وهذا لابد من وعيه يأتيك قائلا يقول لما لا تتبع الأوزاعي: يا عبد الله من قال لك أننا لا نتبع الأوزاعي لعنة الله على من لا يتبع أئمة الإسلام يا عبد الله فقه الأوزاعي ضمن فقه المذاهب الأربعة هات أقوال الأوزاعي لتفرقها بعد ذلك على هذا المذهب أو على هذا المذهب وإذا عندنا قول للأوزاعي خرج هات دليل عليه حتى نبين لك أنه شذوذ حتى لو كان قول صحابي خرج فنقول شذوذ سيدنا عبد الله بن عباس ﵁ توفي ولا يقول بالعول شذوذ ﵁ وأرضاه وليس معنى شذوذ أنه شاذ القول شاذ مهجور ما عمل به فقهاء الأمصار – قال ابن قدامة في المغنى لا نعلم اليوم قائلا بمذهب ابن عباس ﵃ وأرضاهم. فلا بد من وعي هذه القضية حتى نتبع المذاهب الأربعة لا تظن يا عبد الله أن هذا تقليدا للرجال أو لأهواء شخصية لا ثم لا. هذا اتباع لفهم شرعي مقطوع بصحة إضافته إلى أئمة المذاهب ثم صقل عن طريق اتباع المذهب وحقق ونقح وما يوجد من أقوال لا يشهد لها الدليل بينت ولذلك وجد بعد ذلك ضمن المذهب ترجيحات وخلاف لهذا القول الذي يتبناه إمام المذهب يترك أحيانا ويؤخذ بقول الاتباع.
هذه أمور ثلاثة لا بد من وعيها.
أمر رابع يتعلق بحالنا نحو هذه المذاهب والمجتهدين في عصرنا. أنا أعجب كما قلت مرارا لمن لا تطيب نفوسهم بإتباع أئمة الإسلام وتقليدهم ثم جمدوا بعد ذلك على تقليد فلان وفلان من المعاصرين لا أقول ممن يرجعون عن أقوالهم فقد رجعوا إنما ممن لا يضمن لهم حسن الخاتمة.
стр. 4657
هان عليك أن تقلد الحي الذي يتراجع في كل يوم طلعت فيه الشمس عن أحاديث صححها فيضعفها وضعفها فيصححها أقوال باطلة منكرة هذا هان عليك أن تقلده وتقلد أمثاله وأقوال تتابع عليها أئمة الإسلام وحكم بها في الأمة الإسلامية ترى أن الالتزام بها من خصال المشركين تبا لذلك العقل السقيم الفاسد الذميم. مناظرة للشيخ الدجوي في مصر مع بعض المتمجهدين قال له لما لا تتبعون الإمام ابن تيمية هو شيخ الإسلام قال: والله أنا لا أتبع الإمام ابن تيمية قال لماذا قال لأنني بين حالتين إذا كنت مجتهداً يحرم علي أن أتبعه. وإذا كنت مقلداً فتقليد الإمام ابن تيمية وترك تقليد الأئمة سفاهة ما بعدها سفاهة ومضيعة. تنازع مرة شيخنا المبارك الشيخ محمد مختار الشنقيطي عليه وعلى جميع المسلمين رحمات رب العالمين. مع بعض الشيوخ حول الإمام ابن تيمية ﵁ وأرضاه فالشيخ تعب وجهد في إقناعه بقوله ذاك يقول: ما يظهر لي لدليل وقولك مرجوح ولا أطمئن لهذا الشيخ عليه رحمة الله بعد أن رجع إلى بيته نظر في مجموع الفتاوى فوجد أن قول الإمام ابن تيمية كما قرر شيخنا عليه رحمة الله فاتصل به وقال ياشيخ القول الذي ذكرته لك موجود في الفتاوي قال خلاص أنا رجعت عن قولي.
فتقول لهؤلاء إذا كنتم ستقلدون معاصرين أو أئمة مهتدين من المتقدمين ولستم من أهل الاجتهاد فتقليد المذاهب الأربعة أولى للإعتبارات التي ذكرتها. وإذا كنتم متمجهدين وهيهات هيهات فحالكم يدل على اختلاف ذلك أنتم عالة على أئمة الإسلام في فقهكم وحديثكم وعالة على المعاصرين تأخذون ما يأخذون من شذوذ بعض الشاذين المتقدمين وتنشرونها في هذا الحين. لا بد من أن نعي هذا. إن المتأخرين لا يستغنون عن تقليد المتقدمين ونعوذ بالله من مكابرة المكابرين. يوجد كلام محكم للشيخ التهانوى عليه رحمة الله في مقدم كتابه إعلاء السنن ١/٨١ مقدمة موجزة أحب أن تعلموها.
стр. 4658
تكلم أولها على الإمام أبي حنيفة ودافع عنه فقال: نقض زعم بعضهم أن أبا حنيفة ﵁ لوعاش حتى دون الحديث لترك كل قياس قاسه قلت فلا حاجة إذا إلى القول بأن أبا حنيفة إنما كثر القياس في مذهب لكونه في زمن قبل تدوين الحديث ولو عاش حتى دونت أحاديث الشريعة بعد رحيل الحفاظ في جميع البلاد والثغور وظفر بها لأخذ بها وترك كل قياس قاسه قلت فلا حاجة إذا في أن أبا حنيفة إنما كثر القياس في مذهبه لكونه في زمن قبل تدوين الحديث ولو عاش حتى دونت أحاديث الشريعة بعد رحيل الحفاظ في جميعها من البلاد والثغور وظفر بها لأخذ بها وترك كل قياس قاسه لأنا نقول لو ظفر بها لم يأخذ منها إلا ما كان عليه الخلفاء الأربعة وكل ما ظهر من الحديث في زمنهم لم يفته منه شيء لكونه محيطاً على علم الحجاز والمدينة والعراقيين "والبصرة والكوفه" يدل على ذلك كثرة شيوخه – تقدم أربع آلاف شيخ وكونه أعلم الناس في زمانه بشهادة الأئمة كما مر ذكره- وما عداه فشاذ أو ليس مما يجب العمل به – يعني ما يؤثر بعد ذلك من نصوص لم يأخذ منها إلا ما عمل بها الخلفاء الراشدين وعليه ما سيبلغه إما عمل له أو معارض لما عنده –وإن سلمنا أن الإمام خفي عليه بعض الأحاديث التي يجب العمل بها شرعا فنقول إن محمداً وأبا يوسف وزفر بن الهذيل وابن المبارك والحسن بن زياد وغيرهم من أصحابه فقد تأخروا إلى زمن تدوين الحديث.
стр. 4659
ثم الطحاوي والكرخي والحاكم مؤلف الكافي وعبد الباقي بن قانع والمستغفري والزيلعي وغيرهم من حفاظ الحنفية ونقاد الحديث منهم فقد تأخروا إلى كمال التنقيب عن الحديث النبوي الشريف واطلعوا على صحيحه وسقيمه ومشهوره وآحاده فكل قياس من قياسه رأوه مخالفا للحديث تركه أصحابه كمحمد وأبو يوسف وزفر والحسن وخالفوا شيخهم في شطر مذهبه ومذهب الحنفية هو مجموع أقوال الإمام وأصحابه هؤلاء والمحدثون من الحنفية من بعدهم رجحوا في بعض المسائل قول الشافعي وفي بعضها قول مالك وفي بعضها قول أحمد. وأفتوا بما ترجح عندهم بالدليل وهذا كله هو ذهب أبي حنيفة لكونه جاريا على منواله وأصوله التي بني عليها مذهبه منها تقديمه النص ولو كان ضعيفاً على القياس فلم يبقى والحمد لله في مذهبنا قول خلاف حديث إلا وعندنا حديث آخر يؤيدنا والذي خالفناه ظاهراً فله عندنا تأويل لا نخالفه وكذلك الأئمة كلهم وأصحابه يفعلون فلا يستطيع أحد أن يدعي العمل بكل الأحاديث وإنما كل يعمل ببعضها ويترك بعضها أما لكونه ضعيفاً عنده أو مخالفاً للنص أو للخبر المشهور أو المتواتر أو لكونه شاذا أو فعلها أو منسوخاً أو مؤولاً بمعنى لا يدركه العامة ونحو ذلك.
وقال: كلمة حسنة جامعة في مناقشة ذامي التقليد ومانعيه.
стр. 4660
أما المنكرون للتقليد فلا يمكن منهم العمل – على أصلهم أصلاً لأن العمل به لا يمكن إلا بتقليد بعض العلماء في أن هذا الحديث صحيح وهذا ضعيف وهذا يجب العمل به وهذا لا يجب العمل به – وعندما يقول الألباني وغيره ضعيف كما قال الحافظ في التقريب هذا اجتهاد أو تقليد – تقليد في أعظم شيء جئت لتصحح وتضعف بناءاً على تقليد. وبعد ذلك أنظر إلى الإيهام على العامة نحن نجتهد يا عبد الله أنتم تتلاعبون أنتم لا تخرجون عن التقليد شئتم أم أبيتم عندما تأخذ قول الحافظ وحكمه على الرجل الذي اجتهد وحكم بناء على أقوال قيلت في ترجمة هذا الإمام هذا اجتهاد منك أو من الحافظ بن حجر أنت مقلد والحافظ مجتهد أنت تحرم التقليد إذا ما ينبغي أن تستدل بحديث أبدا إما أن يكون عندك سلسلة إلى النبي ﷺ أو عندك حكم على كل واحد من الرواة وبعد ذلك تدبير لا يعلمه إلا اللطيف الخبير يقول: لأن العمل به لا يمكن إلا بتقليد بعض العلماء في أن هذا الحديث صحيح وهذا ضعيف وهذا يجب العمل به وهذا لا يجب به العمل بل يجوز أو يستحب أو يحرم الأخذ به وهذا كما ترى كله تقليد في الأحكام فإن كون الحديث واجب الأخذ به وبالعكس أو يحرم الأخذ به من الأحكام حتما وإذا ذكر الفقهاء بحث السنة قبولها وردها والأخذ بها وتركها وأحكام الرواة في الفقر وأصوله لكونه مادة الأحكام وهؤلاء ينكرون التقليد والقياس والاجتهاد في الأحكام رأسا فكيف يقلدون المحدثون في هذه. وكيف يجعلون ظنهم واجتهادهم في تصحيح الأحاديث وتضعيفها حجة وقد بينا غير مرة أن صحة الحديث وضعفه وتوثيق الراوي وضعفه كله يدور على ذوق المحدث وظنه واجتهاده والتصحيح والتضعيف ظني- من العبارات التي أحيانا اضحك عندها – لأنها تصدر من غير أهلها لو قالها أئمتنا الإنسان حقيقة يضحك ضحك تسليم إنما هنا ضحك تعجب. العبارة هي للألباني يقول هذا الحديث اطمئن قلبي لتصحيحه وسكنت نفسي إلى ذلك.
стр. 4661
هذا هو البحث العلمي. هذه حقيقة يقولها الجهابذة الذين حالهم كحال الصيارفة بمجرد ما تعرض عليه القطعة يعرف وزنها وإذا كانت مغشوشة نبذها إليك وقال انصرف ما تساوي هللة. قال الشيخ التهانوي. وقد بينا غير مرة أن صحة الحديث مضعفة وثقة الراوي وضعفه كله يدور على ذوق المحدث وظنه واجتهاده ولذلك نشأ الاختلاف بينهم في ذلك فهذا يضعف حديثاً وآخر يصححه وآخر يضعف رجلا وآخر يوثقه وهل هذا إلا لاختلاف الظنون فافهم ولا تعجل في الإنكار على إمام مأمون قد أذعنت الأمة لجلالته واعترفت الأئمة لعظمته وكرامته والله يتولى هداك.
стр. 4662
ثم علق على هذا الكلام: فا ندحض قول من قال أن الله جعل خبر الصادق حجة وشهادة العدل حجة فلا يكون متبع الحجة مقلدا لان تصحيح الحديث وتضعيفه ليس من جنس الخبر المحض بل مداره على اجتهاد المحدث وظنه اخرج ابن أبي حاتم في العلل ١/١٠ – بسنده عن ابن مهدي قال معرفة الحديث الهام قال ابن نمير وصدق لو قلت من أين قلت لم يكن له جواب وأخرج بسنده عن أحمد بن صالح قال معرفة الحديث بمنزلة معرفة الذهب فإن الجوهر إنما يعرفه أهله وليس للبصير فيه حجه إذا قيل له كيف قلت يعني الجيد والرديء. قال وسمعت أبي يقول معرفة الحديث كمثل فص ثمنه مائة دينار وآخر مثله على لونه ثمنه عشرة دراهم من الذي يميز بينها صاحب الخبرة – قلت وكما أن المحدثين يعرفون أسانيد الحديث وألفاظه كذا الفقهاء يعرفون معانيه وهم أعرف بها من المحدثين فلا يجوز للمحدث أن ينازع الفقيه في المعاني كما لا يجوز للفقيه أن ينازع المحدث في الإسناد وسياق الحديث اللهم إلا أن يكونا جامعين للفقه والحديث كالأئمة الأربعة وأصحابهم المقتدى بهم في الإسلام. وأقول كما قال سيدنا سفيان بن عيينة التسليم للفقهاء سلامة. بعد أن أجاب بشر بن الوليد الكندي من تلاميذ سيدنا أبي يوسف ﵃ أجمعين التسليم للفقهاء سلامة وكان يقول عندما يسأل الإمام الشافعي جزاك الله خيراً أبا عبد الله لا يأتينا منك إلا كل ما نحب هذا لابد من وعيه.
ثلاث تنبيهات مختصرة:
стр. 4663
١. ينبغي أن نحذر من النقص بمعناه الكريه الذميم لا بمعناه الحسن القويم والتعصب له صورتان صورة حميدة: أن تتعصب للمذاهب وكلها حق لا نتنازل عنها ولا تخرج إلا غيرها ولو جاء واحد وقال سألتزم بهذا المذهب من أوله إلى آخره لا أخرج عنه في جزئية من جزئياته نقول جزاك الله خيراً –وتقدم طالب العلم كما قال الإمام الذهبي لا يمكن أن يثبت على مذهب سيبدو له بعض أقوال في المذاهب الأخرى لا حرج أن يأخذ بها بما أنها وافقت الأئمة الآخرين. إنما الإنسان ليس عنده أدنى معرفة ولا يميز بين الأدلة قال أنا حنبلي المذهب لا أخرج عنه يقول أنا أتبع المذهب وشهدت له الأمة بالصحة والسلامة مهما قلت له من أدلة. نقول جزاك الله خيراً هذا تعصب حميد. والتعصب الذميم: تقول أنا حنفي والمذاهب الأخرى ضعيفة باطلة ولو كان لي سلطان لألزمت الناس بمذهبي فهذا ضلال مبين وتعصب ذميم ينبغي أن تحارب هذه الصورة من التعصب. قال ابن عبد البر في التمهيد ٨/٣٦٧.
стр. 4664
قال المسألة إذا كان سبيلها الاجتهاد ووقع فيها الاختلاف لم يجز لأحد القائلين فيها عيب مخالفيه ولا الطعن عليه لأن الصحابة اختلفوا وهم القدوة فلم يعب أحد منهم على صاحبة اجتهاده ولا وجد عليه في نفسه (هذا حق) ولكن أنظر للحالة المريرة التي كان يعانيها في القرن الخامس. قال وإلى الله نشكوا وهو المستعان على أمه نحن بين أظهرها تستحل الأعراض والدماء إذا خولفت فيما تجيء به من الخطأ. هذا مذموم. ووجد في العصور الماضية ومن ذلك ما رواه ابن كثير في البداية ١٢/٧٥ والميزان ومعه اللسان ٥/٤٠٢ ترجمه المبتدع محمد بن موسى أن عبد الله البلاساغوني توفي ٥٠٦هـ الحنفي التركي ولي قضاء بيت المقدس ثم قضاء الشام وله شأن في ذلك الزمان حكم عليه بالبدعة حتى أئمة الحنفية حكموا عليه بذلك ولا يقره عليه مسلم يقول: لو كان لي أمر لوضعت الجزية على أتباع الإمام الشافعي هذا ينبغي أن نحذره. الإمام القرشي في الجواهر المضيئة في تراجم السادة الحنفية ٣/٣٧٥ – ذكره وحكم عليه بالبدعة لهذه المقولة ونقل عن الذهبي أنه قال: أنه مبتدع لهذا القول. قال في البداية والنهاية وكان مبغضاً أيضا للمالكية. هذا تعصب خبيث ولا يخلو مذهب ممن يتعصب على عمى. لا بد من نصحه وزجره.
في البداية ١٢/٢٥٠ وفي المنتظم ١٠/٢١٣ ترجمة مرجان بن الخادم توفي ٥٦٠هـ قال ابن الجوزي وابن كثير في ترجمته تعلم القراءات وتفقه على مذهب الإمام الشافعي وكان يتعصب على الحنابلة ويقول مقصودي قطع مذهبكم وقلع ذكركم. لما يا عبد الله ستهدم الحنابلة وتقطع ذكرهم. لما يا عبد الله
стр. 4665
وأيضا في الحنابلة –في المنتظم وهو حنبلي ١٠/١٤٥ قال سأل الإمام ابن العبادي من أئمة الشافعية اسمه المظفر ازد شير يعرف بالأمير ت٥٤٧ هـ طبقات الشافعية ٧/٣٠٠ سأل أن يعظ في جامع المنصور وهو إمام مبارك كان يتكلم بالكلام المحكم الحسن ومن كلامه الطيب يقول: أفعالكم أفعى لكم وحياتكم ما تأكلون من الحرام في حياتكم – سأل أن يعظ في جامع المنصور فأذن له وضمن له نقيب النقباء الحماية وهذا الجامع كان خاص بالحنابلة قال: فتجمع الحنابلة ومنعوه فما امتنع فرشقوه بالحجارة وتقدموا ليقتلوه فمنعهم نقيب النقباء والشرطة وتجلد حتى أنهى موعظته وكاد قلبه أن يطير. وبلغ من همج الحنابلة في ذلك الوقت أنهم نبشوا قبر شافعي دفن بينهم بعد خمس أيام كما في المنتظم ١٠/٢٨٠ هذا يحذر ولا يجيزه أحد يؤمن بالله الحي القيوم. فإذا وجد شيء من ذلك فأئمة المذاهب من هذا براء.
стр. 4666
وهذا التعصب الذميم موجود الآن بين جماعات المسلمين والنزاع بينهم قائم على قدم وساق نسأل الله أن يؤلف بين القلوب هذا مذموم وأشنع ما يحصل بين أهل الإسلام أن تقع بينهم العداوة والبغضاء والعدوان وديننا واحد وربنا واحد ونبينا ﵊ واحد فهذه الاختلاف بيننا ما تقدم معنا من أقوال تحتملها أدله في شرع ذي العزة والجلال لكن كما قلت أخوتنا لا نزاع فيها إقرار بعضنا لبعض على ما هو عليه لا نزاع فيه أيضا فهذا التعصب الذميم لابد ان نخدره عندما ندعو إلى المذاهب. مدرستان في القرن الخامس أسستا من أجل التنافس بين الأمراء وهذا غلط مدرسة شافعية ومدرسة حنفية- هذه يشرف عليها بعض الوزراء وهذه يشرف عليها بعض الوزراء. لما أريد أن أعلم ثم حصل في كل منها ظلم وجور. المدرسة الأولى النظامية أسسها نظام الملك في عهد الخليفة القائم بأمر الله للشافعية وأراد أن يكون أبو إسحاق الشيرازي شيخا لها عليه وعلى أئمتنا رحمة ربنا صاحب المهذب وهو حبرزمانه إمام المسلمين فامتنع فتغيض نظام الملك على أعوانه وقال إن لم يأتي أبو إسحاق لأفعلن وأفعلن المدرسة كلها بنيت من أجله فامتنع أبو إسحاق البقعة أخذت ظلما وعمرت بالمكوس في ذلك الوقت فكيف يشهدها أبو إسحاق فامتنع فألحوا عليه فكان بعد إلحاح يحضر للدرس وما صلى فيها صلاة لله رب العالمين وفيها مسجد فبعد وفاته رؤي فقال لو أني صليت فيها صلاة لهلكت – إنما غفر الله لي لأنني نشرت العلم وأقمت الحجة.
стр. 4667
وأما أنني اصلي في مكان أخذ ظلما وقصرا فلا ثم لا هذه المدرسة أسست سنة ٤٥٩هـ والمدرسة الثانية للحنفية: أسسها شرف الملك بإيذاء مشهد سيدنا أبي حنيفة ووصل الأمر أنه نبش القبور التي بجوار قبر سيدنا أبي حنيفة وعندما نبشوا القبور خرج معهم رجل حسن الهيئة كأنه دفن الساعة يفيح منه ريح المسك والكافور فقال لهم الإمام ابن عقيل وما يدريكم أنه الإمام صاحب المذهب وقد نبشتم قبره ما يدريكم وكيف تستحلون نبش القبور لإقامة مدرسة ضاقت الأرض. هذا كله تعصب مذموم نحذره ونحذر منه. فعندما ندعو للمذاهب ونتعصب لها كلها على أنها حق لا نتعصب لمذهب على حساب مذهب آخر ونعادي المذاهب الأخرى وقلت مرارا – أئمة الإسلام عندنا كرسل الله الكرام عليهم صلوات الله وسلامه لا نفرق بين أحد من الأئمة نتقرب إلى الله بحبهم واتباعهم.
الأمر الثاني:
стр. 4668
٢. تقدم من كلام الإمام الذهبي أن طالب العلم لا يمكن أن يلتزم مذهبا واحدا في جميع شؤونه لأنه عندما سيقرأ الأدلة الشرعية سيرى أحياناً أدلة ترجح بعض الأحكام التي هي في مذهب آخر تخالف مذهبه وأن الترجيح في مذهب آخر أقوى لاحرج إخوتي الكرام على طالب العلم في هذا وهذا ينبغي أن يعتني به طالب العلم أن ينظر في الأدلة ثم يرى بعد ذلك وهذه المذاهب لا تخرج ثم بعد ذلك أدلة أظهر وأحوط فالأخذ بها اسلم ولا يعني أن ذاك خطأ أو ظلال وفريضة الله عليك أن تحتاط لدينك ينبغي أن تحذر عن الخروج عنها إنما تخرج من مذهب إلى مذهب لأنه أحوط فهذا مطلوب. قال الإمام الذهبي السير ١٦/٤٠٥ ترجمة الإمام الداراكي من أئمة الشافعية الكبار شيخ الشافعية بالعراق أبو القاسم عبد العزيز بن عبد الله بن محمد الداراكي الشافعي خالد بن خلكان كان يتهم بالاعتزال وكان ربما يختار في الفتوى – يخرج عن المذهب وله اختيار – ويقال له في ذلك فيقول ويحكم حدث فلان عن فلان عن رسول الله ﷺ بكذا وكذا. والأخذ بالحديث أولى من الأخذ يقول الشافعي وأبي حنيفة ﵃. زاد ابن كثير في البداية ١١/٣٠٤ قال ومخالفتها أسهل من مخالفة الحديث قال الذهبي قلت هذا جيد لكن بشرط أن يكون قد قال بهذا الحديث إمام من نظراء هذين الإمامين مثل مالك وسفيان والأوزاعي وأن يكون الحديث ثابتا سالما من علة ومانع لا يكون حجة أبي حنيفة والشافعي حديثا صحيحا معارضا للآخر – لأنه يكون عنده حجة الآن وهو معارض فكيف تأخذ بذاك وتلغي هذا وأنت تابع لهذا المذهب هنا حديث صحيح خذ به – أما من أخذ بحديث وقد تنكبه أئمة الاجتهاد فلا كخبر فإن شرب الرابعة فاقتلوه. في شرب الخمر – إن شرب فاجلدوه ثم الرابعة فإن عاد فاقتلوه.
стр. 4669
حديث صحيح رواه الإمام أحمد والسنن الأربعة إلا النسائي ورواه ابن حبان والحاكم في المستدرك والبيهقي في السنن عن سيدنا معاوية ﵁ وقال الترمذي حديث حسن صحيح
وروي عن سيدنا أبي هريرة ﵁ في المسند والسنن الأربعة إلا الترمذي وأشار إليه الترمذي وعن سيدنا عبد الله بن عمرو بن العاص في المسند والمستدرك وشرح معاني الآثار وأشار إليه الترمذي.
وروي عن سيدنا عبد الله بن عمر ﵁ في سنن أبي داود والنسائي والمسند.
وروي عن سيدنا الشريد بن سويد وشرحبيل بن أوس وجرير بن عبد الله وأبي الرمضاء البلوي كلهم من الصحابة ﵃ أجمعين هؤلاء ثمانية من الصحابة.
قال الذهبي: وكحديث لعن الله السارق يسرق البيضة فتقطع يده.
الحديث في رواه البخاري ومسلم وغيرهما لا يجوز أن تأخذ بظاهر هذا الحديث أن القطع في سرقة البيضة لا وما قال بهذا أحد من أئمة الاجتهاد لا بد من أن يسرق ما قيمتة نصابا من ربع دينار فصاعدا وهذا الحديث سيق للتنفير من السرقة ولذمها فإذا سرق بيضة سيسرق دجاجة ثم شاه ثم جملا ثم سيصبح إمام السارقين والإنسان عندما يبدأ بالمعصية يبدأ من الصفر ثم يتخصص هذا هو الحديث للتنفير من السرقة. وقيل تأويلات أخرى أما أنه إذا سرق بيضة تقطع يده لا ثم لا. لا بد إذا من وعي هذا.
стр. 4670
فإذا كان عند مذهبك حديث صحيح وحديث آخر يعارضه فالتزم بما أنت عليه لما تترك أما إذا وجدت حديثا بعد ذلك ستتعلق به وتقول الأخذ به متعين وأنا أخالف الإمام أبا حنيفة والشافعي لا يا عبد الله لا بد من أن تعي هذا الأمر وتقدم ضمن مواعظ الفقه من كلام الإمام الشافعي: إذا صح الحديث فهو مذهبي. أن بعض الشافعية وهو أبو الوليد موسى بن أبي الجارود قال أن مذهب الإمام الشافعي وقوله أفطر الحاجم والمحجوم لان الحديث صح بذلك عن نبينا المبارك الميمون ﵊ وتقدم أنه روي عن ثمانية عشرة من الصحابة وعن تابعيين فقال مذهب الشافعي هذا لأنه قال إذا صح الحديث فهو مذهبي كما تقدم في مقدمة المجموع ١/٦٤ رد عليه الشافعية قاطبة قالوا إن إمام المذهب ذكر هذا الحديث وصححه في كتبه وقال أنه منسوخ فكيف أنت بعد ذلك تنسب هذا الكلام الذي تقوله للإمام الشافعي هذا غلط فإذا هذا مطلوب منا إخوتي الكرام. لا مانع أن يعمل الإنسان بما تنشرح به نفسه ويطمئن إليه قلبه من الأدلة. بهذه الشروط إن القول الذي سينتقل إليه وافق أئمة الاجتهاد الآخرين أن دليل مذهبه دون هذا الدليل فيما ظهر له لا حرج.
الأمر الثالث ونختم به:
стр. 4671
٣. ينبغي أن نعيه نحن معشر طلبة العلم. إذا نقل في المسألة قولان لأئمتنا الكرام واطلعنا على الأدلة ورأينا الاحتياط في أحد القولين ورأينا النصوص تشهد لأحد القولين فينبغي أن نأخذ بما هو أحوط وشهدت له النصوص ولا نسفه ذلك القول إنما نحن الواسطة بين العامة وربهم فلا داعي أن نخبرهم عن القول الذي رأيناه دون هذا في الاحتياط والقوة فنفتيهم بهذا من أجل الاحتياط وهو أقوى هذا منقول في مسائل كثيرة وكثير من طلبة العلم يترخص ويحصل بترخصه فتنة. والناس بعد ذلك لا تميز فمثلا إسبال الثوب جر الإزار بحيث يجاوز الكعبين نقل عن أئمتنا في ذلك قولان القول الأول لكراهة التحريم وهو كالحرام أو أقرب إلى الحرام أو هو بمنزلة الحرام وقول الكراهه التنزيه – لا شك أن القول بكراهة التحريم أحوط من أجل براءة الذمة والاحتياط في الدين يضاف إلى هذا ظواهر النصوص كلها تشير إلى هذا وتقرره ومن عدم الاحتياط أن نخبر العامة بذلك القول ونجعل فيه سعة وأن نترك هذا ونغفل تحذيرهم من إسبال أزرهم هذا لا بد من وعيه.
стр. 4672
وكنت ذكرت هذه المسألة ضمن مواعظ الجمع ولا بد من التنبيه عليها. فاستمعوا لبعض الأحاديث ثم لكلام أئمتنا في هذه القضية – قابلني بعض الأخوة في مواعظ الفقه وقال كأنك أقررت بقول بأن جر الإزار وإسبال الإزار مكروه كراهة التنزيه قلت يا عبد الله القول منقول أنا لا أقررته ولا ذكرته لأحد ولا أفتيت به ولا أعلم أنني حركت به شفتي إنما عندما جرى كلام من قبل من قال قلت يا عبد الله هذا منقول لكن هناك قول آخر وهو القول بالتحريم وظواهر النصوص تدل على هذا فالأخذ به أولى ولا داعي أن نخبر الناس عن الآخر هذا ما قلته إنما قلت كراهة تنزيه فهذا باطل فكأنه قال فلان قال فاتصل بي ذاك وقلت سمعت مني قال لا قلت سمعت من الذي جرى الكلام بيني وبينه وكان الأصل أنه في مجلس خاص وقلت القولان منصوصان حتى في فتح الباري فلنأخذ بقول التحريم وظواهر النصوص تدل عليه قال نقل لي فلان قلت يا عبد الله كفا بالمرء كذبا أن يحدث بكل ما سمع نقل ذاك ونقل لك كلام خاص قيل بين اثنين من أين اطلعتم عليه إلا إذا كان عندكم أجهزة رصد وهذا الزمان أمر عجيب يحار فيه الإنسان أمر ثاني أنت قلت غير متثبت يا عبد الله لم تنشر هذه الأحكام وهذا التشويش بين عباد الرحمن وهذا يقع بكثرة –والمجالس بالأمانة.
فأثرت أن أختم هذا المجلس بهذه القضية ونتبنى القول بالتحريم وظواهر النصوص تؤيده وهو أحد قولين في المسألة والأخذ به أولى وأبرأ للذمة والعلم عن الله جل وعلا.
الأحاديث الواردة في جامع الأصول ١٠/٦٣٤.
стр. 4673
في المسند وأبي داود والنسائي في الكبرى والموطأ – والطيالسي والحميدي في مسنده والبيهقي في السنن. عن العلاء بن عبد الرحمن عن أبيه قال سألت أبا سعيد الخدري عن الإزار فقال على الخبير سقطت قال رسول الله ﷺ إزرة المؤمن إلى نصف الساق ولا حرج ولا جناح عليه فيما بينه وبين الكعبين وما كان أسفل من ذلك فهو في النار ومن جر إزاره بطرا لم ينظر الله إليه يوم القيامة. هذا الحديث مروي بهذه الرواية عن عدة من الصحابة.
رواه النسائي في الكبرى عن أبي هريرة. وابن عمر- مع رواية أبي سعيد.
رواه في المسند والبيهقي في الشعب والضياء – عن أنس بن مالك.
والطبراني في الأوسط وقال الهيثمي رجاله رجال الصحيح ولفظ رواية أنس. الإزار إلى نصف الساق فلما رأى شدة ذلك على المسلمين قال إلى الكعبين لا خير فيما هو أسفل من ذلك
الإزار إلى نصف الساق اشتد ذلك على بعض المسلمين يحتاج أحدهم إلى إطالته من أجل برد أو شيء من الآفة خموشة أو غير ذلك فيريد أن يطيل بحيث يصل إلى الكعبين لما اشتد ذلك قال إلى الكعبين لا خير فيما كان هو أسفل من ذلك رواية خامسة له عن عبد الله بن مغفل عن الطبراني في الكبير كما في المجمع ٥/١٢٦ والفتح ١٠/٢٥٧ خمس روايات إزرة المؤمن إلى نصف الساق ثم لا حرج عليه فيما بينه وبين الكعبين وما نزل عن ذلك فهو في النار.
حديث آخر: من رواية سيدنا حذيفة ﵁ وأرضاه: قال أخذ رسول الله ﷺ بعضلة ساقي أو قال ساقه فقال: هذا موضع الإزار فإن أبيت فأسفل فإن أبيت فلا حق للإزار في الكعبين وفي رواية لا حق للكعبين في الإزار – إذا أردت أن تنزل الإزار فأسفل بحيث لا يزيد عن الكعبين وهذا الحديث رواه الإمام أحمد في المسند وهو في السنن الأربعة إلا سنن أبي داود والترمذي في الشمائل والطيالسي في مسنده.
стр. 4674
رواية أخرى: عند البخاري والنسائي والبيهقي عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: ما أسفل الكعبين من الإزار في النار – وروى في المسند بسند رجاله ثقات عن أمنا الصديقة عائشة ﵂ وأرضاها ترتيب المسند ١٧/٢٩٤.
رواية أخرى: في المسند وصحيح مسلم وأبي يعلى، والبيهقي عن ابن عمر ﵄ قال: مررت على رسول الله ﷺ وفي إزاري استرخاء فقال يا عبد الله ارفع إزارك فرفعته ثم قال زد فزدت فما زلت أتحراها بعد فقال بعض القوم إلى أين قال إلى أنصاف الساقين.
حديث آخر: في المسند والبخاري ومسلم وأبي داود والنسائي والبيهقي عن ابن عمر ﵄ أن النبي ﷺ قال: من جر ثوبه خيلاء لم ينظر الله إليه يوم القيامة فقال سيدنا أبو بكر ﵁ يا رسول الله ﷺ . إن إزاري يسترخي أحيانا يسترخي إلا أني أتعاهده فقال له ﵊ إنك لست ممن يفعله خيلاء.
حديث آخر: روى الإمام أحمد والسنن الأربعة عن ابن عمر ﵄ قال رسول الله ﷺ من جر ثوبه خيلاء لم ينظر الله إليه يوم القيامة فقالت أم سلمة ﵂ فكيف النساء بذيولهن قال يرخين شبرا قالت إذا تنكشف أقدامهن قال يرخين ذراعاً لا يزدن. فهمت من الجر أنه مذموم مطلقا سواء من الرجال أو النساء خيلاء أو لا وأقرها النبي ﷺ على هذا الفهم وإلا سيستوي الرجل مع المرأة إذا كان الجر من غير خيلاء لا حرج فيه. وحديث أمنا أم سلمة ﵂ مباشرة بدون واسطة ابن عمر ﵂ في الموطأ وسنن أبي داود والنسائي قالت حين ذكر الإزار فالمرأة يا رسول الله ﷺ قال ترخيه شبرا قالت إذا تنكشف أقدامهن قال يرخين ذراعاً لا يزدن عليه.
стр. 4675
حديث آخر عن ابن عباس ﵁. رواه النسائي وإسناده صحيح أن النبي ﷺ قال: إن الله لا ينظر إلى مسبل وعند النسائي وابن ماجه وابن حبان في صحيحه عن المغيرة بن شعبة قال: رأيت النبي ﷺ أخذ برداء سفيان بن سهيل فقال يا سفيان لا تسبل فإن الله لا يحب المسبلين.
وكما ترون الأحاديث في ذلك مطلقة وما قيدت بشيء.
وروى أبو داود في سننه – والطيالسي في مسنده والبيهقي مرفوعا وموقوفا وكلا الروايتين صحيحة ثابتة عن ابن مسعود ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: من أسبل إزاره في صلاته خيلاء فليس من الله في حل ولا حرام وعلى الرواية الموقوفة ومثل هذا لا يقال من قبل الرأي قاله في الفتح فله إذا حكم الرفع إلى نبينا ﷺ ليس من الله في حل ولا حرام وهذا يحتمل عدة أمور أظهرها وأوجهها أن هذا لا يؤمن بتحريم ولا بتحليل من قبل رب العالمين وعليه معنى الحديث لا يؤمن بالله وهذا أعظم ما يقال في الزجر والنهر ليس من الله في حل ولا حرام.
المعنى الثاني: ليس في حل مما فعل وما أحل الله له الإسبال وليس له عند الله احترام ومكانة ومنزلة.
والمعنى الثالث: لا يحله الجنة ولا يسكنه إياها ولا يحرم عليه النار. قال البيهقي عقيب هذا الحديث في الأحاديث الثابتة المطلقة في النهي عن جر الإزار دليل على كراهيته في الصلاة وغيرها.
стр. 4676
روى أبو داود والبيهقي عن أبي هريرة ﵁ والإمام أحمد والبيهقي عن بعض الأصحاب وفيه أبو جعفر المدني ورد في نعته أنه المؤذن قال الإمام المنذري إن كان هو محمد بن علي الإمام الباقر فالحديث منقطع وإلا فلا أعرفه وليس هو بالإمام الباقر لأنه نعت مدني مؤذن وما كان الإمام الباقر يؤذن ﵁ وأرضاه وهذا روى له البخاري في الأدب المفرد وأهل السنن الأربعة وقال في التقريب مقبول –يقبل حديثه عند المتابعة ووجود شواهد له والإمام النووي في رياض الصالحين وهم فظن أن هذا الراوي محمد بن علي فقال صحيح على شرط مسلم على أنه من رجال مسلم وليس كذلك هو أبو جعفر المدني وليس بالباقر والمنذري عبارته أدق إن كان الباقر فالإسناد فيه انقطاع وإلا فلا أعرفه والإمام النووي يقول على شرط مسلم انظر الترغيب ٣/٩٢ ولفظ الحديث عن سيدنا أبي هريرة ﵁ وبعض الصحابة.
قال: بينما رجل يصلي مسبلا إزاره رآه النبي ﷺ فقال إذهب فتوضأ فتوضأ ثم جاء وصلى على حالته قال إذهب فتوضأ ثم لما جاء تفطن لنفسه وعلم أن إزاره فيه إسبال فشمره ورفعه فصلى فقيل للنبي ﷺ قلت له إذهب فتوضأ ثم سكت عنه فقال كان يصلي وهو مسبل إزاره وإن الله لا يقبل صلاة عبد مسبل إزاره قال في المجمع ٥/٥٢٥ رجاله رجال الصحيح كما فهم الإمام النووي والأمر ليس كذلك.
стр. 4677
قد يقول قائل لما أمره بالوضوء، الإسبال يورث الخيلاء والكبر وهو من صفات الشيطان والشيطان خلق من النار وتطفئ بالماء فالنبي ﷺ أمره أن يتوضأ لتلين طبيعته وليتذلل لربه فلما ما حصل هذا في المرة الأولى قال إذهب فتوضأ فذهب وتوضأ حصلت الليونة في المرة الثانية. والمؤمن خلق من طين ولذلك في الشتاء يرق قلبه وهكذا عندما يتوضأ يلين يستكين بذور الإيمان تقوى هو انتبه لنفسه وما أخبره نبينا ﵊ عن إزاره لكن لما سأل قال كان يصلي وقد أسبل إزاره ولا يقبل الله صلاة عبد مسبل إزاره وقعت حوادث كثيرة في زمن الصحابة من أناس أسبلوا أزرهم ونجزم يقينا ما فعلوه خيلاء لكن هذا في القلب ونهاهم النبي ﷺ وهذا يدل على أن الإسبال كيفما كان فهو مذموم محرم وقصدت الخيلاء يزداد الإثم لم تقصد لازلت آثما.
ثبت في المسند والطبراني في الكبير رجاله رجال الصحيح المجمع ٥/ ٢٢٣. عن خريم بن فاتك والحديث رواه البخاري في التاريخ وأبن قانع والضياء في الأحاديث وابن منده في تراجم الصحابة أن نبينا ﵊ قال لخريم بن فانك لولا خصلتان لكنت أنت الرجل _ لولا خصلتان فيك لكنت نعم الفتى قال ما هما يا رسول الله ﷺ قال توفيرك شعرك وإسبالك إزارك فجز شعره حتى بلغ أذنيه وقصر إزاره بعد ذلك.
والرجل لا ينبغي أن يطيل شعره حتى يصل إلى ظهره هذا من خلق النساء ولا ينزل الشعر عن الكتفين.
стр. 4678
في المسند بسند رجاله ثقات المجمع ٥/١٢٤ عن عمرو الأنصاري قال بينما هو يمشي لحقه النبي ﷺ وأخذ بناصية رأسه ثم قال أمامه اللهم عبدك وابن عبدك وابن أمتك فقال يا رسول الله إني أحمش الساقين فقال نبينا ﵊ وقد أحسن الله كل شيء خلقه ثم ضرب النبي ﵊ بأربع أصابع من أكفه اليمنى تحت ركبة عمرو وقال هذا موضع الإزار ثم رفعها ثم ضرب بأربع أصابع أخرى تحت الأربع الأول قال هذا موضع الإزار ثم رفعها الثالثة ووضعها ثالثة تحت الثانية وقال هذا موضع الإزار لا زالت مرتفعة عن الكعبين وقال لا تزد على هذا وهذا الحديث رواه الطبراني بسند رجاله ثقات عن أبي أمامه ﵁ فقال لحقني عمرو بن زرارة وذكر أن القصة معه وتقدم أنها كانت مع عمرو الأنصاري
وروى الإمام أحمد في المسند والطبراني في الكبير– ورواية المسند إسنادها صحيح عن الشريد بن سويد ﵁ قال أبصر رسول الله ﷺ رجلا يجر إزاره فقال إرفع إزارك اتقي الله فقال يا رسول الله إني أحنف تصطك ركبتاي –والحنف احتداب وتقوس بحيث تميلان إلى الداخل – قال إرفع إزارك فكل خلق الله حسن فرفع إزاره بعد ذلك إلى أنصاف ساقيه.
هذا يدل على الإسبال بجميع الصور والأشكال ممنوع منه فإن قصد الكبر والخيلاء فهذا القصد محرم دون الإسبال وازداد البلاء بالإسبال في الفتح ١٠/٢٦٣ قال الإمام الشافعي لا يجوز السدل في الصلاة ولا في غيرها للخيلاء ولغيرها خفيف لقوله ﷺ لأبي بكر لست ممن يفعله خيلاء قال الحافظ قوله خفيف ليس صريحا في نفي التحريم بل هو محمول على أن ذلك بالنسبة للجر خيلاء فيختلف الحال فإن كان الثوب على قدر لابسه لكنه يسدله فهذا لا يظن فيه تحريم لا سيما إن كان على غير قصد كالذي وقع لسيدنا أبي بكر- ثم بين الحافظ أن المنع من الإسبال مطلقاً قد يتجه ويتقوى بعدة أمور
стр. 4679
أولها: في ذلك إسراف والله لا يحب المسرفين وقرر هذا بأدلة وبسط الكلام في ذلك الى١٠/٢٦٤.
الثاني: فيه تشبه بالنساء فهذا من خصوصياتهن أن يرخى الإنسان إزاره بحيث ينزل عن الكعبين ترخيه شبرا إلى شبرين إلى ذراع.
الثالث: قد يتعلق من يمنع أنه من أجل صيانة الثوب عن النجاسة فلا تخلوا الأرض من نجاسة.
الرابع: أن الجر مظنة الخيلاء أهـ من الفتح.
الخامس: قلت يكفي أنه لا يتبع في ذلك خاتم الأنبياء وربنا حذر من ذلك ومنع منه. والحافظ ابن حجر ١٠/٢٥٥ نقل أثر ابن أبي شيبة عن ابن عمر أنه كان يكره جر الإزار قال: يريد إن انجر إزاره بغير اختياره مع ذلك يكره هذا ثم تمادى على ذلك.
стр. 4680
أما لو قصد هذا فهو أشنع وأخبث. قال ولم يتداركه وهذا متفق عليه وإن اختلفوا هل الكراهه فيه للتحريم أو للتنزيه ثم ختم المسألة بقول الإمام ابن العربي: الإسبال يستلزم جر الإزار وهو يستلزم الخيلاء ولو لم يقصد الخيلاء وهذا موجود في العارضة ٧/٢٣٨ يقول في العارضة: لا يجوز لرجل أن يجاوز بثوبه كعبه ويقول لا أتكبر فيه لأن النهي تناوله لفظا ولم يتناول علته ولا يجوز أن يتناول اللفظ حكما فيقال إني لست ممن يمتثله لأن العلة ليست فيَّ فإنه مخالفة للشريعة ودعوى لا تسلم له بل من تكبره يطيل ثوبه وإزاره فكذبه معلوم في ذلك قطعاً ونظير هذا في السير ٣/٢٣٣ ترجمه عبد الله بن عمر ﵃ أجمعين يقول: عن هلال ابن خباب عن قزعة رأيت على ابن عمر ثياباً خشنة فقلت له إني قد أتيتك بثوب لين مما يصنع بخراسان وتقر عيناي أن أراه عليك " أهدى له ثوبا " فقال أرنيه فلمسه قال: أحرير هذا قلت لا إنه من قطن قال إني أخاف أن ألبسه أخاف أن أكون مختالاً فخورا وهذا في الحلية ١/٣٠٢ قلت (الذهبي) كل لباس أوجد في المرء خيلاءاً وفخراً فتركه متعين ولو كان من غير ذهب ولا حرير فإنا نرى الشاب يلبس الفرجية الصوف (ثوب واسع طويل الأكمام) بفروق أثمان أربعمائة درهم ونحوها. والكبر والخيلاء على مشيته ظاهر فإن نصحته برفق كابر وقال ما في خيلاء ولا فخراً.
стр. 4681
وهذا السيد ابن عمر يخاف ذلك على نفسه وكذلك ترى الفقيه المترف إذا لين في تفصيل فرجية تحت كعبيه وقيل له قد قال النبي ﷺ " ما أسفل الكعبين من الإزار ففي النار " فيقول إنما قال هذا فيمن جر خيلاء وأنا لا أفعله خيلاءاً. فتراه يكابر ويبرأ نفسه الحمقاء ويعمد إلى نص مستقل عام فيخصه بحديث آخر مستقل بمعنى الخيلاء ويترخص بقول الصديق ﵁ إنه يا رسول الله يسترخي إزاري فقال ﷺ لست ممن يفعله خيلاء. فقلنا أبو بكر لم يكن يشد إزاره مسدولا على كعبيه أولا بل كان يشده فوق الكعبين ثم فيما بعد يسترخي وقد قال رسول الله صلى الله علية وسلم "إزرة المؤمن إلى أنصاف ساقه لا جناح عليه فيما بين ذلك وبين الكعبين" وتقدم من رواية خمسة من الصحابة ومثل هذا في النهي لمن فصل سراويل مفضية إلى الكعبين ومنه طول الأكمام زائدا لأن الإسبال في الإزار والقميص والعمامة وكل منهي عنه. قال وتطويل العذبة وكل هذا من خيلاء كامن في النفوس.
стр. 4682
روى أبو داود والنسائي عن ابن عمر ﵄ أن رسول الله ﷺ قال "الإسبال في ثلاثة في الإزار والقميص والعمامة. ومن جر منها شيئا خيلاء لم ينظر الله إليه يوم القيامة" جامع الأصول ١٠/٦٣٨ قال وكل هذا من خيلاء كامن في النفوس وقد يعذر الواحد منهم بالجهل والعالم لا عذر له في تركه الإنكار على الجهلة فإن خلع على رئيس خلعة سيراء من ذهب وحرير وقندس يحرمه ما ورد في النهي عن جلود السباع ولبسها. النهي عن جلود السباع ولبسها الحديث صحيح في الأربعة إلا ابن ماجه. وفي المستدرك والبيهقي نهى رسول الله ﷺ عن جلود السباع وفي رواية عن افتراشها من رواية أبي المليح ابن أسامة ابن الهذيل عن أبيه ﵃ أجمعين وروى البيهقي من رواية المقدام ابن معديكرب أنه قال لمعاوية أنشدك الله هل تعلم أن رسول الله ﷺ نهى عن لبس جلود السباع وعن الركوب عليها قال نعم والحديث صحيح. إذا قال الشخص يسحبها ويختال فيها ويغضب ممن لا يهنيه بهذه المحرمات خلع عليه خلعة لأنه أخذ منصبا ووظيفة في الدولة لاسيما إن كانت خلعة وزارة وظلم ونظر مكس أو ولاية شرطة فليتهيأ للمقت والذل والإهانة والضرب وفي الآخرة أشد عذابا وتنكيلا.
стр. 4683
ومن السلامة ألا تهنئ أحد في تدريس أو إفتاء أو أي منصب فأنت لئلا تشارك تجاهل قال الذهبي: فرضي الله عن ابن عمر وأبيه وأين مثل ابن عمر في دينه وورعه وتألهه وخوفه من رجل تعرض عليه الخلافة فيأبى والقضاء من عثمان فيرده والنيابة للشام لعلي فيهرب منه فالله يجتبي إليه من يشاء ويهدي إليه من ينيب – هذا الكلام لا بد أن نعيه إذا كان في المسألة قولان واحد منهما أحوط ويشهد له الدليل ويحجز العامة عن معصية الله الجليل فالقول به متعين هذا حق وذاك كيفما كان حاله فهو حق لكن الأحقية هنا أحوط وأثبت وأقوى وفيها براءة للذمة وما أحد قال أن جر الإزار من غير خيلاء مباح ومن باب أولى ما قال أحد أنه مستحب ومن باب أولى ما قال أحد أنه واجب وأما التقصير فكلما قصرت فهو مستحب فإذا أنت عندما تمنعهم من الإسبال ما عصيت لا زلت تحافظ عليهم وعلى دينهم وعندما ترخصت هذا سيدعوهم فالإسبال من هذهة الخيلاء والحافظ ابن حجر ختم البحث بذلك قال الخيلاء تلازم الإسبال وكونه يسبل ويقول أنا لا أختال لا يصدق وقد واحد من ملايين يكون فيه هذا الأمر والخشية من الله ولكن الكل يسبل على أنها عادة كبر وأنه شيء محمود ينبغي أن يفعله وتراه يمتهن من يقصر الثوب فهذه بلية والله المستعان ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.
الحمد لله رب العالمين وصلى اللهم على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين وسلم تسليما كثيرا.
стр. 4684
حياة الأنبياء في البرزخ
(من خطب الجمعة)
للشيخ الدكتور
عبد الرحيم الطحان
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
حياة الأنبياء في البرزخ
الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونؤمن به ونتوكل عليه، ونعوذ به من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا من يهد الله فهو المهد ومن يضلل فلن تجد له ولياً مرشداً.
الحمد لله رب العالمين، شرع لنا دينا قويما وهدانا صراطاً مستقيما، وأسبغ علينا نعمه ظاهرةً وباطنةً وهو اللطيف الخبير.
اللهم الحمد كله ولك الملك كله، وبيدك الخير كله، وإليك يرجع الأمر كله أنت رب الطيبين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ولي الصالحين وخالق الخلق أجمعين ورازقهم ﴿فما من دابة في الأرض إلا على الله رزقها ويعلم مستقرها ومستودعها كل في كتاب مبين﴾ .
﴿يا أيها الناس اذكروا نعمت الله عليكم هل من خالقٍ غير الله يرزقكم من السماء والأرض لا إله إلا هو فأنى تؤفكون﴾ .
وأشهد أن نبينا محمداً عبد الله ورسوله أرسله الله رحمةً للعالمين فشرح به الصدور وأنار به العقول وفتح به أعينا عمياً وآذاناً صماً وقلوباً غلفاً فجزاه الله عنا أفضل ما جزى به نبياً عن أمته، ورضي الله عن الصحابة الطيبين وعمن تبعهم بإحسانٍ إلى يوم الدين.
﴿يا أيها الناس اتقوا ربكم الذي خلقكم من نفسٍ واحدةٍ وخلق منها زوجها وبث منهما رجالاً كثيراً ونساءً واتقوا الله الذي تسائلون به والأرحام إن الله كان عليكم رقيبا﴾ .
﴿يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله حق تقاته ولا تموتنَّ إلا وأنتم مسلمون﴾ .
﴿يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وقولوا قولاً سديداً يصلح لكم أعمالكم ويغفر لكم ذنوبكم ومن يطع الله ورسوله فقد فاز فوزاً عظيماً﴾ .
أما بعد: معشر الأخوة الكرام..
تقدم معنا أن أسباب سوء الخاتمة كثيرة متعددة، نسأل الله تعالى حسن الخاتمة بفضله ورحمته، وقلت إن هذه الأسباب مع كثرتها وتعددها يمكن أن ترجع إلى سببين اثنين.
стр. 4685
أولها: الأمن على الإيمان من الذهاب والفقدان، فمن أمن على إيمانه أن يسلبه سلبه عند موته،
والسبب الثاني: من أسباب سوء الخاتمة اغترار الإنسان بحالته الحاضرة والغفلة عما فيه من بليات مهلكة مدمرة والعجب بما يصدر عنه من طاعات ناقصة قاصرة،
والبليات التي في الإنسان وتوجب له سوء الخاتمة عند فراق هذه الدار كثيرة يمكن أن تجمل في ثلاث بلايا.
١- البلية الأولى النفاق.
٢- والبلية الثانية البدعة.
٣- والبلية الثالثة الركون إلى الدنيا.
وقد تقدم معنا ما يتلعق بالنفاق وما قبله وشرعنا إخوتي الكرام في مدارسة ما يتعلق بالبدعة وقلت سنتدارسها ضمن ثلاث مراحل.
١ – المرحلة الأولى في تعريف البدعة.
٢- المرحلة الثانية في النصوص المنفرة المحذرة من البدعة.
٣- والمرحلة الثالثة في أقسام البدعة.
ولازلنا نتدارس المبحث الأول من هذه المباحث الثلاثة في تعريف البدعة، وقد مضى معنا تعريف البدعة فقلت إن البدعة هي الحدث في دين الإسلام عن طريق الزيادة أو النقصان إذا لم تشهد لذلك نصوص الشرع الحسان، مع زعم المحدث لم أحدثه بأنه يتقرب به إلى الرحمن، هذا هو حد البدعة ورسمها، وعند هذا الحد والتعريف والضابط تعرضت لأمر ينبغي أن نعيه دائماَ لا سيما في هذا الوقت، ألا وهو انحراف كثير من الناس، وفريق أيضاً قصروا وفرطوا وقالوا لا بدعة في الدين، فابتدعوا في الشرح ما لم يأذن به رب العالمين.
стр. 4686
وكل من الفريقين على ضلال، ودين الله بين الغالي والجافي ولا إفراط ولا تفريط، وكنا نناقش بعض ما زعمه بعض الناس من أنه بدعة ولا ينطبق عليه مفهوم البدعة وحدها ورسمها، وقلت مراراً إخوتي الكرام كل ما احتمله الدليل وقال به إمامٌ جليلٌ فلا يجوز أن نحكم عليه بأنه بدعة في شرع اللطيف الخبير، وضربت لذلك أمثلة، وقلت إن أهل الشطط في هذه الأيام وسَّعوا مفهوم البدعة فما احتمله الدليل وقال به إمامٌ جليل قالوا إنه بدعة بل ما صرح به الدليل وما راق لعقلهم الهزيل قالوا إنه بدعة، وضربت لذلك أمثلة إخوتي الكرام فيما مر.
وكنا نتدارس قضية من القضايا حكم عليها بالبدعة، سأكملها في هذه الموعظة.
تقدم معنا إخوتي الكرام ما يتعلق بقراءة القرآن على القبور وما يتعلق بتلقين الميت، وما يتعلق بالقضية الثالثة ألا وهي أن الموتى يحسّون بما يجري حولهم ويعلمون ويشعرون بمن يزورهم ويسمعون ما يقال حولهم وعندهم، وتعرض عليهم أعمال قرابائهم بعدهم، ويتزاورون فيما بينهم.
تقدم معنا تقرير هذا بأدلته وفصلت الأدلة على ذلك وأجملها في هذه الموعظة مختصرة، فقلت صرح نبينا ﷺ بذلك كما تقدمت معنا الأحاديث وأذن فما بزيارة القبور، ولا يمكن أن نزور جماداً لا يعي ولا يسمع ولا يشعر ولا يحس، وقد صرح النبي ﵊ بأن الميت يعرف من زاره ويرد عليه سلامه.
والأمر الثالث: قلت ما شرع لنا من سلام نقوله على الأموات هذا يكون في حال مخاطبة من يعقل ويسمع ويدرك ويشعر، ويتنزه الشرع الحكيم أن نخاطب جماداً بهذا الألفاظ، السلام على أهل الديار من المؤمنين والمسلمين يرحم الله المستقدمين منا والمستأخرين.
هذه القضية إخوتي الكرام كما تقدمت معنا دلت عليها النصوص الشرعية، ووجد في هذا العصر من يقول: (إن القول بأن الموتى يسمعون ويشعرون ويحسون ويعلمون بمن زارهم " بدعة وتحريف " سبحان ربي العظيم،
стр. 4687
إخوتي الكرام: إن المؤمنين بعد موتهم في حياة برزخية، والحياة البرزخية لا يعلم كنهها وكيفيتها إلا رب البرية، نعم نحن نثبت ما أثبتته النصوص الشرعية وردت به الآثار السلفيلة، ونفوض العلم بالكيفية إلى رب البرية جل وعلا.
وتقدم معنا أن الآثار دلت على ما تقدم فينبغي أن نقول بذلك، فهذا من باب الإيمان بالغيب، وإدخال العقل في مسائل الغيب من أشنع العيب، وإن هذا تطاول على الرب جل وعلا، فإذا أخبرنا من لا ينطق عن الهوى نبينا فداه أنفسنا وآباؤنا وأمهاتنا ﷺ إذا أخبرنا بهذه القضية وأن الأموات يسمعون ويشعرون بمن يزورهم ويردِّدون ﵇ فلا كلام لمتكلم بعد كلام نبينا ﵊.
إخوتي الكرام: وهذا الأمر إذا ثبت للمؤمنين فهو ثابت عن طريق أكمل والحياة الأفضل للنبيين ولنبينا الكريم ﷺ من ذلك قسط عظيم، يتناسب بمقامه عند رب العالمين.
وسنتداري في هذه الموعظة أمرين اثنين يتعلقان بهذا المبحث.
الأمر الأول: فيما يتعلق بأحوال أنبياء الله ورسله عليهم الصلاة والسلام في البرزخ وفي أن ما ثبت للمؤمنين يثبت لهم عن طريق الأكمل والحياة الأفضل، ثم أختم هذه الموعظة بدفع إشكال تعلق به أهل الفهم المعكوس وأكثروا بفهمهم المعكوس من الشغب حول ما ثبت من النصوص.
стр. 4688
إخوتي الكرام: أما ما يتعلق بالقضية الأولى، فإذا كان المؤمنون كما تقدم معنا يحسُّون في حياتهم البرزخية ويشعرون بمن زارهم ويسمعون الكلام الذي يقال عندهم، وتعرض عليهم أعمال قرابائهم بعدهم، ويتزاورون فيما بينهم فإن هذا ثابت عن طريق الأكمل والأفضل والأثم والأحسن لأنبياء الله ورسله عليهم صلوات الله وسلامه، وقد خصهم الله تعالى بخصائص كثيرة في الحياة البرزخية كما خصهم في الحياة الدنيوية، فمن ذلك أن أبدانهم الشريفة الطاهرة الطيبة المباركة لا تفنى ولا يمكن لأرضٍ أن تأكل بدن نبي، وأما من عداهم فالأصل أن تأكل أبدانهم، وإذا أراد الله أن يكرم ولياً من أوليائه وصالحات عباده بعدم تسليط الأرض على بدنه فهو على شيءٍ قدير، أما الأنبياء، فالأرض لا تأكل أبدانهم باتفاق.
وقد ثبت هذا عن من لا ينطق عن الهوى عن نبينا المصطفى ﵊ ففي مسند الإمام أحمد والسنن الأربعة إلا سنن الترمذي والحديث رواه ابن حبان في صحيحه وابن خزيمة في صحيحه والحاكم في مستدركه وإسناده صحيحٌ كالشمس، صححه شيخ الإسلام الإمام النووي وهكذا الإمام المنذري والسيوطي وغيرهم من أئمة المسلمين الجهابذة المحدثين ولفظ الحديث عن أوس بن أوس قال سمعت النبي ﵊ يقول: [إن من أفضل أيامكم يوم الجمعة فيه خلق آدم، وفيه قبض، وفيه النفخة، وفيه الصعقة، وفيه تقوم الساعة، فأكثروا عليَّ من الصلاة فيه.. على نبينا صلوات الله وسلامه.. فإن صلاتكم معروضة عليَّ، قالوا وكيف تعرض عليك صلواتنا يا رسول الله وقد أرمت؟] أي بليت وتفتتت عظامك وبلي جسدك الشريف، وقد أرمَّت: أي أرمَّت عظامك وبليت، وقد أرمَّت أي منك العظام وتفتتت، [قال: إن الله حرم على الأرض أجساد الأنبياء] .
стр. 4689
وقد تقد معنا إخوتي الكرام ما يتعلق بهذا الحديث من قصة وقعت في القرن السادس الهجري مع ليث الملوك وتقيهم العبد الصالح نور الدين الشهيد محمود زنكي المتوفي ٥٦٩هـ، تقدم معنا قصة طريقة ضمن مباحث النبوة، خلاصتها أنه عند ما جاء ما بعض النصارى واستوطنوا المدينة المنورة وأظهروا الإسلام وهم يبطنون الكفر ثم بدؤوا بعد ذلك يحفرون من مكان قريب من جوار مسجد نبينا الحبيب ﷺ ليصلوا من تحت الأرض في سرداب إلى بدنه الطاهر المبارك فظهر النبي ﷺ في الرؤيا لهذا الملك العادل الصالح تقي الملوك وليثهم نور الدين الشهيد وقال له يا محمود أنقذني خلّصني من هذين ويشير إلى رجلين بعلامات عرفها هذا العبد الصالح، وكان أميراً في بلاد الشام، ورأى هذه الرؤيا ونبينا ﵊ يقول أنقذني ثم نام وهو فزع لا يعلم المراد فرأى النبي ﵊ ثانية ويقول خلصني من هذين ثم نام الثالثة وهو فزع ولا يعلم المراد فرأى النبي ﵊ يقول خلصني من هذين، فجمع الشيوخ في وسط الليل وما طلع الفجر، وعرض عليهم ما رآه وقالوا: طرأ طارئ في المدينة المنورة على منورها صلوات الله وسلامه فينبغي أن تركب لتتحقق من الخبر، فما طلع الفجر ولا أذن الصبح، فركب خيله وسار الجيش معه حتى وصل إلى المدينة المنورة، وأمر بأن يحضر جميع أهل المدينة للقائه، فلم ير الصفة التي رآها في النوم في الرجلين اللذين يطلب نبينا ﷺ من هذا الأمير الصالح أن يخلصه منها، فقال: هل بقي من أحد: قالوا: رجلان مجاوران فقيران مسكينان، قالوا: عليَّ بهما، فلما دخلا أشار إلى صاحبه، فقبض عليهما، ثم حقق معهما، وقد استأجرا داراً قرب مسجد نبينا ﵊، ويحفران من الداخل وينقلان التراب في الليل إلى البقيع، ليصلا إلى جسد نبينا الحبيب الشفيع عليه صلوات الله وسلامه، فضرب رقابهما وكرَّ
стр. 4690
راجعاً إلى بلاد الشام، رحمة الله ورضوانه عليه، [إن الله حرم على الأرض أجساد الأنبياء] .
نعم إخوتي الكرام الأرض لا تأكل أبدانهم وخصَّهم الله بخصائص في عالم البرزخ، فهم يصلون في قبورهم ويعبدون ربهم ، لأن أعظم نعيم يتنعم به الإنسان في كل حين ذكر رب العالمين، ولذلك يعطي الله أنبياءه التلذذ بذكره في عالم البرزخ كم يعطي ذلك من شاء وأحب من عباده، وأما من دخل الجنة فيتلذذون بذكر الله بعدد أنفاسهم، يلهمون التسبيح والتحميد كما يلهمون النفس، فهذه أعظم لذة يتلذذ بها المتلذذون ذكر الحي القيوم، ﴿ألا بذكر الله تطمئن القلوب﴾ ، فقرة العين تكون عند مناجاة رب الكوْنين، فكيف يحرم الله أنبياءه منها؟.
وقد ثبت هذا في عن نبينا ﵊ ففي مسند أبي يعلى والبزار وقال شيخ الإسلام الإمام الهيثمي في المجمع، إسناد الحديث رجاله ثقات، والحديث رواه البيهقي في كتاب حياة الأنبياء عليهم الصلاة والسلام، ورواه ابن عدي وابن عساكر والإمام أبو نعيم في تاريخ أصبهان ورواه ابن مندة، وإسناد الحديث صحيح كالشمس، من رواية أنس ابن مالك ﵁ قال سمعت رسول الله ﷺ يقول: [الأنبياء أحياء في قبورهم يصلون] .
نعم كيف يحرمون هذه اللذة التي يناجون بها الحي القيوم، وفي حديث الإسرار الثابت في مسند أحمد وصحيح مسلم وسنن النسائي ورواه الإمام عبد الرزاق في مصنفه فهو في صحيح مسلم من رواية أنس بن مالك أيضاً عن النبي قال: [مررت ليلة أسري بي بموسى وهو قائمٌ يصلي في قبره] على نبينا وعليه صلوات الله وسلامه، فأبدانهم لا تأكلها الأرض، وهم أحياء بين يدي الله تعالى، يصلون له ويعبدونه ويتلذذون بعبادته في عالم البرزخ، كما كانوا يتلذذون بعبادته في عالم الحياة الدنيا.
стр. 4691
إخوتي الكرام: وهذا الذي يحصل للأنبياء عليهم الصلاة والسلام قد كرم الله به بعض أوليائه وهو الفعال لما يشاء، قد أكرم الله كثيراً من الصالحين في هذه الأمة بهذا فكانوا يصلون في قبورهم وتسمع قراءة القرآن من قبورهم إذا مر الإنسان بجوارهم ثبت في كتاب الزهد للإمام أحمد بن حنبل، والأثر رواه ابن سعد في الطبقات وابن أبي شيبة في مصنفه، والأثر رواه أبو نعيم في الحلية أيضاً ورواه شيخ المفسرين الإمام ابن جرير في تهذيب الآثار والإمام الفسوي في المعرفة والتاريخ عن التابعي الجليل تلميذ أنس بن مالك ﵁ وأرضاه ألا وهو ثابت البناني من مفاتيح الخير ومن العلماء الربانيين وممن يستشفى بذكرهم وتتنوّر القلوب بطلعتهم ثابت بن أسلم البناني توفي سنة بضع وعشرين بعد المائة من هجرة نبينا ﵊ قيل ١٢٣هـ وقيل ١٢٧هـ وأحاديثه في الكتب الستة، شيخ الإسلام ثابت بن أسلم البناني قال مرة لحميد الطويل: يا حميد أتعلم أن الله أعطى أحدا الصلاة في قبره غير الأنبياء والمرسلين؟ قال ما أعلم ما بلغني هذا، فقال ثابت بن أسلم (اللهم إني أسألك إن أعطيت أحداً من خلقك الصلاة في قبره أن تعطيني ذلك) وكان يدعو بذلك ويلهج به، فلما قبض ودفن بالبصرة ما مر أحدٌ بجوار قبره إلا سمع قراءة القرآن من قبر هذا العبد الصالح شيخ الإسلام ثابت ابن أسلم البناني.
стр. 4692
وهذا الأمر إخوتي الكرام وقع في زمن نبينا ﵊، وعرض عليه فأقره، فاستمعوا له، ثبت في سنن الترمذي والحديث رواه الإمام البيهقي في دلائل النبوة عن ابن عباس ﵄، والأمر اختلف حكم الترمذي عليه حسب اختلاف الطبعات التي بين أيدينا، ففي بعض الطبعات " حسنٌ غريب " وفي بعضها " غريب " وفيه يحيى بن عمرو النُكري وهو من رجال الترمذي فقط، وقد حكم عليه الحافظ ابن حجر بأنه ضعيف لكن الإمام النووي (١)(١) في دلائل النبوة بعد أن رواه وقال انفرد به يحيى بن عمرو النكري قال يشهد له أثر عبد الله ابن مسعود، وسأبين ما يشهد له من أثر عبد الله بن مسعود ومن غيره ما هو مرفوع إلى نبينا المحمود ﷺ ولفظ الحديث في سنن الترمذي ودلائل النبوة للإمام البيهقي عن عبد الله بن عباس ﵁ قال: (ضرب رجل خباءه في عهد النبي ﵊ على قبرٍ وهو لا يحسب لا يحسب أنه قبر، هو في سفر، فضرب خباءه: أي خيمته ليستريح، وإذا هذا الخباء قد نصب على قبر وهو لا يدري – من قبور الصحابة الذين كانوا يتوفون في بلاد المسلمين وأمصار المسلمين بين مكة والمدينة.
يقول عبد الله ابن عباس فلما ضرب خباءه ونزل سمع قراءة قرآن من القبر، فأصغى وإذا بقارئ يقرأ سورة الملك ﴿تبارك الذي بيده الملك ... ﴾ فحوَّل خباءه وأصغى واستمع له يقرأ سورة الملك بصوت واضح مفهوم، فلما ذهب إلى المدينة المنورة عرض هذا الصحابي على النبي ﷺ ما حصل له، فقال له النبي ﷺ [هي المانعة وهي المنجية تنجي من عذاب القبر] هي المانعة هي المنجية تنجيه (سورة الملك) من عذاب القبر.
стр. 4693
والحديث كما قلت إخوتي الكرام فيه يحيى بن عمرو النكري لكن القسم المرفوع منه ثبت ما يشهد له مرفوعاً وموقوفاً ما له حكم الرفع في آثار كثيرة صحيحة ثابتة شهيرة منها ما ثبت في المسند والسنن الأربعة والحديث رواه ابن حبان والحاكم في المستدرك ورواه البيهقي في شعب الإيمان وابن الضريس في فضائل القرآن ورواه ابن مردويه في تفسيره وإسناد الحديث صحيح من رواية أبي هريرة ﵁ قال: سمعت النبي ﷺ يقول: [إن سورة من القرآن ثلاثون آية شفعت لرجلٍ حتى غفر الله له، هي سورة الملك] وكما قلت الحديث صحيح، وثبت أيضاً مرفوعاً عن النبي ﷺ من رواية أخرى من رواية أنس بن مالك ﵁، روى ذلك الإمام الطبراني في معجمه الأوسط والصغير وإسناده صحيح كما قال شيخ الإسلام الإمام الهيثمي في المجمع والحديث رواه الضياء المقدسي في الأحاديث الجياد المختارة ورواه الإمام ابن مردويه في تفسيره، وهو حديث صحيح أيضاً عن أنس بن مالك ﵁ قال سمعت النبي ﷺ يقول: [سورة من القرآن ما هي إلا ثلاثون آية خاصمت عن صاحبها حتى أدخله الله الجنة، هي سورة الملك] .
فقول النبي ﷺ في الرواية المتقدمة هي المانعة هي المنجية تنجيه من عذاب القبر، وهذا المعنى صحيح، ثابت عن نبينا ﷺ وأن سورة الملك لها هذه الخصيصة العظيمة الجليلة بأن من واظب على قراءتها لاسيما كما سيأتينا في كل ليلة وعمل بموجبها وفهم معناها تنجيه بفضل الله جل وعلا من عذاب القبر ويدفع عنه عذاب القبر بسببها.
هذان الحديثين صحيحان مرفوعان إلى نبينا ﵊ يشهدان لرواية عبد الله ابن عباس المتقدمة.
стр. 4694
وكما قلت روي الأثر موقوفاً كما أشار إلى ذلك شيخ الإسلام الإمام البيهقي وروي الأثر موقوفاً عن عبد الله ابن مسعود في معجم الطبراني الكبير والأوسط وسنن النسائي وتفسير ابن مردوية عن عبد الله بن مسعود ﵁ قال كنا نسميِّ سورة الملك على عهد رسول الله ﵊ بالمانعة تمنع عذاب القبر، مَنْ قرأها في ليلة فقد أكثر وأطاب، هي المانعة تمنع عذاب القبر، والأثر بإسناده صحيح عن عبد الله بن مسعود، وله حكم الرفع إلى نبينا ﵊، وثبت في معجم الطبراني الكبير ومستدرك الحاكم وشعب الإيمان للإمام البيهقي ودلائل النبوة له، وهو الأثر الذي ذكره بعد أثر عبد الله بن عباس وقال يشهد له، والأثر رواه ابن مردوية في تفسيره عن عبد الله بن مسعود ﵁ قال (يؤتى بالرجل في قبره من قبل رجليه: أي تأتي ملائكة العذاب لتباشر تعذيبه من قبل رجليه، فتأتي سورة الملك فتقول: إليكم عنه، فليس إليه سبيل فقد هاتان الرجلان تقومان عند قراءة سورة الملك عند قراءته في الليل، ثم تأتي الملائكة من قبل صدر هذا الإنسان المقبور، فيقال إليكم عنه فإنه كان يقرأ به: أي بصدره سورة الملك، فتأتي من قبل رأسه، وهكذا من سائر جوانبه، فيقال إليك عنه وليس لك إليه سبيل من هذه الجهة إنه كان يقرأ سورة الملك.
قال عبد الله ابن مسعود، هي المانعة تمنع عذاب القبر، من قرأها في ليلة فقد أكثر وأطاب ... ) .
إذاً هذه كرامة يمكن أن يكرم الله بها غير أنبيائه عليهم الصلاة والسلام فيكن لكثير من الصالحين أن يصلوا في قبورهم وأن يتلذذون بذكره جل وعلا.
стр. 4695
إخوتي الكرام: وبالنسبة لسورة الملك يستحب للإنسان أن يقرأها في كل ليلة والذي أدركت عله الشيوخ الصالحين أنهم يوصون تلاميذهم وأصحابهم بقراءتها في كل ليلة وهذا كما قلت مأثورٌ عن الصحابة الكرام، وله حكم الرفع إلى نبينا ﵊، سورة الملك شيخ الإسلام الإمام ابن رجب الحنبلي في كتاب أهوال القبور صـ ٦٨ (إن الله جل وعلا قد يكرم في البرزخ بعض عباده وأحبابه وأوليائه بالصلاة وقراءة القرآن وليس هذا من باب العبادة التي يثاب عليها الإنسان فالثواب قد انقطع لهذا الإنسان بواسطة عمله لأن عمله انقطع في دار التكليف، فهذا نعيم كما أنه يجعل قبورهم من رياض الجنة يتلذذون حتى يبعثون، أيضاً يجعلهم يتنعمون بالصلاة وبذكر الله جل وعلا حتى يلاقوا ربهم، فهذا من باب النعيم، لا من باب العبادة التي يقومون بها ويثابون عليها كما هو الحال في الحياة الدنيا) .
هذا كما قلت إخوتي الكرام يذكره شيخ الإسلام الإمام ابن رجب الحنبلي توفي سنة ٧٩٥هـ، هو من تلاميذ الإمام ابن القيم ﵀.
إذاً الأنبياء على نبينا وعليهم صلوات الله وسلامه لا تأكل الأرض أبدانهم وهم أحياء في قبورهم يصلون ويعبدون الحي القيوم.
نعم إخوتي الكرام: وقد أخبرنا نبينا ﷺ أن سلامنا وصلاتنا عليه ﷺ تبلغانه، يبلغه سلامنا وصلاتنا، ويرد علينا أينما صلينا عليه وسلمنا عليه صلوات الله وسلامه، والأحاديث في ذلك صحيحة كثيرة متواترة أقتصر على ثلاث منها.