هذا الأثر إخوتي الكرام إسناده ضعيف كما قرر أئمتنا وقال الحافظ في تلخيص الحبير الجزء الثاني صفحة ثلاث وأربعين ومائة ٢/١٤٣ إسناده صالح وقواه الضياء المقدسي في أحكامه وله شواهد وهذا ما قرره أئمة الإسلام كالإمام النووي، وابن القيم، وابن تيمية -عليهم جميعاً رحمة الله- ومن شواهد هذا الأثر ما سأذكره فانتبهوا له إخوتي الكرام.
стр. 4167
الشاهد الأول: ثبت في مسند الإمام أحمد، وصحيح مسلم عن عمرو ابن العاص ﵁ وأرضاه- في حالة احتضاره عندما احتضر وكان التابعون والصحابة معه في حال السياق فبكى ﵁ طويلاً وكثيراً ثم حول وجهه إلى الجدار وهو يبكي فقال له ولده عبد الله يا أبتاه ما يبكيك أليس قد بشرك رسول الله – ﷺ بكذا وكذا فأقبل على الحاضرين بوجهه وقال (إن أفضل ما نُعِد شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله ﵊ ثم قال: كنت على أطباق ثلاثة الحالة الأولى التي كان عليها: رأيتني أشد الناس بغضاً للنبي ﵊ وكنت أتمنى أن أتمكن منه لأقتله وهي الحالة الأولى، قال ثم جعل الله الإسلام في قلبي فجئت إلى النبي ﵊ فقلت: يا رسول الله مد يدك ابسط يدك فلأبايعك فمد النبي ﵊ يده، فقبضت يدي قال: مالك يا عمرو؟ قلت: يا رسول الله ﵊ أريد أن أشترط. قال: تشترط ماذا؟ قلت: أشترط أن يغفر لي ما مضى من حياتي الجاهلية تزيد على عشرين سنة يقاتل النبي ﵊ وأسلم في العام الثامن من الهجرة بعد بعثة نبينا ﵊ بواحد وعشرين سنة، أريد أن يغفر لي قال: يا عمرو أما علمت أن الإسلام يهدم ما قبله، وأن الهجرة تهدم ما قبلها، وأن الحج يهدم ما قبله؟ قال عمرو بن العاص فما كان أحد أحب إلي من رسول الله – ﷺ ، وما كان أحد أحلى في عيني منه. والله ما استطعت أن أملأ عيني من رسول الله – ﷺ إجلالاً له ولو قيل لي صفه لما استطعت أن أصفه لأنني لم أملأ عينيَّ من رسول الله – ﷺ فلو مت على تلك الحالة لرجوت أن أكون من أهل الجنة، هذه هي الحالة الثانية.
стр. 4168
قال: ثم ولينا أعمالاً ما أدري حالنا فيها وهي الطبقة والحالة الثالثة التي يتصف بها عمرو بن العاص ﵁ وأرضاه- ثم قال لولده وللحاضرين إذا أنا مت فلا يصحبنيّ نار ولا نائحة وإذا دفنتموني فسنوا عليَّ التراب سناً ثم أقيموا عند قبري) وهذا في صحيح مسلم قدر ما ينحر جزور ويوزع لحمها حتى أستأنس بكم وأنظر بماذا أراجع به رسل ربي بعد الدفن أقل شيء تقيمون عند قبري بمقدار ذبح الجزور وتوزيع لحمها وهذا أقل ما يكون ساعة وإذا جلس الناس هذه الساعة ماذا سيفعلون؟ سيتكلمون في حديث الدنيا يقرءون القرآن ويصلون على النبي ﵊ يسألون له التثبيت يدعون له؟ فأقيموا عند قبري بمقدار ما تنحر جزور ويوزع لحمها.
قال شيخنا المبارك الشيخ محمد الأمين -عليه رحمات رب العالمين- في أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن في الجزء الرابع صفحة سبع وثلاثين وأربعمائة ٤/٤٣٧ وهذا الأثر عن عمرو ابن العاص له حكم الرفع إلى نبينا ﵊ فنحن نجزم ضرورة بأن النبي ﵊ أعلم أمته وأصحابه أن الميت يستأنس بأصحابه عندما يكونون حوله، هذا كلام عمرو، وعمرو لا يمكن أن يقول هذا من قبل رأيه إنما هذا تلقاه من النبي ﵊ هذا له حكم الرفع لا يجوز لصحابي أن يتكلم في مُغَيّب من طريق رأيه واجتهاده وتخرصه فكأن النبي ﵊ قال لأمته: إذا [دفن الميت اجلسوا عنه وأقيموا عنده هذا المقدار من أجل أن يستأنس بكم من أجل أن يحصل له تثبيت بحضوركم] كيف لا وإذا كنا نصلي عليه ونطلب له الشفاعة فلنواصل هذه الشفاعة بعد ذلك ورحمة الله -جل وعلا- واسعة، هذا الشاهد الأول وكما قلت هو في المسند وصحيح مسلم.
стр. 4169
والشاهد الثاني: رواه الإمام أبو داود، والحاكم في المستدرك، والبهيقي في السنة، والبزار، وصححه الحاكم، وأقره الذهبي، وقال الإمام النووي في المجموع إسناده جيد عن عثمان بن عفان ﵁ وأرضاه عن ذي النورين قال: كان النبي – ﷺ إذا فرغ من دفن الميت وقف على شفير القبر وقال [استغفروا لأخيكم وسلوا الله له التثبيت فإنه الآن يسأل] والحديث إسناده صحيح كالشمس وضوحاً وسطوعاً [استغفروا لأخيكم واسألوا الله له التثبيت فإنه الآن يسأل] إذاً عندما نلقن الميت فهذا من جملة تثبيته، فذاك الأثر الذي كما قلت إسناده ليس بالقائم وابن حجر يقول إسناده صالح يشهد له أثر عمرو ويشهد له حديث عثمان ﵃ أجمعين- ونقل مثل هذا آثار كثيرة من سلفنا الكرام رواها سعيد بن منصور وغيره في سننه بأن يحصل تثبيت للميت عند جلوس الناس حوله وعند تلقينهم له لا إله إلا الله محمد رسول الله ربي الله وديني الإسلام ونبي محمد ﵊.
إخوتي الكرام: هذا الأمر كما قلت الذي نقل عن هؤلاء السلف ويشهد لذلك الحديث نقل أيضاً عن السلف الكرام -رضوان الله عليهم أجمعين- وقرروه واستحبوه.
стр. 4170
الإمام ابن تيمية في (مجموع الفتاوى) في الجزء الرابع والعشرين صفحة تسع وتسعين ومائتين ٢٤/٢٩٧ يقول: (وهذا التلقين فعله أبو أمامة من الصحابة وفعله واثلة بن الأصقع ﵃ أجمعين- وغيرهما هذا كلام الإمام ابن تيمية بالحرف والتحقيق أنه جائز يجوز أن نلقن الميت وهذا ثبت عن أبي أمامة وثبت عن واثلة بن الأصقع وقال مثل هذا في كتابه (اقتضاء الصراط المستقيم مخالفة أصحاب الحجيم) في صفحة ست وعشرين وثلاثين صـ ٣٢٦ بأن التلقين جائز ونقل عن السلف الكرام وهذا الذي اختاره قال أكثر الحنابلة وقرره علماء الإسلام وهذا هو الموجود في المغني ونقله من القاضي أبى يعلى وأبي الخطاب، وهذا هو الذي قرره شيخ الإسلام الإمام النووي -عليهم جميعاً رحمة الله-، وهو الذي قرره الإمام ابن القيم في كتاب (الروح) فقال ﵀ ورضوانه عليه- في صفحة ثلاث عشرة صـ ١٣ قال كلاماً ينبغي أن نعيه في هذه الأيام لنرى حال من يبدع من يفعل ذلك ويتهجم على سلفنا الكرام يقول الإمام ابن القيم: ويدل على هذا أي أن الميت يستبشر بزيارة الحي ويسمعه ويسمع ما يجري حوله ما جرى عليه على الناس قديماً وإلى الآن من تلقين الميت في قبره ولولا أنه يسمع ذلك وينتفع به لم يكن فيه فائدة وكان عبثاً وقد سئل عنه الإمام أحمد ﵀ فاستحسنه واحتج عليه بالعمل، أي: الإمام أحمد يستحسن التلقين ويقول عمل المسلمين عليه ويروى فيه حديث ضعيف ذكره الطبراني في معجمه من حديث أبي أمامة، وكما قلت رواه ابن منده، ورواه الخلال وغيرهم -عليهم جميعاً رحمة الله- قال: قال رسول الله – ﷺ : [إذا مات أحدكم فسويتم عليه التراب فليقم أحدكم على رأس قبره ثم يقول يا فلان ابن فلانة فإنه يسمع ولا يجيب ثم ليقل يا فلان بن فلانة الثانية فإنه يستوي قاعداً ثم ليقل يا فلان ابن فلانة يقول أرشدنا رحمك الله ولكنكم لا تسمعون فيقول أذكر ما خرجت عليه من الدنيا شهادة أن لا إله
стр. 4171
إلا الله وأن محمد رسول الله ﵊ وأنك رضيت بالله رباً وبالإسلام ديناً وبمحمدٍ – ﷺ نبياً وبالقرآن إماماً فإن منكراً ونكير يتأخر كل واحد منهما ويقول انطلق بنا ما يقعدنا عند هذا وقد لقن حجته ويكون الله حجيجه دونهما] فهذا الحديث، هذا كلام ابن القيم -عليه رحمة الله- وإن لم يثبت: أي من حيث السند فاتصال العمل به في سائر الأمصار والأعصار من غير نكير كافٍ في العمل به، وما أجرى الله العادة قط بأن أمة طبقت مشارق الأرض ومغاربها وهي أكمل الأمم عقولاً وأوفرها معارف تطبق على مخاطبة من لا يسمع ولا يعقل وتستحسن ذلك لا ينكره منها منكر بل سنة الأول للآخر ويقتدي فيه الآخر بالأول ثم ذكر الشواهد له أثر عثمان الذي تقدم معنا وأثر عمرو بن العاص ﵃ أجمعين-.
وهذا إخوتي الكرام هو الذي قرره كما قلت أئمة الإسلام يقول الإمام النووي في (المجموع) وفي (الروضة) وفي (الأذكار) هذا التلقين استحبه جماعة كثيرون من أصحابنا، قال الإمام ابن الصلاح: هو المختار وهو الذي نعمل به ثم قال: روينا فيه حديثاً وهو حديث أبي أمامة الذي تقدم معنا وليس إسناده بالقائم لكن اعتضد بشواهد ويعمل به أهل الشام قديما، قلت القائل هو الإمام النووي: وإن كان الحديث ضعيفاً فيستأنس به وقد اتفق علماء المحدثين وغيرهم على المسامحة في أحاديث الفضائل والترغيب وقد اعتضد بشواهد من الأحاديث منها حديث سلوا الله له التثبيت، ومنها وصية عمرو وهما أثران صحيحان ولم يزل أهل الشام على العمل بهذا في زمن من يقتدي به وإلى الآن، وكما قلت هذا الذي قرره سائر أئمة الإسلام -رحمة الله ورضوانه عليهم أجمعين- وشيخنا المبارك كما قلت في أضواء البيان بعد أن بحث في هذه المسألة إخوتي الكرام ونقل نصوص أئمة الإسلام في قرابة ثلاث صفحات في مشروعية التلقين واستحبابه. قال وإيضاح كون الشواهد تشهد للتلقين أن حقيقة التلقين مركب من أمرين.
стр. 4172
الأول: كون الميت يسمع ما يقال عنده.
الثاني: كون الميت ينتفع بالتلقين.
قال وكل من الأمرين ثابت في الجملة، أما أن الميت يسمع ما يجري حوله فهذا ثابت في الأحاديث الصحيحة ولا ينكره إلا مكابر ضال.
ثبت في المسند، والصحيحين، وسنن أبي داود، والنسائي من رواية أنس بن مالك ﵁ أن النبي – ﷺ قال: [إن الميت إذا قبر وتولى عنه أصحابه إنه ليسمع قرع نعالهم فيأتيه ملكان فيجلسانه ويقولان له ما كنت تقول في هذا الرجل الذي بعث فيكم محمد ﵊، فأما المؤمن فيقول هو عبد الله ورسوله آمنا به واتبعناه، فيقولان له انظر إلى مقعدك من النار قد أبدلك الله به مقعداً من الجنة فيراهما معاً، وأما الكافر أو المنافق فيقول لا أدري، أقول ما قال الناس فيقولان لا دريت ولا تليت فيضربانه بمطرقة معهما بين أذنيه يصيح صيحة يسمعه كل شيء إلا الثقلين] والحديث كما قلت في الصحيحين، يسمع قرع النعال، والحديث رواه الإمام أحمد، وأبو داود عن البراء بن عازب [يسمع خفق نعالهم] ، ورواه الإمام أحمد أيضاً، والبزار، والطبراني في معجمه الأوسط، وفي صحيح ابن حبان أيضاً عن أبي هريرة ﵁، ورواه الطبراني في معجمه الكبير والأوسط عن ابن عباس ﵃ أجمعين-[أن الميت يسمع خفق النعال وقرع النعال] فإذا سمع الميت قرع النعال ألا يسمع صوت الفم إذا لقناه وقلنا يا عبد الله [اذكر ما خرجت عليه شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله-﵊] ،، الذي يسمع قرع نعلك ألا يسمع صوت فمك، إنه يسمع هذا من باب أولى.
стр. 4173
والأمر الثاني: انتفاع الميت بالتلقين، هل ينتفع؟ قال شيخنا كما قلت: كل من الأمرين ثابت في الجملة، فإذا شرع لنا نبينا ﵊ الدعاء له بالتثبيت وقلنا إن الحديث صحيح، لماذا هذا؟ لينتفع به وليحصل الخير له، فإذا كنا نسأل الله له التثبيت وينتفع بسؤالنا فنلقنه وينتفع بتلقيننا، فكما انتفع بذلك القول ينتفع بهذا القول، وكما سمع قرع النعال يسمع صوت الفم، كل من الأمرين ثابت كما قلت في الجملة فعلام الإنكار؟ وأريد أن أعلم -إخوتي الكرام- أي بدعة تحصل لو أن الإنسان عندما يقبر وقف الحاضرون وقالوا هذا الكلام الموجز بهذا الكلام المحكم، يا عبد الله أذكر ما خرجت عليه من الدنيا أنك تشهد أن
لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله ﵊، أي بدعة في ذلك يا من تخرفون وترمون من يفعل هذا بالبدعة، أي بدعة وأي لفظ فيه محظور، ثم يا عبد الله أذكر أنك رضيت بالله رباً وبالإسلام ديناً وبمحمدٍ ﵊ نبياً وبالقرآن إماما، والله إن هذا الكلام إن لم ينفعه فلن يضره ولن يرتكب أحد من الحاضرين حرجاً، وأنا أعجب غاية العجب كيف ترك الناس هذا.
إخوتي الكرام: من أثر لفظ ينتشر هنا وهناك ولا صحة له وهذا الذي قرره أئمتنا وهذا الموجود في كتب علمائنا وهذا الذي نقل عن سلفنا -رحمة الله عليهم أجمعين- إذا كان شيخ الإسلام الإمام ابن تيمية قد قال بعد أن آلت إليه هذه الأقوال: هذا والتحقيق أنه جائز، يأتيك من يأتيك في هذه الأيام ويقول: وإن قال الإمام ابن تيمية إن التلقين جائز فهو بدعة، قال الإمام ابن تيمية جائز أو لم يقل لا علاقة لنا به، لم بدعة؟ ما الدليل؟ هل ورد نهي عن ذلك إخوتي الكرام؟
نسأل الله أن يلهمنا رشدنا وأن يحسن ختامنا إنه أرحم الراحمين وأكرم الأكرمين.
стр. 4174
وأما المسألة الثالثة: التي تتعلق أيضاً بزيارة القبور، ألا وهي سماع الموتى وانتفاعهم بما يجري حولهم من خيرات وطاعات أترك الكلام عليه للموعظة الآتية لتحقيق الكلام واستعراض أدلة القرآن وأحاديث النبي ﵊ التي تقرر هذا القول.
أسأل الله إن أحيانا أن يحيينا على الإسلام وإن أماتنا أن يتوفانا على الإيمان إنه رحيم رحمن ذو الجلال والإكرام.
أقول هذا القول واستغفر الله،،،
الخطبة الثانية:
الحمد لله رب العالمين وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ولي الصالحين وأشهد أن نبينا محمداً عبد الله ورسوله خير خلق الله أجمعين، اللهم صلِّ على نبينا محمد وعلى جميع الأنبياء والمرسلين وسلم تسليماً كثيراً وارض اللهم عن الصحابة الطيبين وعمن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.
إخوتي الكرام: لوضع الأمر في نصابه وفي موضعه، ما كان بدعة -كما قلت- نقول إنه بدعة، وما ورد النهي عنه فلا يجوز لأحد أن يبيحه، لكن ما احتملته الأدلة الشرعية وقاله علماء الشريعة الإسلامية، فتأدب معهم سواء فعلت ذلك أو لم تفعل، نعم ما كان منكراً ننكره وإن فُعل من قبل من فعل وقد نلتمس عذراً للفاعل لنسقط اللوم عنه لا لنحتج بفعله، فاستمع لما يقوله أئمتنا نحو هذا الحكم الموجز (القبر لا يجوز أن يجصص ولا أن يبنى عليه ولا يجوز أن يكتب عليه وقد ثبت ذلك عن نبينا ﵊) فلا كلام لمتكلم بعد ذلك.
стр. 4175
ثبت في صحيح مسلم، ومسند الإمام أحمد، والسنن الأربعة، والحديث في المستدرك، وسنن البيهقي، ورواه الطحاوي في (شرح معاني الآثار) عن جابر بن عبد الله ﵄ أن النبي – ﷺ [نهى أن يجصص القبر وأن يبنى عليه وأن يقعد عليه] لا يجوز أن يجصص ولا أن يبنى ولا أن يقعد على القبر، زاد أهل السنن والحاكم في المستدرك والبيهقي والطحاوي [وأن يكتب عليه] ، لا يجوز الكتابة على القبر وما يكتب من آيات قرآن ومن مواعظ ومن أبيات أشعار كلها بدعة وضلال، فما كان بدعة فهو بدعة وما لا يدخل في رسم البدعة لابد من أن نقف عند حدنا، انتبه لكلام الحاكم في المستدرك ولتعليق أئمتنا على كلامه قال الحاكم بعد أن ذكر هذا الحديث قال (وهذه أسانيد صحيحة وليس العمل عليها فإنه لم يزل يكتب على القبور أئمة المسلمين في الشرق والغرب) كأنه يريد أن يقول هذه أحاديث وإن نهت عن الكتابة على القبر فقد كتب على قبور أئمتنا، فإذاً ليس العمل على هذه الأحاديث لا ثم لا.
فاستمع لتعليق الذهبي ولكلام أئمتنا قال الذهبي (قلتُ ما قلتَ طائلاً أي ما قلتَ كلاماً معتبراً له وزن يقبل ما قلتَ طائلاً وهل فعل ذلك صحابي؟ هل هذا الفعل فعله أحد الصحابة الكرام، إنما فعل ذلك بعض التابعين ممن لم يبلغهم النهي واقتدى بهم بعض المتأخرين فإذا فعل هذا ممن لم يبلغه النهي غاية ما نقول إن شاء الله لا يعاقب لأنه لا يعلم النهي لكن هذا الفعل لا يجوز، أما أن يقال هذا، كتب على قبور أئمة المسلمين فليس العمل إذاً على ما ثبت عن نبينا الأمين ﵊، لا ثم لا.
стр. 4176
وكما قلت نزل بالقسطاس المستقيم، لا بد من التفريق بين ما هو بدعة وما قال أئمتنا إنه بدعة، وهذا ما هو مقرر في كتب المذاهب الأربعة لا يكتب على القبر ولا يرفع ولا يبنى ولا يجصص وعليه إذا قال قائل كتب على قبور بعض أئمة المسلمين نقول ما قلت طائلاً إما أنه فعل هذا بغير علمه ولو قدر أنه أوصى أن يكتب شيء على قبره لعله ما علم النهي أو علمه ونسيه وذهل عنه فهو إن شاء الله معذور، لكن لا يقتدى به في هذا العمل المرذول، هذا عمل يخالف شريعة النبي ﵊ فلا يعول على عمل أحد كان، فلابد من التفريق إخوتي الكرام بين ما شهد له الدليل وقال به إمام جليل وبين ما نهانا عنه نبينا الجليل عليه صلوات الله وسلامه، ثم فعل في العصور المتأخرة فلا يجوز أن نحتج بفعل المتأخرين لنلغي كلام نبينا الأمين ﵊، وكما قلت نزن الأمور بالقسطاس المستقيم فما ضاد السنة الثابتة ما رفعها ما رغمها ما ألغاها هو بدعة ضلال ممن صدر، نعم قد يكون لفاعله عذر عند ربه لكن نحكم على هذا الفعل بأنه بدعة وبأنه لا يجوز وبذلك كما قلت نكون من المقتصدين المعتدلين لا نُفْرِط ولا نُفَرِّط.
نسأل الله برحمته التي وسعت كل شيء أن يلهمنا رشدنا وأن يجعل هوانا تبعاً لشرع نبينا ﵊، وأن يرزقنا كلمة الحق في الغضب والرضا، وأن يرزقنا القصد في الغنى والفقر إنه أرحم الراحمين وأكرم الأكرمين، اللهم صلِّ على نبينا محمد وعلى جميع الأنبياء والمرسلين وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً، ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار.
стр. 4177
اللهم اغفر لآبائنا وأمهاتنا، اللهم ارحمهم كما ربونا صغارا، اللهم اغفر لمشايخنا ولمن علمنا وتعلم منا، اللهم أحسن إلى من أحسن إلينا، اللهم صلِّ على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيرا، اللهم اغفر لمن وقف هذا المكان المبارك، اللهم اغفر لمن عبد الله فيه، اللهم اغفر للمؤمنين والمؤمنات الأحياء منهم والأموات.
وصلِّ الله على نبينا محمد وعلى جميع الأنبياء والمرسلين وسلم تسليماً كثيرا، والحمد لله رب العالمين..
أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، بسم الله الرحمن الرحيم
﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ * اللَّهُ الصَّمَدُ * لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ * وَلَمْ يَكُن لَّهُ كُفُواً أَحَدٌ﴾ (١)
стр. 4178
فضل النفقة الواجبة
(من خطب الجمعة)
للشيخ الدكتور
عبد الرحيم الطحان
فضل النفقة الواجبة
١٧
الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونؤمن به ونتوكل عيه ونعوذ به من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا من يهده الله فهو المهتد ومن يضلل فلن تجد له ولياً مرشدا.
الحمد لله رب العالمين مشرع لنا ديننا قويماً وهدانا صراط مستقيم وأصبغ علينا نعمة ظاهرة وباطنة وهو اللطيف الخبير.
اللهم لك الحمد كله ولك الملك كله وبيدك الخير كله وإليك يرجع الأمر كله أنت رب الطيبين وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ولي الصالحين وخالق الخلق أجمعين ورازقهم، فما من دابة في الأرض إلا على الله رزقها ويعلم مستقرها ومستودعها كلٌ في كتاب مبين.
﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ هَلْ مِنْ خَالِقٍ غَيْرُ اللَّهِ يَرْزُقُكُم مِّنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ﴾ (١) .
وأشهد أن نبياً محمد عبد الله ورسوله أرسله الله رحمة للعالمين فشرح به الصدور وأنار به العقول وفتح به أعيننا عمياً وأذاناً صماً وقلوب غلفا فجزاه الله عنا أفضل ما جزى به نبينا من أمته ورضي الله عن أصحابه الطيبين وعمن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.
﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيراً وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيباً﴾ (٢) .
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلاَ تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ﴾ (٣) .
стр. 4179
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلاً سَدِيداً * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَن يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزاً عَظِيماً﴾ (١) .
أما بعد: معشر الأخوة المسلمين..
أحب البقاع إلى الله جل وعلا وأفضل البقاع في هذه الأرض المساجد فهي بيوت الله وفيها نوره وهداه وإليها يؤوي المؤمنون الموحدون المهتدون وقد نعت الله من يأوي إلى بيوته بأنهم رجال ثم وصفهم بأربع خصال لا تلهيهم الدنيا- ويذكرون الله ويصلون له ويشفقون على عباد الله ويحسنون إليهم ثم يستعدون بعد ذلك للقاء ربهم ﴿فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَن تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالآصَالِ * رِجَالٌ لاَّ تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلاَ بَيْعٌ عَن ذِكْرِ اللَّهِ وَإِقَامِ الصَلاةِ وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ يَخَافُونَ يَوْماً تَتَقَلَّبُ فِيهِ القُلُوبُ وَالأَبْصَارُ﴾ (٢) .
وقد تدارسنا إخوتي الكرام الصفتين الأوليين من صفات هؤلاء الرجال أن الدنيا لا تلهيهم وأنهم بعد ذلك يصلون لله جل وعلا ويعظمونه ويعرفون حقوق الله عليهم وكنا نتدارس الصفة الثالثة ألا وهي إيتاء الزكاة وقد مضي الكلام على هذه الصفة في موعظتين اثنتين مضى الكلام على سبب اقتران الزكاة بالصلاة – في هذا الموضع وعلى فريضة الزكاة ووجوبها وعلى التحديد من عدم إخراجها.
ثم تدارسنا بعد ذلك إخوتي الكرام النفقات التي أوجبها الله على أهل الإسلام من زكاة واجبة ومن نفقات على الأهل ومن حقوق واجبة طارئة تجب على الإنسان إذا تعينت.
стр. 4180
وسنتدارس في هذه الموعظة إن شاء الله فضل النفقة الواجبة وإذا مد الله في أعمارنا نتدارس في الموعظة الآتية فضل الصدقة المندوبة ثم ننتقل بعد ذلك إلى مدارسة الصفة الرابعة من صفات هؤلاء الرجال الأبرار عباد الله إخراج النفقة الواجبة له أجرٌ عظيم – عند رب العالمين فمن فعل هذا لن يخاف مما يستقبله ولن يحزن على ما يخلفه وقد ضمن الله له أجره عنده كما قرر ربنا جل وعلا هذا في سورة البقرة فقال بعد أن حذر من الربا وزجر عنه: ﴿يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبَا وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ وَاللَّهُ لاَ يُحِبُّ كُلَّ كُفَّارٍ أَثِيمٍ﴾ - ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَأَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِندَ رَبِّهِمْ وَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ (١) .
فمن أعطى الزكاة ودفعها كما أوجب الله وشرعها له أجرٌ عظيم عند رب العالمين فالتمرة الواحدة كما تقدم معنا يبارك له فيها وهكذا اللقمة حتى تكون أكبر من جبل أحُد ﴿لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِندَ رَبِّهِمْ وَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ﴾ فما يستقبله من شدائد ومكروهات فالله سيتولى أمرهم ويدخلهم نعيم الجنات ولا هم يحزنون على ما يخلفونه من مالٍ وأهل وولد فالله وكيلهم على ذلك وهو خير الحافظين : ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَأَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِندَ رَبِّهِمْ وَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ (٢) .
стр. 4181
وقد ذكر الله جل وعلا في مطلع هذه السورة الكريمة أعني سورة البقرة أن من صفات المتقين أنهم يخرجون الحق الواجب من أموالهم كما شرع رب العالمين ﴿الم * ذَلِكَ الكِتَابُ لاَ رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِّلْمُتَّقِينَ * الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ * وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنزِلَ مِن قَبْلِكَ وَبِالآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ * أُولَئِكَ عَلَى هُدًى مِّن رَّبِّهِمْ وَأُولَئِكَ هُمُ المُفْلِحُونَ﴾ (١) .
فمن صفات هؤلاء الأخيار أنهم يخرجون من أموالهم ما أوجبه عليهم العزيز الغفار ﴿وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ﴾ وهذا شامل لأمرين اثنين كما ذهب إلى ذلك شيخ المفسرين الإمام الطبري عليه رحمة الله شامل لإخراج الزكاة الواجبة وشاملٌ لإخراج النفقة الواجبة على النفس والزوجة والأولاد ويفهم من كلام الإمام ابن كثير الميل إلى هذا والآية تشمل هذا قطعاً وجزماً لكنها تدل على ما هو أوسع من هذا كما ذهب إليه الإمام القرطبي عليه رحمة الله فالآية تشمل النفقات الواجبة الثلاثة تشمل الزكاة الواجبة ذات النصب المحددة المقدرة. تشمل النفقة الواجبة على النفس والأهل والولد كما تشمل الحق الطارئ على الإنسان في حالة كما تشمل النفقة المستحبة المندوبة مغموم اللفظ شامل لجميع هذا ومما رزقناهم ينفقون من واجبات ومستحبات عبادة الله وإنما كان لإنفاق المال هذه المنزلة عند ذي العزة والجلال فله أجر عظيم عند الله ولا يخاف مما يستقبله ولا يحزن على ما يخلفه وهو من عباد الله المتقين إنما كان الأمر كذلك لأن المال محبوب محبوب إلى النفس هو محبوب ومرغوب ومن أجله كره كثيراً من الناس لقاء علاّم الغيوب وركنوا إلى هذه الحياة من أجل هذه الدريهمات وعليه.
стр. 4182
إخراج هذا المال حقيقة برهان على محبة ذي العزة والجلال فالإنسان عندما يخرج هذا المال كما شرع ربنا جل وعلا ببرهان ذلك على محبته لربه جل وعلا فلا يترك الإنسان محبوباً إلا كما هو أحب عنده لديه فإذا ترك هذا المال وهو محبوب عند النفس دل على أن محبته لله جل وعلا هي المحبة الحقيقية الكاملة وأما هذا المال فلا يتصرف فيه إلا كما يريد ذي العزة والجلال والصدقة ببرهان وفيها تزكية لنفس الإنسان ولذلك إذا أردت أن يرق قلبك وأن يخشع وأن تكون محبوب عند الله جل وعلا فأكثر من هذه الصدقة.
ثبت في مسند الإمام أحمد بسند رجاله رجال الصحيح عن أبي هريرة ﵁ أن رجلا جاء إلى النبي ﷺ فشكى إليه قسوة القلب فقال له النبي ﷺ ضع يدك على رأس اليتيم وأطعم المسكين والحديث صحيح إخوتي الكرام إذا أرت أن يرق قلبك لا طف اليتيم وأحنو عليه واشفق عليه فضع يدك على رأسه براً ومآنسه وملاطفة وأطعم بعد ذلك المساكين إذا أرت أن يرق قلبك ضع يدك على رأس اليتيم وأطعم المسكين.
نعم إخوتي الكرام: إن من يتصدق ويبذل المال في سبيل ذي العزة والجلال وكما شرع الله جل وعلا يدفع غضب الله عنه ويحصل له رضى الله جل وعلا كما ثبت في سنن الترمذي وصحيح ابن حبان والحديث حسن من رواية أنس ﵁ وأرضاه قال سمعت رسول الله ﷺ يقول "الصدقة تطفئ غضب الرب وتدفع ميتة السوء " –الصدقة تطفئ غضب الرب وتدفع ميتة السوء فيذهب غضب الله عنك عندما تتصدق ويجعل لك رضاه ثم بعد ذلك تحفظ منه ميتة السوء التي تسوؤك في العاجل والآجل. الصدقة تطفئ غضب الرب وتدفع ميتة السوء.
стр. 4183
أخوتي الكرام: قد أخبرنا نبينا ﵊ أن من أسباب دخول الجنة ومن شروط دخولها إيتاء الزكاة كما شرع الله جل وعلا وأوجب وكان النبي ﷺ يبين هذا في المواسم العامة الجامعة لأن هذه الأمة شعيرة عظيمة من شعائر الإسلام وهي إحدى دعائم الإسلام التي يقوم عليها ففي مسند الإمام أحمد وسنن الترمذي وصحيح بن حبان ومستدرك الحاكم وإسناد الحديث صحيح عن أبي أمامه الباهلي ﵁ وأرضاه قال سمعت رسول الله ﷺ يقول: في حجة الوداع أيها الناس اتقوا الله اتقوا الله وصلوا خمسكم وصوموا شهركم وأدوا زكاة أموالكم وأطيعوا ذا أمركم تدخلون جنة ربكم أداء الزكاة سبب لدخول الجنة ولحصول رضوان الله أدوا زكاة أموالكم وقد شهد النبي ﷺ لمن حافظ على الزكاة وغيرها من شعائر الإسلام بأن له أجر الصديقين عند رب العالمين.
ثبت في مسند البزار وصحيح بن خزيمة وصحيح ابن حبان وإسناد الحديث صحيح كالشمس من رواية عمرو بن مرة الجهني ﵁ وأرضاه قال جئت إلى النبي ﷺ فقلت يا رسول الله ﷺ أرأيت إن شهدت أن لا إله إلا الله وأنك رسول الله وصليت الصلوات الخمس وأخرجت الزكاة وصمت رمضان وقمته أين أنا – وممن أكون فقال النبي ﷺ أنت من الصديقين والشهداء إذا شهدت أن لا إله إلا الله وأن محمد رسول الله ثم بعد ذلك صليت الصلوات الخمس صمت رمضان وقمته أخرجت الزكاة أنت من الصديقين والشهداء وكان النبي ﷺ يقرر هذا في أحاديثه الكثيرة فإذا سأل عليه صلوات الله وسلامه عما يدخل الجنة وعما يقرب إليها وعما يكون سببا لدخولها كان يبين عليه صلوات الله وسلامه إن إخراج الزكاة سببا لدخول الجنة.
стр. 4184
ففي الصحيحين وغيرهما من حديث أبي أيوب الأنصاري ﵁ وأرضاه قال جاء رجل إلى النبي ﷺ فقال يا رسول الله ﷺ أخبرني بعمل يدخلني الجنة فقال النبي ﷺ تعبد الله ولا تشرك به شيئاً وتقيم الصلاة وتؤتي الزكاة وتصوم رمضان، عباد الله إيتاء الزكاة وإخراجها سبب لدخول جنة الله جل وعلا وسبب لرضوان الله جل وعلا.
والأحاديث في ذلك كثيرة وفيرة منها ما ثبت في سنن النسائي وابن ماجه والحديث رواه ابن خزيمة في صحيحه وابن حبان في صحيحه أيضاً والحاكم في مستدركه وإسناده الحديث الصحيح من رواية أبي هريرة وأبي سعيد الخدري ﵃ أجمعين قالا خطبنا رسول الله ﷺ فقال في خطبته عليه صلوات الله وسلامه والذي نفسي بيده ثلاثاً ثم أطرق النبي ﷺ وسكت قال أبو هريرة وأبو سعيد ﵃ أجمعين فأكب كل واحد منا يبكي حزناً على يمين رسول الله صلوات الله وسلامه ثم رفع النبي ﷺ رأسه نرى في وجهه البشرى فقال ﵊ ما من عبد يصلي الصلوات الخمس ويصوم رمضان ويخرج الزكاة ويجتنب الكبائر السبع إلا فتحت له أبواب الجنة الثمانية وقيل له أدخل بسلام وإذا صلى الصلوات الخمس صام رمضان إخراج زكاة ماله اجتنب بعد ذلك السبع الموبقات من الشرك بالله ومن السحر ومن قتل النفس ومن عقوق الوالدين ومن أكل مال اليتيم وأكل الربا ومن التولي يوم الزحف ومن قذف المحصنات الغافلات المؤمنات.
стр. 4185
كما ثبت التنصيص على ذلك من قوله خير البريات عليه صلوات الله وسلامه في المسند والصحيحين من رواية أبي هريرة ﵃ أجمعين من فعل هذا فتحت له أبواب الجنة الثمانية وقيل له أدخل بسلام أخوتي الكرام هذا فيما يتعلق بإخراج الزكاة الواجبة من فضلٍ عظيم أوجبها الله علينا فيها تطهير لنا من رذيلة البخل والتعلق بهذه الدنيا فيها مواساة لعباد الله وربط بيننا وبين عباد الله جل وعلا برباط المحبة والود والوئام فيها بعد ذلك أجرٌ عظيم عظيم عند ذي العزة والإكرام فسبحانه أعطانا المال وسبحانه وشرع لنا ما يطهرنا من أرذل الخصال وما يؤلف بين قلوبنا وسبحانه كيف رتب بعد ذلك أجوراً عظيمة على إخراج هذا المال.
إخوتي الكرام: وكنا أن هذا الأمر يجب للإنسان عندما يخرج الزكاة الواجبة فهذا الأمر أيضاً يجب عليه أيضاً وقد جاءت الأحاديث الكثيرة في بيان الفضل العظيم الكثير لمن أخرج هذه الحقوق الطارئة إذا وجبت عليه فأجره أعظم. ماذا لم تجب وإذا لم تجب عليه فله أجر أيضاً عظيم كما سيأتينا في الموعظة الآتية عند بيان فضل النفقة المستحبة المندوبة عبادة الله مما ورد من أجر على الحقوق الطارئة التي تطرأ عليك غير الزكاة الواجبة ما ثبت في المسند والكتب للسنة عدا سنن أبي داود من رواية أبي هريرة ﵁ قال سمعت رسول الله ﷺ يقول " الساعي على الأرملة والمسكين كالمجاهد في سبيل الله أو كالقائم الليل والصائم النهار. أي له أجر المجاهد في سبيل الله وله أجر الذي يقوم الليل ولا يفطر وله أجر الذي يصوم النهار ولا يفطر فإذا تعينت عليك مساعدة يتيم مساعدة مسكين لك هذا الأجر العظيم عند رب العالمين وإذا لم يتعين إنما قمت به تطوع فلك هذا الأجر أيضاً وفضل الله عظيم عظيم.
стр. 4186
وقد أخبرنا نبينا ﷺ عن الأجر العظيم الذي يحصله من يكفل اليتيم ويحسن إلى المسكين في هذه الحياة ففي صحيح البخاري والحديث رواه الإمام أبو داود والترمذي وهو في مسند الإمام أحمد من رواية سهل بن سعد الساعدي رضي الله عن الصحابة أجمعين قال سمعت رسول الله ﷺ يقول: أنا وكافل اليتيم في الجنة كهاتين. وأشار النبي ﷺ بالسبابة والوسطى وفرج بينهما أنا وكافل اليتيم في الجنة كهاتين وأشار بإصبعيه السبابة والوسطى وفرج بينهما عليه صلوات الله وسلامه والأحاديث في ذلك كثيرة وهذا اليتيم إذا قمت بكفالته لك هذا الأمر سواء كان يتيم لك من قرابتك وتجب نفقته عليك أو سواء كان يتيم من غير قرابتك وتجب نفقته عليك أو لا تجب لك هذا الأجر العظيم عند رب العالمين.
ففي مسند الإمام أحمد وصحيح مسلم من حديث أبي هريرة ﵁ والحديث رواه الطبراني في الأوسط بسند صحيح عن أمنا عائشة ﵂ أن النبي ﷺ قال كافل اليتيم له أو لغيره أنا وهو في الجنة كهاتين وأشار بالسبابة والوسطى كافل اليتيم له أو لغيره كان هذا اليتيم مما تجب عليه نفقته وهو من قرابته كما لو كان هذا اليتيم أخٍ لك فمات أبوك وأنت قمت على كفلته ورعايته أو كان هذا اليتيم بعيدٍ عنك ليس بينك وبينه صلة نسب إنما بينكم صلة الإسلام ومساعدة في دين الرحمن كافل اليتيم له أو لغيره أنا وهو في الجنة كهاتين وأشار النبي ﷺ إلى السبابة والتي تليها إخوتي الكرام وإذا تعينت كافله اليتيم على الإنسان وكان ضعيفاً فبذل جهداً في كاملته مع ضعفه له أجراً لا يخطر ببال أحد عند الله جل وعلا.
стр. 4187
ثبت في مسند أبي يعلي بسند حسن من رواية أبي هريرة ﵁ قال سمعت رسول الله ﷺ أنا أول من يفتح باب الجنة غير أني أرى امرأة تسابقني أرى امرأة تبادرني تريد أن تسبقني وأن تدخل قبلي فأقول لها ويحك من أنت فتقول أنا امرأة قعدت على أيتام لي سبحان الله. سبحان الله تساوي نبينا ﵊ في دخول الجنة لهذا الأمر الذي قامت به أنا امرأة قعدت على أيتام لي. أنا أول من يفتح أبواب الجنة غير أني أرى امرأة تبادرني فأقول لها ويحك من أنت فتقول أنا امرأة قعدت على أيتام لي والحديث كما قلت اسناده حسن وقد روى في سنن أبي داود من رواية عوف بن مالك ﵁ بإسنادٍ فيه ضعف ويشهد له الأثر المتقدم عن أبي هريرة ﵁ في مسند أبي يعلي ولفظ رواية أبي داود عن عوف بن مالك ﵃ أجمعين أن النبي ﷺ قال أنا وامرأة سفعاء الخدين في الجنة كهاتين وأشار إلى السبابة والوسطى امرأة آمت من زوجها أي تأيمت ومات زوجها وهي ذات منصب وجمال فحبست نفسها على أولاداً لها صغاراً حتى ماتوا أو بانوا. ففرج عنها بزواج أو حسن حال هذه هي والنبي عليه صلوات الله وسلامه في الجنة كهاتين كما بين لنا النبي ﵊ وقول النبي ﷺ في هذه المرأة السفعاء الخدين أن في خديها كدرة وتغير وفيهما كُمدٌ أي ليس فيهما طراوة ولا بهجة ولا لينة لشدة العيش التي تقاسيه وتتحملها مع أولادها ولا يوجد من تتزين له فعندما تحملت شدة في هذه الحياة عوضها الله نعيم عظيم لا ينفذ بعد الممات وامرأة سفعاء الخدين عباد الله هذا أجرٌ عظيم أيضاً على النفقة الطارئة التي تجب عليك من يتيم قريب ينبغي أن تقوم به أمر من يتيم غريب ليس بينك وبينه قرابة في نسب لكن تعينت عليك مساعدته لعدم وجود من يكفله فكل هذا مما تحصل عليه هذه الأجور العظيمة عند الله جل وعلا.
стр. 4188
وأما النفقة على الأهل من زوجة وأولاد ووالدين وغيرهما مما يجب عليك أن تنفق عليهم ففي ذلك أيضاً أجرٌ عظيم ثبت في مسند الإمام أحمد ومعجم الطبراني الكبير والحديث إسناده حسن عن المقدام بن مسعد كرب ﵁ يقول: "ما أطعمت به نفسك فهو صدقة وما أطعمت به زوجتك فهو صدقة وما أطعمت به ولدك فهو صدقة وما أطعمت به خادمك فهو صدقة". طعام واجب ينبغي أن تأكله وأن تقدمه إلى من تجب عليك نفقتهم ومع ذلك ضمن الله لنا هذا الأجر العظيم على هذه النفقة الواجبة التي نقدمها للزوجة والولد والخادم ولهذه النفس فعندما تطعم نفسك وأهلك لك صدقة عظيمة عند الله جل وعلا وقد كان النبي ﷺ يبين لنا أن من يسعى في هذه الحياة ليُعف نفسه أو ليطعم أبويه أو لينفق على أولاده فلا ينقص أجره عن أجر المجاهد في سبيل الله جل وعلا.
ثبت في معجم الطبراني الكبير والحديث في درجة الحسن عن كعب بن عجزة ﵁ وأرضاه قال كنا مع النبي ﷺ فمر علينا رجل فأعجب الصحابة الكرام رضوان الله عليهم أجمعين من جلده ونشاطه فقالوا ليت هذا يكون في سبيل الله أي ليته يخرج في القتال وفي الغزوات وفي السرايا فقال ﵊ إن كان خرج يسعى على أبوين شيخين كبيرين فهو في سبيل الله وإن كان خرج يسعى على أولاد له صغار فهو في سبيل الله وإن كان خرج يسعى على نفسه يعفها في سبيل الله وإن كان خرج رياء وبطرا فهو في سبيل الشيطان، إذا عندما يحصل مالاً وينفق به نفقته واجبة على نفسه على عياله على والديه له أجر المجاهد في سبيل الله وله على هذه النفقة أجر عند الله جل وعلا والأحاديث في ذلك إخوتي الكرام كثيرة كثيرة فطيبوا نفساً بما تزكو وطيبُ نفس بما به تساعدون وطيب نفس بما تقدمونه إلى أهليكم وتنفقون.
стр. 4189
ثبت في الصحيحين وغيرهما من حديث سعد بن أبي وقاص ﵁ أن النبي ﷺ قال له يا سعد إنك لن تنفق نفقة تبتغي بها وجه الله إلا أجرت عليها حتى ما تجعل في فيِّ امرأتك حتى ما تطعم به امرأتك حتى في أوقات المداعبة والملاعبة لوضعت في فمها حبة عنب فلك أجر عظيم عند رب العالمين: ﴿فَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ * وَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَراًّ يَرَهُ﴾ (١) .
إنك لن تنفق نفقة تبتغي بها وجه الله إلا أجرت عليها حتى ما تجعل في فيِّ امرأتك نعم إخوتي الكرام يؤجر الإنسان على ما ينفقه على أهله وهذا له أجر عظيم يفوق على أجر الصدقة النافلة عند رب العالمين لأن هذا نفقة واجبة. هذا حق واجب وأجر الواجب أكثر من أجر التطوع بكثير وقد أخبرنا نبينا ﷺ أن كل ما يقدمه الإنسان إلى أهله وأولاده يؤجر عليه حتى الماء عندما يشربون.
ثبت الحديث بذلك في مسند الإمام أحمد والحديث رواه الطبراني في معجمه الكبير ورواه البخاري في التاريخ الكبير والحديث حسن لشواهده وتعدد رواياته عن عبادة بن الصامت ﵁ قال سمعت النبي ﷺ يقول: " إن الرجل إذا سقى أهله الماء أجر إن الرجل إذا سقى أهله الماء أجر".
قال العرباض بن سارية ﵁ وأرضاه فذهبت إلى زوجي وسقيتها الماء وأخبرتها بما سمعته من خاتم الأنبياء عليه صلوات الله وسلامه إن الرجل إذا سقى أهله الماء أجر إخوتي الكرام وقد كان السلف الصالح يدركون هذا المعنى ويعلمون أن النفقة على الأهل يؤجر عليه الإنسان فكانوا يبذلون هذا المال في النفقة على العيال تقرباً لذي العزة والجلال.
стр. 4190
أخرج الإمام أحمد في المسند والطبراني في معجمه الكبير والحديث رواه أبو داود والطيالسي في مسنده وأبو يعلى في مسنده أيضاً وإسناده حسن عن عمرو بن أمية الضمري وهو من الصحابة الكرام رضوان الله عليهم أجمعين قال مر رجل بمرط " وهو الكساء الذي تلبسه المرأة من صوف أو خز" على عثمان بن عفان أو على عبد الرحمن بن عوف ﵃ أجمعين على واحد منهما فكأنه استغلاه فلم يأخذه فاشتراه عمرو بن أمية الضمرى فسأله بعد ذلك عثمان أو عبد الرحمن بن عوف ﵃ أجمعين ماذا فعلت بالمرط الذي ابتعته قال تصدقت به على سُخيلة بنت عبيدة بن الحارث وهي زوجته فقال له عثمان أو عبد الرحمن بن عوف ﵃ أجمعين كل ما تصنعه إلى أهلك صدقة – يعني إذا أعطيتها مرط وقدمت لها غذاء وماء هذا صدقة وأنت تقول تصدقت به على سخيلة قال نعم سمعت ذاك من رسول الله ﷺ فذهب عثمان أو عبد الرحمن بن عوف ﵃ أجمعين إلى النبي ﷺ وذكر له قول عمرو بن أمية الضمرى يا رسول الله يقول إنك كل ما صنعته إلى أهلك أي يصنعه المؤمن مع أهله فهو صدقة فقال ﵊ صدق عمرو كل ما تصنعه إلى أهلك صدقه عليهم. ما تقدمه من مرط من طعام من شراب كل هذا تُثاب عليه عند الكريم الوهاب سبحان الله نفقة واجبة إذا تركتها أثمت ولعنت ومع ذلك إذا فعلتها لك هذا الأجر العظيم عند رب العالمين والحمد لله الذي هدانا للإسلام ومن علينا بنبينا محمد ﵊ إخوتي الكرام وإذا كان يؤجر الإنسان على هذه النفقة واجبة فإن الأجر يتضاعف عندما يكون المتفق عليهم من الضعاف كما لو كانوا حضاراً أو كانوا نباتاً فلك أجر عظيم عظيم عند رب العالمين.
стр. 4191
ثبت في مسند الإمام أحمد ومسند البزار والحديث رواه الطبراني في معجمه الأوسط عن جابر بن عبد الله ﵃ أجمعين ورواه الإمام أحمد في المسند وابن ماجه في السنن عن عقبة بن عامر ﵃ أجمعين وهذا لفظ حديث جابر قال سمعت رسول الله ﷺ يقول من كن له ثلاث بنات ويؤوهن ويرحمهن ويكفلهن أوجب الله له الجنة البتة – أوجب الله له الجنة البتة أي قطعاً وجزماً ولا ترد في ذلك والله أكرم الأكرمين وأرحم الراحمين ثلاث بنات يؤولهن يرحمهن ويكفلهن أوجب الله له الجنة البتة فقال رجلٌ واثنتان يا رسول الله – ﷺ – قال واثنتان قال جابر فرأى بعض المتقدم أن لو قال واحدة واحدة لقال رسول الله ﷺ وواحدة.
وأنا أقول لجابر ﵁ ورد ما توقعته في روايات أخرى عن نبينا ﷺ ففي مستدرك الحاكم بسند صحيح كالشمس صححه الحاكم وأقر عليه الذهبي عن أبي هريرة ﵁ قال سمعت رسول الله ﷺ يقول من كن له ثلاث بنات فصير على ضرائهن ولئوائهن أدخله الله الجنة برحمته إياهن فقال رجل واثنتان يا رسول الله ﷺ فقال رجل وواحدة يا رسول الله قال وواحدة سبحان الله النفقة الواجبة على هذه البنت المسكينة إذا قصرت في النفقة تذم وتعاقب وتلعن وإذا أنفقت عليها وقمت بكفالتها ورعايتها وربيتها كما يريد الله ويحب هذه المرأة توجب لك الجنة بفضل الله ورحمته.
إخوتي الكرام: أقول للذين يريدون أن يزجوا بالبنات والنساء في مجال الحياة في الأسواق وفي دور العمل أقول لهؤلاء اسمعوا إلى هذين الحديثين الشريفين إذا كان عندك ما تطعم به هذه المرأة فاتقي الله إننا نطعم أعراضنا لا من عرق جبيننا والله أننا نطعمه من لحومنا ونسقيه من دمائنا ولا تزج بها في الأماكن العامة لتختلط بالرجال ولتتعرض للابتذال ولتكون بعد ذلك سلعة رخيصة لكل سائم لا وزن له ولا اعتبار.
стр. 4192
إخوتي الكرام: المرأة عندنا عرض يصان جوهرة مكنونة وعندما تنفق عليها يبارك الله لك في رزقك ويرزقك من حيث لا تحتسب ثم لك هذا الأجر العظيم عند رب العالمين أليس من العار أن تكلف ابنتك أو أختك أو زوجتك من أجل أن تعمل لأجل أن تأكل هي أو تأكل أنت أو يأكل من في البيت وبإمكانك أن تعمل وإذا كان ذاك العمل بالضوابط الشرعية فالأمر فيه هوادة أما أن تزج بها بعد ذلك في أماكن فيها اختلاط وبلاء ثم بعد ذلك تقول إنني محتاج أي حاجة أيها الإنسان إن الحر يأكل ورق الشجر ولا يعرض عرض لهذا الدنس وهذه الريبة وهذه الشبهة فينبغي إخوتي الكرام أن نعي هذه الأمور وأن نقنع بما قسمه الله لنا وأن نرضى به وأن تطيب بعد ذلك نفوسنا لما نخرجه للفقراء والمساكين عن طريق الزكاة والواجبة وبما نقدمه للمحتاجين عن طريق الحقوق الطارئة وبما ننفقه على الأهل والأولاد أسأل الله جل وعلا أن يلهمنا رشنا وأن يبصرنا بعواقب أمورنا وأن يجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه.
أقول هذا القول وأستغفر الله لي ولكم.
стр. 4193
إحساس الميت بالزائرين
(من خطب الجمعة)
للشيخ الدكتور
عبد الرحيم الطحان
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
إحساس الميت بالزائرين
الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونؤمن به ونتوكل عليه، ونعوذ به من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا من يهد الله فهو المهد ومن يضلل فلن تجد له ولياً مرشداً.
الحمد لله رب العالمين، شرع لنا دينا قويما وهدانا صراطاً مستقيما، وأسبغ علينا نعمه ظاهرةً وباطنةً وهو اللطيف الخبير.
اللهم لك الحمد كله ولك الملك كله، وبيدك الخير كله، وإليك يرجع الأمر كله أنت رب الطيبين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ولي الصالحين وخالق الخلق أجمعين ورازقهم ﴿فما من دابة في الأرض إلا على الله رزقها ويعلم مستقرها ومستودعها كل في كتاب مبين﴾ .
﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ هَلْ مِنْ خَالِقٍ غَيْرُ اللَّهِ يَرْزُقُكُم مِّنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ﴾ (١) .
وأشهد أن نبينا محمداً عبد الله ورسوله أرسله الله رحمةً للعالمين فشرح به الصدور وأنار به العقول وفتح به أعينا عمياً وآذاناً صماً وقلوباً غلفاً فجزاه الله عنا أفضل ما جزى به نبياً عن أمته، ورضي الله عن الصحابة الطيبين وعمن تبعهم بإحسانٍ إلى يوم الدين.
﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيراً وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيباً﴾ (٢) .
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلاَ تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ﴾ (٣) .
стр. 4194
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلاً سَدِيداً * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَن يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزاً عَظِيماً﴾ (١) .
أما بعد: معشر الأخوة المؤمنين..
تقدم معنا أن من صفات الرجال الأكياس أنهم يخافون رب الناس وهم يتصفون بهذه الصفة الجليلة الكريمة مع كونهم لله، لله يتقون وإلى عباده يحسنون وتقدم معنا إخوتي الكرام أن هذه الصفة فيهم، أعني صفة الخوف من ربهم جل وعلا لها أسباب كثيرة في نفوسهم يمكن أن تجمع في ثلاثة أسباب.
أولها: إجلال الله وتعظيمه.
ثانيها: خوفهم من التفريط في حق ربهم جل وعلا فيما أمروا أو نهوا عنه.
وثالث: الأسباب التي تدفعهم للخوف من ربهم جل وعلا الخوف من سوء الخاتمة.
وتقدم معنا إخوتي الكرام أن لسوء الخاتمة سببان:
أولها: الأمن على الإيمان من الاستلاب فما أحد أمن على إيمانه أن يسلبه إلا سلبه وذهب منه.
والسبب الثاني: اغترار المرء بالحالة الحاضرة وعجبه بما يصدر منه من طاعات قاصرة ناقصة وغفلة عن ما فيه من آفات مهلكات وأبرز ذلك ثلاث بليات كما تقدم معنا.
أولها: النفاق، وقد مضى الكلام عليه وعلى ما قبله.
وثانيها: البدعة.
وثالثها: الركون إلى الدنيا.
أما البدعة وهي التي كنا نتدارسها إخوتي الكرام، قلت سنتدارسها ضمن ثلاثة مباحث.
أولها: في بيان حد البدعة ورسمها وحقيقتها.
وثانيها: في النصوص المحذرة منها.
وثالثها: الأمور في بيان أقسام البدعة وحدها وضبطها،،، وقلت إنها باختصار حدث في دين الإسلام عن طريق الزيادة أو النقصان مع عدم دلالة نصوص الشرع الحسان على ذلك الفعل المحدث وإن يزعم الإنسان بما أحدثه أنه يتقرب به إلى الرحمن هذا هو حد البدعة وهذا رسمها وهذا تعريفها..
стр. 4195
قلت: إخوتي الكرام،، وقد ضل نحو حقيقة البدعة صنفان من الأنام صنفان غلوا ووسعوا مفهوم البدعة ودائرتها فبدعوا عباد الله الصالحين وحكموا بالبدعة على ما شهد عليه الدليل القويم وقال به إمام من أئمة المسلمين وقابلهم فريق آخر قصروا وفرطوا وقالوا لا بدعة ولا ابتداع في الدين وكلا طرفي قصد الأمور ذميم وما من أمر شرعه الله لعباده إلا وللشيطان نحوه نزعتان، نزعة غلوٍ ونزعة تقصير لا يبالي الشيطان بأي النزعتين وقع الإنسان.
وكنا إخوتي الكرام نناقش الفرقة الأولى التي غلت في مفهوم البدعة ووسعتها فحكمت بالبدعة على ما شهد له الدليل وقال به إمامٌ جليل، بل حكمت بالبدعة كما تقدم معنا على ورد فيه نص صريح عن نبينا الجليل على نبينا صلوات الله وسلامه واستعرضت بعض النماذج إخوتي الكرام مما احتمله الدليل وورد وحكم به بعض المتطرفين المتشددين الغالين في هذا الحين بأنه بدعة وابتداع في الدين ومثلت بذلك بوضع اليمين على الشمال بعد الرفع من الركوع، كما مثلت على ذلك بصلاة التراويح وأنه عشرون ركعة ويوتر الإنسان بثلاث ثم انتقلت إلى الأمر الثالث ألا وهو قراءة القرآن على الأموات عند القبور وقلت إن هذه المسألة لها ثلاثة ذيول تلقين الميت وتقرير سماع الأموات ما يجري عندهم ورؤيتهم لما يقع حولهم، وثالثها إهداء الطاعات والقربات إليهم.
стр. 4196
إخوتي الكرام: وقد مر ما يتعلق بقراءة القرآن عند المقابر كما مر معنا تلقين الموتى وفي هذه الموعظة سنتدارس الأمر الثالث وهو الذيل الثاني للمسألة ألا وهو سماع الأموات لما يجري ويقع عندهم وحولهم وعلمهم بما يقع في ساحتهم ورؤيتهم لمن يزورهم واستبشارهم بذلك، هذه المسألة كما سيأتينا إخوتي الكرام وردت بها نصوص صريحة صحيحة ومع ذلك ترى في هذا الحين من يرفع صوته بلا حياء من رب العالمين ولا توقير لأئمة المسلمين فيرى بالابتداع والبدعة من قال الأموات يسمعون وأن الأموات يعلمون بحال الزائرين ويستبشرون بهم ويستأنسون وهذا الأمر إخوتي الكرام أمر غيبي لا دخل فيه لأي عقلٍ بشري والإنسان إذا أراد أن يتلكم في هذه القضية فإن كان مهتديا ينبغي أن يحتكم إلى النبي ﵊ وقد قرر نبينا ﵊ سماع الأموات وعلمهم بمن يزورهم وفرحهم واستبشارهم بالزائرين في أحاديثه الكثيرة الصحيحة الوفيرة يمكن أن تجمع تلك الأحاديث إلى ثلاثة أنواع وفيها ثلاث دلالات انتبهوا لها إخوتي الكرام لنكون على بينة من أمر ديننا ولنعرف بعد ذلك من المخرف الذي يخرج من نصوص النبي ﵊ ويُبَدِّعَ أئمة الإسلام أو الذي يلتزم بهذه النصوص ويحتكم إليها، إذا علمنا هذه المسألة يظهر لنا من المخرف.
стр. 4197
إخوتي الكرام: أما الدلالة الأولى، والأمر الأول، صرح نبينا ﵊ بأن الأموات يسمعون وأخبرنا أن سماعهم أعظم وأدق من سماع الأحياء ووردت النصوص الصحيحة عن خاتم الأنبياء وعليه صلوات الله وسلامه ففي مسند الإمام أحمد والصحيحين وسنن النسائي من رواية أنس ابن مالك ﵁، والحديث رواه البخاري من رواية أنس عن أبي طلحة، ورواه الإمام أحمد ومسلم في صحيحه والنسائي في سننه من رواية أنس عن عمر ابن الخطاب، ورواه الشيخان في صحيحيهما من رواية عبد الله بن عمر، ورواه الإمام أحمد في المسند بسندٍ رجاله ثقات عن أمنا الصديقة بنت الصديق حبيبة حبيب الله أمنا عائشة على نبينا وعليها وعلى سائر آل نبينا وصحبه صلوات الله وسلامه، ولفظ الحديث من رواية هؤلاء الصحابة الخمسة الكرام أنس وأبي طلحة وعمر وعبد الله ابن عمر وأمنا عائشة ﵃ أجمعين أن النبي ﷺ بعد أن انتهى من موقعة بدرٍ أقام ثلاثاً وكانت هذه عادته عليه صلوات الله وسلامه إذا انتصر على قدم لا يبرح من ذلك المكان مدة ثلاثة أيام لئلا يقال ضرب وهرب كما يفعل بعض الناس وأن هذه الأيام فليست هذه الشجاعة عند أهل الإيمان، الشجاعة أن تضرب وأن تثبت وأن تتحدى أهل الأرض بعد ذلك لأنك واثق بالله والله سينصرك وكان نبينا ﵊ هذه عادته في غزواته إذا مكنه الله ونصره يقيم ثلاثة أيام إذا كان بإمكان الخصم أن يعيد الكرة فنحن على استعداد، أقام ثلاثة أيام قداه أنفسنا وآباؤنا وأمهاتنا عليه صلوات الله وسلامه ثم ركب ناقته وتوجه إلى القتلى فوقف عليهم وقد قتل سبعون من المشركين في أول موقعة حكم الله بها وفيها بين الموحدين والكافرين فوقف عليهم وهو على ناقته المباركة على نبينا صلوات الله وسلامه فقال يا أبا جهل ابن هشام يا أمية ابن خلف يا عتبة ابن ربيعة يا شيبة ابن ربيعة هل وجدتم وما وعد ربكم حقاً فإني وجدت ما وعدني ربي
стр. 4198
حقاً فقال سيدنا عمر ابن الخطاب ﵁ وأرضاه يا رسول الله ﷺ تخاطب أقواماً قد جيفوا أنى يجيبوا وكيف يسمعون تخاطب أقواماً قد جيفوا بعد ثلاثة أيام وهم على رمال حارة وفوقهم شمس محرقة تخاطب أقواماً قد جيفوا أنى يسمعوا وكيف يجيبوا فقال النبي ﵊ ما أنتم بأسمع لما أقول منهم غير أنهم لا يجيبون، إنهم يسمعون سماعاً أدق من سماعكم ويروني الآن رؤية أوضح من رؤيتكم لكن حيل بينهم وبين الكلام الذي يسمعه الأحياء مثلكم ما أنتم بأسمع لما أقول منهم غير أنهم لا يجيبون والحديث كما قلت في الصحيحين وغيرهما من رواية خمسة من الصحابة الكرام رضوان الله عليهم أجمعين وهذا حديث صحيح صريح في أن الأموات يسمعون سماعاً يزيد على سماع الأحياء كما قرر ذلك شيخنا المبارك في (أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن) ووسع الكلام في هذه المسألة إلى قرابة خمس وعشرين وقال هذا نص صريح صحيح في أن الأموات يسمعون ولا معارض له فالقول بموجبه متعين وهذا الذي قرره شيخ الإسلام الإمام ابن القيم وشيخه الإمام ابن تيمية وهذا المقرر عند علماء الشريعة الإسلامية ما أنتم بأسمع لما أقول منهم إذا هذا صريح من نبينا ﵊ بأنهم يسمعون ويعلمون ما يجري حولهم والحديث الثاني الذي يقرر هذه الدلالة وهي الدلالة الأولى تصريح نبينا ﵊ بسماع الأموات وعلمهم بما يجري حولهم كنت أشرت إليه في الموعظة الماضية وأذكره الآن الحديث رواه الإمام أحمد أيضاً في المسند وأخرجه الشيخان في الصحيحين والإمام النسائي وأبو داود في السنن من رواية أنس ابن مالك ﵁، والحديث رواه الإمام أحمد في المسند وأبو داود في السنن من رواية البراء ابن عازب وإسناده صحيح كالشمس ورواه الإمام أحمد في المسند وابن حبان في صحيحه والبزار في مسنده والطبراني في معجمه الأوسط من رواية أبي هريرة ورواه الطبراني في معجمه
стр. 4199
الكبير والأوسط من رواية عبد الله ابن عباس ﵃ أجمعين، والحديث كما قلت من أصح الأحاديث فهو في الصحيحين وغيرهما من رواية أنس والبراء ابن عازب وأبي هريرة وعبد الله ابن عباس ﵃ أجمعين أن النبي ﷺ قال [إذا وضع الميت في قبره وتولى عنه أصحابه إنه ليسمع قرع نعالهم] وفي رواية المسند وأبي داود من رواية البراء ابن عازب [إنه ليسمع خفق نعالهم] وقد بوب الإمام البخاري على هذا في كتاب (الجنائز) فقال (باب الميت يسمع خفق النعال) ، يسمع قرع نعالهم، يسمع خفق نعالهم، [فإذا تولى عنه أصحابه أتاه ملكان منكر ونكير فيقعدانه ويقولان له ما كنت تقول في هذا الرجل الذي بعث فيكم] يعني محمداً على نبينا صلوات الله وسلامه [فأما المؤمن فيقول هو عبد الله ورسوله آمنا به وصدقناه فيقولان له هذا مقعدك من النار قد أبدلك الله به مقعداً من الجنة فيراهما معاً، وأما الكافر أو المنافق فيقولان له ما كنت تقول في هذا الرجل الذي بعث فيكم فيقول لا أدري كنت أقول ما يقول الناس فيقولان له لا دريت ثم يضربانه بمطرقة معهما بين أذنيه فيصيح صيحة يسمعه كل شيء إلا الثقلين] [يسمع قرع النعال] ، [يسمع خفق النعال] سبحان ربي سبحان ذي العزة والجلال، إذا سمع الميت قرع النعال وخفق النعال ألا يسمع سماع الزائرين ألا يعلم بحالهم ويستبشر بهم عندما يزورنه بلى ثم بلى ورضي الله عن عون ابن عبد الله ابن عتبة ابن مسعود عندما نقل من عم أبيه عبد الله ابن مسعود ﵁ أثراً واستغرب منه الحاضرون فعلق عليه بما ستسمعون، والأثر رواه الإمام أحمد في (الزهد) وعبد الله ابن المبارك في كتاب (الزهد) ، و (الرقائق) أيضاً، والأثر مروي في سنن سعيد ابن منصور وفي مصنف ابن أبي شيبة ورواه أبو الشيخ أيضاً ورواه ابن أبي حاتم في تفسيره والبيهقي في شعب الإيمان والطبراني في معجمه الكبير عن عون ابن عبد الله ابن عتبة ابن
стр. 4200
مسعودٍ، وهو من أئمة التابعين توفي قبل سنة عشرين ومائة للهجرة ١٢٠هـ وحديثه في صحيح مسلم والسنن الأربعة، إمام ثقة عدل رضا، عون ابن عبد الله ابن عتبة ابن مسعود، نقل عن عم أبيه عبد الله ابن مسعود ﵃ أجمعين، أنه قال إن الجبل لينادي الجبل كل يوم باسمه فيقول له مر بك أحدٌ ذكر الله فإن قال الجبل نعم يقول استبشر وفرح وتطاول بأنه مر عليه أحدٌ ذكر الله ،، نعم ﴿وَإِن مِّن شَيْءٍ إِلاَّ يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَكِن لاَّ تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ إِنَّهُ كَانَ حَلِيماً غَفُوراً﴾ (١) فقيل لعون ابن عبد الله ابن عتبة كيف هذا قال سبحان الله أيسمعن الزور ولا يسمعن الخير، سبحان الله أيسمعن الزور ولا يسمعن الخير: يعني هذه الجبال والجمادات، الأرض والأشجار تسمع الزور ولا تسمع الخير قالوا وكيف ذاك قال أما قرأتم قول الله جل وعلا ﴿وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَداً * لَقَدْ جِئْتُمْ شَيْئاً إِداًّ * تَكَادُ السَّمَوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ وَتَنشَقُّ الأَرْضُ وَتَخِرُّ الجِبَالُ هَداًّ * أَن دَعَوْا لِلرَّحْمَنِ وَلَداً * وَمَا يَنبَغِي لِلرَّحْمَنِ أَن يَتَّخِذَ وَلَداً * إِن كُلُّ مَن فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ إِلاَّ آتِي الرَّحْمَنِ عَبْداً * لَقَدْ أَحْصَاهُمْ وَعَدَّهُمْ عَداًّ * وَكُلُّهُمْ آتِيهِ يَوْمَ القِيَامَةِ فَرْداً﴾ (٢) السماوات تشقق من الكلمة بأن لله صاحبة وولد، تعالى الله عما يقول الظالمون علواً كبيرا، (أيسمعن الزور ولا يسمعن الخير) ، وأنا أقول هل يسمع الأموات قرع النعال وخفق الأحذية ولا يسمعون كلام الزائر السلام عليكم دار قومٍ مؤمنين ولا يسمعون دعاء الزائر ولا يرونه ولا يستبشرون به؟ تعالى الله عما تتوهمون وتقولون علواً كبيرا هذه الدلالة الأولى.
стр. 4201
إخوتي الكرام: وكما قلت نص صريح من نبينا ﵊ بأن الأموات يسمعون سماعاً يزيد على سماع الأحياء، نعم إنك لو دخلت على ساحة كبيرة واجتماع كبير وسلمت عليه لا يسمع سلامك إلا من كان بجورك وفي المقدمة، أما الأموات فإذا دخلت باب المقبرة ووصلت إلى أول قبر منها امتدت المقابر وقلت كما سيأتي معنا (السلام عليكم أهل الديار من المؤمنين والمسلمين) لا يوجد ميت في تلك البقعة إلا يسمع صوتك ويجيبك ويستبشر بك ويفرح كما سيأتينا، ووالله لو كانوا من الأحياء لما سمعوا صوتك،، نعم السلطان للروح في عالم البرزخ وليست مقيدة بكثافة الجسم وفتور الجسم فتشعر بك وتسمع سلامك ولو كانت هذه الروح في بدنها الحي بها لما سمعت سلامك عن بُعْد، [ما أنتم بأسمع لما أقول منهم] هذا كلام النبي ﵊، هذه الدلالة الأولى إخوتي الكرام.
стр. 4202
والدلالة الثانية: شرع لنا نبينا ﷺ زيارة القبور والزائر يقال زائر والميت يقال لما في الزيارة من فوائد وخيرات فالإنسان يعتبر في المصير الذي سيصير إليه ويدعو لإخوانه وهذان أبرز مقصود زيارة الحي للميت يعتبر ويدعو وقد ثبت في مسند الإمام أحمد وصحيح مسلم والحديث رواه أبو داود والنسائي وهو صحيح صحيحٌ فهو في صحيح مسلم من رواية بريدة ابن الحصين ﵁ وأرضاه قال سمعت النبي ﷺ يقول [كنت نهيتكم عن زيارة القبور فزوروها فإنها تذكر الآخرة] والحديث روي في المسند والحاكم في المستدرك من رواية أنس ابن مالك ﵁ وفي رواية أنس في المستدرك كما قلت والمسند عن نبينا ﵊ أنه قال [كنت نهيتكم عن زيارة القبور فإنها ترُقُّ القلب وتُدمع العين وتذكر بالآخرة ولا تقولوا هجراً] : أي كلاماً قبيحاً، فلا داعي لنياحةٍ ولا لاستغاثة بميت ولا بطلب الحاجات منه، إنما تزور تعتبر بما إليه ستؤول ثم تدعو لهذا العبد الذي انقطع عمله بما ينفعه في موته كما أذن لنا ربنا وأمرنا به.
стр. 4203
إذاً الزائر زائر والميت مزور، قال شيخ الإسلام الإمام ابن القيم في كتابه (الروح) صفحة خمسة إلى صفحة ثمانية ص٥ إلى ص٨ يقول وهذا اللفظ يعني الزيارة والزائر زائر والميت مزور يقول لا يقال إلا إذا علم المزور بزيارة الحي وسمع صوته شعر به واستأنس به، لا يصح غير هذا البته في جميع لغات الأمم، فلا يسمى الإنسان زائر لمن يزوره إلا إذا علم به المزور إلا إذا شعر به إلا إذا سمع سلامه إلا إذا علم بزيارته أما أنك أمواتاً ويقال، أنت زائر وهو مزور هذا لا يصح فلفظ الزيارة عندما أمرنا نبينا ﵊ بزيارة القبور يدل على أن المزور يعلم بحال الزائر ويسمعه ويستبشر به ويفرح بزيارته وهذا الأمر الذي استنبطه أئمتنا وردت به نصوص صحيحة صريحة كالشمس لا يخالف فيها إلا من كان مبتدعاً روى الإمام ابن عبد البر في كتاب الاستيعاب والتمهيد والحديث صححه شيخ الإسلام أبو محمد عبد الحق الإشبيلي وهو صاحب كتاب (العاقبة في التذكرة في أمور الموت وأمور الآخرة) وهو صاحب كتاب (الجمع بين الصحيحين) وله كتاب في الأحكام كبرى ووسطى وصغرى وقد توفي سنة واحد وثمانين وخمسمائة للهجرة ٥٨١هـ وهو من أئمة الإسلام الربانيين أبو محمد عبد الحق الإشبيلي الأندلسي عليه وعلى أئمتنا رحمة ربنا، هذا الحديث الإمام أبو محمد عبد الحق، ونقل تصحيح عنه أئمة الإسلام وأقروه منهم شيخ الإسلام ابن تيمية في (مجموع الفتاوى) في الجزء الرابع والعشرين صفحة واحد وثلاثين وثلاثمائة ٢٤/٣٣١ ومنهم الإمام ابن القيم في أول كتابه (الروح) وهكذا الإمام السيوطي في كتاب (شرح الصدور في أحوال الموتى وزيارة القبور) وهكذا الإمام القرطبي في كتاب (التذكرة في أمور الآخرة) وغيرهم، فالحديث صحيح ولفظه من رواية عبد الله ابن عباسٍ ﵄ قال سمعت النبي يقول [ما من أحدٌ يمر بقبر الرجل الذي كان يعرفه في الدنيا فيسلم عليه إلا عرفه ورد ﵇] .
стр. 4204
قال الإمام ابن القيم عليه رحمة الله في كتابه (الروح) وهذا نص صريح في أن الميت يسمع ويعرف من زاره بل ويرد عليه سلام.
نعم إخوتي الكرام: إن الميت انتقل من دار إلى دار والدار التي انتقل إليها كما سيأتينا دار البرزخ هي أدق من دار الدنيا بكثير وموازينها أضبط بكثير ولذلك يعرفه ويرد ﵇، أما أننا نحن لا نعي ما في تلك الدار فلعدم موافقة موازيننا لتلك الموازين، أما هو فيعلم ما يجري في البرزخ ويعلم ما يجري في الحياة الدنيا، ونحن نعلم ما يجري في الحياة الدنيا ولا نعلم ما يجري في البرزخ، فعلمه أدق من علمنا بكثير يعرفك ويرد عليك السلام.
стр. 4205
وثبت في كتاب (دلائل النبوة) للإمام البيقهي والأثر رواه الإمام الحاكم في المستدرك بسندٍ صحيح من رواية أبي هريرة ﵃ أجمعين أن النبي ﷺ وقف على قبر مصعب ابن عمير بعد موقعة أحد ﵃ أجمعين فبكى نبينا ﵊ ثم قال [أشهد أنكم أحياء عند الله ألا فزوروهم وسلموا عليهم والذي نفسي بيده لا يزورهم أحد ويسلم عليهم إلا ردوا ﵇ إلى يوم القيامة] وهذا ليس خاصاً في ذلك الوقت بعد قتلهم وانتهاء موقعة أحد إنما هذا الحكم ثابت إلى يوم القيامة وقد روى الإمام الحاكم في المستدرك بإسنادٍ مدني صحيح كما قال هو ذلك ﵁ وأرضاه عن عطاف ابن خالد وهو من العلماء الصالحين صدوق كما نعت بذلك في التقريب وقد أخرج حديثه البخاري في (الأدب المفرد) والإمام أبو داود في كتاب (القدر) وهو من رجال الترمذي والنسائي في السنن ينقل عطاف ابن خالد عن خالته أنها (زارت قبور الشهداء شهداء أحد فسلمت عليهم فسمعت جواباً لها ورد السلام من قبورهم يقولون لها وعليك السلام ورحمة الله وبركاته، تقول فأخذتني قشعريرة فقالوا لي هؤلاء الأموات وهم في قبورهم إننا نعرفكم كما يعرف بعضنا بعضاً) هذا حال الموتى فأنت زائر والميت مزور وشرع لنا نبينا ﵊ زيارة القبور، هل شرع لنا زيارة جماد لا يعي ولا يفقه ولا يشعر ما يدور حوله لا والله ولما رسخ هذا في أذهان الناس تركوا زيارة المقابر وانقطعت الخيرات من الأحياء نحو الأموات ولو علموا أن الأموات يستأنسون بهم عندما يزورونهم لما خلت المقابر من زائر يزورهم ويدعو لهم ليستأنسوا بهم ويفرحوا بهم عند زيارتهم لعل كثيراً من الناس لا يذهبون إلى المقابر إلا إذا مات لهم قريب أو حبيب وما عدا هذا ليس بينه وبين المقابر صلة، ثم إذا دفن والده أو ولده أو ولده كأنه انقطعت صلته به يا عبد الله أما تزوره لو كان حيا والله إن