قال عبد الرحيم الطحان – عامله الله باللطف والإحسان –: تقدم البيان التام، أن طريقة أهل السنة الكرام، في إيمانهم بصفات ربهم الرحمن، تقوم على الإقرار والإمرار، وعلى إثبات الصفات مع نفي مماثلتها للمخلوقات، كما دل على ذلك قول رب الأرض والسموات: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ﴾ الشورى١١، فقوله: "لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ" رد للتمثيل، وقوله: "وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ" رد للتعطيل فالحمد لله الذي وفقنا لإثبات صفات ربنا، مع نفي مماثلتها لما هو معروف لنا، ونسأله على ذلك أن يميتنا، وأن يجعل خير ساعاتنا ساعة نلقاه وهو راض ٍ عنا، وأن يمُنّ علينا برؤية وجهه الكريم، في جنات النعيم، آمين أمين.
وسأختم الكلام على هذه المسألة العظيمة الشأن بما قاله الإمام السفاريني – عليه الرحمة والرضوان – في بيان صحة طريقة أهل السنة الكرام، في إيمانهم بصفات الرحيم الرحمن، وفساد طريقة أهل الزيغ والهذيان:
فأثْبَتُوا النُّصوص بالتنزيه ... من غير ِ تعطيل ولا تشبيه
فكلُّ ما جاء من الآيات ... أو صحَّ في الأخبار َ عن ثقات
من الأحاديث نُمِرُّهُ كما ... قد جاء فاسْمعْ من نَظامي واعْلمَا
فطلُّ من أوّلَ في الصفات ... كذاتِه من غير ما إثبات
فقد تعدَّى واستطالَ واجْترى ... وخاضَ في بَحْر الهَلاك وافْترى
ألم تَرَ اخْتلاف أصحاب النَّظر ... فيه وحُسْنَ ما نَحَاهُ ذو الأثَرْ
فإنهم قد اقتدوا بالمصطفى ﷺ ... وصَحْبَه فاقْنَعْ بهذا وكَفَى (١)
المبحث الرابع
نماذج مباركات من أسماء الله الحسنى والصفات:
стр. 422
.. تقدم الكلام المستفيض في بيان مصدر الكلام في أسماء الرحمن، وصفاته الحسان، وأتبعت ذلك ببيان صحة طريقة أهل السنة الكرام، في صفات ذي الجلال والإكرام، ثم بيان فساد طريقة أهل الزيغ والهذيان، في ذلك الموضوع العظيم الشأن، وسأتكلم الآن، على نماذج من صفات الكريم المنان، مقتصراً على سيدة آي القرآن، وحديث نزول ربنا الرحمن، وإليك التفصيل والبيان، مَنّ الله علينا بالهداية للعرفان، وانشراح الصدر بكامل الإيمان.
قال الله – جل وعلا –: ﴿اللهُ لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ لاَ تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلاَ نَوْمٌ لَّهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ مَن ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلاَّ بِإِذْنِهِ يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلاَ يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِّنْ عِلْمِهِ إِلاَّ بِمَا شَاء وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ وَلاَ يَؤُودُهُ حِفْظُهُمَا وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ﴾ البقرة٢٥٥.
قال عبد الرحيم الطحان – غفر الله له الذنوب والآثام – ضبطاً لسير البحث بانتظام سأتكلم على تفسير سيدة آي القرآن، ضمن مراحل محكمة البنيان، ليحصل إيضاح البيان مع حسن الإتقان، وأسأل الله القبول وحسن الختام.
١- فضل آية الكرسي:
стр. 423
.. ثبت في صحيح مسلم وغيره عن أبيّ بن كعب – رضي الله تعالى عنه – قال: قال رسول الله – ﷺ –: "يا أبا المنذر، أتدري أيُّ آية من كتاب الله معك أعظك؟ قال: الله ورسوله أعلم، قال: يا أبا المنذر، أتدري أي أية من كتاب الله معك أعظم؟ قال قلت:" اللهُ لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ " قال: فضرب في صدري، وقال: والله ليَهْنِكَ العلم أبا المنذر" وفي رواية الإمام أحمد زيادة في آخر الحديث، وهي: "والذي نفسي بيده إن لما لساناً وشفتين تقدس الملك عند ساق العرش (١) ".
стр. 424
وقد تكرر الإخبار عن آية الكرسي بكونها أعظكم آية في القرآن، عن طريق سؤال الصحابة للنبي – ﵊ – فكما سأل النبي – ﷺ – بعضهم عن أعظم آية في القرآن، وجه إليه ذلك السؤال بعض الصحابة الكرام – رضي الله تعالى عنهم أجمعين – ففي مستدرك الحاكم بسند صحيح عن أبي ذر – رضي الله تعالى عنه – قال: انتهيت إلي النبي – ﷺ – وهو في المسجد، فجلست إليه، فذكر فضل الصلاة، والصيام، والصدقة قال، قلت: يا رسول الله، فأيما آية أنزل الله عليه أعظم؟ قال: " اللهُ لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ " وذكر الآية حتى ختمها (١) .
стр. 425
وقد أخبر النبي – ﷺ – بثبوت تلك الفضيلة الكبيرة لآية الكرسي الجليلة، دون سبق سؤال منه أو وروده عليه ففي سنن الترمذي والمستدرك وغيرهما عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه – قال: قال رسول الله – ﷺ –: "لكل شيء سنام، وإن سنام القرآن سورة البقرة، فيها آية سيدة آية القرآن، وهي آية الكرسي (١)
стр. 426
وسنام الشيء أعلاه تشبيهاً بسنام البعير، وبما أن آية الكرسي أعظم آية في القرآن، وهي أفضل كلام الرحمن، وسيدة الآي الكريمات الحسان، فقد ورد لها من الفضائل العظام، ما لم يرد لغيرها من القرآن.
روى البخاري وغيره من الأئمة الكرام – عليهم الرحمة والرضوان – عن أبي هريرة – رضي الله تعالى عنه – قال: "وكلني رسول الله – ﷺ – بحفظ زكاة رمضان، فأتاني آت فجعل يحثو من الطعام، فأخذته وقلت له: والله لأرفعنك إلى رسول الله – ﷺ – قال: إني محتاج، وعلى عيال، ولي حاجة شديدة، قال: فخليت عنه، فأصبحت، فقال النبي – ﷺ – يا أبا هريرة ما فعل أسيرك البارحة؟ قال: قلت يا رسول الله شكا حاجة شديدة وعيالا ً، فرحمته فخليت سبيله، فقال: أما إنه قد كذبك، وسيعود، فعرفت أنه سيعود لقول رسول الله – ﷺ – إنه سيعود، فجعل يحثو من الطعام، فأخذته، فقلت له: لأرفعنك إلى رسول الله – ﷺ – قال: دعني فإني محتاج، وعلى عيال، لا أعود فحرقته فخليت سبيله، فأصبحت، فقال لي رسول الله – ﷺ –: ما فعل أسيرك؟ قلت: يا رسول الله، شكا حاجة شديدة، وعيالا ً، فرحمته فخليت سبيله، قال، أما إنه قد كذبك، وسيعود، فرصدته الثالثة، فجعل يحثو من الطعام، فأخذته، فقلت: لأرفعنك إلى رسول الله – ﷺ – وهذا آخر ثلاث مرات، إنك تزعم لا تعود، ثم تعود، قال دعني أعلمك كلمات ينفعك الله بها، قلت: ما هن؟ قال: إذا أويت إلى فراشك فقرأ آية الكرسي: "اللهُ لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ" حتى تختم الآية، فإنك لن يزال عليك من الله حافظ ولا يقربك شيطان حتى تصبح، فخليت سبيله، فأصبحت، فال لي رسول الله – ﷺ –: ما فعل أسيرك البارحة؟ قلت: يا رسول الله، زعم أنه يعلمني كلمات ينفعني الله بها فخليت سبيله، قال: ما هي؟ قال لي إذا أويت إلى فراشك
стр. 427
فاقرأ آية الكرسي من أولها حتى تختم الآية "اللهُ لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ " وقال لي: لن يزال عليك من الله حافظ، ولا يقربك شيطان حتى تصبح، وكانوا أحرص شيء على الخير، فقال النبي – ﷺ أما إنه قد صدقك، وهو كذوب، تدري من تخاطب مذ ثلاث ليلا؟ يا أبا هريرة؟ قلت لا، قال: ذاك شيطان (١)
стр. 428
".
وقد ورد الأمر بقراءتها في الصباح، وفي المساء، ففي سنن الترمذي وغيره عن أبي هريرة – رضي الله تعالى عنه – قال: قال رسول الله – ﷺ –: "من قرأ حم المؤمن إلى "إِلَيْهِ الْمَصِيرُ"، وآية الكرسي، حين يصبح حفظ بهما حتى يمسي، ومن قرأهما حين يمسي حفظ بهما حتى يصبح (١) " وآيات حم المؤمن المشار إليها، هي: "بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ حم تَنزِيلُ الْكِتَابِ مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ غَافِرِ الذَّنبِ وَقَابِلِ التَّوْبِ شَدِيدِ الْعِقَابِ ذِي الطَّوْلِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ إِلَيْهِ الْمَصِيرُ".
стр. 429
وورد الأمر بقراءتها دبر كل صلاة، تب نبينا – ﷺ – على ذلك أجراً عظيماً ففي صحيح ابن حبان، ومعجم الطبراني الكبير والأوسط بسند جيد عن أبي أمامة – رضي الله تعالى عنه – قال: قال رسول الله – ﷺ –: "من قرأ آية الكرسي في دبر كل صلاة مكتوبة، لم يمنعه من دخول الجنة إلا أن يموت" وفي رواية للطبراني بسند حسن عن الحسن بن علي – رضي الله تعالى عنهم أجمعين – قال: قال رسول الله – ﷺ –: "من قرأ آية الكرسي في دبر كل صلاة مكتوبة كان في ذمة الله تعالى، إلى الصلاة الأخرى (١)
стр. 430
".
وقد كان سلفنا الصالحون – رحمهم الله تعالى جميعاً – يحافظون على قراءة آية الكرسي في جميع أحوالهم، ويتواصون بذلك، أخرج ابن عساكر وغيره عن عبد الرحمن بن عوف – رضي الله تعالى عنه – أنه كان إذا دخل منزله قرأ في زواياه آية الكرسي، وروى المحاملي في فوائد أن رجلا ً قال لابن مسعود – رضي الله تعالى عنه –: علمني شيئاً ينفعني الله به، قال: اقرأ آية الكرسي، فإنه يحفظك وذريتك، ويحفظ دارك، حتى الدويرات حول دارك (١) .
قال بعد الرحيم – غفر الله له ولوالديه وللمسلمين –: وإنما كان لآية الكرسي تلك المنزلة العالية في شريعة الله الفاضلة، لاشتمالها على أمهات مسائل التوحيد، الذي من أجله خلق الله العبيد، وفيها على التحقيق اسم الله الأعظم، وإليه ترجع جميع صفات الله الأعز الأكرم، كما سيأتيك إيضاح هذه القضية، عند بيان معاني كلمات الآية المحكمة العلية، وإليك التفصيل يا طلاب العلم النبيل:
стр. 431
٢- لفظ الجلالة: (الله) علم الأعلام، ومعرفة المعارف، دال على الإله الحق، دلالة جامعة لمعاني الأسماء الحسنى كلها، كما في التعريفات، وفي الفتح المبين، وتحفة المريد وغيرهما: إنه علم على الذات الواجب الموجود لذاته، المستحق لجميع الكمالات والمحامد المعبود بحق – ، لا إله إلا هو، ولا رب سواه – (١) .
وللعلماء الكرام في كون ذلك الاسم الكريم مشتق أو مرتجل قولان:
القول الأول:
стр. 432
إنه غير مشتق من شيء أصلا ً، إنما هو اسم انفرد به الحق – ﷻ – كأسماء الأعلام وبهذا قال الأئمة الكرام، أبو حنيفة، والشافعي، والحسين بن الفضل البجلي، والقفال الشاشي، وأبو سليمان الخطابي، أبو يزيد البلخي، والغزالي، وهو أحد قولي الخليل بن أحمد، وسيبويه، والمبرد، ونسبه الرازي في تفسيره إلى أكثر الأصوليين، والفقهاء، وقال قي لوامع البيانات في شرح أسماء الله الحسنى والصفات، إنه قول أكثر المحققين، وهو المختار عندنا ١هـ وقال الغزالي في المقصد الأسني: كل ما ذكر في اشتقاقه وتصريفه تعسف وتكلف ١هـ ومال إلى هذا الخازن في تفسيره: "لباب التأويل" وحكم عليه: بأنه الصحيح المختار ١هـ وقال الزجاج في شرح أسماء الله الحسنى: وعلى هذا القول المعمول ١٠هـ وعليه حط كلام الألوسي في روح المعاني، وبه قال السهيلي، وشيخه ابن العربي كما في بدائع الفوائد (١) .
القول الثاني:
إنه مشتق قال بذلك كثير من الأدباء كما في لوامع البينات، وفي تفسير القرطبي إنه قول كثير من أهل العلم ١هـ وذهب إليه الطبري، ومال إليه ابن الأنباري في البيان في إعراب غريب القرآن، وقرره الزمخشري في الكشاف، ورجحه ابن القيم في بدائع الفوائد (٢) .
سبب الخلاف:
стр. 433
.. قال الإمام ابن القيم في بدائع الفوائد، زعم السهيلي وشيخه ابن العربي أن اسم الله غير مشتق، لأن الاشتقاق يستلزم مادة يشتق منها، واسمه – ﵎ – قديم لا مادة له، فيستحيل الاشتقاق، ولا ريب أنه إن أريد بالاشتقاق هذا المعنى، وأنه مستمد من أصل آخر فهو باطل، ولكن الذين قالوا بالاشتقاق لم يريدوا هذا المعنى، ولا ألم بقلوبهم وإنما أرادوا أنه دال على صفة له تعالى وهي الإلهية، كسائر أسمائه الحسنى كالعليم والقدير والغفور والسميع والبصير، فإن هذه الأسماء مشتقة من مصادرها بلا ريب، وهي قديمة والقديم لا مادة له، فما كان جوابكم عن هذه الأشياء فهو جواب القائلين باشتقاق اسمه (الله) . ثم الجواب عن الجميع أننا لا نعني بالاشتقاق إلا أنها ملاقية لمصادرها في اللفظ والمعنى لا أنها متولدة منها تولد الفرع من أصله، وتسمية النحاة للمصدر والمشتق منه أصلا ً وفرعاً ليس معناه أن أحدهما تولد من الآخر، وإنما هو اعتبار أن أحدهما يتضمن الآخر وزيادة، فالاشتقاق هنا ليس هو اشتقاق مادي، وإنما اشتقاق تلازم، سمي المُتضَمِن بالكسر مشتقاً، والمُتضمَن بالفتح مشتقاً منه، ولا محذور في اشتقاق أسماء الله – جل وعلا – بهذا المعنى ١٠هـ وقرر نحو هذا الزمخشري وعبارته: فإن قلت: هل لهذا الاسم اشتقاق؟ قلت: معنى الاشتقاق أن ينتظم الصيغتين فصاعداً معنى واحد، وصفية هذا الاسم وصيغة قولهم: ألِه إذا تحير ينتظمهما معنى التحير والدهشة، وذلك أن الأوهام تتحير في معرفة المعبود، وتدهش الفطن ١هـ (١) .
وجوه اشتقاق ذلك الاسم الكريم، عند القائلين به:
стр. 434
أ) أصله: إلاه من ألِهَ إذا عُبِد، وهو مصدر بمعنى مألوه، أي: معبود: كقولهم: خلق الله بمعنى مخلوق، حذفت الهمزة استثقالا ً لوجودها في كلمة يكثر استعمالهم لها، وللهمزة في وسط الكلام ضغطة شديدة، ثم حذفت الألف من (الله) بعد إرادتهم تفخيمه بالتعريف لأنه اسم لعظيم – لكثرة الاستعمال كما حذفت من (الرحمن) .
... ويصح القول بأن الهمزة حذفت بعد نقل حركتها إلى ما قبلها، وحذفها لاجتماع الساكنين هي واللام قبلها، لأنه عندما ألغيت حركة الهمزة على اللام قبلها التقى حرفان متحركان من جنس واحد، فأسكنت اللام الأولى، وأدغمت في الثانية، وألزم التفخيم (١) .
стр. 435
ب) أصله: الإله من ألِهت أي: تحيرت، فالباري – جل وعلا – مسمى بهذا الاسم، لأنه العقول متحيرة في كنه جماله وجلاله، ويقال فيه ما قيل في سابقه من حذف الهمزة، وإدخال الألف واللام عليها (١) .
جـ) أصله: إلاه من ألِه الرجل إلى الرجل يأله إليه، إذا فزع إليه من أمر نزل به، فآلهه أي: أجاره وأمنه، فيسمى: إلها كما يسمى: إماماً إذا أم الناس فأتموا به، فالله – جل وعلا – هو المجير لكل الخلائق من كل المضار، وهو المنعم، والمطعم، والموجد قال الله – جل وعلا –: ﴿قُلْ مَن بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ يُجِيرُ وَلَا يُجَارُ عَلَيْهِ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ سَيَقُولُونَ لِلَّهِ﴾ المؤمنون٨٨-٨٩، وقال – جل وعلا –: ﴿وَمَا بِكُم مِّن نِّعْمَةٍ فَمِنَ اللهِ ثُمَّ إِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فَإِلَيْهِ تَجْأَرُونَ﴾ النحل٥٣، وقال – جل وعلا –: ﴿قُلْ أَغَيْرَ اللهِ أَتَّخِذُ وَلِيّاً فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَهُوَ يُطْعِمُ وَلاَ يُطْعَمُ قُلْ إِنِّيَ أُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ أَوَّلَ مَنْ أَسْلَمَ وَلاَ تَكُونَنَّ مِنَ الْمُشْرِكَينَ﴾ الأنعام١٤ ويقال هنا ما قيل فيما سبق أيضاً من حذف الهمزة، وإدخال الألف واللام عليها (٢) .
стр. 436
د) أصله: إلاه من ألِهت إلى فلان إذا سكنت إليه وألِه الفصِيل: إذا أولع بأمه، والله – جل وعلا – لا تسكن العقول إلا إلى ذكره، ولا تطمئن القلوب إلا بالأنس به، ولا تنشرح الصدور إلا بمحبته والتحلي بطاعته، ولا تحيى الأرواح، ولا تعرج إلى بلاد الأرواح إلا بمعرفته، فالعباد مولهون بالتضرع إليه والأكياس معولون في جميع الأحوال عليه، قال الله – جل وعلا –: ﴿الَّذِينَ آمَنُواْ وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُم بِذِكْرِ اللهِ أَلاَ بِذِكْرِ اللهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ﴾ الرعد٢٨، وقال – ﷻ –: ﴿وَلَهُ مَا سَكَنَ فِي اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ الأنعام١٣، ويقال في هذا ما قيل في سابقه من حيث حذف، وإدخال الألف واللام عليها، وعليه ففي الأوجه الأربعة تكون الألف زائدة، ومادته همزة ولام (١) .
стр. 437
هـ) أصله: إلاه وأصل إلاه: وِلاه، من الوله وهو: التعلق مع الطرب والتحير، والله – جل وعلا – يوله إليه في الحاجات، وتتعلق به النفوس الزاكيات وترقص من حلاوة الأنس به قلوب الصالحين والصالحات وتتحير الألباب في حقائق ما له من جليل الصفات، فهو الذي لا يسأله من في السموات والأرض ولا يحيط به أحد في السموات والأرض.
... وعلى هذا فالهمزة مبدولة من الواو المكسورة، كما أبدلت في إشاح ووشاح، وإسادة ووسادة وبعد الإبدال دخلت الألف واللام حذفوا الهمزة وأدغموا وفخموا على ما تقدم بيانه في الأوجه الأربعة السابقة، ومادته على هذا الوجه، واو ولام وهاء (١) .
و) أصله: لاه يليه إذا ارتفع، ولذلك سميت الشمس: إلاهة ً – بكسر الهمزة وفتحها –. وفي تفسير القرطبي: كانت العرب تقول لكل شيء مرتفع لاها ١هـ والله – ﷻ – على عرشه فوق سمواته، له العلو الفوقية – – في ذاته، وصفاته، وقدره، قال الألوسي – رحمه الله تعالى – وقرئ شاذاً: ﴿وَهُوَ الَّذِي فِي السَّمَاء لاه﴾ الزخرف٨٤، وعلى هذا الوجه فمادته لام وباء وهاء، دخلت عليه لام التعريف، وحذفت الألف للتخفيف (٢) .
стр. 438
ز) أصله: لاه يلوه إذا احتجب فلم ير من لاهت العروس تلوه إذا احتجبت، والله – جل وعلا – حجابه النور، ولا يرى في دار الغرور، ولا يحاط به عند رؤيته في دار الحبور، كما أخبر العزيز الغفور: ﴿لاَّ تُدْرِكُهُ الأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الأَبْصَارَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ﴾ الأنعام١٠٣.
لاهَ ربيّ عن الخَلائق طُرّاً ... فهو الله لا يُرى ويَرى هو
... وعلى هذا الوجه، فمادته لام وواو وهاء، دخلت عليه اللام كسابقه للتعريف، وحذفت الألف للتخفيف (١) .
ح) أصله: لاه يلوه إذا استنار، والله – جل وعز – نور السموات والأرض، بنوره يهتدي المهتدون ومن لم يجعل الله له نوراً فما له من نور، فطوبى لمن استدل به على الأغيار، وكان وجود الرب – جل وعلا – عنده أظهر من طلوع الشمس في رابعة النهار.
... وعلى هذا الوجه فمادته لام وواو وهاء، ويقال فيه ما قيل في سابقه بلا اعتراء (٢) ، حفظ الله المكلفين من معرفتهم باسم "الله" رب العالمين.
стр. 439
.. اعلم أخي الكريم، أن حظ الأكياس الفطنين من معرفتهم باسم ربهم الكريم "الله" الذي هو أعظم أسماء رب العالمين: تعلق همتهم بربهم الجليل، وتعويلهم عليه في كل كبير وصغير وعظيم وحقير، فالذين يدعون من دون الله ما يملكون من قطمير، كما أخبر عن ذلك ربنا العزيز الكبير، فقال – جل شأنه – ﴿ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَهُ الْمُلْكُ وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِهِ مَا يَمْلِكُونَ مِن قِطْمِيرٍ إِن تَدْعُوهُمْ لَا يَسْمَعُوا دُعَاءكُمْ وَلَوْ سَمِعُوا مَا اسْتَجَابُوا لَكُمْ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُونَ بِشِرْكِكُمْ وَلَا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَنتُمُ الْفُقَرَاء إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ﴾ فاطر١٣-١٥. فطوبى ثم طوبى لمن عبد الله ومال بقلبه إليه، وفزع إليه مما نزل به، وحل عليه، وسكن إليه، فالخير كله في يديه، فهو كريم ذو الإنعام، وهو العالي المحتجب عن الأنام وبنوره أشرق الظلام وحاشا أن يضل من لاذ بحماه أو يضام، نسأل الله الكريم أن يجعلنا من عبيده المخلصين وحزبه المفلحين، لنحظى بولاية رب العالمين، وما يترتب عليها من أثر عظيم: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِن تَنصُرُوا اللَّهَ يَنصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ وَالَّذِينَ كَفَرُوا فَتَعْساً لَّهُمْ وَأَضَلَّ أَعْمَالَهُمْ أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ دَمَّرَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَلِلْكَافِرِينَ أَمْثَالُهَا ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ مَوْلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَأَنَّ الْكَافِرِينَ لَا مَوْلَى لَهُمْ﴾ محمد ٧-١١.
стр. 440
.. ﴿إِنَّ اللَّهَ يُدْخِلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ وَالَّذِينَ كَفَرُوا يَتَمَتَّعُونَ وَيَأْكُلُونَ كَمَا تَأْكُلُ الْأَنْعَامُ وَالنَّارُ مَثْوًى لَّهُمْ﴾ محمد١٢ – ﷺ –. وقال ربنا – ﷻ –: ﴿اللهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُواْ يُخْرِجُهُم مِّنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّوُرِ وَالَّذِينَ كَفَرُواْ أَوْلِيَآؤُهُمُ الطَّاغُوتُ يُخْرِجُونَهُم مِّنَ النُّورِ إِلَى الظُّلُمَاتِ أُوْلَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ البقرة٢٥٧، وقال – جل وعلا –: ﴿أَلا إِنَّ أَوْلِيَاء اللهِ لاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ الَّذِينَ آمَنُواْ وَكَانُواْ يَتَّقُونَ لَهُمُ الْبُشْرَى فِي الْحَياةِ الدُّنْيَا وَفِي الآخِرَةِ لاَ تَبْدِيلَ لِكَلِمَاتِ اللهِ ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾ يونس٦٢-٦٤، قال وهب بن منبه – رحمه الله تعالى – قرأت في الكتاب الأول، أن الله – ﵎ – يقول: "بعزتي من اعتصم بي، فإن كادته السموات بمن فيهن والأرضون بمن فيهن، فإني أجعل له من بين ذلك مخرجاً، ومن لم يعتصم بي فإني أقطع يديه من أسباب السماء، وأخسف به من تحت قدميه الأرض، فأجعله في الهواء، فآكله إلى نفسي، ثم لا أبالي بأي وادٍ هلك (١)
стр. 441
".
٣- الحي القيوم:
... الحياة صفة ثبوتية تقوم بذات ربنا العلية، لا يكتنه كنهها، ولا نعلم حقيقتها، ليست كصفاتنا، وإنما هي كسائر صفات ربنا، التي تتلخص فيها طريقتنا بإقرارها، وإمرارها وبإثباتها مع نفي علمنا بكيفيتها، ونفي المماثلة عنها.
... ولذلك تخالف صفة الحياة في خالقنا – جل وعلا – الحياة المعروفة فينا من جميع الجهات والاعتبارات، ولا اشتراك ولا اتفاق بين حياته – جل وعز – وبين حياتنا إلا في حال الإطلاق وليس للمطلق مسمى موجود خارج الأذهان، كما تقدم تقرير هذا بقواطع الأدلة والبرهان.
وأبرز وجوه المخالفة بين حياة الخالق والمخلوقات، أربعة هاك بيانها:
أولا ً حياة ربنا أزلية: فهو الأول الذي ليس قبله شيء من البرية، وحياتنا مسبوقة بالعدم فهي حادثة، ولا توصف بالقدم.
ثانياً حياة خالقنا أبدية: فهو الآخر الذي ليس بعده شيء من البرية، وحياتنا يعتريها الفوت، ويقطعها الموت.
ثالثاً حياة فاطرنا كاملة على وجه التمام: فلا يعتريها سنة ولا نوم ولا نقصان، وتلك النقائص ملازمة للأنام، فهم النيام، في النهار وفي الظلام.
стр. 442
رابعاً حياة مولانا ذاتية: ليست مستمدة من أحد من البرية، وحياتنا عرضية، متوقفة على مشيئة ربنا المحكمة العلية، وهذا الأمر هو سبب الأمور الثلاثة السابقة، فلكون حياتنا ليست من ذاتنا، إنما هي متوقفة على إرادة خالقنا، كانت طارئة بعد عدم، وزائلة بعد وجود، ويصاحب وجودها الآفات والنقصان، لتتميز حياة ذي الجلال والإكرام عن حياة الإنس والجان، فكل موجود فغن، إلا الرحيم الرحمن، كما قرر ربنا ذلك في محكم القرآن: ﴿وَلَا تَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهاً آخَرَ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ لَهُ الْحُكْمُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ القصص٨٨، وقال – جل وعلا –: ﴿كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ﴾ الرحمن ٢٦-٢٧، وثبت في الصحيحين وغيرهما عن أبي هريرة – رضي الله تعالى عنه – أن رسول الله – ﷺ – قال: "أصدق كلمة قالها الشاعر، كلمة لبيد: ألا كل شيء ما خلا الله باطل (١) ".
стр. 443
.. وقد تقدم في هذا الكتاب المبارك طائفة من الأبيات المحكمة الحكيمة، في تقرير هذا الأمر فارجع إليها، واحرص عليها (١) .
... واعلم يا طالب العرفان، أن حياة ربنا الرحمن، إذا كانت كاملة على وجه التمام، ولا يعتريها عدم ولا نقصان، فإن ذلك يستلزم أمرين، يتصف بهما ذو الجلال والإكرام وهما:
أ) إفادة دوام الوجود: فالله – جل وعلا – لم يزل موجوداً، ولا يزال كذلك أبد الآباد، فهو الأول الآخر – –.
ب) اتصافه بجميع صفات الكمال، ونفي ما يضاد ذلك من جميع الوجوه، وفي جميع الأحوال، فمن لوازم الحياة: الفعل الاختياري، فكل حي فعال، وفي كتاب خلق العباد، نقلا ً عن الإمام نعيم بن حماد – عليه رحمة رب العباد – قال: إن العرب لا تعرف الحي من الميت إلا بالفعل، فمن كان له فعل فهو حي، ومن لم يكن له فعل فهو ميت ١هـ (٢) .
стр. 444
.. وقد قرر نبينا – ﷺ – هذا بقوله: "تسموا بأسماء الأنبياء، وأحب الأسماء إلى الله: عبد الله، وعبد الرحمن، وأصدقها حارث وهمام، وأقبحها حرب ومرة (١) ".
стр. 445
.. وصدور الفعل عن الحي يكون بحسب كمال حياته ونقصانها، فمن كانت حياته أكل كان فعله أقوى، وقدرته أتم، ولما كانت حياة ربنا – ﷻ – هي الحياة الكاملة التامة، كان فعالا ً لما يريد، وعلى كل شيء قدير، ولا يتصف أحد من المخلوقات بأحد ذينك الوصفين، إنما إرادتهم وقدرتهم تتناسبان مع حياتهم، وكم من أمر يريده العباد، ولا يستطيعون فعله، والأمر كما قال الله – جل وعلا –: ﴿وَمَا تَشَاؤُونَ إِلَّا أَن يَشَاءَ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيماً حَكِيماً﴾ الإنسان٣٠، قال الإمام أبو بكر بن العربي – عليه رحمة الله تعالى –: هذه الجملة: ما شاء الله كان، وما لم يشأ لم يكن، من نفيس اعتقاد أهل السنة (١) .
... وأما صفة "القيومية" فيدور معناها على أمرين، كل منهما مراد في خالقنا رب الكونين وهما:
أ) القائم بنفسه: الدائم في وجوده وقيامه بلا زوال.
стр. 446
ب) القائم بتدبير خلقه، في إيجادهم، وفي أرزاقهم، وفي حفظهم (١) .
стр. 447
وحاصل المعنى لصفة القيومية لذات ربنا علية أنه قائم بنفسه مقيم لغيره، والأمر الثاني متوقف على الأول، لأنه لا يتأتى قيام كل موجود به إلا إذا كان قائماً بذاته – – وذانك المعنيان لا يتصف بها أي مخلوق كان، اجتماعاً أو افتراقاً، إنما هما خاصان بربنا الرحمن، قال الله – جل وعز –: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُمْسِكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ أَن تَزُولَا وَلَئِن زَالَتَا إِنْ أَمْسَكَهُمَا مِنْ أَحَدٍ مِّن بَعْدِهِ إِنَّهُ كَانَ حَلِيماً غَفُوراً﴾ فاطر٤١، وقال – ﷻ –: ﴿أَفَمَنْ هُوَ قَآئِمٌ عَلَى كُلِّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ وَجَعَلُواْ لِلّهِ شُرَكَاء قُلْ سَمُّوهُمْ أَمْ تُنَبِّئُونَهُ بِمَا لاَ يَعْلَمُ فِي الأَرْضِ أَم بِظَاهِرٍ مِّنَ الْقَوْلِ بَلْ زُيِّنَ لِلَّذِينَ كَفَرُواْ مَكْرُهُمْ وَصُدُّواْ عَنِ السَّبِيلِ وَمَن يُضْلِلِ اللهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ﴾ الرعد٣٣، والمعنى: هل يستوي شأن من هو حفيظ على كل نفس، عليم بها، رقيب عليها، مهيمن على جميع أحوالها بشأن من هو ليس كذلك من الآلهة المزيفة التي تعبد من دون الله – جل وعلا –؟ فهي لم تخلق عابديها، ولا تستطيع حفظهم، ولا مراقبة أعمالهم، وليس لها هيمنة عليهم في حال من أحوالهم، فـ (من مبتدأ، والخبر محذوف تقديره: كمن ليس كذلك، وسبب حذفه دلالة السياق عليه، فاكتفى بذلك عن ذكره، قال – جل وعلا –: " وَجَعَلُواْ لِلّهِ شُرَكَاء" أي: أعلمونا بهم، واكشفوا عن حالهم، فهم لا حقيقة لهم، ولا يملكون لأنفسهم نفاً ولا ضراً، وقد جاء الخير مثبتاً في آيات كثيرة، مصرحاً بتلك الحقيقة، فمن ذلك قول الله – ﵎ –: ﴿أَفَمَن يَخْلُقُ كَمَن لاَّ يَخْلُقُ أَفَلا تَذَكَّرُونَ (١) ﴾
стр. 448
النحل١٧، وقال – جل وعلا –: ﴿وَاتَّخَذُوا مِن دُونِهِ آلِهَةً لَّا يَخْلُقُونَ شَيْئاً وَهُمْ يُخْلَقُونَ وَلَا يَمْلِكُونَ لِأَنفُسِهِمْ ضَرّاً وَلَا نَفْعاً وَلَا يَمْلِكُونَ مَوْتاً وَلَا حَيَاةً وَلَا نُشُوراً﴾ الفرقان٣.
قال عبد الرحيم – غفر الله له ذنوبه أجمعين –: تقدم أن الحياة التامة تقتضي القيام بالنفس وعدم الاحتياج إلى الغير، وقد أكدت تلك الدلالة في اسم ربنا الحي مرة ثانية في اسم ربنا القيوم، مع إفادة قيام جميع المخلوقات به أيضاً، فهو القائم نفسه المقيم لغيره، فبه قيام جميع الكائنات والأكوان، ولتضمن الحي القيوم ذينك الأمرين، صار ذلك الاسمان الكريمان، مشتملين على جميع صفات ربنا الرحمن، فكل صفة يتصف بها ربنا – ﷻ – لا تكون إلا بعد كونه حياً وما يترتب علي صفاته من آثار، من مخلوقاته من إيجاد أو عدم، ومنع وإنعام، لا يتم إلا بعد كونه قيوماً فعادت جميع صفات ربنا إلى الحي القيوم، وآلت إليهما، فهما أساس الكمالات، وما سبب التنزه عن النقائص والآفات، فالحياة الكاملة، والقيومية التامة توجب ذينك الأمرين وتحتمهما، وعن صفات الرب المجيد تتفرع سائر مباحث التوحيد ن بل إن جميع ما يجري في الكون علويه وسفليه، من عرشه إلى فرشه من آثار صفات ربنا – – ولذلك كان الإيمان بصفات الرحمن أساس الإسلام، وقاعدة الإيمان، وثمرة شجرة الإحسان، وهو مبدأ الطريق، ووسطه وغايته، فهو روح السالكين، وهاديهم، إلى رب العاملين، كما تقدم تقرير ذلك فتذكر ولا تكن من الغافلين.
стр. 449
ولدلالة الحي القيوم على تلك الاعتبارات، كانت آية الكرسي سيدة الآيات – كما تقدم بيان هذا عن خير البريات – عليهم أزكى السلام وأفضل الصلوات – وقد نبه نبينا – عليه صلوات وسلام ربنا – على منزلة الاسمين حال اقترانهما، فاعتبرهما الاسم الأعظم لخالقنا ففي سنن ابن ماجه، ومستدرك الحاكم عن أبي أمامة – رضي الله تعالى عنه – عن النبي – ﷺ – قال: "إن اسم الله الأعظم في ثلاث سورة من القرآن، في سورة البقرة، وآل عمران، وطه"، قال القاسم بن عبد الرحمن الدمشقي الراوي عن أبي أمامة – رضي الله تعالى عنهم أجمعين –: فالتمستها: إنه الحي القيوم (١) .
стр. 450
وذلك لاقتران الحي القيوم في تلك السور فقط فالآية الأولى آية الكرسي وهي في سورة البقرة: (٢٢٥) ، والثانية قول الله – ﷻ – في فاتحة سورة آل عمران: آلم " اللهُ لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ"، والثالثة في سورة طه: ﴿وَعَنَتِ الْوُجُوهُ لِلْحَيِّ الْقَيُّومِ وَقَدْ خَابَ مَنْ حَمَلَ ظُلْماً﴾ طه١١١، قال الإمام ابن القيم – عليه رحمة الله تعالى – في قصيدته الكافي الشافية:
وله الحياة ُ كما لُها فلأجل ِ ذا ... ما لِلمَمات عليه من سُلطان
وكذلك القيومُ من أوصافِه ... ما لِلمَنام عليه من غَشَيَان
وكذاك أوصاف الكمال جميعها ... ثَبتتْ له ومدارُها الوصْفان
فمصحح الأوصاف والأفعال والأسماء ... حقاً ذانك الوَصْفان
ج
ولأجل ذا جاء الحديث بأنه ... في آية الكرسي وذي عمران
اسمُ الإله الأعظم اشْتَملا ... على اسم الحي القيوم مقترنان
فالكل مرجعها إلى الاسمين يَدْ ... ري ذام ذو بَصَر ٍ بهذا الشان (١)
стр. 451
.. ولهذا الاسمين المباركين، خواص عجيبة مجربة محققة، وأدلتها محكمة موثقة، فالإكثار من ذكرهما، والالتجاء إلى الله الكريم بهما، يكسب القلوب، صلة وثيقة بعلام الغيوب، فتزول عن العبد الهموم والكروب، ثبت في سنن الترمذي عن أبي هريرة – رضي الله تعالى عنه – أن النبي – ﷺ – كان إذا أهمه الأمر رفع رأسه إلى السماء، فقال: "سبحان الله العظيم" وإذا اجتهد في الدعاء، قال: "يا حي يا قيوم"، وفي سنن الترمذي أيضاً عن أنس بن مالك – رضي الله تعالى عنه – قال: كان النبي – ﷺ – إذا كربه أمر، قال: "يا حي يا قيوم برحمتك أستغيث (١)
стр. 452
". وثبت في المستدرك وغيره بإسناد صحيح أن النبي – ﷺ – علم ابنته فاطمة – رضي الله تعالى عنها – أن تدعو ربها صباحاً ومساء بذينك الاسمين المباركين قال أنس بن مالك – رضي الله تعالى عنه – قال رسول الله – ﷺ – لفاطمة – رضي الله تعالى عنها –: "ما يمنعك أن تسمعي ما أوصيك به؟ تقولين إذا أصبحت، وإذا أمسيت: يا حي يا قيوم برحمتك أستغيث فأصلح لي شأني كله، ولا تكلني إلى نفسي طرفة عين (١) ".
... وقد عول الصالحون على مداواة قلوبهم بالاستغاثة بالحي القيوم، قال الإمام بن القيم – ﵀ تعالي –: ومن تجريبات السالكين، التي جربوها فألفوها صحيحة: أن من أدمن: يا حي يا قيوم لا إله إلا أنت، أورثه ذلك حياة القلب والعقل، وكان شيخ الإسلام ابن تيمية – قدس الله روحه – شديد اللهج بها جداً وقال لي يوماً: لهذين الاسمين، وهما "الحي القيوم" تأثير عظيم في حياة القلب، وكان يشير إلى أنهما الاسم الأعظم، وسمعته يقول: ومن واظب أربعين مرة كل يوم بين سنة الفجر، وصلاة الفجر، على: يا حي يا قيوم، لا إله إلا أنت برحمتك أستغيث، حصلت له حياة القلب، ولم يمت قلبه (٢) .
стр. 453
أثر ذينك الاسمين من أسماء رب العالمين في حياة المؤمنين الصادقين، إن علم العباد بأن ربهم – جل وعلا – حي لا يموت، قائم بنفسه، وقيام كل شيء به، يلزم منه تعليق قلوبهم بربهم، وإعراضهم عما سواه، وسكونهم إليه، ونفرتهم مما عداه، فبالحي القيوم يتعززون، وبغيره لا يبالون، وباطلاع القائم على أمورهم يكتفون، وبنظر غيره لا يأبهون، فمن عدا الحي القيوم، عاجز مثلهم، فالتعلق به كتعلق الفريق بالفريق، قال الله – جل وعلا –: ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِ اللهِ عِبَادٌ أَمْثَالُكُمْ فَادْعُوهُمْ فَلْيَسْتَجِيبُواْ لَكُمْ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ﴾ الأعراف١٩٤، وقال – ﷻ –: ﴿قُلْ مَن رَّبُّ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ قُلِ اللهُ قُلْ أَفَاتَّخَذْتُم مِّن دُونِهِ أَوْلِيَاء لاَ يَمْلِكُونَ لِأَنفُسِهِمْ نَفْعاً وَلاَ ضَرّاً قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الأَعْمَى وَالْبَصِيرُ أَمْ هَلْ تَسْتَوِي الظُّلُمَاتُ وَالنُّورُ أَمْ جَعَلُواْ لِلّهِ شُرَكَاء خَلَقُواْ كَخَلْقِهِ فَتَشَابَهَ الْخَلْقُ عَلَيْهِمْ قُلِ اللهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ﴾ الرعد١٦.
стр. 454
.. روى الحاكم في المستدرك، والطبراني في المعجم الأوسط عن سهل بن سعد – رضي الله تعالى عنهما – قال: جاء جبريل إلى النبي – ﷺ – فقال: يا محمد: عش ما شئت فإنك ميت، وأحبب من شئت فإنك مفارقه، واعمل ما شئت فإنك مجزي به، واعلم أن شرف المؤمن قيام الليل، وعزة استغناؤه عن الناس (١) .
... أي والله، إن عز المؤمن استغناؤه بربه، ففي القلب خلة وفاقة لا يسدها شيء ألبته، إلا الأنس بذكر الحي القيوم، والتوكل عليه في جميع الشئون، فهذا الذي يسد الخلة، ويغني الفاقة فيكون صاحبه غنياً بلا مال، عزيزاً بلا عشيرة، مهيباً بلا سلطان، وإذا انحرف الإنسان عن ذكر الحي القيوم، والتوكل عليه، فحاله بضد ذلك، فهو الفقير مع كثرة ماله، وهو الذليل مع قوة سلطانه، وهو الحقير مع كثرة عشيرته وأعوانه، ورحمة الله على رابعة العدوية عندما قررت هذا بقولها:
стр. 455
أحببتُ حبيباً لا أعاب بحبه ... وأحببتم من في هواه عُيوب (١)
стр. 456
.. قال الإمام ابن القيم – عليه رحمة الله تعالى –: إن حاجة العبد إلى أن يعبد الله وحده لا يشرك به شيئاً في محبته، ولا في خوفه، ولا في رجائه، ولا في التوكل عليه، ولا في العمل له، ولا في الحلف به، ولا في النذر له، ولا في الخضوع له، ولا في التذلل والتعظيم، والسجود، والتقرب، أعظم من حاجة الجسد إلى روحه، والعين إلى نورها، بل ليس لهذه الحاجة نظير تقاس به، فإن حقيقة العبد روحه، ولا صلاح لها إلا بإلهها الذي لا إله إلا هو، فلا تطمئن في الدنيا إلا بذكره، وهي كادحة إليه كدحاً، فملاقيته، ولا بد لها من لقائه، ولا صلاح لها إلا بمحبتها، وعبوديتها له، ورضاه وإكرامه لها، ولو حصل للعبد من اللذات والسرور بغير الله ما حصل لك يدم له ذلك، بل يتنقل من نوع إلى نوع، ومن شخص إلى شخص، ويتنعم بهذا في وقت ثم يعذب ولابد في وقت آخر، وكثيراً ما يكون الذي يتنعم به ويتلذذ له غير منعم له، ولا ملذ له، بل قد يؤذيه اتصاله به، ووجوده عنده، ويضره ذلك، وإنما يحصل له بملابسته من جنس ما يحصل للجرب من لذة الأظافر التي تحكه، فهي تدمي جلده، وتخرقه، وتزيد في ضرره، وهو يؤثر ذلك لما له في حكها من اللذة، وهكذا ما يتعذب به القلب من محبة غير الله – جل وعلا – هو عذاب عليه ومضرة وألم في الحقيقة لا تزيد لذته على لذة حك الجرب، والعاقل يوازن بين الأمرين، ويؤثر أرحمهما وأنفعهما، والله الموفق المعين، وله الحجة البالغة، كما له النعمة السابقة (١) .
стр. 457
وإذا أقبل العبد على الحي القيوم، وأعرض عمن هو فان معدوم، فإن الله – جل وعلا – سيكون له، ويتولى أمروره، فيجعل له من كل هم فرجاً، ومن كل ضيق مخرجاً، ويرزقه من حيث لا يحتسب. روى الإمام الذهبي – عليه رحمة الله تعالى – في تذكرة الحفاظ: أن الرحلة في طلب العلم جمعت بين المحمدين الأربعة: ابن جرير، وابن خزيمة، وابن هارون الروياني في مصر، فأرملوا، ولم يبق عندهم ما يقوتهم، وجاعوا، فاجتمعوا في بيت واقترعوا على أن من خرجت عليه القرعة يسأل، فخرجت على ابن خزيمة، فقال: أمهلوني حتى أصلي، وقام يصلي فإذا هم بشمعة وخِصِي من قبل أمير مصر، ففتحوا، فقال: أيكم محمد بن نصر؟ فقيل: هذا فأخرج صرة فيها خمسون ديناراً فدفعها إليه، ثم قال: أيكم محمد بن جرير؟ فأعطاه مثلها، ثم كذلك بابن خزيمة، وبالروياني، ثم حدثهم فقال: إن الأمير كان قائلا ً بالأمس، فرأى في النوم أن المحامد جياع قد طووا فأنفذ إليكم هذه الصرر، وأقسم عليكم إذا نفذت فعرفوني (١) .
стр. 458
٤- "لاَ تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلاَ نَوْمٌ":
... السنة: هي النعاس. وهي: فتور يتقدم النوم، وتسترخي به أعضاء الجسم، وليس بنوم، قال عدي بن الرقاع العاملي في قصيدة بمدح الوليد بن عبد الملك:
وَسْنَانُ أقْصَدَهُ النعاسُ فرَنّقّتْ ... في عينه (سِنة ٌ) وليس بنائم
... ففرق بين السنة والنوم، كما ترى، لأن السنة هي: النعاس، يقال: رجل وسنان، ونعسان بمعنى واحد، فالسنة نعاس يبدأ في الرأس، ويظهر أثره مباشرة على الوجه، وبخاصة في العين، فإذا امتد النعاس إلى القلب، واستولى عليه فهو النوم (١) .
стр. 459
.. وتفسير السنة بالنعاس هو المنقول عن السلف الأكياس، روى ابن جرير في تفسيره، والبيهقي في الأسماء والصفات عن ابن عباس – رضي الله تعالى عنهم أجمعين – أنه قال في تفسير قول الله – ﵎ –: "لاَ تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلاَ نَوْمٌ" السنة: النعاس، والنوم: هو النوم، وأخرج عنه أيضاً ابن الأنباري في كتاب الوقف والابتداء والطستي في مسائله أن نافع بن الأزرق، قال له: أخبرني عن قوله – جل وعلا – "لاَ تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلاَ نَوْمٌ"، قال: السنة: الوسنان، الذي هو نائم، وليس بنائم، قال: وهل تعرف العرب ذلك؟ قال: نعم، أما سمعت زهير بن أبي سلمي، وهو يقول:
ولا سِنَة ٌ طولَ الدّهر تأخذهُ ... ولا ينامُ وما في أمره فَنَدُ "فساد"
... وهذا التفسير منقول عن الحسن البصري، وقتادة، ويحيى بن رافع، والضحاك، والربيع بن أنس – ﵏ جميعاً – (١) .
стр. 460
وأما النوم، فقد تقدم أن النعاس إذا امتد من الرأس إلى القلب، واستولى عليه حصل النوم وهو معروف، وتقدم عن ترجمان القرآن – عليه الرحمة والرضوان – أن النوم هو النوم، وفي التعريفات النوم: حالة طبيعية تتعطل معها القوى بسبب ترقي البخارات إلى الدماغ، وفي المفردات: النوم فُسِر على أوجه كلها صحيح بنظرات مختلفة، قيل: هو استرخاء أعصاب الدماغ برطوبات البخار الصاعد إليه، وقيل: هو أن يتوفى الله النفس من غير موت، وقيل: النوم موت خفيف، والموت نوم ثقيل (١) .