← Джавами‘

Джавами‘ · id 21782

خطب ودروس الشيخ عبد الرحيم الطحان

عبد الرحيم الطحان

Полный текст (6 674 стр.). Показаны 456–495 · переход к 461.

стр. 456

.. قال الإمام ابن القيم – عليه رحمة الله تعالى –: إن حاجة العبد إلى أن يعبد الله وحده لا يشرك به شيئاً في محبته، ولا في خوفه، ولا في رجائه، ولا في التوكل عليه، ولا في العمل له، ولا في الحلف به، ولا في النذر له، ولا في الخضوع له، ولا في التذلل والتعظيم، والسجود، والتقرب، أعظم من حاجة الجسد إلى روحه، والعين إلى نورها، بل ليس لهذه الحاجة نظير تقاس به، فإن حقيقة العبد روحه، ولا صلاح لها إلا بإلهها الذي لا إله إلا هو، فلا تطمئن في الدنيا إلا بذكره، وهي كادحة إليه كدحاً، فملاقيته، ولا بد لها من لقائه، ولا صلاح لها إلا بمحبتها، وعبوديتها له، ورضاه وإكرامه لها، ولو حصل للعبد من اللذات والسرور بغير الله ما حصل لك يدم له ذلك، بل يتنقل من نوع إلى نوع، ومن شخص إلى شخص، ويتنعم بهذا في وقت ثم يعذب ولابد في وقت آخر، وكثيراً ما يكون الذي يتنعم به ويتلذذ له غير منعم له، ولا ملذ له، بل قد يؤذيه اتصاله به، ووجوده عنده، ويضره ذلك، وإنما يحصل له بملابسته من جنس ما يحصل للجرب من لذة الأظافر التي تحكه، فهي تدمي جلده، وتخرقه، وتزيد في ضرره، وهو يؤثر ذلك لما له في حكها من اللذة، وهكذا ما يتعذب به القلب من محبة غير الله – جل وعلا – هو عذاب عليه ومضرة وألم في الحقيقة لا تزيد لذته على لذة حك الجرب، والعاقل يوازن بين الأمرين، ويؤثر أرحمهما وأنفعهما، والله الموفق المعين، وله الحجة البالغة، كما له النعمة السابقة (١) .

стр. 457

وإذا أقبل العبد على الحي القيوم، وأعرض عمن هو فان معدوم، فإن الله – جل وعلا – سيكون له، ويتولى أمروره، فيجعل له من كل هم فرجاً، ومن كل ضيق مخرجاً، ويرزقه من حيث لا يحتسب. روى الإمام الذهبي – عليه رحمة الله تعالى – في تذكرة الحفاظ: أن الرحلة في طلب العلم جمعت بين المحمدين الأربعة: ابن جرير، وابن خزيمة، وابن هارون الروياني في مصر، فأرملوا، ولم يبق عندهم ما يقوتهم، وجاعوا، فاجتمعوا في بيت واقترعوا على أن من خرجت عليه القرعة يسأل، فخرجت على ابن خزيمة، فقال: أمهلوني حتى أصلي، وقام يصلي فإذا هم بشمعة وخِصِي من قبل أمير مصر، ففتحوا، فقال: أيكم محمد بن نصر؟ فقيل: هذا فأخرج صرة فيها خمسون ديناراً فدفعها إليه، ثم قال: أيكم محمد بن جرير؟ فأعطاه مثلها، ثم كذلك بابن خزيمة، وبالروياني، ثم حدثهم فقال: إن الأمير كان قائلا ً بالأمس، فرأى في النوم أن المحامد جياع قد طووا فأنفذ إليكم هذه الصرر، وأقسم عليكم إذا نفذت فعرفوني (١) .

стр. 458

٤- "لاَ تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلاَ نَوْمٌ": ... السنة: هي النعاس. وهي: فتور يتقدم النوم، وتسترخي به أعضاء الجسم، وليس بنوم، قال عدي بن الرقاع العاملي في قصيدة بمدح الوليد بن عبد الملك: وَسْنَانُ أقْصَدَهُ النعاسُ فرَنّقّتْ ... في عينه (سِنة ٌ) وليس بنائم ... ففرق بين السنة والنوم، كما ترى، لأن السنة هي: النعاس، يقال: رجل وسنان، ونعسان بمعنى واحد، فالسنة نعاس يبدأ في الرأس، ويظهر أثره مباشرة على الوجه، وبخاصة في العين، فإذا امتد النعاس إلى القلب، واستولى عليه فهو النوم (١) .

стр. 459

.. وتفسير السنة بالنعاس هو المنقول عن السلف الأكياس، روى ابن جرير في تفسيره، والبيهقي في الأسماء والصفات عن ابن عباس – رضي الله تعالى عنهم أجمعين – أنه قال في تفسير قول الله – ﵎ –: "لاَ تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلاَ نَوْمٌ" السنة: النعاس، والنوم: هو النوم، وأخرج عنه أيضاً ابن الأنباري في كتاب الوقف والابتداء والطستي في مسائله أن نافع بن الأزرق، قال له: أخبرني عن قوله – جل وعلا – "لاَ تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلاَ نَوْمٌ"، قال: السنة: الوسنان، الذي هو نائم، وليس بنائم، قال: وهل تعرف العرب ذلك؟ قال: نعم، أما سمعت زهير بن أبي سلمي، وهو يقول: ولا سِنَة ٌ طولَ الدّهر تأخذهُ ... ولا ينامُ وما في أمره فَنَدُ "فساد" ... وهذا التفسير منقول عن الحسن البصري، وقتادة، ويحيى بن رافع، والضحاك، والربيع بن أنس – ﵏ جميعاً – (١) .

стр. 460

وأما النوم، فقد تقدم أن النعاس إذا امتد من الرأس إلى القلب، واستولى عليه حصل النوم وهو معروف، وتقدم عن ترجمان القرآن – عليه الرحمة والرضوان – أن النوم هو النوم، وفي التعريفات النوم: حالة طبيعية تتعطل معها القوى بسبب ترقي البخارات إلى الدماغ، وفي المفردات: النوم فُسِر على أوجه كلها صحيح بنظرات مختلفة، قيل: هو استرخاء أعصاب الدماغ برطوبات البخار الصاعد إليه، وقيل: هو أن يتوفى الله النفس من غير موت، وقيل: النوم موت خفيف، والموت نوم ثقيل (١) .

стр. 461

واعلم – علمني الله وإياك – أن هاتين الصفتين سلبيتان منتفيتان عن ربنا الرحمن وتقدم في هذا الكتاب المبارك أن من الخصائص اللازمة الضرورية للصفات المنفية: توكيد الصفات الثبوتية، وتقرير معانيها العلية، فكل نفي لا يراد منه إثبات ما يضاده فلا مدح فيه، وهو مما لم يصف الله – جل وعلا – به نفسه، وعليه فمجيء هاتين الصفتين المنفيتين، يراد منه توكيد ما سبقهما من الصفتين الثابتتين، وهما الحياة والقيومية لذات ربنا العلية، وبيان حقيقتهما بصورة واضحة جلية. فحياة ربنا الجليل كاملة تامة، وهذا ما أفاده تعريف الركنين في قوله – جل وعلا –: "اللهُ لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ (١)

стр. 462

" ويلزم من ذلك الكمال والتمام: الاستمرار والدوام، فلا يشوب حياة ربنا – جل وعلا – فتور، ولا يعتريها ذهول، لأن ذلك نقصان مبين، تتنزه عنه حياة رب العالمين، وإذا انتفى عن ربنا – ﷻ – السنة والموت الأصغر – وهو النوم – لأنها نقص، فانتفاء الموت الأكبر عنه من باب أولى، لأنه موت (١) .

стр. 463

وهذه اللوازم قررتها جملة " تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلاَ نَوْمٌ" ووضحتها، فقوله – جل وعلا –: " اللهُ لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ" إثبات كمال الحياة لرب الأرض والسموات، وقوله – جل شأنه –: " تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلاَ نَوْمٌ" تقرير لذلك الإثبات وإيضاح له بأدلة بينات. وخلاصة الكلام: إن حياة ربنا الرحمن ثابتة على وجه التمام، فلا نقص فيها، ولا زوال يعتريها وقد دل على ذلك الجملة الثبوتية، وقرره ما ورد من نفي السنة والنوم عن ذات ربنا العلية، وهما من الصفات السلبية.

стр. 464

وما قيل في علاقة نفي السنة والنوم عن رب الأرض والسموات مع ما يتصف به من صفة الحياة، يقال – أيضاً – في صفة القيومية فهو القائم بنفسه المقيم لغيره، فلا نقص يعتريه، ولا غفلة تحل فيه، ولا تصيبه الآفات، ولا تناله العاهات، دل على هذا صفة القيومية لرب البريات، وأكد ذلك المعنى نفي السنة والنوم، وهما من الصفات السلبيات، قال الخطيب الشربيني – رحمه الله تعالى –: جملة " تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلاَ نَوْمٌ" نفيٌ للتشبيه بينه – جل وعلا – وبين خلقه، وتأكيد لكونه حياً قيوماً، فإن من أخذه نعاس أو نوم كان بآفة تخل بالحياة، قاصراً في الحفظ والتدبير، ولذلك ترك العاطف فيه وفي الجمل التي بعده، ومثله في روح المعاني: (٣/٢٨) ، وروح البيان: (١/٤٠٠) وفي تفسير القرطبي: (٣/٢٧٢) قال البيهقي، ورأيت في "عيون التفسير" لإسماعيل الضرير في تفسير "القيوم" قال: يقال: هو الذي لا ينام، وكأنه أخذه من قوله – – عقبه في آية الكرسي: " تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلاَ نَوْمٌ" وفي مدارك التنزيل: (١/١٦٩) " تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلاَ نَوْمٌ" تأكيد للقيوم، لأن من جاز عليه ذلك استحال أن يكون قيوماً، وقال الإمام ابن جرير – عليه الرحمات –: وإنما عنى – تعالى ذكره – بقوله: " تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلاَ نَوْمٌ" لا تحله الآفات، ولا تناله العاهات، وذلك أن السنة والنوم معنيان يغيران فهم الفهم ويزيلان من أصاباه عن الحال التي كان عليها قبل أن يصيباه، فتأويل الكلام إذا كان الأمر على ما وصفنا: الله لا إله إلا هو الحي القيوم الذي لا يموت، القيوم على كل ما هو دونه بالرزق والكلاءة، والتدبير والتصريف من حال إلى حال، ولا تأخذه سنة ولا نوم، لا يغيره ما يغير غيره، ولا يزيله عما لم يزل عليه تنقل الأحوال، وتصريف الليالي والأيام، بل هو الدائم على حال، والقيوم على جميع الأنام، لو نام كان مغلوباً مقهوراً، لأن النوم غالب النائم قاهره، ولو وسن لكانت السموات

стр. 465

والأرض وما فيهما دكاً لأن قيام جميع ذلك بتدبيره وقدرته، والنوم شاغل المدبر عن التدبير، والنعاس يمانع المقدر عن التقدير بوسنه (١) . قال عبد الرحيم الطحان: يتعلق بنفي السنة والنوم عن رب الأنام، ثلاثة مباحث عظام، فدونكها يا طالب العلم بأدلتها المحكمة الحسان: أ) ثبت عن نبينا المختار – ﷺ – نفي النوم عن العزيز الغفار، كما ورد نفي ذلك في كلام الواحد القهار، وقد تقدم ما رواه الإمام مسلم وغيره من الأخيار – عليهم رحمة العزيز الغفار – عن أبي موسى الأشعري – رضي الله تعالى عنه – قال: قام فينا رسول الله – ﷺ – بخمس كلمات، فقال: إن الله لا ينام، ولا ينبغي له أن ينام، يخفض القسط ويرفعه، يرفع إليه عمل الليل قبل عمل النهار، وعمل النهار قبل عمل الليل، حجابه النور – وفي رواية: النار – لو كشفه لأحرقت سبحات وجهه ما انتهى إليه بصره من خلقه (٢) ".

стр. 466

.. وقد سأل بنو إسرائيل نبي الله موسى – على نبينا وعليه الصلاة والسلام – عن نوم الرحمن – ﷻ – فأوحى ربنا إليه بما يبين تفاهة السؤال، ويوضح استحالة ذلك عليه بمثال ففي الأسماء والصفات وغيره عن أبي بردة قال: إن موسى – على نبينا وعليه الصلاة والسلام – قال له قومه: أينام ربنا؟ قال: اتقوا الله إن كنتم مؤمنين فأوحى الله – – إلى موسى – على نبينا وعليه الصلاة والسلام – أن خذ قارورتين، واملأهما ماء، ففعل، فنعس، فنام فسقطتا من يده فانكسرتا، فأوحى الله – – إلى موسى – على نبينا وعليه الصلاة والسلام –: إني أمسك السموات والأرض أن تزولا، ولو نمت لزالتا (١) .

стр. 467

ب) إن قيل: لم قدم نفي السنة، وأخر نفي النوم، وقياس المبالغة يقتضى العكس، لأن السنة إذا انتفت عنه، فانتفاء النوم من باب أولى، فيكون ذكره تكراراً؟ فالجواب من عدة أوجه يجمعها أمران رئيسيان: الأول: إن فسر قوله: "لاَ تَأْخُذُهُ" بمعنى القهر والغلبة أي: لا يغلبه ولا يقهره، فالترتيب على مقتضى الظاهر، وبه تحصل المبالغة، والمعنى: لا تغلبه السنة، ولا النوم الذي هو أكثر غلبة منها، وإلى ذلك ذهب الأئمة ابن كثير، والراغب الأصفهاني، والرازي والخازن وحكاه الألوسي (١) – ﵏ جميعاً –. الثاني: ... إن فسر الأخذ في وقوله: "لاَ تَأْخُذُهُ" بمعنى العروض والاعتراء، والمعنى لا يعرض له، ولا يعتريه، فالترتيب في الظاهر فيه إشكال، ولدفعه ذكر العلماء عدة أقوال: أ) قدم نفي السنة على نفي النوم مراعاة للترتيب الوجودي، فوجود السنة سابق على وجود النوم، فلذلك نفى السنة.

стр. 468

ب) الكلام وارد على طريق التتميم، وفي ذلك مزيد تأكيد، لأن نفي السنة يقتضي نفي النوم شمناً، فإذا نفى نصاً بعد نفيه ضمناً كان آكد، والكلام أبلغ. جـ) ورد الكلام على أسلوب الإحاطة والإحصاء، وهو متعين فيه مراعاة الترتيب الوجودي، والابتداء من الأخف فالأخف، كما في قوله – ﷻ – في سورة الكهف: (٤٩) ﴿وَوُضِعَ الْكِتَابُ فَتَرَى الْمُجْرِمِينَ مُشْفِقِينَ مِمَّا فِيهِ وَيَقُولُونَ يَا وَيْلَتَنَا مَالِ هَذَا الْكِتَابِ لَا يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلَا كَبِيرَةً إِلَّا أَحْصَاهَا﴾ ، ولهذا توسطت "لا" تنصيصاً على الإحاطة وشمول النفي لكل منهما: "لاَ تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلاَ نَوْمٌ". د) قيل: إن تقديم نفي السنة، وتأخير نفي النوم مراعاة لفواصل، وهذا جواب العاجز عن التماس نكتة لذلك الترتيب المعجز، ولا يخفى أن ذلك من ضيق العطن على حد تعبير الإمام الألوسي (١) – رحمه الله تعالى –. ج) حظ العبد من معرفته بعدم سنة ربه ونومه: ... اعلم أن حظك أيها الإنسان، من معرفتك بكون الله لا يغفل ولا ينام، أمران عظيمان فراعهما، لتفوز بدرجة الإحسان:

стр. 469

الأول: الابتعاد عن الآثام، إجلالا ً لنظر ذي الجلال والإكرام، فنظره إليك متواصل لا يعتريه انفصام فإياك إياك أن تستحي من نظر بني الإنسان، وتهمل نظر من لا يغفل ولا ينام، فتجعل ربك أوهن الناظرين، وهو العلي العظيم، قال رب العالمين: ﴿أَرَأَيْتَ الَّذِي يَنْهَى عَبْداً إِذَا صَلَّى أَرَأَيْتَ إِن كَانَ عَلَى الْهُدَى أَوْ أَمَرَ بِالتَّقْوَى أَرَأَيْتَ إِن كَذَّبَ وَتَوَلَّى أَلَمْ يَعْلَمْ بِأَنَّ اللَّهَ يَرَى (١) ﴾

стр. 470

العلق: ٩-١٣ وفي الإحياء: قال رجل للإمام الجنيد – رحمه الله تعالى –: بم أستعين على غض البصر؟ قال: بعلمك أن نظر الله إليك أسبق من نظرك إلى المنظور إليه، وفيه أيضاً وفي ذم الهوى، وروضة المحبين أن أعرابياً خرج في بعض ليالي الظلمة، فإذا بجارية كأنها علم – جبل – فأرادها عن نفسها، فقالت: ويلك أمالك زاجراً من عقل إذا لم يكن لك ناهٍ من دين؟ فقال الأعرابي: إيهاً، والله ما يرانا إلا الكواكب، فقالت له: فأين مكوكبها؟ (١) . ولله در القائل: إذا ما خلوتَ الدّهْرَ يوماً فلا تَقُلْ ... خَلوتُ ولكن قُلْ عليّ رقيبُ ولا تحسبنَّ اللهَ يغفلُ ساعة ً ... ولا أنَّ ما تُخفيه عنه يغيبُ ألم ترَ أنَّ اليومَ أسْرعُ ذاهبٍ ... وأنَّ غداً للناظرين قريبُ ورحمة الله على القائل: يا كاتِمَ الذنْبِ أما تسْتحي ... واللهُ في الخلْوةِ رَائيكا غَرَّكَ مِنْ ربك إمهالُهُ ... وَستْرُهُ طُولَ مَسَاويكا

стр. 471

.. قال الإمام ابن الجوزي – رحمه الله تعالى –: وبلغنا أنَّ بعض المتعبدات البصريات وقعت في نفس رجل مهلبي، وكانت جميلة، وكانت تخطب فتأبى، فبلغ المهلبي أنا تريد الحج، فاشترى ثلاثمائة بعير، ونادى من أراد الحج فليكتر من فلان المهلبي، فأكترت منه، فلما كان في بعض الطريق جاءها ليلا ً: إما أن تزوجيني نفسك، وإما غير ذلك، فقالت: ويحك اتق الله، فقال: ما هو إلا ما تسمعين، والله ما أنا بجمَّال، ولا خرجت في هذا إلا من أجلك، فلما خافت على نفسها قالت: ويحك انظر أبقي في الرجال أحد لم ينم؟ قال: لا، قالت: عد فانظر، فمضى وجاء، فقال: ما بقي أحد إلا وقد نام، فقالت: ويحك أنام رب العالمين؟ ثم شهقت شهقة وخرت ميتة، وخر المهلبي مغشياً عليه، ثم قال: ويحى قتلت نفساً، ولم أبلغ شهوتي، فخرج هارباً (١) .

стр. 472

نسأل الله أن يجعلنا ممن يخشاه كأنه يراه، وممن يترك الحراك إجلالاً لنظر مولاه، إنه سميع الدعاء. الأمر الثاني: ... شد العزم في طاعة رب الأنام، وصف الأقدام إذا جن الظلام، لمناجاة من لا يغفل ولا ينام، فالله الكريم، وإن تفضل على العباد بالمنام، فجعل لهم الليل لباساً، والنوم سباتاً، فقد أمرهم – جل وعلا – بالقيام في جنح الظلام، لمناجاة الحي القيوم الذي لا ينام، فكثرة النوم بطالة، والله لا يحب العبد البطال، ولن يصل العبد درجة المقربين الأخيار، إلا إذا جعل قسماً من الليل كالنهار، فشغله في طاعة العزيز الغفار، وسيأتيك – إن شاء ذو الجلال والإكرام – عند شرح حديث نزول ربنا الرحمن، بيان ما لقيام الليل من فوائد عظام، ينبغي أن يحرص عليها الأكياس من الأنام، وإليك بعض حوادث وقعت لسلفنا الكرام قوت عزائمهم في طاعة الرحمن، لتأثرهم بكون ربنا لا يغفل ولا ينام، ففي كتاب غذاء الألباب نقلا ً عن كتاب المورد العذب للإمام ابن الجوزي – روح الله روحه – أن عبد الواحد بن زيد قال: عصفت بنا الريح في جزيرة في البحر، فإذا برجل يعبد صنماً، فقلنا له: أيها الرجل من تعبد؟ فأومأ بيده إلى الصنم، فقلنا له: إن معنا في المركب من يعمل هذا، فقال: فأنتم من تعبدون؟ قلنا: نعبد الله الحي القيوم، قال: ومن هو؟ قلنا: الذي في السماء عرشه وفي الأرض سلطانه، وفي الأحياء والأموات قضاؤه، قال: كيف علمتم هذا؟ قلنا: وجه إلينا رسولا ً أعلمنا به، قال: فما فعل الرسول؟ ﷺ – قلنا قبضه الله – – إليه، قال: فهل ترك عندكم علامة، قلنا: نعم، ترك عندنا كتاب الملك – جل وعلا –.

стр. 473

قال: أرونيه، فأتياه بالمصحف، فقال: ما أعرف هذا، فقرأنا عليه سورة، وهو يبكي، ثم قال: ينبغي لصاحب هذا الكلام أن لا يعصى، فأسلم، وعلمناه شرائع الإسلام، وسوراً من القرآن، فلما جن الليل صلينا، وأخذنا مضاجعنا، فقال: يا قوم الإله الذي دللتموني عليه أينام إذا جن الليل؟ قلنا ك لا يا عبد الله، هو حي قيوم، لا ينام، فقال: بئس العبيد أنتم، تنامون ومولاكم لا ينام، فعجبنا من كلامه، فلما قدمنا عبادان جمعنا له دراهم، وأعطيناها له، وقلنا له: أنفقها، فقال: لا إله إلا الله، دللتموني على طريق لم تسلكوه، أنا كنت في جزيرة في البحر أعبد صنماً من دونه فلم يضيعني، فكيف الآن وقد عرفته؟ فلما كان بعد أيام أتاني آت فقال لي: إنه يعالج سكرات الموت فجئته، وقلت: ألك حاجة؟ فقال: قد قضى حوائجي من عرفتني به، فبينما أنا أكلمه إذ غلبتني عيناي فنمت، فرأيت في المنام روضة وفي الروضة قبة، وفيها سرير عليه جارية أجمل من الشمس تقول: سألتك بالله عجل عليّ به، فانتبهت فإذا به قد مات – رحمه الله تعالى – فجهزته لقبره، ثم رأيته في المنام في القبة، والجارية إلى جانبه، وهو يتلو: ﴿سَلاَمٌ عَلَيْكُم بِمَا صَبَرْتُمْ فَنِعْمَ عُقْبَى الدَّارِ﴾ الرعد٢٤ (١) . ... وفي تفسير روح البيان أن من الأبيات التي كان ينشدها بلال الحبشي – رضي الله تعالى عنه – وقت السحر: يا ذا الذي استَغْرقَ في نومه ... ما نَوْمُ عبد رَبّهُ لا يَنَامْ

стр. 474

أهَلْ تقول إنني مُذنِبٌ ... مُشْتَغِلُ الليل بطيبِ المَنام (١) ... وقد أشار رب العالمين، إلى أن استحضار علمنا بنظره إلى مخلوقاته أجمعين يقوي المكلفين على إقامة مقامات الدين، من التوكل على رب العالمين، والجهر بالحق المبين، فقال في كتابه الكريم: ﴿وَتَوَكَّلْ عَلَى الْعَزِيزِ الرَّحِيمِ الَّذِي يَرَاكَ حِينَ تَقُومُ وَتَقَلُّبَكَ فِي السَّاجِدِينَ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ الشعراء٢١٧-٢٢٠،ولما كلف الله – جل وعلا – نبييه الكريمين موسى وهارون – على نبينا وعليهما الصلاة والسلام – بالذهاب إلى فرعون اللعين، فقالا: "إِنَّنَا نَخَافُ أَن يَفْرُطَ عَلَيْنَا أَوْ أَن يَطْغَى" قال لهما ربنا – ﷻ –: ﴿قَالَ لَا تَخَافَا إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى﴾ طه٤٦. ... وقد صرح نبينا الكريم – ﷺ – بأن درجة الإحسان لا تخرج عن حالتين: أ) أن يعبد الإنسان ربه كأنه يراه. ب) إن لم يصل لتك الرتبة فلا أقل من استشعار المكلف برؤية الله الجليل له، في كل عمل بعمله.

стр. 475

.. ففي حديث جبريل الطويل سال جبريل نبينا – عليهما الصلاة السلام – عن الإحسان، فقال له نبينا – صلى الله عليه سلم –: "الإحسان: أن تعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فإنه يراك (١)

стр. 476

". ... وقد أمر نبينا – ﷺ – بعباده الله – ﷻ – على واحدة من تينك الحالتين ففي الحلية عن زيد بن أرقم – رضي الله تعالى عنه – قال: قال رسول الله – ﷺ –: "اعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فإنه يراك، واحسب نفسك مع الموتى، واتق دعوة المظلوم فإنها مستجابة (١) ". نسأل الله الكريم أن يجعل حالنا معه كأننا نراه، وأن يمن علينا بالإيمان الكامل التام بأنه يرانا في كل زمان ومكان، كما نسأله – جل وعلا – أن لا يرانا حيث نهانا، وأن لا يفقدنا حيث أمرنا فهو مولانا وحسبنا، وعليه في كل الأمور اعتمادنا. ٥-" َلَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وما في َالْأَرْضِ": ... تقديم الخبر (٢) يفيد الحصر والاختصاص، والمعنى: لله ما في السموات والأرض، وليس لغيره شيء من ذلك استقلالا ً ولا مشاركة؛ وفي هذه الجملة الشريفة، مباحث جليلة نفيسة:

стр. 477

أولها: أخبر ربنا – ﷻ – في هذه الآية المباركة بأنه مالك المظروف "َلَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وما في َالْأَرْضِ"واعلم في آيات أخرى بأنه مالك الظرف أيضاً، فقال – جل وعلا –: في سورة الشورى "لِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ"، والأمران ثابتان لربنا الرحمن فله ملك الظرف والمظروف، كما قال – ﵎ – في سورة المائدة: ﴿لَّقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَآلُواْ إِنَّ اللهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ قُلْ فَمَن يَمْلِكُ مِنَ اللهِ شَيْئاً إِنْ أَرَادَ أَن يُهْلِكَ الْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَأُمَّهُ وَمَن فِي الأَرْضِ جَمِيعاً وَلِلّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَاللهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وَقَالَتِ الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى نَحْنُ أَبْنَاء اللهِ وَأَحِبَّاؤُهُ قُلْ فَلِمَ يُعَذِّبُكُم بِذُنُوبِكُم بَلْ أَنتُم بَشَرٌ مِّمَّنْ خَلَقَ يَغْفِرُ لِمَن يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَن يَشَاءُ وَلِلّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا وَإِلَيْهِ الْمَصِيرُ﴾ المائدة١٧-١٨. ثانيها: لم يخص ربنا – جل وعلا – في آية الكرسي ملكه بالمظروف دون الظرف؟ والجواب ما قاله أو حبان – عليه رحمة ربنا الرحمن –: لأن المقصود نفي الإلهية عن غير الله – ﵎ – وأنه لا ينبغي أن يعبد غيره، لأن من عبد من دون الله من الأجرام النيرة التي في السموات كالشمس والقمر، والأشخاص الأرضية كالأصنام وبعض بني آدم، كل منهم ملك لله – ﵎ – مربوب مخلوق، وكرر "ما" للتوكيد وتقدم أنه – ﵎ – خالق السموات والأرض، فلم يذكر هنا كونه مالكهما استغناء بما تقدم (١) .

стр. 478

ثالثها: لم عبر بما التي لغير العاقل دون من التي هي للعاقل؟ وأقوى ما قيل في جواب ذلك وأوجهه أمران: أ) لما كان المراد إضافة ما سواه إليه بالمخلوقية، وكان الغالب عليه ما لا يعقل، أجرى الغالب مجرى الكل، فعبر عنه بلفظ "ما". ب) الأشياء التي في السموات والأرض أسندت إليه – جل وعلا – من حيث إنها مخلوقة وهي من حيث إنها مخلوقة غير عاقلة، فعبر عنها بلفظ "ما" للتنبيه على أن المراد من هذه الإضافة إليه الإضافة من هذه الجهة (١) .

стр. 479

رابعها: دلت الآية الكريمة على أن أفعال العباد مخلوقة لله – جل وعز – ووجه ذلك، أن قوله – –: " َلَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وما في َالْأَرْضِ" شامل لكل ما فيهما، ومتناول له، وأفعال العباد من جملة ذلك، فوجب أن تكون منسوبة إلى الله – ﵎ – انتساب الملك والخلق، وهذا ما قاله نبي الله إبراهيم – على نبينا وعليه أفضل الصلاة وأتم التسليم – فيما حكاه عنه رب العالمين، في سورة الصافات: ﴿قَالَ أَتَعْبُدُونَ مَا تَنْحِتُونَ وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ﴾ الصافات٩٥-٩٦، قال الإمام ابن كثير – عليه رحمة ربنا الجليل –: يحتمل أن تكون "ما" مصدرية، فيكون تقدير الكلام: خلقكم وعملكم، ويحتمل أن تكون بمعنى "الذي" والتقدير والله خلقكم والذي تعملونه، وكلا القولين متلازم، والأول أظهر، لما رواه البخاري في كتاب أفعال العباد عن علي بن المديني عن مروان ابن معاوية عن أبي مالك عن ربعى ابن خراش عن حذيفة – رضي الله تعالى عنهم أجمعين – قال: قال النبي – ﷺ –: "إن الله – تعالى – يضع كل صانع وصنعته" ١هـ قال الإمام البخاري – رحمه الله تعالى –: وتلا بعضهم عند ذلك: " وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ" فأخبر أن الصناعات وأهلها مخلوقة (١) .

стр. 480

خامسها: تقدم أن المقصود من الجملة السابقة المصرحة بنفي السنة والنوم عن ربنا – جل وعلا – وهو توكيد حياة ربنا وقيوميته، وكذلك الحال في هذه الجملة الكريمة، فالمقصود منها تقرير حياة ربنا أيضاً، وقد تقدم أن من لوازم الحياة الفعل الاختياري، وما في هذه الجملة المباركة يقرر ذلك فما في السموات والأرض خلق للرب – ﷻ – وملك له يتصرف فيه كما يشاء وفي ذلك تقرير أيضاً لقيومية ربنا الجليل – جل وعلا – على عباده في إيجادهم وتدبير أمورهم (١) . سادسها: تفصيل معنى تلك الجملة الكريمة: تدل تلك الجملة المباركة على انفراد ربنا – ﷻ – بالخلق والملك والتدبير فلا خالق إلا هو، ولا مالك إلا هو، ولا مدبر إلا هو، وقد قررت هذه المفاهيم آي الذكر الحكيم، وأحاديث نبينا الأمين – ﷺ –. انفراد الله – جل وعلا – بالخلق:

стр. 481

.. قال الله – جل وعز –: ﴿اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ﴾ الزمر٦٢ وقال – – في سورة الواقعة: ﴿أَفَرَأَيْتُم مَّا تُمْنُونَ أَأَنتُمْ تَخْلُقُونَهُ أَمْ نَحْنُ الْخَالِقُونَ﴾ الواقعة٥٨-٥٩، وفي سورة البقرة: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُواْ رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الأَرْضَ فِرَاشاً وَالسَّمَاء بِنَاء وَأَنزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقاً لَّكُمْ فَلاَ تَجْعَلُواْ لِلّهِ أَندَاداً وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ البقرة٢١-٢٢، والمعنى: وأنتم تعلمون أنه خلق السماء، وأنزل الماء، وفعل ما شرحه في هذه الآيات، وأنه لا يقدر على فعل ما ذكره أحد سواه (١) .

стр. 482

.. وقد بين ربنا – ﷻ – تفاهة المشركين وحقارتهم، حيث عبدوا من لا يخلق شيئاً، بل هم يخلقون، ففي سورة الفرقان، يقول ربنا الرحمن: ﴿تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيراً الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلَمْ يَتَّخِذْ وَلَداً وَلَمْ يَكُن لَّهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيراً وَاتَّخَذُوا مِن دُونِهِ آلِهَةً لَّا يَخْلُقُونَ شَيْئاً وَهُمْ يُخْلَقُونَ وَلَا يَمْلِكُونَ لِأَنفُسِهِمْ ضَرّاً وَلَا نَفْعاً وَلَا يَمْلِكُونَ مَوْتاً وَلَا حَيَاةً وَلَا نُشُوراً﴾ الفرقان ١-٣، وفي سورة الحج يقول – جل شأنه –: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ ضُرِبَ مَثَلٌ فَاسْتَمِعُوا لَهُ إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ لَن يَخْلُقُوا ذُبَاباً وَلَوِ اجْتَمَعُوا لَهُ وَإِن يَسْلُبْهُمُ الذُّبَابُ شَيْئاً لَّا يَسْتَنقِذُوهُ مِنْهُ ضَعُفَ الطَّالِبُ وَالْمَطْلُوبُ مَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ﴾ الحج٧٣-٧٤، ويقول – ﵎ – في سورة الأحقاف: ﴿مَا خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا إِلَّا بِالْحَقِّ وَأَجَلٍ مُّسَمًّى وَالَّذِينَ كَفَرُوا عَمَّا أُنذِرُوا مُعْرِضُونَ قُلْ أَرَأَيْتُم مَّا تَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ أَرُونِي مَاذَا خَلَقُوا مِنَ الْأَرْضِ أَمْ لَهُمْ شِرْكٌ فِي السَّمَاوَاتِ اِئْتُونِي بِكِتَابٍ مِّن قَبْلِ هَذَا أَوْ أَثَارَةٍ مِّنْ عِلْمٍ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ﴾ الأحقاف٣-٤، ونحوها في سورة فاطر: ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ شُرَكَاءكُمُ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ أَرُونِي مَاذَا خَلَقُوا مِنَ الْأَرْضِ أَمْ لَهُمْ شِرْكٌ فِي السَّمَاوَاتِ أَمْ آتَيْنَاهُمْ كِتَاباً فَهُمْ عَلَى بَيِّنَةٍ مِّنْهُ بَلْ إِن يَعِدُ

стр. 483

الظَّالِمُونَ بَعْضُهُم بَعْضاً إِلَّا غُرُوراً إِنَّ اللَّهَ يُمْسِكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ أَن تَزُولَا وَلَئِن زَالَتَا إِنْ أَمْسَكَهُمَا مِنْ أَحَدٍ مِّن بَعْدِهِ إِنَّهُ كَانَ حَلِيماً غَفُوراً﴾ فاطر٤٠. ... وقال – – في سورة الأعراف: ﴿أَيُشْرِكُونَ مَا لاَ يَخْلُقُ شَيْئاً وَهُمْ يُخْلَقُونَ وَلاَ يَسْتَطِيعُونَ لَهُمْ نَصْراً وَلاَ أَنفُسَهُمْ يَنصُرُونَ وَإِن تَدْعُوهُمْ إِلَى الْهُدَى لاَ يَتَّبِعُوكُمْ سَوَاء عَلَيْكُمْ أَدَعَوْتُمُوهُمْ أَمْ أَنتُمْ صَامِتُونَ إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِ اللهِ عِبَادٌ أَمْثَالُكُمْ فَادْعُوهُمْ فَلْيَسْتَجِيبُواْ لَكُمْ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ﴾ الأعراف١٩١-١٨٤.

стр. 484

وإذا كان ربنا – جل وعلا – منفرداً بالخلق، ومن عداه لا يخلق شيئاً، بل هو مخلوق، فشتان شتان، بين ربنا الرحمن، وبين ما يعبد من دونه من طواغيت وأوثان، والله يقول في سورة النحل وهي سورة النعيم (١) حيث عدد الله فيها نعمه على عباده، وبين أن ما عداه لا يملك شيئاً منها: ﴿خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ بِالْحَقِّ تَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ خَلَقَ الإِنسَانَ مِن نُّطْفَةٍ فَإِذَا هُوَ خَصِيمٌ مُّبِينٌ وَالأَنْعَامَ خَلَقَهَا لَكُمْ فِيهَا دِفْءٌ وَمَنَافِعُ وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ وَلَكُمْ فِيهَا جَمَالٌ حِينَ تُرِيحُونَ وَحِينَ تَسْرَحُونَ وَتَحْمِلُ أَثْقَالَكُمْ إِلَى بَلَدٍ لَّمْ تَكُونُواْ بَالِغِيهِ إِلاَّ بِشِقِّ الأَنفُسِ إِنَّ رَبَّكُمْ لَرَؤُوفٌ رَّحِيمٌ وَالْخَيْلَ وَالْبِغَالَ وَالْحَمِيرَ لِتَرْكَبُوهَا وَزِينَةً وَيَخْلُقُ مَا لاَ تَعْلَمُونَ وَعَلَى اللهِ قَصْدُ السَّبِيلِ وَمِنْهَا جَآئِرٌ وَلَوْ شَاء لَهَدَاكُمْ أَجْمَعِينَ هُوَ الَّذِي أَنزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً لَّكُم مِّنْهُ شَرَابٌ وَمِنْهُ شَجَرٌ فِيهِ تُسِيمُونَ يُنبِتُ لَكُم بِهِ الزَّرْعَ وَالزَّيْتُونَ وَالنَّخِيلَ وَالأَعْنَابَ وَمِن كُلِّ الثَّمَرَاتِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ وَسَخَّرَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالْنَّهَارَ وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالْنُّجُومُ مُسَخَّرَاتٌ بِأَمْرِهِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ وَمَا ذَرَأَ لَكُمْ فِي الأَرْضِ مُخْتَلِفاً أَلْوَانُهُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً لِّقَوْمٍ يَذَّكَّرُونَ وَهُوَ الَّذِي سَخَّرَ الْبَحْرَ لِتَأْكُلُواْ مِنْهُ لَحْماً طَرِيّاً وَتَسْتَخْرِجُواْ مِنْهُ حِلْيَةً تَلْبَسُونَهَا وَتَرَى الْفُلْكَ مَوَاخِرَ فِيهِ

стр. 485

وَلِتَبْتَغُواْ مِن فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ وَأَلْقَى فِي الأَرْضِ رَوَاسِيَ أَن تَمِيدَ بِكُمْ وَأَنْهَاراً وَسُبُلاً لَّعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ وَعَلامَاتٍ وَبِالنَّجْمِ هُمْ يَهْتَدُونَ أَفَمَن يَخْلُقُ كَمَن لاَّ يَخْلُقُ أَفَلا تَذَكَّرُونَ وَإِن تَعُدُّواْ نِعْمَةَ اللهِ لاَ تُحْصُوهَا إِنَّ اللهَ لَغَفُورٌ رَّحِيمٌ وَاللهُ يَعْلَمُ مَا تُسِرُّونَ وَمَا تُعْلِنُونَ وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِ اللهِ لاَ يَخْلُقُونَ شَيْئاً وَهُمْ يُخْلَقُونََ أمْواتٌ غَيْرُ أَحْيَاء وَمَا يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ﴾ ٣-٢١. واعلم – أرشدني الله وإياك – أن أدلة البعث الثلاثة، التي كررها القرآن بأساليب متنوعة مرتبطة بانفراد ربنا – جل وعلا – بالخلق، ودائرة حوله، وقد ذكر الله، ﷻ – تلك البراهين الثلاثة في أول سورة النحل، وعقب عليها بعجز من دونه عن شيء منها. البرهان الأول: "خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ بِالْحَقِّ تَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ"

стр. 486

.. ووده الاستدلال بذلك على إمكان البعث وسهولته أن السموات والأرض من أعظم المخلوقات، ومن قدر على خلق الأعظم فهو على خلق غيره قادر من باب أولى وأحرى، قال الله – جل وعلا – في سورة غافر: ﴿لَخَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَكْبَرُ مِنْ خَلْقِ النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ﴾ غافر٥٧، أي: أكبر من خلقهم مرة ثانية، وإعادتهم بعد موتهم، كما قال – جل وعلا – في سورة الأحقاف: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَلَمْ يَعْيَ بِخَلْقِهِنَّ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يُحْيِيَ الْمَوْتَى بَلَى إِنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ الأحقاف٣٣، وقال – جل وعز – في سورة الإسراء: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْاْ أَنَّ اللهَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ قَادِرٌ عَلَى أَن يَخْلُقَ مِثْلَهُمْ وَجَعَلَ لَهُمْ أَجَلاً لاَّ رَيْبَ فِيهِ فَأَبَى الظَّالِمُونَ إَلاَّ كُفُوراً﴾ الإسراء٩٩. البرهان الثاني: "خَلَقَ الإِنسَانَ مِن نُّطْفَةٍ فَإِذَا هُوَ خَصِيمٌ مُّبِينٌ":

стр. 487

.. ووجه الاستدلال بذلك أن من خلق الإنسان أولاً، واخترع إيجاده، قادر على إعادته، قال الله – ﵎ – في سورة الإسراء: ﴿وَقَالُواْ أَئِذَا كُنَّا عِظَاماً وَرُفَاتاً أَإِنَّا لَمَبْعُوثُونَ خَلْقاً جَدِيداً قُل كُونُواْ حِجَارَةً أَوْ حَدِيداً أَوْ خَلْقاً مِّمَّا يَكْبُرُ فِي صُدُورِكُمْ فَسَيَقُولُونَ مَن يُعِيدُنَا قُلِ الَّذِي فَطَرَكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ فَسَيُنْغِضُونَ إِلَيْكَ رُؤُوسَهُمْ وَيَقُولُونَ مَتَى هُوَ قُلْ عَسَى أَن يَكُونَ قَرِيباً يَوْمَ يَدْعُوكُمْ فَتَسْتَجِيبُونَ بِحَمْدِهِ وَتَظُنُّونَ إِن لَّبِثْتُمْ إِلاَّ قَلِيلاً﴾ الإسراء ٤٩-٥٢، وقال – جل شأنه – في سورة مريم: ﴿وَيَقُولُ الْإِنسَانُ أَئِذَا مَا مِتُّ لَسَوْفَ أُخْرَجُ حَيّاً أَوَلَا يَذْكُرُ الْإِنسَانُ أَنَّا خَلَقْنَاهُ مِن قَبْلُ وَلَمْ يَكُ شَيْئاً﴾ مريم ٦٦-٦٧ ليستدل بالابتداء على الإعادة، كما قال ربنا ج ﷻ – في سورة الروم: ﴿وَهُوَ الَّذِي يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ وَلَهُ الْمَثَلُ الْأَعْلَى فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ الروم٢٧، فمن قدر على البدء قادر على الإعادة بلا شك كما قال ربنا – جل وعلا – في سورة ق: ﴿أَفَعَيِينَا بِالْخَلْقِ الْأَوَّلِ بَلْ هُمْ فِي لَبْسٍ مِّنْ خَلْقٍ جَدِيدٍ﴾ ق١٥،وقال – – في سورة الأعراف: ﴿كَمَا بَدَأَكُمْ تَعُودُونَ﴾ الأعراف٢٩، وقال – جل وعلا – في سورة الأنبياء: ﴿يَوْمَ نَطْوِي السَّمَاء كَطَيِّ السِّجِلِّ لِلْكُتُبِ كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقٍ نُّعِيدُهُ وَعْداً عَلَيْنَا إِنَّا كُنَّا فَاعِلِينَ﴾ الأنبياء١٠٤، فليتأمل الإنسان حاله في بدايته ليعم أن الله قادر على إعادته قال الله – جل وعلا – في سورة الواقعة: ﴿نَحْنُ خَلَقْنَاكُمْ فَلَوْلَا تُصَدِّقُونَ أَفَرَأَيْتُم مَّا تُمْنُونَ

стр. 488

أَأَنتُمْ تَخْلُقُونَهُ أَمْ نَحْنُ الْخَالِقُونَ نَحْنُ قَدَّرْنَا بَيْنَكُمُ الْمَوْتَ وَمَا نَحْنُ بِمَسْبُوقِينَ عَلَى أَن نُّبَدِّلَ أَمْثَالَكُمْ وَنُنشِئَكُمْ فِي مَا لَا تَعْلَمُونَ وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ النَّشْأَةَ الْأُولَى فَلَوْلَا تَذكَّرُونَ﴾ الواقعة ٥٧-٦٢، وقال – جل وعلا – في سورة الطارق: ﴿خُلِقَ مِن مَّاء دَافِقٍ يَخْرُجُ مِن بَيْنِ الصُّلْبِ وَالتَّرَائِبِ إِنَّهُ عَلَى رَجْعِهِ لَقَادِرٌ﴾ الطارق ٥-٨، وقال – ﷻ – في سورة عبس: ﴿قُتِلَ الْإِنسَانُ مَا أَكْفَرَهُ مِنْ أَيِّ شَيْءٍ خَلَقَهُ مِن نُّطْفَةٍ خَلَقَهُ فَقَدَّرَهُ ثُمَّ السَّبِيلَ يَسَّرَهُ ثُمَّ أَمَاتَهُ فَأَقْبَرَهُ ثُمَّ إِذَا شَاء أَنشَرَهُ﴾ عبس ١٧-٢٢، وقال – جل وعلا – في سورة القيامة: ﴿أَيَحْسَبُ الْإِنسَانُ أَن يُتْرَكَ سُدًى أَلَمْ يَكُ نُطْفَةً مِّن مَّنِيٍّ يُمْنَى ثُمَّ كَانَ عَلَقَةً فَخَلَقَ فَسَوَّى فَجَعَلَ مِنْهُ الزَّوْجَيْنِ الذَّكَرَ وَالْأُنثَى أَلَيْسَ ذَلِكَ بِقَادِرٍ عَلَى أَن يُحْيِيَ الْمَوْتَى﴾ القيامة ٣٦-٤٠، بلى إنه على كل شيء قدير (١) .

стр. 489

.. وثبت في المسند وسنن ابن ماجه بإسناد صحيح عن بشر بن جحاش القرشي – رضي الله تعالى عنه – قال: بزق النبي – ﷺ – يوماً في كفه، ثم وضع أصبعه السبابة، وقال: "يقول الله – –: أنى تعجزني، ابن آدم وقد خلقتك من مثل هذه، حتى إذا سويتك وعدلتك مشيت بين بردين وللأرض منك وئيد، فجمعت ومنعت حتى إذا بلغت التراقي قلت: أتصدق، وأنى أوان الصدقة (١) ". البرهان الثالث: "هُوَ الَّذِي أَنزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً لَّكُم مِّنْهُ شَرَابٌ وَمِنْهُ شَجَرٌ فِيهِ تُسِيمُونَ يُنبِتُ لَكُم بِهِ الزَّرْعَ وَالزَّيْتُونَ وَالنَّخِيلَ وَالأَعْنَابَ وَمِن كُلِّ الثَّمَرَاتِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ":

стр. 490

ووجه الدلالة من ذلك: أن من قدر على إحياء الأرض بعد موتها قادر على إحياء الموتى وبعثها، كما قال ربنا – ﷻ – في سورة الأعراف: ﴿وَهُوَ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّيَاحَ بُشْراً بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ حَتَّى إِذَا أَقَلَّتْ سَحَاباً ثِقَالاً سُقْنَاهُ لِبَلَدٍ مَّيِّتٍ فَأَنزَلْنَا بِهِ الْمَاء فَأَخْرَجْنَا بِهِ مِن كُلِّ الثَّمَرَاتِ كَذَلِكَ نُخْرِجُ الْموْتَى لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾ الأعراف٥٧، وقال – – في سورة مريم: ﴿يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَيُحْيِي الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَكَذَلِكَ تُخْرَجُونَ﴾ الروم١٩، وقال – جل وعلا – في سورة ق: ﴿وَنَزَّلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً مُّبَارَكاً فَأَنبَتْنَا بِهِ جَنَّاتٍ وَحَبَّ الْحَصِيدِ رِزْقاً لِّلْعِبَادِ وَأَحْيَيْنَا بِهِ بَلْدَةً مَّيْتاً كَذَلِكَ الْخُرُوجُ﴾ ق٩-١١، وقال – جل وعز – في سورة حم فصلت: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنَّكَ تَرَى الْأَرْضَ خَاشِعَةً فَإِذَا أَنزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاء اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ إِنَّ الَّذِي أَحْيَاهَا لَمُحْيِي الْمَوْتَى إِنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ فصلت٣٩، وفي المسند عن أبي رزين العقيلي – رضي الله تعالى عنه – قال: أتيت رسول الله – ﷺ – فقلت: يا رسول الله، كيف يحيي الله الموتى؟ قال: "أما مررت بأرض من أرضك مجدبة، ثم مررت بها مخصبة؟ قال: نعم، قال: كذلك النشور (١)

стр. 491

". والبراهين الثلاثة المتقدمة كما تضمنتها أوائل سورة النحل، جمعها ربنا – جل وعلا – في آيات أخرى ففي سورة البقرة: (٢١-٢٢) يقول ربنا – جل ثناؤه –: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُواْ رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الأَرْضَ فِرَاشاً وَالسَّمَاء بِنَاء وَأَنزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقاً لَّكُمْ فَلاَ تَجْعَلُواْ لِلّهِ أَندَاداً وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ البقرة٢١-٢٢ فقوله: " الَّذِي خَلَقَكُمْ " إشارة للبرهان الثاني، وهو: قياس الإعادة على البدء، وقوله: " جَعَلَ لَكُمُ الأَرْضَ فِرَاشاً وَالسَّمَاء بِنَاء " إشارة إلى البرهان الأول، وهو قياس الإعادة على خلق السموات والأرض، وهما أعظم من إعادة الإنسان وأكبر، وقوله: " فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقاً لَّكُمْ " إشارة إلى البرهان الثالث، وهو قياس بعث الأموات على إحياء الأرض بالنبات.

стр. 492

وجمع الله الكريم، تلك البراهين، في آخر سورة يس فقال – ﷻ –: ﴿وَضَرَبَ لَنَا مَثَلاً وَنَسِيَ خَلْقَهُ قَالَ مَنْ يُحْيِي الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ الَّذِي جَعَلَ لَكُم مِّنَ الشَّجَرِ الْأَخْضَرِ نَاراً فَإِذَا أَنتُم مِّنْهُ تُوقِدُونَ إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئاً أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ فَسُبْحَانَ الَّذِي بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (١) ﴾

стр. 493

يس٧٨-٨٣. اختصاص الله – – بالملك (١) :

стр. 494

.. إذا كان ربنا الجليل منفرداً بالخلق، فهو خالق كل شيء، وهو على كل شيء قدير، فإن ذلك يستلزم ملكه لمخلوقاته، فهو المالك الحقيقي، ومن عداه لا يملك شيئاً، إنما هو مخول فيما عنده، ومستخلف فيما لديه، وما نفس ابن آدم إلا أمانة، وما ملكه إلا عارية، والأمانة مؤداة والعارية مردودة، وهذا الأمر ظاهر للعيان، وبه صرحت آيات القرآن، قال ربنا الرحمن – جل وعلا – في آخر سورة يس: ﴿فَسُبْحَانَ الَّذِي بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ والملكوت بمعنى الملك زيدت فيه الواو والتاء للمبالغة (١) ، فملك كل شيء بيده، ومفاتيح خزائن السموات والأرض في قبضته، قال – جل وعلا – في سورة الزمر: ﴿لَهُ مَقَالِيدُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِ اللَّهِ أُوْلَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ﴾ الزمر٦٣، وقد تقدم كتابة بعض الآيات الدالة على ملك رب الأرض والسموات للظرف والمظروفات. ... وتقريراً لتلك الحقيقة الحقة أخبرت آيات القرآن أن ما يملكه الإنسان فهو مخول له من جانب الرحمن – جل وعلا – ففي سورة الزمر: ﴿وَإِذَا مَسَّ الْإِنسَانَ ضُرٌّ دَعَا رَبَّهُ مُنِيباً إِلَيْهِ ثُمَّ إِذَا خَوَّلَهُ نِعْمَةً مِّنْهُ نَسِيَ مَا كَانَ يَدْعُو إِلَيْهِ مِن قَبْلُ وَجَعَلَ لِلَّهِ أَندَاداً لِّيُضِلَّ عَن سَبِيلِهِ قُلْ تَمَتَّعْ بِكُفْرِكَ قَلِيلاً إِنَّكَ مِنْ أَصْحَابِ النَّارِ﴾ الزمر٨، وفي سورة الأنعام: ﴿وَلَقَدْ جِئْتُمُونَا فُرَادَى كَمَا خَلَقْنَاكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَتَرَكْتُم مَّا خَوَّلْنَاكُمْ وَرَاء ظُهُورِكُمْ وَمَا نَرَى مَعَكُمْ شُفَعَاءكُمُ الَّذِينَ زَعَمْتُمْ أَنَّهُمْ فِيكُمْ شُرَكَاء لَقَد تَّقَطَّعَ بَيْنَكُمْ وَضَلَّ عَنكُم مَّا كُنتُمْ تَزْعُمُونَ﴾ الأنعام٩٤.

стр. 495

.. ولعل أمر الله – جل وعز – الأغنياء، أخبر أنه يطلب منهم الإنفاق مما رزقهم، وعليه استخلفهم فقال – جل وعلا – في سورة الحديد: ﴿آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَأَنفِقُوا مِمَّا جَعَلَكُم مُّسْتَخْلَفِينَ فِيهِ فَالَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَأَنفَقُوا لَهُمْ أَجْرٌ كَبِيرٌ﴾ الحديد٧، وقال – ﷻ – في سورة البقرة: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ أَنفِقُواْ مِمَّا رَزَقْنَاكُم مِّن قَبْلِ أَن يَأْتِيَ يَوْمٌ لاَّ بَيْعٌ فِيهِ وَلاَ خُلَّةٌ وَلاَ شَفَاعَةٌ وَالْكَافِرُونَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ البقرة٢٥٤. ... فكل ما بالعباد من نعم، فهو من ربهم واسع الجود والكرم، قال الله – ﵎ –: ﴿وَمَا بِكُم مِّن نِّعْمَةٍ فَمِنَ اللهِ ثُمَّ إِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فَإِلَيْهِ تَجْأَرُونَ﴾ النحل٥٣، والمخلوقات بأسرها محتاجة إلى ربها في جميع حركاتها وسكناتها، قال الله – ﷻ –: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَنتُمُ الْفُقَرَاء إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ﴾ فاطر١٥، وقد تقدمت أبيات لطيفة رقيقة تبين الصلة بين المخلوقات وفاطرها على وجه الحقيقة، لشيخ الإسلام ابن تميمة – عليه رحمة رب البرية –، فلا تغيبن عن ذهنك يا صاحب الهمة العلية. ومنها: أنا الفقيرُ إلى ربِ البريّاتِ ... أنا المسكينُ في مجموع حالاتي ولستُ أملِكُ شيئاً دونه أبدا ... ولا شريك أنا في بعض ذرّاتي والفقرُ لي وصتفُ ذات ٍ لازم أبدا ... كما الغِنى أبداً وصف له ذاتي وهذه الحالُ حالُ الخلق أجمعهم ... وكلهم عنده عبدٌ له يأتي فمن بَغى مَطلَباً من غير خالقه ... فهو الجهولُ الظلومُ المشركُ العاتي
следующие страницы →