← Джавами‘

Джавами‘ · id 21782

خطب ودروس الشيخ عبد الرحيم الطحان

عبد الرحيم الطحان

Полный текст (6 674 стр.). Показаны 4201–4240 · переход к 4206.

стр. 4201

إخوتي الكرام: وكما قلت نص صريح من نبينا ﵊ بأن الأموات يسمعون سماعاً يزيد على سماع الأحياء، نعم إنك لو دخلت على ساحة كبيرة واجتماع كبير وسلمت عليه لا يسمع سلامك إلا من كان بجورك وفي المقدمة، أما الأموات فإذا دخلت باب المقبرة ووصلت إلى أول قبر منها امتدت المقابر وقلت كما سيأتي معنا (السلام عليكم أهل الديار من المؤمنين والمسلمين) لا يوجد ميت في تلك البقعة إلا يسمع صوتك ويجيبك ويستبشر بك ويفرح كما سيأتينا، ووالله لو كانوا من الأحياء لما سمعوا صوتك،، نعم السلطان للروح في عالم البرزخ وليست مقيدة بكثافة الجسم وفتور الجسم فتشعر بك وتسمع سلامك ولو كانت هذه الروح في بدنها الحي بها لما سمعت سلامك عن بُعْد، [ما أنتم بأسمع لما أقول منهم] هذا كلام النبي ﵊، هذه الدلالة الأولى إخوتي الكرام.

стр. 4202

والدلالة الثانية: شرع لنا نبينا ﷺ زيارة القبور والزائر يقال زائر والميت يقال لما في الزيارة من فوائد وخيرات فالإنسان يعتبر في المصير الذي سيصير إليه ويدعو لإخوانه وهذان أبرز مقصود زيارة الحي للميت يعتبر ويدعو وقد ثبت في مسند الإمام أحمد وصحيح مسلم والحديث رواه أبو داود والنسائي وهو صحيح صحيحٌ فهو في صحيح مسلم من رواية بريدة ابن الحصين ﵁ وأرضاه قال سمعت النبي ﷺ يقول [كنت نهيتكم عن زيارة القبور فزوروها فإنها تذكر الآخرة] والحديث روي في المسند والحاكم في المستدرك من رواية أنس ابن مالك ﵁ وفي رواية أنس في المستدرك كما قلت والمسند عن نبينا ﵊ أنه قال [كنت نهيتكم عن زيارة القبور فإنها ترُقُّ القلب وتُدمع العين وتذكر بالآخرة ولا تقولوا هجراً] : أي كلاماً قبيحاً، فلا داعي لنياحةٍ ولا لاستغاثة بميت ولا بطلب الحاجات منه، إنما تزور تعتبر بما إليه ستؤول ثم تدعو لهذا العبد الذي انقطع عمله بما ينفعه في موته كما أذن لنا ربنا وأمرنا به.

стр. 4203

إذاً الزائر زائر والميت مزور، قال شيخ الإسلام الإمام ابن القيم في كتابه (الروح) صفحة خمسة إلى صفحة ثمانية ص٥ إلى ص٨ يقول وهذا اللفظ يعني الزيارة والزائر زائر والميت مزور يقول لا يقال إلا إذا علم المزور بزيارة الحي وسمع صوته شعر به واستأنس به، لا يصح غير هذا البته في جميع لغات الأمم، فلا يسمى الإنسان زائر لمن يزوره إلا إذا علم به المزور إلا إذا شعر به إلا إذا سمع سلامه إلا إذا علم بزيارته أما أنك أمواتاً ويقال، أنت زائر وهو مزور هذا لا يصح فلفظ الزيارة عندما أمرنا نبينا ﵊ بزيارة القبور يدل على أن المزور يعلم بحال الزائر ويسمعه ويستبشر به ويفرح بزيارته وهذا الأمر الذي استنبطه أئمتنا وردت به نصوص صحيحة صريحة كالشمس لا يخالف فيها إلا من كان مبتدعاً روى الإمام ابن عبد البر في كتاب الاستيعاب والتمهيد والحديث صححه شيخ الإسلام أبو محمد عبد الحق الإشبيلي وهو صاحب كتاب (العاقبة في التذكرة في أمور الموت وأمور الآخرة) وهو صاحب كتاب (الجمع بين الصحيحين) وله كتاب في الأحكام كبرى ووسطى وصغرى وقد توفي سنة واحد وثمانين وخمسمائة للهجرة ٥٨١هـ وهو من أئمة الإسلام الربانيين أبو محمد عبد الحق الإشبيلي الأندلسي عليه وعلى أئمتنا رحمة ربنا، هذا الحديث الإمام أبو محمد عبد الحق، ونقل تصحيح عنه أئمة الإسلام وأقروه منهم شيخ الإسلام ابن تيمية في (مجموع الفتاوى) في الجزء الرابع والعشرين صفحة واحد وثلاثين وثلاثمائة ٢٤/٣٣١ ومنهم الإمام ابن القيم في أول كتابه (الروح) وهكذا الإمام السيوطي في كتاب (شرح الصدور في أحوال الموتى وزيارة القبور) وهكذا الإمام القرطبي في كتاب (التذكرة في أمور الآخرة) وغيرهم، فالحديث صحيح ولفظه من رواية عبد الله ابن عباسٍ ﵄ قال سمعت النبي يقول [ما من أحدٌ يمر بقبر الرجل الذي كان يعرفه في الدنيا فيسلم عليه إلا عرفه ورد ﵇] .

стр. 4204

قال الإمام ابن القيم عليه رحمة الله في كتابه (الروح) وهذا نص صريح في أن الميت يسمع ويعرف من زاره بل ويرد عليه سلام. نعم إخوتي الكرام: إن الميت انتقل من دار إلى دار والدار التي انتقل إليها كما سيأتينا دار البرزخ هي أدق من دار الدنيا بكثير وموازينها أضبط بكثير ولذلك يعرفه ويرد ﵇، أما أننا نحن لا نعي ما في تلك الدار فلعدم موافقة موازيننا لتلك الموازين، أما هو فيعلم ما يجري في البرزخ ويعلم ما يجري في الحياة الدنيا، ونحن نعلم ما يجري في الحياة الدنيا ولا نعلم ما يجري في البرزخ، فعلمه أدق من علمنا بكثير يعرفك ويرد عليك السلام.

стр. 4205

وثبت في كتاب (دلائل النبوة) للإمام البيقهي والأثر رواه الإمام الحاكم في المستدرك بسندٍ صحيح من رواية أبي هريرة ﵃ أجمعين أن النبي ﷺ وقف على قبر مصعب ابن عمير بعد موقعة أحد ﵃ أجمعين فبكى نبينا ﵊ ثم قال [أشهد أنكم أحياء عند الله ألا فزوروهم وسلموا عليهم والذي نفسي بيده لا يزورهم أحد ويسلم عليهم إلا ردوا ﵇ إلى يوم القيامة] وهذا ليس خاصاً في ذلك الوقت بعد قتلهم وانتهاء موقعة أحد إنما هذا الحكم ثابت إلى يوم القيامة وقد روى الإمام الحاكم في المستدرك بإسنادٍ مدني صحيح كما قال هو ذلك ﵁ وأرضاه عن عطاف ابن خالد وهو من العلماء الصالحين صدوق كما نعت بذلك في التقريب وقد أخرج حديثه البخاري في (الأدب المفرد) والإمام أبو داود في كتاب (القدر) وهو من رجال الترمذي والنسائي في السنن ينقل عطاف ابن خالد عن خالته أنها (زارت قبور الشهداء شهداء أحد فسلمت عليهم فسمعت جواباً لها ورد السلام من قبورهم يقولون لها وعليك السلام ورحمة الله وبركاته، تقول فأخذتني قشعريرة فقالوا لي هؤلاء الأموات وهم في قبورهم إننا نعرفكم كما يعرف بعضنا بعضاً) هذا حال الموتى فأنت زائر والميت مزور وشرع لنا نبينا ﵊ زيارة القبور، هل شرع لنا زيارة جماد لا يعي ولا يفقه ولا يشعر ما يدور حوله لا والله ولما رسخ هذا في أذهان الناس تركوا زيارة المقابر وانقطعت الخيرات من الأحياء نحو الأموات ولو علموا أن الأموات يستأنسون بهم عندما يزورونهم لما خلت المقابر من زائر يزورهم ويدعو لهم ليستأنسوا بهم ويفرحوا بهم عند زيارتهم لعل كثيراً من الناس لا يذهبون إلى المقابر إلا إذا مات لهم قريب أو حبيب وما عدا هذا ليس بينه وبين المقابر صلة، ثم إذا دفن والده أو ولده أو ولده كأنه انقطعت صلته به يا عبد الله أما تزوره لو كان حيا والله إن

стр. 4206

زيارته آكد عليك إذا صار ميتاً لكن هذه المفاهيم الضالة التي وجدت في الأمة وأن الميت لا يسمع ولا يعي ولا يشعر ولا يستأنس نفرت الناس عن زيارتهم للموتى بعد موتهم. إخوتي الكرام: إن الموتى كما أنهم يشعرون بزيارتك ويسمعون سلامك ويرونك عند زيارتهم إن الأمر أدق من ذلك بكثير فأعمالك تعرض عليهم أينما كنت وهم في قبورهم لأن السلطان للروح فإذا عملت خيراً استبشروا وفرحوا وإذا عملت غير ذلك حزنوا ودعوا لك بالهداية وهم أموات في قبورهم كما أخبرنا عن ذلك نبينا ﷺ ففي الإمام أحمد، والحديث في إسناده رجل لم يسم كما قال شيخ الإسلام الإمام الهيثمي في (مجمع الزوائد) في الجزء الثاني صفحة واحد وثلاثين وثلاثمائة ٢/٣٣١، والحديث من رواية أنس ابن مالك ﵁ أن النبي ﷺ قال [إن أعمالكم تعرض على أقاربكم وعشائكم من الأموات فإن كان خيراً فرحوا واستبشروا، وإن كان غير ذلك قالوا اللهم لا تمتهم حتى تهديهم كما هديتنا] وهذا العرض يكون على الصالحين على المقربين وأصحاب اليمين، وأما من هم في سجين فنسأل الله أن يكفينا شرهم وألا يجعلنا منهم إنه أرحم الراحمين وأكرم الأكرمين.

стр. 4207

وهذا الحديث إخوتي الكرام الذي هو المسند عن أنس ﵁ وفي إسناده رجل لم يسم رواه ابن أبي الدنيا والطبراني في معجمه الكبير والأوسط من رواية أبي أيوب الأنصاري ورواه الإمام أبو داود الطيالسي في مسنده من رواية جابر ابن عبد الله والأسانيد الثلاثة لا تخلو من ضعف كما قرر أئمتنا لكنها تعتضد ببعضها وقد كان أئمة الإسلام عليهم رحمة الله ورضوانه يقررون هذا بناءاً على هذه الآثار، فهذا شيخ الإسلام الإمام ابن تيمية في (مجموع الفتاوى) في المجلد الرابع والعشرين صفحة واحد وثلاثين وثلاثمائة ٢٤/٣٣١ وقد أفاض في هذا الكتاب وكرر هذا الكلام في عدد من الصفحات لكن في هذا المكان سئل عليه رحمة الله عن الأحياء وإذا زاروا الأموات هل يعلمون بزيارتهم وهل يعلمون بالميت إذا مات من قرابتهم أو غيره؟ فأجاب ﵀ ورضا عنه: الحمد الله نعم قد جاءت الآثار بتلافيهم وتساءلهم وعرض أعمال الأحياء على الأموات كما روى ابن المبارك عن أبي أيوب الأنصاري وهذا الأثر الذي نقله الإمام ابن تيمية عن شيخ الإسلام عبد الله ابن المبارك بسنده إلى أبي أيوب الأنصاري، وهو في كتاب (الزهد) و (الرقائق) في صفحة خمسين ومائة صـ١٥٠ وبعد أن نقله الإمام عبد الله ابن المبارك عن أبي أيوب الأنصاري موقوفاً عليه بيَّن أنه روي مرفوعاً إلى النبي ﵊ كما تقدم معنا في رواية ابن أبي الدنيا ومعجم الطبراني الكبير والأوسط يقول الإمام ابن تيمية (كما روى ابن المبارك عن أبي أيوب الأنصاري قال إذا قبضت نفس المؤمن تلقاها الرحمة من عباد الله كما يتلقون البشير في الدنيا فيقبلون عليه ويسألونه فيقول بعضهم لبعض انظروا أخاكم يستريح فإنه كان في كرب شديد قال فيقبلون عليه ويسألونه ما فعل فلان وما فعلت فلانة هل تزوجت، فإذا سأل عن الرجل قد مات قبله قال لهم إنه قد هلك فيقولون إنا لله وإنا إليه راجعون ذهب به إلى أمه الهاوية فبئست الأم وبئست المربية،

стр. 4208

مات قبلك وما علمنا ذهب إلى سجين، قال فيعرض عليهم أعمالهم فإذا رأوا حسن فرحوا واستبشروا وقالوا اللهم هذه نعمتك على عبدك فأتمها عليه وإن رأوا سوءاً قالوا اللهم راجع بعبدك قال ابن صاعد رواه ابن سلام الطويل عن ثور ابن يزيد ورفعه إلى نبينا ﵊ قال الإمام ابن تيمية وأما علم الحي بالميت إذا زاره وسلم عليه ففي حديث ابن عباس ﵄ قال قال رسول الله ﷺ [ما من أحد يمر بقبر أخيه الذي كان يعرفه في الدنيا فيسلم عليه إلا عرفه ورد ﵇] قال ابن المبارك ثبت ذلك عن النبي ﵊ وصححه عبد الحق صاحب الأحكام.

стр. 4209

وأما ما أخبر الله به من حياة الشهيد ورزقه وما جاء في الحديث الصحيح من دخول أرواحهم الجنة فذهب طوائف أن ذلك مختص بهم دون الصديقين وغيرهم والصحيح الذي عليه الأئمة وجماهير أهل السنة أن الحياة والرزق ودخول الجنة ليس مختصاً بالشهيد كما دلت على ذلك النصوص الثابتة ويختص الشهيد بالذكر يعني هو الذي ينوه به من أجل حكمة سيذكرها هذا الإمام لكون الظان يظن أنه يموت فينكب عن الجهاد أي يتأخر ويبتعد فأخبر بذلك ليزول المانع من الإقدام على الجهاد والشهادة كما نهى عن الأولاد خشية الإملاق لأنه هو الواقع وإن كان قتلهم لا يجوز مع عدم خشية الإملاق وهذا كما قلت يقرره إخوتي الكرام شيخ الإسلام الإمام ابن تيمية والمقرر عند أئمتنا علماء الشريعة الإسلامية وقد روى الإمام عبد الله بن المبارك في كتاب (الزهد) والأثر رواه ابن أبي الدنيا أيضاً، ورواه الإمام الأصبهاني في (الترغيب والترهيب) عن أبي الدرداء ﵁ وأرضاه قال: (إن أعمال الأحياء تعرض على الأموات فيسرون ويساءون ثم قال اللهم إني أعوذ بك من أن يخزى خالي عبد الله بن رواحة من أجلي، اللهم إني أعوذ بك أن يعرض علي خالي عبد الله ابن رواحة عمل يمقتني من أجله وهو في قبره) ، هذا أبو الدرداء ﵁ وأرضاه والأثر إخوتي الكرام رواه ابن أبي الدنيا وبن أبي شيبة في مصنفه والحكيم الترمذي من رواية أبي أيوب الأنصاري ﵁ أنه كان يقول: (اللهم إني أعوذ بك أن تفضحني عند عبادة ابن الصامت وسعد بن عبادة) أي عندما تعرض أعمالي عليهما أعوذ بك أن أفتضح. إخوتي الكرام: هذا الأمر أعني أن الميت المزور يعلم بحال الزائر، هذا مقرر عند أئمتنا كما قلت، وهم يتزاورون فيما بينهم، والآثار في ذلك كثيرة صحيحة وفيرة.

стр. 4210

روى الإمام سعد في (الطبقات) وأبو نعيم في (الحلية) أنه التقى صحابيان جليلان مباركان سلمان الفارس وعبد الله ابن سلام ﵃ أجمعين فقال أحدهما لصاحبه إذا مات أحدنا قبل الآخر فليتراء من له قال ويكون ذلك يقول عبد الله ابن سلام لسلمان ويكون ذلك؟ قال نعم إن روح المؤمن مخلاة تذهب حيث شاءت وإن روح الكافر في سجين فلما مات سلمان الفارس وكانت وفاته سنة اثنتين وثلاثين للهجرة ٣٢هـ وقيل ثلاث وثلاثين ٣٣هـ وقيل ست وثلاثين ٣٦هـ وعبد الله ابن سلام توفي سنة ثلاث وأربعين ٤٣هـ رضوان الله عليهم أجمعين لما مات سلمان الفارس رآه عبد الله ابن سلام بعد موته مشرق الوجه بهي الصورة يتلألأ النور منه قال ما فعل الله بك يا أخي قال غفر لي ورحمني وأكرمني قال بأي شيء توصيني؟ قال عليك بالتوكل فنعم الشيء التوكل ونعم الشيء التوكل ثلاث مرات. نعم إخوتي الكرام: إن هذا كان مقرراً عند الصحابة الكرام رضوان الله عليهم أجمعين، ثبت في المسند وسنن ابن ماجة بسندٍ صحيح كالشمس عن محمد ابن المنكدر وهو من أئمة التابعين توفي سنة ثلاثين ومائة للهجرة ١٣٠هـ حديثه في الكتب الستة أنه دخل على جابر وهو يموت فقال يا جابر أقرأ رسول الله ﷺ مني السلام فإذا كان هذا هل يحتمل هذه الأمانة صحابي وهلا أنكر على محمد ابن المنكدر وقال له ما علمي وأنا سأموت ولن أجتمع بالنبي ﵊ ولا بغيره وكيف تحملني هذه الأمانة (أقرأ رسول الله ﷺ مني السلام) والأثر كما قلت في المسند وسنن ابن ماجة بسند صحيح. نعم يسن للرجل إذا احتضر وكان صالحاً وحسنت ظنك وعلمت أنه من أهل الخير أن تقول له هذه المقولة: (أقرأ رسول الله ﷺ مني السلام) فإنه روحه ستلتقي بروح النبي ﵊ وبالصحابة الكرام وبأهل الخير والإحسان، (أقرأ رسول الله ﷺ مني السلام) .

стр. 4211

إخوتي الكرام: إن شعور الميت أدق من شعور الحي وقد كان هذا مقرراً عند سلفنا وعلى رأسهم الصحابة وفي مقدمتهم رضوان الله عليهم أجمعين. ثبت في مسند الإمام أحمد والأثر في المستدرك ورواه ابن سعد في (الطبقات) بسندٍ صحيح عن أمنا عائشة ﵂ قالت لما دفن النبي ﷺ في بيتي كنت أضع ثيابي وأقول ما هو إلا زوجي على نبينا صلوات الله وسلامه قالت فلما دفن أبو بكر ﵁ كنت أضع ثيابي وأقول ما هو إلا زوجي وأبي فلما دفن عمر ﵁ وأرضاه ما دخلت حجرتي إلا وأنا مشدودة على ثيابي وما وضعت عني ثيابي حياءً من عمر. نعم والله إنه يراها كما يراها كما لو كان حياً في حجرتها وهذه هي المعاني عند سلفنا فكانت تستحي منه كما لو كان في الحجرة حياً فلا تضع ثيابها عنده، هذا هو علم سلفنا، وهذا هو كلام أمنا ﵂ وأرضاها وابتلينا بشرذمة في هذه الأيام إذا قلت لهم إن الميت يسمع ويعلم من يزوره ويشعر بحاله ويستأنس به قالوا إنك مبتدع وهذه بدعة، فهل كانت أمنا عائشة على بدعة عندما كانت تستحي من أمير المؤمنين عمر ابن الخطاب رضوان الله عليهم أجمعين؟ اللهم ألهمنا رشدنا يا أرحم الراحمين. إخوتي الكرام: هذه دلالة ثانية،، إن الأموات يعلمون بحال الزائر ويسمعونه ويستبشرون به وعلمهم بذلك أدق وأضبط وأوسع من علم الحي بكثير.

стр. 4212

وأما الدلالة الثالثة إخوتي الكرام: شرع لنا إذا زرنا القبور أن نسلم على الأموات بصيغة نخاطبهم بها لا نخاطب الجمادات ولا يصح مخاطبة أحد بهذه الصيغة إلا إذا كان يعي ويسمع ويشعر، نقول له السلام عليكم أهل الديار من المؤمنين والمسلمين، كما سأورد الأحاديث في ذلك السلام عليكم هذا سماع من هذا الخطاب لمن يعي ويسمع ويشعر ويجيب ولا شك في ذلك، ووالله إن كلام النبي ﵊ أعلى وأجل من أن يوجه هذا الكلام منه إلى من لا يعي ولا يسمع ولا يفقه وهو أعلى حكمة من أن يقول لنا سلموا على جماد لا يشعر ولا يسمع ولا يحس ولا يرى سبحان الله جمادات نسلم عليها إنه كما قلت يسمع سماعاً أدق من سماع الأحياء ولذلك نخاطب الأموات بالصيغ التي ستأتينا. ثبت في مسند الإمام أحمد والحديث في صحيح مسلم ورواه الإمام النسائي وابن ماجة ومسند أبو داود الطيالسي عن أمنا عائشة ﵂ قالت قلت يا رسول الله ﷺ [ماذا أقول إذا زرت القبور قال قولي السلام عليكم أهل الديار من المؤمنين والمسلمين يرحم الله المستقدمين منا والمستأخرين وإنا إن شاء الله بكم لاحقون] وفي رواية ابن ماجة ومسند أبي داود الطيالسي [السلام عليكم دار قوم مؤمنين أنتم لنا فرط ونحن لكم تبع اللهم لا تحرمنا أجرهم ولا تفتنا بعدهم] ورواه أبي داود الطيالسي [اللهم لا تحرمنا أجرهم ولا تضلنا بعدهم] هذا كله كلام النبي ﵊ في حديث أمنا عائشة: [السلام عليكم أهل الديار من المؤمنين والمسلمين] خطاب يوجه إلى من يعي، من يشعر، من يسمع لمن يرى، لمن يرد [السلام عليكم أهل الديار من المؤمنين والمسلمين] .

стр. 4213

نعم إخوتي الكرام: إن زيارة القبور مشروعة ونخاطبهم بهذا وهي كما تشرع للرجال تشرع للنساء، والحديث صحيح وفيه نبينا عليه صلوات الله وسلامه يقول لأمنا عائشة قولي كذا وهي تدخل في عموم الترخيص فإنها تذكر بالآخرة والمرأة بحاجة أن تتذكر الآخرة كما يحتاج الرجل وهي بحاجة إلى أن يستأنس أقاربها وأن تدعو لهم كما يحصل من الرجل والأحاديث في ذلك إخوتي الكرام كثيرة صحيحة وفيرة، وهذا هو المعتمد عند مذهب الحنفية والأئمة الشافعية رضوان الله عليهم أجمعين، قالوا إن زيارة النساء للقبور مكروهة كراهة تنزيه وللمالكية ثلاثة أقوال الجواز والكراهة والتفريق بين الشابة والعجوز الكبيرة، وللإمام أحمد قولان قول بالجواز وقول بالكراهة والراجح من هذه الأقوال ما هو مقرر عند الحنفية وإلى هذا ذهب شيوخ الإسلام المتأخرون فهو الذي رجحه الإمام القرطبي وهو من المالكية والإمام الشوكاني في (نيل الأوطار) وهذا الذي ذكره الإمام أبو محمد عبد الحق في كتاب (العاقبة) وهو المقرر عند أئمتنا والأحاديث في ذلك كثيرة صحيحة وفيرة، وأما ما ورد في المسند والسنن الأربعة إلا سنن ابن ماجة والحديث في صحيح ابن حبان وسنن البيهقي من رواية عبد الله ابن عباس ﵄ قال لعن رسول الله ﷺ زوارات القبور والمتخذين عليها المساجد والسرج فالحديث إما أن يكون منسوخاً بما تقدم كنت نهيتكم عن زيارة القبور ألا فزوروها فإنها تذكر الآخرة، وإما أن يراد من الزوارات ما قرره الإمام القرطبي وإلى هذا قال واستراح الإمام الشوكاني، إما أن يكون المراد من الزوارات صيغة مبالغة المكثرات للزيارة فالمرأة تزور أياماً ما بين الحين والحين والرجل يكثر من من الزيارة لأن هدى الإسلام في المرأة أن تكون قعيدة بيت وأنا أعجب للناس في هذه الأيام عندما رخصوا للمرأة أن تذهب إلى المدرسة ورخصوا لها أن تذهب إلى المتنزهات ورخصوا لها أن تذهب إلى البر ورخصوا لها أن

стр. 4214

تذهب إلى السياحة ورخصوا لها أن تذهب إلى الأسواق ورخصوا لها إلى زيارة الجيران وإذا قلت لهم تزور القبور لتتذكر الآخرة قالوا هذا حرام المرأة ينبغي أن تجلس في البيت، هلا عرفتم هذا الحكم عند ذهابها إلى السوق، هلا عرفتم هذا الحكم عند ذهابها إلى المدرسة وقد تلتقي بضالات مضلات أخبث من الشيطان الرجيم، كل هذا مرخص فيه وإذا أرادت أن تزور أباها أو أخاها أو زوجها من أجل أن تستحضر ما نصير إليه وهي أولى بأن تستحضر أمور الآخرة من الرجل وأن تدعو لقريبها تمنع سبحان الله؟؟ ثم سبحان الله؟؟ وهنا أمنا عائشة ﵁ والحديث كما قلت في صحيح مسلم وغيره ماذا أقول إذا زرت المقابر وما زجرها وقال إن هذا بدعة وليس من حق النساء أن يزرن [قولي السلام عليكم أهل الديار من المؤمنين والمسلمين يرحم الله المستقدمين منا والمستأخرين وإنا إن شاء الله بكم لاحقون] وقد وردت أحاديث كثيرة فيما يقوله الزائر عندما يزور القبور منها ما في المسند أيضاً وصحيح مسلم، والحديث رواه ابن ماجة في سننه والبغوي في (شرح السنة) من رواية بريدة ﵁ وأرضاه قال [كان النبي ﷺ يعلمهم إذا زاروا القبور أن يقولوا السلام عليكم أهل الديار من المؤمنين والمسلمين نسأل الله لنا ولكم العافية] هناك كما تقدم معنا [يرحم الله المستقدمين منا والمستأخرين نسأل الله لنا ولكم العافية وإنا إن شاء الله بكم لاحقون] وفي رواية الإمام أحمد: [أنتم فرطنا ونحن لكم تبع] وثبت أيضاً الحديث في سنن الترمذي من رواية عبد الله ابن عباس ﵄ قال أقبل النبي ﷺ على ناقته حتى إذا وصل إلى قبور المدينة توجه إليهم عليه صلوات الله وسلامه ثم قال: [السلام عليكم يا أهل القبور يغفر الله لنا ولكم] وهي صيغة ثالثة أنتم سلفنا ونحن بالأثر وثبت أيضاً في المسند وصحيح مسلم والسنن الأربعة إلا سنن الترمذي من رواية أبي

стр. 4215

هريرة ﵁ وأرضاه أن النبي ﷺ أتى المقبرة فقال: [السلام عليكم دار قوم مؤمنين وإنا إن شاء الله بكم لاحقون] ثم قال فداه أنفسنا وآباؤنا وأمهاتنا عليه صلوات الله وسلامه [وددنا لو رأينا إخوننا فقال الصحابة الكرام رضوان الله عليهم أجمعين أو لست إخوانك يا رسول الله] عليه صلوات الله وسلامه [قال بل أنتم أصحابي وإخواني الذين يأتون بعدكم يؤمنون بي ولم يروني] يود ويتمنى نبينا عليه صلوات الله وسلامه أن يرانا ووالله إن رؤيته أحب إلى أنفسنا من كل شيء وليتنا رأيناه بأنفسنا وأموالنا وأهلينا وأولادنا عليه صلوات الله وسلامه [وددنا لو أنا رأينا إخواننا أو لسنا إخوانك يا رسول الله ﷺ قال بل أنتم أصحابي وإخوني الذين يأتون بعدكم يؤمنون بي ولم يروني قالوا يا رسول الله ﷺ وكيف تعرف من يأتي بعدك من أمتك فقال ﵊ أرأيتم لو أن رجلاً له خيل غر محجلة] ، الغرة بياض في جبهة الفرس، والتحجيل بياض في قوامها [لو أن رجلاً عنده خيل غر محجلة بين خيل دهم بهم] أي سوداء شديدة السواد لا يخالطها لون آخر، [أما كان يعرف خيله؟ قالوا بلى قال فإن أمتي يدعون يوم القيامة غراً محجلين من آثار الوضوء] يأتون ووجوههم وأعضاؤهم وأعضاء وضوئهم تتلألأ وأنا أعرفهم وأميزهم من بين سائر الأمم [فإن أمتي يدعون يوم القيامة غراً محجلين من آثار الوضوء ألا ليزادن رجال عن حوض كما يزاد البعير الضال فأقول هلم هلم، فيقال لي إنك لا تدري ما أحدثوا بعدك فأقول سحقاً سحقاً] اللهم لا تجعلنا منهم يا أرحم الراحمين. إخوتي الكرام: هذه الألفاظ التي يقولها الزائر للمزور هل نخاطب جماداً لا يعي ولا يعقل ولا يسمع ولا يشعر؟ يتنزه كلام سيد الحكماء وخاتم الأنبياء عليه صلوات الله وسلامه أن يأمر أمته بأن يخاطبوا جماداً لا يعي ولا يشعر ولا يسمع ولا يفقه ولا يرد.

стр. 4216

إخوتي الكرام: وختام الكلام في هذه المسألة، إن النصوص فيها كما قلت صريحة صحيحة كثيرة شهيرة وهي تتعلق في أمر غيبي فإذا كنا نؤمن بالله فينبغي أن نؤمن بالغيب وينبغي ألا نكثر الشكوك والريب، إن الاعتراض على سنة النبي ﵊ ليس من علامات اتباع السلف، إنما من علامات اتباع الفلاسفة الذي كانوا يدخلون أراءهم في شرع ربهم جل وعلا ويحاكمون المنقول إلى نخريف العقول وعندنا قاعدة ذهبية ينبغي أن نعض عليها بالنواجذ ألا وهي كل ممكن ورد به السمع الصحيح يجب الإيمان ومن لم يؤمن به فهو ضال مضل كل ممكن أي أمر متصور وجوده وعدمه ورد به السمع الصحيح الذي لا ينطق عن الهوى يجب الإيمان به فسماع الميت وشعوره وإدراكه وعلمه بمن يزوره ممكن ورد به السمع فإذا كنا نؤمن بالرب فينبغي أن نؤمن بالغيب ﴿آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِّنْ عِندِ رَبِّنَا﴾ (١) . اللهم اجعل هدانا تبعاً لشرعك بفضلك ورحمتك. أقول هذا القول وأستغفر الله. الخطبة الثانية: الحمد لله رب العالمين وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ولي الصالحين وأشهد أن نبينا محمداً عبد الله ورسوله خير خلق الله أجمعين، اللهم صلِّ على نبينا محمد وعلى جميع الأنبياء والمرسلين وسلم تسليماً كثيرا وارض اللهم عن الصحابة الطيبين الطاهرين الصادقين وعمن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.

стр. 4217

إخوتي الكرام: هذا الأمر كما قلت مقرر عند علماء الإسلام وقد بوب الإمام السيوطي عليه رحمة الله في شرح الصدور باباً يشير به إلى هذا فقال (باب زيارة القبور وعلم الموتى بمن يزورهم ورؤيتهم مقرر عند أئمة الإسلام) وسأختم الكلام على هذه المسألة بحادثة وقعت في العصر الأول وهي تتعلق بما جرى في البرزخ وأقر الحكم فيها سيد هذه الأمة بعد نبينا على نبينا وعلى آله وصحبه صلوات الله وسلامه ووافقه الصحابة الكرام دون منازع، وهذه القصة يرويها الإمام الحاكم في المستدرك والطبراني في معجمه الكبير ويرويها أبو يعلى في مسنده ويرويها الإمام ابن عبد البر في كتاب الاستيعاب وإسنادها صحيح كالشمس عن ابنة ثابت ابن قيس ابن شماس ﵁ وثابت ابن قيس من الصحابة الأنصار وكان خطيبهم وثبت في المستدرك وغيره في ترجمته أنه عندما قدم النبي ﵊ المدينة خطب ثابت فقال والله ليمنعنك مما نمنع منه أنفسنا وأولادنا فما لنا يا رسول الله ﵊ فقال [الجنة] فقال ثابت ربح البيع، ثابت ابن قيس بشر بالجنة كما في الصحيحين ويرهما بما حضر قتال المرتدين في عهد إمام الصديقين أبي بكر ﵁ وعن سائر الصديقين والمؤمنين سنة اثنتي عشرة للهجرة ١٢هـ في موقعة اليمامة في بلاد نجد وقد قتل من الصحابة في تلك الموقعة خمسمائة صحابي وقتل معهم أيضاً خمسمائة من المسلمين فالمجموع ألف نصفهم من الصحافة منهم ثابت ابن قيس وقتل من قراء القرآن جمع غفير كثير خمسمائة من الصحابة يتوفون في هذه الموقعة ولما التقى الجمعان وحصل ما حصل قال ثابت ابن قيس ﵁ وأرضاه بئسما تعلمون به أقرانكم هكذا لا تقاتلون بشدة ثم أخذ ثوبين أبيضين فحنطهما وقاتل حتى قتل فكفن في ثوبيه ومعه حنوطه ﵁ وأرضاه، ثابت ابن قيس ابن شماس بعد أن قتل ﵁ وأرضاه مر به بعض المسلمين الضعاف الذين إيمانهم ضعيف وقد يكون بدنهم قوياً

стр. 4218

فسرق درعه التي كانت عليه ثم ذهب ذاك إلى رحله وإلى خبائه وستره وثابت ابن قيس ﵁ وأرضاه استشهد ودفن فتراءى لبعض الصحابة في تلك الموقعة ممن هم على قيد الحياة وقال يا أخي اذهب إلى خالد ابن الوليد وكان أميراً للجيش ﵁ وأرضاه في قتال المرتدين فقل له إن فلاناً سرق درعي وهو في مكان كذا من الجيش وقد وضع عليه برمة وفوق البرمة رحله وعلامة درعي كذا وكذا فليأخذه خالد منه وإذا رجعت إلى المدينة فأقرأ أبا بكر ﵃ أجمعين فأقرأه مني السلام وقل له فلان وفلان من عبيدي أحرار لوجه الله وعلى كذا فيقضه عني ولي مال في مكان كذا فليأخذه وليعطيه إلى الورثة ثم قال يا عبد الله إياك أن تقول هذا حلم ولا حقيقة له، أنا ثابت ابن قيس ابن شماس أخبرك اذهب إلى خالد وأخبر أبا بكر بذلك ﵃ أجمعين فاستيقظ هذا الرجل وذهب إلى خالد فأخبره فذهب خالد بنفسه ﵁ إلى المكان الذي وصف له ورفع الرجل خلفه ثم نقلت هذه الوصية إلى أبي بكر ﵁ فأنفذها قال الإمام ابن عبد البر في كتاب (الاستيعاب) ما نعلم أحداً نفذت وصيته بعد موته إلا ثابت بن قيس ابن شماس.

стр. 4219

قال الإمام ابن القيم ﵁ معلقاً على هذا في كتاب (الروح) يقول وهذا من فقه الصديق وفقه خالد وفقه الصحابة أجمعين وهذا حكم بالقرائن التي تقوم مقام البينة فالمراد من البينة أن يظهر الحق بأي أمارة وأي دلالة كانت وهنا عندنا بينة كالشمس في رابعة النهار درعي في مكان كذا عند رجل في طرف من الجيش فوقه برمة وفوقه رحله وبعد ذلك فلان وفلان من عبيدي أحرار وعندي مال في مكان كذا فلتأخذه أبو بكر ﵁، البينات والدلالات تقوم مقام شاهدين، بل أكثر، وللإمام ابن القيم كتاب كبير يزيد على ثلاثمائة صفحة سماه (الطرق الحكمية في السياسة الشرعية) عن طريق الحكم بالقرائن والوصول إلى حقيقة القضية بما يلابسها والظروف التي تحيط بها وهنا يقول هذا من فقهه وهنا عليه الإمام ابن القيم على هذه القصة فقال إذا علم الميت بهذه الجزئيات بدرعه وعن سرقها وماذا وضع فوقها ثم قال اذهب إلى خالد وإلى بكر ﵃ أجمعين فلأن يعلم الميت بزيارة الحي له وسلامه وبأن يشعر به ولأنه يراه من باب أولى ثم قال والسلف الكرام مجمعون على هذا.

стр. 4220

وقد تواترت عنهم الآثار بأن الميت يرى من يزوره ويسمعه ويستبشر بزيارته وهذا الكلام يقوله الإمام ابن كثير بالحرف أيضاً فما أعلم هل اتفقت العبارتان أم أخذ الإمام ابن كثير هذا الكلام من شيخ الإسلام الإمام ابن القيم عيهم جميعاً رحمة الله يقول الإمام ابن كثير في تفسيره عند تفسير سورة الروم عند قول الحي القيوم ﴿فَإِنَّكَ لاَ تُسْمِعُ المَوْتَى وَلاَ تُسْمِعُ الصُّمَّ الدُّعَاءَ إِذَا وَلَّوْا مُدْبِرِينَ * وَمَا أَنْتَ بِهَادِ العُمْيِ عَن ضَلالَتِهِمْ إِن تُسْمِعُ إِلاَّ مَن يُؤْمِنُ بِآيَاتِنَا فَهُم مُّسْلِمُونَ﴾ (١) ويقرر هذا في الجزء الثالث صفحة ثمان وثلاثين وأربعمائة ٣/٤٣٨ من تفسيره يقول نفس العبارة المتقدمة والسلف مجمعون على هذا وقد تواترت عنهم الآثار بأن الميت يشعر بمن زاره ويعلمه ويسمع سلامه ويستبشر به ويرد عليه. إخوتي الكرام: هذا ما يتعلق بهذه المسألة. وأما مسألة إهداء الطاعات والقربات إلى الأموات فأرجئ الكلام على ذلك إن شاء الله إلى الموعظة الآتية إن أحيانا الله.

стр. 4221

اللهم صلِّ على نبينا محمد وعلى جميع الأنبياء والمرسلين وسلم تسليماً كثيرا، اللهم من أحييته منا فأحيه على الإسلام ومن أمته منا فتوفه على الإيمان، اللهم ثبتنا بالقول الثابت في الحياة الدنيا وفي الآخرة، اللهم لا تزغ قلوبنا بعد إذ هديتنا وهب لنا من لدنك رحمة إنك أنت الوهاب، اللهم حبب إلينا الإيمان وزينه في قلوبنا، اللهم كره إلينا الكفر والفسوق والعصيان واجعلنا من الراشدين، اللهم اجعلنا من أحب خلقك إليك ومن المقربين لديك وإذا أردت فتنة بعبادك فاقبضنا إليك غير مفتونين، اللهم صلِّ على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيرا، اللهم اجعل حبك وحب رسولك ﷺ أحب إلينا من كل شيء، أحب إلينا من أنفسنا وأموالنا وأهلينا وأولادنا وأحب إلينا من الماء البارد في اليوم القائظ، اللهم اجعل هوانا تبعاً لشرع نبينا بفضلك وبرحمتك يا أرحم الراحمين، اللهم صلِّ على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيرا، اللهم إنا نسألك من كل خير أحاط به علمك في الدنيا والآخرة ونعوذ بك من كل شر أحاط به علمك في الدنيا والآخرة، اللهم اغفر لآبائنا وأمهاتنا، اللهم ارحمهم كما ربوّنا صغارا، اللهم اغفر لمشايخنا ولمن علمنا وتعلم منا، اللهم أحسن إلى من أحسن إلينا، اللهم اغفر لمن وقف هذا المكان المبارك، اللهم اغفر لمن عبد الله فيه، اللهم اغفر للمؤمنين والمؤمنات الأحياء منهم والأموات إنك سميعٌ قريبٌ مجيب الدعوات، والحمد لله رب العالمين، اللهم صلِّ على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيرا. أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، بسم الله الرحمن الرحيم ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ * اللَّهُ الصَّمَدُ * لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ * وَلَمْ يَكُن لَّهُ كُفُواً أَحَدٌ﴾ (١)

стр. 4222

من أسباب سوء الخاتمة (من خطب الجمعة) للشيخ الدكتور عبد الرحيم الطحان ... بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ من أسباب سوء الخاتمة الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونؤمن به ونتوكل عليه، ونعوذ به من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا من يهد الله فهو المهد ومن يضلل فلن تجد له ولياً مرشداً. الحمد لله رب العالمين، شرع لنا دينا قويما وهدانا صراطاً مستقيما، وأسبغ علينا نعمه ظاهرةً وباطنةً وهو اللطيف الخبير. اللهم الحمد كله ولك الملك كله، وبيدك الخير كله، وإليك يرجع الأمر كله أنت رب الطيبين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ولي الصالحين وخالق الخلق أجمعين ورازقهم ﴿فما من دابة في الأرض إلا على الله رزقها ويعلم مستقرها ومستودعها كل في كتاب مبين﴾ . ﴿يا أيها الناس اذكروا نعمت الله عليكم هل من خالقٍ غير الله يرزقكم من السماء والأرض لا إله إلا هو فأنى تؤفكون﴾ . وأشهد أن نبينا محمداً عبد الله ورسوله أرسله الله رحمةً للعالمين فشرح به الصدور وأنار به العقول وفتح به أعينا عمياً وآذاناً صماً وقلوباً غلفاً فجزاه الله عنا أفضل ما جزى به نبياً عن أمته، ورضي الله عن الصحابة الطيبين وعمن تبعهم بإحسانٍ إلى يوم الدين. ﴿يا أيها الناس اتقوا ربكم الذي خلقكم من نفسٍ واحدةٍ وخلق منها زوجها وبث منهما رجالاً كثيراً ونساءً واتقوا الله الذي تسائلون به والأرحام إن الله كان عليكم رقيبا﴾ . ﴿يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله حق تقاته ولا تموتنَّ إلا وأنتم مسلمون﴾ . ﴿يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وقولوا قولاً سديداً يصلح لكم أعمالكم ويغفر لكم ذنوبكم ومن يطع الله ورسوله فقد فاز فوزاً عظيماً﴾ . أما بعد: معشر الأخوة المؤمنين، من صفات المهتدين أنهم يخشون رب العالمين، وهم الذين يعمرون بيوت الله جل وعلا في هذه الحياة وقد نعتهم الله بأنهم رجال ووصفهم بأربع خصال: - لا تلهيهم البيوع والتجارات. - ويعظمون رب الأرض والسماوات.

стр. 4223

- ويشفعون على المخلوقات. - ويخافون الله ويستعدون للقائه في يومٍ تشخص فيه القلوب والأبصار. ﴿في بيوت أذن الله أن ترفع ويذكر فيها اسمه يسبح له فيها بالغدوِّ والآصال رجال لا تلهيهم تجارة ولا بيع عن ذكر الله وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة يخافون يوماً تتقلب فيه القلوب والأبصار﴾ . وصفة الخوف فيهم، كنا نتدارسها، وكنا نتدارس أسباب خوفهم من ربهم وقلت إن أسباب خوف المكلفين من رب العالمين كثيرة متعددة يمكن أن نجملها في ثلاثة أسباب: أولها: إجلال الله وتعظيمه ثانيها: الخشية من التفريط في حق الله جل وعلا، وقد مضى الكلام على هذين السببين وشرعنا في مدارسة السبب الثالث ألا وهو ثالثها: خوف سوء الخاتمة، وقلت لسوء الخاتمة أسباب كثيرة أيضاً يمكن أن تجمل في أمرين اثنين. أولهما: الأمن على الإيمان من الذهاب والفقدان، فمن أمن على إيمانه سلبه عند موته. الأمر الثاني: الاغترار بالحالة الحاضرة، والعجب بما يصدر من المرء من طاعات ناقصة قاصرة، والغفلة عما في المكلف من آفات مهلكات وأبرز ذلك ثلاث بلايا مرويات. أولها: النفاق. وثانيها: البدعة. وثالثها: الركون إلى الدنيا. وقد مضى الكلام على السبب من أسباب سوء الخاتمة، كما مضى الكلام على البلية الأولى من السبب الثاني من أسباب سوء الخاتمة، ألا وهو النفاق في موعظتين ماضيتين وسنتدارس في هذه الموعظة البلية الثانية. إخوتي الكرام: وسنتدارس هذه الرزية ضمن ثلاثة أمور. أولها: تعريف البدعة. وثانيها: التحذير منها والتنفير عنها. وثالثها: أقسام البدعة. ثم أبين بعد ذلك وجه كون البدعة سبباً لسوء الخاتمة، إما بأن يختم له على الكفر، نسأل الله تعالى العافية، وإما بأن يختم للإنسان إذا تلبس بالبدعة على الزيغ والضلال. أما المبحث الأول: من هذه المباحث الثلاثة ألا وهو تعريف البدعة.

стр. 4224

البدعة في اللغة = إخوتي الكرام، هي ما أحدث على غير مثال، شيءٌ جديد، شيءٌ حادث لا مثيل له في القديم، يقال له بدعة، هذا هو التعريف اللغوي للفظ البدعة، ما أحدث على غير مثال، أي على غير شيء يشبهه، إنما هذا مخترع جديد، سواء كان ذلك المحدث محموداً أو مذموماً يتعلق بأمر الدنيا أو بأمر الدين، فكل حادث لا مثيل له ولا شبيه، في الزمن القديم يقال له "بدعة" ولو جود هذا المعنى في لفظ البدعة، أعني الشيء الذي لا نظير له ولا مثيل، أطلق هذا اللفظ من مادة " بَدَعَ " أطلق هذا اللفظ على الله جل وعلا، وأنه يتسمى بذلك ، فهو الذي لا نظير له ولا مثيل وهو الذي يبتدئ المخلوقات من غير مثال سبق على غير مثال سبق، ولذلك سمي نفسه بأنه ﴿بديع السماوات والأرض﴾ . قال تعالى: ﴿وقالوا اتخذ الله ولداً سبحانه بل له ما في السماوات والأرض كل له قانتون * بديع السماوات والأرض وإذا قضى أمراً فإنما يقول له كن فيكون﴾ (١) . ونظير هذه الآية قول الله جل وعلا: ﴿وجعلوا لله شركاء الجن وخلقهم وخرقوا له بنين وبناتٍ بغير علم، سبحانه وتعالى عما يصفون * بديع السماوات والأرض أنى يكون له ولدٌ ولم تكن له صاحبة وخلق كل شيءٍ وهو على بكل شيءٍ عليم * ذلكم الله ربكم لا إله إلا هو خالقُ كل شيءٍ فاعبدوه وهو على كل شيءٍ وكيل﴾ (٢) .

стр. 4225

﴿بديع السماوات والأرض﴾ هو المنفرد في هذا الكون في سماواته وأرضه بأنه لا مثيل له ولا شبيه، ﴿قل هو الله أحد * الله الصمد﴾ ﴿هل تعلم له سميَّا﴾ (١) هو المنفرد الذي لا مثال له ﴿ليس كمثله شيءٌ وهو السميع البصير﴾ (٢) وهو الذي خلق السماوات والأرض على غير مثال سبق، وعلى غير صورة تقدمت، فهو المنفرد في هذا الكون فلا نظير له، وهو الخالق لهذا الكون من غير مثال سبق، وهو الذي يخلق الشيء من غير مادة، وإذا أراد شيئاً فإنما يقول له كن فيكون، إذاً فيه هذا المعنى، ألا وهو الشيء الذي لا مثيل له ولا نظير، فالله لا مثيل له لملاحظة هذا المعنى في لفظ البدعة استعملت مادة هذه الكلمة (بَدَعَ) في النبي ﵇ قال تعالى ﴿قل ما كنت بدعاً من الرسل وما أدري ما يفعل بي ولا بكم إن أتبع إلا ما يوحى إليَّ وما أنا إلا نذير مبين﴾ (٣) . وقوله ﴿قل ما كنت بدعاً من الرسل﴾ يحتمل أمرين اثنين كل منهما مراد، قل ما كنت بدعاً بمعنى اسم المفعول: أي مُبتَدَعاً مخترعاً لا مثيل لي في هذه الحياة، فالله قد أرسل قبلي رسلاً كثيرين، وما أنا إلا حلقة في سلسلة طويلة عدد أفرادها مائة ألف وأربعة وعشرون ألفاً، جمَّاً غفيراً كلهم أنبياء الله ورسله، ويدعونه إلى توحيده جل وعلا، فلست بشيءٍ مخترع، لست بشيءٍ حادث، لا مثيل لي، إنما أنا على شاكلة من سبقني، فنبينا ﷺ ما هو بأول رسول إلى أهل الأرض، وقد أرسل الله قبله رسلاً كثيرين متعددين. وقد اخبرنا ﷺ عن هذه الحقيقة في الحديث الثابت في المسند والصحيحين من رواية أبي هريرة وجابر بن عبد الله ﵃ أجمعين، والحديث رواه الإمام أحمد ومسلم في صحيحه من رواية أبي سعيد الخدري، وراه والإمام أحمد في مسنده والترمذي في سننه من رواية أبي بن كعب ﵃ عن نبينا صلوات الله وسلامه عليه أنه قال:

стр. 4226

[مثلي ومثل الأنبياء كمثل رجلٍ بنى داراً فأجملها وأحسنها إلا موضع لبنة في زاوية من زواياها فجعل الناس يدخلون الدار ويقولون ما أجملها وموضع وما أحسنها لولا موضع هذه اللبنة، قال نبينا ﵊ فأنا اللبنة وأنا خاتم النبيين] ﴿قل ما كنت بدعاً من الرسل﴾ لست بشيءٍ مخترعٍ جديد لا مثيل لي ولا نظير، تقدمني رسل كثيرون يدعون إلى عبادة الحي القيوم. والمعنى الثاني: ﴿قل ما كنت بدعاً من الرسل﴾ بمعنى بصيغة اسم الفاعل، قل ما كنت مُبتَدَعاً مخترعاً دعوة ما دعاها أنبياء الله ورسله قبلي، فما دعوتكم إلا لما دعا إليه أنبياء الله ورسله فالله أمرني وأمر من قبلي بتوحيده وعبادته وحده لا شريك له ﴿وما أرسلنا من قبلك من رسولٍ إلا نوحي إليه أنه لا إله إلا أنا فاعبدون﴾ (١) . ففي هذه الدعوة التي بلَّغتها، لست بمبتدع، ولست بمنشئ شيئاً جديداً، إنما أنا أقرر ما أتى به أنبياء الله ورسله عليهم الصلاة والسلام، وهذا المعنى أيضاً الذي يحتمله الآية أشار إليه نبينا ﷺ في الحديث الثابت في المسند والصحيحين وسنن أبي داود من رواية أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال [الأنبياء إخوة لعلاَّت أمهاتهم شتى ودينهم واحد] : أي هم نحو تبليغ رسالاتهم التي أمروا بتبليغها كالأخوة لأب في انتسابهم، أبوهم واحد ونسبتهم واحدة، وهكذا أنبياء الله دينهم واحد نسبتهم واحدة ﴿إن الدين عند الله الإسلام﴾ (٢) . نعم تختلف بعد ذلك فروع هذه الرسالات كما يختلف الاخوة لأب في الأمهات، فالأمهات متعددة، وفروع أنبياء الله ورسله مختلفة، لكن أصل الدين واحد ﴿شرع لكم من الدين ما وصى به نوحاً والذي أوحينا إليك وما وصينا به إبراهيم وموسى وعيسى أن أقيموا الدين ولا تتفرقوا فيه كبر على المشركين ما تدعوهم إليه، الله يجتبي إليه من يشاء ويهدي إليه من ينيب﴾ (٣) .

стр. 4227

﴿قل ما كنت بدعاً من الرسل،﴾ ما كنت مُبتَدَعاً مخترعاً لا مثيل لي وما كنت مُبتَدَعاً دعوة ما بلَّغها من قبلي ﴿قل ما كنت بدعاً من الرسل وما أدري ما يفعل بي ولا بكم﴾ وهكذا استعملت هذه المادة أيضاً فيما اخترعه بنو إسرائيل من عبادة لم يأذن بها ربنا الجليل، كما أشار إلى ذلك ربنا المجيد في سورة الحديد فقال جل وعلا: ﴿ولقد أرسلنا نوحاً وإبراهيم وجعلنا في ذريتهما النبوة والكتاب فمنهم مهتدٍ وكثيرٌ منهم فاسقون * ثم قفَّينا على آثارهم برسلنا وقفَّينا بعيسى ابن مريم وآتيناه الإنجيل وجعلنا في قلوب الذين اتبعوه رأفة ورحمة ورهبانية ابتدعوها ما كتبناها عليهم إلا ابتغاء رضوان الله فما رعوها حق رعايتها * فآتينا الذين آمنوا منهم أجرهم وكثير منهم فاسقون﴾ (١) . ﴿ورهبانيةً ابتدعوها﴾ نُصبَت بفعل محذوف يفسره المذكور، وليست معطوفة على محمول قوله ﴿وجعلنا في قلوب الذين اتبعوه رأفةً ورحمةً ورهبانيةً﴾ : أي ما جعل الله هذا في قلوبهم ولا شرعه لهم ولا أمرهم به، إنما جعل في قلوبهم رأفةً ورحمةً، وابتدعوا رهبانيةً ابتدعوها، أي اخترعوها وأنشأوها وما أمروا بها. ﴿ورهبانيةً ابتدعوها ما كتبناها عليهم﴾ لكن هم اخترعوا تلك الرَّهبانية ﴿ابتدعوها ما كتبناها عليهم﴾ لكن هم ابتدعوا ذلك واخترعوه تقرباً إلى الله جل وعلا على حسب زعمهم، ﴿ورهبانية ابتدعوها ما كتبناها عليهم﴾ لكن ﴿ابتدعوها ابتغاء رضوان الله﴾ ، ثم ما وفوا بما ابتدعوه وبما اخترعوه وبما قصدوه، ﴿ورهبانية ابتدعوها ما كتبناها عليهم إلا ابتغاء رضوان الله فما رعوها حق رعايتها فآتينا الذين آمنوا منهم أجرهم وكثير منهم فاسقون﴾ . وهذا أظهر القولين في تفسير هذه الآية، والآية تحتمل قولاً آخر وهو أن يعود ﴿ابتغاء رضوان الله﴾ ، وهذا الكتب كان بعد أن ألزموا أنفسهم بهذه العبادة، فشرعها الله لهم وأجاز لهم الترهب طلباً لرضوانه، ولكن هذا بعد أن شددوا فشدَّد عليهم.

стр. 4228

روي في سنن أبي داود عن أنس بن مالك ﵁، والأثر في إسناده سعيد بن عبد الرحمن بن أبي العمياء، وقد انفرد الإمام الترمذي بإخراج حديثه، وهو مقبول كما قال عنه الحافظ في التقريب مقبول، وقد وثقه ابن حبان، ولفظ الحديث عن أنس ﵁ عن النبي ﷺ أنه قال: [لا تشدِّدوا فيشدَّدَ عليكم، فإن من قبلكم شددوا فشدّد عليهم فانظروا على أنفسهم شُدِّد عليهم ما كتبناها عليهم إلا ابتغاء رضوان الله، بعد أن شَدَّدوا على أنفسهم عليهم وكتب ذلك عليهم] . الشاهد في الآية الكريمة إخوتي الكرام ﴿ورهبانية ابتدعوها﴾ : أي اخترعوها هذا هو معنى البدعة في لغة العرب ما أحدث على غير مثال سبق، سواء كان محموداً أو مذموماً في أمر الدين وفي أمر الدنيا، وأما البدعة في الاصطلاح الشرعي وهي محل بحثنا، فهي: (ما أحد في دين رب العالمين، مما يدل عليه دليل مستقيم) عبارات أئمتنا الكرام المهتدين تدور حول هذا المعنى، أحدث في دين الله تعالى لأجل أن يتقرب به الناس إلى الله، ولا يوجد دليل يدل على هذا. والإمام الغزالي رحمة الله عليه، في كتابه الإحياء عرف البدعة في عدة أماكن من كتابه بعدة تعريفات تعود إلى هذا، فقال: البدعة: ما تضاد سنة ثابتة وتراغمها: أي تقابلها وتعارضها وترفعها وتزيلها، هذا هو حد البدعة وهذا هو رسمها، ويمكن أن يقال في تعريف البدعة أيضاً بتعريف جامع فنقول: البدعة: هي الحدث في دين الإسلام عن طريق الزيادة أو النقصان، ولا يدل على ذلك دليل من أدلة الشرع الحسان، ويزعم الإنسان بذلك الحدث التقرب به إلى الرحمن. وهذه البدعة المخترعة في الدين التي لا يشهد عليها دليل قويم، لا تكون إلا مذمومة باطلة ن والعامل بها مذموم ضالّ مبتدع، وعليها يتنزَّل ما في المسند والسنن الأربعة، إلا سنن النسائي، والحديث في صحيح ابن حبان ومستدرك الحاكم، وسيأتينا الحديث بطوله عند التنفير من البدع والتحذير منها.

стр. 4229

ومحل الشاهد في الحديث من رواية العرباض بن سارية ﵁ أن النبي ﷺ قال: [إياكم ومحدثات الأمور فإن كل محدث بدعة، وكل بدعة ضلالة] والحديث ثابت في المسند وصحيح مسلم وسنن ابن ماجة وسنن النسائي، من رواية جابر بن عبد الله ﵄، فيما كان يقوله نبينا ﷺ في خطبة الجمعة، وسيأتينا لفظ الحديث بطوله أيضاً، ولفظ الحديث كما قلت – من رواية جابر بن عبد الله ﵁ أن النبي ﷺ قال: [وكل محدث بدعة وكل بدعةٍ ضلالة] زاد الإمام النسائي في سننه بإسناد صحيح [وكل ضلالة في النار] . فالمحدث في دين الله، ليتقرب به الإنسان إلى الله لا يكون إلا ضلالة بالتعريف المتقدم، ما أحدث في دين الله، فما لا يشهد له دليل، مما لا أصل له في الدين. إخوتي الكرام: نحو تعريف البدعة ينبغي أن نقف وقفة مع فرقتين اثنتين حصل في الأمة منهما بلاء وشر مستطير، أما الفرقة الأولى: فقد وسعت مفهوم البدعة لتدخل فيها ما لا ينطبق عليها، وأما الفرقة الثانية فقد ضيقت مفهوم البدعة وقالت لا بدعة في الإسلام وكل ما يفعله الإنسان ويريد به وجه الرحمن فهو مشروع من الخيرات الحسان، أما الفرقة الأولى: فقد تشدَّدت وغلت وأفرطت، وأما الفرقة الثانية: فقد قصِّرت وأجحفت وفرطت، ودين الله بين الغالي والجافي، وإذا كان الأمر كذلك فلابد إخوتي الكرام من معالجة هذه القضية ومناقضة هاتين الفرقتين اللتين تفسدان في أمة نبينا ﵊، فريق عن طريق الإفراط وفريق عن طريق التفريط. أما الفرقة الأولى التي أفرطت وأدخلت في البدعة ما لا يدخل فيها ولا ينطبق التعريف عليها، فأفرطت من وجهين اثنين: أولها: حكمت على أشياء بالبدعة وقد قام عليها الدليل وقال بها إمام جليل وما احتملته أدلته الشريعة المطهرة وقاله أئمتنا البررة لا يحكم عليه بالبدعية والتضليل إلا خبيث ضلّيل،

стр. 4230

ثانيهما: (من الوجهين اللذين وسعا وأخطأ – كم قلت) الذي وسع هذا الفريق فيه مفهوم البدعة وأخطأ فيه، حكم على أمور بالبدعية، وقد قامت عليها نصوص صريحة شرعية. ١. في الصورة الأولى أدلة شرعية احتملت هذا الفعل فخرج عن كونه بدعة، مع احتمال الدليل له قال به عدد من أئمتنا، لكن ما راعى احتمال الدليل له ولا اعتبر أقوال أئمتنا نحوه، وبدأ يصول ويجول على أمة نبينا ﵊ ويبدع الكبير والصغير، ويرد على المتقدم والمتأخر. ٢. والحالة الثانية أفعال قامت الأدلة الشرعية على مشروعيتها، لكن ذلك الدليل ما قبله صاحب العقل الهزيل لما عمل حوله من قال وقيل، وقال هذا الفعل بدعة ولا بد إخوتي الكرام من التمثيل ليتضح الأمر. أما الأمر الأول، ما احتمله الدليل الشرعي وقاله أئمتنا ونقل عن سلفنا لا يحكم عليه بالبدعة، من حكم عليه بالبدعة فهو المبتدع الضال المضل، هذا إخوتي الكرام لابد عليه من تمثيل، وليوضح الأمر سأذكر صورتين اثنتين: صورة وقعت في سلفنا واحتلها الدليل الشرعي واختلفت الصحابة الكرام نحوها، لكن لما احتمل الدليل فهم كل منهم أقر كل واحد منهم صاحبه على فهمه، وقالوا نحن نريد بما نفعل وجه ربنا جل وعلا، فلا داعي أن يرد بعضنا على بعض ولا أن يضلل بعضنا على بعض. والصورة الثانية وقعت في هذه الحياة في هذه العصور المظلمة، وهي دون تلك بكثير وبدأ بعضنا ينبذ بعضاً بالبدع والضلال من أجلها، فاستمعوا إخوتي الكرام.

стр. 4231

الصورة الأولى: ثبتت في صحيحين من حديث ابن عمر ﵄ قال سمعت النبي ﷺ يقول: [لا يصلين أحدكم العصر إلا في بني قريظة] بعد أن انتهت موقعة الأحزاب، وكفى الله المؤمنين القتال وأرسل على المشركين ريحاً وجنوداً لم تروها، وعاد المشركون من قريش إلى مكة المكرمة وبنو قريظة من اليهود في المدينة المنورة قد نكثوا العهد وغدروا بالنبي ﷺ وبصحبه الكرام، واتفقوا مع المشركين على الانقضاض على الدولة الإسلامية من داخلها ومن خارجها فبعد أن انتهت المعركة وذهب النبي ﵊ إلى بيته أتاه جبريل ﵇ قال [وضعتم أسلحتكم؟ قال نعم، قال لكنا نحن في السماء لم نضع أسلحتنا، إن الله يأمرك أن تتوجه إلى بني قريظة، فأمر النبي ﷺ منادياً ينادي من كان سامعاً مطيعاً فلا يصلَّينَّ العصر إلا في بني قريظة] والحديث في الصحيحين فأسرع الصحابة الكرام رضوان الله عليهم أجمعين، إلى اليهود الملعونين ليصفوا الحساب معهم، وهم في الطريق أدركتهم صلاة العصر، فانقسمت الصحابة إلى قسمين: قسم قالوا لم يُرَدْ منا ذلك، لم يرد بقول النبي ﵊: لايصلين أحد منكم العصر إلا في بني قريظة لم يُرَدْ منا التأخير، (لم يُرَدْ) ، (لم يُرِدْ) ضبط بصيغة المبني للمجهول والمعلوم وكل منهما صحيح، لم يُرِد’ منا النبي ﵊ تأخير الصلاة بقوله، إنما أراد منا الإسراع، رد لم يُرَد من ذلك، لم يُرِد منا ذلك] وعليه ينبغي أن نصيلي العصر في الطريق، ثم نواصل سيرنا إلى بني قريظة، وقال الفريق الآخر النبي ﷺ يقول: [لا يصلين أحد منكم العصر إلا في بني قريظة] فلا يضليها إلا في هناك، ولو صلينا بعد المغرب أو بعد العشاء هذا كلام النبي ﵊، فصلَّى فريق منهم في الطريق، وصلَّى فريق منهم بعد غروب الشمس، عندما وصلوا بني

стр. 4232

قريظة، فذكر ذلك للنبي عليه الصلاة السلام فلم يعنِّف واحداً منهم، والحديث رواه الإمام الطبراني في معجمه الكبير بسند صحيح من رواية كعب بن مالك ﵁، وفيه أن الصحابة اقتسموا في الطريق، فقال فريق لم يُرد منا ذلك، إنما أريد منا الإسراع، وقال فريق آخر عزمة النبي صلى الله علية وسلم علينا، أى غرم علينا أن لانصلي إلا في بني قريظة فنحن في عزيمته، يقول كعب بن مالك: فصلى فريق منهم في الطريق، وصلى فريق منهم في بني قريظة، بعد غروب الشمس، فذكر ذلك للنبي ﵊ فلم يعنف واحدًا منهم. إن هذه الصورة لو وقعت في زماننا لأراق بعضنا دماء بعض من أجلها ونحن نزعم أننا نعبد ربنا، تأخير الصلاة عن وقتها من غير سبب من الكبائر، ولا سيما صلاة العصر التي إذا فاتت الإنسان فكأوتر أهله وماله وقد حبط عمله، ومع ذلك تؤخّر العصر وقوفا عند كلام نبينا ﵊ [لا يصلين أحد منكم العصر إلا في بني قريظة] ، وأولئك يصلونها في الطريق تأويلاً لكلام النبي ﵊ وفهما للمقصود من كلامه ألا وهو الإسراع، وقدا احتمل الدليل الفعلين فكل من الفعلين هدًى ولا يوصف واحد منهما بروًي.

стр. 4233

وأنت وأهل الأرض إذا أعملوا عقولهم لا يستطيع أحد أن يقف على الراجح والمرجوح من هذا الفعلين، وفي مناظرة ومدارسة جرت لي مع بعض إخواننا، فذكرت هذا الحديث، وقلت هذا مما يدلّ على أن الحق يتعدّد على حسب مراد فاعله والله رحمته واسعة، فهنا الآن اختلفوا وكل منهم أقره النبي ﵊ وما أنكر عليه، فأنت في رأيك أي الفرقتين مصيبة؛ قال: من ... (حقيقة غاب عنى قوله لغرابته) من أخر العصر وصلاها في بني قريظة أو لعله قال القول الذي يقابله أي من صلى العصر في الطريق، قلت له يا عبد الله؛ هبط عليك جبريل؟ وأخبرك بذلك أن هذا القول راجح وذاك مرجوح، نزل عليك جبريل؟ قال لا، قلت من أين تتكلم؟ أما تتقي الله في كلامك؟ يعنى ... (غير واضح) أننا نحن بدأنا نحكم على أنفسنا ثم على صحابة نبينا ﷺ ، من أين علمت أن من صلى في الطريق أو في بني قريظة هو المصيب وذاك مخطئ، والله يغفر له خطأه ويثيب على اجتهاده، من أين علمت ونبينا ﷺ عند ما عرض عليه الأمر أقر الفريقين ولم يعنف واحدا منهم. نعم أخواتي الكرام: ماذا أراد من صلى في الطريق، وماذا أراد من أخر العصر؟

стр. 4234

في رواية كعب بن مالك يقول: (فصلى فريق في الطريق إيمانا واحتسابا وأخر فريق صلاة العصر فصلوها بعد غروب الشمس إيمانا واحتسابا) أي هم يؤمنون بالله، وبأن محمداً رسول الله ﷺ وما ينطق عن الهوى، وقد بذلوا ما في وسعهم لفهم مراد النبي ﵊، وأرادوا بعملهم وجه الله، فمن صلى في الطريق فهو مؤمن محتسب، ومن أخر العصر وصلاها في بني قريظة فهو مؤمن محتسب، ﴿لن ينال الله لحومها ولا دماؤها ولكن يناله التقوى منكم﴾ (١) وهى النبات الخالصة صلى لأنه فهم هذا وأراد به وجه الله، وأخر الصلاة فهم هذا وأراد به وجه الله، فعلام يضلّل بعضنا بعضًا وعلام يكفر بعضنا بعضا، والأمر احتمله الدليل وإذا كنا نريد بفعلنا وجه الله الجليل فعلام الاختلاف وعلام القيل والقال؟ أخوتي الكرام: ذكر الله لنا جل وعلا في كتابه خصومة وقعت وعرضت على نبيين كريمين على نبي الله داود وعلى نبي الله سليمان على نبينا وعليهما الصلاة والسلام وقد حكم النبيان في هذه القضية، فأثنى الله عليهما، ثم أشار إلى فرية الابن على الأب، وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء، لكن لا يعنف ذاك، بل أثنى عليه ومدح وأثيب، يقول الله جل وعلا: ﴿وداود وسليمان إذ يحكمان في الحرث إذ نفشت فيه غنم القوم وكنا لحكمهم شاهدين ففهمنها سليمان وكلا آتينا حكماً وعلماً﴾ (٢) .

стр. 4235

والقصة مؤجزة مختصرة، رعت ماشية في حرث إنسان، قيل كان حبة، وقيل عنبا تدلّت عناقيده، رعته ونفشت فيه وأهلكته ليلا، ولم تبق منه شيئا، فرفعت القضية إلى نبي الله داود ﵊ فقال لصاحب البستان: خذ الغنم مقابل ما أتلفته الغنم من زرعك، خذ الغنم، فعرضت القضية على نبي الله سليمان، فقال: لو كان القضاء لي لقضيت بخلاف هذا، فقال والده بأي شيءٍ تقضي يا بني؟ قال: كنت أعطي البستان لصاحب الغنم ليصلحه إلى السنة الآتية حتى إذا صار فيه الحب أو العنب أعاده صاحب الغنم لصاحب البستان وأخذ غنمه، وأعطى الغنم لصاحب البستان لينتفع بدرها وصوفها ونسلها ولبنها، فبعد ذلك إذا عاد بستانه كما كان أعاد الغنم لصاحب الغنم، فهذا ينتفع بنتاج الغنم مقابل ما فاته من نتاج وثمر بستانه، ذاك لا نضيع الغنم، فقضى داود بهذا بعد ذلك، والله أثنى على عبده سليمان، وعلى نبيه داود على نبينا وعليهما الصلاة والسلام. ﴿ففهمناها سليمان وكلاً آتينا حكما وعلما﴾ ثبت في صحيح البخاري معلقاً بصيغة الجزم عن الحسن البصري والأثر وصله الإمام ابن عبد البر في كتاب (جامع بيان العلم وفضله) والإمام أبو نعيم في حلية الأولياء عن الحسن البصري رحمة الله عليه أنه قال: (لولا هذه الآية لظننت أن القضاة هلكوا) فقد أثنى الله على سليمان بإصابته وعذر داود باجتهاده.

стр. 4236

هذه الصورة الأولى: وقعت في السلف الأول في زمن الصحابة الكرام، لكن القلوب منورة والصدور منشرحة، والعقول زكية ذكية، فما حصل من جرَّاء هذا الخلاف أي مشكلة ردية، استمع بعد ذلك لمشاكلنا التي لا نهاية لها في عصرنا، وسأعرض نموذجاً صغيراً نحو هذه القضية، ليس فيه تأخير صلاة، إنما فيه هيئة من هيئات الصلاة المستجبات التي هي.. بإجماع.. إن تركتها عمداً لا يضرَّك وإن فعلتها فلا يضرك أيضاً فعلها على جميع الأقوال، سواء قلنا مشروعة أولاً، إن فعلتها لا تبطل صلاتك ولو لم تكن مشروعة عند من لا يقول بمشروعيتها، وإذا تركتها لا تبطل صلاتك ولا إثم عليك عند من يقول بمشروعيتها، ومع ذلك نختلف فيها ويضلل بعضنا بعضا، ونشتد في الكلام على سلفنا الكرام. هذه القضية إخوتي الكرام قضية العقد، وضع اليمين على الشمال بعد الرفع عنا لركوع، إذا رفع الإنسان من الركوع وقال: (سمع الله لمن حمده) فما الكيفية التي ينبغي أن تكون عليها البدان، هل يرسلهما ويسبل يديه؟ كما هو قول أبي حنيفة ومالك والشافعي رحمة الله عليهم، أو يعقدهما، كما كان يعقدهما قبل الركوع؟ فيضع اليمين على الشمال ويقبض على الشمال باليمين؟ كما كان قبل الركوع كما هو قول الإمام أحمد رحمة الله عليه، والإمام احمد خير المصلي وقال: (إن شاء عقد ووضع اليمين على الشمال، وإن شاء أرسل وأسبل يديه) لكن الحنابلة قالوا: العقد أفضل بعد الرفع من الركوع، يعني هذا قيام فيه ذكر مسنون، فيشرع فيه القبض، كما كان قبل الركوع، ولأن هذا آكد لخشوع الإنسان، والقلب هو محل الخشوع، والإنسان إذا أراد أن يحافظ على شيءٍ وضع عليه يديه، وقلبك إذا قمت ينبغي أن تضع يديك على قلبك من أجل المحافظة على خشوعك لئلا يكون في هذا القلب شيء من التسرب والوسوسة وحديث النفس، هذا مشروع وهذا مشروع، والكيفية التي ذكرها الإمام أحمد وقررها الحنابلة الكرام.

стр. 4237

ورد الحديث محتملاً لها، ففي الصحيحين وغيرهما من حديث أبي حميد الساعدي ﵁ قال: كان النبي ﷺ إذا رفع رأسه يعني من الركوع وقال سمع الله لمن حمده ينتصب قائماً حتى يعود كل فقار إلى موضعه، كل عظم يعود إلى موضعه، قوله (إلى موضعه) هذا ينبغي أن ترسل اليدين. ١. إلى موضعه الطبيعي وعليه ينبغي أن ترسل اليدين. ٢. إلى موضعه الذي كان عليه قبل الركوع فينبغي أن تعقد وأن تضع اليمين على الشمال وأن تقبض الشمال باليمين. يحتمل هذا، ويحتمل هذا، ولذلك قال الإمام أحمد عليه رحمة الله ورضوان: المصلى مخير إن شاء عقد، وإن شاء أرسل. وثبت في سنن النسائي بسند صحيح كالشمس من رواية وائل بن حجر ﵁ قال: رأيت النبي ﷺ إذا كان يصلي وهو قائم بقبض شماله بيمينه، إذا كان يضع يمينه على الشمال ويقبض باليمين على الشمال إذا كان قائماً، وهذا القيام عام، ما خصصه بالقيام الذي فيه قراءة وهو قبل الركوع، وعليه.. عموم هذا اللفظ وإطلاقه يشمل القيام الذي بعد الركوع وقبل الركوع والكيفية احتملها دليل شرعي وقال به إمام من أئمتنا، احتملها دليل وقال به إمام جليل. وهي هيئة من هيئات الصلاة مستحبة عند من قال بها، لو تركتها عند الحنابلة لا يضرك، وعند الجمهور لو فعلتها لا يضرك ولا حرج على صلاتك.. طيب.. إذا كانت المسألة في هذه السهولة علام نضخمها في هذا الوقت، وينبذ بعضنا بعضا بالبدعة والضلال، ونفرق بين أمة نبينا محمد ﷺ ؟

стр. 4238

أريد أن أقول لماذا يقال في هذه الأيام في التعبير عن هذه القضية فيقول: (وأما من قال، إن حديث أبي حميد ﵁ يحتمل العقد والقبض بعد الركوع، فهذا قول باطل، من قال هذا هو قول باطل) ثم يقول: ولست أشك في أن هذه الكيفية أي وضع اليمين على الشمال بعد الرفع من الركوع لست أشك في أنها بدعة ضلالة، وإن قال بها الإمام أحمد، وقول الإمام أحمد بها لا يخرجها عن بدعيتها) . علام يا عبد الله؟ علام رمي كلام أئمتنا بالتبدع والتضليل وقد احتمله الدليل.. قال به إمام جليل، الأمة من أولها إلى آخرها ستحتكم إلى فهمك، ألا تتقي ربك فيما تقول: لا تشك في أنها بدعة ضلالة لو قلت: إن هذه الكيفية فيما يظهر لي أنها مرجوحة، لقلنا جزاك الله خيراً، هذا ما ظهر لك، ومع ذلك نقول: تأدب مع الأئمة وقل هذا وهذا مقرّر عند أئمتنا ولا حرج على الفاعل بكل منهما، لكن (لا تشك) هي قضية قطعية؟ كأنها لا إله إلا الله محمد رسول الله، ليس هناك شك في المسألة، لا تشك يا عبد الله هذه كلها بنيت على أدلة أستنبط منها هذا الأمر، هي ظنية في القولين. ثم أقول لهذا القائل، ما الدليل على أن النبي ﷺ كان يرسل يديه بعد الرفع من الركوع، لا دليل على ذلك، إذاً بقي هذا فهم من حديث، وذالك فهم من حديث، فعلام يقدَّم أحدُ الفهمين ويحكم له بالسنة والسلفية ويرد الفهم الثاني ويحكم عليه بالخطأ والبدعية، علام، هذه مسألة.. هيئة من هيئات الصلاة نختلف فيها – وكما قلت – لو أن المسألة الأولى وقعت فينا لضرب بعضنا رقاب بعض، تؤخر الصلاة عن وقتها، ولأراق دمك، بسم الله ، ولا يريق دمك إلا باسم الشيطان، سبحان ربي العظيم: هيئة من هيئات الصلاة على القول بمشروعيتها مستحبة، من أجل تتنابد الأمة بالبدعة والضلال؟ إن هذا والله حقاً من العار وهذا هو الانحطاط الذي تعيشه الأمة في هذه الأوقات.

стр. 4239

إخوتي الكرام: لابد أن ننتبه لقضية قررها علماء الإسلام، وهذه القضية يذكرها الإمام أبن قدامة في كتابه المغني في المقدمة، وينقلها شيخ الإسلام ابن تيمية أيضاً في مجموع فتاويه ٣٠/٨٠ وهي (إن اتفاق أئمتنا وإجماعهم حجة قاطعة وأما اختلاف أئمة الإسلام رحمة واسعة) . قال الإمام ابن قدامة في مقدمة المغني: (تحيا القلوب بذكرهم، وتحصل الخيرات والبركات باقتفاء آثارهم) . إجماع أئمتنا حجة قاطعة، واختلافهم رحمة واسعة، قلوبنا تحيا عندما نذكرهم ونترحم عليهم، يحصل لنا السعادات والخيرات والبركات عندما نقتفي آثارهم فالإجماع حجة والأختلاف بين أئمتنا رحمة واسعة تتسع له صدورنا ونقول كل يريد وجه ربنا، وعليه إذا قبضت أو أرسلت فأنت على هدى، كما قرر أئمة الإسلام. وهذا القول أعني أئمتنا حجة قاطعة، واختلافهم رحمة واسعة هذا القول تتابع عليه أئمة الإسلام، ولا يُنكره إلا أهل البدع والضلال والهذيان، وقد قرر هذا الأمر شيخ الإسلام الإمام الخطابي (٣٨٨هـ) في كتابه (أعلام الحديث) ١/٢٢٠. فبعد أن نقل هذه المقولة إجماع العلماء حجة واختلافهم رحمة، قال: وهذا القول لم يطعن فيه غير رجلين، رجل مغموص عليه في دينه، ورجل معروف بالسخف والخلاعة في مذهبه. أما المغموص عليه في دينه فهو الجاحظ عمرو بن بحر والذي هلك سنة ٢٥٠هـ أو ٢٢٥هـ هذا الجاحظ الذي قال عنه أئمتنا كما في لسان الميزان لأبن حجر وسير أعلام النبلاء للإمام الذهبي، يقول: ( ... ما جن في دينه مبتدع) قال ثعلب: (كان يكذب على الله وعلى رسوله وعلى عباده، وهو الجاحظ، يكذب على الله وعلى رسوله وعلى عباده، وختم الإمام الذهبي ترجمته بقوله: فسبحان من أضله الله على علم) . هذا المخذول يطعن في هذه المقولة ن ويقول: إن اختلاف العلماء ليس برحمة، إنما هذا بدعة، وعند الاختلاف ينبغي أن نأخذ بقولٍ ونردَّ ما عداه وأن نبدَّع المخالف.

стр. 4240

والثاني هو إسحاق بن إبراهيم الموصلي.. صاحب كتاب الأغاني والذي هلك سنة ٢٣٥هـ ولم يكتف أن أورد في كتابه الأغاني ما أورد، بل صدَّر كتابه بذم أهل الحديث، وعدم وجود العقل عندهم، عندما يروون الحديث، وهذا هو المعروف – كما قلت – بالسخف والخلاعة في مذهبه، هذان الرجلان طعنا في هذه الجملة، وجاء بعدهما صاحب الشذوذ (ابن حزم) وقال: هذه مقولة باطلة، ولو كان الاختلاف رحمة لكان الاجتماع عذاباً وهذا هو عين ما قاله الجاحظ وعين ما قاله إسحاق بن إبراهيم الموصلي وهذا كلام باطل، وقد فنده الإمام الخطابي في كتابه أعلام الحديث، فقال: إن الشيء وضده قد يجتمعان في الحكمة ويتفقان في المصلحة ن فإذا كان النهار صلاحاً ومعاشاً لا يلزم أن يكون الليل فساداً وضلالاً، وإذا كانت الحياة سبباً والنعمة لا يلزم أن يكون الموت سبباً للشفاء والنقمة، إنما الموت له حكمة، والحياة لها حكمة، والنهار له حكمة، والليل له حكمة، وإذا كان النهار مصلحة لا يلزم أن يكون الليل مفسدة، فكم لظلام الليل عندي من يد تخبّر أن المانويَّة تكذب. فالاجتماع رحمة، واختلاف الأئمة فيما يشهد له الدليل رحمة، وما أحد قال إن الاجتماع نقمة، ونحن قلنا في أول المقولة، كما قال أئمتنا: (إجماعهم جحة قاطعة – ومخالف الإجماع ضالّ- واختلافهم رحمة واسعة) . إخوتي الكرام: هذا الأمر ينبغي أن نعيه في هذه الأيام على وجه التمام، لأن الأمة بدأت تتنابز بالضلال والفسق والبدعة دون بصيرة ولا بينة، والشيطان استحوذ على قلوب الناس إلا ما رحم ربك، وأفعال نقلت عن أئمتنا واحتملها الدليل الشرعي وقررها أئمتنا، في هذا العصر تنبذ بالبدعة ويقال: لا شك في أنها بدعة ضلالة.
следующие страницы →