← Джавами‘

Джавами‘ · id 21782

خطب ودروس الشيخ عبد الرحيم الطحان

عبد الرحيم الطحان

Полный текст (6 674 стр.). Показаны 3746–3785 · переход к 3751.

стр. 3746

أولا: أول ذنب ـ وهذا أكثر الذنوب انتشاراً في البرية تأخذ شكل الاتصاف بالصفات البهيمية ذنب لكن صورة هذا الذنب. صفة هذا الذنب؟ صفة الحيوانات البهيمية كالحرص على شهوتي الفرج والبطن همه أن يملأ بطنه وأن يشبع غريزته من أي طريق كان. يتولد عن هذا: الحرص والبخل والشح وأكل أموالى اليتامى والسرقة.. وما شاكل هذا كل هذا من أجل إرواء شهوتي البطن والفرج. الزاني عاصي لكن شكل معصيته ما هو؟ شكل البهائم هذا لو عنده معاني الإنسانية وصفات البشرية لتنزه عن هذا فما أقبح تلك الصفات في حالة الحلال فكيف وهى في حالة الحرام وهكذا همه أن يملأ بطنه ليصبح له بعد ذلك بطن بحيث لو مدت يدك لما وصلت إلى انتفاخ بطنه كالحبلى ـ لم؟ وتراه كلما يأكل يضرب على بطنه أو بعدها همه يسعى من هنا ومن هناك من حلال أو حرام هذه صفات من؟ صفات البهائم التي أحيانا ترعى في المرعى وتأكل وتأكل وتأكل حتى تصاب بداء الزرب بعد ذلك ثم تموت. وسل الأطباء الآن عن " شهداء البطون " ما أكثرهم؟ يجلس في الليل يدكّ يدكّ يدكّ في معدته بحيث لو وضعت الطعام في قدر لتفاعل وانفجر. فكيف ستتحمله تلك المعدة؟ في وسط الليل: آه. يصبح! ماذا تريد؟ هاتوا الـ"بيبسى " والمهضمات. ما نفعت خذوه إلى الطبيب يجرى له عملية أو يموت ـ العلم عند الله. ولذلك الأمراض الأن التي انتشرت وكثرت بسبب التخليط في الأطعمة والتخمة التي انتشرت بين الناس هذه معاصي حصلت في الأمة شكلها وصفتها صفات بهيمية ولذلك ننهمك في الطعام والشراب وشهوة الجنس يقال له: تأكل كما يأكل البغل ـ مباشرة ما يقال تأكل كما تأكل الملائكة فالملائكة يتنزهون عن هذا لو كان يأكل بغل. إذن يضرب لان هذه صفات بهيمية وهو ينهمك فيها وما ينبغي أن يصل إلى تلك الخسة والى تلك الشهوانية.

стр. 3747

صفات ذنوب سيئات معاصي أخذت شكل الاتصاف بصفات البهائم وأكثر الناس كذلك كما قال الله جل وعلا ((أَمْ تَحْسَبُ أَنَّ أَكْثَرَهُمْ يَسْمَعُونَ أَوْ يَعْقِلُونَ إِنْ هُمْ إِلَّا كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلًا)) (١) أكثر الأمة ـ هذا في حال الأمة الإسلامية. دعك عن الأمة الغضبية من حال الناس في بلاد الغرب وفى بلاد الشرق من الكافرين. أولئك ما يعون في الأصل إلا بطونهم وفروجهم. ليس عندهم شيء آخر ـ الإسلامية لا يفكر إلا في البطن وفى الفرج وما عدا هذا لا يخطر على باله هذا مثل البهيمة فأذن هذا نوع أول من أنواع الذنوب. ثانياً: أقل من الأول ـ معاصي يعصى به الإنسان ربه لكنها تأخذ الاتصاف بالصفات السبعية الان حيوانات لكن حيوانات من نوع آخر. وهى حيوانات مفترسة. وهذا ما يقع من كثير من الناس من الظلم والبغي والعدوان والصيالة على الأموال وهكذا ظلم العباد وإراقة دمائهم والاعتداء على أبدانهم هذا ذنب يعصى فيه الإنسان ربه. شكله شكل صفات الحيونات المفترسة وما أكثر هذا فى الناس في هذه الأيام يسطوا علي أبدان الناس يظلمهم، يذلهم، كما يحصل من الحيوانات المفترسة، بل صار الناس في هذا الوقت يسمون حتى أولادهم بتلك الأسماء ما بين أسد وما بين ذئب وما بين فهد. وما بين وبين.. وهل في تلك الأسماء في الأصل (بياض) يعنى الإنسان يسمى نفسه باسم حيوان مفترس؟ سبحان الله العظيم؟ ! وما أعلم سيوجد في هذا الوقت فرد أم لا؟ أسماء يعنى الاسم في الأصل حيوان مفترس يسمى به الإنسان في كثير من الأحيان ينطبق الاسم على المسمى فتراه سمي بحيوان مفترس وحقيقة هو أعظم البشرية ظلماً وافتراساً وإذلالاً للعباد ولا يتقى في المؤمنين إلاً ولا ذمة.

стр. 3748

ثالثا: بعد اجتماع الذنوب التي تأخذ شكل الاتصاف بالصفات البهيمية وشكل الاتصاف بالصفات السبعية إذا اجتمعت هاتان في الإنسان تدعوانه إلى صفة ثالثة وهى الخداع والحيل والمكر والغش والنفاق. وهذه صفات من؟ صفات الشيطان الرحيم. وهذه صفات شيطانية تأتى بعد البهيمية والسبعية. (بياض) الصفات البهيمية على أعظم وصف: خمر ومخدرات وعهر وعربدة. بعد ذلك ظلم الناس قطع رقابهم واستولى على أموالهم: يدعوه هذان الوصفات إلى حيل ومكر. كيف يضل الناس؟ وكيف يغويهم؟ وكيف يختال على أعراضهم وأموالهم لإرواء شهوة البطن والفرج. ولأجل السيطرة وغلبته.

стр. 3749

وخذ الان من الذين اتصفوا بهذين الوصفين: أخذ أموال الأمم وظلموا الأمم خذ الدعايات المضللة في وسائل الإعلام. هذه صفات من؟ صفات الشيطان. شريعة. وسنحقق العدل. ونحكم ونحكم.. وتنظر: لا توجد شريعة إلا شريعة الغابات الظالم يعتدي على المظلوم والقوى يأكل الضعيف ثم بعد ذلك أي عدل في هذه الحياة إنما تخدير للناس. هذا كما يحصل من الشيطان عندما يقول له. إني جار لك ويزين له المعصية فلما يقع يتبرأ منه ويقول إني بريء منك هذه صفات شيطانية وحيل ومكر وخداع وقد قال بعض من ذهب إلى لعنة الله وغضبه من السباع البشرية المفترسة قال: لا دين في السياسة ولا سياسة في الدين! هذا يعبر عن هذا والسياسة ليس فيها دين، والذي سيدخل الدين في شئون الحياة سأقطعة وأفرمة!! سلك طريق الشيطنة بعد أن سلك طريق السبعية. بعد أن أراق من الدماء ما أراق يسلك بعد ذلك طريق الاحتيال. وقال مرة في مجلس علنى تنقله إذاعات الإعلام: الناس لا يريدون منى أن أحمل السبحة ويقولون هذه بدعة. هؤلاء الجماعة المتطرقون يأتوننا بدين جديد أنا سأقول سبحان الله مائة مرة! أيها الضال المضل تخدع الناس بهذا؟ أنت أحسن من أن تقول سبحان الله أحكم بما أنزل الله. وأما الذكر نافلة إن شئت أن تذكر وإن شئت ألا تذكر. هذه نافلة إذا ذكرت ربك تزداد درجات وإذا لم تذكره ما عليك انه شاء الله عقوبات. لكن تحكم شريعة الشيطان وستسبح الرحمن بعد ذلك! خداع للأمة هذا بعد أن سار في الصفات اليهيمية في الدرجة وصار مبررزا في الصفات السبعية. دعاه ذلك الوصفان إلى الصفات الشيطانية إلى الاحتيال والمكر والخداع والتلبيس على الناس.

стр. 3750

رابعا: سيئات تأخذ شكل الاتصاف بالصفات الربوبية. نسأل الله العافية. وهذه أشنع الذنوب وهى أقلها بين الناس بعد أن انهمك في شهوتي البطن والفرج وظلم الناس أراق دمائهم واعتدى على أعراضهم وأذل أبدانهم واحتال عليهم ومكر بهم ماذا سيحصل حالة؟ ((إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلَا فِي الْأَرْضِ وَجَعَلَ أَهْلَهَا شِيَعًا)) (١) علا ماذا قال؟ قال ((أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَى)) (٢) سينازع الله في ربوبيته التكبر والتجبر والعظمة وحب المدح ولا يرتاح إلا بذلك. هذا كله من منازعة الله الربوبية. المدح لا يليق إلا لله. وأما أنت أنت خطاء جهلك أكثر من علمك أنت ينبغي أن تمح؟ المدح ما ينبغي أن يصرف إلا لله جل وعلا. ولذلك الملوك والأمراء عندما لا تستبشر نفوسهم إلا إذا مدحوا. وإذا قال لهم القائل: اتق الله تتمعر وجوههم. ولم؟ لان كل واحد يشعر في قرارة نفسه أنه فرعون الذي مضى وأنه هو رب لهذه الرعية ولذلك من لم يثن عليه بغضب عليه، لم يا عبد الله؟ !. دخل أبو مسلم الخولانى علية رحمة الله على معاوية فقال: السلام عليك أيها الأجير ـ سبحان الله صحابي خليفة المسلمين من المسلمين الطيبين المباركين ﵁ وعن سائر الصحابة الكرام لكن هذا هو وصفة. الأمير ما هو؟ الأمير يعنى هو ربنا الأعلى أم استأجرته الرعية وعقدت معه عقداً على أن يرعاها على حسب شريعة الله؟ لا أن يستبد بأموالها ويريق دمائها ويعتدي على أعراضها. فقال الجلساء: قل السلام عليك أيها الأمير ـ فقال: السلام عليك أيها الأجير ثلاثاً: فقال معاوية: دعو أبا مسلم فإنه أدرى بما يقول. ثم قال أبو مسلم أيها الأجير إن الله استأجر على هذه الرعية فان قمت عليها بما يجب أثابك وإلا عاقبك والسلام وخرج.

стр. 3751

فإذن حب المدح وحب العظمة. التكبر الخيلاء. إذا نزل إلى الشارع ليقطع له الشارع ما ينبغي أن يزاحمة أحد لا يمشى أحد معه.. لم؟ كان الإمام السبكي عليه رحمة الله ومعه والده ـ تاج الدين السبكى يمشى مع تقي الدين السبكى فاعترضهما كلب. فقال تاج الدين السبكي للكلب الذي مش بين يديهما أمام والده: اخسأ كلب ابن كلب فقال له والده: يا بنى قد اغتبته وأذللته والغيبة حرام والإذلال حرام فقال يا والدي أو ليس هو كلب ابن كلب قال شرط الجواب عدم التحقير. يقول: وفى هذه فائدة في انك إذا أردت أن تحزر من عاصي لا تحقره من باب النصح فلم قال يا بنى.. الطريق واسعة يسعني ويسعه. لم تزجره في الطريق كلب يمشى لم تزجره؟ هذا مشى عن كلب والحمار والبشر والبقر ولجميع الناس يعنى من الذي جعلني أتميز عليه في الطريق. إذن حب هذه الأمور هذا من منازعة المخلوق لخالقه لصفات الربوبية. وهذا النوع الرابع من أخص الذنوب وأحقرها ولذلك من يتصف به قليل ((وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ)) (١) وقد وصل الانحطاط بالناس من زمن قديم في صرف حق الخالق إلى المخلوق إلى حالة يندى لها الجبين ذكر أئمتنا في ترجمة العبد الخاسر المخذول محمد بن هانىء الذي توفى إلى غضب الله وسخطه سنه ٣٦٢ هـ وهو كما قال الإمام الذهبي: خمير سكير يدين بدين الفلاسفة. قال يمدح المعز لدين الله الفاطمي: ما شئت لا ما شاءت الأقدار واحكم فأنت الواحد القهار

стр. 3752

يخاطب مخلوقا صعلوكاً يغسل الخراءة بيده في اليوم مرتين. بهذا الوصف الذي لا يليق إلا لرب العالمين الحكم لله جل وعلا. الحكم الكوني القدري فلا يخرج عن كلماته بر ولا فاجر. و ((إِذَا جَاء أَجَلُهُمْ فَلاَ يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلاَ يَسْتَقْدِمُونَ)) (١) وهكذا الحكم الشرعي ((وَلَا يُشْرِكُ فِي حُكْمِهِ أَحَدًا)) (٢) وأما هذا الصعلوك المعز لدين الله الفاطمي هذا هو الذي سيحكم وهو الذي مشيئته نافذة!! أنظر لأئمتنا عندما يعظمون الخالق كيف يقولون كما قال الإمام الشافعي (٣) : ما شئت كان وان لم أشأ ... وما شئت أن لم تشأ لم يكن خلقت العباد على ما علمت ... ففي العلم يجرى الفتى والمسن على ذا مننت وهذا ... خذلت وهذا أعنت وذا لم تعن فمنهم غنى ومنهم فقير ... ومنهم قبيح ومنهم حسن ومنهم شقي ومنهم سعيد ... وكل بأعماله مرتهن وانظر هذا كيف يقول: ما شئت لا ما شاءت الأقدار واحكم فأنت الواحد القهار (بياض) كانت نهاية هذا المادح اللعين؟ سكر حتى غاب عن وعيه مع أصحابه فحملوا السكاكين وقتلوه وهو سكران. طيب هلا أنقذك الذي مشيئته نافذة؟ وهو الذي واحد قهار ويتصرف (بياض) يريد كما يريد؟ نعوذ بالله من هذا الضلال.

стр. 3753

المعصية إذا أخذت هذا الشكل هي أشنع المعاصي، ولذلك لا يدخل الجنة من في قلبه مثقال ذرة من كبر، والكبرياء رداء الله والعظمة إزاره فمن نازعه واحدة منهم قصمه الله ولا يبالى. والله يحشر المتكبرين يوم القيامة بصورة الذر يطؤهم الناس بأقدامهم لهوانهم (بياض) الله جلا وعلا (١) ويقول للمتكبر الجبار يوم القيامة ((ذُقْ إِنَّكَ أَنتَ الْعَزِيزُ الْكَرِيمُ)) (٢) (بياض) كنت تعزز وترفع نفسك وتكرمها. ذق هذا العذاب الذي يهينك.

стр. 3754

وقد أخبرنا نبينا ﷺ أنه يغضب غاية الغضب أي الله جل وعلا إذا نازعناه في الاسم لا في الحق فإذا (بياض) بما ويجوز أنه يتسمى إلا الله يغضب الله فكيف إذا نازعناه حق من الصفات (بياض) استأثر بها جل وعلا من العظمة والتكبر وحب المدح ؟ ثبت في الصحيحين من حديث أبى هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: [أخنع (١) اسم (بياض) الله جل علا رجل تسمى بملك الأملاك لا مالك إلا الله] سمي نفسة بأمير الأمراء (بياض) رئيس الرؤساء وحاكم الحكام قال سيفان بن عيينة، أن يسمى نفسة شاهنشاه (٢) (بياض) رواية في صحيح مسلم [أغيظ رجل واخبثه عند الله رجل تسمى بملك الأملاك لا مالك (بياض) الله] (بياض) أخبرنا نبينا ﷺ ـ والحديث في الصحيحين والأحاديث في ذلك متواترة (٣)

стр. 3755

أن اشد الناس عذاباً يوما القيامة المصورون. وهؤلاء يضاهئون خلق الله في الصور ولا يدعون أخذ حقه وانه لا يثبت لله (بياض) وأنهم هم الخالقون. لا. لكن صوروا ما خلقه الله مما له روح. ومن نازع الله في التسمية (بياض) أخنع إنسان وأوضعه فكيف بمن نازعه حقه الذي انفرد به من التكبر من العظمة (بياض) المدح من من؟ كل هذا من الذنوب القاصمة المهلكة. أذن النوع الرابع ذنوب يعصى بها الإنسان ربه تأخذ شكل الاتصاف بالصفات الربوبية وهذه آخر الذنوب وحقيقة بعد أن يمر الإنسان بالمراحل الثلاثة بهيمي حيواني. سبعي مفترس صار بعد ذلك شيطان مريد ـ ماذا سيفعل؟ سينازع الله بعد ذلك في الربوبيه والألوهية ويدعى أنه من صنف أخر ممتاز له ما ليس لغيره كما هو الواقع في عتاة البشرية في كل وقت لهم ما ليس لغيرهم ويلون العباد ويفرحون بالمدح عندما يمدحون وهكذا كله من منازعة الله جل وعلا لحقه.

стр. 3756

إخوتي الكرام: قبل أن ندخل في المبحث الرابع أحب أن أشير إلى قصة طريفة نقلها أئمتنا في ترجمة أبى الحسن على بن عيّاش ـ وهو من رجال صحيح الإمام البخاري وأخذ بحديثه أهل السنن الأربعة وهو حافظ عابد توفى سنة ٢١٩ هـ ـ. استدعى هذا العبد الصالح من بلاد الشام ليقابل الخليفة المأمون فلما دخل عليه وكان الوسيط في ذلك يحيى بن أكثم: القاضي فلما دخل على بن عياش سلم وتبسم. ثم بكى وأكثر من البكاء والنحيب. فقال الخليفة المأمون ليحي بن أكثم: أدخلت على مجنوناً يبتسم ثم يبكى! قال الإمام الذهبي علية رحمة الله في سير أعلام النبلاء. وإنما لبتسم لأنه سلم على مسلم ـ والخليفة المأمون وغيره مهما دخلوا في أمور الجور ما زالوا ضمن دائرة الإسلام لا اله إلا اله محمد رسول الله ﷺ وأمرنا أن نبش وان نبتسم في وجوه المسلمين لكنه نظر بعد ذلك إلى مجلس المأمون فرأى الكبر والجبروت فبكى حزناً على هذه الحالة التي أفضى إليها حال المسلمين فإذن هذا الحال كأن هذا المخلوق الضعيف بنازع الله القوى بتلك الأوصاف الجليلة الجميلة العظيمة. العظمة حب المدح. يدخل بعد ذلك إلى هذا القصر تعظيم ومدح وثناء وما شاكل هذا وحقيقة إذا كان الأمر كذلك هذا يستدعى البكاء فقال يحي بن أكثم للخليفة المأمون: يا أمير المؤمنين ما دخل عليك أحد من أهل الشام أفضل منه. هو خير أهل الشام إلا أبا المغيرة. فكيف أنت تقول أنه مجنون؟ لكن هذا البكاء ينبغي أن يكون واعظاً لك لما أنت عليه من معصية الله ومخالفته. اتصفت بأشنع الذنوب وأقبحها وأخبثها وهى ذنوب تنازع بها الله جل وعلا في الربوبية من الكبر وحب المدح والعظمة والتعالي وهذا لا يليق بمخلوق ولا يجوز لمخلوق أن يأخذه وبذلك لما دخل عليك سلم وابتسم ثم بكى وأكثر من النحيب والبكاء على بن عياش عليه وعلى أئمة المسلمين رحمة الله ورضوانه. المبحث الرابع أسباب الذنوب

стр. 3757

السيئات والذنوب مهما كثرت وتنوعت وكانت ضمن أجناس أربعة ولها فروع كثيرة سببها فساد إحدى أمرين في الإنسان لا ثالث لهما: ١. إما فساد في قوته العلمية النظرية. ٢. وإما فساد في قوته العملية الإرادية. فإذا فسدت القوى العملية النظرية يقع في الشبهات. وإذا فسدت القوة العملية الإرادية يقع في الشهوات. وهما منبع جميع الآفات. شبهة وشهوة. كل معصية لا تخرج عن أحد هذين النوعين إما شبهه سببها فساد القوى العلمية عند الإنسان أي ما عرف الحق وما عرف العلم النافع وما رزق بصيرة فتخبط فأشرك بالله وعبد حجرا لا يضر ولا ينفع، وتوكل على مخلوق وعظم مخلوقاً وأثنى عليه وترك الخالق جل وعلا.. ما سبب هذا؟ فساد في القوى العلمية. هو لو علم أن هذا المخلوق لا يملك لنفسه ـ فضلاً عن غيره ـ ضراً ولا نفعاً لما عبده من دون الله لما جىء بسيد المسلمين في زمنه سعيد بن جبير تلميذ ابن عباس ﵃ أجمعين إلى الحجاج الظالم المشهور سفاك الدماء قال له: لأقتلنك قتلة ما قتلت بها أحداً ـ أخبث قتلة. ثم قال له: وستوردك هذه القتلة ناراًَ تلظي. قال أيها الأمير: لو كنت كذلك ما اتخذت إلهاً غيرك. إذا كان بيدك أن تدخلني ناراً تلظي لعبدتك من دون الله. نعم بيدك أن تقطع الرقبة. كما قال السحرة لفرعون ((فَاقْضِ مَا أَنتَ قَاضٍ إِنَّمَا تَقْضِي هَذِهِ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا)) (١) وهذه: القاضي والمقضي عليه الكل سيقضى عليه في النهاية ((إِنَّا نَحْنُ نَرِثُ الْأَرْضَ وَمَنْ عَلَيْهَا وَإِلَيْنَا يُرْجَعُونَ)) (٢) أين الجبابرة الذين سفكوا من الدماء ما لو جمع لسار منه نهر عظيم؟ أين هم؟ ذهبوا بعد ذلك ولحقوا من سفكوا دمائهم. تقضي هذه الحياة الدنيا وهذه حياة دنيئة قريبة الزوال لا وزن لها عند الله ولا تعدل عند الله جناح بعوضه. ولو كانت تعدل جناح بعوضة ما سقى منها كافراً جرعة ماء لهوان الكافر على الله جل وعلا.

стр. 3758

إذن أنت ماذا تفعل؟ فاقض ما أنت قاض إنما تقضى هذه الحياة الدنيا أما أنك تدخلني الجنة أو أنك تدخلني جهنم. هذا ليس بيدك. لو كان بيدك أن تدخلني إحدى الدارين لعبدتك من دون الله لو كان كذلك ما اتخذت إلها غيرك. فلو علم المخلوق أن هذا الأمير وهذا الوزير وهذا المسئول من صغير أو كبير لا يملك لنفسه فضلاً عن غيره نفعاً ولا ضراً هل يلجأ إليه؟ يتوكل عليه؟ يتمسح بأعتابه ويقف عند بابه؟ وينحني له؟ لا هذا لا يصرفه إلا لله رب العالمين ، بيده ملكوت كل شيء وبيده خزائن الأمور . ((مَا يَفْتَحِ اللَّهُ لِلنَّاسِ مِن رَّحْمَةٍ فَلَا مُمْسِكَ لَهَا وَمَا يُمْسِكْ فَلَا مُرْسِلَ لَهُ مِن بَعْدِهِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ)) (١) .

стр. 3759

ولذلك عندما تفسد القوة العلمية القوى النظرية لا يكون عند الإنسان بصيرة وعلماً نافعاً يقع في الشبهات ويشرك برب الأرض والسموات وعندما تفسد القوى الإرادية العملية هو عرف الحق ومؤمن مهتدى وما أشرك بالله شيئاً لكن ما عنده عزيمة ما عنده ميل للحق وحب له وتصميم على فعله.. ماذا يقع؟ يقع منه غناء وزنا وأكل ربا وسرقة وغش وخيانة.. هذه كلها دافعها الشهوات أو شبهات. ولذلك جميع الآفات إما أن ترجع لسيئة فساد القوة العلمية وإما لسيئة فساد القوة العملية شبهة أو شهوة. والذي لا يتنزه عن الفساد الأول والسيئة الأولى لا يمكنه أن يتنزه عن الفساد الثاني قصعاً وجزماً ولذلك لا يمكن للإنسان أن يتطهر من مرض الشهوة إلا إذا تطهر من مرض الشبهة. وأما مرض الشبهة فقد يتطهر منه ويقع في الشهوة. لكن هل هناك إنسان يفطم نفسه عن الشهوات والمحرمات وهو ممتلىء بفساد الفكر وخبث النظر ونجاسة القلب؟ لا يمكن أبداً ذاك لا يعرف معروفاً ولا ينكر منكراً ولا يرى أن هذا حلال وأن هذا حرام. ولا يتورع عن رذيلة وإذا فسدت القوة العلمية النظرية سيتبعها آفات شهوانية. لكن أحيانا القوى العلمية تكون سليمة ولكن الإنسان ما يستطيع أن يزم نفسه بزمام التقوى فما عنده عزيمة ولا ميل للحق وحب له وإرادة على العمل به ولذلك لا يمكن للإنسان أن يتطهر من مرض الشهوة إلا إذا تطهر من مرض الشبهة. ولذلك من كان مرضه في مرض الشهوة إلا إذا تطهر من مرض الشبهة ولذلك من كان مرضه في مرض الشهوة سرعان ما يفيء ويرجع إلى الحق. ومعصية اللعين إبليس كانت من باب الشبهة. ومعصية أبينا آدم على نبينا وعليه صلوات الله وسلامة فكانت من باب الشهوة (بياض) معصية إبليس أن يطلب: من ربه الأنظار إلى يوم الدين ليزداد ضلالاً وعتواً ولعنة من الله جل وعلا.

стр. 3760

وآلت معصية آدم الذي تمت واستقامت وحسنت قوته العلمية النظرية آلت معصيته الشهوانية أن يقول ((رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنفُسَنَا وَإِن لَّمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ)) (١) فكانت النتيجة: ((ثُمَّ اجْتَبَاهُ رَبُّهُ فَتَابَ عَلَيْهِ وَهَدَى)) (٢) وصار حاله بعد التوبة خيراً من حاله قبل التوبة. وفى الغالب أكثر أمراض الشهوات سببها فساد في القوى العلمية أي وجود شبهات والإنسان حقيقة إذا ما عرف الله جل وعلا كما ينبغي وما عظم الله حق تعظيمه لا يكون عنده رادع بعد ذلك عن فعل فاحشة من الفواحش وموبقة من الموبقات. وقد أشار نبينا صلوات الله وسلامه عليه إلى هذين المرضين الخطرين. ففي مسند الإمام أحمد ومسند البزار ومعاجم الطبراني الثلاثة بسند صحيح عن أبى برزة الأسلمي ﵁ قال سمعت النبي ﷺ يقول: إنما أخشى عليكم شهوات الغي في بطونكم وفروجكم ومضلات الهوى شهوات الغي في البطون والفروج هذه هي مرض الشهوة. ومضلات الهوى هي مرض الشبهة وكل منهما مرض بنص القرآن. يقول الله تعالى ((فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ فَزَادَهُمُ اللهُ مَرَضاً)) (٣) ويقول عن مرض الشهوة: ((فَلَا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ)) (٤) هنا شهوة وهناك شبهة.

стр. 3761

إخوتي الكرام: عند الإنسان قوتان لا تتعطلان. القوى الأولى كما قلنا علمية نظرية لابد من أن يعتقد شيئاً ولا بد من أن يمتلىء ذهنه وقلبه من أفكار ومعلومات ولا بد بعد ذلك أن تتحرك جوارحه وأن تسعى. لكن إما أن يرى الحق حقاً وأن يرزق إتباعه وأن يحببه الله فيه. وأن يرى الباطل باطلاً ويرزقه الله اجتنابه وأن يكرهه الله فيه. وإما أن ينعكس الأمر. أحد أمرين. إما أن الإنسان خٍلْوَاً خالياً من معرفة الحق والباطل لا يعتقد حقاً ولا باطلاً، وخلواً ومن عمل الحق والباطل هذا لا يتصور ولا يوجد، لابد من عمل ولا بد من اعتقاد ((فَمَاذَا بَعْدَ الْحَقِّ إِلاَّ الضَّلاَلُ)) (١) ولذلك كان أئمتنا يقولون: القلوب طواحين. والطاحون تتحرك باستمرار لكن بعض الطواحين تطحن براً حباً نظيفاً جيداً. وبعضها تأتى تضع فيها حجر ولا تخرج لك بعد ذلك إلا بلاءً. والقلب يتحرك ولا يفتر. إما أن يتحرك بذكر الله وطاعته. وإما أن يتحرك بمعصية الله وغضبه. وكان أئمتنا يقولون: النفوس جوّالة. إما أن تجول حول العرش وإما أن تجول حول الحش (٢) إما تكون في فضيلة وإما في رذيلة. كما قال النبي: [كل الناس يغدو فبائع نفسه فمعتقها أو موبقها] (٣) لابد من كسب إما صالح وإما خبيث. وقد أشار نبينا ﷺ إلى هذا.

стр. 3762

ففي سنن أبى داود والنسائي عن أبى وهب الجشمي ﵁ قال سمعت النبي ﷺ يقول: [تسموا بأسماء الأنبياء وأحب الأسماء إلى الله عبد الله وعبد الرحمن وأقبحها حرب ومرة وأصدقها حارث وهمام] (١) والحديث في درجة القبول وفى درجة الحسن إن شاء الله ويشهد لبعضه ما ثبت في صحيح مسلم عن ابن عمر ﵄ أن النبي ﷺ قال: [إن أحب أسمائكم إلى الله عبد الله وعبد الرحمن] (٢) وورد أيضا: [تسموا بأسماء الأنبياء] عليهم جميعا صلوات الله وسلامه. الشاهد إخوتي الكرام: أصدق الأسماء أو أصدق أسم ينطبق على مسماه ويدل على مسماه حارث وهمام. حارث مكتسب فاعل لكن ـ إما أن يكتسب خيرا وإما أن يكتسب شرا. إما أن يكتسب درا وإما أن يكتسب بعراً. أحد أمرين.

стр. 3763

لابد من اكتساب. وهما: إما أن يجول حول العرش وإما أن يجول حول الحش. والإنسان على نفسه بصيرة وعندما يريد أن ينام ينظر كم يأتيه من خواطر. وإذ أراد الإنسان أن يعرف قيمته عند ربه فلينظر إلى خواطر نفسه بأي شيء يفكر؟ حقيقة إذا كان يفكر في كلام الله وحديث رسول ﵊ وفى نعم الله عليه وفى الموت وما بعده وكيف سيلتقي بالله جل وعلا. فأكرم به من رجل طيب فكراً وسلوكاً. وإذا كان عندما يبحث في أفكاره يراها حول أغنية كذا وحول راقصة كذا وحول أمير كذا وحول اجتماع كذا.. تراه مع المخلوقين الذين لا يملكون لأنفسهم فضلاً عن غيرهم ضراً ولا نفعاً. يفكر فيهم وقصر تفكيره عليهم ولم يجاوز هذا التفكير الحياة الدنيا وزينتها. هذا حقيقة ممن غضب الله عليه وسخط عليه. ولذلك إذا أراد الإنسان أن يعرف قدره عند ربه فلينظر إلى أفكاره والى هواجس نفسه فبعد ذلك يتحقق من حاله هل هو خبيث أو نفيس؟ والإنسان على نفسه بصيرة ـ كما قال الله جل وعلا (١) .

стр. 3764

إذن اصدق الأسماء حارث وهمام، لا يخلو أحد من هم وكما قال الإمام الشافعي: صحبت الصوفية فما انتفعت منهم إلا بكلمتين: الوقت كالسيف إن لم تقطعه قطعك. النفس إن لم تشغلها بحق شغلتك بباطل. الشاهد في الكلمة الثانية. فهذه النفس لا بد لها من شغل ولا بد لها من همّ ولا بد لها من حركة إما أن تشغلها بحق وإلا تشغلك بباطل. ولذلك إخوتي الكرام , عبادة الله الذكر على وجه الخصوص ما ذكرها الله وطلبها منا إلا وقرن الأمر بالإكثار. لم؟ لأمور كثيرة منها هذا الأمر وهو أن النفس لن تكون خاليه ولذلك أشغلها بذكر الله ثم هذا الذكر لا يحتاج ما تحتاجه العبادات الأخرى من الصلاة والصيام والحج من شروط واستقبال وأركان ولا يحتاج هنا على الإطلاق. يمكنك أن تذكر بلسانك وبإمكانك أن تذكر بقلبك وبإمكانك أن تجمع بينهما فإذن ((اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْرًا كَثِيرًا)) (١) ((وَالذَّاكِرِينَ اللَّهَ كَثِيرًا وَالذَّاكِرَاتِ)) (٢) ((الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَىَ جُنُوبِهِمْ)) (٣) وكان ﵊ يذكر الله على جميع أحيانه. لِمَ؟ لأن النفس لا بد لها من عمل. لابد لها من حركة. اشغلها بحق وإلا شغلتك بباطل. وانظر الآن لأهل السيارات ينقسمون أقسام. إما أحياناً يذكر الله ويقرأ. وأحياناً بما أن الأمور تطورت عنده شريط يضعه ويسمع القرآن أو حديث النبي ﷺ أو موعظة من المواعظ حقيقة يدل على تقوى وأن الإنسان يراقب خالقه. وانظر بعد ذلك للهمج الرعاع النسبة الكبيرة يضع الشريط ما كفى أن خبثه النفس يعمل ويفكر في الضلال ليزداد أيضاً ضلالاً آخر من غيره فيضع ايضاً شريط غناء شريط تمثيلية شريط ... الله عليم بالمفاسد الكثيرة التي اصطنعها الناس. لابد له من عمل وحركة وإرادة.

стр. 3765

ولذلك إخوتي الكرام: إذا كان الأمر كذلك فينبغي للإنسان أن ينتبه إلى نفسه وأن يراقب قوته العلمية النظرية والقوة الإرادية العملية. وهاتان القوتان اكتملتا في نبينا ﵊ كما في صحيح البخاري وغيره: [أنا أعلمكم بالله وأشدكم له خشية] العلم بالله: قوة علمية نظرية. الخشية: قوة إرادية عملية.

стр. 3766

إخوتي الكرام: وعماد صلاح هذين الأمرين: أن يخشع القلب وأن يتعلق بالرب. كما في حديث النعمان ابن بشير [ألا وإن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله وإذا فسدت فسد الجسد كله ألا وهى القلب] (١) وإذا فسد القلب فسد اللسان وفسدت الأذن وفسدت سائر الأركان والى هذا أشار نبينا ﷺ في حديثة الذي هو في درجه الحسن ثابت عنه عليه صلوات الله وسلامه يبين لنا أن القلب إذا تعلق بفساد فلا يقبل الإنسان بعد ذلك نصحاً ولا يعي رشداً ثبت في مسند الإمام أحمد وسنن أبى داود والأدب المفرد للبخاري عن أبى الدرداء ﵁ ورواه الخرائطي عن أبى برزة ورواه ابن عساكر عنة عبد الله بن أنيس أن النبي ﷺ قال: [حبك الشيء يُعنى ويصيب] فالقلب إذا تعلق بشيء فأنت تبصره بمفاسد ومساوىء ذلك الشيء فلا يراه. وتنصحه وتقول له يا عبد الله شهوة خسيسة زائلة لا وزن لها ولا اعتبار فكر في الدار الآخرة.. لا يسمع. فحقيقة إذا فسد القلب فلا علاج للإنسان إلا إذا من الله على هذا الإنسان بالهداية وتطهير قلبه وقد قال الله عن صنف ممن غضب الله عليهم ((أُوْلَئِكَ الَّذِينَ لَمْ يُرِدِ اللهُ أَن يُطَهِّرَ قُلُوبَهُمْ لَهُمْ فِي الدُّنْيَا خِزْيٌ وَلَهُمْ فِي الآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ)) (٢) .

стр. 3767

إخوتي الكرام: ولذلك إذا أراد الإنسان أن يتحقق من سلامة نفسه وإذا أراد أن يعلم أنه على هدى ولا يقع في فعل الردى فليتنبه إلى أربعة أمور. كان أئمتنا عليهم رحمة الله ينبهون عليها ويرشدون طالب العلم. والسالك طريق الآخرة إلى الانتباه لها. ومن هذه الأمور تدخل عليه مداخل الشيطان ويقع بعد ذلك في شرك الشيطان وفى وسوسته أولها: الخطرات (١) وثانيها: اللحظات (٢) . وثالثها: اللفظات (٣) . ورابعها: الخطوات (٤) . اضبط هذه الأمور أما القلب فهذا هو البداية وهو المحرك لجميع الأعضاء فانتبه. أول ما يقع في قلبك من الوساوس يكون في أول الأمر خاطر. قال الإمام ابن القيم عليه ﵀ في كتاب " الفوائد (٥) صفحة ٣١: ادفع الخطرة فإن لم تدفعها فستصير فكرة وحاربها إن لم تفعل فستصبح بعد ذلك شهوة فحارب الشهوة وقاومها فإن لم تفعل فستصبح فعلاً فافعل نقيض ذلك واترك ذلك الفعل لتبتعد عنه فإن لم تفعل فستصير بعد ذلك عادة فيصعب عليك الانتقال.

стр. 3768

إذن خطرة في قلبك تبعها فكرة. بدأت تفكر. تبعها بعد ذلك شهوة. تبعها عمل وفعل تبعها عادة وديدن ومواظبة كم يصعب على الإنسان أن يترك الأمر بعد أن يعتاد عليه؟ وكم يسهل عليه أن يدفعه في البداية عندما يكون خاطراً خطر بباله! وكما سنذكر أن ما يقع في النفوس يمر بخمسة مراحل: أولا الهاجس ثم الخاطر ثم حديث النفس ثم الهمّ ثم العزم. فالأول دفعه ما أيسره ولذلك إذا خطر ببالك شيء من وساوس الشيطان فاختصر الطريق ولا داعي لمجاهدة كثيرة قل مباشرة كما قال الله ((وَإِمَّا يَنزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللهِ إِنَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ)) (١) ((فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ)) (٢) . استعذ بالله وانته. إذا ما فعلت هذا فينتقل الأمر لفكرك لتفكر فيه وتبحث فيه ويرسخ ما فعلت وأزلته من فكرك سيصبح شهوة راسخة في نفسك ما دفعته سيصبح عملاً في حيز الوقوع ما دفعته بنقيضه وكففت نفسك عنه سيصبح خلقاً لك لازماً وعادة ثابتة هيهات هيهات أن تقلع عن ذلك. إذن أولها الخطرات. راقب خطرات القلب من البداية. يأتي بعد الخطرات النظرات. اللحظات النظرة حقيقة أوله أسف وآخرة تلف. أول ما ينظر يتأسف فيرى لا ما كله هو قادر عليه ولا عن بعضه هو صابر فيتأسف وعندما يطلق نظره أن أملقه للأغنياء يهتم ما عنده أموال كما عندهم وإن أطلق نفسه للنساء يهتم أنه ما يستطيع أن يتصل بهن ويقع في عناء وبلاء.. أسف وآخرة تلف (٣) . كل الحوادث مبدأها من النظر ... ومعظم النار من مستصغر الشرر يسر فعلته ما ضر مهجته ... لا مرحباً بسرورعاد بالضرر والمرء ما دام ذا عين يقلبها ... في أعين العلم موقوف علي الخطر

стр. 3769

ولذلك كم نظرة قتلت الإنسان؟ وحزار حزار أن تقع في المخالفة. تقول: نظرة سهلة وهى من اللمم ... حقيقة هي من اللمم (١) ولكن أخشى أن ينقلك هذا اللمم إلى بلاء جمّ وأنت لا تدرى فهي. هذه الصغيرة ـ لو أقلعت عنها نعمة لكن لو تبعتها بعد ذلك صغائر وجرّت إلى كبائر وصار ديدناً لك ونقلتك بعد ذلك إلى استحسان المحرمات واستحلالها: المعاصي بريد الكفر. يعنى هي معصية لكن آلت إلى كفر وخروج من الدين بواسطة نظرة واحدة إخوتي الكرام: ما دام الإنسان ضمن شرع الله يخيم عليه عناية الله إذا عصى الله تخلت عناية الله عنه. فقد يقع في الكفر وقد يبقى في المعصية وقد يقلع لكن العناية الأن ابتعدت عنه كما قال علية الصلاة والسلام [لا يزنى الزاني حين يزنى وهو مؤمن] (٢) وهو الآن خرج. فإذن ماذا سيقع بعد ذلك منه؟ هل يعود أو يستحل ما فعلة فيخرج من الإيمان كلياً؟ هذا علمه عند ربى. وكم من إنسان كفر من أجل نظرة واحدة.

стр. 3770

خرج بعض الناس ليؤذن فلما رقى المنارة وقع نظرة على بعض البيوت فرأى امرأة حسناء فتنته. ترك ونزل (١) ذهب وطرق الباب وقال: القلب تعلق بك. قالت: إلى حرام لا أجيبك والى زواج لا أتزوجك فأنت مسلم وهى نصرانية. قال فماذا افعل؟: قالت فما لك إلا أن تتنصر ـ إذا إتنصرت تخطبنى من أهلي ويتم الزواج.. قال: هذا سهل. ـ التنصر سهل! ـ قالت أهلي لا يصدقون إلا إذا جئت في المساء والصليب على صدرك فإذا جئت وعليك الصليب وقلت أنا دخلت في النصرانية وتخطبني أنا بعد ذلك أظهر القبول ولعل بعد ذلك الأمر يتم فذهب وأعد نفسه واشترى الصليب وجاء بعد ذلك في المساء فعملت مع أهلها مكيدة فلما دخل ذبحوه وألقوه على مزبلة والصليب في صدره!! بواسطة نظرة (٢) . كم نظرة فعلت في قلب صاحبها ... فعل السهام بلا قوس ولا وتر فإذن انتبه للخطرات. وانتبه للحظات. النظرات راقبها واتق الله فيها. وقد جمع الله بين هاتين المفسدتين وهذين الأمرين وأشار إليهما لنستحضر عظمته ونراقب الخطرات واللحظات فقال ((يَعْلَمُ خَائِنَةَ الْأَعْيُنِ وَمَا تُخْفِي الصُّدُورُ (٣)) ) (٤) .

стр. 3771

فإذا حصل في صدرك شيىء استحضر هذه الآية. لا تخفى عليه خافية في الأرض ولا في السماء. ((أَلا إِنَّهُمْ يَثْنُونَ صُدُورَهُمْ لِيَسْتَخْفُواْ مِنْهُ أَلا حِينَ يَسْتَغْشُونَ ثِيَابَهُمْ يَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعْلِنُونَ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ)) (١) ((وَأَسِرُّوا قَوْلَكُمْ أَوِ اجْهَرُوا بِهِ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ)) (٢) . وأما الباب الثالث الذي ينبغي أن تراقبه: اللفظات. هذا اللسان أكثر خطايا بنى آدم في ألسنتهم. وفى حديث معاذ بن جبل في سنن الترمذي وغيرة بسند صحيح. [كف عليك هذا. قلت: يا رسول الله ﷺ وإنا لمؤاخذون بما نتكلم به؟ قال: ثكلتك أمك يا معاذ وهل يكب الناس في النار على وجوههم أو قال على مناخرهم إلا حصائد ألسنتهم] (٣) هذا اللسان اتق الله فيه [من كان يؤمن بالله واليوم الأخر فليقل خيراً أو ليصمت] (٤) أنتبه لهذا. إن كنت تؤمن بالله واليوم الأخر وأنك ستصير إليه حافظ على هذه الوصية. الكلام فيه خير تكلم. ما فيه خير دعك من الهزرمة والكلام الفارغ. هذا إذا لم يكن في إثم ومعصية. طبخنا وذهبنا وجئنا وعملنا وكذا ... من كلام تشغل له نفسك وغيرك ولا فائدة منه. هلا جعلت مكان هذا تسبيحاً لله جل وعلا؟ فإذا قلت سبحان الله وبحمده تغرس لك نخله في الجنة. وتجلس يوم كامل: طبخنا وذهبنا وجئنا وو.... كلام كله فارغ من الفضول. هذا إذا لم تدخل بعدها في غيبه ونميمة وقذف وبهتان وغير ذلك اللفظات لا بد من مراقبتها.

стр. 3772

يليها بعد ذلك كما قلنا. ـ الخطوات. أين تذهب وكيف تتحرك؟ إنتبه لهذا وعثرت الإنسان إما من لسانه وإما من رجله. عثرت الرجل تبرأ على مهل كما يقول علماؤنا. لكن عثرت اللسان تدخله القبر وتوقعه في الكفر. ولذلك قال ﵊ والحديث في الصحيح [المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده] (١) قدم اللسان لم؟ ضرره أشد ودائرته أوسع. هذا يتناول الحي والميت. الميت سلم من يدك أما من لسانك ما سلم، يناول الحاضر والغائب، الغائب سلم من يدك مهما كنت سفاكا بطاشاً هرب منك، لكن ما يسلم من لسانك أينما كان وثم هذا أوسع لمن تقدر عليه ولمن لا تقدر. البد لا تستطيع أن تمدها إلا من تقدر عليه إذا كان مستضعفاً وأنت قوى. إما اللسان تجلس في بيتك وتغلق الباب عليك وتطلق لسانك مثل الإذاعة على فلان وفلان من أمير إلى وزير إلى شيخ إلى كبير ما يسلم أحد منك. لكن أمامهم ما تستطيع تشير بإصبع لأنك ما عندك قوة ولا جراه هذا اللسان دائرة أوسع. وخطرة أشنع فقدمه النبي ﷺ عثرت اللسان وعثرن الرجل أيهما أعظم؟ اللسان جمع الله بينهما أيضاً في آية فقال ((وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْنًا وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلَامًا)) (٢) إذن أرجلهم تضبط ويمشون بسكينه وتؤدة. فلا يوجد تجبر ولا تكبر ولا ضرب للأرض ولا قطع للطريق. وإذا تجاهل كما أنهم لا يقعون في عثرت في أرجلهم لا يقعون في عثرت بألسنتهم قالوا سلاماً قولاً يسلمون من الإثم ومن الخطيئة والمعصية.

стр. 3773

إذن هناك خطرات ولحظات: ((يَعْلَمُ خَائِنَةَ الْأَعْيُنِ وَمَا تُخْفِي الصُّدُورُ)) (١) ، وهنا لفظات وخطوات ((يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْنًا وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلَامًا)) راقب هذه الأمور الأربعة وحقيقة إذا اتقيت الله فيها وأحكمت هذه الأمور وما دخل عليك الشيطان من شيء منها فأنت إن شاء الله في حرز أمين في جوار رب العالمين. فالقلب لا يفكر بقبيح والعين لا تنظر إلى قبيح واللسان لا يتكلم بقبيح والجوارح والفعل والأرجل لا تمشى إلى قبيح؟. راقب هذه الأمور من خطوات ولحظات ولفظات وخطرات. أخوتي الكرام: هذه اللفظات ينبغي أن نتقى الله فيها. وقلت عماد كل ما تقدم القلب. لكن القلب لا يطلع عليه إلا الرب. نحن ما نطلع إلا على الظاهر إذا أردت أن تعرف صلاح الإنسان من فساده زن كلامه وانظر إلى كلامه. ولذلك كان أئمتنا يقولون: القلوب قدور ـ، لكن ماذا يوجد في القدر؟ ما تستطيع أن تعرف إلا بالمغرفة فإذا غرفت يظهر هل فيه لحم أو فيه عدس. وهنا القلوب قدور ومغارفها الألسن. فإذا تكلم تعلم ماذا في القلب. هل فيه طيب أو فيه خبيث. وأحيانا ترى الإنسان تعجب به فإذا تكلم سقط من عينك. وقلت هذا شيطان مريد وأحياناً ترى الإنسان وقد تزدريه. تقول هذا مسكين لا يؤبه به فإذا تكلم ملك قلبك. فإذن القلوب قدور لكن المغارف هي الألسن وكان أئمتنا يقولون: هذه الأفواه حوانيت لكن ماذا في داخلها؟ لا نعلم إلا إذا تحركت هذه القطعة ـ فإذا تكلم الإنسان ظهر العطار من البيطار. هل هو عطار أو بيطار؟ ! ماذا عنده من حرفه ومهنه؟ هذا يظهره اللسان. فاتق الله في لفظاتك وفى لحظاتك وفى خطراتك وفى آخر الأمور وهى خطواتك (بياض) . المبحث الخامس أقسام الناس في ترك الذنوب إخوتي الكرام: هذه المعاصي التي يقع الإنسان فبها ما هي دون الشرك. هذه طريق موصل إلى الشرك وكذلك ينبغي للإنسان أن يحذر من كل معصية صغيرة أو كبيرة.

стр. 3774

وقد نقل عن العبد الصالح أبى حفص النيسابورى وهو من أئمة الهدى وكان يلقب بنور الإسلام عليهم رحمة الله من ألائمة الصالحين. والرجل توفى سنة ٢٦٥ هـ (١) يقول: المعاصي بريد الكفر. كما أن الحمى بريد الموت (٢) الحمى علامة الموت. والمعصية علاجة على وصول الإنسان إلى الكفر رسالة تضعها في رأس الخيمة تصل إلى مصراً والهند عن طريق البريد. ومعصية أحياناً نظرة وهى من اللمم جرتك إلى زنا وهى من الكبائر جرك إلى استحلال. أخرجك من دين الله وأنت لا تدرى. والإمام بن القيم علية رحمة الله يقول جملة أيضاً طيبة في بيان أثر المعاصي تساوى هذه الجملة المنقولة عن أبى حفص النيسابورى وتعدلها. يقول (٣) : المعاصي دهليز الشرك والدهليز هو الطريق الضيق الذي يوصل إلى بيوت. فإذن هذا سيوصلك في النهاية إلى البيت فإذا سلكته ـ هذا الدهليز الضيق. يوصلك بعد ذلك إلى بيت إلى منفذ إلى دكان.. وهذه المعاصي دهليز، وطريق ضيق سينقلك بعد ذلك إلى غاية وهى الشرك. ولذلك يجب ترك جميع المعاصي صغيرها وكبيرها والحذر من جميعها والناس في تركها ينقسمون إلى ثلاثة أقسام. ١. إما أن يترك الناس الذنوب والعيوب خشية من علام العيوب وهذه حالة المؤمنين الصادقين. وإذا تركوا المعاصي خشية من الله يثابون على ذلك وقد ثبت في الصحيحين في حديث السبعة الذين يظللون في ظل عرش الله يوم لا ظل إلا ظله منهم: [ورجل دعته امرأة ذات منصب وجمال فقال: إني أخاف الله] ترك الذنوب خشية من علام الغيوب هذا حال الصديقين وحال المؤمنين.

стр. 3775

٢. الصنف الثاني: تركها سفهللة. ما خطرت بباله أصلاً. لا تشوق إليها ولا تركها خشية من الله جلا وعلا. شرب الخمر ما خطر ببالة ما اشتهى ولا قال أنا تركته خشية لله ومنه: يقول: هذا ما أشتهيه ولا أريده. تركته خشية من الله؟ يقول: ما حصل هذا المعنى في قلبي لو كنت اشتهيه هل اشربه أم لا ما أعلم. لكن أنا الآن لا أشتهيه ولا اشربه. هذه الحالة لا ثواب ولا عقاب. لا يثاب مع انه ترك الفواحش لان التروك كلها لا يثاب الإنسان على تركها إلا إذا تركها خشية من الله جل وعلا فقد يكون سببها العجز وقد يكون سببها عدم الرغبة وقد وقد ... وليس في هذا مدح. ولذلك كل نفس إذا لم يدل على إثبات ما يضاده فلا مدح فيه ولا مدح في أن تقول: هذا الإنسان لا يزنى هذا ليس فيه مدح على الإطلاق. لا يزنى لأنه عنين لا يزنى لأنه مقطوع الذكر مجبور. لا يزنى لأنه لا يتيسر له. يدور الشوارع في الليل والنهار ولا يحصل من يجيبه إلى فاحشة. هل في هذا مدح؟ ليس في ذلك مدح إنما المدح أن تقول هذا عفيف يخاف الله جل وعلا. تصفه بالعفة. هذا حقيقة صفة ثبوتية اتصف بها أما أن تنفى عنه نقيصة. ما سبب النفي؟ هل وجود العفة أو العجز؟ أو عدم الرغبة؟ أو خشية وقع علية؟ أو أو.... (بياض) بأسرها لا يثاب الإنسان (بياض) إلا إذا (بياض) خشية الله وخوفاً منه.

стр. 3776

٣. الحالة الثالثة أن يترك المعاصي عجزاً عنها مع عزمة على فعلها وتعلقه بها ورغيته في عملها لكنها لا يتسر له. فقلنا في هذه الحالة يعاقب عليها كما لو فعلها مع انه لم يفعل. لأنه حال بينه وبين عدم الفعل مانع خارجي عن نفسة ولا يعترض بان الإنسان إذا هم بسيئة فلم يعملها لم تكتب علية ـ كما ثبت في الصحيحين..... وفى رواية إذا لم يعملها كتبت له حسنه (١) لا يعترض بهذا لأن الهم غير العزم لأن ما يقوم في النفس ينقسم إلى خمسة أقسام: وهو الهاجس: الشعور بأمر من الأمور في جانب الخير أو الشر ثم زوال هذا. وأهمك ووقع في قلبك من غير اختيارك وزال عنك من غير اختيارك. فلا ثواب ولا عقاب. سواء كان في الحسنات أو في السيئات والخاطر: أن يبقى ذلك الشعور فترة من الوقت ثم يزول. جاء من غير اختيارك وزال من غير اختيارك فلا ثواب ولا عقاب في الحسنات وفى السيئات.

стр. 3777

حديث النفس: إن تحدث نفسك. هذا فعل اختياري أو جاءك من غير اختيارك؟ اختياري حدثت نفسك فإن حدثت نفسك بحسنة كتبت لك وإن حدثت نفسك بسيئة لم تكتب لأنه ما وصل إلى درجة العزم الأكيد. الهمّ: ترجيح الفعل على الترك. إذا رجح فعلاً حسناً ولم يفعلها كتبت حسنة. وإذا رجح فعل السيئة ولم يفعلها لم تكتب عليه. العزم: وهو التصميم الأكيد على فعل الشيء بحيث لو لم يمنعه مانع خارجي لفعلة. يكتب في الخير وفى الشر. ففي مسند الإمام أحمد والترمذي والمستدرك بسند صحيح عن أبى كبش الأنماري أن النبي ﷺ قال: [هذه الدنيا لأربعة نفر: الأول أعطاه الله علماً ومالاً يعمل في ماله بعلمه فهو في أعلى المنازل وآخر أعطاه الله علماً ولم يعطه مالاً فقال يا ليت لي مثل فلان حتى أعمل بعملة فهما في الأجر سواء، ورجل أعطاه الله مالا ولم يؤته الله علماً فهو يخبط في ماله ولا يتقي فيه ربه فهو في أخبث المنازل ورجل لم يأته الله علما ولا مالاً فقال يا ليت لي مثل فلان حتى أعمل بعملة فهما في الوزر سواء] وهناك أدلة كثيرة من الكتاب والسنة تشير إلى أن الإنسان إذا كان حريصاً على الفعل يكتب هذا الحرص في الخير أو في الشر: [إنه كان حريصاً على قتل صاحبه] (١) .

стр. 3778

((إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَن تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آمَنُوا)) (١) والمحبة عمل قلبي. ما نطقوا بألسنتهم ولا حركوا شفاههم. إنما مجرد ميل قلبي وتعلق بأن يهتك ستر المؤمنين وأن تشاع الفاحشة بينهم وأن يتكلم عليهم في السوء. وإذا سمع فاحشة وتحدث الناس بها يطير فرحاً! هذا الوصف الذي في قلبه ولم يعلم به أحد من خلق الله له عليه هذه العقوبة العظيمة عند الله ((لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ)) (٢) .

стр. 3779

ولذلك إخوتي الكرام: الحدود عندما نقيمها على العصاه نقيمها لا من باب التشفي ومن باب إرواء الغليل ومن باب أننا نفرح بأن هذا أهناه واحتقرناه. لا ثم لا ((وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَائِفَةٌ مِّنَ الْمُؤْمِنِينَ)) (١) لأمرين: ليحصل الإنزجار والاعتبار، وليستغفروا لهذا المحدود الذي أقيم عليه الحد. لا ليشمتوا به. كما ثبت هذا عن نصر بن علقمه. نحضر هذا الزاني عندما نقيم عليه الحد وجلين خائفين مشفقين ثم بعد أن نقيم علية الحد: اللهم اغفر له اللهم تب عليه اللهم اقبله اللهم تجاوز عنه.. أما أن يقام الحد في تصفيق ولغط. نحن أجرمنا أكثر من إجرامه عندما امتهناه واحتقرناه وشمتنا به وبعد ذلك لعل كل واحد منا عنده من الكبر والعجب ما يخلده في نار جهنم. وهو لا يدرى!! وهذا وقع في زلة لا أقول أننا سنعفيه من الحدود الشرعية لكن كما قال الله بلا شماتة وبلا احتقار لهذا الإنسان ولذلك كما قال النبي ﷺ كما في الصحيحين [إذا زنت الأمة فليجلدها الحد ولا يثرب عليها] (٢) لا يقول لها ما تستحي. خبيثة. منحوسة. سوداء الوجه ... من هذا. أحياناً قد يقول ملعونة! أنت عصيت أكثر منها. إذا هي زنت ماذا جرى؟ (بياض) خطأ وقد جعل الله لها مطهراً فتطهرها ثم نقول: اللهم تب عليها. اللهم احفظها في مستقبل حياتها واحفظنا لئلا نقع في مثل ما وقعت فيه. فإذن لا يجوز أن تفرح قلوبنا إذا وقع المسلمون في زلة فإذا وقعوا في زلة نسأل الله لهم أن يلهمهم رشدهم.

стр. 3780

أما أن نشمت وأن نفرح! ((إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَن تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آمَنُوا لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ)) . المبحث السادس أقسام الذنوب (السيئات) إخوتي الكرام: الذنوب التي هي دون الشرك ـ فالشرك تقدم حكمة معنا وقلنا أكبر الكبائر مفرغ منه لا يغفره الله وصاحبه يخلد في نار جهنم ـ تنقسم القسمين: إلى الكبائر: إلى صغائر (١) وهذا هو قول أهل السنة بإتفاق. ودل عليه كلام الله جل وعلا في موضعين. وقررته الأحاديث المتواترة عن نبينا ﵊.

стр. 3781

أما كتاب الله: يقول الله جل وعلا: ((إِن تَجْتَنِبُواْ كَبَآئِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَنُدْخِلْكُم مُّدْخَلاً كَرِيمًا)) (١) والآية نص صريح لا يختلف في فهمها ومدلولها عاقلان إذا كانا ذا رشد وعقل. لان الذنوب تنقسم إلى قسمين وأن السيئات تتنوع إلى نوعين: كبائر وصغائر. هذا بنص القرآن. فإذا اجتنب الإنسان الكبائر ضمن الله له أن يغفر له الصغائر لأن هذه لا يمكن للإنسان إلا أن يلم بها ويقع (٢) فلا تتنزه ولا تعصم نفس بشرية وطبيعية إنسانية من زلل وخطأ لكن إذا كان ضمن الصغائر رحمة الله واسعة. إذن هناك كبائر وهناك سيئات وهى الصغائر التي ليست بكبائر وهذه آية في منتهى الوضوح وتقرر هذا الأمر وتدل علية. والآية الثانية يقول الله جل وعلا ((وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ لِيَجْزِيَ الَّذِينَ أَسَاؤُوا بِمَا عَمِلُوا وَيَجْزِيَ الَّذِينَ أَحْسَنُوا بِالْحُسْنَى. الَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الْإِثْمِ وَالْفَوَاحِشَ إِلَّا اللَّمَمَ إِنَّ رَبَّكَ وَاسِعُ الْمَغْفِرَةِ)) (٣) وقرأ حمزة والكسائى وخلف بالتوحيد)) الَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبِيرٌ الْإِثْمِ وَالْفَوَاحِشَ إِلَّا اللَّمَمَ)) على صيغة الإفراد لا بصيغة الجمع. وبذلك قرأوا أيضاً في سورة الشورى:

стр. 3782

((وَالَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الْإِثْمِ وَالْفَوَاحِشَ وَإِذَا مَا غَضِبُوا هُمْ يَغْفِرُونَ)) (١) قرأوها: ((الَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبِير)) والفارق بين القرائتين: إما أن يكون القراءتان بمعنى واحد. فكبائر الإثم والفواحش الذنوب الكبيرة التي ليست بصغائر أي التي ليست بلمم (٢) والكبير هذا اسم جنس أي الذنب الذي هو ذنب كبير. فيدخل فيه الكبائر بأسرها. وإما أن تقول أن المراد من الكبير (٣) خصوص معصية واحدة وهى رأس المعاصي. وهو المنقول عن ابن عباس ﵄ ((الَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبِيرَ الْإِثْمِ وَالْفَوَاحِشَ)) قال هو الشرك. ثم بعد ذلك قال: ((إِلَّا اللَّمَمَ)) الذنوب الصغائر التي لا تخلو طبيعة بشرية منها. وآية النجم هذه نص صريح أيضاً في أن السيئات تنقسم إلى كبائر وصغائر، لكن حولها شيء من الاختلاف. والخلاف في ((اللَّمَمَ)) باستثناء اللمم من اجتناب كبائر الإثم والفواحش. وحاصل ما قيل في ذلك ثلاثة أقول: ١. أن الاستثناء متصل: والاستثناء المتصل يكون المستثنى من جنس المستثنى منه. وعليه تكون اللمم من الكبائر. فيصبح هنا معنى الآية: ((الَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الْإِثْمِ وَالْفَوَاحِشَ إِلَّا اللَّمَمَ)) ما هي اللمم؟ فسرت الآية بأمرين ـ على أن المراد من الاستثناء أنه متصل ـ فقيل: اللمم كبائر. طيب والمراد منها هنا إذن؟ قالوا هذا يراد منه أمران:

стр. 3783

أ – نقل عن ابن عباس وأبى هريرة وزيد بن ثابت وزيد ابن أسلم وعن حجم كبير من السلف. قال: ((إِلَّا اللَّمَمَ)) أي إلا الكبائر التي كانت منهم في الجاهلية فالله تكرم لعبادة بأنهم إذا تابوا وأنابوا واستقاموا. ما صدر منهم من ضلال في حال جاهليتهم مغفور. فإذا تذكروا لا داعي للحزن. هم يقولون نحن جرى منا كبائر وموبقات ومهلكات. فالاستثناء إذن من جنس المستثنى منه لكن يعود إلى حالة ماضية كانت في الجاهلية. كانوا يلمون بها ويفعلونها وهى الكبائر. تابوا وأنابوا إلى الله فلا يؤاخذون عليها ولا يحاسبون بها كما قال الله جل وعلا ((وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلَا يَزْنُونَ وَمَن يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًا. يُضَاعَفْ لَهُ الْعَذَابُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهَانًا. إِلَّا مَن تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا صَالِحًا فَأُوْلَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَّحِيمًا)) (١) إذن هذه تتحدث عن حالة الناس عندما كانوا في الجاهلية ـ عن ذنوبهم ـ فإذا آمنوا: ((قُل لِلَّذِينَ كَفَرُواْ إِن يَنتَهُواْ يُغَفَرْ لَهُم مَّا قَدْ سَلَفَ)) (٢) .

стр. 3784

ب ـ نقل عن ابن عباس وأبى هريرة وعن مجاهد والحسن وعن جمّ غفير من التابعين أيضأً أن المراد من اللمم هنا الكبائر التي يفعلها الناس بعد إيمانهم وإسلامهم وإنابتهم إلى ربهم لكن لا يواظبون عليها. ولذلك سماها الله لمم وكبيرة جرت منه وأقلع عنها فالله تكرم علية بأنه إذا وقع في شيء من ذلك يغفر له إذا كان مسلكه العام الابتعاد عن الذنوب والآثام ((إِلَّا اللَّمَمَ)) إلا بعض كبائر يقعون فيها فتتفلت نفوسهم ويقع في جريمة من الجرائم من شرب خمر أو غير ذلك. فإذا وقع في هذا. هذا الاجتناب للكبائر الأخرى يزيل عنه هذه الكبيرة وهذا القول فيما يظهر أنه مرجوح وضعيف مع جلالة من قال به من السلف الكرام رضوان الله عليهم. والسبب أنهم جعلوا الاستثناء متصلاً وقالوا إنه يعود إلى الاجتناب ولا يعود إلى أن الاستثناء مستثنى من كبائر الإثم والفواحش. بالتقدير: يجتنبون كبائر الإثم والفواحش لكنهم لا يجتنبون اللمم. ما هي اللمم؟ كبائر لا يواظبون عليها وليست هي ديدنهم وخلقهم، إنما يفعلونها أحياناً ثم يقلعون. يجرى من الإنسان زلة في كبيرة ليس هذا مسلكه. مما أن المسلك العام له اجتناب الكبائر. ٢. أن. ((إِلَّا)) بمعنى الواو. وقالوا: هذا يأتي في اللغة العربية. فيصبح المعنى: الذين يجتنبون كبائر الإثم والفواحش واللمم. يعنى يجتنب جميع الذنوب والموبقات والسيئات كبيرات وصغيرات ليكون من المحسنين. وهذا في الحقيقة فيه بُعد وتكلف.

стр. 3785

٣. والمعنى الحق ـ وهو الثالث ـ وهو الذي علية أهل السنة الكرام في أن الاستثناء هنا استثناء منقطع فهو يتعلق بالمستثنى منه يتعلق بجنسه لا بنفسه ولفظه فالله يقول: الَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الْإِثْمِ وَالْفَوَاحِشَ إِلَّا اللَّمَمَ. الاستثناء من الذنوب العامة على وجه العموم لا من الاجتناب. الذنوب إذن تشمل كبائر وتشمل صغائر. فما عاد الاستثناء إلى الكبائر حتى نقول: إلا أي إلا بعض الكبائر لا. إنما عاد الاستثناء إلى جنس الذنوب وقلنا في حالة الاستثناء المنقطع يعود إلى المستثني منه إلي جنسه لا إلي نفسه ولفظه. هذا كقول الله جل وعلا ((لَا يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْوًا وَلَا تَأْثِيمًا. إِلَّا قِيلًا سَلَامًا سَلَامًا)) (١) السلام ليس من جنس اللغو. لكن اللغو كلام والسلام كلام. فكان الاستثناء المنقطع هنا عاد إلى المستثنى منه. إلى جنسه لا إلى لفظة ولا إلى نفسة فالسلام ليس بلفظ كأنه يقول: لا يسمعون كلاماً إلا سلاماً. لو قال: إلا سلاماً لكان متصلاً. لكن لما قال: لا يسمعون لغواً إلا سلاماً. لا يسمعون لغواً لكن يسمعون سلاماً. كيف حسن استثناء السلام من اللغوا. نقول: منقطع فاستثنى من جنس لا من لفظه ونفسه. وهنا كذلك فاستثنى اللمم من جنس الذنوب لا من كبائر الإثم والفواحش. إذن ((الَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الْإِثْمِ وَالْفَوَاحِشَ إِلَّا اللَّمَمَ)) لكن يغفر لهم ويتجاوز عنهم إذا وقعوا في لمم فلا يضرهم ورحمة الله واسعة. هذا اللمم الذي يغفر لهم وهو استثناء منقطع اختلف فيه أيضاً أهل السنة على قولين (٢) : ١. انه اللمم الذى لا اختيار للإنسان فيه. وفسروه بأمرين أيضاً:
следующие страницы →