← Джавами‘

Джавами‘ · id 21782

خطب ودروس الشيخ عبد الرحيم الطحان

عبد الرحيم الطحان

Полный текст (6 674 стр.). Показаны 491–530 · переход к 496.

стр. 491

". والبراهين الثلاثة المتقدمة كما تضمنتها أوائل سورة النحل، جمعها ربنا – جل وعلا – في آيات أخرى ففي سورة البقرة: (٢١-٢٢) يقول ربنا – جل ثناؤه –: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُواْ رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الأَرْضَ فِرَاشاً وَالسَّمَاء بِنَاء وَأَنزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقاً لَّكُمْ فَلاَ تَجْعَلُواْ لِلّهِ أَندَاداً وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ البقرة٢١-٢٢ فقوله: " الَّذِي خَلَقَكُمْ " إشارة للبرهان الثاني، وهو: قياس الإعادة على البدء، وقوله: " جَعَلَ لَكُمُ الأَرْضَ فِرَاشاً وَالسَّمَاء بِنَاء " إشارة إلى البرهان الأول، وهو قياس الإعادة على خلق السموات والأرض، وهما أعظم من إعادة الإنسان وأكبر، وقوله: " فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقاً لَّكُمْ " إشارة إلى البرهان الثالث، وهو قياس بعث الأموات على إحياء الأرض بالنبات.

стр. 492

وجمع الله الكريم، تلك البراهين، في آخر سورة يس فقال – ﷻ –: ﴿وَضَرَبَ لَنَا مَثَلاً وَنَسِيَ خَلْقَهُ قَالَ مَنْ يُحْيِي الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ الَّذِي جَعَلَ لَكُم مِّنَ الشَّجَرِ الْأَخْضَرِ نَاراً فَإِذَا أَنتُم مِّنْهُ تُوقِدُونَ إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئاً أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ فَسُبْحَانَ الَّذِي بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (١) ﴾

стр. 493

يس٧٨-٨٣. اختصاص الله – – بالملك (١) :

стр. 494

.. إذا كان ربنا الجليل منفرداً بالخلق، فهو خالق كل شيء، وهو على كل شيء قدير، فإن ذلك يستلزم ملكه لمخلوقاته، فهو المالك الحقيقي، ومن عداه لا يملك شيئاً، إنما هو مخول فيما عنده، ومستخلف فيما لديه، وما نفس ابن آدم إلا أمانة، وما ملكه إلا عارية، والأمانة مؤداة والعارية مردودة، وهذا الأمر ظاهر للعيان، وبه صرحت آيات القرآن، قال ربنا الرحمن – جل وعلا – في آخر سورة يس: ﴿فَسُبْحَانَ الَّذِي بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ والملكوت بمعنى الملك زيدت فيه الواو والتاء للمبالغة (١) ، فملك كل شيء بيده، ومفاتيح خزائن السموات والأرض في قبضته، قال – جل وعلا – في سورة الزمر: ﴿لَهُ مَقَالِيدُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِ اللَّهِ أُوْلَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ﴾ الزمر٦٣، وقد تقدم كتابة بعض الآيات الدالة على ملك رب الأرض والسموات للظرف والمظروفات. ... وتقريراً لتلك الحقيقة الحقة أخبرت آيات القرآن أن ما يملكه الإنسان فهو مخول له من جانب الرحمن – جل وعلا – ففي سورة الزمر: ﴿وَإِذَا مَسَّ الْإِنسَانَ ضُرٌّ دَعَا رَبَّهُ مُنِيباً إِلَيْهِ ثُمَّ إِذَا خَوَّلَهُ نِعْمَةً مِّنْهُ نَسِيَ مَا كَانَ يَدْعُو إِلَيْهِ مِن قَبْلُ وَجَعَلَ لِلَّهِ أَندَاداً لِّيُضِلَّ عَن سَبِيلِهِ قُلْ تَمَتَّعْ بِكُفْرِكَ قَلِيلاً إِنَّكَ مِنْ أَصْحَابِ النَّارِ﴾ الزمر٨، وفي سورة الأنعام: ﴿وَلَقَدْ جِئْتُمُونَا فُرَادَى كَمَا خَلَقْنَاكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَتَرَكْتُم مَّا خَوَّلْنَاكُمْ وَرَاء ظُهُورِكُمْ وَمَا نَرَى مَعَكُمْ شُفَعَاءكُمُ الَّذِينَ زَعَمْتُمْ أَنَّهُمْ فِيكُمْ شُرَكَاء لَقَد تَّقَطَّعَ بَيْنَكُمْ وَضَلَّ عَنكُم مَّا كُنتُمْ تَزْعُمُونَ﴾ الأنعام٩٤.

стр. 495

.. ولعل أمر الله – جل وعز – الأغنياء، أخبر أنه يطلب منهم الإنفاق مما رزقهم، وعليه استخلفهم فقال – جل وعلا – في سورة الحديد: ﴿آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَأَنفِقُوا مِمَّا جَعَلَكُم مُّسْتَخْلَفِينَ فِيهِ فَالَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَأَنفَقُوا لَهُمْ أَجْرٌ كَبِيرٌ﴾ الحديد٧، وقال – ﷻ – في سورة البقرة: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ أَنفِقُواْ مِمَّا رَزَقْنَاكُم مِّن قَبْلِ أَن يَأْتِيَ يَوْمٌ لاَّ بَيْعٌ فِيهِ وَلاَ خُلَّةٌ وَلاَ شَفَاعَةٌ وَالْكَافِرُونَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ البقرة٢٥٤. ... فكل ما بالعباد من نعم، فهو من ربهم واسع الجود والكرم، قال الله – ﵎ –: ﴿وَمَا بِكُم مِّن نِّعْمَةٍ فَمِنَ اللهِ ثُمَّ إِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فَإِلَيْهِ تَجْأَرُونَ﴾ النحل٥٣، والمخلوقات بأسرها محتاجة إلى ربها في جميع حركاتها وسكناتها، قال الله – ﷻ –: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَنتُمُ الْفُقَرَاء إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ﴾ فاطر١٥، وقد تقدمت أبيات لطيفة رقيقة تبين الصلة بين المخلوقات وفاطرها على وجه الحقيقة، لشيخ الإسلام ابن تميمة – عليه رحمة رب البرية –، فلا تغيبن عن ذهنك يا صاحب الهمة العلية. ومنها: أنا الفقيرُ إلى ربِ البريّاتِ ... أنا المسكينُ في مجموع حالاتي ولستُ أملِكُ شيئاً دونه أبدا ... ولا شريك أنا في بعض ذرّاتي والفقرُ لي وصتفُ ذات ٍ لازم أبدا ... كما الغِنى أبداً وصف له ذاتي وهذه الحالُ حالُ الخلق أجمعهم ... وكلهم عنده عبدٌ له يأتي فمن بَغى مَطلَباً من غير خالقه ... فهو الجهولُ الظلومُ المشركُ العاتي

стр. 496

.. وقد أخبر ربنا – جل وعز – عن حقيقة ما سواه بهذه الآية الموجزة المعجزة في سورة سبأ فقال – حل جلاله –: ﴿قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُم مِّن دُونِ اللَّهِ لَا يَمْلِكُونَ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ وَمَا لَهُمْ فِيهِمَا مِن شِرْكٍ وَمَا لَهُ مِنْهُم مِّن ظَهِيرٍ﴾ سبأ٢٢. استقلال الله بالتدبير ن فلا ظهير له ولا وزير: ... وهذا الأمر نتيجة لما سبق، لأن المخلوقات لا يتصرف فيها إلا خالقها، ولا يدبر أمرها إلا مالكها، كما قال الله – جل وعلا – في سورة آل عمران: ﴿قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَن تَشَاء وَتَنزِعُ الْمُلْكَ مِمَّن تَشَاء وَتُعِزُّ مَن تَشَاء وَتُذِلُّ مَن تَشَاء بِيَدِكَ الْخَيْرُ إِنَّكَ عَلَىَ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ آل عمران٢٦ فذكر ربنا – جل وعز – في هذه الآية المباركة معاقد تصرفه في ملكه وتدبيره له، وذلك في خمسة أنواع: النوع الأول: إبقاء الملك ونزعه، وإليه الإشارة بقوله – جل وعلا – " تُؤْتِي الْمُلْكَ مَن تَشَاء وَتَنزِعُ الْمُلْكَ مِمَّن تَشَاء "، وهذا كما قال – ﷻ – في سورة فاطر: ﴿مَا يَفْتَحِ اللَّهُ لِلنَّاسِ مِن رَّحْمَةٍ فَلَا مُمْسِكَ لَهَا وَمَا يُمْسِكْ فَلَا مُرْسِلَ لَهُ مِن بَعْدِهِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ فاطر٢، وقال – – في سورة الأنعام: ﴿وَإِن يَمْسَسْكَ اللهُ بِضُرٍّ فَلاَ كَاشِفَ لَهُ إِلاَّ هُوَ وَإِن يَمْسَسْكَ بِخَيْرٍ فَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدُيرٌ﴾ الأنعام١٧. النوع الثاني:

стр. 497

تأييده لمن يشاء، وخذلانه من شاء، وإليه الإشارة بقوله – جل وعلا –: "َتُعِزُّ مَن تَشَاء وَتُذِلُّ مَن تَشَاء"، ونظير هذا قوله – – في سورة آل عمران: ﴿إِن يَنصُرْكُمُ اللهُ فَلاَ غَالِبَ لَكُمْ وَإِن يَخْذُلْكُمْ فَمَن ذَا الَّذِي يَنصُرُكُم مِّن بَعْدِهِ وَعَلَى اللهِ فَلْيَتَوَكِّلِ الْمُؤْمِنُونَ﴾ آل عمران١٦٠. النوع الثالث: تقليبه الليل والنهار، وإليه الإشارة بقوله – جل وعلا –: "تُولِجُ اللَّيْلَ فِي الْنَّهَارِ وَتُولِجُ النَّهَارَ فِي اللَّيْلِ" وقد جاء هذا المعنى في آيات كثيرة، منها قوله – ﷻ – في سورة النور: ﴿يُقَلِّبُ اللَّهُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَعِبْرَةً لِّأُوْلِي الْأَبْصَارِ﴾ النور٤٤، وأشار ربنا – جل ثناؤه – إلى انفراده بذلك، وما ينتج عنه من عظيم النعمة على عباده، فقال – – في سورة القصص: ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِن جَعَلَ اللَّهُ عَلَيْكُمُ اللَّيْلَ سَرْمَداً إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَنْ إِلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُم بِضِيَاء أَفَلَا تَسْمَعُونَ قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِن جَعَلَ اللَّهُ عَلَيْكُمُ النَّهَارَ سَرْمَداً إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَنْ إِلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُم بِلَيْلٍ تَسْكُنُونَ فِيهِ أَفَلَا تُبْصِرُونَ وَمِن رَّحْمَتِهِ جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ وَلِتَبْتَغُوا مِن فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ القصص٧١-٧٣. النوع الرابع: تفرد بالإحياء والإماتة: وإلى ذلك الإشارة بقوله – ﵎ –: "يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيَّتَ مِنَ الْحَيِّ"، ونظير هذا قوله – جل وعلا – في سورة يونس: ﴿هُوَ يُحْيِي وَيُمِيتُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ يونس٥٦. النوع الخامس:

стр. 498

تصريفه الرزق حسبنا يشاء، وإليه الإشارة بقوله – جل وعلا – "وَتَرْزُقُ مَن تَشَاء بِغَيْرِ حِسَابٍ"، وهذا كقوله – ﵎ – في سورة آل عمران: ﴿كُلَّمَا دَخَلَ عَلَيْهَا زَكَرِيَّا الْمِحْرَابَ وَجَدَ عِندَهَا رِزْقاً قَالَ يَا مَرْيَمُ أَنَّى لَكِ هَذَا قَالَتْ هُوَ مِنْ عِندِ اللهِ إنَّ اللهَ يَرْزُقُ مَن يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ (١) ﴾ آل عمران٣٧.

стр. 499

.. وصفوة المقال: إن الله فعال لما يريد، ولا يملك ذلك أحد من العبيد، بل مشيئتهم تابعة لمشيئة الرب المجيد، وهذا شاهد للعيان، وقررته آيات الرحمن ففي سورة البقرة يقول ربنا – جل وعلا - ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِي حَآجَّ إِبْرَاهِيمَ فِي رِبِّهِ أَنْ آتَاهُ اللهُ الْمُلْكَ إِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ قَالَ أَنَا أُحْيِي وَأُمِيتُ قَالَ إِبْرَاهِيمُ فَإِنَّ اللهَ يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنَ الْمَشْرِقِ فَأْتِ بِهَا مِنَ الْمَغْرِبِ فَبُهِتَ الَّذِي كَفَرَ وَاللهُ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾ البقرة٢٥٨، وقال – ﷻ – في سورة آل عمران: ﴿إِنَّ اللهَ لاَ يَخْفَىَ عَلَيْهِ شَيْءٌ فِي الأَرْضِ وَلاَ فِي السَّمَاء هُوَ الَّذِي يُصَوِّرُكُمْ فِي الأَرْحَامِ كَيْفَ يَشَاءُ لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ آل عمران ٥-٦، وقد أتى أمر الله خليله وصفوة خلقه نبينا محمداً – ﷺ – أن يخبر عن حقيقة شأنه في أنه ليس له من الأمر شيء، ولا يملك لنفسه – فضلا ً عن غيره، شراً ولا نفعاً، فقال – جل وعلا – في سورة الأعراف: ﴿قُل لاَّ أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعاً وَلاَ ضَرّاً إِلاَّ مَا شَاء اللهُ وَلَوْ كُنتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ لاَسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيْرِ وَمَا مَسَّنِيَ السُّوءُ إِنْ أَنَاْ إِلاَّ نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ الأعراف١٨٨، وقال – جل وعز – في سورة الجن: ﴿قُلْ إِنِّي لَا أَمْلِكُ لَكُمْ ضَرّاً وَلَا رَشَداً﴾ الجن٢١ فمشيئة من عداه تابعة لمشيئته، وما شاء الله كان، وما لم يشأ لم يكن (١) ، كما قال الله – جل وعلا – في سورة الإنسان: ﴿وَمَا تَشَاؤُونَ إِلَّا أَن يَشَاءَ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيماً حَكِيماً﴾ الإنسان٣٠.

стр. 500

قال الإمام الشافعي – ونعم ما قال فعليه رحمة ربنا الكبير المتعال –: شِئتَ كلن وإنْ لم أشأ ... وما شِئتُ إنْ لم تشأ لم يكن خَلَقْتَ العبادَ على ما عًلِمتَ ... في العلم يَجْري الفتى والمُسِنّ على ذا مَننتَ وهذا خّذلْتَ ... وهذا أعنتَ وذا لم تُعِنْ فمنهم شقيّ ومنهم سعيدٌ ... ومنهم قبيحٌ ومنهم حسن (١) * أثر معرفة المكلفين بكون ما في السموات والأرض لله رب العالمين: ... ينبغي أن تترك معرفة ذلك في نفس المكلف أثرين عظيمين، ليحظى بسعادة الدارين هما:

стр. 501

أ) ثقة المكلف بالله – جل وعلا – فيرضى بقضائه، ويقنع بقسمه، ولا يتهم الله في فعله، وتصرفه في ملكه، وقد كان لسلفنا الصالح في ذلك أوفر نصيب، فعاشوا حياة طيبة، وما لهم في الآخرة خير وأطيب، وثبت في الصحيحين والمسند عن أنس بن مالك – رضي الله تعالى عنه – قال: مات ابنٌ لأبي طلحة من أم سليم، فقالت لأهلها: لا تحدثوا أبا طلحة بابنه حتى أكون أنا أحدثه، قال: فجاء فقربت إليه عشاء، فأكل وشرب، فقال: ثم تصنعت له أحسن ما كان تصنع قبل ذلك، فوقع بها، فلما رأت أنه قد شبع، وأصاب منها، قالت: يا أبا طلحة أرأيت لو أن قوماً أعاروا عاريتهم أهل بيت، فطلبوا عاريتهم، ألهم أن يمنعوهم؟ قال: لا، قالت: فاحتسب ابنك، قال: فغضب أبو طلحة، وقال: تركتني حتى تلطخت، ثم أخبرتني بابني فانطلق حتى أتى رسول الله – ﷺ – فأخبره بما كان، فقال رسول الله – ﷺ : "بارك اله لكما في غاير ليلتكما" قال: فحملت، قال: فكان رسول الله – ﷺ – في سفر وهي معه، وكان رسول الله – ﷺ – إذا أتى المدينة من سفر لا يطرقها طروقاً (١) ،

стр. 502

فدنوا من المدينة، فضربها المخاض، فاحتبس عليها أو طلحة وانطلق إلى رسول الله – ﷺ – قال: يقول أبو طلحة، إنك لتعلم يا رب إنه يعجبني أن أخرج مع رسول الله، وأدخل معه إذا دخل، وقد احتبست بما ترى، قال: تقول أم سليم: يا أبا طلحة ما أجد الذي كنت أجد، انطلق، فانطلقا، قال: وضربها المخاض حين قدما، فولدت غلاماً، فقالت لي أمي: يا أنس، لا يرضعه أحد حتى تغدو به على رسول الله – ﷺ – فلما أصبح احتملته، فانطلقت به إلى رسول الله – ﷺ – قال: فصادفته ومعه ميسم – وهو الحديدة التي تحمي بالنار، وتوسم بها الدواب – فلما رآني قال: "لعل أن سليم ولدت" قلت: نعم، فوضع الميسم، قال: وجئت به فوضعته في حجره، ودعا له رسول الله – ﷺ – بعجوة من عجوة المدينة، فلاكها في فيه حتى ذابت، ثم قذفها في فيّ الصبي، فجعل الصبي يتلمظها، فقال رسول الله – ﷺ –: "انظروا إلى حب الأنصار التمر" قال فمسح وجهه وسماه: عبد الله.

стр. 503

.. هذا لفظ رواية صحيح مسلم والمسند، وفي لفظ للإمام أحمد عن أنس بن مالك – رضي الله تعالى عنهم أجمعين – قال: تزوج أبو طلحة أم سليم – وهي أن أنس والبراء – رضي الله تعالى عنهم أجمعين – قال: فولدت له بنياً، قال: فكان يحبه حباً شديداً، قال: فمرض الغلام مرضاً شديداً فكان أبو طلحة يقوم صلاة الغداة يتوضأ، ويأتي النبي – ﷺ – فيصلى معه، ويكون معه إلى قريب من نصف النهار، ويجيئ يقيل ويأكل، فإذا صلى الظهر تهيأ وذهب فلم يجيء إلى صلاة العتمة، قال: فزاح عشية، ومات الصبي، قال: وجاء أبو طلحة، قال: نسجت عليه ثوباً وتركته، قال: فقال لها أبو طلحة: يا أم سليم كيف بياض بني الليلة؟ قالت: يا أبو طلحة ما كان ابنك منذ اشتكى أسكن منه الليلة، قال: ثم جاءته بالطعام فأكل، وطابت نفسه، قال: فقام إلى فراشه، فوضع رأسه، قالت: وقمت أنا فمسست شيئاً من طيب، ثم جئت حتى دخلت معه الفراش فما هو إلا أوجد ريح الطيب كان منه ما يكون من الرجل إلى أهله، قال: ثم أصبح أبو طلحة يتهيأ كما كان يتهيأ كل يوم، قال: فقالت له: يا أبا طلحة، أرأيت لو أن رجلا ً استودعك وديعة فاستمتعت بها ثم ثم طلبها، فأخذها منك تجزع من ذلك؟ قال: لا، قالت: فإن ابنك قد مات، قال أنس: فجزع عليه جزعاً شديداً، وحدث رسول الله – ﷺ – بما كان من أمرها في الطعام والطيب، وما كان منه إليها، قال: فقال رسول الله – ﷺ –: "فبتما عروسين وهو إلى جنبكما؟ " قال: نعم يا رسول الله – ﷺ –، فقال رسول الله – ﷺ – "بارك الله لكما في ليلتكما" قال: فحملت أم سليم تلك الليلة، قال: فتلد غلاماً، قال: فحين أصبحنا قال لي أبو طلحة: احمله في خرقة حتى تأتي به رسول الله – ﷺ –، واحمل معك تمر عجوة، قال: فحملته في خرقة، قال: ولم يحنك، ولم يذق طعاماً، ولا شيئاً قال: فقلت: يا رسول الله – صلى الله عليه

стр. 504

وسلم – ولدت أم سليم، قال: "الله أكبر، ما ولدت؟ " قلت: غلاماً، قال: "الحمد لله" فقال: "هاته إليّ" فدفعته إليه، فحنكه رسول الله – ﷺ – ثم قال له: "معك تمر عجوة؟ " قلت: نعم، فأخرجت تمرات، فأخذ رسول الله – ﷺ – تمرة وألقاها في فيه، فما زال رسول الله – ﷺ – يلوكها حتى اختلطت بريقه، ثم دفع الصبي، فما هو إلا أن وجد الصبي حلاة التمر يمص بعض حلاة التمر، وريق رسول الله – ﷺ – فكان أولمن فتح أمعاء ذلك الصبي على ريق رسول الله – ﷺ –، فقال رسول الله – ﷺ –: "حبّ الأنصار التمر" فسمي عبد الله بن أبي طلحة، قال: فخرج منه رجل كثير، قال واستشهد بفارس، وفي المسند: فما كان في الأنصار شاب أفضل منه وقد ورد في البخاري عن رجل من الأنصار – رضي الله تعالى عنهم أجمعين – أنه رأى تسعة أولاد من ولد عبد الله كلهم قد قرأ القرآن – رضي الله تعالى عنهم أجمعين –.

стр. 505

.. واعلم أن تغيظ أبي طلحة، وغضبه – رضي الله تعالى عنه – كان بعد استرجاعه كما في رواية في المسند أن أم سليم قالت: يا أبا طلحة إن آل فلان استعاروا من آل فلان عارية، فبعثوا إليهم ابعثوا إلينا بعاريتنا، فأبو أن يردوها، فقال: أو طلحة: ليس لهم ذلك، إن العارية مؤداة إلى أهلها، قالت: فإن ابنك كان عارية من الله – – وإن الله قد قبضه، فاسترجع (١) وما كان من أبي طلحة – رضي الله تعالى عنه – من تغيظ وغضب إنما كان بسبب تأخير أعلامها بموت ولده، حتى جرى منه ما جرى، ولم يكن ذلك التغيظ تسخطاً على المقدور، وتبرماً من فعل من بيده مقاليد الأمور، فاعلم هذا والله يتولى هدانا جميعاً، فهو الهادي لا إله غيره، ولا رب سواه. فانظر – رعاك الله الكريم – إلى ذلك العقل الراجح العظيم، والنظر السديد القويم، من تلك المرأة من سلفنا الصالحين، عندما أيقنت أن لله ما في السموات وما في الأرض، فلله أعطى، وله ما أخذ، وكل شيء عنده بمقدار، كيف دعاها ذلك الإيمان للسكينة والاطمئنان، وانشراح الصدر بقضاء الرحمن، ولله در من قال: وما المالُ والأهلون غلا وَدَائِعُ ... ولابدّ أنْ تُردّ الوَدَائعُ

стр. 506

وقد تلقى سلفنا الأبرار، تلك المعاني العالية من هدي نبينا المختار – ﷺ – فهو أسوتهم في تلك الفعال، ثبت في الصحيحين، وغيرهما عن أسامة بن زيد – رضي الله تعالى عنهما – قال: كنا عند النبي – ﷺ – فأرسلت إحدى بناته تدعوه، وتخبره أن صبياً لها أو ابناً لها في الموت، فقال الرسول: "ارجع إليها، فأخبرها: أن لله ما أخذ، وله ما أعطى، وكل شيء عنده بأجل مسمى، فمرها فلتصبر ولتحتسب" فعاد الرسول، فقال: إنها قد أقسمت لتأتينها، قال: فقام النبي – ﷺ – وقام معه سعد بن عبادة، ومعاذ بن جبل وانطلقت معهم، فرفع إليه الصبي، ونفسه تقعقع كأنها في شنة (١)

стр. 507

ففاضت عيناه، فقال له سعد: ما هذا يا رسول الله – ﷺ –؟ قال: "هذه رحمة، جعلها الله في قلوب عباده، وإنما يرحم الله من عباده الرحماء (١) " نسأل الله أن يمن علينا بكمال المتابعة لنبينا الميمون – ﷺ – في كل حركة وسكون، إنه حي قيوم.

стр. 508

وكما حصل للمكلف الرضا بقضاء الله – جل وعلا – من أثر معرفته بأن ما في السموات والأرض لله – ﷻ – فانشرح صدره، وقرت عينه، واطمأن قلبه، فسيحصل له القناعة أيضاً وهي الغنى الحقيقي، والعز اليقيني، لأن ما قدره مالك السموات والأرض سيأتيه، فلا حاجة للتعب والنصب فيه وفي المستدرك بإسناد صحيح عن جابر بن عبد الله – رضي الله تعالى عنهما – قال: قال رسول الله – ﷺ –: "إن أحدكم لن يموت حتى يستكمل رزقه، فلا تستبطئوا الرزق، واتقوا الله أيها الناس، وأجملوا في الطلب، خذوا ما حل، ودعوا ما حرم"، وفي معجم الطبراني الكبير عن أبي أمامة – رضي الله تعالى عنه – أن رسول الله – ﷺ – قال: "نفث روح القدس في روعي أن نفساً لن تخرج من الدنيا حتى تستكمل أجلها، وتستوعب رزقها، فأجملوا في الطلب ولا يحملنكم استبطاء الرزق أن تحصلوه بمعصية الله، فإن الله لا ينال ما عنده إلا بطاعته"، وفي الحلية ومسند البزار ومعجم الطبراني الكبير عن أبي الدرداء – رضي الله تعالى عنه – قال: قال رسول الله – ﷺ –: "إن الرزق ليطلب العبد كما يطلبه أجله"ولفظ الطبراني: "أكثر مما يطلبه أجله (١)

стр. 509

". ورسوخ تلك المعاني في قلب العبد الفاني سعادة ليس بعدها سعادة، كما ثبت في الصحيحين وغيرهما عن أبي هريرة – رضي الله تعالى عنه – عن النبي – ﷺ – قال: "ليس الغني من كثرة العرض، ولكن الغنى غنى النفس (١)

стр. 510

" وفي سنن الترمذي وغيره بإسناد صحيح عن فضالة بن عبيد – رضي الله تعالى عنه – أنه سمع رسول الله – ﷺ – يقول: "طوبى لمن هُدي إلى الإسلام وكان عيشه كفافاً وقنع (١)

стр. 511

". قال الإمام السفاريني – عليه رحمة الله تعالى – ومن كلام شيخ الإسلام ابن تيمية – طيب الله ثراه، ورضي عنه –: وَجَدْتُ القناعة َ ثوبَ الغِنى ... فَصِريُ بأذيالها أمْتَسِمكْ فَلْبسني جاهُها حُلة ... يَمُرُّ الزمأأانُ ولم تُنْتَهِكْ فَصِرْتُ غنياً بلا دَرْهم ٍ ... أمُرُّ عزيزاً كأني مَلِكْ وسئل الإمام بشر الحافي – عليه رحمة الله تعالى – عن القناعة، فقال: لو لم يكن فيها إلا التمتع بعز الغنى لكان ذلك يجزي، ثم أنشد: أفادَتنا القناعةُ أيَّ عزّ ... ولا عِزَّ أعزُّ من القناعة فخذ ْ منها لنفسك رأسَ مال ٍ ... وصَيّرْ بعدها التقوى بضاعة تَحُزْ حالتين: تُغْنَى عن بخيل ٍ ... وتَسْعَدُ في الجِنان بِصَبْر ساعة ولبعضهم: هي القناعة فالْزَمْها تَعِش مَلِكاٍ ... لو لم يكن فيها إلا راحة ُ البَدّن ِ وانظرْ لمنْ مَلَك الدنيا بأجْمعها ... هل راح منها سوى بالقُطْن والكَفَنِ (١)

стр. 512

.. نسأل الله الكريم الرضا عنه وعنا، وأن يقنعنا بما قسم لنا، وغلى سواه أن لا يلكنا فهو ولينا وحسبنا. ب) تعليق الأمل بالله، وقطع الرجاء من غيره: فالأمور كلها من الله – جل وعلا – وإليه، ومن عداه ليس بشيء ليده، فهو لا يملك نقيراً ولا قطميراً، قال الله – جل ثناؤه –: " ﴿يُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ وَيُولِجُ النَّهَارَ فِي اللَّيْلِ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي لِأَجَلٍ مُّسَمًّى ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَهُ الْمُلْكُ وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِهِ مَا يَمْلِكُونَ مِن قِطْمِيرٍ إِن تَدْعُوهُمْ لَا يَسْمَعُوا دُعَاءكُمْ وَلَوْ سَمِعُوا مَا اسْتَجَابُوا لَكُمْ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُونَ بِشِرْكِكُمْ وَلَا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَنتُمُ الْفُقَرَاء إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ إِن يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ وَيَأْتِ بِخَلْقٍ جَدِيدٍ وَمَا ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ بِعَزِيزٍ (١) ﴾

стр. 513

فاطر١٣-١٧، وفي سورة يونس: يقول ربنا المعبود: ﴿وَلاَ تَدْعُ مِن دُونِ اللهِ مَا لاَ يَنفَعُكَ وَلاَ يَضُرُّكَ فَإِن فَعَلْتَ فَإِنَّكَ إِذاً مِّنَ الظَّالِمِينَ وَإِن يَمْسَسْكَ اللهُ بِضُرٍّ فَلاَ كَاشِفَ لَهُ إِلاَّ هُوَ وَإِن يُرِدْكَ بِخَيْرٍ فَلاَ رَآدَّ لِفَضْلِهِ يُصَيبُ بِهِ مَن يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَهُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ يونس١٠٦-١٠٧، وتقدم حديث حصين – رضي الله تعالى عنه – وفيه قول النبي – ﷺ – له: "كم تعبد اليوم إلها؟ فقال حصين: سبعة، ستة في الأرض، وواحداً في السماء، فقال النبي – ﷺ –: فأيهم تعد لرغبتم ورهبتك؟ فقال حسين: الذي في السماء، فقال رسول الله – ﷺ –: "فيستجيب لك وحده، وتشكرهم معه؟ " ثم أسلم حصين – رضي الله تعالى عنه – وتقدم – أيضاً – في هذا الكتاب المبارك – حديث الأسود بن سريع – رضي الله تعالى عنه – وفيه: أتى النبي – صلي الله عليه وسلم – بأعرابي أسير، فقال: أتوب إلى الله – – ولا أتوب إلى محمد – ﷺ –: فقال رسول الله – ﷺ –: "عرف الحق لأهله (١) ".

стр. 514

وثبت في المسند وسند الترمذي بإسناد صحيح عن ابن عباس – رضي الله تعالى عنهما – قال: كنت خلف رسول الله – ﷺ – يوماً فقال: "يا غلام أعلمك كلمات: احفظ الله يحفظك، احفظ الله تجده تجاهك، إذا سألت فسأل الله، وإذا استعنت فاستعن بالله، واعلم أن الأمة لو اجتمعت على أن ينفعوك بشيء لم ينفعوك إلا بشيء قد كتبه الله لك، ولو اجتمعوا على أن يضروك بشيء لم يضروك إلا بشيء قد كتبه الله عليك، رفعت الأقلام وجفت الصحف (١)

стр. 515

" وفي سنن الترمذي وغيره بسند صحيح عن عبد الله بن مسعود – رضي الله تعالى عنه – قال: قال رسول الله – ﷺ –: "من نزلت به فاقة فأنزلها بالناس لم تسد فاقته، ومن نزلت به فاقة فأنزلها بالله فيوشك الله له برزق عاجل أو آجل (١)

стр. 516

". وفي الحكم العطائية: لا تتعد نية همتك إلى غيره، فالكريم لا تتخطاه الآمال، لا ترفعن إلى غيره حاجة هو موردها عليك، فكيف يرفع غيره ما كان هو له واضعاً، ومن لا يستطيع أن يرفع حاجة عن نفسه فكيف يستطيع أن يكون لها رافعاً (١) .

стр. 517

وتقدم في هذا الكتاب المبارك أثر وهب بن منبه – عليه رحمة الله تعالى – أنه قرأ في الكتاب الأول أن الله – ﵎ – يقول: "بعزتي من اعتصم بي، فإن كادته السموات بمن فيهن والأرضون بمن فيهن، فإني أجعل له من بين ذلك مخرجاً، ومن لم يعتصم بي فإني أقطع يديه من أسباب السماء، وأخسف به من تحت قدميه الأرض، فأجعله في الهواء، فأكله على نفسه ثم لا أبالي بأي وادٍ هلك (١)

стр. 518

". نسأل الله الكريم المجيد، أن يمن علينا بتحقيق التوحيد، وقطع الأمل من جميع العبيد، إنه فعال لما يريد.

стр. 519

نماذج من توحيد العبادة (توحيد الألوهية) للشيخ الدكتور عبد الرحيم الطحان بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ نماذج من توحيد العبادة "توحيد الألوهية" تقدم الكلام عن بيان أقسام توحيد ذي الجلال والإكرام، أن توحيد العبادة يقوم على ركنين ركنين، ويشيد بناءه على دعامتين متينتين، وهما: إفراد الله - جل وعلا - بالعبادة، وإفراد رسول الله ﷺ بالمتابعة، لتكون عبادته ﷻ بما شرع بالأهواء والبدع إياك أريد، بما تريد، وهذا هو مدلول كلمة التوحيد، لا إله إلا الله، محمد رسول الله ﷺ ، ومن أجله أوجد الله العبيد. وقد تقدم البيان - أيضاً - أن الكلام في هذا النوع من توحيد ربنا الرحمن هو من باب الإنشاء فهو توحيد في القصد والطلب، في الإرادة والعمل، ولذلك ينحصر موقف المكلف نحوه في أمرين لا ثالث لهما، وهما: الامتثال مع الحب، أو الإعراض مع البغض. وكنت أشرت فيما سبق أن أكثر الناس في القديم والحديث، أعرضوا عن هذا النوع من التوحيد وعكفوا على عبادة الطواغيت، ولما كان الأمر كذلك، سأستعرض من توحيد العبادة بعض النماذج ليحذر المهتدي من المهالك، ويفوز برضوان الرب المالك. أولا الخوف والرجاء:

стр. 520

.. لابد لسالك طريق الآخرة من إفراده ربه بخوفه ورجائه، فبذلك تستقيم أفعاله، وتصلح أحواله وتحسين عاقبته ومآله، فيبتعد عن الأمن من مكر الله – جل وعلا – والقنوط من رحمته، إذ لا يقود إلى فعل الفضائل الموصلة إلى النعيم، وترك الرذائل المردية في العذاب الأليم، إلا خوف مالك يوم الدين، ورجاء رحمة الرحمن الرحيم، ومن أجل ذلك كان الخوف والرجاء للإنسان، بمنزلة جناحي طائر الحيوان، قال أبو علي الروذباري – عليه رحمة ربنا الباري –: الخوف والرجاء كجناحي الطائر، إذا استويا استوى الطائر، وتم طيرانه، وإذا نقص أحدهما وقع فيه النقص، وإذا ذهبا صار الطائر في حد الموت (١) .

стр. 521

وقال الحسن البصري – رحمه الله تعالى – الخوف والرجاء مطيتا المؤمن (١) . ... وقد وصفت آيات القرآن الكريم عباد الله المخلصين، بالجمع بين الخوف من رب العالمين، وبين رجاء رحمة أرحم الراحمين، قال ربنا الكريم – وهو أصدق القائلين –: ﴿إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَباً وَرَهَباً وَكَانُوا لَنَا خَاشِعِينَ﴾ الأنبياء٩٠، وضمائر الجمع تعود للأنبياء المتقدم ذكرهم في السورة – على نبينا وعليهم صلوات الله وسلامه –، والمعنى: إن من تقدم ذكرهم من الأنبياء – على نبينا وعليهم الصلاة والسالم – كانوا يبادرون إلى فعل الخيرات، ويجدون في عمل الحسنات، وهم مع ذلك راغبون في رحمتنا، راجون لها، وراهبون عن غضبنا خائفون منه (٢) ،

стр. 522

وأخبر ربنا – جل وعلا - في سورة الإسراء أن من عبدوا من دون الله من الصالحين يتنافسون في طاعة رب العالمين، ويرجون رحمته، ويخافون عذابه الأليم، فقال – ﷻ –: ﴿قُلِ ادْعُواْ الَّذِينَ زَعَمْتُم مِّن دُونِهِ فَلاَ يَمْلِكُونَ كَشْفَ الضُّرِّ عَنكُمْ وَلاَ تَحْوِيلاً أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَيَخَافُونَ عَذَابَهُ إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ كَانَ مَحْذُوراً﴾ الإسراء٥٦-٥٧، وفي تفسير ابن كثير لقول الله الجليل: "وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَيَخَافُونَ عَذَابَهُ" لا تتم العبادة إلا بالخوف والرجاء، فبالخوف ينكف عن المناهي، وبالرجاء يكثر من الطاعات (١) ،

стр. 523

وبذلك وصف الله الكريم المؤمنين في سورة السجدة وأخبرهم عما لهم من الأجر العظيم، فقال – عز سلطانه المتين: ﴿إِنَّمَا يُؤْمِنُ بِآيَاتِنَا الَّذِينَ إِذَا ذُكِّرُوا بِهَا خَرُّوا سُجَّداً وَسَبَّحُوا بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفاً وَطَمَعاً وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَّا أُخْفِيَ لَهُم مِّن قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاء بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ السجدة١٥-١٧. ... وقد أمرنا ربنا الكبير برجاء ثوابه الجليل، والخوف من عقابه الوبيل، فقال – ﷻ – في سورة الأعراف: ﴿ادْعُواْ رَبَّكُمْ تَضَرُّعاً وَخُفْيَةً إِنَّهُ لاَ يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ وَلاَ تُفْسِدُواْ فِي الأَرْضِ بَعْدَ إِصْلاَحِهَا وَادْعُوهُ خَوْفاً وَطَمَعاً إِنَّ رَحْمَتَ اللهِ قَرِيبٌ مِّنَ الْمُحْسِنِينَ﴾ الأعراف٥٥-٥٦.

стр. 524

.. وقد أخبرنا خاتم الأنبياء – ﷺ – أن من تحقق بالخوف والرجاء، فقد حظي برضوان رب الأرض والسماء، ففي سنن الترمذي، وابن ماجه عن أنس – رضي الله تعالى عنه – قال: دخل النبي – ﷺ – على شاب، وهو في الموت، فقال: "كيف تجدك؟ " قال: والله يا رسول الله إني أرجو الله، وإني أخاف ذنوبي، فقال رسول الله – ﷺ –: "لا يجتمعان في قلب عبد في مثل هذا الموطن، إلا أعطاه الله ما يرجو، وآمنه مما يخاف (١) .

стр. 525

.. والخوف والرجاء متلازمان، فكل منهما يستلزم الآخر، فكل خائف راج، وكل راج خائف، كما قال الإمام ابن القيم – عليه رحمة الله – وقال: ولأجل هذا حسن وقوع الرجاء في موضع يسحن فيه وقوع الخوف، قال الله – ﵎ –: ﴿مَّا لَكُمْ لَا تَرْجُونَ لِلَّهِ وَقَاراً﴾ نوح١٣، قال كثير من المفسرين المعنى: ما لكم لا تخافون الله عظمة؟ قال: والرجاء بمعنى الخوف، والتحقيق: أنه ملازم له، فكل راج خائف من فوات مرجوه، والخوف بلا رجاء يأس وقنوط، وقال – ﵎ –: ﴿قُل لِّلَّذِينَ آمَنُوا يَغْفِرُوا لِلَّذِينَ لا يَرْجُون أَيَّامَ اللَّهِ لِيَجْزِيَ قَوْماً بِما كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾ الجاثية١٤، قالوا في تفسيرها: لا يخافون وقائع الله بهم، كوقائعه بمن قبلهم من الأمم (١) .

стр. 526

.. وتحقيقاً لاستلزام كل من الخوف والرجاء للآخر، كان المؤمن يخاف من رد طاعته، ويرجو قبولها، ويخاف من العقوبة على ذنوبه، ويرجو غفرانها، ويخاف من وقوعه في النار، ويرجو السلامة منها، ويخاف من طرده من الجنة، ويرجو نيلها ودخولها. ... وذانك الأمران مع أنهما متلازمان، فهما ركنا محبة الرحمن – جل وعلا – وعلى ذلك مدار الإيمان، قال الإمام ابن القيم – نور الله مرقده –: وعلى حسب المحبة وقوتها يكون الرجاء، فكل محب راج خائف بالضرورة، فهو أرجى ما يكون لحبيبه أحب ما يكون إليه، وكذلك خوفه، فإنه يخاف سقوطه من عينه، وطرد محبوبه له، وإبعاده، واحتجابه عنه، فخوفه أشد خوف، ورجاؤه ذاتي للمحبة، فإنه يرجوه قبل لقائه والوصول إليه، فإذا لقيه ووصل إليه اشتد الرجاء له، لما يحصل له به من حياة روحه، ونعيم قلبه من ألطاف محبوبه، وبرده وإقباله عليه، ونظره إليه بعين الرضى، وتأهيله في محبته وغير ذلك مما لا حياة للمحب، ولا نعيم ولا فوز إلا بوصوله إليه من محبوبه، فرجاؤه أعظم رجاء، واجل وأتمه، فتأمل هذا الموضع حق التأمل، فإنه يطلعك على أسرار عظيمة من أسرار العبودية والمحبة فكل محبة فهو مصحوبة بالخوف والرجاء، وعلى قدر تمكنها من قلب المحب يشتد خوفه ورجاؤه، لكن خوف المحب لا يصحبه وحشة، بخلاف خوف المسيء، ورجاء المحب لا يصحبه علة بخلاف رجاء الأجير وأين رجاء المحب من رجاء الأجير؟ وبينهما كما بين حاليهما ١٠هـ.

стр. 527

.. وعلى المحبة وركنيها يقوم الدين، وإلى ذلك أشار رب العالمين، فقال في سورة الإسراء في وصف عباده المخلصين، الذين تحققوا بمقامات الدين: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَيَخَافُونَ عَذَابَهُ إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ كَانَ مَحْذُوراً﴾ الإسراء٥٧، قال الإمام ابن القيم – رحمه الله تعالى – ابتغاء الوسيلة إليه: طلب القرب منه بالعبودية والمحبة، فذكر مقامات الإيمان الثلاثة التي عليها بناؤه، الحب، والخوف، والرجاء (١) .

стр. 528

.. وإذا فرط الإنسان في بعض تلك المقامات، وقع الهلاك والآفات، ولذلك قرر سلفنا أهل العقول الزاكيات أن من عبد الله بالحب والخوف والرجاء فهو مؤمن موحد صديق، ومن عبده بالحب فقط فهو شقي زنديق، ومن عبده بالخوف فقط فهو حروري، ومن عبده بالرجاء فقط فهو مرجئي (١) .

стр. 529

.. قال عبد الرحيم الطحان – غفر الله له جميع الذنوب والآثام -: إذا كان الخوف والرجاء من مقامات الإيمان، وعليهما تتوقف سعادة الإنسان، فهما له كالجناحان لطائر الحيوان، فينبغي اعتدالهما في سائر الأزمان، والحكم الذي في حق متقي الرحمن، المتصف بكمال الإيمان، لكن لما كان أكثر الخلق ذوو تفريط وعصيان، قرر العلماء الكرام، تعليب الوجل على الأمل ما لم يحضر الأجل، بشرط أن لا يخرجه ذلك إلى اليأس المفضي إلى ترك العمل، ولا يؤدي به إلى القنوط الموصل إلى قطع الطمع من مغفرة الزلل، وأما عند نزول الموت، فالأصلح للإنسان تغليب الرجاء على الخوف، لثلاثة أسباب قررها أولو الألباب: السبب الأول: الخوف كالسوط الباعث على العمل، والحاجز المانع من الوقوع في الزلل، وليس ثمة عمل، ولا مجال لوقوع الجوارح في الخلل، فالخوف في هذه الحالة يقطع قلبه، ويعجل موته، ولا فائدة في ذلك، أما الرجاء فيقوي القلب، ويحبب إليه لقاء الرب – جل وعلا – وهي الفائدة الثانية فدونكها بدليلها. السبب الثاني:

стр. 530

.. غلبة الرجاء عند السياق تحبب إلى العبد لقاء الرب الخلاق – ﷻ – فيحب الله لقاءه، ثبت في صحيح مسلم وغيره عن أمنا عائشة – رضي الله تعالى عنها – قالت: قال رسول الله – ﷺ –: "من أحب لقاء الله أحب الله لقائه، ومن كره لقاء الله كره الله لقاءه" فقلت: يا نبي الله، أكراهية الموت؟ فقال: " ليس كذلك، ولكن المؤمن إذا بشر برحمة الله ورضوانه وجنته، أحب لقاء الله، فأحب الله لقاءه، وإن الكافر إذا بشر بعذاب الله وسخطه كره لقاء الله، وكره الله لقاءه"، وفيه أيضاً عن شريح بن هانئ أنه سمع أبا هريرة – رضي الله تعالى عنه – يقول: قال رسول الله – ﷺ "من أحب لقاء الله أحب الله لقائه، ومن كره لقاء الله كره الله لقاءه"، قال: فأتيت عائشة – رضي الله تعالى عنها – فقلت: يا أم المؤمنين سمعت أبا هريرة يذكر عن رسول الله – ﷺ – حديثاً، إن كان كذلك فقد هلكنا، فقالت: إن الهالك من هلك بقول رسول الله – ﷺ – وما ذاك؟: قال: قال رسول الله – ﷺ –: "من أحب لقاء الله أحب الله لقائه، ومن كره لقاء الله كره الله لقاءه" وليس منا أحد إلا ويكره الموت، فقالت: قد قاله رسول الله – ﷺ –، وليس بالذي تذهب إليه، ولكن إذا شخص البصر، وحشرج الصدر، واقشعر الجلد، وتشنجت الأصابع، فعند ذلك "من أحب لقاء الله أحب الله لقائه، ومن كره لقاء الله كره الله لقاءه (١)
следующие страницы →