.. ويجيء بعد ذينك الرجلين الخبيثين خبيث ثالث، وهو الدكتور مصطفى محمود فيصدر فتواه الأثيمة بأنه لا مانع من إرسال النظر إلى الصدر العريان، والشعر المرسل، والأفخاذ المكشوفة إذا كان القلب نظيفاً، ليرى الناظر الجمال، فيرى فيه الخالق، فيقول: الله فيكتسب حسنات، كبرت كلمة تخرج من أفواههم إن يقولون إلا كذباً.
... قال عبد الرحيم – غفر الله له ذنوبه أجمعين –: يعلم الله الكريم، أن الأمة ما رزئت إلا بأولئك الشياطين، فنسأل الله أن يحفظنا من وساوسهم، وأن يطهر الأرض من رجسهم، ورجس شيعتهم، عاجلا ً غير آجل، فربنا على كل شيء قدير، وهو حسبنا ونعم الوكيل (١) .
ختام الكلام على طريقة أهل السنة الكرام في إيمانهم بصفات الرحيم الرحمن:
... ما تقدم من الكلام يدور حول طريقة أهل السنة الكرام في الصفات الثابتة لذي الجلال والإكرام، وقد ورد في النصوص الشرعيات، نفي بعض الصفات، عن رب الأرض والسموات، كما أنه يوجد ألفاظ مسكوت عنها، دار المتكلمون حولها، ولم يرد نفيها عن الله ولا وصفه بها، فما طريقة أهل السنة فيها وفيما قبلها؟
... وإليك البيان في ذلك يا طالب الهدى، حفظني الله وإياك من الزيغ والردى، وجعلنا من عباده السعداء.
... وردت نصوص الشرع المبين، بوصف رب العالمين، بصفات يتصف بها، كما وردت بنفي صفات يتنزه عنها، والأولى يقال لها: صفات ثبوتية، أي: ثابتة لذات ربنا العلية، ويتصف بها رب البرية، والثانية يقال لها: صفات سلبية، أي: منتفية عن ربنا، ولا يوصف بها خالقنا.
стр. 387
وطريقة أهل العقول الزاكيات، في إيمانهم بصفات النفي والإثبات، تتلخص فيما يأتي من التحقيقات البينات:
١- صفات الإثبات لها ثلاثة خصائص عند أهل السنة الكرام، دل عليها كلام الرحيم الرحمن:
أ) التفصيل: إذ بها يقع المدح للرب الجليل، والممدوح يمدح بما يقوم فيه من صفات ثبوتية، وأوصاف حسنى مرضية، ولذلك فصل أهل السنة الأبرار، في الصفات الثبوتية للعزيز الغفار، كما دل على ذلك كلام الواحد القهار: ﴿هُوَ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْمَلِكُ الْقُدُّوسُ السَّلَامُ الْمُؤْمِنُ الْمُهَيْمِنُ الْعَزِيزُ الْجَبَّارُ الْمُتَكَبِّرُ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يُشْرِكُونَ هُوَ اللَّهُ الْخَالِقُ الْبَارِئُ الْمُصَوِّرُ لَهُ الْأَسْمَاء الْحُسْنَى يُسَبِّحُ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ آخر الحشر.
ب) إنها مقصودة لذاتها، لأنه يقع بها التمدح للموصوف بها، فالمراد من وصف الله – جل وعلا – بالعلم، والرحمة والغضب، وغير ذلك من الصفات الثبوتية: الدلالة على وصف الله – ﵎ – بتلك الأوصاف.
стр. 388
جـ) تدل على نفي أضدادها، فاتصاف ربنا بصفات الكمال، يستلزم نفي النقائص عنه في جميع الأحوال، فكل ما ضاد أسماء الله الحسنى، وصفاته المباركة، فهو منتفٍ عنه، لأن إثبات الشيء نفي ضده، ولما يستلزم ضده (١) .
стр. 389
٢- وأما الصفات السلبية، فلها ثلاثة خصائص أيضاً، عند الفرقة الناجية المرضية:
أ) الإجمال: لعدم وقوع المدح بها لذي العزة والجلال، فالممدوح يمدح بها يقوم فيه من صفات ثبوتية ـ لا بما يتنزه عنه من أمور عدمية، كما دل على ذلك قول رب البرية: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ﴾ الشورى١١، ففي جانب النفي أجمل " لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ" وفي جانب الإثبات فصل " وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ"، فذكر صفتين من صفات رب الكونين.
ب) تدل على نفي ما دلت عليه، فما نفاه ربنا عن نفسه من الظلم والسنة والنوم، وغير ذلك، يدل على نفي تلك الصفات الناقصة الذميمة، عن ربنا ذي الصفات الكاملة الكريمة.
стр. 390
جـ) المقصود إثبات ما يضادها من صفات الإثبات مع ما دلت عليه من نفي النقائص الرديات فليس في النفي المجرد مدح، وكل نفي لا يدل على إثبات ما يضاده من الصفات فلا يتصف به رب البريات، ولم يترد في الآيات المحكمات، وقد دل على هذا كلام رب الأرض والسموات: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعْجِزَهُ مِن شَيْءٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ إِنَّهُ كَانَ عَلِيماً قَدِيراً﴾ فاطر٤٤، فالعجز منتفٍ عن الله – جل وعز – لثبوت ما يضاده من صفات الكمال، ولهذا علل ربنا – جل وعلا – نفي العجز عنه بأمرين بثبوت علمه وقدرته، وذلك لأن العجز سببه أمران لا ثالث لهما: جهل أو ضعف، وهما منتفيان عن ربنا، فهو العالم بكل شيء والقدير على كل شيء، ولهذا قال – ﷻ –: " إِنَّهُ كَانَ عَلِيماً قَدِيراً" (١) .
стр. 391
.. قال الشيخ ابن تيمية – عليه رحمة الله تعالى –: ما وصف الله – جل وعلا – به نفسه من الصفات السلبية فلابد أن يتضمن معنى ثبوتياً، فالكمال هو في الوجود والثبوت، والنفي مقصوده نفي ما يناقض ذلك، فإذا نفى النقيض الذي هو العدم والسلب لزم ثبوت النقيض الآخر الذي هو الوجود والثبوت، وقال أيضاً: الصفات السلبية إنما تكون كمالا ً إذا تضمنت أموراً وجودية، ولهذا كان تسبيح الرب – ﷻ – يتضمن تنزيهه وتعظيمه جميعاً، فقول العبد: سبحان الله، يتضمن تنزيه الله وبراءته من السوء، وهذا المعنى يتضمن عظمته في نفسه، وليس هو عدماً محضاً لا يتضمن وجوداً، فإن هذا لا مدح فيه ولا تعظيم، وكذلك سائر ما تنزه الرب عنه من الشركاء والأولاد، وغير ذلك، فنفي العيوب والنقائص يستلزم ثبوت الكمال، ونفي الشركاء يقتضي الوحدانية وهو من تمام الكمال.
... قال عبد الرحيم الطحان – ختم الله الكريم له بالإحسان التام –: وإنما كان النفي المجرد لا مدح فيه، وإذا لم يدل على ثبوت ما يضاده فلا خير فيه، لأربعة أمور محكمة، فاسمعها واشكر لله نعمه:
الأول: النفي المحض عدم محض، والعدم يكفي في تحقيره وتوهين أمره أنه عدم، فهو ليس بشيء وما ليس بشيء فهو كما قيل: ليس بشيء فضلا ً عن أن يكون مدحاً أو كمالا ً.
الثاني: العدم المحض يوصف به المعدوم والممتنع، والمعدوم والممتنع لا يوصف بمدح ولا كمال.
الثالث: قد يكون سبب النفي عدم القابلية، وليس في ذلك مدح كقولك: الجرار لا يظلم، ولا يغدر.
الرابع: قد يكون سبب النفي العجز، ولذلك ذم الشاعر قبيلة لكونهم لا يغدرون ولا يظلمون، وإنما ذمهم بنفي ذينك الوصفين عنهم، لأن سبب امتناعهم عنهما خستهم وضعفهم، وحقارتهم ومسكنتهم، لا عد لهم وأمانتهم، فهم قوم لئام تتحرق قلوبهم على فعل الآثام ولكن لا يستطيعون الغدر والعدوان، لما فيهم من ضعف وامتهان، فإذا ظلموا الناس صاعاً ظلموهم صاعين، قال الشاعر:
стр. 392
قُبيّلة ٌ لا يَغْدرون بِذِمّةٍ ... ولا يظلمون الناس حَبّة َ خَرْدَل ِ
ومثل هذا قول آخر:
لكنّ قومي وإن كانوا ذوي عَدَدٍ ... ليسوا من الشر في شيءٍ وإنْ هانا
... قال عبد الرحيم – غفر الله ذنوبه أجمعين –: ولكون التروك قد يكون سبب تركها عجز الناس عن فعلها، أن التروك لا يثيب الله عليها المكلفين، إلا إذا تركوها ابتغاء وجهه الكريم، وإذا تركها العباد سبهللاً، لأنها لم تخطر ببالهم أصلا ً، فلا ثواب ولا عقاب، وأما إذا تركوها لعجزهم عنها، وفي نيتهم عزم أكيدٌ على فعلها، فعليهم العقاب بلا ارتياب، ولهم الويل والتباب، فاتق يا عبد الله ربك في نفسك، وصحح النية قبل دخولك رمسك (١) .
стр. 393
.. ثبت في المسند وسنن الترمذي وسنن ابن ماجه بإسناد صحيح عن أبي كبشة الأنصاري – رضي الله تعالى عنه – أنه سمع رسول الله – ﷺ – يقول: "ثلاثة أقسم عليهن، واحد ثكم حديثاً فاحفظوه، ما نقص مال عبدٍ من صدقة، ولا ظلم عبد مظلمة فصبر عليها إلا زاده الله عزاً، ولا فتح عبدٌ باب مسألة إلا فتح الله عليه باب فقر. فأحدثكم حديثاً: إنما الدنيا لأربعة نفر ٍ: عبد رزقه الله مالا ًوعلماً فهو يتقي فيه ربه، ويصل فيه رحمه، ويعلم لله فيه حقاً. فهذا بأفضل المنازل، وعبد رزقه الله علماً ولم يرزقه مالا ً، فهو صادق النية، يقول: لو أن لي مالا ً لعملت بعمل فلان، فهو بنيته، فأجرهما سواء، وعبد رزقه الله مالا ً ولم يرزقه علماً فهو يخبط في ماله بغير علم، ولا يتقى فيه ربه، ولا يصل فيه رحمه، ولا يعلم فيه حقاً، فهذا بأخبث المنازل وعبد لم يرزقه الله مالا ً ولا علماً فهو يقول: لو أن لي مالاً لعملت فيه بعمل فلان، فهو بنيته، فوزرهما سواء" (١) .
стр. 394
وثبت في الصحيحين وغيرهما عن أبي بكرة – رضي الله تعالى عنه – قال: سمعت رسول الله – ﷺ – يقول: "إذا التقى المسلمان بسيفهما فالقاتل والمقتول في النار، فقلت يا رسول الله – ﷺ –: هذا القاتل، فما بال المقتول؟ قال: إنه كان حريصاً على قتل صاحبه (١) ".
قال الإمام النووي قال القاضي عياض – عليهما رحمة الله تعالى –: عامة السلف وأهل العلم من الفقهاء والمحدثين أن من عزم على المعصية بقلبه، ووطن نفسه عليها، أثِمَ في اعتقاده وعزمه، للأحاديث الدالة على المؤاخذة بأعمال القلوب، لكنهم قالوا: إن هذا العزم يكتب سيئة، وليست السيئة التي هم بها، لكونه لم يعملها، وقطعه عنها قاطع غير خوف الله – ﵎ – والإنابة إليه، لكن نفس الإصرار والعزم معصية، فتكتب معصية، فإذا عملها كتبت معصية ثانية.
стр. 395
قال الإمام النووي – عليه رحمة ربنا القوي –: وهو ظاهر حسن لا مزيد عليه، وقد تظاهرت نصوص الشرع بالمؤاخذة بعزم القلب المستقر، من ذلك قوله – ﵎ –: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَن تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آمَنُوا لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ النور١٩، والآيات في ذلك كثيرة (١) .
وفي فتح الباري نقلا ًعن الإمام ابن الجوزي – رحمه الله تعالى – قال: إذا حدث نفسه بالمعصية لم يؤاخذ، فإن عزم وصمم زاد على حديث النفس، وهو من عمل القلب ١هـ وفيه نقلا ً عن الخطابي – عليه رحمة الله تعالى – من حال بينه وبين حرصه على الفعل مانع كأن يمشي إلى امرأة ليزني بها مثلا ً فيجد الباب مغلقاً، ويتعسر فتحه، ومثله من تمكن من الزنا فلم ينتشر، أو طرقه ما يخاف من أذاه عاجلا ً ١٠هـ وفيه أيضاً أن الإمام ابن المبارك سأل الإمام الثوري – عليهم جميعاً رحمة الله تعالى – فقال: أيؤاخذ العبد بما يهتم به؟ قال: إذا جزم بذلك يؤاخذ (٢) .
стр. 396
قال كاتب هذه الصفات – غفر الله الكريم له جميع السيئات –: كم من إنسان يترك المنكرات ونفسه تتقطع عليها حسرات ـ فليس في ذلك الترك مفخرة من المفخرات، وكم من مكلف يترك السيئات، لاتصافه بالخصال الحميدات، فذلك يدل على بلوغه أعلى الدرجات، واتصافه بالصفات الكريمات – نسأل الله الكريم أن يجعل عِلة تركنا لكل فعل أثيم، خشيته في كل مكان وحين، فهو خير المسئولين، وهو ولي الصالحين.
وصفوة البيان في طريقة أهل السنة الكرام في صفات ربهم الرحمن: أنهم يجملون في صفات النفي ويفصلون في صفات الإثبات، كما دل على ذلك الآيات المحكمات، فالله – جل وعلا – بعث خير البريات – ﷺ – بإثبات مفصل، ونفي مجمل.
стр. 397
وقد خالف تلك الطريقة القويمة، أهل البدع الذميمة، ففصلوا في النفي، وأجملوا في الإثبات، ومما قالوه من العبارات: إنه ليس بجوهر ولا عرض، ولا فوق ولا تحت، ولا يمين ولا شمال ولا أمام ولا وراء، وهكذا يبالغون في النفي ويفصلون، وإذا تكلموا في صفات الإثبات فكأنهم يختنقون، ثم يؤولون ويحرفون، ضل سعيهم، وخاب صنعهم، فلا لصفات الكمال أثبتوا، ولا مع الله تأدبوا، لأن النفي المحض المجرد، إذا لم يدل على إثبات ما يضاده، مع كونه لا مدح فيه ففيه إساءة أدب، فلو قال قائل للسلطان، أنت لست بزبال ولا كساح، ولا حجام ولا حائك، ولا جبان، ولا خائن، ولا جاهل، ولا ظالم، ولا خبيث ولا زان، لأدبه على ذلك الوصف، وإن كان صادقاً لأن المدح يكون بالصفات الثبوتية ولذلك تفصل، لا بالصفات المنفية، ولذلك تجمل فيقال: أنت عالم عادل، صالح فاضل، كريم رحيم، لا يوجد مثلك في الرعية، ولربنا – جل وعلا المثل الأعلى (١) .
* طريقة أهل السنة البررة في الألفاظ التي لم يرد بها وصف ربنا في النصوص المطهرة:
الكلام في هذه المسألة العظيمة، يدور على ثلاثة أركان مستقيمة:
стр. 398
الركن الأول: ما أخبر به الرسول – ﷺ – عن ربه – جل وعلا – مما يتصف به من صفات يجب الإيمان به في جميع الأوقات، سواء عرفنا معناه من جميع الوجوه، أو من بعضها لأنه – ﷺ – هو الصادق المصدوق، الذي لا ينطق عن الهوى ولذلك يجب الإيمان بما ورد في السنة والقرآن، في جميع أحوال الناس.
الركن الثاني: ما ورد نفيه ننفيه، ولا نتوقف فيه.
الركن الثالث: ما لم يرد إثباته ولا نفيه في حق ربنا الرحمن، فلنا نحوه موقفان:
أ) الأول: لا يصح وصف الله – جل وعلا – ولا تسميته بما لم يرد، لأن أسماء الرب وصفاته توقيفية، لا دخل فيها للعقول البشرية، ولا للقياسات اللغوية، قال الإمام ابن قدامة – عليه رحمة الله تعالى – في كتابه: "لمعة الاعتقاد" ولا نصف الله بأكثر مما وصف به نفسه بلا حدٍ ولا غاية، ولا نزيل عنه صفة من صفاته لشناعة شنعت، ولا نتعدى القرآن والحديث، ١هـ وقال الشيخ إبراهيم اللقاني – عليه رحمة الله تعالى – في الجوهرة:
واخْتِيرَ أنْ أسْماهُ توقيفّية ... كذا الصفاتِ فاحْفظ السّمْعية
... ونقل الإمام الجوزي عن الزجاج – عليهما رحمة الله تعالى – أنه لا ينبغي لأحد أن يدعوه بما لم يسم به نفسه، ونقل عن الخطابي – عليهما رحمة الله تعالى – أن الغلط في أسماء الله والزيغ عنها إلحاد (١) .
стр. 399
ب) الثاني: نستفسر عن المراد من تلك الألفاظ التي لم يرد إثباتها ولا نفيها فإن وافق مدلولها ما جاءت به نصوص الشرع المطهر، صح إطلاقها على الله – جل وعلا – من باب الخبر، لأن باب الإخبار عن رب البريات، أوسع في الكلام عما له من أسماء والصفات، وضابط ذلك ما قدمته: أن كل لفظ مدلوله ما ورد في النصوص الشرعية صح أن يخبر به عن رب البرية، كما أفاد ذلك الإمام ابن القيم الجوزية – أسكنه الله غرف الجنان العلية (١) .
وإليك تفصيل الكلام، في لفظين فقط، حسبما قرر شيخ الإسلام – عليه الرضوان:
اللفظ الأول: لفظ الجهة:
لم يرد في النصوص الشرعية، إثبات للفظ الجهة لرب البرية ولا نفيه عن ذاته العلية، فيستفسر أهل السنة عن المواد من تلك اللفظة ثم يحكمون عليها حسبما تقتضيه شريعة الله الغراء السمحة.
فلفظ الجهة إن أريد به شيء موجود غير الله، فتكون الجهة مخلوقة، كما إذا أريد بها نفس العرش، أو نفس السموات، فلا يصح إطلاق ذلك اللفظ على الله – جل وعلا –، ولا الإخبار به عنه، فهو باطل لأن الله – – ليس في شيء من مخلوقاته.
وإن أريد بلفظ الجهة ما ليس بموجود غير الله – جل وعلا – كما إذا أريد به ما فوق العالم فلا مانع من إطلاق ذلك اللفظ على الله – جل وعلا –، والإخبار به عنه، لأنه ليس فوق العالم شيء مخلوق، فليس فوق المخلوقات إلا رب الأرض والسموات، والله – جل وعلا – فوق عرشه على سمواته، مباين لمخلوقاته.
стр. 400
اللفظ الثاني: لفظ التحيز:
... كلفظ الجهة لم يرد في النصوص الشرعية إثباته ولا نفيه، فيستفصل أهل السنة عن المراد منه، ثم يصدرون الحكم عليه، كما تقدم في لفظ الجهة سواء بسواء.
... فإذا أريد بلفظ التحيز أن الله – جل وعلا – تحوزه المخلوقات، وتضمه الموجودات وتحويه البريات، وتحيط به الكائنات، وهو في حوزتها وداخلها، فلا يصح إطلاق هذا اللفظ على الله – جل وعلا –، ولا الإخبار عنه بأنه متحيز، فهو أعظم من ذلك وأكبر، وقد وسع كرسيه السموات والأرض كما قرر ربنا ذلك وأخبر، فقال: ﴿وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ وَلاَ يَؤُودُهُ حِفْظُهُمَا وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ﴾ البقرة٢٥٥، وقال ﷻ –: ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالْأَرْضُ جَمِيعاً قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّماوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ الزمر٦٧.
стр. 401
.. ثبت في صحيح مسلم وغيره عن ابن عمر – رضي الله تعالى عنهما – قال: قال رسول الله – ﷺ –: "يطوي الله – – السموات يوم القيامة، ثم يأخذهن بيده اليمنى، ثم يقول: أنا الملك، أين الجبارون؟ أين المتكبرون؟ ثم يطوي الأرضين بشماله، ثم يقول: أنا الملك، أين الجبارون؟ أين المتكبرون؟ (١)
стр. 402
".
وفي الصحيحين وغيرهما عن عبد الله بن مسعود – رضي الله تعالى عنه – قال: جاء حبر إلى النبي – ﷺ – فقال: يا أبا القاسم، إن الله تعالى يمسك السموات يوم القيامة على إصبع، والأرضين على إصبع، والجبال على إصبع، والماء والثرى على إصبع، وسائر الخلق على إصبع، ثم يهزهن، فيقول: أنا الملك، أنا الملك، فضحك رسول الله – ﷺ – تعجباً مما قال الحبر: تصديقاً له، ثم قرأ: ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالْأَرْضُ جَمِيعاً قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّماوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ الزمر٦٧ (١) .
стр. 403
وأما إن أريد بلفظ التحيز أنه منحاز عن المخلوقات، ومنفصل عنها، ومباين لها، فلا هو – جل وعلا – في شيء منها، ولا هي فيه – جل وعلا – فلا مانع من إطلاق هذا اللفظ على الرب – ﷻ – والإخبار به، لأن الله – جل وعلا – فوق عرشه، على سمواته بائن من خلقه، ليس حالا ً فيهم، ولا المخلوقات حالة فيه – – نسأل الله الكريم أن يجعل أعمالنا على صراط المستقيم، وأن يَمُنّ علينا برد كل شيء إلى شرعه المبين، وأن يجعل هوانا تابعاً لهدي خاتم الأنبياء والمرسلين – عليه وعليهم أفضل الصلاة وأتم التسليم – لنكون من الراسخين الفائزين، المؤمنين الصادقين، كما بشر بذلك نبينا الأمين – عليه أفضل الصلاة وأتم التسليم – فقال: "لا يؤمن أحدكم حتى يكن هواه تبعاً لما جئت به (١)
стр. 404
".
المبحث الثالث
إيجاز البيان في طريق أهل البدع والطغيان في صفات ذي الجلال والإكرام، بعد أن جليت بالتحقيقات الجياد، طريق أهل الرشد والسداد، في صفات رب العباد، سأوجز الكلام في طريق أهل الزيغ والهذيان، في صفات الرحيم الرحمن، ليحذر المهتدي تلك الترهات والأوهام التي هي من وساوس الشيطان، ولن أطيل في ذلك البيان، شحاً على الأزمان، والله المستعان وهو حسبنا وعليه التكلان.
تنقسم طرق الزائغين، في صفات رب العالمين إلى قسمين اثنين لا ثالث لهما، مع كثيرة الفرق الضالة وتعدد أقسامها، وإليك تفصيل ذلك، جنبنا الله الردى والمهالك:
الطريقة الأولي: طريقة التمثيل السافلة المرذولة:
... تتلخص هذه الطريقة الحقيرة، في فهم صفات الله الجليلة، حسبما هو معروف في مخلوقاته الحقيرة الذليلة، ثم رتبوا على ذلك الفهم أوصافاً اختلقوها وعلى الباري أطلقوها، ولهم في ذلك كلام تتفطر من هوله الجبال الجسام، فمن ذلك الزور والبهتان، قول إمامهم هشان بن الحكم الرافضي الشيطان: إن معبوده جسم، ذو لون وطعم ورائحة، فقيل له: فأيهما أعظم إلهك أو هذا الجبل؟ فقال: هذا الجبل يوفي عليه، أي هو أعظم منه، وقد قال في عام واحد خمسة أقاويل في الرب الجليل، فزعم أنه كالبلورة، ثم زعم أنه كالسبيكة، وادعى بعد ذلك أنه غير صورة ثم قال: إنه بِشِبْر نفسه سبعة أشبار، ثم استقر على الضلال، فقال: إنه جسم لا كالأجسام (١) .
* أبرز أصحاب تلك المقالة الضالة:
стр. 405
.. ينحصر تشبيه الخالق بالمخلوقات، وتمثيله بهم في الذوات والصفات، في فرقتين ضالتين فليس هناك فرقة غيرهما تتبنى تلك المقالة، وقد يوجد أفراد من بعض الفرق يتلبسون بتلك الضلالة، وتلكما الفرقان هما:
الفرقة الأولي: الشيعة الرافضة، وقد قال الضلالة، وتقلد وزر تلك الغواية، طواغيتهم المتقدمون، أما المتأخرون منهم فصاروا إلى مذهب التعطيل الملعون، وكان ذلك التحويل في أواخر المائة الثالثة كما ذكر ذلك الإمام ابن تيمية الثقة المأمون (١) .
стр. 406
وبذلك جمع الشيعة بين مفسدتي التمثيل والتعطيل، ولا غرة في ذلك فهم شر جيل، وفيهم ما تفرق في غيرهم من عمل رذيل، وأول من عرف في هذه الأمة بالتمثيل: هشام بن الحكم الضليل وهم من أركان الشيعة ذوي المذهب السافل الهزيل، وسار على منواله البالي سميه العاتي، هشام بن سالم الجولقي، ولكل منهما فرقة تنسب إليهما، قال الإمام أبو منصور البغدادي فيهما: وكلتا الفرقتين قد ضمت إلى جيرتها في الإمام ضلالتها في التجسيم، وبدعتها في التشبيه (١) .
الفرقة الثانية: الكرامية، وهم الذين ينتسبون إلى إمام مذهبهم محمد بن كرام، صاحب البلايا والأوهام، قال الإمام ابن حبان – عليه رحمة الله تعالى – خُذِلَ ابن كرام، حتى التقط من المذاهب أرداها، ومن الأحاديث أوهاها ١هـ وقد وصف ابن كرام معبوده بأنه جسم مماس للعرش، والعرش مكان له، وزعم أن معبوده جوهر، وله ولأتباعه أوهام وهذيان وهي مع شناعتها ليست أقوال الشيعة قادة الشيطان، ومع هذا فيجب أن يصان عن ذكرها الزمان، لئلا يكون الإنسان مغبوناً من ذوي الخسران – عرفنا الله بمقدار اللحظات، ووفقنا لاغتنامها في الطاعات، إنه سميع مجيب الدعوات (٢) .
стр. 407
بعض من قال بالتمثيل من غير الفرقتين الضالتين:
... قدمت أنه لا يوجد فرقة صدرت منها ضلالة التمثيل الردية، إلا فرقة الشيعة والكرامية، وقلت إن تلك البلية، صدرت من بعض العقول الغبية، ممن لم ينتسب إلى الشيعة أو الكرامية، ومنهم صاحب الهذيان مقاتل بن سليمان، قال الإمام أبو حنيفة النعمان – عليه رحمة ذي الجلال والإكرام – قدم علينا من خراسان رأيان خبيثان، جهم معطل، ومقاتل مشبه، وقال أبو يوسف – رحمه الله تعالى – ما على الأرض أبغض إليّ منهم: المقاتلية، والجهمية، وقال الإمام التقي: إسحاق بن إبراهيم الحنظلي شيخ الإمام البخاري، وقرين الإمام أحمد – عليهم جميعاً رحمة الله تعالى –: أخرجت خراسان ثلاثة لم يكن لهم نظير في البدعة والكذب: جهم، ومقاتل، عمر بن صبيح، وقال الإمام أحمد بن سيار المروزي – رحمه الله تعالى –: كان مقاتل متهم، متروك الحديث، مهجور القول، وكان يتكلم في الصفات بما لا يحل ذكره، وقال الإمام ابن حبان – عليه رحمة الملك الرحمن –: كان مقاتل يأخذ عن اليهود والنصارى علم القرآن الذي يوافق كتبهم، وكان مشبهاً يشبه الرب – – بالمخلوقين، وكان يكذب مع ذلك في الحديث.
стр. 408
قال عبد الرحيم – غفر الله له ذنوبه أجمعين – وقد شهد مقاتل على نفسه بالكذب، فالحمد لله رب العالمين، قال الإمام ابن عيينة الثقة الأمين: سمعت مقاتلا ً يقول: إن لم يخرج الدجال الأكبر سنة خمسين ومائة فاعلموا أني كذاب (١) .
стр. 409
وقال عبد الرحيم – غفر الله ذنوبه أجمعين –: هذه الفرقة أخس فرق الضالين، وفساد قولها مركوز في قلوب المؤمنين، فلا أخبث ولا أشنع من تشبيه رب العالمين، بعباده المخلوقين سبحانه، سبحانه هو رب العرش العظيم، وسع كل شيء علماً، وأخصى كل شيء عدداً، هو الأول والآخر والظاهر والباطن، الحي القيوم، الذي لا يغفل ولا ينام، وهو على كل شيء قدير، فكيف تستوي صفاته مع صفات العباد، وكيف يليق بعاقل تشبيه خالقه بالمخلوقات؟ سبحانه هو كما أخبر عن نفسه: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ﴾ الشورى١١، ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ اللَّهُ الصَّمَدُ لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ وَلَمْ يَكُن لَّهُ كُفُواً أَحَدٌ﴾ الإخلاص، نسأل الله أن يحفظ عقولنا من الزيغ والزلل، وأن يمن علينا باليقين، وحسن العمل، وأن يجعل خير ساعاتنا عند مجيء الأجل، وأن يكرمنا برؤية وجهه ، فهو الكريم المجيب لمن سأل.
الطريقة الثانية: طريقة التعطيل الجانية:
стр. 410
.. تقوم طريقة أهل التعطيل على نفي صفات الرب الجليل، خشية الوقوع في بلية التمثيل، فالممثلة بالغو في الإثبات، وشبهوا الخالق بالمخلوقات، ورتبوا على ذلك ما اختلقوه من صفات، أطلقوها على رب السموات والأرض، كما تقدم حكاية أقوالهم الرديات، وهذه الفرقة نفت الصفات، عن رب الكائنات، وعطلت مدلول النصوص الشرعيات، فالفرقتان متقابلتان، وفي استحواذ الشيطان عليهما متساويتان، لأنهما في بلية الإفراط والتفريط واقعتان، الأولى أفرطت، والثانية فرطت، وللشيطان في كل أمر نزعتان، لا يبالي في أيهما وقع الإنسان، نزعة للزيادة ونزعة للنقصان، فالإفراط زيادة، والتفريط نقصان، ووقع في النزعة الأولى الممثلة، وفي الثانية المعطلة، وهما بلا شك من أتباع الشيطان، وقد صان الرحيم الرحمن، أهل السنة الكرام، عن تلك الأرجاس والأوهام، فاستقاموا على صراط النبي – ﷺ –، واتبعوا النور الذي أنزل معه ولم يسلكوا ما خالفه، فهم للسنة متابعون، وللبدعة مجانبون، وهم وسط في الفرق الضالة المخرفة كما أن أهل الإسلام وسط في أهل الملل المشركة المنحرفة، جعلنا الله الكريم من أهل السنة وأرانا نور وجهه الكريم في دار الجنة، إنه واسع الفضل والمنة (١) .
стр. 411
* أبرز أصحاب تلك المقالة الضالة:
إذا أطلق لفظ المعطلة فينصرف أصالة إلى الجهمية، فهم أصل تلك البلية، ومنبع تلك الضلالة الردية، وأول من قال بالتعطيل في هذه الأمة الضال الجعد بن درهم، قال الإمام الذهبي – عليه رحمة الله تعالى – في ميزان الاعتدال: الجعد بن درهم مبتدع ضال، زعم أن الله – جل وعلا – لم يتخذ إبراهيم خليلا ً، ولم يكلم موسى تكليماً، فقتل على ذلك بالعراق يوم النحر، والقصة مشهورة ١٠هـ.
وقصة ذبحه رواها الأئمة الحفاظ، وحاصلها أن خالداً القسري أمير واسط خطب سنة أربع وعشرين ومائة خطبة عيد الأضحى المبارك فقال: أيها الناس ضحوا، تقبل الله ضحاياكم فإني مضح بالجعد بن درهم، إنه زعم أن الله لم يتخذ إبراهيم خليلا ً، ولم يكلم موسى تكليماً تعالى الله عما يقول الجعد علواً كبيراً، ثم نزل فذبحه في أصل المنبر، وأشار إلى تلك الحادثة الإمام ابن القيم – رحمه الله تعالى – في قصيدته الكافية الشافية في الانتصار للفرقة الناجية، فقال:
ولأجل ذا ضحى بجعدٍ خالد القسري ... يوم ذبائح القُرْبان ِ
إذ قال إبراهيمُ ليس خليله ... كلا ولا موسى الكليمُ الداني
شكرَ الضحية كلُّ صاحب سنة ... لله دَرّك مِنْ أخي قُرْبَان ِ
... قال الإمام ابن كثير – رحمه الله تعالى – أقام الجعد بدمشق، حتى أظهر القول بخلق القرآن، وهو أول من قال بخلق القرآن، فتطلبه بنو أمية فهرب منهم فسكن الكوفة ثم سرد قصة قتله، ونقل عن الحافظ ابن عساكر – رحمه الله تعالى – أن الجعد كان يذهب إلى وهب بن منبه ويتردد عليه، وكان يسأل وهباً عن صفات الله – – فقال له وهب يوماً: ويلك يا جعد، اقصر المسألة عن ذلك، إني لأظنك من الهالكين، لو لم يخبرنا الله في كتابه أن له يداً ما قلنا ذلك، وأن له عيناً ما قلنا ذلك، وأن له نفساً ما قلنا ذلك، وأن له سمعاً، ما قلنا ذلك، وذكر الصفات من العلم والكلام وغير ذلك، ثم لم يلبث الجعد أن قتل ثم صلب.
стр. 412
.. وقد قرر الإمام ابن تيمية – عليه رحمة رب البرية – أن أول من أظهر نفي الصفات هو الجعد بن درهم، وحقيقة تعطيله يتضمن قول فرعون، وإليه ينسب مروان بن محمد الجعدي آخر خلفاء بني أمية إذ كان شيخه، فعاد عليه شؤمه، حتى زالت الدولة، لأنه إذا ظهرت البدع التي تخالف دين الرسل الكرام – عليهم الصلاة والسلام – وانتقم الله ممن خالف الرسل الأطهار – عليهم الصلاة والسلام – وانتصر لهم.
وقد استحسن العلماء الأبرار قتل الجعد إمام الأشرار، وشكروا قاتله على ما فعله كالحسن البصري وغيره – ﵏ جميعاً – كما في مجموع الفتاوى، وفي كتاب الرد على الجهمية للدارمي – عليه رحمة الله تعالى –: وأما الجعد بن درهم، فأخذه خالد بن عبد الله القسري فذبحه، ولا يطعن عليه طاعن، بل استحسنوا ذلك من فعله، وصوبوه من رأيه.
стр. 413
وقد أخبر الجعد بن درهم بدعته الخبيثة عن بيان بن سمعان، وأخذها بيان عن طالوت بن أخت لبيد بن الأعصم زوج ابنته، وأخذها طالوت عن لبيد بن الأعصم الساحر اليهودي الذي سحر النبي – ﷺ – وأخذها لبيد عن يهودي باليمن (١) .
стр. 414
وقد تلقى عن الجعد بن درهم ضلالة التعطيل تلميذه الشيطان، الجهم بن صفوان، ونسب مذهب التعطيل إليه، لقيامه بنشره وحد به عليه، قال الإمام الذهبي – عليه رحمة الله تعالى – في الميزان: جهم بن صفوان أبو محرز السمرقندي الضال المبتدع، رأس الجهمية، هلك في زمن صغار التابعين، وما علمته روي شيئاً، لكنه زرع شراً عظيماً ١٠هـ.
وكان هلك الجهم سنة ثمان وعشرين ومائة، إذ خرج مع الحارث بن سريج على أمراء بني أمية وكان أمير خراسان نصر بن سيار، وقائد شرطته سلم بن أحوز، فأسر الجهم، وأوقف بين يدي سلم بن أحوز، فأمر بقتله، فقال له الجهم بن صفوان: استبقني، فإن لي أماناً من ابنك، فقال له سلم: ما كان له أن يؤمنك، ولو فعل ما أمنتك، والله لو ملأت هذه العباءة كواكب، وأنزلت عيسى بن مريم – على نبينا وعليه الصلاة والسلام – ما نجوت، والله لو كنت في بطني لشققت بطني حتى أقتلك، قال الحافظ في الفتح: وأخرج ابن أبي حاتم عن طريق محمد بن صالح مولى بني هاشم، قال: قال سلم بن أحوز حين أخذ الجهم: يا جهم إني لست أقتلك لأنك قاتلتني أنت عندي أحقر من ذلك، ولكني سمعتك تتكلم بكلام أعطيت الله عهداً أن لا أملكك إلا قتلتك فقتله، وروى ابن أبي حاتم من طريق بكير بن معروف، قال: رأيت سلم بن أحوز حين ضرب عنق الجهم، فاسود وجه جهم، سود الله وجهه في الآخرة كما سود وجهه في الدنيا.
وقد أجمع السلف الأبرار على ذك الجهمية الأشرار، قال إمام الأخيار الإمام عبد الله بن مبارك – عليه رحمة العزيز الغفار –: إنا لنحكي كلام اليهود والنصارى ونستعظم أن تحكي قول الجهم.
وكان يقول:
ولا أقول بقول الجهم إن له ... قولا ً يضارع قول الشرك أحياناً
وينشد:
عجبت لشيطان دعا الناس جهرة ... إلى النار واشتق اسمه من جهنم
стр. 415
.. قال الحافظ في الفتح: أخرج ابن أبي حاتم في كتاب الرد على الجهمية من طريق خلق بن سليمان البلخي قال: كان جهم من أهل الكوفة، وكان فصيحاً، ولم يكن له نفاذ في العلم، فلقيه قوم من الزنادقة، فقالوا له: صف لنا ربك الذي تعبده، فدخل البيت ولا يخرج مدة، ثم خرج، فقال: هو هذا الهواء، مع كل شيء، وأخرج ابن خزيمة في كتاب التوحيد، ومن طريقه البيهقي في الأسماء والصفات، قال: سمعت أبا قدامة يقول: سمعت أبا معاذ البلخي يقول: كان جهم على معبر ترقد، وكان كوفي الأصل، فصيحاً، ولم يكن له علم، ولا مجالسة أهل العلم فقيل له: صف لنا ربك، فدخل البيت لا يخرج كذا، ثم خرج بعد أيام فقال: هو هذا الهواء مع كل شيء، وفي كل شيء، ولا يخلو منه شيء، وأخرج البخاري في كتاب خلق أفعال العباد من طريق عبد العزيز بن أبي سلمة قال: كلام جهم صفة بلا معنى، وبناء بلا أساس، ولم يعد قط في أهل العلم.
стр. 416
.. قال عبد الرحيم – غفر الله ذنوبه أجمعين –: أقوال السلف الكرام في ذم الجهم بن صفوان وشيعته اللئام، كثيرة وفيرة، فلنقتصر منها على هذا المقدار، وإن أردت المزيد فارجع للكتب الذي تعرضت للجهم العنيد، كما هو مبين في الحاشية (١) .
стр. 417
ومما ينبغي التنبيه له أن فرقة الجهمية الغوية، لم تنشا عن طريق اجتهاد خاطئ في فهم الأدلة الشرعية، إنما أنشئت عن طريق خبث الطوية، بقصد تحريف شرع رب البرية، فحالها كحال الشيعة الشياطين، وغرض كل منهما مقت المسلمين، والكيد لشرع رب العالمين، فعلى الفرقتين لعنة مالك يوم الدين، قال الإمام ابن تيمية – عليه رحمة الله تعالى –: في أهل البدع المنافق الزنديق، فهذا كافر، ويكثر مثل هذا في الرافضة والجهمية، فإن رؤساءهم كانوا منافقين زنادقة، وأول من ابتدع الرفض كان منافقاً، وكذلك التجهم فإن أصله زندقة ونفاق، ولهذا كان الزنادقة المنافقون من القرامطة الباطنية المتفلسفة وأمثالهم يميلون إلى الرافضة والجهمية لقربهم منهم (١) .
стр. 418
.. ومما ينبغي معرفته تماماً، وعلمه جيداً لزاماً، أن لفظ الجهمية وإن كان ينصرف أصالة إلى الجهم وشيعته الردية، الذين لم يثبتوا اسماً ولا صفة لرب البرية – ﷻ – وقالوا: هو مع كل شيءٍ، وفي كل شيء ولا يخلو منه شيء، فإن ذلك اللفظ – أعني التجهم يشمل كل من شاركهم في بعض أوصافهم، وينسحب عليهم، وأخض أوصاف الجهمية: نفي الصفات عن ذات ربنا العلية، وبهذا الاعتبار يطلق لفظ الجهمية على المعتزلة الأشرار، كما يشمل متأخري الأشعرية، الذين خلطوا بين طريقة السلف المرضية، وطريقة المعتزلة الردية، قال شيخ الإسلام ابن تيمية – عليه رحمة رب البرية –: وكان أحمد بن أبي دؤاد – إمام المعتزلة، وركن الاعتزال – قد جمع له – أي لمناظرة إمام أهل السنة الإمام أحمد بن حنبل أسكنه الله غرف الجنة – نفاة الصفات من جميع الطوائف، وعلماء السنة كابن المبارك، وأحمد، وإسحاق، والبخاري – ﵏ جميعاً – يسمون هؤلاء جميعهم جهمية، وصار كثير من المتأخرين من أصحاب أحمد وغيرهم يظنون أن خصومه كانوا هم المعتزلة، وليس كذلك، بل المعتزلة نوع منهم ١هـ ونحوه في فتح الباري، قال الإمام ابن حجر – عليه رحمة الملك الباري –: إنما الذي أطبق السلف على ذم الجهمية بسببه إنكار الصفات، وقال: وقد سمى المعتزلة أنفسهم "أهل العدل والتوحيد" وعنوا بالتوحيد ما اعتقدوه من نفي الصفات الإلهية، لاعتقادهم أن إثباتها يستلزم التشبيه، ومن شبه الله بخلقه أشرك، وهم في النفي موافقون للجهمية، وقال وأما الجهمية فلم يختلف أحد ممن صنف في المقالات أنهم ينفون الصفات حتى نسبوا إلى التعطيل، وثبت عن أبي حنيفة – رحمه الله تعالى – أنه قال: بالغ جهم في نفي التشبيه حتى قال: إن الله ليس بشيء (١) .
стр. 419
فاعلم هذا فهو من المهمات، واحذر الوقوع في الرديات، وسل الله الاستقامة والثبات فهو كريم واسع الفضل كثير الهبات.
كلمة الختام في بيان فساد طريقة أهل البدع اللئام في صفات ربنا الرحمن:
... إذا كانت طريقة المخالفين لأهل السنة الأبرار، في صفات العزيز الغفار، منحصرة في فرقتين من الأشرار، فإن كل فرقة من الفرقتين جمعت إلى باطنها، الباطل الموجود في مقابلها، فالممثلة جمعوا إلى تمثيلهم التعطيل، والمعطلة ضموا إلى تعطيلهم التمثيل، فكل من الفرقتين ممثل معطل، ولكمال ربنا جاحد منكر، وبيان ذلك:
أ) جمع الممثلة للتعطيل، لما فسدت عقول أهل التمثيل، ولم يفهموا من صفات ربهم الجليل إلا ما فهموه من صفات المخلوق الحقير، فقد مثلوا وعطلوا، أما التمثيل فظاهر، حيث فهموا من صفات الرب اللطيف، ما فهموه من صفات العبد الضعيف، وكذلك التعطيل ظاهر من قولهم المنكر الهزيل، لأنهم بذلك الفهم الحقير، عطلوا نصوص صفات ربنا العلي الكبير، عن معانيها اللائقة بالعزيز القدير، فجمعوا بذلك بين التمثيل والتعطيل.
ب) جمع المعطلة للتمثيل لما زاغت عقول أهل التعطيل، فنفوا صفات الله الجليل، خشية الوقوع في بلية التمثيل، فقد جمعوا بذلك – أيضاً – بين التعطيل والتمثيل، أما وقوعهم في التعطيل فظاهر جلي، حيث نفوا الصفات عن ربنا القاهر العلي، وكذلك وقوعهم في التمثيل ظاهر وهو من الواضحات، لأن الذي دعاهم إلى تعطيل الرب عن الصفات توهمهم مماثلتها لما هو معروف في المخلوقات، فهم مثلوا أولاً، ثم عطلوا ثانياً، فجمعوا بين المفسدتين، وأحرزوا شناعة الضلالتين.
بداية ملف توحيد ٦
стр. 420
وبذلك تعلم أن كل من الفرقتين ممثل معطل، لكن أخص أوصاف الممثلة التمثيل، كما أن أخص أوصاف المعطلة التعطيل، فكل من الفرقتين فهمت من صفات الرب- ﷻ – ما فهمته من صفات العبد، لكن الممثلة قالوا بذلك المفهوم، والمعطلة لم يقولوا به، وكل من الفرقتين أيضاً عطلت صفات الله – جل وعلا – عن معانيها اللائقة بجماله وجلاله، غير أن المعطلة نفت تلك الصفات، أما الممثلة فأثبتتها على ما هو معروف في المخلوقات، والطريقتان منكرتان فالممثل يعبد صنماً، والمعطل عدماً (١) .
стр. 421
قال عبد الرحيم الطحان – عامله الله باللطف والإحسان –: تقدم البيان التام، أن طريقة أهل السنة الكرام، في إيمانهم بصفات ربهم الرحمن، تقوم على الإقرار والإمرار، وعلى إثبات الصفات مع نفي مماثلتها للمخلوقات، كما دل على ذلك قول رب الأرض والسموات: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ﴾ الشورى١١، فقوله: "لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ" رد للتمثيل، وقوله: "وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ" رد للتعطيل فالحمد لله الذي وفقنا لإثبات صفات ربنا، مع نفي مماثلتها لما هو معروف لنا، ونسأله على ذلك أن يميتنا، وأن يجعل خير ساعاتنا ساعة نلقاه وهو راض ٍ عنا، وأن يمُنّ علينا برؤية وجهه الكريم، في جنات النعيم، آمين أمين.
وسأختم الكلام على هذه المسألة العظيمة الشأن بما قاله الإمام السفاريني – عليه الرحمة والرضوان – في بيان صحة طريقة أهل السنة الكرام، في إيمانهم بصفات الرحيم الرحمن، وفساد طريقة أهل الزيغ والهذيان:
فأثْبَتُوا النُّصوص بالتنزيه ... من غير ِ تعطيل ولا تشبيه
فكلُّ ما جاء من الآيات ... أو صحَّ في الأخبار َ عن ثقات
من الأحاديث نُمِرُّهُ كما ... قد جاء فاسْمعْ من نَظامي واعْلمَا
فطلُّ من أوّلَ في الصفات ... كذاتِه من غير ما إثبات
فقد تعدَّى واستطالَ واجْترى ... وخاضَ في بَحْر الهَلاك وافْترى
ألم تَرَ اخْتلاف أصحاب النَّظر ... فيه وحُسْنَ ما نَحَاهُ ذو الأثَرْ
فإنهم قد اقتدوا بالمصطفى ﷺ ... وصَحْبَه فاقْنَعْ بهذا وكَفَى (١)
المبحث الرابع
نماذج مباركات من أسماء الله الحسنى والصفات:
стр. 422
.. تقدم الكلام المستفيض في بيان مصدر الكلام في أسماء الرحمن، وصفاته الحسان، وأتبعت ذلك ببيان صحة طريقة أهل السنة الكرام، في صفات ذي الجلال والإكرام، ثم بيان فساد طريقة أهل الزيغ والهذيان، في ذلك الموضوع العظيم الشأن، وسأتكلم الآن، على نماذج من صفات الكريم المنان، مقتصراً على سيدة آي القرآن، وحديث نزول ربنا الرحمن، وإليك التفصيل والبيان، مَنّ الله علينا بالهداية للعرفان، وانشراح الصدر بكامل الإيمان.
قال الله – جل وعلا –: ﴿اللهُ لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ لاَ تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلاَ نَوْمٌ لَّهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ مَن ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلاَّ بِإِذْنِهِ يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلاَ يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِّنْ عِلْمِهِ إِلاَّ بِمَا شَاء وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ وَلاَ يَؤُودُهُ حِفْظُهُمَا وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ﴾ البقرة٢٥٥.
قال عبد الرحيم الطحان – غفر الله له الذنوب والآثام – ضبطاً لسير البحث بانتظام سأتكلم على تفسير سيدة آي القرآن، ضمن مراحل محكمة البنيان، ليحصل إيضاح البيان مع حسن الإتقان، وأسأل الله القبول وحسن الختام.
١- فضل آية الكرسي:
стр. 423
.. ثبت في صحيح مسلم وغيره عن أبيّ بن كعب – رضي الله تعالى عنه – قال: قال رسول الله – ﷺ –: "يا أبا المنذر، أتدري أيُّ آية من كتاب الله معك أعظك؟ قال: الله ورسوله أعلم، قال: يا أبا المنذر، أتدري أي أية من كتاب الله معك أعظم؟ قال قلت:" اللهُ لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ " قال: فضرب في صدري، وقال: والله ليَهْنِكَ العلم أبا المنذر" وفي رواية الإمام أحمد زيادة في آخر الحديث، وهي: "والذي نفسي بيده إن لما لساناً وشفتين تقدس الملك عند ساق العرش (١) ".
стр. 424
وقد تكرر الإخبار عن آية الكرسي بكونها أعظكم آية في القرآن، عن طريق سؤال الصحابة للنبي – ﵊ – فكما سأل النبي – ﷺ – بعضهم عن أعظم آية في القرآن، وجه إليه ذلك السؤال بعض الصحابة الكرام – رضي الله تعالى عنهم أجمعين – ففي مستدرك الحاكم بسند صحيح عن أبي ذر – رضي الله تعالى عنه – قال: انتهيت إلي النبي – ﷺ – وهو في المسجد، فجلست إليه، فذكر فضل الصلاة، والصيام، والصدقة قال، قلت: يا رسول الله، فأيما آية أنزل الله عليه أعظم؟ قال: " اللهُ لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ " وذكر الآية حتى ختمها (١) .
стр. 425
وقد أخبر النبي – ﷺ – بثبوت تلك الفضيلة الكبيرة لآية الكرسي الجليلة، دون سبق سؤال منه أو وروده عليه ففي سنن الترمذي والمستدرك وغيرهما عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه – قال: قال رسول الله – ﷺ –: "لكل شيء سنام، وإن سنام القرآن سورة البقرة، فيها آية سيدة آية القرآن، وهي آية الكرسي (١)