← Джавами‘

Джавами‘ · id 21782

خطب ودروس الشيخ عبد الرحيم الطحان

عبد الرحيم الطحان

Полный текст (6 674 стр.). Показаны 3921–3960 · переход к 3926.

стр. 3921

العرب يتمدحون بهذا، هذا حال الكرام. إذا وعد يفى، وإذا أوعد يخلف، لأن كل وعد عند الكريم مقيد بعدم المغفرة. يقول: أنا سأفعل بك وأفعل إلا إذا عفوت هنا مقيد بمشيئتي. هذا بخلاف الإنزال في هذا الحين. إذا وعدك لا يفي، وإذا أوعدك يزيد فى عقوبتك. تستدعي من قبل من لا يخالفون الله. يقولون. مجرد تحقيق. وقد نعطيك كرامة بعد ذلك. تعال لننظر ونتباحث. فتذهب. ليت الأمر يقتصر على سب وشتم. ترى ما لا يخطر ببالك. الوعيد يضاعفه الوعد يخلفه. جاء مرة بعض العتاة إلى بعض المسجونين من المؤمنين في بعض السجون ودخل عليهم بصورة طبيب لينظر إلى أحوال هؤلاء المسجونين. ووضع المعاملة لهم. وماذا عندهم من تذمر لأجل أن يفطم ألسنتهم. فيمر عليهم. مَرّ عل إنسان ومعه السماعة ـ علي أنه طبيب ـ يقول: ماذا بكم؟ كل واحد يقول: أنا سليم بالمائة مائة، لئلا يخبره , لأنهم يعرفون أساليبهم. يقول أنا مرض فيزداد في ضربه. فجاء إلى بعض الناس الذي يظهر أنه حديث عهد بالسجون. قال: مالك؟ قال: ضربوني ضربوني حتي أن أذني هذه ما بقيت أسمع بها. قال: هذه ما تسمع بها؟ قال: ما أسمع. فرقع يده وصفعة علي الثانية فأصم له الثانية؟ !! هذا الذي جاء ليعالج!! هذا حال المؤمنين. والله إن السائمة أرفع قدرا في هذه الحياة من حال المؤمنين الذين ينكبون ويعذبون يشتكي لك بصورة طبيب وهو يتظاهر بالطب. إنما لينظر هل فيهم من يتذمر؟ فضربه علي الثانية فأفقده سمعه!. ثم قال له (١) ألم تسمع إلى قول الأخر: إذا وعد السراء أنجز وعده ... وإن أوعد الضراء فالعفو مانعه ألم تسمع إلى هذا؟ العرب يتمدحون بهذا. فرب العالمين من باب أولي إذا لم يوقع وعيده على من توعده. هل يقال: كذاب أو يقال كريم؟ كريم. لأن هذا الوعيد مقيد في الأصل بمشيئة. إن شاء غفر له. وإن شاء عاقبه

стр. 3922

٢ ـ الأثر الثاني من (بياض) لو قدر أنه عذب مآل إلى الجنة (بياض) فاعل الكبيرة في الآخرة (بياض) إما أن يعاقب وإما أن يغفر له. أما الجنة لا بد من أن، يدخلها قطعاً وجزماً على حسب فضل الله وكرمة. كما أخبرنا علي لسان رسلة عليهم صلوات الله وسلامة لكن ذلك الدخول قد لا يسبق بعقوبة. متي؟ إن غفر له، وقد تسبقة عقوبة. تطول ألف سنة ـ كما سيأتينا في عقوبة بعض العصاة. ـ بعد ألف سنة يخرجه الله وهو ينادي يا حنان يا منان (١) وإذا لم يغفر له لا بد من مطهر. والنار هي آخر المطهرات. قلبها تسع مطهرات. إذا ما طهرت لا بد من العاشر. المطهر الأول: توبة واستغفار. فإذا تاب [التائب من الذنب كمن لا ذنب له] (٢) فإن تاب طهر نفسه. إذا لم يتب. هل عنده حسنات ماحية أم لا؟ ((إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ)) (٣) . [واتبع السيئة الحسنة تمحوها] ما عنده حسنات. فقير حسناته يا الله يا الله أن تقبل. وما عنده تنفل وشيء زائد فما عنده حسنات تمحو المخالفات. نأتي لمطهر ثالث: هل نزل به مصائب في هذه الحياة فـ[لا يزال البلاء في المؤمن والمؤمنة حتي يمشيا علي وجه الأرض وليس عليهما خطيئة] . وكل معصية تكفر من ذنوب الإنسان [حتي الشوكة يشاكها] (٤) .

стр. 3923

((مَن يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ)) (١) قال هذا شيء شديد ـ أبو بكر ﵁ ـ كما ثبت في السنن. قال [يا أبا بكر ألست تمرض، ألست تنصب. ألست تتعب، ألست تصيبك اللأواء ـ المرض والحمي ـ قال: بلي، قال: فذلك مما تجزون به] (٢) ولذلك حقيقة ـ وكلّ البلاء بالولاء، بولاية الله، من أراد الله أن يصطفيه وأن يواليه وألا يعاقبه في الآخرة , يصب علية العقوبات والشدائد والمصائب واعتداء السفهاء في هذه الحياة ليلقي الله وليس عليه خطيئة. ولو كان المؤمن في جحر ضبّ لقبض الله له من سيؤذيه ليرفع بدرجته، قال نبي الله داود علي نبينا وعليه صلوات الله وسلامه: يا رب كف ألسنة الناس عني.

стр. 3924

قال: هذا شيء ما ارتضيته (بياض) هم يتكلمون عليّ فمن؟ أنت؟ !. الله مع الأنس والجن في نبأ عظيم. يخلق ويعبد غيره يرزق ويشكر غيره. ولا أحد أصبر علي أذي سمعه من الله. ولذلك قال الله في الإفك: ((إِنَّ الَّذِينَ جَاؤُوا بِالْإِفْكِ عُصْبَةٌ مِّنكُمْ لَا تَحْسَبُوهُ شَرًّا لَّكُم بَلْ هُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ)) (١) سبحان الله! أمنا زوجة نبينا علية الصلاة والسلام بنت أفضل الصديقين علي وجه الأرض، وخير خلق الله بعد النبيين والمرسلين يتكلم علي عرضها. وهذا خير لنا؟ تعم خير لنا. حقيقة خير لنا. أولاً: هذه الخيرية تنال أجراً عند رب البرية، لعل الله أدخر لها مقاماً عظيماً لا تناله إلا بهذا ولذلك سيدة نساء هذه الأمة خديجة وابنتها فاطمة وأمنا عائشة. واختلف في تفضيل الواحدة منهن علي الباقي. والمعتمد أن كل واحدة أفضل من جهة من الجهات واعتبار من الاعتبارات. إذن هذه سيدة نساء هذه الأمة.

стр. 3925

أمر ثان: هي تكون أسوة للمسكينات في آخر الزمان سيتكلم عليهن. فعندما تقول أمي تكلم عليها. من أنا؟ إذن أصبر كما صبرت، تظهر المعادن والحقائق بعد ذلك. كيف ثبت المؤمنون وقالت أم أيوب لزوجها أبي أيوب: يا أبا أيوب أما تسمع ما يتحدث الناس عن عائشة؟ ((لَوْلَا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ ظَنَّ الْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بِأَنفُسِهِمْ خَيْرًا وَقَالُوا هَذَا إِفْكٌ مُّبِينٌ)) (١) قال:يا أم أيوب، قد سمعت لو كنت مكانها أكنت تزنين؟ قالت أعوذ بالله! قال: فهي خير منك وأبوها خير من أبيك وزوجها خير من زوجك. أي أنت تنزهين نفسك، كيف بعدها تقولين: أما تسمع ما يتحدث الناس..؟ سمعت لكن كما قال الله ((ظَنَّ الْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بِأَنفُسِهِمْ خَيْرًا)) (٢) أنظر لهذه المعادن وقال الصحابه: يا رسول الله ﵊ إن الله لم يرض لك أن يكون القذى في خفيك. ونعليك. عندما صليت وفيها أذي نزل جبريل وقال لك: في تعليك أذي فاطرحمها. فطرحهما وهو يصلي. فكيف يرضي أن يكون الاذي في لباسك. وفيمن هو لباس لك وأنت لباس له؟ ! كيف هذا؟.

стр. 3926

أنظر لهذه المعادن كيف ظهرت مع أنها حقيقة مصيبة تتفطر منها الجبال. ثم ليظهر العفو والفضل. من الذي خاض في الإفك؟ من جملة من خاض. مسطح ابن خالة أبي بكر. يتكلم على أمة وقريبته وزوجة النبي ﵊ أجتمعت النقائض. لما قال الله: ((وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا)) (١) . قالوا: عفونا وعفرنا وصفحنا. والله يعفو عنا وعنهم. (بياض) مسطح ... يحط قدر النجم من أفقه وقد جري منه الذي قد جري ... وعوقب الصديق في حقه

стр. 3927

حقيقة هذا خير لنا. ولذلك البلاء. [أشد الناس بلاءً الأنبياء ثم الأمثل فالأمثل] (١) فإذا أراد الله به خيراً طهره بمصيبة من المصائب. بمرض، باعتداء سفيه. بتهمه تنتشر عليه.. ببلاء من البلايا التي تنتشر في هذه الحياة. ما حصل له هذا يأتي البرزخ هناك مطهر: [القبر روضه من رياض الجنة أو حفرة من حفر النار] (٢)

стр. 3928

وقد يعذب في النار البرزح يوماً، وقد سنة، وقد إلي يوم القيامة، وقد لا يكفيه التطهير، ينتقل بعد ذلك إلي عرصات الموقف، فإذا لم تطهرة المطهرات الأخرى يدخل النار. في البرزخ هذا مطهر رابع. مطهر خامس: الدعاء من المؤمنين في هذه الحياة , أما ندعوا نحن للمؤمنين والمؤمنات؟ أما تدعوا أن ينصر الله المسلمين وان يغفر لهم؟ كل مسلم يناله من هذه الدعوة نصيب، فإذا طهر بهذه الدعوة وصلت له تلك الحسنات ونفعته، نعمة، ما طهر، مطهر سادس بعد موته: أما نصلي عليه ونشفع له وندعوا؟ ونهدي له من الحسنات ((رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ)) (١) في الحياة وبعد الممات. كل هذا ما نفع وصله وعليه ذنوب أمثال الجبال تهامة , ما كفت المطهرات الست، مطهر سابع: أهوال يوم القيامة وشدائدها ((يَوْمًا يَجْعَلُ الْوِلْدَانَ شِيبًا)) (٢) هذه كلها تخفف عن المؤمن. إن طهرت فالحمد لله. إذا ما طهر تأتي بعد ذلك شفاعة الشافعين من نبينا الأمين علية صلوات الله وسلامه، والصالحين. ما نفعته هذه الشفاعة، وذنوبه أكثر , عفو الله ورحمته، أيضاً عنده ما يستوجب العذاب. بقي المطهر العاشر لا بد منه وهو: الكير. والكير هذا حقيقة يطهر من لا يقبل التطهير ما قبل مطهراً من المطهرات التسعة يدخل إلي الكير ليطهر. إذن: إذا ادخل النار ولم يطهره مطهر من المطهرات المتقدمة، مآله إلي الجنة، فإن بياض ولدت نصوص تخبر بأنه لا يدخل الجنة، وهو يخلد في النار، كما تقدمت معنا نصوص في حالة في الدنيا نحو الإيمان اخرج من الإيمان وصف بالكفر بالنفاق، بالجاهلية ليس من عداد المسلمين وبين المعني الحق فيها جمعاً بينها وبن النصوص الأخرى، عندنا هنا نصوص أخبرتنا أن فاعل الكبيرة يخلد في النار، ولا يدخل الجنة وهذا هو ما استدل به في الظاهر الخوارج والمعتزلة الأباضية ـ الآن.

стр. 3929

لكن قلنا أشجعهم وأرذلهم الخوارج ومن عداهم مخانيث لهم، أما أولئك قالوا: النصوص كفرتهم فنحت نقول كفارهم مخلدون في النار. أما المعتزلة الاباضية قالوا: لا لا نكفرهم، لكن نقول: في النار، طيب لِمَ؟ لا تفرقون بين النصوص! لا خوارج ولا سنة؟ إما هذا وإما هذا. ولذلك قلت لكم: قول المعتزلة وقول الاباضية في هذه المسألة ما سبقهم إليه مؤمن ولا كافر. لا انس ولا جن. أنهم يخلدون في النار وليسوا بكفار. كيف ستخلد الموحد في النار؟ ! فأولئك خلدون. قالوا: لأنة كافر، أما أنت تقول ليس بكافر ومخلد؟! وتقول: من قال انه كافر خالف الكتاب والسنة إجماع الأمة، كيف خالف الكتاب والسنة؟ وتقدم معنا أحاديث: [كفر بالله من انتقي من نسب] (١) ، [اثنتان هما في أمتي كفر] (٢) إذا هذا خالف السنة؟ هذا اسعد بالسنة منك منة حيث الظاهر، أما أنت، أنت الذي تناقض نحو السنة فلا صرت خارجي ولا صرت سني، تذبذبت بين هؤلاء وهؤلاء، وما ثبتت قدمك لا علي حق ولا علي باطل، وإما باطل واضح، وإما حق واضح، جئت تخلط بين هذا. وقلت لا نكفره. كما قال أهل السنة لكن قلت: لا نقول يدخل الجنة. نخلده في النار. كيف تأخذ الطرف من قول الخوارج وطرف منة قول أهل السنة؟ هذا هو الضلال المبين. إن قيل لنا: وردت نصوص. النصوص ذكرها هنا، ونحن لسنا ممن يؤمن ببعض الكتاب ويكفر ببعضة، كما هو الحال في حق فاعل الكبيرة، هل ننفي عنه الإيمان أم لا؟ ذكرنا النصوص وأولناها جميعاً بين النصوص الاخري. لئلا نلغي شطراً من كلام النبي علية الصلاة والسلام. ونحن قنا: النصوص عندما تتعارض في الظاهر لا بد من الجمع بينها. لئلا نهمل كلام النبي علية الصلاة والسلام علي حسب الهوى والتشهي.

стр. 3930

فإن قيل: وردت نصوص تخبر بأن فاعل الكبيرة لا يدخل الجنة. منها ما ثبت في صحيح مسلم عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: [لا يدخل الجنة من لا يأمن جارة بوائقه] هذا من النصوص التي موردة هنا. وفي غيره من الكتب (١) . وثبت في مسند الإمام أحمد (بياض) ويستدل به (٢) ـ لا يدخل الجنة (بياض) رحم] وثبت فى المسند (بياض) وسنن أبي داود بسند صحيح عن عقبة بن عامر. أن النبي ﷺ قال: [لا يدخل الجنة صاحب مكسْ] وهم أصحاب الضرائب ـ الرسوم ـ التي فرضت علي المسلمين في هذه الأيام. وهكذا الذي يعشّرون الناس، ويأخذون منهم ضرائب الجمارك وغيرها. وثبت في المسند والمستدرك وشعب الإيمان للبيهقي بسند صحيح عن ابن عمر ﵄ أن النبي ﷺ قال: [ثلاثة لا يدخلون الجنة: العاق لوالديه. والديوث. ومدمن الخمر.] وفي رواية بدل: مدمن الخمر: [رجلة النساء] .

стр. 3931

إذن هؤلاء لا يدخلون الجنة. وهذا تصريح النبي علية الصلاة والسلام فقال الاباضية والمعتزلة والخوارج: لا يدخل الجنة. لكن نقول. وردت نصوص تكفر. كفرتموه كما كفره الخوارج: قال: لا نكفره. نؤمن ببعض الكتاب ونكفر بعض، نقول، وردت نصوص تخبر بأنه مآله إلى الجنة. يقول: نلغي النصوص التي تكفر ونلغي النصوص التي تدخله الجنة. نقول. فقط مخلد في النار ولا يدخل الجنة. وهل هي علي حسب الهوى فقط؟ ! نصوص أخري وردت بأنه يخلد في النار. قال الله في كتابه ـ وهذه عمدة المؤلف هنا في البحث الذي أورده في خلود أهل الكبائر في النار (١) مقدمه وثلاثة فصول وخاتمةـ ((وَمَن يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُّتَعَمِّدًا فَجَزَآؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا)) (٢) إذن إذا قتل إنسان مؤمناً متعمداً فبه هذه العقوبة ((فَجَزَآؤُهُ جَهَنَّمُ)) ماذا قال الله فيه؟: ((خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا)) .

стр. 3932

وثبت في المسند والكتب الستة (١) عن أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: [من قتل نفسه بحديده فحديدته في يده يجأ بها في بطنه في نار جهنم خالداً مخلداً فيها أبداً. ومن تحسَّ سُمّاً فقتل نفسه فسمّه فى يده يتحسّاه في نار جهنم خالداً مخلداً فيها أبداً. ومن تردي من جبل فقتل نفسه فهو يتردى في نار جهنم خالداً مخلداً فيها أبداً.] إذن عندما نصوص تقول: لا يدخل الجنة، وعندنا نصوص تقول: هو مخلد في النار فماذا تفعلون بها وأنتم تقولون إنه في الجنة؟ قلنا: لا يجوز النظر بعين وإغماض الاخري. فلا بد من أن ننظر بالعين. وأن نؤمن بما ورد عن نبينا ﵊ ورد عن نبينا علية الصلاة والسلام وتواتر أن العصاة يخرجون من النار بعد أن يدخلوها. فهذه الأحاديث إذن معناها: هذا لا يدخل الجنة ويخلد في النار إن استحل ذلك. لأنه كافر. والكافر لا يخرج إلي الجنة، ويخلد في النار. كما تقدم معنا في الدنيا يُنفي عنه الإيمان علي أحد الاعتبارات الخمسة: إن استحل ... وهنا: [لايدخل الجنة صاحب مكس] . [لا يدخل الجنة قاطع رحم] إن استحل العقوق والضرائب فهو كافر يخلد فى نار جهنم. وإذا قال أنا مخطيء. عاصي. لعل الله يغفر لي هذا له حكم آخر. سيأتي إشارة نبينا علية الصلاة والسلام إليه.

стр. 3933

الأمر الثاني: نقول: هو لا يدخل الجنة: ويخلد في النار إن لم يقم مانع يمنع من ذلك. والمانع توبة أو مطهر من المطهرات العشرة المتقدمة. فإذا تاب قطع رحمة ولعن والده ثم جاء وقبل رجليه ووضع رقبته تحت رجلي والدية وقال. أنا ما أرفع رقبتي حتى تستغفرا لي. فقالا: يا ولدي الله يغفر لك. وبقي بعد ذلك طول حياته يحمل حذاء والدية ويقبلهما ويدعوا لهما بعد موتهما.. يناله الوعيد؟ يا معشر الخوارج هذا في النار؟ قالوا: لا. يا معشر الاباضية في النار؟ قالوا: لا. يا معشر المعتزلة فى النار؟ قالوا: لا؟ لِمَ؟ يقولون. تاب نقول: إذن إذا وجد مانع يمنع وقوع الوعيد لا يناله الوعيد. فإذن هذا جزاؤه إذا لم يمنع من ذلك مانع. والموانع عندنا موجودة. الأمر الثالث: ذكره الإمام أبن كثير في تفسيره نقلاً عن أبي هريرة. وعن جماعة من السلف ﵃ أجمعين: قالوا: هذا جزاؤه الذي يستحقه إن جازاه الله به. وقد أخبرنا أنه لن يجازي بهذا أحداً من أهل التوحيد، فأخبره بهذا الأمر ليتقطع قلبه. كما تقدم معنا هناك قلنا [كفر بالله من انتفي من نسب] زوال الأيمان وخروجه من المله واتصافه بالكفر إنما يقصد بذلك التخويف والتغليظ بأمر يخلع منه القلب. لأن كل واحد يكره الكفر. ولا يريد أن يزول عنه الإيمان. وبالتالي ينكف عن الذنوب والآثام. وهنا كذلك. هذا جزاؤه الذي يستحقه إن جازاه الله به. لكن أخبرنا أنه لن يجازي موحداً بهذا. ولن يخلد عاصياً فى النار. ما الدليل علي ما تقولون؟

стр. 3934

اسمعوا للأحاديث التي استدل بمن خرج الأحاديث التي استدل بها الخوارج. فإذا كان (بياض) روي البخاري ومسلم. أخرج الطبراني. روي أحمد والبزار والحاكم. روي الشيخان. [من شرب الخمر فى الدنيا يحرمها في الآخرة] وهو كناية عن حرمانه من دخول الجنة. أخرج البخاري [من استرعاه الله رعية ثم لم يلحقها بنصحه إلا حرم الله عليه الجنة] أحاديث.. علي العين والرأس. روي الشيخان. [من قتل نفسه بحديده..] . [لا يدخل الجنة نمام..] (١) أحاديث ذكرتها معزوة للبخاري ومسلم ونحن أمنا بها وذكرنها. والله لا يرد حديثا منها إلا من هو ضال. أضل من حمار. لكن تعال: إذا كنت تأخذ برواية البخاري ومسلم وأئمة أهل السنة. فاسمع لهذه الروايات وأخبرنا ماذا سنفعل بها؟ !

стр. 3935

ثبت فى الصحيحين من حديث أبي سعيد الخدري. وبوب عليه البخاري فى كتاب الإيمان باباً يشير به إلي تفاوت المسلمين فى العمل الصالح فقال باب تفاصيل أهل الإيمان فى الأعمال وبعضهم يخطيء وبعضهم يحس. والحديث فى صحيح مسلم أيضاً. عن النبي ﵊ قال: [يدخل أهل الجنة الجنة، وأهل النار النار ثم يقول الله ـ إذن يقول متي؟ بعد أن دخلوا النار ـ: أخرجو من كان في قلبه مثقال حبة من خردل من إيمان. فيخرجون منها قد اسودوا فيلقون في (بياض) (١) شك مالك ـ فينبتون كما تنبت الحِبَّة (٢) في (بياض) السيل أو حميل السيل (بياض) تخرج صفراء ملتوية؟] هذا حديث في الصحيحين. وصرّح بأنهم يخرجون. فإذا كنت تؤمن ما رواه البخاري ومسلم ماذا تقول فى هذا؟ نكفر به؟ أم نجمع بين هذا وذالك؟ فأي الفريقين أهدي سبيلا؟ أهل البدع يستدلون بقسم ويكفرون بقسم ـ كما قلت لكم ـ هذا حالهم فى القديم والحديث يؤمنون بعض الكتاب ويكفرون ببعض.

стр. 3936

وأمنا به كل من عند ربنا. حديث آخر رواه الإمام البخاري أيضاُ في صحيحة. وبوّب عليه فى كتاب الإيمان باباً يشير به إلي هذا فقال: باب في زيادة الإيمان ونقصانه، عن أنس ﵁ عن النبي ﷺ قال: [يخرج من النار من قال لا اله إلا الله وفي قلبه وزن شعيرة من خير (١) ويخرج من النار من قال لا اله إلا الله وفي قلبه وزن بُرَّه (٢) من خير، ويخرج من النار من قال لا اله إلا الله وفي قلبه وزن ذَرَّةٍ من خير (٣) ] الحديث في صحيح البخاري ماذا تعمل به؟. كما قلنا إذن يدخل النار لكنه لا يخلد. هذا إن دخل.

стр. 3937

وثبت في مسند الإمام أحمد (١) ورواة أبو يعلي (٢) والحديث حسن شواهده: عن أنس ﵁ عن النبي ﷺ قال: [يقول بعض أهل النار وينادي ويستغيث ويصرخ ألف سنة: يا حنان يا منان. فيقول الله لجبريل ـ علي نبينا وعليه صلوات الله وسلامه ـ ليأتي بهذا الذي ينادي من ألف سنة. فيذهب جبريل. ـ علي نبينا وعليه صلوات الله وسلامه ـ ليأتي بهذا الإنسان. فيري أهل النار منكبين يبكون لا يميز واحداً من آخر فيقول: يا رب ما عرفته. فيقول: هو في مكان كذا فأتني به. فيحضره جبريل إلي ربنا الجليل ـ علي جبريل وعلي نبينا وعليه صلوات الله وسلامه ـ فيقول الله لهذا العبد. كيف وجدت منزلك، ومقيلك يا عبدي؟ يقول: شر منزل وشر مقيل يا رب فيقول الله: أعيدوه إليها. فيقول: يا رب ما كان هذا ظني بك. يقول. وما كان ظنك؟ يقول. ظني إذا أخرجتني ألا تعيدني، فيقول الله: دعوه] (٣) ماذا نفعل بهذه الأحاديث ومثلها كثير؟ والأمر حقيقة يستدعي أن نذكر شيئا من الأحاديث التي تفيد التواتر في هذا وأن فاعل الكبيرة إن عذب مآله إلي الجنة , ولن يخلد احد من عصاه الموحدين في النار الجحيم.

стр. 3938

ثبت في الصحيحين وغيرها من حديث أنس بن مالك ﵁ في حديث الشفاعه، وفيه يقول ربنا لنبينا ﵊: [ارفع رأسك وقل يسمع لك وسل تعط واشفع تشفع فيقول: يا رب أمتي أمتي، فيقول: انطلق فمن كان في قلبه مثقال حية من بُرَّة أو شعيرة من إيمان فأخرجه منها فأنطلق فأفعل، ثم أرجع إلي ربي فأحمده بتلك المحامد ثم أخر له ساجداً، فيقال لي: يا محمد. ـ علية الصلاة والسلام ـ ارفع رأسك وقل يسمع لك وسل تعط واشفع تشفع فأقول: يا رب أمتي أمتي، فيقال لي: انطلق فمن كان في قلبه مثقال حبة من خردل من إيمان فأخرجه منها. فأنطلق فأفعل. ثم أعود إلي ربي فأحمده بتلك المحامد ثم أخر له ساجداً ـ للمرة الثالثة ـ فيقال لي: يا محمد ـ علية الصلاة والسلام ـ ارفع رأسك وقل يسمع لك وسل تعط واشفع تشفع. فأقول: يا رب أمتي أمتي فيقال لي: انطلق فمن كان في قلبة أدني أدني أدني من مثقال حبة من خردل من إيمان فأخرجه من النار فأنطلق فأفعل.] هذا الحديث رواه أنس ﵁ للتابعين بعد وساطة. قال معبد بن هلال العنزي: انطلقنا إلي انس بن مالك وتشفعنا بثابت البناني (١) إلي انس ليحدثنا فنتهينا إلية وهو يصلي الضحي فأستأذن لنا ثابت فدخلنا علية واجلس ثابت معه علي سريره وقال له يا أبا حمزة إن إخوانك من أهل البصرة يسألونك أن تحدثهم حديث الشفاعة فحدثهم بهذا الحديث يقول معبد فقلنا لو ملنا إلي الحسن فسلمنا علية وهو مستخف في دار أبي خليفة (٢)

стр. 3939

فدخلنا علية فسلمنا علية قلنا أبا سعيد جئنا من عند أخيك أبا حمزة فلم نسمع بمثل حديث حدثناه في الشفاعة قال هيه ما هو؟ فحدثناه الحديث فقال هيه قلنا ماذا دنا؟ قال: قد حدثنا ـ يعني ماحدثنا إلا هذا الحديث ما له زيادة؟ قلنا ماذا دنا اقتصر إلي هنا (فقال الحسن البصري قد حدثنا به منذ عشرين سنة وهو يومئذ جميع (١) ولقد ترك شيء ما ادري: انسي الشيخ أم كرهه أن يحدثكم فتتكلوا؟ فقلنا له حدثنا فضحك وقال: خلق الإنسان من عجل. ما ذكرت لكم هذا إلا وأنا أريد أن احدثكموه قال: ثم ارجع إلي ربي ـ في الرابعة ـ فأحمده بتلك المحامد ثم أخر له ساجداً. فيقال لي: يا محمد ارفع رأسك وقل يسمع لك وسل تعط واشفع تشفع. فأقول: يا رب ائذن لي فيمن قال لا إله إلا الله. قال: فليس ذلك لك. أو قال الله له: ليس ذلك إليك. ولكن وعزتي وجلالي وكبريائي وعظمتي لأخرجن من قال لا إله إلا الله (٢) ] أي هذه شفاعتي الأن ليست شفاعتك ـ قال فأشهد علي الحسن انه حدثنا به انه سمع انس ابن مالك أراه قال: قبل عشرين سنة وهو يومئذ جميع. الحديث في الصحيحين فماذا نفعل يا صاحب كتاب " الحق الدامغ "؟ نردّه؟ نرد هذا الحديث وندمغه، وهو كلام النبي علية الصلاة والسلام.

стр. 3940

حديث آخر: رواه الإمام مسلم في صحيحه عن أبي سعيد الخدري ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : [أما أهل النار الذين هم أهلها فلا يمتون فيها ولا يحيون، ولكن ناس إصابتهم النار بذنوبهم، أو قال: بخطاياهم، فأماتتهم إماتة حتى إذا كانوا فحماً إذن بالشفاعه فجيء بهم ضبائر ضبائر (١) ، فبثوا علي انهار الجنة، ثم قيل يا أهل الجنة أفيضوا عليهم، فينبتون نبات الحبة في حميل السيل، فقال رجل من القوم: كان رسول الله ﷺ قد كان بالبادية (٢) ] حديث آخر: في سنن الترمذي وقال: حسن صحيح. عن جابر بن عبد الله ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : [يعذب أناس من أهل التوحيد في النار حتى يكونون فيها حمَمَاً ـ فحماً محترقاً ـ ثم تدركهم الرحمة فيخرجون منها فيطرحون علي أبواب الجنة، فيرش عليهم أهل الجنة الماء فينبوت كما ينبت الغثاء في حمالة السيل ثم يدخلون الجنة] (٣) . حديث آخر: في صحيح مسلم عن جابر بن عبد الله ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : [إن قوماً يخرجون من النار يحترقون فيها إلا دارات وجوههم حتى يدخلوا الجنة] . ولا يعذب الله وجوه الموحدين لأمرين: إما سجدوا لله في حياتهم وصلوا له، ولو قدر أنه لم يحصل. فهذه الوجوه ستري رب العالمين في النهاية، فلا يجعل الله عليها أثر مساءة ومذلة إكراماً لما سيحصل لهذه الوجوه من الكرامة، لا تتغير الوجوه (٤) .

стр. 3941

حديث آخر: في الصحيحين من حديث جابر بن عبد الله ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ [يخرج من النار قوم بالشفاعة كأنهم الثعارير قلنا: وما الثعارير؟ قال: الضغابيس] ما الثعابير والضغابيس؟ هي صغار القثاء ـ من فصيلة الخيار ـ إشارة إلي أن أجسامهم هزيلة ضعيفة من كثرة العذاب، وفي رواية: [إن الله يخرج ناساً من النار فيدخلهم الجنة] وفي أخري: [إن الله يخرج قوماً من النار بالشفاعه] . وفي صحيح البخاري وسنن أبي داود والترمذي من حديث عمران بن حصين ﵄. أن النبي ﷺ قال: [يخرج قوم من النار بشفاعة محمد ﷺ فيدخلون الجنة، ويسمون الجهنميين (١) ] (٢) وفي صحيح البخاري عن أنس بن مالك ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: [يخرج من النار قوم بعد ما مسّهم منها سفْعٌ. فيدخلون الجنة فيسميهم أهل الجنة: الجهنميين] .وهذا في أول الأمر ثم يزول عنهم الاسم بعد ذلك.

стр. 3942

والأحاديث في هذا كثيرة أختمها بحديث الترمذي الذي هو حسن بشواهده. عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: [إن رجلين ممن دخلا النار يشتد صياحهما فقال الرب: أخرجوهما، فقال لهما: لأي شيء إشتد صياحكما؟ قالا: فعلنا ذلك لترحمنا. قال: فإن رحمتي لكما أن تنطلقا فتلقيا أنفسكما حيث كنتما من النار. فينطلقان فيلقي أحدهما نفسه، فيجعلها الله علية برداً وسلاماً، ويقوم الآخر فلا يلقي نفسه، فيقول له الرب تبارك وتعالي: ما منعك أن تلقي نفسك كما ألقي صاحبك؟ فيقول: رب أني لأرجو ألا تعيدني فيها بعد ما أخرجتني، فيقول له الرب ـ تبارك وتعالي ـ: لك رجاؤك فيدخلان جميعاً الجنة برحمة الله] هذه الأحاديث. ماذا نعمل بها؟ أنا أريد أن أعلم: إذا كنت تؤمن بصحيح البخاري والترمذي وغيره، ماذا تعمل بهذه الأحاديث؟؟. إخوتي الكرام: أنظروا الموقف أهل السنة المهتدين، قال أهل السنة: من آتي ببدعة مكفرة. فنفي لله صفه ثابته. أو قال شيئاً بتأويل (١) لكن حكم عليه بالكفر، يقول المحققون من أهل السنة: مع أننا حكمنا عليه بالكفر لن يسوى الله بينه وبين الكافر الحقيقي. فهذا أتي ببدعة مكفرة. فلآجل الحكم الظاهري قلنا أنه كافر. لكن هذا سجد لله وصام وصلي. لكنه من هؤلاء الجهميه، يقول: القرآن مخلوق. الله لا يتصف بصفه، الله ما قدّر شيئاً.... من أهل البدع الذين قالوا بدعاً كثيرة وضلوا فحكم عليهم بالكفر لأجل بدعتهم المكفرة. في موضوع الخلود في النار قال أئمتنا: (بياض) نمسك , فأمرهم إلي الله. وبعضهم قال: نرجوا لهم أن يخرجون مع أننا حكمنا عليهم بالكفر. لأن ظاهر الحكم في الدنيا ينطبق عليهم أنهم كفار.

стр. 3943

أنظر للإمام الذهبي في ترجمة العبد المخذول بشر المريسي (١) ـ من قضاة وأركان المعتزلة من الجهميه ـ يقول في ترجمة: هذا بشر الضلالة والشر. كما أن بشر الحافي هو بشر الهدي والخير. وهكذا أحمد بن أبي دؤاد هو أحمد الضلالة. كما أن احمد بن حنبل هو أحمد الهداية. وختم الإمام الذهبي ترجمة بشر بقوله (٢) ومن كُفَّر ببدعة وان جلّت ليس هو مثل الكافر الأصلي ولا اليهودي والمجوس. أبا الله أن يجعل من آمن بالله ورسوله واليوم الآخر وصام وصلي وحج وزكي، وإن ارتكب العظائم وضل وابتدع كمن عاند الرسول ﷺ وعبد الوثن ونبذ الشرائع وكفر. ولكن نبرأ إلي الله من البدع وأهلها. أهـ. نبرأ: لا شك فيه، لكن مع هذا من كُفَّر اعتقادنا: لن يجعل الله مآله في النهاية كنهاية الكافر الأصلي واليهودي والنصراني والمجوس ومن عاند الرسول ﷺ وعبد الوثن. كيف سيجعل الله من وحده كمن جحده وكفره؟ ّ أسال الله أن يثبت الإيمان في قلوبنا وأن يرزقنا إيماناً كاملاً ويقيناً صادقاً وأن يرزقنا استقامة علي الإيمان والعمل الصالح وأن يفرج كروبنا وأن يغفر ذنوبنا إنه أرحم الراحمين وأكرم الأكرمين. إخوتي الكرام تقدم معنا أن الذنوب تنقسم إلي ثلاثة أقسام، علي بعض الاعتبارات فهي إما أن تكون في دائرة إذا وقع الإنسان فيها لا يغفر له. وهو يخلد في نار جهنم. وهذا في معصية الشرك. وإما أن تكون المعصية التي يقع فيها لا بد من وقوع المقاصة عليها والعقوبة. وهي إذا كانت بين العبد وبين العباد والمخلوقات. والأمر الثالث: إذا كانت بين العبد وربه فيما بينه وبين خالقه مما ليس بشرك. فالعفوا فيه أقرب. كما تقدم معنا.

стр. 3944

وقلت أيضاً: إن الذنوب علي كثرتها وتنوعها لا تخرج عن شكل من أشكال أربعة: إما أن تأخذ شكل الاتصاف بالصفات البهيمية. أو الصفات السبعيه. أو بالصفات الشيطانية. أو أن يتصف المخلوق بما لا ينبغي له أن يتصف به من الصفات التي هي خاصة بربنا جل وعلا كالكبر وحب المدح والعظمة وغير ذلك. والآن أقول: الذنوب تنقسم ـ أيضاً ـ إلي أربعة أقسام: ذنب لا يغفره الرحمن وهو الشرك والكفر وذنب تقدم معنا أن الله جل وعلا يغفره لعبده بشرط وهو الصغائر، تغفر بشرط اجتناب الكبائر ((إِن تَجْتَنِبُواْ كَبَآئِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَنُدْخِلْكُم مُّدْخَلاً كَرِيمًا)) (١) الشرك لا يغفر. والصغائر مغفورة بكرم الله إذا إجتنب الكبائر. بقي معنا نوعان من أنواع الذنوب: الكبائر والبدعة. وعلي صاحب هاتين المعصيتين سنتكلم الآن: صاحب الكبيرة وصاحب البدعة لا نخرجه من حظيرة الإسلام. ولا نحكم عليه بالخلود في النيران مهما كانت بدعته إذا لم تكن مكفرة، وفيها إنكار ما هو معلوم من الدين بالضرورة. وهكذا في حق فاعل الكبيرة إذا لم يستحل هذه المعصية فلا نحكم علية بالكفر ولا نقول إنه مخلد في نار جهنم، ففاعل الكبيرة والمتلبس ببدعة هو لا يخرج من الإيمان في هذه الحياة. ومآله إلي نعيم الجنات بعد الممات مهما عذب في نار جهنم. ولن يخلد موحد من الموحدين (٢) . فمن حُكِمَ عليه أيضاً بالكفر من أجل بدعته بما أنه صدر منه توحيد لله جل وعلا. وصدر منه شيء من الطاعة. لكنه ضل في بعض الجوانب. بما أنه له اسم الإسلام، نرجو له أن يدخله الله غرف الجنان في المآل. ولا يخلد في النار، كحال اليهودي والنصراني وسائر الكفار الأشرار. وعليه إخوتي الكرام: ينبغي أن نحذر أمرين إذا كنا من أهل الإيمان: الأمر الأول: ألا نكفر أهل الإسلام. الأمر الثاني: ألا نحكم لواحد منهم بالخلود في النيران.

стр. 3945

هذان الأمران ينبغي أن يكونا علي بالنا، لا سيما في هذا الزمان، لا نحكم علي مسلم بالكفر مهما فعل من المعاصي والقاذورات إذا لم يستحل. ولا نحكم علية بالخلود في النار، أمره مفوض إلي ربه جلا وعلا. ? أما الأمر الأول إخوتي الكرام: فقد ذكرت أدلته. إنما أريد أن أوضحه زيادة إيضاح هنا: الحكم علي الناس بالكفر إذا لم يستوجبوا ذلك، الحكم علي الناس بالكفر إذا فعلوا المعاصي والموبقات، كبير خطر فظيع، خذرنا نبينا ﷺ منه. ففي مسند الإمام أحمد والصحيحين وموطأ الإمام مالك وسنن الترمذي، من حديث ابن عمر ﵄. والحديث أخرجه البخاري أيضاً عن أبي هريرة ﵃ أجمعين. أن النبي ﷺ قال: [من قال لأخية يا كافر فقد باء بها أحدهما] وفي رواية [إذا قال الرجل لأخيه يا كافر فقد باء بها أحدهما إن كان قال، وإلا رجعت عليه.] أي إذا كان هذا المقول له هذه المقولة كافراً في الحقيقة فقد أخبر إذن عما ينطبق عليه الحال، وعما يتصف به الإنسان، وإذا لم يك يكن المقول له هذه المقوله كافراً يرجع شؤم هذه المقاله علي قائلها [إن كان كما قال وإلا رجعت عليه] وفي رواية البخاري عن أبي ذر ﵁ عنه [إن كان كما قال صاحبه، وإلا ارتدت عليه إذا لم يكن صاحبه كذلك] . فإذن من قلت عنه إنه كافر، كافراً في الحقيقة فقد انطبق علية هذا الوصف، وأخبرت عن الحكم الذي ينطبق عليه ويتصف به، وإذا لم يكن الأمر كذلك ترجع علي القائل هذه الكلمة ويكون شؤمها ووزرها قبحها علية.

стр. 3946

إخوتي الكرام: وليس في الحديث تعلق لأهل الضلال، لأن من ارتكب كبيرة فهو كافر. لأن النبي علية الصلاة والسلام أخبرنا أن الذي يقال له هذه الكلمة إذا لم تكن كافراً ترجع هذه الكلمة علية الصلاة والسلام أخبرنا أن الذي يقال له هذه الكلمة إذا لم تكن كافراً ترجع هذه الكلمة إلي القائل. وإذا رجعت إلية هو غاية ما فعل أنه فعل كبيرة، فهل يكفر بكبيرته؟ لا. تعليلنا لهذا الحديث ما عللنا الأحاديث السابقة، وجمعنا بينها وبين كلام النبي ﷺ فنقول: من عرف من غيره الإسلام، ولم تقم عنده شبهة في تكفيره ثم استحل تكفير وأطلق عليه لفظ الكفر فهو كافر حقيقة. وأما إذا قام عنده شبهة أو لم يستحل إطلاق هذا اللفظ عليه. إنما قاله من باب المشاتمة والمسابّه , فيبقي أن هذا الأمر عاد عليه. لا لأنه كفر كفراً يخرجه من الملة، وهو كفر جحود المنعم، إنما كَفَرَ كُفْرَ النعمة وجحود النعمة كما تقدم. معنا وهو الذي يقال له كفر دون كفر. أو يُخش عليه إذا أطلق هذا الفظ علي من لا يستحقه أن يتصف بالكفر في المستقبل خشية أن يستحل هذا فيقع في الكفر، أو أن نقول رجعت عليه نقيصة قوله وشؤم قوله ومعصيته دون أن يكون كافراً خارجاً من الملة، أو أن نقول: إنه أطلق عليه هذا من باب الزجر والتغليظ بما يخلع القلب، لئلا يقع الإنسان في هذه المعصية الشنيعة الكبيرة. يوضح هذه ما ثبت في الصحيحين وغيرهما عن ثابت بن الضحاك ﷺ ـ وكان من أهل بيعة الشجرة ﵃ أجمعين ـ أن النبي ﷺ قال: [لعن المؤمن كقتله، ومن قذف مؤمنا بكفر فهو كقتله] . وتقدم معنا أن قتل مؤمنا ولم يستحل قتله فاعل كبيرة، وأمره مفوض إلي الله جل وعلا. أخوني الكرام: وقد حذرنا نبينا ﷺ من أطلق لفظ الكفر علي من لا يستحقه. وأخبرنا أننا إذا تساهلنا بهذا سنتطاول بعد ذلك إلي شيء آخر وبالتالي سنخسر الدنيا والآخرة.

стр. 3947

عندما نكفر فاعل الكبيرة ونحكم عليه بالكفر، ماذا سيترتب علي هذا؟ استحلال دمه. وما حصل هذا بين المسلمين في هذا الحين إلا عندما كفر بعضهم بعضاً، فأستحل بعضهم دماء بعض، وترى أحيانا بعض الأخوة المسلمين الذين يجمعهم حب واحد أحياناً في الدعوة إلي الله جل وعلا. به يختلفان في أمر، فيكفر الواحد منهما الآخر. ثم ماذا يترتب علي هذا؟ استحلال دمه. وقتله بعد ذلك..! وهذا حقيقة من أعظم الفظائع وأقبح الكبائر فإذا تساهلنا في إطلاق لفظ الكفر عل فاعل الكبيرة أو علي المبتدع (بياض) دمه وذلك أمر خطير!! ولذلك حذرنا نبينا ﷺ من هذا. ففي الصحيحين وسنن أبي داود من حديث المقداد بن الأسود ﵁ قال: [قلت يا رسول الله ـ ﷺ ـ أرأيت إن لقيت مشرفاً فقاتلته وقاتلني فضرب احدي يدي فقطعها ثم لا ذمني بشجرة وقال: أسلمت لله. أأقتله؟ فقال النبي ﷺ لا (١) . فقلت: يا رسول الله ـ ﷺ ـ إنه قطع يدي! فقال: إن قتلته بعد أن قال أسلمت لله فأنت بمنزلته قبل أن يقول تلك الكلمة، وهو بمنزلتك قبل أن تقتله.] أي هو من أهل التوحيد ويموت إلي الجنة , لأنه يموت شيهداً، وأنت بعد ذلك –ترتكب موبقة وكبيرة. إنما يقصد ما أشار إليه الإمام الخطابي علية رحمة الله:: [أنت بمنزلته] يعني دمك حلال هدر عندما تقتله بعد أن يقول أسلمت لله، فإذا قتلته يصبح دمك هدراً ومباحاً كما كان دم هذا المشرك هدراً ومباحاً، ولا يقصد نبينا ﵊ أن القاتل في هذه الحالة كافراً، إلا إذا استحل، فهذه مسألة ثانية.

стр. 3948

فانتبة أخي المسلم كيف حذرنا نبينا ﷺ من التساهل في إطلاق هذه الأحكام، لأنني عندما يقول: أسلمت له. ويقوم في ذهني وفي قلبي من المعاني التي لا يرضاها الله فأقول: لعله أسلم تقيه، لعله أسلم خوفاً من السيف.. أنا شققت عن قلبه؟؟ فأنا عندما أبقية في وقت الكفر، ولا أقبل إسلامه، هذا يدعوني إلي ضرب رقبته بعد ذلك، وهذه جناية عظيمة.

стр. 3949

وثبت في الصحيحين أيضاً وسنن أبي داود من حديث أسامة بن زيد رسول الله ﷺ وابن حبّه ﵄ وعن سائر الصحابة أجمعين. قال: [بعثنا النبي ﷺ بسرية فنذروا (١) فتفرقوا وانصرفوا. فلقينا واحداً منهم، فتبعناه فلما غشيته وتجليته بالسيف قال: أشهد ألا اله إلا الله. قال أسامة. فضربته فقتلته. ثم جئت إلي النبي ﷺ وأخبرته. فقال النبي علية الصلاة والسلام: من لك بلا اله إلا الله، وصار من الموحدين كيف قتلته؟ [فقلت يا رسول الله ـ ﷺ ـ: إنما قالها مخافة السلاح] وحقيقة عنده قرينة علي أنه قالها مخافة السلاح، يضاف إلي هذا عنده قرينه أخري، أنه قال هذه الكلمة إيمان المضطر، كإيمان فرعون، فصار حاله كحال المحتضر إذا وصلت روحة إلى الحلقوم علي حسب اجتهاده. أي هذا ما بقي علية إلا لحظات حتى تقطع رقبته ويموت فإذن إيمانه إيمان اضطراري ليس فيه اختيار. فلا يقبل عند العزيز الغفار، فعند أسامة ﵁ شيء من التأويل؟. فقال النبي علية الصلاة والسلام: [أفلا شققت عن قلبه لتعلم مِنْ أجل ذلك قالها أم لا؟ ثم أعاد النبي علية الصلاة والسلام عليه: من لك بلا اله إلا الله يا إسامة.. حتى قال أسامة ﵁: تمنيت أنني لم أكن أسلمت إلا يومئذ لعظم معاتبته النبي علية الصلاة والسلام إياي] مع انه ـ إخوتي الكرام ـ كما قلت عنده قرينه واضحة علي انه قالها مخافة السلاح. عندنا بعد ذلك تعليل ثان علي أنه قالها في حال الاضطرار فحاله كحال فرعون فإيمانه لا يقبل. لكن هل نحن نعلم ما في القلوب؟ لا يعلم هذا إلا علام الغيوب لنا الظاهر والله يتولى السرائر: فإذا قال لا اله إلا الله كفّ عنه.

стр. 3950

فكيف بمن يقول: لا اله إلا الله محمد رسول الله علية الصلاة والسلام. ويصوم ويصلي ويدعوا إلي الله، واختلف معه في مسألة من المسائل كفرته ثم سعيت بعد ذلك في إراقه دمه؟ ! هذا والله مما يقصم الظهور. فاحذروه أخوتي الكرام في هذه العصور التي نعيش فيها. كفوا عن أهل لا اله إلا الله. فحذار حذار أن تطلقوا عليهم لفظ الكفر. وإذا جرى منهم شيء من الوزر، فيبقي أنهم عصاه لا يستحقون ـ كما تقدم معنا ـ الاسم المطلق للإيمان. فهذا لا تصرف إلا إلي الكامل التقي، إنما لا ننفي عنهم مطلق الاسم فنقول، مؤمنون عصاه مؤمنون ـ مسرفون، أمرهم مفوض للحي القيوم، فإذن هذا الأمر يجب أن نحذره: عدم تكفير المسلمين. ? الأمر الثاني: عدم الحكم عليهم بالخلود في نار الجحيم. إخوتي الكرام: تقدم معنا حديث نبينا علية الصلاة والسلام بأن [من قال لا اله إلا الله نفعته يوماً من دهره يصيبه قبل ذلك ما أصابه] والحديث رواة الإمام البزار والطبراني في الصغير والأوسط. والبيهقي في شعب الإيمان بسند صحيح عن أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: [من قال لا اله إلا الله نفعته يوماً من دهره يصيبه قبل ذلك ما أصابه] . وتقدم معنا أن بعض العصاة يصيح في النار ألف سنة يا حنان يا منان (١) .... ثم تنفعه بعد ذلك هذه الكلمة ويخرجه الله من دركات النبران. فمن قال لا اله إلا الله نفعته يوماً من دهرة.. وإياك إياك أن تنصب نفسك حكماً علي العباد. فتقول: هذا في الجنة وهذا في النار. وأنت لا تعلم مصيرك إلي أي الدارين ستصير. فاتق ربك واعرف قدرك.

стр. 3951

ثبت في مسند أبي داود. والحديث رواة الإمام أحمد وبوب عليه الإمام أبو داود في كتاب الأدب باباً لطيفاً يشير به إلي ما نحن بصده فقال: باب النهي عن البغي. كأنه يشير بهذا الباب إلي أن من حكم علي مؤمن بالنار فقد بغي عليه واعتدي. لأن هذا غيب لا يعلمة إلا الرب , والحديث سنده صحيح جيد كما قال الإمام زين الدين عبد الرحيم الأثري العراقي عليه رحمة الله (١) عن أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: [كان رجلان في بني إسرائيل متواخيين. أحدهما يذنب والأخر يجتهد في العبادة. فكان إذا مر المجتهد في العبادة علي أخيه المذنب المقصر يقول له: يا هذا اتق الله واقصر ـ وهذا واجب عليه. الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والنصح ـ فكان المسرف المقصر يقول: يا هذا خلني وربي. فإن الله ما بعثك عليّ حسيباً ولا رقيباً] وفي هذا الكلام مخطيء قطعاً لكن ما يقول لك ذاك إنه رقيب وحسيب، إنما ينصحك ويحذرك. رقيبك وحسيبك هو الله جل وعلا. وأنت لا يجوز أن تتعلل بالقدر في فعل الأوزار والمنكر كما انك لا تعلل بالقدر في البقاء علي الجوع. الجوع بقدر الله أم لا؟ ندفعه بأي شيء؟ بالطعام. بقدر الله أم لا؟ ندفع القدر بالقدر. والمعصية بقدر الله أدفعها بالتوبه والطاعة، [واتبع السيئة الحسنة تمحها] وهذا حال المؤمن. لكن أهل الأرض الحمقى إلا من رحم (بياض) أقدار الله فيما يتعلق بالدنيا (بياض) الله وأما فيما يتعلق بمعاملة الآخرة فركنوا إلي الغرور والي الشيطان الغرور، فتقول لأحدهم: كف عن المعصية، يقول: قدَّر الله عليّ. وتقول له: ابق جائعاً يقول: أمرني ربي ـ الله ـ بالسعي ّ طيب لماذا هنا لا تصبر علي القدر ودفع القدر بالقدر. وهناك تركن إليه وتتواكل وتتخاذل؟.

стр. 3952

ولذلك أهل الحق يدفعون قدر الله بقدر الله جل وعلا طلباً لرضوان الله جلا وعلا كما قال الشيخ عبد القادر الجيلاني علية رحمة الله: كان الناس إذا وصلوا إلي بحث القدر وقفوا يقول: وأما أنا فانفتحت لي رَوْزَنَة (١) فنازعت أقدار الحق بالحق للحق أي تركت المعصية بما يقابلها من الطاعة طلباً لرضوان الله. والتقي هو الذي ينازع أقدار الله بأقدار الله طلياً لرضوان الله جل وعلا. [فمر عليه في يوم من الأيام فرآه في معصية فقال: يا هذا أقصر , فقال: خلني وربي. ما بعثك الله عليّ حسيباً ولا رقيباً. فقال له أخوه المجتهد: والله لا يغفر الله لك. أو قال: لا يدخلك الجنة] هذا من حقك؟ هذا ليس من حقك، أنت لست إلا له لتنزل الناس في جنة أو في النار. نعم عليك البلاغ. وأما ما عدا هذا فقف عند حدّك. ليس من حقك أن تقول: الله لن يهديك، وليس من حقك أن تقول: الله لن يغفر لك وليس من حقك أن تقول: الله لن يدخلك الجنة.. قل: يا عبد الله أخشي عليك من ناره ولعنته. أما أنك تقول: أنت من أهل اللعنة وأهل النار! من الذي أطلعك علي ما في غيب العزيز الجبار ؟؟.

стр. 3953

يقول النبي ﷺ : [فإذا كان يوم القيامة أتي الله جل وعلا بهذين الأخوين المتآخين. فيقول للمقصر المسرف اذهب فادخل الجنة برحمتي. ويقول للمجتهد: أكنت بي عالماً. أو كنت علي ما في يدي خازناً ـ وفي رواية أبي داود: أو كنت علي ما في يدي قادراً (١) ـ اذهب فادخل النار. قال أبو هريرة: والذي نفسي بيده لقد قال كلمة أوبقت دنياه وأخرته] . فاتق الله في نفسك، وقف عند حدك. الله لا يغفر لك الله لا يدخلك الجنة، الله سينزلك قعر جهنم.. هذا ليس في علمك. وليس في وسعك. فلا تشتط وتنزل نفسك منزلة الله جل وعلا لتحكم علي العباد بجنة أو نار. فاحذروا وتجنبوا تكفير المسلمين، واحذروا وتجنبوا تخليد العصاة في نار الجحيم. أو الحكم عليهم بأنهم لا يدخلون جنة النعيم. ومن يمت ولم يتب من ذنبه فأمره مفوض إلي ربه. لكننا نرجوا فقط للمحسن الجنة، ونخش علي المسيء من النار، ولا نجزم لهذا بذلك، ولا نجزم لهذا بتلك الدركه، إنما هنا نرجو، وهنا نخشى.

стр. 3954

هذا الأمر إخوتي الكرام لا بد من أن نعيه في هذه الأيام. لا نطلق تكفيراً علي مسلم من المسلمين ولا نحكم علي واحداً منتهم بنار الجحيم، ولا يعني أننا إذن نخالط المبتدعين ونوافقهم ونكون معهم. وهكذا أيضاً العصاة، ونقول: بما أن أمرهم لا يعلمة إلا الله فلا ننكر عليهم ما هم فيه لا ثم لا. لا وحدة إلا علي التوحيد: ولا اتفاق إلا علي طاعة الله المجيد. ليس بيننا وبين أحد وحدة واجتماع إلا علي طاعة الكريم الخلاق . لكننا نحن لا نتهم ولا نظلم. فمن ظهر منه الإيمان حكمنا عليه بالإيمان ومن ظهر منه الفسوق والعصيان حكمنا عليه بذلك دون أن نتجاوز الحدود التي شرعها الرحمن فلا ظلم ولا طغيان. فالعاصي عاصي ليس بكافر، والمؤمن هو صالح، مؤمن صالح، ونحكم علي الناس حسبما يظهر منهم فلا إتهام ولا ظلم ولا عدوان، إن عصي الله نحكم عليه حسبما ظهر منه فلا داعي بعد ذلك لنبذه بأنه كافر، ولا داعي للحكم عليه بأنه من أهل النار فهذا لا يعلمة إلا العزيز الغفار، نعم نزن بالقسطاس المستقيم، لا نوالي المبتدعين، وهكذا أيضاً لا نكفرهم ونحكم عليهم بالخلود في نار الجحيم. ديننا يأمرنا ألا نُفْرِطَ وألا نُفْرِطَ يجب علينا ألا نهوّل ولا نهوّن، وأن نزن بميزان الله جل وعلا. فالعاصي عاصي والتقي تقي والمبتدع مبتدع , فهولاء ما خرجوا من حظيرة الإسلام. وأمرهم مفوض بعد ذلك إلي الرحمن أما: من ابتدع ببدعة خرج من الإسلام ويخلد في النيران، من فعل كبيرة خرج من الإسلام ويخلد في النبران....

стр. 3955

هذا حقيقة من باب الشطط كما انه يقابله شطط آخر الذي فيه تفريط كما إن ذاك فبه إفراط ـ نقول: مبتدع أخونا ونحن منه وهو منا! وصاحب الكبيرة نؤاكلة ونباسطه ونضاحكه ولا ننكر عليه حاله لأنه قد يكون في عليين ّ هذا ضلال وذالك ضلال ولا بد من تحكم ذي العزة والجلال في جميع الأحوال نحب المؤمن بمقدار ما فيه من طاعة الله ونكرهه ونبغضه بمقدار ما فيه من معصية لله. ولا يدعونا أن نغلب أحد الجانبين علي حسب عواطفنا وأهوائنا وميولتنا الشخصية. إنما نزن الناس بالقسطاس المستقيم إذا ابتدع أبغضناه لأجل بدعته. لكنت بقي بيننا وبينه ولاية عامة , هو مؤمن ونحن مؤمنون، وإذا فعل كبيرة أبغضناه لأنه عاص. وبقي بيننا وبينه ولاية عامه فهو مؤمن ونحن مؤمنون. وأما أنه ابتدع نستحل دمه. وأنه أتي بكبيرة نستحل دمه ثم نحكم عليه بالخلود في النيران!! فهذا والله هو أعظم الشطط والخسران. لا تهويل ولا تهوين. لا اتهام ولا ظلم ولا عدوان. لا إفراط ولا تفريط. نزن بالقسطاس المستقيم. إخوتي الكرام: وينبغي؟ أن نعلمه أيضاً علم اليقين أن الحكم علي القول وعلي الفعل بأنه بدعة أو انه ضلال وكفر. لا يلزم من هذا أن يكون القائل والفاعل مبتدعاً أو ضالاً. أو كافراً. هذا لا بد من وعيه. هذا الفعل كفر. ليس كل من فعله هو كافر. وهذا الفعل بدعة ليس كل من فعلة مبتدع كيف هذا؟ هذا قرره أئمة الإسلام وشهدت له أصول الشريعة الحسان:

стр. 3956

أولا: لا نحكم علي الإنسان أنه عصي وأنه ابتدع إلا إذا قامت عليه الحجه. ولا نحكم عليه بأنه كفر وارتد إلا إذا قامت عليه الحجة، إنسان أسلم ثم بدأ يشرب الخمر، قلنا: لم تشرب؟ قال الخمر حلال. نأخذ السيف ونضرب رقبته ونقول استحل ما حرم الله؟ هو يجهل هذا ولا بد من تعليمة وإقامة الحجة علية فكون الخمر حراماً عندنا وذاك يجهل حكمها لا يعني أنه عندما يستحلها فهو كافر. مع أننا نحن نقول: استحلال الحرام كفر. لكن بعد قيام الحجة علي المستحل. فإذن لا بد من أن يبلغه الحكم وأن يعلمة. ثانياً: لابد في حال بلوغه أن يثبت عنده من وجه معتمد. وأن تبلغه هذا بنص صحيح ثابت في كتاب الله وسنة نبيه علية الصلاة والسلام. وإذا قال أنا في شك من نقلك فما قامت علية حجتك. لا بد إذن أن تقوم عليه الحجة التي بها يقطع عذر الإنسان. وأما إذا شك في خبرك. وأنت تنتقل تحريم الخمر، وأنا لا أثق بك. لا بد الآن من إيضاح الأمر له عن طريق غيرك وغيرك ليتضح له الحق ويثبت عنده من طريق واضح. إذن قد لا يكون بلغة هذا الأمر قد يبلغه ولكن لم يثبت عنده. ثالثاً: قد يبلغة ويثبت عنده لكنه لم يفهمه علي وجه التمام، فلا بد إذن من أن يكون عنده فرصة لأجل أن يستوعب هذا الأمر، وأن يقول: فهمت، والنص ثبت عندي، وبلغني، ومع ذلك أستحل الحرام، فهو كافر.

стр. 3957

رابعاً: إذا بلغه وثبت عنده وفهمه. لا يعتبر كافراً إذا تركه من أجل عذر قام عنده من الأعذار التي يراها عارضة لهذا الحكم، فبقي عنده شبهة، فيقول: أنا عندي ما يعارض هذا من أمور أري أنني إذا سلمت بهذا يلزم من ذلك محذور ويلزم من هذا مشكلة، ويلزم من هذا ضلال، وهذا هو حال المبتدعة، عندما (بياض) ويقول: القرآن مخلوق، تقول له: القرآن كلام الله، يقول: يلزم من هذا تعدد القدماء! كيف يكون هذا كلاماً لله جل وعلا والله يقول ((اللهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ)) (١) وهو شيء من الأشياء؟ هذا الكلام ضلال لا شك فيه، ونحن نقول: الله بصفاته خالق كل شيء وكلامه صفه من صفاته. فالصفة إذن ليست مخلوقه. إنما تتبع الموصوف . لكن هو عندما يقول هذا الحجة بلغته وثبتت عنده. وفهمها لكن هو يقول: أنا عندي شبهة. حولها تدعوني لهذا التأويل الذي أقوله. فماذا نقول؟ لا نقول إنه مهتد، نقول: هذا القول ضلال. ولا نحكم عليه بالكفر وبعد ذلك أمر هذا الإنسان يفوض إلي ربه جل وعلا. وهذا المبحث إخوتي الكرام قرره الإمام ابن تيمية (٢) عندما تكلم علي هذا المسألة يقول: وهكذا الأقوال التي يكفر قائلها قد يكون الرجل لم تبلغه النصوص الموجبه لمعرفة الحق. وقد تكون عنده ولم تثبت عنده ـ أي بلغته ولم تثبت عنده ـ أو لم يتمكن من فهمها. وقد يكون عرضت له شبهات يعذره الله بها فمن كان من المؤمنين مجتهداً في طلب الحق وأخطأ. فإن الله يغفر له خطأه كائنا ما كان سواء كان ذلك في المسائل النظرية أو العملية. هذا الذي عليه أصحاب النبي ﷺ وجماهير أئمة الإسلام. ثم قرر هذا بأحاديث ثبتت عن نبينا علية الصلاة والسلام.

стр. 3958

ثبت في الصحاح عن النبي علية الصلاة والسلام حديث الذي قال لأهله: إذا أنا مت فأحرقوني ثم اسحقوني ثم ذروني في اليم فو الله لئن قدر الله علي ليعذبني الله عذاباً ما عذبه أحداً من العالمين. فأمر الله البر والبحر برد ما أخذ منه. وقال: ما حملك علي ما صنعت؟ قال خشيتك يا رب، فغفر الله له (١) . فهذا شك في قدرة الله وفي المعاد. ظن أنه لن يعود، وأنه لا يقدر الله عليه إذا فعل ذلك. وغفر الله له. وهذه المسائل مبسوطة في غير هذا الموضع، ثم بعد ذلك بقول: بل نصوص الإمام أحمد صريحة بالامتناع من تكفير الخوارج والقدرية وغيرهم. وإنما كان يكفر الجهميه المنكرين لأسماء الله وصفاته، لأن مناقضة أقوالهم لما جاء به الرسول علية الصلاة والسلام ظاهرة بيّنه. ولأن حقيقة قوله تعطيل الخالق. وكان قد ابتلي بهم حتى عرف حقيقة أمرهم. وأنه يدور علي التعطيل، (بياض) وتكفير الجهمية مشهور عن السلف والأئمة، وتقدم معنا أخوتي الكرام في حكم فاعل الكبيرة في الدنيا وفيما يتعلق بحالة في الإيمان. قلت: أظهر القولين كما قال الإمام أبن تيمية: أن الجهمية أيضاً لا يكفرون كفراً يخرجهم من الملة. إنما أطلق عليهم هذا من باب كفر دون كفر. أي سيؤدي بهم في النهاية إلي الكفر، أو ما شاكل هذا من التعليلات التي ذكرناها.

стр. 3959

فإذن القول قد يكون بدعة، وقد يكون ضلالاً وكفر، ولا يحكم علي قائلة بأنه مبتدع أنه ضال، كافر، لعذر قام عنده، أما أنه ما ثبت عنده النص، ما بلغه، بلغه ولم يثبت عنده، بلغة وثبت عنده لم يفهمه وما استوعبه، بلغه وثبت عنده وفهمه لكن عنده شبهة يعذر بها ويعارض هذا، وبذل ما في وسعه للوصول إلي مراد ربه. أمره يفوض إلي الله جل وعلا. فإذن لا بد من التريث في أمة محمد علية الصلاة والسلام وفي المسلمين وألا نكفرهم، وأن نحكم عليهم بنار الجحيم. الإمام ابن تيمية كتابة " شرح حديث النزول " وهو حديث متواتر عن نبينا الرسول علية صلوات الله وسلامة، بأن الله ينزل كل ليلة إلي السماء الدنيا حين يبقي ثلث الليل الآخر فيقول: [من يدعوني فأستجب له. من يسألني فأعطيه، من يستغفرني فأغفر له. حتى يطلع الفجر (١) ] الإمام ابن تيمية علية رحمة الله في شرح هذا الحديث (٢) تعرض حقيقة لمسألة مهّمة ترتبط بهذا، وهي الحكم علي القول بأنه كفر وضلال وبدعة لا يلزم أن نحكم علي القائل بأنه كافر وضال ومبتدع إلا إذا ثبت عندنا أنه صاحب هوي. الإمام ابن تيمية علية رحمة الله. في هذا الكتاب تعرض للذين خاضوا في تأويل صفات الله جلا وعلا كإمام الحرمين والغزالي والفخر الرازي عليهم جميعاً رحمة الله. وقد رجعوا جميعاً إلي الهدي في نهاية أمرهم بعد أن خاضوا في الردي فترة طويلة من حياتهم، يقولون بالتأويل. ويؤولون صفات الخالق الجليل. ثم رجعوا بعد ذلك إلي الحق الذي كان علية السلف الصالح الأبرار، وهذا مما يدل إن شاء الله أن خطأهم ما كان متعمداً بسوء قصد وخبث نفس وفساد قلب، إنما بذلوا ما في وسعهم، ولما لاح لهم أن ما هم عليه ليس بهدي تركوه ورجعوا إلي جادة الصواب.

стр. 3960

يقول الإمام ابن تيمية عليه رحمة الله: وأما الرازي وإن كان يقرر بعد ذلك فالغالب علي ما يقرره أنه ينقده في موضع آخر. لكن هو أحرص علي تقرير الأصول التي يحتاج إلي معرفتها من الآمدي، ولو جُمع ما تبرهن في العقل الصريح من كلام هؤلاء وهؤلاء لو جد جميع موافقاً لما جاء به الرسول ﷺ ووحد صريح المعقول مطابقاً لصحيح المنقول ,لكن لم يعرف هؤلاء حقيقة ما جاء به الرسول ﵊ وحصل اضطراب في المعقول به فحصل نقص في معرفة السمع والعقل، وإن كان هذا النقص هو منتهي قدرة صاحبه لا يقدر علي إزالته العجز قد يكون عذراً للإنسان في أن الله لا يعذبه إذا اجتهد الاجتهاد التام هذا علي قول السلف والأئمة في أن من اتقي الله ما استطاع إذا عجز عن معرفة بعض الحق لم يعذب به. وأما من قال من الجهميه ونحوهم (بياض) العجزين. ومن قال من (بياض) ونحوهم من القدرية: إن كل مجتهد فإنه لا بد أن يعرف الحق. وأما من لم يعرفه فبتفريطه لا لعجزه. فهما قولان ضعيفان وبسببهما صارت الطوائف المختلفة من أهل القبلة يكفر بعضهم بعضاً ويلعن بعضهم بعضاً.
следующие страницы →