يعنى فيهم وتشمل من اتصف بهذا هنا فيهم ونحن نُعَيَّرُ بذلك من باب أولى فإذا كان اليهود يكفرون إذا لم يحتكموا إلى التوراة فنحن من باب أولى نكفر إذا لم نحتكم إلى كلام رب الأرض والسماوات القول الرابع كفر دون كفر

стр. 3370

والأقوال كلها إخوتى الكرام منقولة عن السلف وثابتة عنهم كفر دون كفر وهذا ثابت عن سيدنا عبد الله بن عباس وغيره فى تفسير الطبرى ومستدرك الحاكم بسند صحيح كالشمس مع ثبوت القول الأول بأنه أيضا كفر يخرج من الملة كما سيأتينا كفر دون كفر قال ليس بكفر ينقل عن الملة هذه فى حالة خاصة والقول الخامس الكفر للجاحد, كفر دون كفر هذا القول الرابع إخوتى الكرام القول الأول فى أهل الكتاب والثانى فيهم وفى غيرهم على السواء والثالث فيهم وفى هذه الأمة من باب أولى والقول الرابع قول سيدنا عبد الله بن عباس كفر دون كفر والظلم والفسق هو بمعناها الاصطلاحى عندنا الذى لا يخرج من الملة إنما فى حق الكفر يقول كفر دون كفر ليس بالكفر الذى ينقل عن الملة والقول الخامس الكفر فى حق الجاحد والظلم والفسق فى حق المقر مقر بحكم الله وانحرف عنه ما حكم به ولا احتكم إليه ظالم فاسق بالمعنى الاصطلاحى الذى لا يخرجه من الملة جحد حكم الله فهذا يكفر ويخرج عن الملة المباركة عن الملة الإسلامية وخلاصة الكلام إخوتى الكرام الذى يتأمل الآيات والآثار المنقولة عن السلف الكرام نعم لا يرتاب فى أنها فى أهل الكتاب لكن حكمها عام عند أولى الألباب لكن الذى يحكم أو يحتكم إلى غير شرع الكريم الوهاب له حالتان عند أهل السنة بلا ارتياب أشار إليهما الإمام ابن الجوزى فى زاد المسير استمعوا إلى كلامه رضى الله عنه وأرضاه قال: (وفصل الخطاب هذا كلام الإمام ابن الجوزى بالحرف أن من لم يحكم بما أنزل الله جاحدا له وهو يعلم أن الله أنزله كما فعلت اليهود فهو كافر ومن لم يحكم به ميلا إلى الهوى من غير حجود فهو ظالم وفاسق) وعليه الآيات تشمل كل من خرج عن حكم الله لكن له حالتان إن جحد كفر وإن أقر وانحرف ظلم وفسق

стр. 3371

ثبت فى مستدرك الحاكم فى الجزء الثانى صفحة اثنتى عشرة وثلاثمائة بسند صحيح على شرط الشيخين أقره عليه الإمام الذهبى والأثر فى تفسير الإمام الطبرى فى الجزء العاشر صفحة خمسين وثلاثمائة ورواه الإمام ابن أبى حاتم فى تفسيره وهكذا الإمام عبد الرزاق كما فى الدر المنثور فى المكان الذى أشرت إليه آنفا عن سيدنا حذيفة رضى الله عنه وأرضاه ذُكر امامه هذه الآيات وتليت أمامه هذه الآيات, فقال قائل هذه فى أهل الكتاب ليست فينا فقال نعم الإخوة لكم بنو إسرائيل إن كان لكم كل حُلوة ولهم كل مرة كل حلو لكم وكل مر عليهم ولهم نعم الإخوة لكم يعنى هذا تضعون عليهم البلاء وأنتم تأخذون الخير والنعماء والله لتسلكن طريقهم قدر الشراك بمقدار الشراك حذو النعل بالنعل وحذو القُذة بالقذة فانتبهوا لأنفسكم ما يشملهم يشملكم وهذا الأثر إخوتى الكرام ثابت عن سيدنا حذيفة رضى الله عنه وأرضاه رُوى نظيره ومثله عن سيدنا عبد الله بن عباس رضى الله عنهم أجمعين فى تفسير ابن المنذر كما فى الدر المنثور قال: نعم القوم أنتم إن كان ما كان من حُلوة فهو لكم وما كان من مر فهو لأهل الكتاب إخوتى الكرام بهذا التفصيل الذى ذكرته يظهر الجمع بين تلك الأوصاف لمن انحرف عن شرع الله الجليل فانتبهوا لهذه الحالة وهذا الجمع لنأتى إلى الحالة الثانية التى يعصى الإنسان فيها ربه عندما لا يحتكم إلى شريعة الله ولا يحكم شرع الله فهو كما قلت فاسق عاص آثم ليس بكافر ولا مرتد (ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكفرون) طبق هذه الأصاف عليه كفر النعمة كفر عملى كفر دون كفر إذا كان يقر بأن شرع الله هو الحق وأن ما فعله هو سفاهة وضلال شهوته غلبته وهو معترف بذنبه منكسر لربه فأولئك هم الفاسقون الذى كما قلت بمعنى المعصيى لا يخرجه من الملة فأولئك هم الظالمون جاوز الحد

стр. 3372

هذه الأوصاف الثلاثة تنطبق عليه كما قلت بمعناها اللغوى وبمعناها الاصطلاحى بمعناها اللغوى ستر نعمة الله بمعناها اللغوى ظلم وتجاوز الحد بمعناها اللغوى خرج من الهدى إلى الردى ومن العدل إلى الجور بمعناه الاصطلاحى عندنا كفر دون كفر والظلم والفسق بمعناه المعروف الذى لا يخرجه من الملة وإذا كان يتصف بالحالة الثانية وهى الثالثة عندنا بواحدة من الأمور الستة التى تقدمت معنا حكم بغير ما أنزل الله واحتكم إليه فعل معصية على حسب الأمور الستة أى كفر إما أنه رأى أن حكم الله ليس بحق ولا صواب فى هذه القضية وخالف أو كما تقدم معنا حق وصواب لكن قال ما نحن عليه أهدى أو قال نحن وشرع الله ما نحن عليه وشرع الله سواء ونحن بالخيار نأخذ بهذا وهذا الأمر مستويان أو قال ما نحن عليه دون شرع الله لكن يباح لنا أن أن نأخذ به أو استخف واستهزأ وعاند وعارض أو طور شريعة الله وحرف دين الله ليتمشى مع الكفر فهو كافر كافر فى هذه الأحوال طبق عليه الآيات (ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكفرون) كفر جحود خرج من الملة (فأولئك هم الظالمون) (والكافرون هم الظالمون) هو ليس المراد منه المعنى الاصطلاحى الذى هو الظلم الذى لا يخرجه من الملة فأولئك هم الفاسقون المعنى العام فى لسان الشرع بمعنى الخروج من شريعة الله وعليه هو ستر الحق وظلم عندما كفر بالله ولم يعبده ولم يلتزم بشرعه وفسق خرج من الإيمان إلى الكفر وعليه اختلفت هذه الصفات لاختلاف الاعتبارات وهذا ما قال عنه أئمتنا اختلفت العبارات لاختلاف الاعتبارات فإذا نظرت إليه لأنه ستر الحكم الشرعى تقول عنه كافر لأنه تجاوزه ووضع الأمر فى غير موضعه تقول عنه ظالم لأنه خرج من الهدى إلى الردى تقول عنه فاسق, اختلفت العبارات لاختلاف الاعتبارات وهو فى هذه الأحوال الثلاثة إما أن يكون الكفر فيه كما قلت كفرا أكبر يخرجه من الملة أو كفرا عمليا على حسب حاله فى معصيته لربه

стр. 3373

إخوتى الكرام ينبغى أن نعلم فى ختام المبحث أن من استباح القوانين الجالهلية فهو كافر برب البرية وللإمام ابن كثير عليه وعلى أئمتنا رحمات ربنا الجليل فى هذا كلام محكم جليل سأقرأه عليكم من تفسيره فى الجزء فى صفحة سبع وستين عن قول رب العالمين: ﴿أفحكم الجاهلية يبغون ومن أحسن من الله حكما لقوم يوقنون﴾ [المائدة/٥٠] وأختم الكلام على هذه المسألة بكلامه رحمة الله ورضوانه عليه يقول: (ينكر تعالى على من خرج عن حكْم الله المحكم المشتمل على كل خير الناهى عن كل شر وعدل إلى ما سواه من الآراء والأهواء والاصطلاحات التى وضعها الرجال بلا مستند من شريعة الله كما كان أهل الجاهلية يحكمون به من الضلالات والجهالات مما يضعونها بآرائهم وأهوائهم وكما يحكم به التتار من السياسات الملكية المأخوذة عن ملكهم جنكيز خان الذى وضع لهم الياسق وهو عبارة عن كتاب مجموع من أحكام قد اقتبسها من شرائع شتى من اليهودية والنصرانية والملة الإسلامية وغيرها وفيها كثير من الأحكام أخذها من مجرد نظره وهواه فصار فى بنيه شرعا متبعا يقدمونها على الحكم بكتاب الله وسنة رسوله ﷺ فمن فعل ذلك فهو كافر يجب قتاله حتى يرجع إلى حكم الله ورسوله ﷺ فلا يحكم سواه فى قليل ولا كثير قال تعالى: (أفحكم الجاهلية يبغون) أى يبتغون يريدون وعن حكم الله يعدلون (ومن أحسن من الله حكما لقوم يوقنون) أى ومن أعدل من الله فى حكمه لمن عقل عن الله شرعه وآمن به وأيقن وعلم ان الله أحكم الحاكمين وأرحم بخلقه من الوالدة بولدها فإنه تعالى هو العالم بكل شىء القادر على كل شىء العادل فى كل شىء)

стр. 3374

وقال عليه رحمة الله فى البداية والنهاية فى حوادث سنة أربع وعشرين ستمائة عند ترجمة هذا الشيطان الرجيم جنكيز خان الذى وضع للتتار الياسَق ويقال له الياسا ويأخذونها ويحتكمون إليها كما قلت فى حوادث أربع وعشرين ستمائة لأنه فى هذه السنة هلك جنكيز خان ملك التتار فى الجزء الثالث عشر صفحة ثمانى عشرة ومائة يقول: (هو الذى وضع لهم جنكيز خان الياسا التى يتحاكمون إليها ويحكمون بها وأكثرها مخالف لشرائع الله وكتبه وهو شىء اقترحه من عند نفسه وتبعوه فى ذلك) ثم ذكر مما يوجد فى الياسق

стр. 3375

ورحمة الله وبركاته بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى جميع الأنبياء والمرسلين ورضى الله عن الصحابة الصادقين المفلحين وعمن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين. اللهم لا سهل إلا ما جعلته سهلا وأنت تجعل الحَزْن إذا شئت سهلا سهل علينا أمورنا وعلمنا ما ينفعنا وانفعنا بما علمتنا يا أرحم الراحمين اللهم زدنا علما نافعا وعملا صالحا بفضلك ورحمتك يا أكرم الأكرمين سبحانك الله وبحمدك على حلمك بعد علمك سبحانك الله وبحمدك على عفوك بعد قدرتك اللهم صل على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا أما بعد إخوتى الكرام لا زلنا نتدارس مقدمة لدروس الفقه التى سنشرع فى مدارستها بعون ربنا وتوفيقه وقلت هذه المقدمة تقوم على أمرين اثنين الأمر: الأول على تعريف علم الفقه ومنزلته ووجوب الاحتكام إلى شريعة الله جل وعلا وقد مر الكلام على هذه الأمور مفصلا فى المواعظ الماضية ووصلنا إلى الأمر الثانى من المقدمة لدروس الفقه التى سنتدارسها قلت فى ترجمة أئمتنا ساداتنا الفقاء الأربعة رضوان الله عليهم أجمعين سيدنا أبو حنيفة وسيدنا مالك وسيدنا الشافعى وسيدنا أحمد رضوان الله عليهم أجمعين إخوتى الكرام قبل أن نشرع فى ترجمة موجزة لأئمتنا وقلت سأجمل ترجمة كل واحد منه فى موعظة بعون الله وتوفيقه قبل أن نشرع فى مدارسة تراجمهم المباركة رضوان الله عليهم أجمعين, ينبغى أن نعلم أننا عندما نتدارس تراجمهم وأحوالهم أن هذا ليس من باب النافلة والاستطراد إنما هو حق على العباد وعلى أهل النُّهى والرشاد أن يعرفوا أحوال أئمتنا فهم أولياء الله رضوان الله عليهم أجمعين ولذلك أثر عظيم فى نفوس المكلفين فأخبار الصالحين تقوى اليقين وتشد صلة الإنسان برب العالمين ومدارسة أخبارهم لون من ألوان الدعوة إلى دين رب العالمين

стр. 3376

نعم إخوتى الكرام للقصة فى حد ذاتها آثار جلية على النفس البشرية ولذلك كثر ورودها فى الآيات القرآنية فى أحاديث نبينا خير البرية عليه صلوات الله وسلامه القصة إخوتى الكرام تستروح إليها النفس البشرية وتحبها وتسترسل معها وتميل إليها وهذا شعور فطرى فيها وعدا عن هذا الأمر عدا عن هذا القصة أيضا طريقة لغرس مبادىء الخير فى النفوس البشرية حيث تتغلغل المعانى الذى فى القصة تتغلغل قيم الخير تتغلغل مُثل الفضيلة فى النفس البشرية بسهولة دون قصد ودون شعور لأننى كما قلت الإنسان يميل إلى سماع القصص وإلى سماع الأخبار وهذه فطرة فيه فطره عليها العزيز القهار فعندما تحمل تلك القصص فى طياتها المعانى الشريفة النبيلة تتغلغل فى النفس من حيث لا يشعر الإنسان ومن حيث لا يقصد ذلك الأمر لكن عند السماع يتأثر الإنسان فتسرى تلك المعانى الجميلة النبيلة فى النفس البشرية من حيث لا يشعر ومن حيث كما قلت لا يقصد من غير شعور ولا قصد تسرى الفضيلة فى ذراته ولذلك إخوتى الكرام قرر علماؤنا رضوان الله عليهم أجمعين أن آيات القرآن دار موضوعها حول ثلاثة أمور حسان: أولها موضوع توحيد ذى الجلال والإكرام هذا النوع الأول ثانيها دار حول الأحكام ما ينبغى أن يفعله الإنسان من حلال وما يبغى أن يتركه من حرام حول ما يتعلق بسلوك الإنسان إذن توحيد للرحمن وأحكام والأمر الثالث قصص حسان القرآن من أوله لآخره يدور حول هذه الأمور الثلاثة توحيد عقائد وأحكام وقصص المراد من القصص توكيد هذين الأمرين والدعوة إليهما من حيث لا يشعر الإنسان فهى تقرر أمور التوحيد بالله المجيد وهى أيضا تثبت الأحكام الشرعية بصورة لا شعورية عندما تذكر القصص وفى طياتها توحيد الله جل وعلا وفى طيها الأحكام الشرعية التى تتعلق بها النفوس البشرية إذن القرآن الكريم عقائد توحيد الله أحكام تتعلق بأفعال وسلوك الإنسان قصص حسان وقد أشار إلى ذلك نبينا عليه الصلاة والسلام

стр. 3377

ففى مسند الإمام أحمد والحديث رواه الإمام مالك فى الموطأ والبخارى فى صحيحه ورواه الإمام أبو داود والنسائى فى السنن والإمام ابن الضريض فى فضائل القرآن والبيهقى فى السنن الكبرى والحديث صحيح صحيح فهو من رواية فقد رواه البخارى كما سمعتم فهو فى صحيح البخارى وفى غير ذلك من كتب الحديث فعن سيدنا أبى سعيد الخدرى رضى الله عنه وأرضاه قال: إن رجلا من الصحابة الكرام سمع رجلا من الصحابة الكرام يقرأ فى جوف الليل سورة الإخلاص قل هو الله أحد ويكررها, هذا وِرده يقوم بها ويكررها إذا انتهى منها عاد إليها, إذا انتهى منها عاد إليها فلما أصبح جاء إلى النبى ﵊ وأخبره أنه سمع بعض الصحابة الكرام رضوان الله عليهم أجمعين قام ليلته أجمع بسورة الإخلاص يكررها وكأن الرجل يتقالها فقال النبى ﵊ والذى نفسى بيده إنها لتعدل ثلث القرآن وفى بعض روايات الحديث من رواية سيدنا أبى سعيد الخدرى أيضا رضى الله عنه وأرضاه أن نبينا ﵊ قال للصحابة الكرام رضوان الله عليهم أجمعين: أيعجِز أحدكم أن يقرأ ثلث القرآن كل ليلة فشق عليهم ذلك وقالوا أينا يطيق ذلك يطيق ذلك يا رسول الله ﵊ وكأنهم فهموا ثلثا من حيث الحجم يعنى ثلاثون جزءا ينبغى أن يقرأوا عشرة أجزاء شق عليهم قالوا أينا يطيق ذلك يلتزم عشرة أجزاء كل ليلة فقال نبينا ﵊: إن قل هو الله أحد تعدل ثلث القرآن وهذا الحديث إخوتى الكرام متواتر عن نبينا ﵊ رُوى عن سيدنا أبى الدرداء وعن سيدنا أبى أيوب وعن سيدنا أبى هريرة وعن سيدنا عمر وعن ابنه سيدنا عبد الله بن عمر وعن سيدنا أنس وعن سيدنا عبد الله بن مسعود وعن سيدنا أبى بن كعب وعن سيدنا معاذ بن جبل وعن سيدنا النعمان بن قتادة هؤلاء عشرة وعن رواية أبى سعيد الخدرى, أحد عشر صحابيا يروون هذا الحديث أن سورة الإخلاص تعدل ثلث القرآن

стр. 3378

انظروا هذه الرويات إخوتى الكرام فى جامع الأصول فى الجزء الثامن صفحة خمس وثمانين وأربعمائة وفى الدر المنثور فى الجزء السادس صفحة أربع عشرة ورأربعمائة إذن تعدل ثلث القرآن أصاب أئمتنا فى توجيه كلام نبينا ﵊ أن سورة الإخلاص تعدل ثلث القرآن ما المراد بهذا الثلث؟ أوجه ما قيل فى ذلك ما استظهره شيخ الإسلام الإمام ابن تيمية كما فى مجموع الفتاوى فى الجزء الثانى عشر صفحة أربع وثلاثين ومائة وحكاه الحافظ فى الفتح فى الجزء التاسع صفحة واحدة وستين: أنها ثلث القرآن من حيث محتوى القرآن ومن حيث موضوع القرآن ومن حيث المعانى التى عالجها ودل عليها القرآن, فالقرآن يدور على ثلاثة أمور حسان: أولها توحيد الرحمن ثانيها أحكام تتعلق بفعل الإنسان ثالثها قصص حسان والمراد من القصص تقرير وتثبيت وتوكيد ما تقدم من توحيد الله جل وعلا ومن الأحكام التى تتعلق بأعمال المكلفين إذن القصص لها شان فالله فى كتابه قص وسمى سورة بكاملها سورة القصص هذا عدا عن السور التى تسمى بسورة لقمان بسورة الكهف بسورة آل عمران بسورة مريم هذه كلها قصص لغير الأنبياء حتى قصص لغير الأنبياء على نبينا وأنبياء الله ورسله صلوات الله وسلامه كما سيأتينا لقمان ليس بنبى على المعتمد, أصحاب الكهف ليسوا بأنبياء, مريم ليست بنبية, قصص ورد أخبار هؤلاء فى كلام الله لا لقتل الوقت والتسلى إنما كما قلت للدعوة إلى الله جل وعلا وتثبيت العقائد فى القلوب انتبه من حيث لا يقصد الإنسان ولا يشعر وهى أيضا لتوكيد الأحكام والدعوة إلى الفضيلة على التمام من حيث لا يقصد الإنسان ولا يشعر لأن الإنسان طبيعته يستروح للقصة يميل إليها يحبها يتعلق بها فتذكر أخبار المتقدمين وفى ثناياها وفى طياتها توحيد رب العالمين وتقرير الأحكام فى الدين فيتغلغل ذلك فى نفوس المكلفين

стр. 3379

وعليه عندما سنتدارس أخبار أئمتنا لتسرى تلك الفضائل التى فيهم فى نفوسنا من حيث لا نشعر ومن حيث لا نقصد وحقيقة دواء عظيم لقلوب المكلفين ذكر أصحاب الصالحين أن يتذاكروها فى كل حين أخبار الصالحين إخوتى الكرام كما قلت قص الله علينا فى سورة كاملة سورة العبد الصالح لقمان وسمى السورة باسمه وهو ليس بنبى على المعتمد عند أئمة الإسلام وقد١٣:٢٠على هذا أئمتنا, قال الإمام البغوى فى معالم التنزيل فى الجزء لخامس صفحة خمس عشرة ومائتين: اتفق العلماء جميعا على أنه كان حكيما ولم يكن نبينا ولم يخالف فى ذلك إلا عكرمة مولى سيدنا عبد الله بن عباس رضى الله عنهم أجمعين ما خالف إلا عكرمة فزعم أنه نبى وأئمتنا ما وافقوه وردوا عليه ذلك والإمام ابن الجوزى فى زاد المسير فى الجزء السادس صفحة سبع عشرة وثلاثمائة قول حكى الواحدى بسنده أيضا عن السُدِّى والشعبى أنهما قالا إن لقمان نبى وعليه عكرمة والسدى والشعبى, عقب على ذلك الإمام ابن الجوزى بقوله ولا يعرف هذا إلا عن عكرمة أنه تفرد به لا يعرف هذا عن السدى فالسدى مع من قال إن لقمان ليس بنبى وهكذا الشعبى لا يعرف هذا القول إلا عن عكرمة وأئمتنا كما قلت إخوتى الكرام ما ارتضوا قوله وقالوا إن الله نعته بالحكمة فى كتابه فقال ﴿ولقد آتينا لقمان الحكمة أن اشكر لله ومن يشكر فإنما يشكر لنفسه ومن كفر فإن الله غني حميد﴾ [لقمان/١٢] فإن قال قائل إن النبوة تفسر بالحكمة فيقال لا يصلح أن يفسر الأخص بالأعم فهنا الحكمة أعم من النبوة ولو أعطاه الله النبوة لنعته بوصف النبوة فكل نبى حكيم ولا عكس فأطلق الأعم وأراد الأخص هذا لا يمكن!!

стр. 3380

لا بد من أن يذكره بنعت النبوة إذا كان نبيا وتقدم معنا أن الحكمة هى فعل ما يبنغى فى الوقت الذى ينبغى على الوجه الذى ينبغى وهى إصابة الحق علما وقولا وعملا وهى وضع الشىء المناسب فى الزمن المناسب فى المكان المناسب كما تقدم معنا ضمن المباحث القريبة فى الفروق بين شرع الخالق والمخلوق فقلت صاحَبَ شرع الخالق حكمة تامة وبينت معنى الحكمة عند هذا الفرق المعتبر من الفروق التى تقدم مدارستها إذن آتاه الله جل وعلا الحكمة قص علينا ربنا جل وعلا خبره, حقيقة عندما يستمع الإنسان قصته تسرى كما قلت الفضيلة المثل الجليلة فى نفس السامع من حيث لا يشعر ﴿ولقد آتينا لقمان الحكمة أن اشكر لله ومن يشكر فإنما يشكر لنفسه ومن كفر فإن الله غني حميد﴾ [لقمان/١٢] ثم بعد ذلك والد يتعهد ولده ﴿وإذ قال لقمان لابنه وهو يعظه (انتبه) يا بني لا تشرك بالله (تقرير أمر العقيدة) إن الشرك لظلم عظيم﴾ [لقمان/١٣] ثم انتقل إلى أمر آخر بعد أن بين له حق الله عليه بين أعظم حقوق الخلق عليه وهو حق الوالدين (ووصينا الإنسان بوالديه) أى هذا من جملة ما ألهم الله به العبد الصالح لقمان ان يقوله لولده وقيل إنه كلام جاء على نهج الاستطراد ضمن وصية العبد الصالح لقمان وتقرير هذا يكون ضمن مواعظ التفسير إذا وصلنا إلى سورة لقمان بتوفيق ذى الجلال والإكرام, يعنى هل هذا مما قاله لقمان لولده أو كلام أُتى به على نهج الاستطراد ضمن وصية العبد الصالح لقمان للتحذير من الشرك الذى ورد فى وصية لقمان لا تشرك بالله فى بعد ذلك الوصية بالأبوين أم نهى عن الشرك؟ ﴿وإن جاهداك على أن تشرك بي ما ليس لك به علم فلا تطعهما وصاحبهما في الدنيا معروفا واتبع سبيل من أناب إلي ثم إلي مرجعكم فأنبئكم بما كنتم تعملون *يا بني إنها إن تك مثقال حبة من خردل فتكن في صخرة أو في السماوات أو في الأرض يأت بها الله إن الله لطيف خبير﴾ [لقمان/١٥-١٦] كله هذا فى أمر العقائدثم جاء بعد ذلك

стр. 3381

﴿يا بني أقم الصلاة وأمر بالمعروف وانه عن المنكر واصبر على ما أصابك إن ذلك من عزم الأمور*ولا تصعر خدك للناس ولا تمش في الأرض مرحا إن الله لا يحب كل مختال فخور *واقصد في مشيك واغضض من صوتك إن أنكر الأصوات لصوت الحمير﴾ [لقمان/١٧-١٩] إذن هذا القصص هذه القصة جاءت لمَ؟ لتقرير وتوكيد أمر التوحيد ولتقرير وتوكيد الأحكام الشرعية العملية التى ينبغى أن يقوم بها المكلفون فى هذه الحياة عقائد وأحكام لكن ضمن قصص ما وُجِّه هذا للعباد إنما لقمان أوصى ولده بما أوصاه به يدل على هذا وهذا والقرآن كما قلت دار على هذه الأمور الثلاثة عقائد توحيد الله أحكام عملية تتعلق بأفعال المكلفين قصص يراد منه تقرير هذين الأمرين وتوكيدهما من حيث لا يقصد الإنسان ولا يشعر حيث تسرى الفضيلة فى نفسه ويُقرر ذلك الأمران فى نفسه كما قلت من دون قصد منه ولا شعور منه بذلك إخوتى الكرام هذا العبد الصالح حقيقة أشار الله إلى ما أعطاه من حكمة وذكر بعض حِكمه فى السورة التى سماها باسمه وفى ذلك أيضا استلهاب الهمم والعزائم للبحث فى حكمة هذا العبد الصالح حسب النظر فى حياته وحقيقة أئمتنا نقلوا هذا حسب ما ورد فى الكتب السابقة وقد أُذن لنا أن نتحدث بما كان فيهم وبما صدر منهم مما لا يدل شرعنا على المنع منه وحقيقة أئمتنا المفسرون قاطبة أوردوا نماذج من حكمة هذا العبد الصالح دون هذه القصة بحيث تسرى تلك الفضائل فى النفس ضمن قصة عبد صالح يقول الحكمة وينصح عباد الله ذريته والناس أجمعين فمما أوردوا من حكمته رضى الله عنه وعن سائر الصديقين الكرام ما ثبت فى كتاب الزهد للإمام أحمد صفحة تسع وأربعين أنه قال لولده: يا بنى ما ندمت على سكوتى قط ولئن كان الكلام من فضة فالسكوت من ذهب

стр. 3382

ما ندمت على سكوتى قط ما مرة سكت وندمت إنما الإنسان يندم إذا تكلم ولذلك من حفظ سره وما تكلم به كان فى الخيرة فى يده إن شاء أن يتكلم وإن شاء أن يسكت هو أدرى لكن إذا باح الآن صار أمره بيد غيره وهنا كذلك ما ندمت على سكوتى قط ولئن كان الكلام من فضة فالسكوت من ذهب ورضى الله على أئمتنا عندما قالوا: إن كان يعجبك السكوت فإنه قد كان يعجب قبلك الأخيار قد كان يعجب قبلك الأبرار ولئن ندمت على سكوتك مرة فلتندمن على الكلام مرارا إن السكوت سلامة ولربما زرع الكلام عدواة وضرارا إذن هذا من حِكمه وحقيقة التقى ملجم ومن حسن إسلام المرء تركه ما لا يَعنيه فاستمع لهذه الحكمة وضمن وصية: يا بنى ما ندمت على سكوتى قط ولئن كان الكلام من فضة فالسكوت من ذهب ومن حِكمه ما رواه الحاكم فى المستدرك فى الجزء الثانى صفحة ثلاث وعشرين وأربعمائة فى كتاب التفسير فى تفسير سورة سبأ فى قصة نسج العبد الصالح نبى الله داود على نبينا وعليه صلوات الله وسلامه للدروع وقال الحاكم هذا حديث صحيح على شرط مسلم وأقره عليه الذهبى والحديث رواه الإمام ابن حبان فى كتاب روضة العقلاء ورواه الإمام العسكرى فى الأمثال ورواه البيهقى فى شعب الإيمان وانظروا تخريج الحديث فى شرح الإحياء فى الجزء الثالث صفحة خمس ومائة لأنه رُوى مرفوعا بسند ضعيف

стр. 3383

قال العراقى هذا معروف عن سيدنا أنس رضى الله عنه وأرضاه من كلام العبد الصالح لقمان قال سيدنا أنس رضى الله عنه وأرضاه كان لقمان عليه وعلى سائر الصديقين الرحمة والرضوان مع نبى الله داود على نبينا وعليهما أفضل الصلاة وأزكى السلام فكان داود يقدر فى السرد وينسج الدروع ويُحكم صنعتها والعبد الصالح لقمان ينظر إليه وما عرف ماذا يعمل فى أول الأمر يعنى ينسج حلق الحديد مع بعضها ليكون منها درع ماذا يريد العبد الصالح داود من هذا ما عرف لقمان وعلى طريقته ما أنه ما ندم على سكوته فسكت وما تكلم فلما انتهى نبى الله داود على نبيناو ﵊ من نسج الدرع قام ولبسه وقال: نعم الدرع للحرب فقال لقمان الصمت حكمة وقليل فاعله أردت أن أسألك فسكت فأعلمتنى دون سؤال ,الصمت حكمة وقليل فاعله والبلاء موكل بالمنطق حقيقة هذه القصة الحكيمة المحكمة عندما يسمعها الإنسان تسرى كما قلت تلك الفضائل فى نفسه من حيث لا يشعر الصمت حكمة وقليل فاعله وروى الإمام أحمد فى الزهد فى المكان المتقدم فى أخبار العبد الصالح لقمان صفحة تسع وأربعين أنه كان يقول: ضرب الوالد لولده ضرب الإستاذ لتلميذه كالسَماد للزرع ولد من غير أن يُضرب ويؤدب لا يصلح يعنى يخرج فيه بعد ذلك بذاءة وميوعة لا بد من شدة عليه من أجل مصلحته هذا كالزرع لا بد له من سماد وليس معنى الضرب أنك تضربه لتكسر عظامه لا ثم لا, يعنى لا بد حقيقة من أن يُخوف وأن يعنى يصاحب حياته رغبة ورهبة ضرب الوالد لولده كالسماد للزرع وكان يقول كما روى عنه ذلك الخطيب البغدادى: يا بنى الدَّين هم بالليل وذل بالنهار

стр. 3384

حقيقة إذا كان على الإنسان دَين يسقط رأسه فى النهار ممن يلاحقه ويطالبه ويريد أن يرفع أمره إلى القضاء من أجل أن يودعه فى السجن وأما فى الليل يتقلب على فراشه فى هم وغم كيف سيؤدى الحقوق إلى أصحابها وهل يعنى تأتية المنية قبل أداء هذه الحقوق فيلقى بها رب البرية حقيقة هم بالليل ذل بالنهار والإنسان كلما استغنى بنفسه عن غيره ولم يحتج إلا إلى ربه كان حقيقة أعز له وأسلم لنفسه فهذا أيضا من وصايا هذا العبد الصالح لقمان عليه وعلى سائر الصديقين الرحمة والرضوان وكان يقول كما فى شعب الإيمان للبيهقى والأثر وراه عبد الله بن سيدنا الإمام أحمد فى زوائد الزهد ورواه الإمام الصابونى فى كتاب٢٧:١٦وليس عندى خبر عنه إنما هذا بواسطة الدر المنثور فى اخبار العبد الصالح لقمان عليه وعلى سائر الصديقين الرحمة والرضوان الدر المنثور فى تفسير سورة لقمان فى الجزء الخامس أورد هذا لكن ما حددت الصفحة على كل حال ترجعون إلى الدر المنثور فى تفسير سورة لقمان عزاه كما قلت إلى الصابونى وإلى غيره يقول: يا بنى إنى حملت الجندل والحديد والجندل هى الحجارة حملت الجندل جندل الحجارة الثقيلة والحديد فما رأيت أثقل من جار السوء والله إنه أثقل الجندل والحديد وأثقل من الجبل جار السوء نعوذ بالله منه يا نبى إنى حملت الجندل والحديد فما رأيت أثقل من جار السوء من كلامه المحكم حقيقة كما روى عنه البيهقى فى شعب الإيمان يقول ليس غنى كصحة ولا نعيم كطيب نفس

стр. 3385

لا يوجد أنعم ممن هو طيب النفس منشرح الصدر ولا يوجد أغنى ممن يعنى معه صحته وعافيته لا غنى كصحة ولا نعيم كطيب نفس إذا كان الإنسان بصحته فيحمد ربه ولو ملك الدنيا بحذافيرها وهو سقم ومرض ماذا ينفعه لا يستطيع أن يأكل ولا كسرة خبز لا غنى كصحة وحقيقة ما أوتى الناس بعد اليقين برب العالمين أعظم من العافية أعظم من الصحة نعمة عظيمة لا غنى كصحة فاحمد الله وإذا كنت صحيحا فأنت غنى لكن الناس لا تقدر هذا الغنى فى هذه الأيام ولا يعرفون قيمة الصحة إلا عندما تزول عنهم ويصابون بالمرض ولا نعيم كطيب نفس حقيقة إذا كان الإنسان فى راحة لا هم ولا غم ولا قلق ولا حزن هذا نعيم لا يعدله نعيم, حقيقة هذه جنة الدنيا أن يكون الإنسان فى راحة وأن يعنى لا يكون فى قلق وهم وغم ونكد وتعب وتعلق بالدنيا بحيث يمسى ويصبح وهو يفكر فى حساباتها, ما بعد هذا الشقاء شقاء ما حصلت من دنياك إلا العناء والتعب هذا من كلام هذا العبد الصالح وكما روى الإمام أحمد أيضا فى الزهد فى ترجمته فى المكان الذى أشرت إليه أنه كان عبدا مملوكا وإذا كان كذلك فكما تقدم معنا لا يمكن أن يكون نبيا لأن النبى ينبغى أن يكون حرا على نبينا وأنبياء الله ورسله صلوات الله وسلامه فقال له سيده مرة اذبح لى شاة وائتنى بأطيب شىء فيها فذبح شاة وأتى بقلبها ولسانها فبعد فترة قال اذبح لى شاة وائتنى بأخبث شىء فيها فذبح شاة وأتى بالقلب واللسان قال أمرك عجب أقول لك هاتِ أطيب شىء فيها تحضر القلب واللسان, هاتِ أخبث شىء فيها تحضر القلب واللسان قال: لا شىء أطيب منهما إذا طابا ولا شىء أخبث منهما إذا خبثا حقيقة القلب واللسان إذا طابا يعنى طابت الجوارح كلها وإذا خبثا خبثت الجوارح لها وهذا اللسان هو ترجمان للقلب إن الكلام لفى الفؤاد وإنما جعل اللسان على الفؤاد دليلا

стр. 3386

وكما قال أئمتنا الأفواه حوانيت وإذا تكلم الإنسان ظهر العطار والبيطار يعنى ماذا فى قلبك, هذا يظهر عندما تفتح فمك متى ما فتحت فمك يظهر هل فى قلبك خَبَث وخُبْث أو طهارة وطيب إذا تكلم الإنسان ظهر العطار والبيطار إذن لا يوجد شىء أخبث منهما إذا خبثا ولا يوجد شىء أطيب منهما إذا طابا كما قلت قصص ذكره ربنا فى كتابه ليقرر؟ أمر توحيده وليقرر بعد ذلك الأحكام الشرعية ولتتعلق بهما النفس البشرية من غير قصد ومن غير شعور نعم إخوتى الكرام الحكايات جند من جنود رب الأرض والسماوات يثبت الله بها المؤمنين والمؤمنات وهذا الكلام الحكايات جند من جنود الله مذكور عن العبد الصالح الجنيد بن محمد القواريرى عليه وعلى أئمتنا رحمة ربنا كما نقل ذلك عنه أئمتنا فى كتاب قواعد التصوف صفحة تسع عشرة ومائة الحكايات جند من جنود الله يثبت الله بها من شاء من عباده قال وشاهد ذلك فى كتاب الله (وكلا نقص عليك من أنباء الرسل ما نثبت به فؤادك) الحكايات جند من جنود رب الأرض والسماوات يثبت الله بها المؤمنين والمؤمنات ولذلك أَذِن لنا نبينا خير البريات ﵊ بالحديث عن الأمم السابقة كما قلت لتقرير ما تقدم من أمر التوحيد والأحكام العملية لتسرى الفضائل فى النفس البشرية من دون قصد وشعور من الإنسان ثبت فى مسند الإمام أحمد وصحيح البخارى والحديث رواه الإمام الترمذى والدارمى فى السنن ورواه الخطيب فى تاريخ بغداد فى كتاب الجامع لأخلاق الراوى وآداب السامع كما رواه أيضا فى كتاب شرف الحديث والحديث رواه أبو نعيم فى الحلية والطحاوى فى مُشكِل الآثار وهو صحيح صحيح فهو فى صحيح البخارى كما سمعتم من رواية سيدنا عبد الله بن عمرو بن العاص رضى الله عنهما قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: (بلغوا عنى ولو آية وحدثوا عن بنى إسرائيل ولا حرج ومن كذب علىَّ متعمدا فليتبوأ مقعده من النار)

стр. 3387

(وحدثوا عن بنى إسرائيل ولا حرج) وهذا الحديث إخوتى الكرام رُوى عن عدد من الصحابة الكرام رضوان الله عليهم أجمعين رُوى عن سيدنا أبى هريرة رضى الله عنه وأرضاه فى مسند الإمام أحمد وسنن أبى داود ومسند الحميدى وصحيح ابن حبان وكتاب مشكل الآثار شرح مشكل الآثار للإمام الطحاوى وشرف أصحاب الحديث للإمام الخطيب البغدادى ورُوى من رواية سيدنا أبى سعيد الخدرى فى مسند الإمام أحمد رُوى من رواية سيدنا جابر بن عبد الله رضى الله عنهم أجمعين فى الجامع لأخلاق الراوى وآداب السامع للخطيب البغدادى وفى كتاب الزهد للإمام أحمد ورواه عبد بن حميد فى مسنده والبزار فى مسنده وعليه ومن رواية عبد الله بن عمرو ومن رواية أبى هريرة وأبى سعيد وجابر بن عبد الله رضى الله عنهم أجمعين (حدثوا عن بنى إسرائيل ولا حرج) وهذه الجملة إخوتى الكرام تحتمل ست أمور حسان أوردها أئمتنا الكرام انظروها فى الفتح فى الجزء السادس صفحة ثمان وتسعين وأربعمائة أولها ولا حرج عليكم فى التحديث عنهم فقد كان فيهم العجائب ومن التحديث عنهم فوائد كما قلت لتقرير ما تقدم من أمر توحيد الله والأحكام العملية (حدثوا عن بنى إسرائيل ولا حرج) لا حرج عليكم فى التحديث عنهم حسبما نُقل فى كتبهم حتما مما لا يدل شرعنا عل فساده وضلاله وزيغه وبطلانه وكذبه هذا لا بد من وعيه إذا ما أمر قرره شرعنا أو أشار إليه أو سكت عنه ويدخل فى دائرة الجائز الممكن الذى لا يُتصور عدمه واستحالته فلا حرج إذاً من التحديث به وإن لم يرد هذا عن نبينا على نبينا وآله وصحبه صلوات الله وسلامه إذن ولا حرج عليكم فى أن تحدثوا الثانى عكس هذا المعنى ولا حرج عليكم فى ألا تحدثوا لأن الأمر قد يفهم منه الوجوب

стр. 3388

وحدثوا عن بنى إسرائيل ولا حرج لا حرج عليكم فى ترك التحديث إنما الأمر مما هو جائز فإن فعلتموه لا حرج عليكم وإن تركتموه فلا حرج عليكم إن فعلتموه ففيه خير وإن تركتموه ففى شريعتنا ما يغنى عنه ولا حرج عليكم فى أن تحدثوا ولا حرج عليكم فى ألا تحدثوا لأن الأمر كما قلت قد يفهم منه الإلزام والحتم والوجوب قال ولا حرج فى ترك التحديث والثالثة المراد من الحرج هنا ليس يعنى ما يتعلق بموضوع الحرج فى الدين أنه يجب أو لا يجب لا إنما المراد من الحرج ضيق الصدر وعليه لا تضيق صدوركم ولا تسترعد قلوبكم ما فى تلك القصص من أعاجيب فقد كان فيهم العجب يعنى حدثوا عنهم ولا يحصل حرج فى نفوسكم ضيق استمعان استغراب كان فيهم العجائب حقيقة كان فيهم العجائب وقد تمنى نبينا عليه صلوات الله وسلامه لو صبر كليم الله موسى على نبينا وعليه صلوات الله وسلامه مع العبد الصالح الخَضِر حتى يقص علينا من أمرهما العجائب والحديث إخوتى الكرام ثابت فى الصحيح تمنى لو صبر حتى يقص علينا من أمرهما العجائب وقصتهما ذكرت فى سورة الكهف إذا كان فيهم عجائب ولا حرج يعنى ما ينبغى أن يحصل فى نفوسكم حرج ضيق استغراب استبعاد استنكار عندما تنقل تلك العجائب المروية عنهم فقد كان فيهم ذلك المعنى الرابع ولا حرج على من يحكى أخبارهم إذا كان فيها ما يُستشنع للتحذير منها حدثوا عنهم وأنهم قالوا كذا وفعلوا كذا مما هو يمكن أن يقع ومما هو جائز أو مما هو ممنوع حدثوا به وحذروا منه ولا حرج عليكم عندما تقولون إن اليهود قالوا إن عُزيرا ابن الله فعندما نتحدث بهذا لا حرج علينا وإن كان هذا الخبر مستشنعا نتحدث به من أجل أن نحذر منه لا حرج علينا عندما نحكى أخبارهم لنزنها بميزان الشرع المعنى الخامس المراد من بنى إسرائيل أولاد نبى الله يعقوب على نبينا وعليه صلوات الله وسلامه وعليه لا مانع أن نتحدث بأخبارهم حسبما ورد فى كتاب الله عز وجل

стр. 3389

وحسبما أشارت سورة نبى الله يوسف على نبينا وعليه الصلاة والسلام قال الحافظ هذا أبعد الأقوال وفيه غرابة, المراد من بنى إسرائيل أولاد نبى الله يعقوب على نبيناو ﵊ ليست أخبار هذه الأمة من أولها إلى آخرها والمعنى السادس يعنى هو معنى حق نقل عن سيدنا الإمام الشافعى وغيره رضى الله عنهم أجمعين قال حدثوا بما تعلمون صدقه ولا حرج عليكم فى التحديث عنهم بما تجوزونه مما لا تعلمون صدقه ولا كذبهم, ما تعلمون أنه صدق وحق حدثوا به وهذا يعنى انشروه بينكم ثم لا لتعلمون صدقه ولا كذبه, ما يوجد عندنا دليل لا على هذا ولا على هذا لكن كما قلت هو فى دائرة الإمكان فلا حرج عليكم فى التحديث به أيضا ما علمتم صدقه حدثوا به وما لم تعلموا أنتم بالخيار شئتم أن تحدثوا وإن شئتم ألا تحدثوا الشاهد إخوتى الكرام حدثوا عن بنى إسرائيل الحكايات جند من جنود رب الأرض والسماوات يثبت الله بها المؤمنين والمؤمنات وقد حدثنا القرآن عما جرى للأنام فى غابر الزمان وتواترت بذلك الأخبار الحسان عن نبينا ﵊ وكما قلت لذلك أثر بليغ فى نفس الإنسان استمعوا لحديثين من أحاديث كثيرة وردت فى الحديث عن أخبار من سبقنا الحديث الأول فى مسند الإمام أحمد والصحيحين ورواه الإمام ابن ماجة فى السنن وانظروه فى جامع الأصول فى الجزء الحادى عشر صفحة سبع وسبعين وسبعمائة عن سيدنا أبى هريرة رضى الله عنه وأرضاه عن نبينا على نبينا وآله وصحبه صلوات الله وسلامه أنه قال: إن رجلا فى الأمم السابقة فى بنى إسرائيل اشترى من رجل عقارا (اشترى رجل من رجل عقارا والمراد من العقار هنا الزرع اشترى منه دارا) فحفر فيها فخرج له جرة ذهب فجاء المشترى إلى البائع وقال أنا اشتريت منك الدار ولم اشترِ منك الذهب فهذا مالك خذه فقال البائع انا بعتك الدار بما فيها فهذا الذهب لك لا آخذه (يختصم البائع والمشترى هذا يقول خذ الذهب وذاك يقول هو لك كيف سآخذه ,

стр. 3390

وحكم المسألة لو جرت فى شريعتنا إخوتى الكرام: لو أن الذهب يعنى لصاحب الدار وهو الذى دفنه هذا له حتما يعنى يعاد إليه ولعل ذاك لم يدفن الذهب يعنى ظاهر القصة يدل على أنه لا علم له به وأن هذا رزق ساقه الله إلى المشترى هذا كما قلت لو علم أنه لصاحب البيت هو الذى دفنه فينبغى أن يعاد إليه فى شريعتنا وإذا كان من دفين الجاهلية فهذا ركاز والركاز لمن استخرجه ففيه الخمس زكاة وبقية الأخماس له وإن كان هذا المال يعنى ليس من دفين الجاهلية إنما هو عليه علامات الإسلام ولا يُعلم صاحبه يعنى هذه عقار هذه دار تناوب عليها مسلمون والدفين عليه علامة الإسلام ليس هو من دفين الجاهلية فحكمه حكم اللقطة التى لا يعلم صاحبها فهو يمسكها عنده من أجل يعنى الأمانة والتعريف فإذا لم يأت صاحبها حكمها كما قلت حكم اللقطة ينتفع بها فإن عاد صاحبها فى مستقبل السنين هو مكلف بإعادتها لصاحبها على كل حال خذ الذهب وأنا اشتريت العقار يقول أنا بعتك العقار بما فيه والذهب لك اختصما بعد ذلك إلى قاضى ذلك الزمان يعنى انظر للرعية وانظر للقضاة فى ذلك الوقت وحقيقة الأمة إذا انحط صنف منها اعلم أن جميع الأصناف منحطة وإذا ارتقى صنف منها اعلم أن جميع الأصناف راقية ولذلك يعنى إذا نظرت إلى السوق فرأيت فيه انحطاطا فاعلم إن حال المسؤلين أشد انحطاطا وأن حال الدعاة أشد انحطاطا وأن الأمة من أولها لآخرها فى ضلال ضلال, هذا لا بد منه مترابطة ببعضها وعندما ترى الجهل فاشيا فاعلم أن حال العلماء يندى له جبين النبلاء وإذا لو كان هناك علم لحيَّتِ البلاد لكن الانحطاط كما قلت عام ولذلك عالمنا هو عالم من أجهل منه فقط ولكن إذا عُرض مع علماء سلفنا لما استطاع أن يتكلم, عالمنا عالم ممن هو أجهل منه لو وُجد الجهلة من عنده يعنى كلمتان صار من علماء الزمان فى هذه الأيام ونشكو أحوالنا إلى ربنا سبحانه وتعالى

стр. 3391

جاريتان إخوتى الكرام انظروا٤٦:٣٨فى زمن الخلافة الإسلامية العباسية جاريتان تمشيان فى عهد أبى جعفر المنصور وكل واحدة تحمل قلة ماء على رأسها وتتناظران فى الأحكام الشرعية فى موضوع الاستثناء فى اليمين هل يجوز الاستثناء فى اليمين بعد اليمين بفترة؟ ولا يجوز الاستثناء إلا إذا كان متصلا متى ما حصل انفصال إلا إذا كان لسعال أو لأمر ضرورى لكن متى ما حصل انفصال بين اليمين والاستثناء ,الاستثناء لغو واليمين انعقدت هل يجوز الاستثناء فى اليمين بعد حين بعد يوم يومين وشهر وسنة يحلف ثم يرجع ويستثنى جاريتان تبحثان فى هذه القصة ذكرت هذا فى موعظة من مواعظ الجمعة السابقة فواحدة قالت: لا يجوز الاستثناء فى اليمين ينبغى أن يكون الاستثناء متصلا وإلا الاستثناء يلغى قالت: ما الدليل ما شاء الله فقيهات ويستقيان الماء كل واحدة القلة على رأسها قالت ما الدليل قالت: كلام الله الجليل أفتى بهذه القصة أفتى فى هذه المسألة فى قصة فى كتابه انظر قصة تأخذ الحكم الشرعى من قصص قالت: وفى أى سورة قالت: عندما حلف نبى الله أيوب على نبينا وعليه الصلاة والسلام أن يضرب زوجته وما أخطات ولا قصرت لكن هو رضى الله عنه على نبينا وعليه صلوات الله وسلامه ظن أنه جرى منها تساهل فحلف أن يضربها مائة ضربة فالله جل وعلا أفتاه بحيلة شرعية ليبر فى يمينه ولئلا تعاقب زوجته فقال: ﴿وخذ بيدك ضغثا فاضرب به ولا تحنث إنا وجدناه صابرا نعم العبد إنه أواب﴾ [ص/٤٤] والضغث هو الحزمة من الحشيش اليابس يعنى من أعواد مثلا السنبل القمح أو الشعير خذ مائة هذه ماذا تعمل لو ضربت بها عين إنسان لا يتأثر ليس يعنى يده فخذ بيدك ضغثا حشيشها مائة عودا واضرب به ولا تحنث الشاهد لو كان الاستثناء يعلق اليمين لقال الله له استثنِ فيمينه تصبح معلقة بعد فترة ولا يلزمه أن يبر فيها إنما قال (وخذ بيدك ضغثا فاضرب به ولا تحنث) تستنبط حكما شرعيا وتقرره من قصص قرآنى هذا رقى الأمة

стр. 3392

يقول الإمام الغزالى رحمة الله ورضوانه عليه فى الإحياء يذكر هذا إخوتى الكرام فى الجزء الرابع صفحة ثلاث وثلاثين وثلاثمائة يقول (أكثر أسرار القرآن معبأة فى طى القصص والأخبار فكن حريصا على استنباطها لينكشف لك فيه) أى فى القصص العجائب وانظروا شرح هذا الكلام فى إتحاف السادة المتقين للإمام الزبيدى فى الجزء التاسع صفحة ست وأربعين وستمائة إذن اختصما إلى القاضى الأمة كلها راقية حقيقة خصومة عجيبة هذا المشترى يقول أنا اشتريت العقار ولم اشترِ ذهبا والبائع يقول بعت العقار بما فيه وهذا رزق ساقه الله إليك فليأخذ جرة الذهب ولمَ يريد أن يعيدها إليه فالقاضى حقيقة بهت من هذه الخصمومة الفاضلة الشريفة فقال ألكما ولد أى لك واحد منكما ولد وقيل وُلِد وهو جمع ولد أى وِلْد بضم الواو أو كسرها مع إسكان اللام ولد لك واحد منكما ولد لكما وُلد عندكم أولاد لكما وِلْد فقالا نعم أحدهما قال ابن والآخر قال لى جارية لى غلام ولى جارية قال أنكحوا الجارية الغلام أنكحوا الغلام الجارية زوجوهما وادفعوا هذا المال إليهما وأنفقوا عليهما منه وتصدقوا يعنى أيضا تصدقوا على المساكين وهذا المال اجعلوه لهذين الولدين من هذين الأبوين المباركين لهذين الزوجين حقيقة إخوتى الكرام هذه القصة يرويها لنا نبينا ﵊ إخوتى الكرام كم فى هذه القصة من معانى فضيلة والأمانة وتأدية الحقوق إلى أهلها وأن الإنسان إذا اتقى الله فى النهاية يحفظه الله أيضا ما خرج المال عنه ذهب إلى ثمرة فؤاده إلى ولده وإلى ابنته وبارك الله له فى داره ورزقهما ذرية طيبة والسعادة اكتملت من جميع الجهات وحصل بعد ذلك اتصال عن طريق المصاهرة بين هاتين الأسرتين كم فى هذه القصة من معانى عندما وُجدت الأمانة وجدت الديانة فى النفوس كم حصل لها من أثر طيب فى العاجل دون يعنى يوجه هذا على أنه افعلوا أو اتركوا قصص المعانى التى فيه تسرى فى النفس من حيث لا يشعر الإنسان

стр. 3393

القصة الثانية خبر ثان يرويه لنا أيضا نبينا ﵊ وهو فى مسند الإمام أحمد وصحيح البخارى ورواه الإمام ابن حبان فى صحيحه أيضا عن سيدنا أبى هريرة رضى الله عنه وأرضاه انظروه فى جامع الأصول فى الجزء العاشر صفحة ثلاث وعشرين وثلاثمائة والأثر كما قلت مرفوع متصل من رواية سيدنا أبى هريرة رضى الله عنه وأرضاه ورواه شيخ الإسلام عبد الرزاق فى مصنفه فى الجزء الحادى عشر صفحة سبع وستين وأربعمائة عن طاووس مرسلا ولم يتصل الحديث إنما قال كان فى الأمم السابقة كذا ولفظ الحديث إخوتى الكرام عن نبينا ﵊ كما قلت فى رواية البخارى وغيره والحديث متصل صحيح ثابت:

стр. 3394

أن النبى ﷺ ذكر رجلا من بنى إسرائيل سأل بعض بنى إسرائيل أن يقرضه ألف دينار رجل من بنى إسرائيل جاء إلى غنى من بنى إسرائيل أن يقرضه ألف دينار قال هلم بالكفيل ائت بالكفيل قال كفى بالله كفيلا قال صدقت قال هلم بالشهداء ما أحد يكفل الشهود المواثيق قال كفى بالله شهيدا قال صدقت فدفع إليه ألف دينار وحدد موعدا للقضاء فأخذ الألف دينار وذهب وكان بينهما بحر فركب سفينته وذهب إلى جهته لما حان موعد الوفاء جهز ذاك الدنانير وجاء إلى شاطىء البحر ليرى سفينة ليذهب إلى المُقرِض ليعيد إليه حقه وقد جعل الله كفيلا وشهيدا عليه فما تيسرت له سفينة فى ذلك الوقت فخاطب ربه وقال ربى طلب منى شهيدا فقلت كفى بالله شهيدا طلب منى وكيلا فقلت كفى بالله وكيلا فأدِّ هذا المال إليه وأخذ جزع شجرة فنقره ووضع الدنانير فيه ووضع رسالة ويمم بعد ذلك البحر وطرح هذا الجزع فى البحر وذهب بعد ذلك إلى بيته لما حصل مركبا بعد ذلك حمل ألف دينار أخرى وجاء فذهب إلى صاحبه المقرض , المقرض إخوتى الكرام خرج فى اليوم الذى حُدد للوفاء ينتظر صاحبه أيضا على شاطىء البحر فى الجهة الثانية فما جاء لما صار المساء وما جاء أراد أن يعود إلى بيته وإذا بالأمواج تضرب جزع شجرة قال نأخذها من أجل يعنى أن تكون وقودا لنا جزع شجرة صاحبنا ما جاء لعذر شرعى ما اتهمه نأخذ هذا الجزع ولا نعود بلا فائدة فأخذه فلما ضربه تناثرت الدنانير فأخذ دنانيره وحمد الله وانتفع بهذ الجزع أيضا فعاد صاحبه بعد فترة واعتذر إليه أنه ما حصل مركبا وأخرج له الدنانير قال ما قصتك أخبرنى قال جَهْدت أن أجد مركبا فما تيسر لى فهذا دنانيرك قال اذهب فقد أدى الله عنك ما وضعته أوصله الله جل وعلا أدى الله عنك

стр. 3395

فى رواية قال المستقرض قال ذاك لربى وهذا لك يعنى أنا جعلت الله كفيلا وشهيدا فأنا لا أريد أن أخفر ذمة الله ولا أريد أن أغدر مع الله أنا أعطى الحق إذا أوصله لى فبها ونعمت ذاك لربى لكن من أجل أن اتحلل أمام ربى وأن لا يكون منى تقصير نحوه فأما أنت فهذه دنانيرك قال قد أدى الله عنك يعنى يقول لولم تصل لا يضر أنا فقط من أجل أن يعلم الله عذرى دفعت الألف دينار يا اشهد أننى ما قصرت وأما حق ذاك سأعيده إليه بعد حين يا إخوتى الكرام هذه الأمثلة حقيقة ما أعظمها يقول سيدنا أبو هريرة فى القصة الأولى والثانية فلقد رأيتنا يكثر لغطنا عند رسول الله ﵊ أيهما أعظم أمانة يعنى حقيقة هل البائع أو المشترى هلى المستقرض أو المقرض أيهما أعظم أمانة يعنى ذاك طرح الألف كان بإمكانه أن يقول خلص أنا لا أذهب إن وصلت وإلا أنا٥٧:٣٤وهذا استلم الألف ما عليه لا بينة ولا شهود بإمكانه أن يأخذ ألفا أخرى وذاك كان بإمكانه ألا يطرح حتى الألف لا يوجد كفيل ولا شهيد يا إخوتى الكرام الأمة عندما تكون فى هذا المستوى هنيئا لها هذا القصص الذى يقصه علينا نبينا ﵊ كما قلت له أثر فى نفس البشر من حيث يشعرون أو لا يشعرون ولذلك إخوتى الكرام قرر أئمة الإسلام أنه عند ذكر الصالحين تنزل رحمات أرحم الراحمين ويرضى رب العالمين يقول سيدنا عبد الله بن عباس رضى الله عنه كما فى أُسد الغابة فى الجزء الرابع صفحة اثنتين وستين ومائة بسنده إلى سيدنا عبد الله بن عباس بسند الإمام ابن الأثيرفى ترجمة الخليفة الراشد سيدنا عمر رضى الله عنه وأرضاه قال سيدنا عبد الله بن عباس رضى الله عنهم أجمعين: أكثروا من ذكر عمر رضى الله عنه وأرضاه أكثروا من ذكره وأخباره فإنكم إذا ذكرتم عمر فإنما تذكرون العدل وإذا ذكرتم العدل فإنما تذكرون ربكم,

стр. 3396

هذا كلام سيدنا عبد الله بن عباس رضى الله عنهما أكثروا من ذكر عمر فإنكم إذا ذكرتم عمر فإنما تذكرون العدل , العدل الذى مشى عليه فى هذه السنين الطويلة التى زادت عن العشر سنين وهو يحكم بشريعة رب العالمين والعدل الذى وُجد فى زمنه رضى الله عنه وأرضاه حقيقة يعنى عظيم عظيم الأمة الإسلامية تتسع مساختها وهو ينام بعد ذلك فى ظل شجرة خليفة المسلمين رضى الله عنه وأرضاه حقيقة اذكروا هذا العبد الصالح إذا ذكرتموه تذكرون العدل وإذا ذكرتم العدل فإنما تذكرون ربكم هذا يقوله صحابى رضى الله عنه وأرضاه وهكذا يقول العبد الصالح سيدنا سفيان بن عيينة رضى الله عنه وأرضاه: كان يُقال عند ذكر الصالحين تنزل الرحمة رحمة أرحم الراحمين وهذا الأثر إخوتى الكرام عن سيدنا أبى محمد سفيان بن عيينة رواه شيخ الإسلام أبو داود فى مسائل الإمام أحمد صفحة ثلاث وثمانين ومائتين بأصح إسناد على وجه الأرض أبو داود عن شيخ الإمام أحمد عن شيخه سفيان بن عيينة هذه السلسلة أبو داود عن أحمد عن شيخه سفيان بن عيينة عند ذكر الصالحين تنزل رحمة أرحم الراحمين وأثر سفيان بن عيينة هذا مذكور فى ترجمته فى الحلية فى الجزء السابع صفحة خمس وثمانين ومائتين ورواه الإمام ابن الجوزى فى أول كتابه صفة الصفوة صفوة الصفوة فى الجزء الأول صفحة خمس وأربعين وأئمتنا تتابعوا على نسبة هذا القول إلى سيدنا سفيان بن عيينة وهو ثابت عنه انظروا المقاصد الحسنة للسخاوى عند ذكر الصالحين عند حرف العين تنزل الرحمة صفحة اثنتين وتسعين ومائتين وانظروا مختصره تمييز الطيب من الخبيث فى صفحة عشر ومائة وانظروا المصنوع فى معرفة الحديث الموضوع صفحة خمس وعشرين ومائة وانظروا الأسرار المرفوعة للشيخ على القارى صفحة خمسين وماتين وانظروا أسمى المطالب صفحة أربعين ومائة والأثر فى غير ذلك من الكتب

стр. 3397

وقد وَهِم الإمام الغزالى عليه وعلى أئمتنا رحمة ربنا فظن أن هذا الكلام من كلام نبينا ﵊ فنسبه إلى نبينا ﵊ على أنه حديث مرفوع فى الإحياء فى الجزء الثانى صفحة واحدة وثلاثين ومائتين قال شيخ الإسلام الإمام أبو فضل العراقى رحمة الله ورضوانه عليه ليس له أصل فى المرفوع وإنما هو من كلام أمير المؤمنين سفيان بن عيينة رضى الله عنهم أجمعين وقال الزبيدى فى شرح الإحياء عند هذا الأثر فى الجزء السادس صفحة واحدة وخمسين وثلاثمائة قال تلميذه يعنى تلميذ أبى الفضل العراقى وهو الحافظ ابن حجر وقال تلميذه بعد أن نقل كلام العراقى أنه لا أصل له فى المرفوع قال وقال تلميذه لا أستحضره مرفوعا إنما هو من كلام سفيان بن عيينة وقد نسبه إلى سفيان الثورى الإمام ابن عبد البر فى جامع بيان العلم وفضله فى الجزء الثانى صفحة اثنتين وستين ومائة قال الإمام الزبيدى فى إتحاف السادة المتقين المشهور أنه من كلام سفيان بن عيينة ولا مانع أن يصدر هذا الكلام الحكيم من هذين الحكيمين الصالحين سفيان بن عيينة وسفيان الثورى رضوان الله عليهم أجمعين وكان أئمتنا يتمثلون بهذ الكلام ويقولونه عند ذكر أخبار الصالحين فالإمام أحمد كما نقله عن شيخه سفيان بن عيينة كان يقوله أحيانا دون أن ينسبه إلى شيخه كما فى مناقب الإمام أحمد للإمام ابن الجوزى عليهم جميعا رحمة الله ورضوانه صفحة ثلاث وسبعين ومائتين قال أبو بكر المروزى ذكرت للإمام أحمد الفضيل بن عياض وعُريِّه أى زهده فى هذه الحياة وما كان عليه من عُرى وتقشف وشدة وشظف وذكرت له فتحى الموصلى وعُريه وصبره قال فتغرغرت عينا أبى عبد الله بالدمع وقال رحمهما الله كان يقال عند ذكر الصالحين تنزل الرحمة

стр. 3398

إذن يقوله سفيان بن عيينة يقوله الثورى يتمثل به ويقوله سيدنا الإمام أحمد رضوان الله عليهم أجمعين وقد ثبت فى علوم الحديث للإمام ابن الصلاح صفحة ثمان وستين وثلاثمائة قال رُوِّينا عن أبى عمرو إسماعيل بن نجيد قال سألت أبا جعفر أحمد بن حمدان وكانا عبدين صالحين من السائل أبو عمرو إسماعيل بن نجيد سألت أبا جعفر أحمد بن حمدان: بأى نية أكتب الحديث يعنى ماذا أنوى عندما أكتب حديث النبى على نبينا وآله وصحبه صلوات الله وسلامه فقال له أبو جعفر أحمد بن حمدان: ألستم ترْوُون ألستم ترَون ألستم تُرون هذه ثلاثة أوجه من الضبط انتبهوا لها وأبين توجيهها إن شاء الله ألستم ترْوُون ترَون تُرون أنه عند ذكر الصالحين تنزل الرحمة قلت بلى قال فرسول الله ﷺ رأس الصالحين وأكتب الحديث بهذه النية أنك ترحم عندما تكتب حديثه ﵊ وعندما تذكره تتذكر حاله وما كان عليه صلوات الله وسلامه فتقتدى به وتنزل رحمة الله عليك عندما تذكر النبى ﵊: ألستم ترْوُون ترَون تُرون أنه عند ذكر الصالحين تنزل الرحمة قلت بلى قال فرسول الله ﷺ رأس الصالحين قال الشيخ على القارى فى الأسرار المرفوعة فى المكان المتقدم صفحة خمسين ومائتين إن كان تروون بواوين تروون هذا يدل على أنه حديث وأنه له أصل أنتم تروون أى كأنه فهم الشيخ على القارى عن نبينا الميمون ﵊ إذاً حديث وله أصل وإن كان تَرون بمعنى تعتقدون وتعلمون تُرَون بمعنى تظنون فإذاً هذا ليس بحديث إنما أنتم ترون ذلك وأنتم تظنونه وهذا حق لا شك فيه

стр. 3399

أقول والعلم عند العزيز الغفور على الضبط الأول تروون لا دلالة فيه على انه حديث وأنه مرفوع لأنه يحتمل تروون عن غيركم من الصالحين ألستم تروون عن الصالحين أنه عند ذكر الصالحين تنزل الرحمة ولا يشترط تروون عن نبينا الأمين على نبينا وآله وصحبه صلوات الله وسلامه يعنى على الاحتمالات الثلاث لا داعى أن يقال هذا من كلام النبى ﵊ لأنه أئمتنا قالوا لم يثبت مرفوعا إنما هو من كلام العبد الصالح سفيان الثورى سفيان بن عيينة أئمتنا كانوا يقولونه وهو حق لا شك فيه قال ابن قدامة فى كتابه مختصر منهاج القاصدين صفحة اثنتى عشرة ومائة إن الإنسان إذا لاحظ أحوال السلف فى الزهد والتعبد احتقر نفسه واستصغر عبادته فيكون ذلك داعية إلى الاجتهاد ولهذه الدقيقة وبهذه الدقيقة يُعرف سر قول القائل عند ذكر الصالحين تنزل رحمة رب العالمين إذن عندما نلاحظ أحوال السلف ندرس أخبارهم هذا يدعونا إلى أن نحتقر نفوسنا أن نعلم أننا مقصرون فى عبادة ربنا هذا يدفعنا بعد ذلك إلى الجد والاجتهاد فى طاعة خالقنا قال وبذلك يعلم سر قول القائل من هو ما سماه وهو معروف عند ذكر الصالحين تنزل رحمة أرحم الراحمين وقال شيخ الإسلام الإمام ابن عبد البر فى جامع بيان العلم وفضله عند أثر سيدنا سفيان فى الجزء الثانى صفحة اثنتين وستين ومائة انتبه: من قرأ فضائل الإمام مالك وفضائل الإمام الشافعى وفضائل الإمام أبى حنيفة رضى الله عنهم أجمعين بعد فضائل الصحابة والتابعين وعُنى بها ووقف على كريم سيرهم هديهم كان له ذلك عملا زاكيا نفعنا الله بحب جميعهم هذا كله كلام الإمام ابن عبد البر قال سفيان الثورى عند ذكر الصاحين تنزل الرحمة

стр. 3400

إذن من قرأ فضائل الإمام مالك وفضائل الإمام الشافعى وفضائل الإمام أبى حنيفة ضموا إليهم الفقيه الرابع ما ذكره الإمام ابن عبد البر وهو يرى كما فى كتابه الانتقاء فى فضائل الأئمة الثلاثة الفقهاء أن الإمام أحمد رضى الله عنهم أجمعين يعنى عِداده من المحدثين أقوى من عداده من الفقهاء المجتهدين ولذلك ما أورده ضمن الفقهاء فى كتابه الانتقاء بدأ بالإمام مالك فمن حقه أن يبدأ بإمام مذهبه فى الانتقاء ثم ثنى بالإمام الشافعى ولا حجر فى ذلك فهو تلميذ الإمام مالك فإنه يشيد أيضا بشيخه لأن هذا من تلاميذه ثم ختم الكتاب بترجمة سيدنا أبى حنيفة ترجمة فى منتهى الإنصاف والجودة والجمال والجلالة رضى الله عنه وعن أئمتنا وما تعرض للإمام أحمد لهذا السبب, تغلب عليه الصفة الحديثية أكثر من الصفة الفقهية رضوان الله عليهم أجمعين على كل حال إخوتى الكرام من قرأ فضائل الإمام مالك وفضائل الإمام الشافعى وفضائل الإمام أبى حنيفة رضى الله عنهم أجمعين إذا قرأ فضائلهم بعد فضائل الصحابة والتابعين وعنى بها ووقف على كريم سيرهم وهديهم كان ذلك له عملا زاكيا انتبه لهذا الأدب نفعنا الله بحب جميعهم قال سفيان الثورى عند ذكر الصاحين تنزل رحمة أرحم الراحمين ثم ختم الفصل بكلام سيدنا أبى داود رضى الله عنه وأرضاه قال رحم الله مالكا كان إماما رحم الله الشافعى كان إماما رحم الله أبا حنيفة كان إماما هذا ختام الفصل الذى أورده فيما يتعلق بالكلام على أئمتنا رضوان الله عليهم أجمعين إذن حقيقة عند ذكرهم تنزل الرحمة إخوتى الكرام ما المراد بالرحمة التى تنزل عند ذكرهم؟
следующие страницы →