وإذا غفر الله صقل القلب وعاد الى حالته. لكن إذا لم يتب وعاد زادت هذه البقعة حتى تعلوا القلب في النهاية وتحبط به وتغطية فيضرب الران بعد ذلك ((كَلَّا بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِم مَّا كَانُوا يَكْسِبُونَ)) .
٢. تقدم معنا أن الصغائر ليس في واحدة منها حد مقدر أما هنا الكبائر فيها حد وعقوبة في العاجلة لكن العقوبة تنقسم إلى قسمين: أما عقوبة مقدرة على بعض الكبائر شرعها الله وبينها لنا رسول الله ﷺ لا يجوز تجاوزها لا زيادة ولا نقصاناً. وإما هناك كبائر شرعها جعلت العقوبة عليها موكولة لولى الأمر بما يردع الناس. فإن الكبائر عليها عقوبات لكن إما من باب الحد المقدر وإما من باب التعزير بخلاف الصغائر.
стр. 3852
ما الضابط للكبيرة التي عليها حد مقدر؟ فالزنا فيه حد مقدر. اللواط فيه حد مقدر. شرب الخمر فيه حد مقدر. السرقة فيها حد مقدر. وهكذا بعض الذنوب. كبائر هذه كلها. أكل الخنزير فيه حد مقدر. كبيرة ليس فيه حد مقدر. أكل الميتة كبيرة ليس فيه حد مقدر. شرب البول كبيرة ليس فيه حد مقدر. التعامل بالربا كبيرة ليس فيه حد مقدر التصوير كبيرة ليس فيه حد مقدر. إذن ما الضابط بين الكبائر التي فيها حد مقدر والكبائر التي ترك الحد فيها لرأى الإمام بما يردع الناس؟ لم فرق الشارع بين الكبائر فرتب على بعضها حداً مقدراً لا بد من تنفيذه وبعضها لم يرتب حداً مقدراً الإمام له أن يعاقب بما يردع الناس وقد يسقط العقوبة عن بعض الناس ويقيله عثرته على ألا يعود؟ قد. لأن عقوبة التعزير لا يلزم الإمام. ولى الأمر. والقاضي بشيء محدد فيها على حسب ما يجتهد في دين الله بما يردع هذا الإنسان لا محاباة. فإذا رأى أنه من ذوى الهيئات ووقع في بليه التصوير في وقت من الأوقات. بكسر آله التصوير ويقول له: استحى من الله ولا داعي لأجعلك نكالاً وأن أقيم لك عقوبة أمام الناس. استحى مثلك ينبغي أن يتنزه عن هذا. فيقول: أخطأت وعثرة لا أعود إليها. أما إذا اطلع على إنسان عنده محل للتصوير والتصوير هذا كسب ويصور أشكال ألوان.. فهذا إذا قبض علية يقول أقلني عثرتي؟ ليس من الحكمة أن يقال. لا بد ألان من الأخذ على يديه بما يردع السفهاء أمثاله وهكذا لو أخذ انساناً يرابى صاحب بنك وقال: أقلني عثرتي أنا ألغى البنك هذا إذا كانت الأحكام شرعية. عمل إنسان مؤسسة لا أقول علنيه خفية. أما علنية الذي يرخص في بنك فهو كافر فكيف بمن يحمى البنوك الربوية ((وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ اللهُ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ)) (١) لا يوجد ترخيص لا لبنك ولا لخمارة ولا لسينما ولا لشيء من هذا.
стр. 3853
إنما لو قدر في الدولة الإسلامية أن إنساناً تعامل بالربا عن طريق التعامل الخاص. طالب علم أطغاه الشيطان. قال الإنسان أقرضك مائه على أن تردها لي مائه وخمسين. وعلم ولي الأمر وقال تعال: أنت تتعامل بالربا! ما تستحي من الله؟ يقول: أنا أخطأت وإن شاء الله لا أعود وإقالة ذوى الهيئات عثراتهم مقبولة. إذا عفوت عنى أعاهد الله على أنني لا أعود إلى الربا بعد ذلك فقد يلقى في روع ولى الأمر أن يعفو عنه فلا حرج لأن هذه عقوبة ليست مقدرة. بخلاف السرقة لو سرق شيخ الإسلام وثبتت السرقة ليس لولى الأمر أن يعفو عنه. لا بد من قطع اليد. أما ما لا حد فيه مقدور موكول لولي الأمر بشرط ألا يحصل فيه محاباة؟ والله سيحاسبه هل فعل هذا من اجل ان هذا حقيقه بتعنيف يرتدع! أو فعل هذا من أجل محباه؟ الله سيحاسبه على أحكامه التي يحكم بها. إذن بعض الذنوب الكبائر فيها حدود مقدرة وبعض الذنوب الكبائر ليس فيها حدود مقدرة ما الضابط في هذا؟.
стр. 3854
قال الإمام ابن تيمية (١) قاعدة الشريعة المطهرة في المحرمات أن ما تشتهه النفوس من المحرمات جعل فيه حداً مقدراً ليكون مع الزاجر الشرعي زاجر طبيعي. وهو العقوبة. الزاجر الشرعي: المؤمن عنده زاجر شرعي عندما يريد أن يزني وعندما يريد أن يسرق وهو خشية الله والخوف منه ونظر الله إليه ثم جهنم في الآخرة. هذا زاجر شرعي. لكن أحياناً قد تكون مقتضيات ومتطلبات هذه الجريمة قوية في نفسه وما عنده إيمان عظيم يزم نفسه بزمام التقوى والخشية من الله: يقول أزني ثم أتوب ورحمة الله واسعة. أسرق ثم أتوب. فشرع إذن عقوبة عاجله من أجل أن يستحضر الأمرين. أولاً زاجر شرعي وهو أن هذا حرام وهذا أعظم زاجر عند المؤمن لأن الذي يزجره في الأصل هو خشية الله لا الأحكام العاجلة كل واحد يمكن أن يتفلت من الأحكام الظاهرة وأن يخدع الحكام لكن هل يخدع من لا تخفى عليه خافيه في الأرض ولا في السماء؟!
стр. 3855
قد إنسان أمام الناس لا يفطر في رمضان لكن من الذي يطلع على سره هل مفطر حقيقة أم لا؟ لا يعلم هذا إلا من يعلم السر وأخفى فالأصل في الزاجر عند الإنسان المؤمن: [ورجل دعته امرأة ذات منصب وجمال فقال: إني أخاف الله] (١) لا أخاف سلطاناً ولا أخاف بطشاً. وقد يكون في دول إباحية تكافىء على الزنا، تعطى جوائز. [أخاف الله] هذا حرام. هذا الزاجر الشرعي. قد يخبو وقد يقل هذا الزاجر في نفوس بعض الناس فلا بد من زاجر طبيعي وهو أن يقول: إذا زنيت مائة جلدة. وننفيك سنة وهذه بهدلة ما بعدها بهدلة. فيقول: يعنى لو لم يكن هناك حد مقدر كان ممكن أقع. لا من باب التهاون بحق الله والاجتراء عليه والاستخفاف به. لا من باب أن الله حليم ورحيم وأتوب إليه. ورحمة الله واسعة كما قال إخوة يوسف: ((اقْتُلُواْ يُوسُفَ أَوِ اطْرَحُوهُ أَرْضًا يَخْلُ لَكُمْ وَجْهُ أَبِيكُمْ وَتَكُونُواْ مِن بَعْدِهِ قَوْمًا صَالِحِينَ)) (٢) تتوبون إلى الله عزموا على التوبة قيل الذنب. والمسألة سهلة نقتله ثم نتوب. ((وَتَكُونُواْ مِن بَعْدِهِ قَوْمًا صَالِحِينَ)) وهذا المؤمن ما يعصى إستخفافً بحق الله. لا يتصور هذا أبداً ولو فعل هذا لكفر. إنما أحياناً تأتى المثبطات والإغراءات الشيطان: الله حليم. ورحيم وهو غفور ورحمته واسعة. ولا تضره معصيتك ... فيفتح له باب الردى حتى يقع.
стр. 3856
فبعد ذلك المؤمن يتذكر ويعود لكن عندما يكون هناك زاجر طبيعي مع الزاجر الشرعي يقول الإنسان لنفسه: هب أنني فعلت وأردتة أن أتوب لكن إذا أطلع على كيف سأتخلص من عقوبة الدنيا؟ فإذن أنا من الحكمة أن ابتعد. هنا زاجر شرعي وزاجر طبيعي يتألم منه الإنسان ولذلك قال الله ((وَلَا تَأْخُذْكُم بِهِمَا رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللَّهِ إِن كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَائِفَةٌ مِّنَ الْمُؤْمِنِينَ)) (١) وما ذكر الله حداً! من الحدود وقال: لا تأخذكم بهما. بأصحابه رأفة إلا في حد الزنا بين المتحابين. هذا في الغالب. فيقول: هذه عشيقتي محبوبتى ووقع منها برضاها. يعنى نقيم عليها حداً! يكفى أننا نعنفها ونوبخها وكل واحد يتوب بينه وبين ربه. فالنفوس أحياناً قد تتساهل في تنفيذ هذا الحد. لو جئت بالقاتل تقول: هل هناك مجال تعفون يا عباد الله أو تتجاوزون عن القاتل وترون ألا نقيم هذا الحد؟ يقولون: لا. لا تصلح الحياة إلا بالقصاص. لا مجال للعفو. والسرقة: تريدون ألا نقطع اليد؟ يقولون: أموالنا لا يصبح أمان عليها. أما الزنا يقولون: في الأصل نساءنا مستورات إذا واحدة رضيت وذاك رضي يعنى في مجال لان يحصل حكم وصفح وعفو وستر وما شاكل هذا.
ولذلك في هذه الجريمة على وجه الخصوص قال الله ((وَلَا تَأْخُذْكُم بِهِمَا رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللَّهِ إِن كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَائِفَةٌ مِّنَ الْمُؤْمِنِينَ))
стр. 3857
ليحصل الاعتبار والانزجار ولندعوا لهذا المحدود بعد أن يقام عليه الحد: اللهم اغفر له وارحمه. فهو أخ لنا ما خرج من حظيرة الإيمان مهما جرى منه من معاصي وذنوب. وكل بنى آدم خطاء. إذن بعض الذنوب فيها زاجر طبيعي مع الزاجر الشرعي. وبعض الذنوب اكتفى الشارع فيها بالزاجر الشرعي لأنه لا يوجد ميل من الطبيعة إليها. فما تشتهيه النفوس جعل فيه زاجر شرعي وطبيعي.
الخمر تشتهيها النفوس أم لا؟ الميتة تشتهيها النفوس؟ ما تشتهيها. كلب تشتهيه النفوس؟ نقول لإنسان كل لحم الكلب. يقول: لا آكله. نقول له: يعنى تتوب. يقول لو كان حلالً ما أكلته. ليس هو موضوع توبه. لا أريد أن أكله. فإذن هنا يختلف الأمر عن الخمر. فالخمر تشتهيها النفوس وتتعلق بها فقد يخفت الإيمان ويضعف في قلب المؤمنين فيشربونها.
فلابد من زاجر طبيعي وهو جلد ثمانين جلدة أو أربعين جلدة لينزجر. وهكذا الزنا فيه كما قلنا دافع طبيعي لكل من الصنفين. فلا بد من حد. أما أكل لحم الخنزير ولحم الكلب. وما شاكل هذا. فلا بوجد اشتهاء طبيعي. النفوس لا تميل إليها. فاقتصر الشارع على الزاجر الشرعي: هذا حرام. حرام انتهى هو نفسه لا تميل إليه بخلاف ذاك.
стр. 3858
ولذلك إخوتي الكرام: الحشيش والأفيون والمخدرات هل تشتهيها النفوس أم لا؟ المعتمد كما حقق الإمام ابن تيمية وهو عند هذا المبحث في الفتاوى عندما ذكر هذا الضابط الكبيرة التي لها حد والكبيرة التي ليس لها حد يقول: الحشيش والأفيون ـ المخدرات ـ هذه تشتهيها النفوس فحكمها حكم الخمر. الخمر حكمها حكم البول في النجاسة. وهذه حكمها حكم العذرة في النجاسة. ولذلك إذا حملت قطعة حشيش أو أفيون كما لو حملت عذره. إذن لو حملت خمراً كما لو حملت بولاً. هذا نجس وهذا نجس. وفى كل منهما الحد. وعند كلام هذا العبد الصالح أريد أن أشير إلى سفاهة أهل الأرض قاطبة في هذه الأيام. كيف اجتمعوا ـ ولا بارك الله جمعهم المنكر ـ على تحريم المخدرات من حشيش وأفيون وكيف أجمعوا على استحلال المسكرات؟ أنا أريد أن اعلم فقط. حقيقة عندما أفكر في هذه القضية يكاد الإنسان أن يذهل؟ ! جهود جبارة حتى في أمريكا ـ عليهم غضب الله ـ تبحث من أجل معالجة المخدرات وعقوبة المخدرين، ووصلت العقوبة في كثير من البلدان إلى الإعدام. طيب والخمارات؟ هذه تقدم في ثكنات الجيش. وهى في بيوت الأمراء والوزراء والملوك والرؤساء. وأما الخمارات بعد ذلك في البلدان لعلها تزيد على عدد البقالات! وفى بعضة البلدان لا يوجد بقاله إلا وفيها خمر. والناس لا يشربونه لكن مرطبات. لا يقول أعطني زجاجة بيرة أو زجاجة خمر. لكن: مثلجات! من أجل أن ينعش بدنه بالرطوبة والبرودة. سبحان الله العظيم! كيف استحلال للخمور التي هي أم الخبائث وتحريمها قطعي في كتاب الله ومن استحلها فهو كافر. ثم تحريم مشدد للمخدرات من حشيش وأفيون أو غير ذلك من المخدرات الأخرى؟؟. أنا أعجب غاية العجب لسفاهة الناس كل من الأمرين مزيل للعقول، ويخرج الإنسان عن رشدة ووعية ويجعلة يتصرف بغير وعى وإدراك. نعم اثر الخمر ـ كما قال أئمتنا ـ يختلف عن أثر الحشيش. هذا في حق الفاعل والأمة فقط. أما التحريم واحد.
стр. 3859
الخمر من شربه يكتسب نخوة وحمية وشجاعة وغيرة، أي هذه تصبح فيه. ولذلك السكير عندما يسكر تراه يحمل السكين وأنا أبو فلان وأنا أبو فلان..! وهو؟ أشد الناس غيرة على عرضة. أما الحشيش بالعكس. شاربها يصاب بنذالة وخنوع وذل في نفسه. لكن الأمة منه في سلامة إذن ضرر الخمر على الأمة أعظم من ضررها على الشارب وضرر الحشيش والأفيون على الشارب أعظم من ضرره على الأمة بكثير. لا ذاك إذا سكر لا يوجد مُخَدَّر على وجه الأرض يحمل سكينا ويخرج إلى الشارع ولذلك إذا شرب المخدر وصببت بجواره قطرة ماء يظنها المحيط الهادي سيلقى فيه ويغرق. ويصيح ويبكى. أما ذاك السكير تراه بمجرد ما يسكر يخرج إلى الشارع وقطع الطريق ويضرب المارة الذاهبين والآيبين. فذاك يصول ويجول وهذا عنده خنوع وذل وامتهان.
стр. 3860
ولذلك أنظر للمحشش ترى عليه أثر الذل وكأن أذناه مائلتان. كأذني الحمار. مهتل ومتمسكن وماشى؟. لأنه يفقده الغيرة فضرة في بيته. فلو اى زوجته يزنى بها لأعرض بوجهه عنها ولما قال لها ماذا تفعلين. بخلاف السكير. السكير من الذي يستطيع أن يمشى بجوار بيته ويتسمع إلى نافذة من النوافذ؟ فذاك ضرره على الأمة أشد يكون عليهم. لكن في حق نفسه ما حصل هذا الضرر من فقدان الغيرة والنخوة والمروءة. المخدرات ضررها على الشارب والمتعاطي أكثر من الضرر على الأمة لكن في كل منهما ضرر. وكل منهما محرم. وكل منهما تشتهية النفوس وكل منهما فيه الحد فكيف هذا يقال له نخب (بياض) ويقدم في حفلات الجيش سبيل! طلباً للثواب عند الشيطان! بلا ثمن والأعراس ألان لا تقام أعراس المسلمين إلا بخمور. وأما المخدرات هذه محظورة؟ نعم محظورة لكن يا إخوان القردة والخنازير تؤمنون ببعض الكتاب وتكفرون ببعض!!؟ الذي حرمة الله نصاً صريحاً جلياً في كتابنا استحللتموه أو ذاك ألحق به ولما بحثنا في وصفه قلنا: يأخذ حكم الخمر منعتموه! ما هذا العقل وما هذه السفاهة التي تتلبسون بها؟ وإذا كان الكفار عندهم هذا التناقض فلا عجب فأمة غضب الله عليها وقال فيهم: ((وَمَنْ أَعْرَضَ عَن ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكًا)) (١) لكن نحن نعجب لأنفسنا كيف نجرى وراءهم فنحل الخمر الذي حرمة الله ثم نصد أعظم وأشنع العقوبات في حق من تعاطى المخدرات؟ وواقع الأمر بعد ذلك: عتاة الأمة والجبابرة يتعاطون الأمرين المسكر والمخدر ثم بعد ذلك المخدر يمنع منه المساكين. وأما الخمر فهذا مبذول للجميع. وصار الأمر في بعض البلاد يكتب نشرة لمن يريد أن يدخلها: يسمح بإدخال لترين من المشروبات الروحية. صار الخمر مشروباً روحياً؟ ! الخمر مشروباً روحياً! ولو وجدوا معه قطعة حشيش لصلبوه. أسال الله أن يصلبهم في الدنيا والآخرة. كيف تحلون ما حرم الله وتعطون نشرة: يسمح بإدخال لترين.
стр. 3861
ثلاثة ممنوع حتى تشترى منة هناك وينتفعون منك. لانك قدمت للسياحة إما تدخل ثلاث لترات وتقيم ثلاث ليال كل ليله تشرب لتراً. إذن ماذا استافدوا منك؟ سيبعون زجاجة الخمر بمائة درهم لا بد من أن تحضر لترين فقط ولترين هذا مسموح به رسمياً!!
فإذن قاعدة الشريعة في الكبائر التي فيها حد مقدر والتي ليس فيها حد مقدر: أن ما تشتهيه النفوس فيه عقوبة مقدرة وما لا تشتهيه النفوس اكتفى الشارع فيه بالزاجر الشارع وما جعل معه زاجرً طبيعياً.
٣. الأمر الثالث (١) يزول عن فاعلة الكبيرة اسم الإيمان المطلق ولا يزول عنه مطلق الإيمان. فلا تقول لفاعل الكبيرة مؤمن مطلقاً لكن لا نخرجه مع ذلك من الإيمان نقول: مؤمن. مقيد: مؤمن عاصي. مؤمن فاسق. مؤمن مسرف. مؤمن متجاوز لجدود الله لا نكفره ـ انتبه! ـ لكن لا نطلق عليه الاسم الكامل لأن هذا لا يحصل ولا يطلق إلا على من فعل الواجبات وترك المحرمات ((إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَاناً وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ. الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاَةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ. أُوْلَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقّاً)) (٢) أما مؤمن كذاب تقول عنه: هذا مؤمن؟ لا تقول هذا مؤمن كذاب. مؤمن عاصي. مؤمن فاسق. قيد بقيد لتبين أن إيمانه ليس على وجه التمام والكمال.
إخوتي الكرام:
стр. 3862
الكبائر تزيل الإيمان المطلق عن مرتكبها ولا تزيل عنه مطلق الإيمان بخلاف الصغائر فقلنا لا تزيل عنه الإيمان المطلق فمن فعل صغيرة يطلق عليه لفظ الإيمان بلا قيد ولا يخرج عنه رتبه الصلاح والاستقامة [إن تغفر اللهم تغفر جماً وأي عبد لك لا ألما] (١) والله وعدنا أننا إذا اجتنبا الكبائر أن يغفر لنا الصغائر ((إِن تَجْتَنِبُواْ كَبَآئِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَنُدْخِلْكُم مُّدْخَلاً كَرِيمًا)) (٢) .
فمن ارتكب صغيرة لا يزول عنه الاسم المطلق للإيمان فيقال له: مؤمن. بلا قيد. وأما من فعل كبيرة فقد زال عنه الاسم المطلق لكن ما خرج من مطلق الإيمان. الاسم المطلق هنا لا ينصرف ولا يطلق إلا علي من قام بمقتضيات الإيمان من الإقرار والاعتقاد والعمل فلم يخرم ذلك بتضييع مأمور ولا يفعل محظور ـ أي من الكبائر ـ فإذا فعل شيئاً من ذلك زال عنه الاسم المطلق ولا يجوز أن تقول عنه إنه مؤمن إلا بقيد. مؤمن عاص مؤمن فاسق. مؤمن مسرف مؤمن ظالم. مؤمن متجاوز لحدود الله مفرط. هل خرج من مطلق الإيمان وما بقى معه شيء منه بحيث دخل في حظيرة الكفران واستوجب الخلود في النيران؟ لا. مطلق الإيمان ـ كما قلنا ـ بقي معه لكن الاسم المطلق زال عنه. وبذلك قال أهل السنه الكرام: لا يطلق عليه إسم مؤمن مطلقاً إلا بقيد ولك أن تنفى الإيمان عنه على إعتبارات سنذكرها عندما تريد نفى الإيمان الكامل ولك أن تصفه بالكفر لا الكفر الذي يعنى به الخروج من الملة الذي يستوجب فاعلة الخلود في النار. إنما يقصد به الكفر العملي الذي هو كفر دون كفر. فإذن لفظ الإيمان لا يطلق عليه إلا بقيد ولك أن تنفى الإيمان عنه ولك أن تصفه بالكفر على مراعاة على انه كفر دون كفر النعمة لا كفر المنعم والجحود.
стр. 3863
إخوتي الكرام: وقد وردت النصوص عن نبينا ﵊ بهذه الأمور ودارت حول خمسة أوصاف وصفت بها فاعل الكبيرة. فلنذكر هذه الآثار ولنبين موقف أهل السنة الإبرار نحوها كما ذكرت علم التفضل المتقدم لنرى أن أهل السنه هم الذين آمنوا بنصوص الشرع كلها ولم يؤمنوا ببعض الكتاب ويكفروا ببعض كما هو حال أهل البدع أهل الغلو المتشردين المتطرفين المنحرفين فى الزمن القديم وفى الزمن الحديث.
وفي الزمن القديم وجد الخوارج والمعتزلة الذين كفروا صاحب الكبيرة وقالوا: خرج من الإيمان واستحق الخلود في النيران ووجد المعتزلة. قالوا: خرج من الإيمان واستحق الخلود في النيران وإن لم يطلقوا عليه لفظ الكفر كالخوارج وقالوا هو في منزلة بين منزلتين ـ كما سيأتينا ـ وهكذا في هذا الزمن وحد من يكفر العصاة لا سيما وللخوارج امتداد موجود في هذا الوقت وهم الاباضيه وهكذا من يستقى من ضرعهم الآسن يكفرون أهل المعاصي ويستدلون بعمومات صدرت عن نبينا علية الصلاة والسلام. لكن لا بد من الإيمان لجميع ما صدر عنه لئلا نؤمن ببعض نصون الشرع ونكفر ببعض نصوص الشرع:.
الصفة الأولى: أخبر النبي ﷺ أن المعاصي الكبيرة والآثام العظيمة تعتبر كفراً. ومن فعلها أطلق عليه النبي ﷺ لفظ الكفر. لكن ماذا يراد منه ـ كما تقدم معنا ـ الكفر الذي هو كفر النعمة لا كفر المنعم. كفر العمل لا كفر الجحود الذي هو كفر دون كفر، كما سيأتينا إن شاء الله بعد سرد هذه النصوص ـ فمن هذه الأحاديث.
стр. 3864
ما ثبت في مسند الإمام احمد وصحيح مسلم عن أبي هريرة ﵃ أجمعين أن النبي ﷺ قال [اثنتان في الناس هما بهم كفر: الطعن في الأنساب والنياحة على الميت] فأطلق النبي ﷺ على هاتين المعصيتين الكبيرتين لفظ الكفر. الطعن في النسب. أن تطعن في نسب غيرك. والنياحة على الميت. وكل من هاتين المعصيتين من المعاصي الكبيرة والذنوب العظيمة. فأطلق النبي ﷺ عليهما لفظ الكفر.
وفى مسند الإمام أحمد والكتب الستة عن ابن عمر ﵄ أن النبي ﷺ قال في حجة الوداع: [لا ترجعوا بعدي كفاراً يضرب بعضكم رقاب بعض] فاعبر النبي ﷺ قتل المؤمن وضرب رقبته طفرا.
وثبت في مسند الإمام أحمد والكتب الستة باستثناء سنن أبي داود عن عبد الله بن مسعود ﵁ أن النبي ﷺ قال: [سباب المسلم فسوق وقتاله كفر] هذه الصفه الأولى لفاعل الكبيرة أطلقت من نبينا ﷺ بأنه كافر |. وكما تقدم معنا عند أهل السنة يجوز أن نطلق عليه لفظ الكفر إذا قصدنا الكفر الذي هو دون كفر أي كفر النعمة لا كفر المنعم سيأتينا ما الذي جّرنا إلى هذا التأويل والى حمل حديت نبينا ﷺ الجليل على هذا المعني عندما ما يعارضه فلا بد من الجميع لئلا نؤمن ببعض الكتاب ونكفر ببعض فنحن نؤمن بالكتاب كله. وعندما نتعارض الأحاديث في الظاهر لا بد من الجمع بينها. على حسب ما أرشد نبينا ﵊.
الصفة الثانية:
стр. 3865
نفى نبينا علية الصلاة والسلام الإيمان عن مرتكب الكبيرة. ففي مسند الإمام أحمد والكتب الستة عن أبى هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: [لا يزنى الزاني حين يزنى وهو مؤمن ولا يسرق السارق حين يسرق وهو مؤمن ولا يشرب الخمر حين يشربها وهو مؤمن ولا ينهب نهبة ذات شرف يرفع الناس إليه فيها أبصارهم وهو مؤمن] إذن من صدر منه واحد من هذه الأمور نفى نبينا ﷺ عنه الإيمان السرقة والانتهاب وشرب الخمر والزنا. ويلحق بذلك سائر الكبائر.
стр. 3866
وثبت في الصحيحين من حديث أبى هريرة ﵁ والحديث رواه البخاري أيضاً حديث أبي شريح العدوى ﵃ أجمعين أن النبي ﷺ قال: [والله لا يؤمن والله لا يؤمن والله لا يؤمن. قالوا: من يا رسول الله ـ ﷺ ـ؟ قال: الذي لا يأمن جاره بوائقه] يعنى غوائله وشروره وفتنته وضره وبلاياه. فلا يأمن من جاره. لا يأمنه على عرضه ولا على ماله إن غاب وإذا قابله يحترس منه لئلا يحدث له مشكله. فنفى النبي ﷺ الإيمان عمن يؤدي جيرانه وقد ورد مثل هذه شيء كثير. منه ما فى المستدرك والصحيحين أيضاً من حديث أنس ﵃ أن النبي ﷺ قال: [لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه] جاء المتشددون المنحرفون في هذا العصر فقالوا: مفهوم الحديث أن الإنسان لم يتصف بها ليس معه ذرة إيمان. إذن ليس بمؤمن! هي أحكام شرعية أو أوامر عسكرية؟ من الذي أخبركم بهذا؟ ! [لا يؤمن أحكم] نفي عنه الأيمان الكامل وليس معنى هذا لأنه خرج من حظيرة الإيمان فمن آذى مؤمناً حتما استحق لعنه الله لكن هل كفر؟ هل يخلد في النار؟ لا ثم لا. الله يقول عن هذا فى كتابه ((وَإِن طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِن بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ فَإِن فَاءتْ فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِ وَأَقْسِطُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ.
стр. 3867
إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ)) (١) وقال في حق القاتل ((فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ وَأَدَاء إِلَيْهِ بِإِحْسَانٍ ذَلِكَ تَخْفِيفٌ مِّن رَّبِّكُمْ وَرَحْمَةٌ)) (٢) مع انه قاتل: إذن أخ ما خرج من حظيرة الإيمان لكنه عصى الرحمن واستحق سخطه واستوجب النار التي لا يخلد فيها. إن عذبه الله فإذن ليس معنى لا يؤمن كما يقول المنحرفون في هذا الوقت. بقولون: معناه ما عنده ذرة إيمان ويرتبون بعد ذلك أحكام الكفر على البشرية جميعاً في هذه الأيام وهذا شطط ما بعده شطط. اتقوا الله في أنفسكم وفى أمة نبينا محمد ﵊. وحذار وحذار أن يسير الإنسان في الأحكام الشرعية نحو عواطفه وميوله وهواه فيضل أكثر مما يصلح. وكل أمر وكل حكم من أحكام الشرع للشيطان فيه نزعتان لا يبالى الشيطان بأيهما وقعت إما غلو وإما تقصير إفراط أو تفريط ثم يجعلك تتشدد وتكفر الناس. وأما يجعلك أيضا يتبلد شعورك فتقول: المعصية لا تضر والناس لا داعي أن ننكر عليهم رحمة اله واسعة دعوهم يسرقون ويزنون ويشربون الخمر ورحمة الله واسعة. هذا ضلال وهذا ضلال ((وَزِنُوا بِالْقِسْطَاسِ الْمُسْتَقِيمِ)) .
إذن الصفه الثانية التي أطلقها نبينا ﷺ على فاعل الكبيرة ففي الإيمان عنه ونحن لا زلنا نتحدث عن أحكام الآخرة وسيأتينا ما أخبر نبينا ﷺ عن فاعل الكبيرة.
стр. 3868
الصفة الثالثة: أخبر نبينا علية الصلاة والسلام أن من فعل كبيرة واتصف بموبقة فهو جاهل ولا يعنى أنه خرج من الدين الإسلامي إنما ارتكب خصلة من خصال الجاهلية وهذا هو الذي قلنا كفر دون كفر. كفر جحود؟ لا ليس كفر الجحود والذي يخرج من الملة. إنما وافقة الكفار في هذه الخصلة وقلبه ممتليء إيماناً. وقد ثبت في المسند والصحيحين وسنن أبي داود والترمذي عن أبي ذر ﵁ قال: ساببت رجلاً ـ وهو بلال ﵃ أجمعين ـ فعيرته بأمة. قلت له: يا ابن السوداء فقال النبي ﷺ [أعيرته بأمه؟ إنك امرؤ فيك جاهلية] هذا قيل لمن؟ لأبي ذر وقد قال نبينا ﷺ كما في مسند الإمام احمد وسنن الترمذي وغيرها بسند صحيح كشمس [أصدق أمتي لهجة أبو ذر. ما أظلت الغبراء ولا أقلت الخضراء على ذي لهجة أصدق من أبي ذر. أشبه عيسي بن مريم في زهده وورعه. فقال عمر بن الخطاب: أنعرف ذلك له يا رسول الله. قال نعم. تعفوا له ذلك] هو أصدق هذه الأمة لهجة. لكن عندما زل، وعندما أخطأ لا بد من أن نزن بالقسطاس المستقيم وأن نخبره بأنه في هذا الوقت هو جاهلي. ليس معناه كأبي جهل. ومعه في دار الجحيم. وإذا كان أبو ذر في هذه الخصلة كفر واستوجب النار فمن الذي سيدخل الجنة بعد ذلك من الخليقة؟ مَنْ؟ إنك فيك جاهلية.
стр. 3869
فما كان من أبي ذر إلا أن وضع خده على الأرض وقال: والله لا أرفعه حتى بطأ بلال خدي بقدمه هذا الذي يتكبر على الناس لا بد من علاج نفسه بشيء شرعي ولا مانع بل هذا محمود ومطلوب أن يؤدب الإنسان نفسه إذا خرجت عن شريعة الله بشيء شرعي. أما بشيء غير شرعي فلا يجوز. فلو قدّر انه نظر إلى امرأة بشهوة لا يجوز أن يقلع عينه. ولو قلع عيناه فهو آثم يجوز أن يقول: يا نفس أنت تنظرين لأمنعنك طعام الغداء والعشاء. هذا لا حرج لأجل أن يضعف الشهوة في نفسه. يا نفس أنت تنظرين ثلاثة؟ أيام صيام متتابعة. وقد كان عبد الله بن وهب شيخ الإسلام في زمنه يقول. عاهدت ربى أنني كلما اغتبت أحداً صمت يوماً فما إنكفت نفسي عن الغيبة. فقلت كلما أغتاب رجلاً ـ أحداً ـ أتصدق بدرهم فامتنعت نفسي عن الغيبة لحب الدراهم. هذا علاج شرعي لا حرج فيه وهذا حقيقة علاج شرعي فوضع خده على الأرض وقال يأتي هذا العبد الأسود يطأ خدي بقدمه لأجل أن تقف النفس عند حدها:
الناس من جهة التمثيل أكفاء ... أبوهم آدم والأم حواء
فإن يكن لهم في أصل عنصرهم ... شيء يفاخرون به فالطين والماء
ما الفخر إلا لأهل العلم إنهم ... على الهدي لمن استهدى أولآء
وقدر كل امريء ما كان يحسنه ... والجاهلون للأهل أعداء
ففز بعلم تعش حيا به أبداً ... الناس موتى وأهل العلم أحياء
الكلام ينسب للإمام علي ﵁ وعن سائر الصحابة الكرام. وقوله: وقدر كل أمريء ما كان يحسنه، حقيقة هذا من أجمل كلام قيل ومن أحسن الحكم. وقدر كل أمريء ما كان يحسنه. لا علاقة لنسبه ولا للونه ولا بشكله ولا بطوله ولا لعرضه ولا لاعتبار من الاعتبارات العرفية ((إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ)) (١) على حسب إحسانه يستحق جزاءً وثناءً ومدحاً ورفعة في الدنيا وفى الآخرة لا لشيء آخر
إذن الشاهد إخوتي الكرام وصف بجاهلية من فعل كبيرة واتصف بأمر محظور.
стр. 3870
الصفة الرابعة: التي أطلقها نبينا ﷺ على من يفعل الكبائر ويقتحم الموبقات: النفاق. ففي مسند الإمام أحمد والصحيحين من حديث أبى هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: [آية المنافق ثلاث إذا حدث كذب وإذا وعد أخلف وإذا ائتمن خان] فهو منافق فحذار حذار ان تأتي وتقول والله يقول: ((إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ وَلَن تَجِدَ لَهُمْ نَصِيرًا)) (١) لا هذا نفاق عملي ـ كما سيأتينا، ليس بنفاق إعتقادى. لكن أطلق عليه هذه الوصف إذا كذب إياك أن تقول له إنه مؤمن مطلقاً. لا يستحق هذا الاسم ألا من قام بالواجبات وترك المحرمات قل. مؤمن منافق. أيّ نفاق النفاق العملي. أي مؤمن مرتكب للكبيرة. أي مؤمن فاسق. أي مؤمن ظالم. مؤمن عاصي. وما شاكل هذا.
стр. 3871
الصفة الخامسة: الوصف الخامس الذي أطلقة نبينا ﷺ على فاعل الكبيرة. أخرجه من الإسلام وقال هذا ليس من المسلمين. ليس من جماعة المسلين. ففي مسند الإمام احمد والصحيحين من حديث أبن مسعود ﵁ أن النبي ﷺ قال: [ليس منا من لطم الخدود وشق الجيوب ودعا بدعوة الجاهلية] . إمراة مات زوجها أو أخوها فلطمت خدها. وهكذا الرجل أيضاً. إذا فعل. ليس منا من لطم الخدود وشق الجيوب. وهي فتحة للثوب. القميص. التي تكون في الصدر. هذا هو الجيب في اللغة. الفتحة التي يدخل فيها الإنسان رأسه أو رقبته يقال له جيب من الجبّ وهو القطع لكن الجيب في جيب الأصل ـ فتحة القميص التي في الصدر. فتشق الجيوب كما تفعل المرأة عندما تأخذة ثيابها وتمرطها من صدرها. ودعا بدعوى الجاهلية: يا فلان من يعيننا بعدك ومَنْ ومَنْ. وبين هذا الكلام. وبدأ ينتسب إلى الجاهلية ويتفاخر أيضاً بخصالها الذميمة. ثبت في مسند الإمام أحمد والمستدرك والسنن عن عدة من الصحابة الكرام رضوان الله عليهم أجمعين أن النبي ﷺ قال: [ليس منا من لم يرحم صغيرنا ويوقر كبيرنا ويعرف لعالمنا حقه] . ليس منا. منافق جاهلي. كافر. ليس بمؤمن. هذه خمسة أوصاف نفى عنه الإيمان. وصف الكفران. وصف بالجاهلية. وصف بالنفاق. وأخرج من عداد المسلمين. ليس منا هذا من أوصاف الملل الأخرى. لا أن من فعل هذا صار منة الكفار ومن ملتهم. هذه الأحاديث الخمسة أخوتي الكرام موقف أهل السنة نحو هذه الأوصاف ما تقدم معنا قالوا: زال عنه الاسم المطلق وبقى معه مطلق الإيمان. ليس الإيمان المطلق. مطلق الإيمان. أي ما خرج منه على وجه التمام. فلا ننفى عنه كل الإيمان. إنما نصفه بأنه مؤمن بقيد. ويجوز أن ننفى عنه الإيمان كما نفى فى النصوص الشرعية على مراعاة نفى الكمال والتمام. وزوال بعض أركانه الواجبة. لا ذهابه أصلاً.
стр. 3872
ويجوز أن نطلق عليه لفظ الكفر على أننا نريد كفر النعمة، وشابه الكفار. لا أنه خرج من حظيرة الإيمان. هكذا فيما يتعلق بالجاهلية والجاهلية.
قال أئمتنا الكرام: هذه الأحاديث وما شاكلها محمولة على واحدة من أمور خمسة:
أولها: من فعل كبيرة فيه خصلة منة خصال الجاهلية. فيه خصلة من خصال الكافرين فيه خصلة من خصال المنافقين فيه خصلة من خصال من ليس بمسلم ولا مؤمن. من خصال الملل الأخرى. ليس منا فيه خصلة واحدة. أي في هذه الخصلة هو مشابه للكفار. للمنافقين. للجاهلية. لأهل الملل الدريّة. لا يعنى أنه يشابههم من جميع الوجوه وله حكمهم. إنما شابههم في خصلة واحدة. ما الدليل؟ الدليل على هذا الكلام كلام النبي ﷺ ثبت في المسند والصحيحين من حديث عبد الله بن عمرو ﵄ أن النبي ﷺ قال: [أربع من كن فيه كان منافقاً خالصاً. ومن كانت فيه خصلة منهن كانت فيه خصلة من النفاق حتى يدعها. من إذا ائتمن خان. ومن إذا حدث كذب. ومن إذا خاصم فجر، ومن إذا عاهد غدر] فعندما يوجد فيه خصلة إذن شابه المنافقين في هذه الخصلة. وفيه خصلة من خصال النفاق وما اجتمع فيه نفاق كامل. هذا كلام النبي ﷺ .
إذن نقول: [لا يزنى الزاني حين يزنى وهو مؤمن] هو في هذه الخصلة ليس من خصال المؤمنين أي: الزنا ليس من خصال المؤمنين [كفر بالله من اتقى من نسب] في هذه الخصلة شابة الكفار. في هذه الخصلة [قتال المسلم كفر وسبابة فسوق] . في هذه الخصلة شابه الكفار. لأن الكافر لا ينزجر عن قتل المؤمن. فهذا عندما يقتل مؤمناً شابهه وشاركه في هذه الموبقة. لكن هل هو كافر من جميع الوجوه؟ لا ثم لا. مؤمن عاص إنتبه لهذا.
стр. 3873
إذن نقول: هذه محمولة على أنه يشابه الكفار ويشابه المنافقين. يشابه الجاهلين. يشابه أهل الملل الأخرى التي ليست على الإسلام في خصلة واحده أي في الفعل الذميم الذي فعله ووافق أولئك الكفار الملعونين ﷺ يعنى أنه منهم وحكمه حكمهم.
ثانيها: يراد بالكفر الذي أطلق على فاعل الكبيرة: كفر النعمة الذي هو كفر عملي وليس كفر اعتقادي. وهو الذي يقال له: كفر دون كفر. وهكذا نقول عن النفاق ليس هذه بنفاق الجحود والاعتقاد. أنما هذه نفاق العمل.
ولذلك ثبت عن الحسن البصري. كما في سنن الترمذي يقول: النفاق نفاقان: نفاق العمل ونفاق الجحود. وهو نفاق الاعتقاد. فقول النبي علية الصلاة والسلام: آية المنافقة ثلاث. هذا من النفاق العملي. نفاق العمل لا من نفاق الاعتقاد الذي بخلد صاحبة في النار.
فيما يتعلق بالكفر. هل عندنا دليل على أن النبي ﷺ يريد من الكفر. الكفر الذي لا يخرج من الملة؟ نعم عندنا في ذلك دليل. وقد بّوب البخاري عليه رحمة الله في كتاب الإيمان باباً بهذا الخصوص فقال: باب كفران العشير وكفر دون كفر ثم ساق الحديث بسنده إلى نبينا ﷺ والحديث عن أنس ﵁ أن النبي ﷺ قال: [أريت النار فإذا أكثر أهلها النساء يكفرن. فقال الصحابة رضوان الله عليه يكفرن بالله يا رسول الله ـ ﷺ ـ؟ قال: يكفرن العشير ويكفرن الإحسان. لو أحسنت إلى إحداهن الدهر كله ثم رأت منك شيئاً قالت: ما رأيت منك خيراً قط] سبحانه الله العظيم! لعل هذه الوصف يتصف به أكثر الرجال في هذه الأيام إلا من رحم ربك.
стр. 3874
الشاهد هنا: أطلق عليها لفظ الكفر يكفرن. وكفر العشير ـ وهو الزوج المعاشر ـ والإنكار إحسانه ليس كفر بالله. لذلك لما توهم الصحابة أنهن يكفرن بالله. قال: لا يرتكبن كبيرة لكن يطلق عليهن بسببها لفظ الكفر لأنهن يشابهن الكفار في هذه الخصلة. فالمؤمن يجزى بالإحسان إحساناً ((هَلْ جَزَاء الْإِحْسَانِ إِلَّا الْإِحْسَانُ)) (١) والمؤمن يدفع الحسنة بالحسنة ويرد الجميل بالجميل. وأفعال المؤمن تدور بين عدل وفضل. وليس عنده ظلم وجور. [يا عابدي إني حرمت الظلم على نفسي وجعلته بينكم محرماً فلا تظالموا] (٢) فكيف يكر الإحسان والمعروف! بزن بالقسطاس المستقيم.
المؤمن يقول عن الشيطان عندما نصح فرداً من أهل الإسلام وهو أبو هريرة ﵁ وأرشده أن يقرأ آية الكرسي ـ كما في صحيح البخاري. وإذا قرأها عندما ينام لا يقربه شيطان حتى يصبح. يقول نبينا علية الصلاة والسلام ـ وهذا منهج المؤمن ـ[صدقك وهو كذوب] (٣) صدق. هذه صادق فيها.
стр. 3875
فنزل الناس كما قال الله ((بِالقِسْطَاسِ الْمُسْتَقِيمِ)) (١) بميزان العدل فنقول: أحسن في كذا وأساء في كذا. أما إذا أساء معك تقول: ما رأيت منك خيراً قط؟ ! لا إله إلا الله!!؟ من القصص الطريفة وكنت أسمعها من شيوخنا عليهم جميعاً رحمة الله: أن رجلاً كان يمشى مع زوجة في الشارع. فمّر على أناس يعملون في بناء بيت من البيوت في الزمن القديم وكانوا يجمعون التراب ويصبون عليه الماء، الطين ـ وأنا أدركت هذا في حياة المتقدمين الكبار الأولين. بيوتهم كلها من طين ويضعون لها شيء من التّبن أيضاً للتماسك. وأكثرهم حتى كانوا يخلطونها بأرجلهم. ليس يعنى يوجد " كريك " ومسحات وما شاكل هذا. فمر ومعه زوجته وهم يخلطون الطين بأرجلهم. فالمرأة لما ذهبت إلى البيت! اشتهت هذا الفعل. قالت يعنى ليتني أخلط الطين برجلي. اشتهت هذا فقال لها: الأمر يسير. فذهب واشتري لها زعفران وماء الورد وبدأ يضع الزعفران في الأرض ويقول: دوسيه برجليك ويصب ماء الورد على رجليها من صبه لها. زعفران وماء ورد. وهى تخلط الزعفران برجليها لأجل أن تنفذ رغبتها. ثم في يوم من الأيام جرى بينه وبينها ملاحاة فقالت: ما رأيت منك خيراً قط؟ فقال: ولا يوم الزعفران! ولا يوم الزعفران! بقول لها تذكري ذلك المشهد. زعفران ـ يعني غالي الثمن ـ وماء ورد وأنا الذي اصب علي رجليك طول حياتك ما رأيت من خير قط. ولا يوم الزعفران؟ ولا يوم الزعفران. هذا كلام النبي علية الصلاة والسلام: [يكفرن. فقبل له يكفرن بالله. قال يكفرن العشير ويكفرن الإحسان لو أحسنت إلى إحداهن الدهر كله ثم رأت منك شيئاً قالت: ما رأيت منك خيراً قط] سريعة الانفعال تمشى مع انفاعلها ولا تتثبت وتسير مع عقلها ورزانتها.
стр. 3876
[كمل من الرجال كثير ولم يكمل من النساء إلا قليل] (١) كما قال نبينا ﷺ
الشاهد إخوتي الكرام:
المراد من الكفر هنا كفر العمل. كفر النعمة لا كفر المنعم ولا جحوده.
فإذن لفظ الكفر محمول على هذا أو على التعليل الأول خصلة من خصال الكفار. ثبت في صحيح مسلم وسنن أبى داود والنسائي عن عبد الله بن مسعود ﵁ موقوفاً عليه من كلامه؟ أنه قال: [من سرّه أن يلقي الله مؤمناً فليحافظ على هؤلاء الصلوات حيث ينادى بهن فإنهن من سنن الهدي وان الله شرع لنبيكم ﷺ سنن الهدي ولو صليتم في بيوتكم كما يصلي هذا المتخلف في بيته لتركتم سنة نبيكم ـ انتبه ـ ولو تركتم سنة نبيكم لكفرتم] هذه رواية أبى داود ورواية الإمام مسلم والنسائي: [لضللتم] . فترك الجماعة يعتبر كفراً؟ هذا بالإجماع ليس بكفر. [لكفترم] رواية أبى داود: أي اتصفتم بخصلة من خصال الكفار والفجار الذين لا يشهدون جماعة المؤمنين ولا يحضرون معهم.
والجماعة إخوتي الكرام أرجح الأقوال أنها واجبة وهناك قول بسنيتها. لكن المعتمد أنها واجبة وقد بوب الإمام البخاري علية رحمة الله في صحيحة باب بشير إلى هذا فقال. باب وجوب الجماعة ثم روى أن رجلاً قال للحسن البصري عليه رحمة الله. إن أمي أمرتني أن افطر في صوم النافلة قال: أطعها. طاعة الأم واجبة. والصوم نافلة والواجب يقدم. قال. إن أمي أمرتني ألا اشهد الصلاة في جماعة قال: لا تطعها , الجماعة واجبة. فلا طاعة لمخلوق في معصية الخالق (بياض)
стр. 3877
ومن ناحية الجماعة من باب التنبيه: المسلمون تساهلوا فيها في هذه الأيام لا سبما في الصلاة التي [أثقل صلاة على المنافقين صلاة العشاء وصلاة الفجر ولو يعلمون ما فيهما لا توهما ولو حبواً] (١) كما قال النبي ﷺ . أما العشاء فالناس يشتغلون في لهوهم وطعامهم ومسلسلاتهم التي ستسلسلهم في سجين. وأما في الفجر فالذي يسهر للساعة الواحدة. إذا استيقظ لصلاة الفجر هذا خرقت العادة في حقه. يعنى هذا كرامة من الله (!!) وكيف يكرم الله من يبارزه طول الليل بالمعصية؟ عندما ينام الإنسان الساعة الواحدة أو الثانية أو الثالثة كيف سيستيقظ الساعة الرابعة؟ الجسم ما أخذ حظه لذلك عندما يقول: ما أستطيع أن استيقظ. قل لأنك تفرط في الآداب
الشرعية بما ينبغي أن تفعله في ليلك. نحن ننتهي من صلاة الجماعة في العشاء في الثامنة والنصف ـ مثلاً ـ التاسعة لو نام من التاسعة للثالثة ست ساعات أوليس كذلك؟ للرابعة. وإذا لم يستيقظ في الساعة الرابعة فهو والجيفة سواء. فكيف إذا لم يشهد بعد ذلك صلاة الفجر؟ لكن حقيقة إذا سهر الساعة الثانية في معصية الله ومحاربته. هذا يستحيل أن يستيقظ لصلاة الفجر. وإذا أراد أن يقول: لَمِ؟ قل له ((وَلَكِن كَرِهَ اللهُ انبِعَاثَهُمْ فَثَبَّطَهُمْ وَقِيلَ اقْعُدُواْ مَعَ الْقَاعِدِينَ)) (٢) ((فَاقْعُدُواْ مَعَ الْخَالِفِينَ)) (٣) ولو أحب الله مناجاتك. لو أحبها لأيقظك. أن الئيم عن المكارم يشغل.
стр. 3878
إذا كنت تريد الخير ولا توفق له فاعلم أن الله يكرهك. يكرهك لَمِ؟ لأنك أنت في الأصل تكره الله أيضاً. ففتش نفسك. والجزاء من جنس العمل فكيف ستستيقظ للفجر وأنت تنام الساعة الثانية؟ هذا مستحيل لا سيما إذا كنت تنام أشكال ألوان. رأي في سهرته لعلة خمسين امرأة على اقل تقدير وهو جالس على أريكته واحدة حمراء وواحدة زرقاء وواحدة صفراء بين ملونات وغيرهم ... في وسائل الإجرام التي تسمى بوسائل الإعلام كيف سيستيقظ كيف سيستيقظ؟!! ولو سهرت على طاعة الله ممكن أن يلطف الله بك وأن يوقظك عند الفجر لأنك كنت في طاعة مع أنه إذا كنت تسهر على طاعة وتخشى؟ أن يفوتك الفجر فكما قال عمر ﵁[والله لأن أشهد الفجر في جماعة أحب الى من أن أقوم الليل كله. عندما تخلف تميم الداري ﵁ عن صلاة الفجر فذهب إليه وقال أين كنت؟ قال: سهرت بقيام الليل فغلبتني عيناى وما استيقظت لصلاة الفجر. قال: لأن أشهد الفجر في جماعة أحب إلى من قيام الليل كله] (١) .
أنت لو نمت الليل كله من أوله آخرة وصليت الفجر في جماعة لكان احب وأفضل لك عند الله جل وعلا.
إذن الشاهد إخوتي الكرام هنا: لو تركتم ـ الجماعة ـ سنة نبيكم لكفرتم وفى رواية الإمام مسلم والنسائي: لضللتم أي ابتعدتم عن مسلك المهتدين واتصفتم بخصلة من خصال الكفار. وليس معنى هذا أنكم كفرتم. خرجتم من الملة ومن حظيرة الإسلام.
стр. 3879
ثالثهَا: التعليل الثالث لأهل السنة يقول: إطلاق لفظ الكفر على المعاصي ونفى الإيمان عنه وأنه جاهلي. هذا سيؤدى به في نهاية الأمر والمطاف إلى الكفر الحقيقي، وبالتالي يكفر في الدنيا ويخلد في النار في الأجرة. كيف هذا؟ كل من يفعل المعصية في أول أمره يفعلها وهو وجل خائف. يتغيّر وجهه. ثم يستمرئها فيفعلها ويداوم عليها. ما دام يشعر بأنه عاصي. فيه خير وفيه إيمان. وهو من أهل الإسلام لكن قد يصل إلى حالة إذا قيل: اتق الله لا تشرب الخمر، يقول: دعنا من هذا الكلام الفارغ. الناس صعدوا إلى القمر وأنت لا زلت للآن تبحث في حكم الخمر؟ ! ماذا صار حكمة؟ كفر، وقد يكون يصلى وعنده هذه الفلسفة كما هو حال كثير من الناس عندما تعرض عليه أمراً شرعاً يقابلك بهذه الفلسفة، فيكفر وهو لا يدرى فإذن: فعل المعصية وهو وجل خائف. ثم استمرأها فصار يفعلها ويرى أنه عاص وذهب الوجل ثم بعد ذلك استحلها، فكفر. المرأة عندما تخرج سافرة وتطرح الحجاب من رأسها. أوّل ما تخرج تكاد تسقط على الأرض من حياءها كيف تركت هذا الستر الذي يصونها وترضى به ربها؟ ثم بعد فترة ترى هذا طبيعي ثم بعد فتره تقول لها: يا أمة الله استتري تحجبي. تقول. دعك من هذه القشور الأصل القلب وأما الظاهر هذا لا علامة لنا به. والمرأة إن أرادت أن تخرج سافرة أو متحجبه والمتحجبات دعك منهن هؤلاء دميمات يسترن دمامتهن بهذا الحجاب؟ ! أو تقول ما هو ألعن. تقول كل واحدة على حسب كلام بعض الناس. تفعل الأفاعيل لئلا تكشف هويتها وصورتها تستتر. يعنى ما تتحجب إلا الزانية!! لِمَ؟ قال: لأنها لو كشفت لفضحت فهي تزني وهى متحجبه!! أعوذ بالله من هذا هذه الشبه التي نعيش فيها سافرة هذه مصونه، هذه صدّيقة لكن المتحجبة هذه التي تفعل الأفاعيل فقط. لا إله إلا الله!! فإذن وصل بها الأمر إلى استحلال الكفر. بل إلى تبريره والدعوة إليه والى استحباب واستقباح الطهر والفضيلة والإسلام.
стр. 3880
إذن ستؤوب إلى الكفر تقدم معنا: المعاصي بريد الكفر ودهليز الشرك. وقلنا: قد يفعل الإنسان المعصية في أول أمرة لكنه يكفر في نهاية أمرة ومن تأمل أحوال العصاة لاح له هذا على وجه اليقين.
رابعها: تعليل (بياض) الرابع الإطلاق لفظ الكفر والنفاق والجاهلية على من يفعل كبيرة أن هذه من باب التغليظ والزجر لا من باب اتصافه بحقيقة الكفر. فمن فعل كبيرة نبينا ﵊ يريد أن يحذره من الكبيرة. والشرع المطهر يريد أن يحذره من هذه الخصلة الذميمة الحقيرة. بلفظ يخلع القلب. ولا أشنع ولا أفظع ولا أشد على المؤمن من أن تقول له إنه كافر. إنه منافق. إنه ليس بمؤمن أنه جاهلي. إنه ليس من عداد المسلمين هذا حقيقة إذا قلته للمؤمن ينخلع قلبه فأنت عندما يفعل الإنسان معصية تقول يا عبد الله أنت خرجت من الإيمان لا تقصد في خروجك أنه خرج أي أنه كفر وخرج من الملة أنما خرج من الإيمان الذي ينبغي أن يتصف به هذا الإنسان على وجه التمام. هو أن يجمع مع الاعتقاد والإقرار العمل. وأن يفعل الواجبات وأن يترك المحرمات تقصد أنه خرج إذن من شيء وجب عليه على حسب إيمانه ووجب عليه إذا كان مؤمناً إذن ضاعت بعض أركان الإيمان المطلوبة الواجبة. فعندما تقول له لست بمؤمن. أ، ت كافر تقصد هذه من باب لا التغليظ والزجر. لا من باب إتصافه بحقيقة الكفر لكن ما قلت له: أنت مؤمن عاصي. قلت له لست بمؤمن وأنت كافر وأنت عندما تسأل عن التفصيل تبين إذن لم أطلعت، أطلعت لتهول عليه ولتخلع قلبه. لينزجر. ولا نقول انك أطلقت لفظاً كذباً حتى يقال إذن الشارع كذب علينا. نقول لا لكن أطلق عليه هذا اللفظ وأراد منه كفر النعمة ـ كما تقدم معنا ـ أراد منه مشابهة الكافرين في هذه الخصلة إذن لم أطلق لفظ كفر؟ إذا كان لا يقصد الكفر الحقيقي؟ لأن هذا اللفظ مستشنع عند المؤمنين. لأن هذا الفظ يقطع قلوبهم عندما تقول لإنسان. إذا زنيت تخرج من الإيمان. فيقول: ما عاد أزنى.
стр. 3881
إذا كان الزنا يخرجني من الإيمان كيف أزنى وأخلّد في نار جهنم فإذا كان الأمر كذلك إذن يعنى لا أزنى أما لو قلت له: إذا زنيت يعنى أنت مؤمن عاصي. يقول ما دمت ضمن الإيمان رحمة الله واسعة. إذن لا حرج في الزنا. فإذن الشارع استعمل لفظاً يخلع القلب. ولا نقول هذه كذب. لا. أصل لهذا اللفظ لا هذه له أصل. وحقيقة: شابه الكفار في هذه الخصلة وليس له حكمهم فعندما تطلق عليه هذا اللفظ الذي يشابه به الكفار تفطر قلبه.
ولذلك لو قال النبي ﵊ لآبى ذر [أبا ذر مهلاً أخطأت وخدشت إيمانك وكيف تعّره بأمه؟ لقال: أستغفر الله يعنى يا بلال سامحني. لكن [إنك امرؤ فيك جاهلية] حقيقة هذه نحن خرجنا من الجاهلية ودخلنا في الإسلام لأجل أن ننال رضوان الله رجعنا إلى الجاهلية بعد ذلك بهذه الألفاظ المنكرة. إذن لا بد من تطهر للنفس بشيء لا تفكر فيه أو تعود إلى هذا مرة أخرى. فطهر نفسه بما طهرها به [إنك امرؤ فيك جاهلية] إذن من باب التغليظ والزجر.
стр. 3882
ومما يقرر هذا ويدل عليه. ثبت في مسند الإمام أحمد والكتب الستة من حديث أبى هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: [لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن..] كما تقدم معنا. أذن نفى عنه الإيمان هذه يراد منه الزجر والتغليظ لا يراد منه نفى حقيقة الإيمان. ما الدليل؟ انظر الدليل: تبت فى المسند والصحيحين من حديث أبى ذر ﵁ أن النبي ﷺ قال: [من قال لا إله إلا الله دخل الجنة. فقال أبو ذر يا رسول الله ـ ﷺ ـ وإن زنا وإن سرق ـ وفى رواية وان شرب الخمر أيضاً ـ؟ قال: وان زنا وان سرق وان شرب الخمر فأعاد أبو ذر ﵁ الكلام ثلاثاً فلما أعاد الرابعة قال له النبي ﷺ من قال لا إله إلا الله دخل الجنة وإن زنا وإن سرق وإن شرب الخمر على رغم أنفك يا أبا ذر] (بياض) أبو ذر ﵁ إذا حدّث بالحديث يقول: من لا إله إلا الله دخل الجنة وإن زنا وإن سرق وإن شرب الخمر على رغم أنف يا أبا ذر.
إذن: [لا يزني الزاني حين يزنى وهو مؤمن] والمراد منه؟ تغليظ وزجر بما يقشعر منه الجلد ويتفطر له القلب. ولو كان المراد الحقيقة لما قال هنا [من قال لا إله إلا الله دخل الجنة وإن زنا وإن سرق وإن شرب الخمر] كيف تخبر عنه بأنه ليس عنده |إيمان ثم نقول هو من أهل الجنان؟ هذا كلام لا يستقيم. إذن تبيّن لنا أن المقصود من ذاك زجر وتغليظ ولا يقصر منه نفى الإيمان حقيقة.
стр. 3883
خامسها: قال أهل السنة: إذا حملنا هذه الألفاظ على ظاهرها وانه استوجب الكفر المخرج من الملة والجاهلية التي تنافى الملة الحنيفيه. وليس من عداد المؤمنين وليس عنده إيمان واتصف بصفات النفاق إذا حملنا هذا على حقيقته فنحمله على المستحل. ولا شك أن من استحل شيئاً من ذلك فله الحكم الذي أطلق عليه بهذا اللفظ: [اثنتان هما في الناس كفر: الطعن في الإنسان والنياحة على الميت] (١) فمن استحل النياحة فهو كافر [سباب المسلم فسوق وقتاله كفر] (٢) من استحل قتال المسلم فهو كافر.
إذن واحدة من هذه الأمور الخمسة قال أئمتنا يقصد بهذه الألفاظ التي أطلقت على فاعل الكبيرة: إما
أما شابه الكفار الجاهليين المنافقين. غير المسلمين في خصلة من خصالهم لا في جميع أحكامهم.
الأمر الثاني: أن هذه من باب كفر النعمة لا كفر الجحود والمنعم.
.الأمر الثالث: هذا سيؤدى به إلى الكفر في نهاية المطاف.
الأمر الرابع: من باب التغليظ والزجر بما يتفطر له القلب
الأمر الخامس: هذا على المستحل. فمن استحل شيئا من ذلك كافر.
وبذلك جميع أهل السنة بين نصوص الشرع التي هي في الظاهر متعارضة. وهذا المبحث هو أجلّ مباحث الحديث الشريف وعلوم الشريعة. وهو الذي يسميه أئمتنا في مباحث علوم القرآن موهم الاختلاف والتناقض. ويسمونه في علم الحديث: مختلف الحديث وهى أحاديث في الظاهر مختلفة. مثل هنا:
стр. 3884
[لا يزنى الزاني حين يزنى وهو مؤمن] و [من قال لا إله إلا الله دخل الجنة وان زنا] هذا مختلف الحديث وفى علم القرآن موهم الاختلاف والتناقض ومن آيات القرآن في ظاهرها وأحاديث في الظاهر متناقضة. لكن عندما تجمع بينهما يزول عنك التناقض وليس بين هذه الآثار أي معارضة. ف [لا يزنى الزاني وهو مؤمن] اجمعوا بينها وبين [من قال لا إله إلا الله دخل الجنة وان زنا] نقول: إذا استحل ليس بمؤمن وإذا لم يستحل فهو مؤمن وسيدخل الجنة فلا تعارض بين الحديثين. نفى الإيمان عنه إذا استحل. وأخبر عنه [انه يدخل الجنة إذا لم يستحل هذا جمع.
جمع ثان: لا يزنى الزاني حين يزنى وهو مؤمن ليس من المؤمنين في هذه (بياض) في سائر (بياض) يدخل الجنة بعد ذلك بأحد أمرين ,إما بتوبة تصدر منه. وإما بمغفرة لله إن لم يعاقبه فإن عاقبه مآله إلى الجنة. ولن يخلد أحد من أهل التوحيد في النار. هذا جمع (بياض) الحديثين. فزال التعارض. [لا يزنى الزاني حين يزنى وهو مؤمن] هذا للتغليظ (بياض) عنه الإيمان لا لأنه كفر حقيقة. ما الدليل؟ [من قال لا اله إلا الله دخل الجنة] .
[لا يزنى الزاني حين يزنى وهو مؤمن] هذا قد يؤدى به إلى الخروج من الإيمان فهو في الزنا لم يكفر وسيدخل الجنة. وإن زنا. لكن قد يستحل باب يكفر بعد ذلك. أو أن (بياض) ـ كما قلنا ـ من باب المعصية العملية. لا من باب معصية الاعتقاد والجحود. والاستخفاف.
إذن هذه أوجه خمس من أوجه الجمع بين النصوص الشرعية. فحملوا هذه الألفاظ على واحد من هذه الأمور الخمسة. وآمنو بالكتاب والسنة كلها دون التفريق بين (بياض) النصوص الشرعية. كما هو حال أهل البدع ـ وسيأتينا حاله إن شاء الله.
إخوتي الكرام:
стр. 3885
ولأجل أن ظواهر النصوص المتقدمة ـ كما تقدم معنا ـ تطلق الكفر وتنفى الإيمان وتصف الجاهلية والنفاق وأن من اتصف بشيء من تلك الكبائر ليس من عداد المسلمين. لأجل أن ظاهرها يتعارض مع نصوص أخرى ويحتج أهل البدع بظواهرها ـ أي تلك النصوص على قولهم في أن فاعل الكبيرة كافر. كان عدد من أئمتنا لا يرفعون تلك الأحاديث إلى النبي علية الصلاة والسلام بوجود المبتدعة خشية أن يتعلقوا بظواهرها ويقولوا: إذن هذا حجة لنا في أن فاعل الكبيرة كافر. وهذا من باب وضع الأمور في مواضعها؟. وإذا (بياض) ستحدث لأمر شرعي لكن الناس سيأخذونه ويستدلون به على باطلهم وضلالهم فلا تحدثهم به. لئلا يكون ذريعة إلى ضلالهم وفسادهم من باب وضع الأمر في مواضعه.
فثبت في صحيح مسلم (١) عن جرير بن عبد الله. والحديث رواه منصور عن الشعبي عن جرير بن عبد الله البجلى ﵁ قال: [أيما عبد أبق من مواليه فقد كفر حتي يرجع إليهم] وفى رواية: [أيما عبد أبق من مواليه لا تقبل له صلاة حتي يرجع إلى مواليه] وفى رواية: [فقد برئت منه الذمة] . الشاهد فقط كفر. لكن له صلاة برئت منه ذمة الله. الحديث رواة منصور عن الشعبي عن جرير بن عبد الله وقفه فما رفعه إلى النبي علية الصلاة والسلام. قال منصور: قد رُوي والله مرفوعاً. ولكني أكره أن يُروَى عنى ها هنا ـ يعنى في البصرة ـ لَمِ؟ لأنها تعج بفرقتين ضالتين: الخوارج والمعتزلة لاسيما المعتزلة فيتعلقون بها بأن فاعل الكبيرة إذن ليس من المؤمنين
* * *
إخوتي الكرام: ما موقف أهل البدع الضالة نحو فاعل الكبيرة؟
стр. 3886
عندنا فرقة قديمة ولها كما قلنا ـ ذيول حديثة ما أكثرها في هذه الأيام. ولا نتكلم على أمر يعنى كما يقال من باب خلافات قديمة وبالية وعتيقة دعونا منها. لا. والله إن هذا معرفته في هذا الوقت للشاب المسلم ضروري ضروري ضروري. لئلا يقع في الغلو والتطرف والانحراف فيجر بعد ذلك شؤمه بلاءً على المسلمين في سبب ما يأتي به من بدع وضلال.
والجماعة التي كانت تسمى بجماعة المسلمين. جماعة الحق وأطلق عليها الحكام الضالين اسم: جماعة التكفير والهجرة. كانت تتبنى هذا القول. وهو أن فاعل المعصية كافر مخلد في نار جهنم. متى ما فعل معصية. ولما بعد بعد ذلك تأملوا أحوال الحكام لا يحكمون بما أنزل الله قالوا: كفار. والرعية إذن على طريقتهم. إذن هم كفار. إذن لا يوجد على وجه الأرض مؤمن إلا نحن. فمن ليس من جماعتنا فهو كافر. ووجدت أيضاً بعد ذلك جماعة أخرى. جماعة التوقف والتبيّن. قالوا: نحن لا نسلّم الإيمان لأحد حتى يتبيّن لنا حالة الأصل في الناس أنهم كفار إلا إذا تبين لنا أنهم منا ويقولون بأقوالنا فهم مؤمنون. لأن الحياة جاهلية. وكل ما فيها جاهلي.
يا أخوتي الكرام هذا ضلال ما بعده ضلال وأتكلم ـ كما قلت ـ عن خيال.
جاءني مرة بعض الإخوة في بعض الأماكن فانتظروا على باب المسجد وما صلوا معي في إحدى الصلوات ـ صلاة العصر ـ ثم بعد أن خرجت قالوا لي بأن نتلكم معاً بعض الوقت قلت: خيراً إن شاء الله. لٍمَ لَمْ تصلوا معنا؟ قالوا: يا شيخ ما تعلم هل أنت مؤمن أم كافر. قلت: سبحان الله العظيم! طيّب أنا في مسجد. أأنا في كنيسة؟ ! حتى يعنى تشكّون في حالي؟ ! قال: ما نعلم هل أنت يعنى مثل الناس جاهلي أم تكفر بالمفاهيم الجاهلية؟ قلت: الله أمركم بحسن الظن أو بسوء الظن؟ يعني لم لا تقولون: لعلّ هذا صديق من أولياء الله الصالحين. وإذا كنت زنديقاً فماذا يضركم ما عليكم حسابي. لكن الله أمركم بحسن الظن أم بسوء الظن؟.
стр. 3887
مرة كنت في بلاد الشام في حلب أصلى في بعض مساجدها جاء بعض الشيعة وكنا في صلاة المغرب. فأصلى بهم ما صلوا ورائي. صلوا فرادى. لما انتهينا قلت: إخوتي شوّشتم على أنفسكم وعلينا لم ما صليتم معنا؟ لا صليتم جماعة لأنفسكم بعد أن انتهينا ولا صليتم معنا. قال: يا شيخ نحن لا نصلى إلا وراء من علمنا عصمته. قلت: لا يوجد إلا النبي علية الصلاة والسلام. يعنى لم لا تصلون ورائي؟ أو وراء غيري؟ قال: يا شيخ نحن في الأصل شيعة من شيعة نُبَّل (١) ما نعلم أنت لعلك تشرب الخمر لعلك تزني لعلك تسرق. كيف نصلى وراءك؟ قلت: قولوا لعلني أقوم الليل وأتعبد وأصوم النهار وقانت ذاكر. يعنى لم تقولون هذا ولا تقولون هذا؟ يعنى لم تظنون بالناس أسوأ الظنون لمَ؟ ترون عليَّ آثار المعصية؟ السر بيني وبين ربي هو سيحاسبني وهو يعلم السر وأخفي. لكن على آثار معصية؟ قالوا لا: قلت: هذا غلط. قال: هذا مذهبنا ما عندنا جدال وى قيل ولا قال. ما نصلي إلا وراء المعصوم!! هم أضل من الشيطان الرجيم ليس معصوم. لكن ماذا تعمل؟ هذه شبههم وضلالهم.
فالشاهد: كما أقوله ليس من زمن ماضي وبالى وانتهى. أفكار كما يقال حيّه يعني بالمعنيين حيّه: أي موجودة. وحيّه فيها سم مثل الحيّة. فأفكار حية حقيقية يعنى موجودة تلدغنا وكثير من المسلمين أحياناً يعني يشتطون ويذهبون إلى ذلك المسار ويكونون علينا عاراً في الدنيا وبعد ذلك يفرقون جماعتنا. ونسأل الله أن يلطف بأحوالنا أنه أرحم الراحمين وأكرم الأكرمين.
أهل البدع وقفوا نحو هذه الأحاديث على موقفين:
стр. 3888
أما الفرقة الأولى وهو الخوارج: وقلت هؤلاء لهم وجود في الزمن القديم ولا زال لهم امتداد كبير في هذا الوقت والخوارج قلنا ـ الاباضية فرقة من فرقهم ويملؤون عُمان كلهم علي هذا المسلك. أن فاعل الكبيرة كافر ويزيدون على هذا (١) مخلد في نار جهنم. ولو كان عنده من الحسنات أمثال الجبال. يصوم ويصلى ويجاهد ويتصدق لكن مبتلي بشرب الخمر. يقولون: هو وإبليس سواء. لا يمكن أن يرى الجنة ولا أن يشم ريحها. هذا مخلد في نار جهنم كافر. لِمَ؟ النصوص صريحة [قتاله كفر] . [لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن] .
نقول: إخوتي الكرام ما ذكرتموه نعم يدل عليه نصوص شرعيه. لكن ماذا تفعلون في النصوص الأخرى؟: [من قال لا اله إلا الله دخل الجنة وان زنا وإن سرق] ماذا تفعلون بهذا؟ ماذا تفعلون بهذه الأحاديث الكثيرة التي تقدمت معنا عندما أطلق النبي علية الصلاة والسلام لفظ الكفر على نكران نعمة العشير كفر وما قال إن هذا كفر بالله لما استشكلوا أولئك قالوا: يكفرن بالله؟ قال: يكفرن العشير. إذن أنتم آمنتم ببعض النصوص وكفرتم بعضها. فاتقوا الله في أنفسكم. إطلاق لفظ الكفر علي فاعل الكبيرة هذه ضلال يدل على أن هذا ضلال:
أولاً: تواترت الأحاديث عن نبينا علية الصلاة والسلام أن من ارتكب كبيرة فهو مؤمن ولم يخرج من حظيرة الإيمان. كما تقدم معنا في الحديث الذي في المسند والصحيحين وغيرهما: [من قال لا اله الا الله دخل الجنة وإن زني وإن سرق] إذن فلابد يدخل الجنة إلا مؤمن ((إِنَّهُ مَن يُشْرِكْ بِاللهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللهُ عَلَيهِ الْجَنَّةَ)) (٢) فحكمكم على فاعل الكبيرة بالكفر يتنافى مع النصوص المتواترة الثانية عن نبينا علية الصلاة والسلام.
стр. 3889
ثانياً: ننقض قولكم بأمر ثان وهو: لو كان فاعل الكبيرة كافراً لوجب عليه حد القتل وهو ضرب الرقبة لأن من بدل دينه وكفر يقتل. فهل نصوص الشريعة جاءت بعقوبات مقدرة للكبائر أو بقطع الرقبة؟ أمرنا ربنا أن نجلد الزاني إذا لم يكن محصناً. قال اقتلوه!؟ أمرنا أن نقطع يد السارق إذا سرق. قال اقتلوه؟ ! أمرنا أن نجلد شارب الخمر إذا شرب. أمرنا أن نجلد القاذف. قال إنه كافر اقتلوه؟! لو كان كافراً لوجب قتله. فترتيب عقوبات دون القتل على الكبائر هذا دليل على أن الكبائر ليست بكفر. ولو كانت كفراً لما كان بينها وبين الردة أي فارق ـ في العقوبة ـ لقال النبي علية الصلاة والسلام: من فعل كبيرة فاقتلوه. كما قال: [من بدل دينه فاقتلوه] (١) كما قال: [لا يحل دم أمرء مسلم يشهد ألا إله إلا الله وان رسول الله إلا بإحدى ثلاث: الثيب الزاني. والنفس بالنفس. والتارك لدينه المفارق للجماعة] (٢) .
فإذن ما رتب القتل على جميع الكبائر. نعم بعض الكبائر عقوبتها النقل لا من باب الكفر من باب أن هذا حد دنيوي يطهر الإنسان. فمن كفر يقتل. وهو كافر. من زنا وهو محصن يقتل وهو مؤمن. من قتل نفساً يقتل عن طريق القصاص وهو مؤمن فلو عُفي عنه فلا يلزم إقامة الحد عليه.
стр. 3890
الشاهد: أنه ليس القتل عقوبة لجميع الكبائر فلوا كان كل فاعل كبيرة يعتبر كافراً لو جب قتل كل من ارتكب كبيرة. وإذا لم يكن الأمر كذلك دل على أنه معلوم من دين الله بالضرورة أن فاعل الكبيرة ليس بكافر. وقد مضى عصر النبي علية الصلاة والسلام. وعصر الصحابة وعصر التابعين ولم يقتلوا فاعل الكبيرة. مما يدل على أنه ليس بكافر. وأنه لا زال ضمن عداد المسلمين.
إن قالوا: ماذا تفعلون إذن بالنصوص التي أطلقت عليه لفظ الكفر؟
نقول: هنا يأتي حال المهتدين فيجمعون بين هذه النصوص ولا يلغون بعضها ولا يعطلون بعضها كما فعلتم أنتم. فأنتم آمنتم ببعض الكتاب وكفرتم ببعضه. وهذا حال الضالين.
لا يوجد مبتدع إلا ويؤمن ببعض الكتاب ويكفر ببعض لأن أهل الهدي قالوا: هذه النصوص كلها لا بد من وضعها أمامنا لنبحث فيها ثم لنجمع بينها لنصوص كلام النبي علية الصلاة والسلام عن التعارض ولئلا نلغي بعض كلام النبي ﷺ فهذا حق وهذا حق. وهو محمول على كذا وهذا محمول على كذا. وكلام العاقل دائماً يصان عن اللغو. وأعقل العقلاء هو خاتم الأنبياء علية صلوات الله وسلامه. فكيف ناغي بعض كلامه ببعض إذا أمكن أن يجمع بين جميع كلامة ﵊!! فما خرج من شفتيه إلا حق وصدق علية صلوات الله وسلامه. هذا قول الخوارج.
أما المعتزلة:
المعتزلة أضل وأخبث وأنجس. أتو بقول لا يدل علية نص من نصوص وما سبقهم إليه أحد من خلق الله لا من إنس ولا من جان. لا في هذه الأمة ولا في الأمم السابقة إنما من أين أتو به؟ العلم عند الله (١) .