إخوتي الكرام: وهذا الذي يحصل للأنبياء عليهم الصلاة والسلام قد كرم الله به بعض أوليائه وهو الفعال لما يشاء، قد أكرم الله كثيراً من الصالحين في هذه الأمة بهذا فكانوا يصلون في قبورهم وتسمع قراءة القرآن من قبورهم إذا مر الإنسان بجوارهم ثبت في كتاب الزهد للإمام أحمد بن حنبل، والأثر رواه ابن سعد في الطبقات وابن أبي شيبة في مصنفه، والأثر رواه أبو نعيم في الحلية أيضاً ورواه شيخ المفسرين الإمام ابن جرير في تهذيب الآثار والإمام الفسوي في المعرفة والتاريخ عن التابعي الجليل تلميذ أنس بن مالك ﵁ وأرضاه ألا وهو ثابت البناني من مفاتيح الخير ومن العلماء الربانيين وممن يستشفى بذكرهم وتتنوّر القلوب بطلعتهم ثابت بن أسلم البناني توفي سنة بضع وعشرين بعد المائة من هجرة نبينا ﵊ قيل ١٢٣هـ وقيل ١٢٧هـ وأحاديثه في الكتب الستة، شيخ الإسلام ثابت بن أسلم البناني قال مرة لحميد الطويل: يا حميد أتعلم أن الله أعطى أحدا الصلاة في قبره غير الأنبياء والمرسلين؟ قال ما أعلم ما بلغني هذا، فقال ثابت بن أسلم (اللهم إني أسألك إن أعطيت أحداً من خلقك الصلاة في قبره أن تعطيني ذلك) وكان يدعو بذلك ويلهج به، فلما قبض ودفن بالبصرة ما مر أحدٌ بجوار قبره إلا سمع قراءة القرآن من قبر هذا العبد الصالح شيخ الإسلام ثابت ابن أسلم البناني.
стр. 4692
وهذا الأمر إخوتي الكرام وقع في زمن نبينا ﵊، وعرض عليه فأقره، فاستمعوا له، ثبت في سنن الترمذي والحديث رواه الإمام البيهقي في دلائل النبوة عن ابن عباس ﵄، والأمر اختلف حكم الترمذي عليه حسب اختلاف الطبعات التي بين أيدينا، ففي بعض الطبعات " حسنٌ غريب " وفي بعضها " غريب " وفيه يحيى بن عمرو النُكري وهو من رجال الترمذي فقط، وقد حكم عليه الحافظ ابن حجر بأنه ضعيف لكن الإمام النووي (١)(١) في دلائل النبوة بعد أن رواه وقال انفرد به يحيى بن عمرو النكري قال يشهد له أثر عبد الله ابن مسعود، وسأبين ما يشهد له من أثر عبد الله بن مسعود ومن غيره ما هو مرفوع إلى نبينا المحمود ﷺ ولفظ الحديث في سنن الترمذي ودلائل النبوة للإمام البيهقي عن عبد الله بن عباس ﵁ قال: (ضرب رجل خباءه في عهد النبي ﵊ على قبرٍ وهو لا يحسب لا يحسب أنه قبر، هو في سفر، فضرب خباءه: أي خيمته ليستريح، وإذا هذا الخباء قد نصب على قبر وهو لا يدري – من قبور الصحابة الذين كانوا يتوفون في بلاد المسلمين وأمصار المسلمين بين مكة والمدينة.
يقول عبد الله ابن عباس فلما ضرب خباءه ونزل سمع قراءة قرآن من القبر، فأصغى وإذا بقارئ يقرأ سورة الملك ﴿تبارك الذي بيده الملك ... ﴾ فحوَّل خباءه وأصغى واستمع له يقرأ سورة الملك بصوت واضح مفهوم، فلما ذهب إلى المدينة المنورة عرض هذا الصحابي على النبي ﷺ ما حصل له، فقال له النبي ﷺ [هي المانعة وهي المنجية تنجي من عذاب القبر] هي المانعة هي المنجية تنجيه (سورة الملك) من عذاب القبر.
стр. 4693
والحديث كما قلت إخوتي الكرام فيه يحيى بن عمرو النكري لكن القسم المرفوع منه ثبت ما يشهد له مرفوعاً وموقوفاً ما له حكم الرفع في آثار كثيرة صحيحة ثابتة شهيرة منها ما ثبت في المسند والسنن الأربعة والحديث رواه ابن حبان والحاكم في المستدرك ورواه البيهقي في شعب الإيمان وابن الضريس في فضائل القرآن ورواه ابن مردويه في تفسيره وإسناد الحديث صحيح من رواية أبي هريرة ﵁ قال: سمعت النبي ﷺ يقول: [إن سورة من القرآن ثلاثون آية شفعت لرجلٍ حتى غفر الله له، هي سورة الملك] وكما قلت الحديث صحيح، وثبت أيضاً مرفوعاً عن النبي ﷺ من رواية أخرى من رواية أنس بن مالك ﵁، روى ذلك الإمام الطبراني في معجمه الأوسط والصغير وإسناده صحيح كما قال شيخ الإسلام الإمام الهيثمي في المجمع والحديث رواه الضياء المقدسي في الأحاديث الجياد المختارة ورواه الإمام ابن مردويه في تفسيره، وهو حديث صحيح أيضاً عن أنس بن مالك ﵁ قال سمعت النبي ﷺ يقول: [سورة من القرآن ما هي إلا ثلاثون آية خاصمت عن صاحبها حتى أدخله الله الجنة، هي سورة الملك] .
فقول النبي ﷺ في الرواية المتقدمة هي المانعة هي المنجية تنجيه من عذاب القبر، وهذا المعنى صحيح، ثابت عن نبينا ﷺ وأن سورة الملك لها هذه الخصيصة العظيمة الجليلة بأن من واظب على قراءتها لاسيما كما سيأتينا في كل ليلة وعمل بموجبها وفهم معناها تنجيه بفضل الله جل وعلا من عذاب القبر ويدفع عنه عذاب القبر بسببها.
هذان الحديثين صحيحان مرفوعان إلى نبينا ﵊ يشهدان لرواية عبد الله ابن عباس المتقدمة.
стр. 4694
وكما قلت روي الأثر موقوفاً كما أشار إلى ذلك شيخ الإسلام الإمام البيهقي وروي الأثر موقوفاً عن عبد الله ابن مسعود في معجم الطبراني الكبير والأوسط وسنن النسائي وتفسير ابن مردوية عن عبد الله بن مسعود ﵁ قال كنا نسميِّ سورة الملك على عهد رسول الله ﵊ بالمانعة تمنع عذاب القبر، مَنْ قرأها في ليلة فقد أكثر وأطاب، هي المانعة تمنع عذاب القبر، والأثر بإسناده صحيح عن عبد الله بن مسعود، وله حكم الرفع إلى نبينا ﵊، وثبت في معجم الطبراني الكبير ومستدرك الحاكم وشعب الإيمان للإمام البيهقي ودلائل النبوة له، وهو الأثر الذي ذكره بعد أثر عبد الله بن عباس وقال يشهد له، والأثر رواه ابن مردوية في تفسيره عن عبد الله بن مسعود ﵁ قال (يؤتى بالرجل في قبره من قبل رجليه: أي تأتي ملائكة العذاب لتباشر تعذيبه من قبل رجليه، فتأتي سورة الملك فتقول: إليكم عنه، فليس إليه سبيل فقد هاتان الرجلان تقومان عند قراءة سورة الملك عند قراءته في الليل، ثم تأتي الملائكة من قبل صدر هذا الإنسان المقبور، فيقال إليكم عنه فإنه كان يقرأ به: أي بصدره سورة الملك، فتأتي من قبل رأسه، وهكذا من سائر جوانبه، فيقال إليك عنه وليس لك إليه سبيل من هذه الجهة إنه كان يقرأ سورة الملك.
قال عبد الله ابن مسعود، هي المانعة تمنع عذاب القبر، من قرأها في ليلة فقد أكثر وأطاب ... ) .
إذاً هذه كرامة يمكن أن يكرم الله بها غير أنبيائه عليهم الصلاة والسلام فيكن لكثير من الصالحين أن يصلوا في قبورهم وأن يتلذذون بذكره جل وعلا.
стр. 4695
إخوتي الكرام: وبالنسبة لسورة الملك يستحب للإنسان أن يقرأها في كل ليلة والذي أدركت عله الشيوخ الصالحين أنهم يوصون تلاميذهم وأصحابهم بقراءتها في كل ليلة وهذا كما قلت مأثورٌ عن الصحابة الكرام، وله حكم الرفع إلى نبينا ﵊، سورة الملك شيخ الإسلام الإمام ابن رجب الحنبلي في كتاب أهوال القبور صـ ٦٨ (إن الله جل وعلا قد يكرم في البرزخ بعض عباده وأحبابه وأوليائه بالصلاة وقراءة القرآن وليس هذا من باب العبادة التي يثاب عليها الإنسان فالثواب قد انقطع لهذا الإنسان بواسطة عمله لأن عمله انقطع في دار التكليف، فهذا نعيم كما أنه يجعل قبورهم من رياض الجنة يتلذذون حتى يبعثون، أيضاً يجعلهم يتنعمون بالصلاة وبذكر الله جل وعلا حتى يلاقوا ربهم، فهذا من باب النعيم، لا من باب العبادة التي يقومون بها ويثابون عليها كما هو الحال في الحياة الدنيا) .
هذا كما قلت إخوتي الكرام يذكره شيخ الإسلام الإمام ابن رجب الحنبلي توفي سنة ٧٩٥هـ، هو من تلاميذ الإمام ابن القيم ﵀.
إذاً الأنبياء على نبينا وعليهم صلوات الله وسلامه لا تأكل الأرض أبدانهم وهم أحياء في قبورهم يصلون ويعبدون الحي القيوم.
نعم إخوتي الكرام: وقد أخبرنا نبينا ﷺ أن سلامنا وصلاتنا عليه ﷺ تبلغانه، يبلغه سلامنا وصلاتنا، ويرد علينا أينما صلينا عليه وسلمنا عليه صلوات الله وسلامه، والأحاديث في ذلك صحيحة كثيرة متواترة أقتصر على ثلاث منها.
стр. 4696
ثبت في المسند وسنن أبي داود بسند صحيح من حديث أبي هريرة ﵁ قال سمعت النبي ﷺ يقول: [لا تجعلوا بيوتكم قبوراً] : أي لا يقبر الإنسان في البيت الذي يسكن فيه فهذا منهي عنه، يقبر في المقبرة، ومن خصائص الأنبياء أنهم يُقبرون حيث يموتون، ولا تجعلوا بيوتكم قبوراً معطلة من العبادة وقراءة القرآن، فأكثروا فيها من قراءة القرآن لئلا يكون حالكم فيها كحال الأموات الذين انقطعت أعمالهم، [لا تجعلوا بيوتكم قبوراً، ولا تجعلوا قبري عيداً، وصلوا عليَّ حيث كنتم فإن صلاتكم تبلغني حيث كنتم] وهذه الصلاة إذا بلغت نبينا خير خلق الله عليه صلوات الله وسلامه فهو يردَّ عليها ويسلم علينا، كما أننا إذا سلمنا على الأموات يردِّدون علينا السلام فنبينا ﵊ يسمعنا من باب أولى ويردَّ من بابٍ أولى.
ثبت هذا في المسند أيضاً وسنن أبي داود والسنن الكبرى للإمام البيهقي وإسناد الحديث صحيح من رواية أبي هريرة ﵁ قال سمعت النبي ﷺ يقول [ما من أحدٍ من أمتي يسلم عليَّ إلا بلغتني صلاته ورددت عليه] والحديث كما قلت أيضاً إسناده صحيح، وروى الإمام الطبراني في معجمه الأوسط بسندٍ لا بأس به كما قال شيخ الإسلام الإمام المنذري في الترغيب والترهيب من رواية أنسٍ ابن مالكٍ ﵁ أن النبي ﷺ قال [من صلى عليَّ بلغتني صلاته وصلَّيت عليه وكتب الله له عشر حسنات سوى ذلك] .
إذاً أيضاً هذا يصل إلى النبي ﷺ ويعرف من يسلم ويصلي عليه ﷺ ويرد ﵇ والصلاة.
стр. 4697
نعم إخوتي الكرام وهكذا تُعرض أعمالنا على نبينا ﵊ في كل يوم مرتين في الغداة والعشيِّ وتعرض الأمة على إمامها نبينا ﵊ فإذا عرضت هذه الأمة وأعمالها على النبي ﷺ في عالم البرزخ ورأى خيراً منهم حمد الله، وإن رأى سوءاً وشراً استغفر الله لهم.
نعم إن بركة نبينا ﷺ دائمة متصلة لا تنقطع لا في حياته ولا بعد موته ﷺ وقد ثبت في مسند البزار عن عبد الله ابن مسعود والحديث صححه حفاظ جهابذة منهم:
- الإمام الهيثمي
- شيخ الإسلام زين الدين العراقي
- ولي الدين العراقي
- الإمام السيوطي
- الإمام الزرقافي
- الإمام الزبيدي
وهو حديث صحيحٌ صحيح عن نبينا عليه صلوات الله وعليه سلامه، أنه قال: [حياتي خيركم تحدثون ويحدث لكم] ، أي تسألون وينزل الوحي بالجواب وتقع لكم حوادث ومسائل وينزل الوحي ببيان حكم الله فيها، [تُحدِثون ويُحدَثُ لكم ووفاتي خير لكم تعرض عليَّ أعمالكم فما رأيت من خيرٍ حمدتُ الله وما رأيت من شرٍ استغفرت الله لكم] .
والحديث إخوتي الكرام رُوي عن أنسٍ أيضاً في مسند الحارث بن أبي أسامة ورواه ابن عدي عن أنسٍ لكن بإسناد ضعيف ن وروي عن بكر بن عبد الله المزني وهو من التابعين الكرام توفي سنة ١٠٦هـ شيخ الإسلام ثقة ثبت رضى حديثه في الكتب الستة، عن بكر بن عبد الله المزني بسندٍ صحيح على شرط الشيخين، في كتاب طبقات الإمام ابن سعد وفي كتاب القاضي إسماعيل في فضل الصلاة على نبينا الجليل ﵊، فالحديث صحيح وفيه: أن أعمال هذه الأمة تعرض على النبي ﷺ فإن رأى خيراً حمد الله عليه وإن رأى شراً استغفر الله لأمته.
وقد بوَّب أئمتنا على هذا الحديث أبواباً لطيفة دقيقة ظريفة تطير القلوب فرحاً بعناوينها.
стр. 4698
فهذا شيخ الإسلام الإمام الهيثمي في مجمع الزوئد يبوب على الحديث فيقول (باب ما يحصل لأمته من استغفار النبي ﷺ لهم لها لأمته بعد موته) .
وبوَّب عليه في كتاب كشف الأستار عن زوائد الإمام البزار، قال: (باب ما يحصل للأمة بسبب النبي ﷺ في حياته وموته) ، وبوَّب عليه الإمام الحافظ ابن حجر في كتاب المطالب العالية فقال: (باب بركة النبي ﷺ حياً وميتاً) .
نعم إخوتي الكرام، تعرض أعمالنا على نبينا ﵊ فإن رأى خيراً حمد الله وإن رأى غير ذلك استغفر الله لهذه الأمة المباركة المرحومة، فهو بنا رؤوفٌ رحيم وهذه الأمة كما تعرض أعمالها، تعرض هي أيضاً على نبينا بالغداة والعشي، فانظر يا عبد الله على أي حال ستعرض على رسول الله ﷺ .
روى شيخ الإسلام الإمام ابن المبارك في كتاب الزهد والرقائق من زيادات نعيم بن حماد على روايات المروزي عن شيخ الإسلام عبد الله بن المبارك ﵃ أجمعين، وانظروا الأثر في صفحة ٤٦ كما قلت من رواية نعيم في زياداته في روايات كتاب الزهد لشيخ الإسلام ابن المبارك عن سعيد بن المسيب وهو من أئمة التابعين قال: ليس يوم إلا ويعرض على نبينا ﷺ أمته بالغداة والعشيِّ ليشهد عليهم لأن الله يقول: ﴿فكيف إذا جئنا من كل أمةٍ بشهيدٍ وجئنا بك على هؤلاء شهيداً، يومئذٍ يود الذين كفروا وعصوا الرسول لو تسوى بهم الأرض ولا يكتمون الله حديثا﴾ .
فليشهد نبينا ﷺ على هذه الأمة تعرض هذه الأمة على نبيها في كل يوم، في أول النهار وفي آخره، بالغداة والعشي، تعرض مرتين على نبينا ﵊ وأعمالها تعرض عليه، فما رأى من خيرٍ حمد الله عليه، وما رأى من شرٍ استغفر الله لهذه الأمة ما وقعت فيه.
والحديث كما قلت إخوتي الكرام حديث صحيح (١) .
стр. 4699
لا ثم لا، فالعبادة لا تكون إلا لرب النبي ﵊ ولرب الخلق أجمعين فله الخلق والأمر وله العبادة وحده لا شريك له، ونحن لا نتكلم في دين الله عن طريق آرائنا وأهوائنا، إنما أمر تكرم الله به علينا، وأخبرنا أننا إذا لم نلق نبينا ﵊ فلم نحرم بركته فلنحمد الله على ذلك، إذا أكرم الله الصحابة الكرام برؤية النبي ﷺ واستغفار النبي لهم حياً، لا يعني هذا أن الصحابة كانوا يعبدون الني ﵊، فنحن إذ حرمنا إحدى الأمرين، حَرَمَنا الله وله الحكمة البالغة، من اكتحال أعيينا برؤية خير الخلق نبينا ﵊، أنُحْرَمُ الفائدة الثانية، فلا يستغفر لنا النبي ﵊ ولا نعرض عليه في عالم البرزخ وليس بيننا وبينه لقاء ولا اتصال؟ لا ثم لا، هو مبارك وبركة على هذه الأمة حياً وميتاً، وهو الذي أُرْسِلَ رحمةً للعالمين فكيف تُحرم أمته بركته بعد موته ﵊.
وهذا الحديث كما قلت إخوتي الكرام إنه حديث صحيح وقد وصل الشطط بعض المتنطعين في هذا الحديث فقالوا: هذا حديث موضوع، والله إنه كلامٌ وضيع وما ينبغي أن يقال نحو حديث نبينا الحبيب الشفيع ﵊، حديث يثبت بسند على شرط الشيخين مرسلاً، ويثبت عن عبد الله بن مسعود متصلاً، ويصححه جهابذة المحدثين، ويروى من طريق أنس ﵁ بسندٍ ضعيف، ثم يتجرَّأ من يتجرَّأ في هذا الوقت فيقول: (هذا حديث موضوع) .
стр. 4700
هذا كلام وضيع -كما قلت- وينبغي للإنسان أن يتقي ربه في كلامه، فكما أنه لا يجوز للإنسان أن يكذب على النبي ﵊ لا يجوز له أن يكذب كلام النبي ﵊، ولا يجوز له أن يرد كلام النبي ﵊، وأي محظور في معنى الحديث؟ وإذا كان نبينا ﷺ يستغفر لنا بعد موته، هل يلزم من ذلك أننا نعبده، وإذا كان يستغفر للصحابة في حال حياته هل يعني هذا أن الصحابة عبدوه من دون الله جل وعلا، لا ثم لا، إنما بشارة من ربنا، ومنحة من مولانا تكرم بها علينا وأظهر فضل نبينا ﵊ فلنحمد الله على هذه النعمة الجليلة، اللهم إنا نسألك أن تعرضنا على نبيك ﵊ في هذه الحياة بخير صورةٍ يا رب العالمين، كما نسألك أن تشفعه فينا يوم الدين، وأن تجمعنا معه في جنات النعيم إنك أرحم الراحمين وأكرم الأكرمين.
إخوتي الكرام: هذا ما يتعلق بالأمر الأول في لمحة موجزة عن الحياة البرزخية التي تكون لأنبياء الله ورسله وهم خير البرية، على نبينا وعليهم صلوات الله وسلامه.
وأما الأمر الثاني: دفع إشكال يثيره كثير من أهل اللغط والجدال في هذه الأيام ويقدمون فهمهم المعكوس على ما صرحت به النصوص ولا يعدمون بعد ذلك نصاً ظاهراً _ كما يقولون _ موهم، ثم بعد ذلك يتعلقون به ليقرروا قولهم، وليتهم فهموا تلك النصوص على حسب النصوص الواضحة الصريحة المحكمة، فإذا وجد في النصوص محكم ومتشابه ما يحتمل دلالة، وما يحتمل دلالتين، ينبغي أن نردَّ المتشابه إلى المحكم إذا كنا نؤمن بالله جل وعلا، وينبغي أن نفهم النصوص على ضوء بعضها لا أن يهمل النصوص الصحيحة الصريحة الدلالة، ثم لنأتي لنص عام ونقول: (هذا يدل على خلاف ما قلتم، وهذا النص يدل على أن الموتى لا يسمعون وأن الموتى لا يشعرون وأن الموتى لا يعلمون بما يجري حولهم ويدور) .
стр. 4701
إخوتي الكرام: تعليق هؤلاء ببعض آيات القرآن الكريم، منها: قوله تعالى ﴿فتوكل على الله إنك على الحق المبين * إنك لا تسمع الموتى ولا تسمع الصم الدعاء إذا ولوا مدبرين، وما أنت بهادي العمي عن ضلالتهم إن تسمع إلا من يؤمن بآياتنا فهم مسلمون﴾ (١) ونظيره قول الحي القيوم في سورة الروم مع زيادة حرف واحد في الآية: ﴿فإنك لا تسمع الموتى ولا تسمع الصم الدعاء إذا ولوا مدبرين * وما أنت بهادي العمي عن ضلالتهم إن تسمع إلا من يؤمن بآياتنا فهم مسلمون﴾ (٢) .
قال هؤلاء هاتان آيتان تدلان على أن الموتى لا يسمعون ولا يشعرون ولا يحسون ولا يدركون ولا يعلمون ولا يستبشرون بمن يزورهم ولا يسمعون الكلام الذي عندهم إنما هم بمنزلة الجماد، والآيتان تدلان على ذلك.
وكما قلت إخوتي الكرام فهم أعجمي منكوس أرادوا بعد ذلك أن يردوا به ما صرحت به الأحاديث الصريحة والنصوص.
هذه الآية لا تدل على أن الأموات لا يسمعون، لا ثم لا، وإيضاح هذا إخوتي الكرام هاتان الآيتان منحصر معناهما بمعنيين اثنين لا ثالث لهما، كما قرر أئمتنا الكرام في سائر كتب التفسير الحسان.
المعنى الأول:- وهو الذي عليه جمهور المفسرين، والقول الثاني يؤول إليه، ولا تعارض بينهما، كما سأبين بعد حين.. المراد من الموتى هنا موتى القلوب الذي لم يتنزهوا من العيوب وغضب عليهم ولعنهم علام الغيوب، المراد من الموتى موتى القلوب لا موتى الأبدان، ﴿إنك لا تسمع الموتى﴾ : أي من قلبه خرب عشعش الشيطان فيه، ﴿إنك لا تسمع الموتى ولا تسمع الصم الدعاء إذا ولوا مدبرين وما أنت بهادي العمي عن ضلالتهم إن تسمع إلا من يؤمن بآياتنا فهم مسلمون﴾ وهذا التفسير وهذا القول يقرره ويؤكده ويحتمه ثلاث أمور فانتبهوا إليها.
أولها: قرينة في الآية.
ثانيها: استقراء القرآن الكريم.
ثالثها: الغرض الذي من أجله سيقت هذه الآية.
стр. 4702
أما القرينة في الآية التي تحتم هذا المعنى وتوجبه وتمنع غيره.. أن الله جل وعلا في هذه الآية قابل الإسماع المنفيِّ ﴿إنك لا تسمع الموتى﴾ بإسماع مثبت، فقال جل وعلا ﴿إن تسمع إلا من يؤمن بآياتنا فهم مسلمون﴾ .
إذاً عندنا إسماعان، أحدهما منفي والآخر مثبت، وأصحاب هذين الإسماعين متقابلان متضادان، كحال هذين الإسماعين، هنا إثبات السماع وهنا نفي السماع، هنا ﴿إن تسمع إلا من يؤمن بآيتنا﴾ وهنا ﴿إنك لا تسمع الموتى﴾ .
لو كان المراد من الموتى موتى الأبدان لقال الله في الأسماع المثبت.. إنما تسمع من لم تمت أبدانهم، إنما تسمع من لم يقبروا، إنما تسمع من هم على قيد الحياة، لم قال في الإسماع المثبت ﴿إن تسمع إلا من يؤمن بآيتنا﴾ .. (غير واضح) وهم الذين لا يسمعون ﴿إنك لا تسمع الموتى﴾ إنك لا تسمع من يكفر بآيتنا، ﴿إنما تسمع من يؤمن بآياتنا﴾ ما ثبت لهذا ينفى عن هذا، فهنا أناس سمعوا مؤمنون مهتدون، وهناك كفار لم يسمعوا فإن قيل لنا: الكفار لا يسمعون؟ نقول: نعم لا يسمعون سماع انتفاع، ولا يسمعون سماع اهتداء، كما سيأتينا تقرير هذا بآيات القرآن الكثيرة، إنما هنا أذكر فقط القرينة التي تحتِّم هذا المعنى، فهم لهم مجرد السماع دون ما يترتب عليه من أثر الاتباع والاهتداء، ﴿فإنك لا تسمع الموتى﴾ إنك لا تسمع من مات قلبه إسماعاً يترتب عليه أثر من الانتفاع والاتباع والاهتداء، إنما ينتفع بالسماع منك ويهتدي ويتبعك ﴿من يؤمن بآياتنا فهم مسلمون﴾ وهذا في منتهى الجلاء والوضوح والظهور، فلو أراد الله من الموتى موتى الأبدان لقابلهم بما يقابلهم مما يضادِّهم فقال، إن تسمع إلا من كان حياً، إن تسمع إلا من لم يمت، إن تسمع إلا من لم يقبر، ﴿فإنك لا تسمع الموتى﴾ قوبل ﴿إن تسمع إلا من يؤمن بآياتنا فهم مسلمون﴾ .
إذاً إخوتي الكرام: إسماع مثبت، وإسماع منفي، المثبت للمؤمنين، والنفي عن الكافرين، وهذا كما قلت قرينة في الآية.
стр. 4703
والدلالة الثانية: استقراء القرآن، القرآن عبَّر عن الكفار بأنهم موتى القلوب لا يعون بها ولا يفقهون، وهذا يقرره الله في آيات كثيرة ويخبر الله فيها عن الكفار بأنهم موتى، يقرر الله تعالى هذا المعنى في آيات كثيرة إخوتي الكرام..
منها: قول الله جل وعلا في سورة الأنعام: ﴿قد نعلم إنه ليحزنك الذي يقولون فإنهم لا يكذبونك ولكن الظالمين بآيات الله يجحدون * ولقد كذبت رسل من قبلك فصبروا على ما كذبوا وأوذوا حتى أتاهم نصرنا ولا مبدل لكلمات الله ولقد جاءك من نبأي المرسلين * وإن كان كبر عليك إعراضهم فإن استطعت أن تبتغي نفقاً في الأرض أو سلماً في السماء فتأتيهم بآية ولو شاء الله لجمعهم على الهدى فلا تكوننَّ من الجاهلين * إنما يستجيب الذين يسمعون والموتى يبغثهم الله ثم إليه يرجعون﴾ (١) .
والآية بإجماع من يعتد به من أئمتنا الكرام ﴿إنما يستجيب الذين يسمعون﴾ وهم المؤمنون الموحدون المهتدون، ﴿والموتى﴾ أي الكفار ﴿يبعثهم الله﴾ تعالى ليجازيهم على أعمالهم فإلى ربهم إيابهم وعليه حسابهم.
﴿إنما يستجيب الذين يسمعون﴾ ﴿والموتى﴾ الكفار ﴿يبعثهم الله ثم إليه يرجعون﴾ ، وهكذا يقول الله جل وعلا، في آواخر سورة الأنعام أيضاً: ﴿ولا تأكلوا مما لم يذكر اسم الله عليه وإنه لفسق وإن الشياطين ليوحون إلى أوليائهم ليجادلوكم وإن أطعتموهم إنك لمشركون * أو من كان ميتاً فأحييناه وجعلنا له نوراً يمشي به في الناس كمن مثله في الظلمات ليس بخارجٍ منها كذلك زين للكافرين ما كانوا يعملون﴾ .
﴿أو من كان ميتاً فأحييناه﴾ : أي إماتته يراد بها إماتة البدن أو القلب؟ إماتة القلب التي إذا حصلت في الإنسان ترتب عليها غضب الرب، ﴿أو من كان ميتاً فأحييناه﴾ بنور العلم وهداية الإسلام ﴿كمن مثله في الظلمات ليس بخارجٍ منها كذلك زين للكافرين ما كانوا يعملون﴾ .
стр. 4704
وهكذا قول الله جل وعلا في سورة فاطر: ﴿إنما تنذر الذين يخشون ربهم بالغيب وأقاموا الصلاة ومن تزكى فإنما يتزكى لنفسه وإلى الله المصير * وما يستوي الأعمى والبصير﴾ الأعمى هو الكافر، والبصير هو المؤمن، ﴿وما يستوي الأعمى والبصير * ولا الظلمات ولا النور * ولا الظل﴾ وهو الجنة ﴿ولا الحرور﴾ جهنم، ﴿وما يستوي الأحياء ولا الأموات إن الله يسمع من يشاء وما أنت بمسمعٍ من في القبور * إن أنت إلا نذير﴾ (١) .
﴿وما يستوي الأحياء﴾ وهم المؤمنون الذين حييت قلوبهم بمعرفة ربهم وعبادته جل وعلا: ﴿وما يستوي الأحياء ولا الأموات إن الله يسمع من يشاء﴾ فهو الله الذي يضل من يشاء ويهدي من يشاء، وله الحكمة البالغة .
﴿وما أنت بمسمعٍ من في القبور﴾ ممن ماتت قلوبهم، وصارت هذه القلوب في قبر من أبدانهم فهذه الأبدان صارت قبوراً لذلك الجنان، كما أن القبر في الأرض يصبح قبراً للأبدان، هنا الأبدان قبور للجنان والأرض قبور للأبدان، ﴿وما أنت بمسمعٍ من في القبور﴾ ، ولذلك قال: ﴿إن أنت إلا نذير﴾ : أي أنت عليك أن تبلغ دعوة الله، فالكافر يسمع ولا ينتفع والمؤمن يسمع وينتفع ﴿وما أنت بمسمعٍ من في القبور﴾ : أي من ماتت قلوبهم وقبرت في أبدانهم كما قال القائل:
وفي الجهل قبل الموت لأهله ... موت وأبدانهم قبل القبور قبور
وأرواحهم في وحشة من جسومهم ... وليس لهم حتى النشور نشور
وهكذا قول الله جل وعلا في سورة (يس) ﴿وما علمناه الشعر وما ينبغي له إن هو إلا ذكر وقرآن مبين * لينذر من كان حياً﴾ ومن هو الحي هو المؤمن الذي حي قلبه بنور الإيمان ﴿ويحق القول على الكافرين﴾ : الكافرون هنا هم الذين قال الله في حقهم: ﴿فإنك لا تسمع الموتى﴾ ، ﴿لينذر من كان حياً ويحق القول على الكافرين﴾ : أي على الميتين الذين يبعثهم الله ليحاسبهم على أعمالهم، ﴿لينذر من كان حياً ويحق القول على الكافرين﴾ .
стр. 4705
والآيات في ذلك كثيرة، فاستقراء القرآن، وهي الدلالة الثانية إخوتي الكرام، تحتِّم هذا المعنى، وأن المراد من الموتى من ماتت قلوبهم، لا من ماتت أبدانهم، ﴿إنك لا تسمع الموتى﴾ لا تسمعهم إسماع إفهام وتدبر وانتفاع واهتداء، ﴿إنك لا تسمع الموتى ولا تسمع الصم الدعاء إذا ولوا مدبرين * وما أنت بهادي العمي عن ضلالتهم إن تسمع إلا من يؤمن بآياتنا فهم مسلمون﴾ .
وهذا المعنى يقرره ويحتمه الدلالة الثالثة، ألا وهي الغرض الذي سيغت من أجلها هذه الآية،
هذه الآية إخوتي الكرام سيغت لتسلية نبينا ﵊ فكان يحزن ويأسى لعدم إيمان الكفار به، وكان يضيق صدره ويتبع نفسه حسرات، والله جل وعلا سلاَّه بهذه الآيات، وقال له: هؤلاء ماتت قلوبهم وأمرهم إلى ربهم، وإذا لم يُرد الله هدايتهم فلن تستطيع أنت ولا غيرك هدايتهم، فعلام تحزن إذاً من أجلهم؟
إذاً، وهذا المعنى لا يتحقق إلا إذا قلنا إن المراد من الموتى موتى القلوب، وأما موتى الأبدان فهو ليس بمكلف بإنذارهم وتبليغهم دعوة ربهم جل وعلا، إنما هو ينذر الأحياء، لكن هؤلاء يسمعون ولا ينتفعون، فكان يحزن نبينا ﵊ فسلاَّه الله بهذه الآيات، كما قال الله تعالى في آخر سورة الحجر: ﴿ولقد نعلم أنك يضيق صدرك بما يقولون * فسبح بحمد ربك وكن من الساجدين * واعبد ربك حتى يأتيك اليقين﴾ (١) ، ومثل هذا قوله تعالى في سورة فاطر: ﴿أفمن زين له سوء عمله فرآه حسناً فإن الله يضل من يشاء ويهدي من يشاء فلا تذهب نفسك عليهم حسرات إن الله عليم بما يصنعون﴾ (٢) .
стр. 4706
ومثل هذا قول الله جل وعلا في سورة المائدة: ﴿يا أيها الرسول لا يحزنك الذين يسارعون في الكفر من الذين قالوا آمنا بأفواههم ولم تؤمن قلوبهم ومن الذين هادوا سمَّعون للكذب سمَّعون لقومٍ آخرين لم يأتوك يحرفون الكلم من بعد مواضعه بقولون إن أوتيتم هذا فخذوه وإن لم تؤتوه فاحذروا، ومن يرد الله فتنته فلن تملك له من الله شيئاً، أولئك الذين لم يرد الله أيطهر قلوبهم لهم في الدنيا خزي ولهم في الآخرة عذاب عظيم﴾ (١) إلى آخر الآيات، وهذه كلها تسلية لخير المخلوقات ﷺ ، ومثل هذا قوله تعالى: ﴿ولقد بعثنا في كل أمةٍ رسولاً أن اعبدوا الله واجتنبوا الطاغوت فمنهم من هدى الله ومنهم من حقت عليه الضلالة فسيروا في الأرض فانظروا كيف كان عاقبة المكذبين * إن تحرص على هداهم فإن الله لا يهدي من يضل وما لهم من ناصرين﴾ (٢) .
وهكذا قوله تعالى: ﴿إنك لا تهدي من أحببت ولكن الله يهدي من يشاء وهو أعلم بالمهتدين﴾ (٣) .
هذه كما قلت إخوتي الكرام، ثلاث دلالات تقرر هذا المعنى ألا وهو أن المراد بالموتى في قوله جل وعلا: ﴿إنك لا تسمع الموتى﴾ موتى القلوب، لا موتى الأبدان، لا تسمعهم إسماعاً يترتب عليه الأثر من الاتباع والانتفاع والاهتداء.
هذا المعنى الأول: وكما قلت، ذهب إليه جمهور المفسرين.
المعنى الثاني: هو الذي قرره شيخ الإسلام ابن تيمية في مجموع فتاويه ٤/٢٩٩، ٢٤/٣٣٠، ومآل هذا القول إلى القول الأول، قال: (إن المراد من الموتى هنا موتى الأبدان، لكن هذا مثل ضرب لموتى القلوب، فالله تعالى يقول لنبييه ﷺ
стр. 4707
كما أنك لا تسمع من ماتت أبدانهم وقبروا في الأرض إسماعاً يترتب عليه الأثر، فهم يسمعون لكن لا يستطيعون أن يؤمنوا ولا أن ينتفعوا بهذا السماع ولو أتيت إلى كافر وقرأت عليه القرآن، وأسمعته كلمة التوحيد لسمع، لكن حيل بينه وبين العمل، فهو في دار انقطع فيها العمل والتكليف، فالميت يسمع لكنه بهذا السماع لا يهتدي ولا ينتفع ولا يستطيع أن يعمل.
وهكذا هؤلاء الذين ماتت قلوبهم يسمعون كما يسمع الموتى من الكافرين ولا ينتفعون، فالله جل وعلا يقول له: ﴿إنك لا تسمع الموتى﴾ : أي حال هؤلاء الأحياء كحال من قُبر، ذاك يسمع ولا ينتفع وهذا يسمع ولا ينتفع، فآل معنى هذا إلى المعنى الأول الذي ذكرناه، وهو عدم نفي السماع عن الأموات إنما هذا تشبيه، كما أن من مات بدنه يسمع ولا ينتفع، يسمع ولا يتبع، يسمع ولا يستطيع أن يثوب، لأنه حيل بينهم وبين العمل، فالكافر كذلك منزلته بمنزلة هذا الميت الذي مات بدنه، ماله من السماع إلا السماع الذي لا يترتب عليه أي أثر، ﴿إنك لا تسمع الموتى ولا تسمع الصم الدعاء إذا ولوا مدبرين﴾ إذا قلنا موتى الأبدان فنقول هذا مثل لموتى القلوب، فمآل هذا إلى ما تقدم، ولذلك إخوتي الكرام شاع عند العرب واستفاض واستعملوه في ألسنتهم نفي الحاسة عن الإنسان إذا لم ينتفع بها، فيقولون إنه أعمى لمن لا ينتفع بعينية، وإنه أصم لمن لا ينتفع بأذنيه، وإنه ميت القلب لمن لا يعي ولا يفقه بقلبه ولا يتبع الهدى، هذا مستعمل عند العرب بكثرة، ولذا يقول قعنب بن ضمرة، وهو من الشعراء (م ٩٥) ويقول له ابن أم صاحب:
صمٌ إذا سمعوا خيراً ذكرت به ... وإن ذُكرتُ بسوء عندهم أذنوا
стр. 4708
نفى السماع عنهم ووصفهم بالصمم، ثم قال: إذا ذكر عندهم بسوء أذنوا أي استمعوا كقول الله في سورة الانشقاق ﴿إذا السماء انشقت وأذنت﴾ : أي استمعت ﴿وأذنت لربها وحقت﴾ ، إذا سمعوا السوء آذنوا، إذا سمعوا الخير صم، فوصفهم بالصمم لأنهم لا يستمعون ما ينفعهم، وهذا المعنى قرره الله تعالى في آيات كثيرة فقال تعالى: ﴿ومثل الذين كفروا كمثل الذي ينعق بما لا يسمع إلا دعاءً ونداءً صمٌ بكمٌ عميٌ فهم لا يعقلون﴾ (١) أي حالك مع الكفار عندما تدعوهم لاتباع شريعة اله جل وعلا حالُك كحالك عندما تدعوا الحمار تماما، فالحمار لا يسمع منك إلا أصواتاً لا يعي مدلولها، وهؤلاء كذلك.
﴿ومثل الذين كفروا كمثل الذي ينعق﴾ : أي يصيح ويرفع صوته بما لا يسمع إلا دعاءً ونداءً، لا تسمع البهائم منك إذا ناديتها إلا أصواتاً تصيح بها، وهكذا الكفار تتلى عليهم آيات العزيز القهار فلا يعونها ولا يفقهونها، ﴿صمٌ بكمٌ عميٌ فهم لا يعقلون﴾ ،، ﴿صمٌ﴾ لا سمع عندهم ﴿بكمٌ﴾ لا كلام ولا وعي ﴿عميٌ﴾ في أبصارهم فلا يبصرون، ثم بعد ذلك قلوبهم ميتة لا يعقلون.
وليس المراد نفي العقل عنهم ونفي هذه الجوارح وإلا لارتفع التكليف ومثل هذا قوله تعالى: ﴿ولقد ذرأنا لجهنم كثيراً من الجن والإنس لهم قلوبٌ لا يفقهون بها ولهم أعينٌ لا يبصرون بها ولهم آذانٌ لا يسمعون بها، أولئك كالأنعام بل هم أضل أولئك هم الغافلون﴾ (٢) .
ومثل هذا قوله تعالى: ﴿أرأيت من اتخذ إلهه هواه أفأنت تكون عليه وكيلاً * أم تحسب أن أكثرهم يسمعون أو يعقلون إن هم إلا كالأنعام بل هم أضل سبيلا﴾ (٣) .
стр. 4709
ومثل هذا قوله تعالى في سورة الأحقاف بعد أن ذكر إهلاكه لقوم عاد: ﴿فلما رأوه عارضاً مستقبل أوديتهم قالوا هذا عارضٌ ممطرنا * بل هو مستعجلتم به ريحٌ فيها عذابٌ أليم * تدمر كل شيءٍ بأمر ربها فأصبحوا لا يرى إلا مساكنهم كذلك نجزي القوم المجرمين * ولقد مكنَّهم فيما إن مكنَّكم فيه وجعلنا لهم سمعاً وأبصاراً وأفئدةً فما أغنى عنهم سمعهم ولا أبصارهم ولا أفئدتهم من شيءٍ إذ كانوا يجحدون بآيات الله وحاق بهم ما كانوا به يستهزءون﴾ (١) .
ومثل هذا قوله تعالى: ﴿أفلم يسيروا في الأرض فتكون لهم قلوبٌ يعقلون بها أو آذانٌ يسمعون بها فإنها لا تعمى الأبصار ولكن تعمى القلوب التي في الصدور﴾ (٢) .
ومثل هذا قوله تعالى في سورة الملك مخبراً عن أهل النار كيف يشهدون على أنفسهم عندما يلقون في النار بأنهم ما كانوا يعقلون ولا يسمعون: ﴿وللذين كفروا بربهم عذاب جهنم وبئس المصير * إذا ألقوا فيها سمعوا لها شهيقاً وهي تفور * تكاد تميز من الغيظ كلما ألقي فيها فوجٌ سألهم خزنتها ألم يأتكم نذير * قالوا بلى قد جاءنا نذير فكذبنا وقلنا ما نزل الله من شيءٍ إن أنتم إلا في ضلالٍ كبير * وقالوا لو كنا نسمع أو نعقل ما كنا في أصحاب السعير * فاعترفوا بذنبهم فسحقاً لأصحاب السعير﴾ (٣) .
وهنا قول الله الجليل: ﴿إنك لا تسمع الموتى﴾ إما أن يراد بهم موتى القلوب، وإذا قلنا إن المراد من الموتى الأبدان فهذا مثل لموتى القلوب، ﴿وقالوا لو كنا نسمع أو نعقل ما كنا في أصحاب السعير * فاعترفوا بذنبهم فسحقاً لأصحاب السعير﴾ .
نعم إن الإنسان إذا لم ينتفع بقلبه ولم ينتفع بسمعه وببصره صح نفي ذلك عنه وهو في حكم ودركة البهيمة، واعلم بأن عصبته الجهال بهائم في صورة الرجال:
أبُنيِّ إن من الرجال بهيمة في ... صورة الرجل السميع المبصر
فطن بكل مصيبة في ماله ... وإذا أصيب بدينه لم يشعر
стр. 4710
وخلاصة الكلام إخوتي الكرام..
إن الموتى يحسون كما قلت بما يجري حوله، ويعلمون ويستبشرون ويفرحون بمن يزورهم، ويسمعون الكلام الذي يقال بحضرتهم، تُعرض عليهم أعمال قرابائهم بعدهم، وهم يتزاورون فيما بينهم، ونفي الله جل وعلا السماع عن الكفار في قوله تعالى: ﴿إنك لا تسمع الموتى..﴾ نفي السماع عن الموتى، المراد من السماع هنا السماع الذي يترتب عليه أثره وهو الانتفاع والاهتداء، وكما قلت، هذا قول من قولين، والمراد من الموتى هنا موتى القلوب لا موتى الأبدان.
وإذا قلنا إن المراد بالموتى موتى الأبدان فالآية لازالت تقرر القول الأول فهذا مثل لمن ماتت قلوبهم، فكما أن ميت البدن يسمع ولا ينتفع فميت القلب يسمع ولا ينتفع، ﴿إن في ذلك لذكرى لمن كان له قلبٌ أو ألقى السمع وهو شهيد﴾ (١) .
أقول هذا القول واستغفر الله.
الخطبة الثانية:
الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله وحده لا شريك له ولي الصالحين وأشهد أن نبينا محمداً عبد الله ورسوله خير خلق الله أجمعين.
اللهم صلِّ على نبينا محمدٍ وعلى جميع الأنبياء والمرسلين وسلم تسليماً كثيراً، وارض اللهم عن الصحابة الطيبين الصادقين المفلحين وعمن تبعهم بإحسانٍ إلى يوم الدين، اللهم ألهمنا رشدنا، اللهم ألهمنا رشدنا، اللهم ألهمنا رشدنا، اللهم قنا شرور أنفسنا، اللهم قنا شح نفوسنا بفضلك ورحمتك يا أرحم الراحمين.
اللهم صلَّ على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيرا.
стр. 4711
ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار، اللهم اغفر لآبائنا وأمهاتنا، اللهم أرحمهم كما ربَّونا صغارا، اللهم اغفر لمشايخنا ولمن علمنا وتعلم منا، اللهم أحسن إلى من أحسن إلينا، اللهم اغفر لمن وقف هذا المكان المبارك، اللهم اغفر لمن عبد الله فيه، اللهم اغفر للمؤمنين والمؤمنات الأحياء منهم والأموات، اللهم لا تجعل للظالمين عليهم سبيلا بفضلك ورحمتك يا أرحم الراحمين، اللهم صلَّ على نبينا محمدٍ وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيرا والحمد لله رب العالمين.
أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، بسم الله الرحمن الرحيم
﴿قل هو الله أحدٌ * الله الصمد * لم يلد ولم يولد * ولم يكن له كفواً أحد﴾ .
стр. 4712
الفروض الدائمة والمؤقتة
(من خطب الجمعة)
للشيخ الدكتور
عبد الرحيم الطحان
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
الفروض الدائمة والمؤقتة
الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونؤمن به ونتوكل عليه ونعوذ به من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا من يهد الله فهو المهتد ومن يضلل فلن تجد له وليا مرشدا.
الحمد لله رب العالمين شرع لنا دينا قويما وهدانا صراطا مستقيما وأسبغ علينا نعمه ظاهرة وباطنة وهو اللطيف الخبير.
اللهم لك الحمد كله ولك الملك كله وبيدك الخير كله وإليك يرجع الأمر كله أنت الطيبين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ولي الصالحين وخالق الخلق أجمعين ورازقهم فما ﴿من دابة في الأرض إلا علي الله رزقها ويعلم مستقرها ومستودعها كل في كتاب مبين﴾ .
﴿يا أيها الناس اذكروا نعمة الله عليكم هل من خالق غير الله يرزقكم من السماء والأرض لا إله إلا هو فأنى تؤفكون﴾ .
وأشهد أن نبينا محمدا عبد الله ورسوله أرسله الله رحمة للعالمين فشرح به الصدور وأنار به العقول وفتح به أعينا عميا وآذانا صما وقلوبا غلفا فجزاه الله عنا أفضل ما جزى به نبيا عن أمته ورضي الله عن أصحابه الطيبين وعمن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.
﴿يا أيها الناس اتقوا ربكم الذي خلقكم من نفس واحدة وخلق منها زوجها وبث منهما رجالا كثيرا ونساءا واتقوا الله الذي تساءلون به والأرحام إن الله كان عليكم رقيبا﴾ .
﴿يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله حق تقاته ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون﴾ .
﴿يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وقولوا قولا سديدا يصلح لكم أعمالكم ويغفر لكم ذنوبكم ومن يطع الله ورسوله فقد فاز فوزا عظيما﴾ .
أما بعد: معشر الإخوة الكرام..
стр. 4713
تدارسنا في شهر الصيام خير شهور العام عند ذي الجلال والإكرام ما يتعلق بأحكام شهر رمضان وكانت الموعظة التي تلي ذلك الشهر الكريم حول فرحة العيد وبينت أن الله وحد بين عباده الموحدين وحد بينهم في عقائدهم وأفكارهم وفي أعمالهم وأفعالهم وفي مشاعرهم وأحاسيسهم وبينت أن إظهار الفرحة في أيام العيد من تعظيم شعائر الله وذلك من دين الله ﴿ومن يعظم شعائر الله فإنها من تقوى القلوب﴾ .
وبيَّنتُ أيضًا أنه كما ينبغي أن نظهر الفرحة والابتهاج والسرور أيام العيد في أعياد المسلمين يحرم علينا قطعا وجزما أن نظهر الفرح والسرور وأن نشارك في البهجة في أعياد الجاهلية سواء كانت تلك الأعياد أعيادا وطنية على حسب المفاهيم الردية في هذه الأوقات الزمنية أو أعيادا أجنبية فيحرم علينا أن نشارك في غير الأعياد الإسلامية وذكرت عند هذا الأمر قول شيخ الإسلام الذي عد من مجددي القرن الثالث الهجري وقد توفي سنة ٢١٧هـ أحمد بن حفص البخاري يقول هذا العبد الصالح: "من عبد الله خمسين سنة ثم أهدى إلى كافر بيضة في يوم عيده تعظيما لذلك اليوم فقد كفر بالله وحبط عمله".
وهذا الأمر السوي الصحيح أراد بعض الإخوة الكرام من الحاضرين المستمعين للموعظة الماضية شيئا من التوضيح وبما أن هذا الطلب وجيه وجيه فأحب أن نتدارسه في هذه الموعظة.
إخوتي الكرام:
الفرائض التي فرضها الله على عباده وأوجبها عليهم تنقسم إلى قسمين اثنين.
فرض دائم يجب على الإنسان أن يقوم به على الدوام في كل زمان ومكان وهذا الفرض الدائم يقوم على ركنين بهما تتحقق عبودية الإنسان لرب الكونين.
أولهما: أن يفرد الله بالعبادة وأن لا يشرك به شيئا.
والثاني: أن يفرد نبيه ﵊ بالمتابعة وأن لا يقتدي بغيره وأن لا يقلد أحدا من دونه إياك أريد بما تريد بهذين الأمرين تحصل العبودية في الإنسان لذي الجلال والإكرام.
стр. 4714
فتحقيق العبودية لرب البرية لا يتم إلا بهذين الأمرين عبادة الله وحده لا شريك له، واتباع النبي ﷺ فقلبنا يتعلق بربنا؛ فهو خالقنا إلهنا وإليه تصرف عبادتنا.
وهكذا يتعلق قلبنا بنبينا ﵊ فهو إمامنا وقائدنا وأسوتنا وبه نقتدي في حياتنا عليه صلوات الله وسلامه، وهذان الأمران هما مدلول كلمة الإسلام لا إله إلا الله، محمد رسول الله ﵊؛ لا معبود بحق في هذا الوجود إلا الله إياك أريد محمد رسول الله ﵊ عبادتنا لربنا وتصريفنا لشؤون حياتنا على حسب ما جاء به نبينا ﷺ والإنسان إذا اتصف بذلك فحقق العبودية في نفسه لربه ذاق طعم الإيمان وحصلت البهجة في قلبه والإيقان.
ثبت في مسند الإمام أحمد وصحيح مسلم والحديث رواه الإمام الترمذي ورواه الإمام أبو نعيم في الحلية كما رواه الإمام ابن حبان في صحيحه والحديث صحيح صحيح من رواية سيدنا العباس عم نبينا خير الناس على نبينا وآله وصحبه صلوات الله وسلامه قال سمعت النبي ﷺ يقول: [ذاق طعم الإيمان من رضي بالله ربا وبالإسلام دينا وبمحمد ﷺ رسولا] .
стр. 4715
[ذاق طعم الإيمان] : حلاوته وبهجته وإذا حصلت هذه الحلاوة والبهجة والسرور في قلبه لا يسخط الإيمان في قلبه بعد ذلك أبدا لكن هذه الحلاوة وذلك الطعم اللذيذ الشهي الذي يتضاءل بجنبه جميع مطعومات الدنيا ولذائذها ومشتهياتها لا يمكن للإنسان أن يحصل تلك الحلاوة والبهجة وذلك الطعم إلا بهذه الأمور الثلاثة من رضي بالله ربا رضي بالشيء إذا قنع به ولم يطلب غيره فربه مالكه سيده إلهه هو الله وحده لا شريك له وبمحمد ﷺ رسولا هو رسول ذلك الرب يبلغ عنه فنقتدي به فيما بلغنا عن ربه على نبيا وآله وصحبه صلوات الله وسلامه والإسلام الذي أتى به نبينا ﵊، وهو دين الرحمن نرضاه دينا لنا فنحتكم إليه في كل زمان ومكان من حصل هذا فيه فقد ذاق طعم الإيمان نعم إخوتي الكرام إذا تحقق الإنسان بالعبودية لرب البرية يذوق للإيمان حلاوة معنوية تتضاءل بجنبها وتتلاشى جميع الحلاوات الحسية.
ثبت في المسند والصحيحين، والحديث في السنن الأربعة إلا سنن أبي داود ورواه ابن حبان في صحيحه وأبو نعيم في الحلية، والخطيب في تاريخ بغداد من رواية سيدنا أنس بن مالك ﵁ وأرضاه أن النبي ﷺ قال: [ثلاث من كن فيه وجد حلاوة الإيمان أن يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما وأن يحب المرء لا يحبه إلا لله وأن يكره أن يعود في الكفر بعد إذ أنقذه الله منه كما يكره أن يقذف في النار] .
وروي هذا الحديث أيضا من رواية سيدنا أبي أمامة ﵁ وأرضاه في معجم الطبراني الكبير وشرح الستة للإمام البغوي لكن في إسناد رواية أبي أمامة ضعف ينجبر ويتقوى بهذه الرواية الصحيحة الثابتة في الصحيحين.
стр. 4716
ثلاث من كن فيه وجد حلاوة الإيمان فحقق بذلك العبودية لذي الجلال والإكرام جعل الله ورسوله ﷺ أحب إليه من كل شيء فلا يقدم على عبادة الله معبودا ولا يقدم على طاعة رسول الله ﷺ واتباعه والاقتداء به أحدا ثم بعد ذلك يحب ويبغض من أجل الله فيحب المرء لا يحبه إلا لله لا لمنفعة عاجلة زائلة ويكره بعد ذلك أن يزول عنه وصف العبودية لرب البرية كما يكره أن يقذف في النار فإذا وجد هذا فيه ذاق حلاوة الإيمان.
نعم ـ إخوتي الكرام ـ إذا تحقق الإنسان بهذا الوصف فهو على اهتداء في هذا الحياة وله الأمن بعد الممات ﴿الذين آمنوا ولم يلبسوا إيمانهم بظلم أولئك لهم الأمن وهم مهتدون﴾ لهم الأمن في الآخرة وهم مهتدون في الدنيا.
ثبت في المسند والصحيحين والحديث في سنن الترمذي ورواه الإمام الطبري في تفسيره وابن أبي حاتم في تفسيره وابن المنذر في التفسير وابن مردويه في تفسيره كما رواه الداراقطني في الأفراد وأبو الشيخ في كتاب العظمة من رواية سيدنا عبد الله بن مسعود ﵁ وأرضاه قال لما نزلت هذه الآية ﴿الذين آمنوا ولم يلبسوا إيمانهم بظلم ... ﴾ .
شق ذلك على أصحاب النبي ﷺ وقالوا يا رسول الله أينا لا يظلم نفسه قال ليس بالذي تعنون إنما الظلم الشرك ألم تسمعوا إلى قول العبد الصالح لقمان عليه وعلى سائر الصديقين الرحمة والرضوان ﴿يا بني لا تشرك بالله إن الشرك لظلم عظيم﴾ .
إذن من حصل وصف العبودية في هذه الحياة فهو على اهتداء في الدنيا وهو له الأمن في الآخرة.
стр. 4717
وهناك فروض مؤقتة فرضها الله على عباده في أوقات وأمكنة بشروط وكيفيات تفعل حسبما هو مقرر في شريعة رب الأرض والسموات كفريضة الصلاة، وفريضة الصيام، وفريضة الزكاة، وغير ذلك فرائض فرضها الله على عباده؛ لكنها مؤقتة بزمن، بوقت وفي مكان، فالحج له مكان معين والصلاة: ﴿إن الصلاة كانت على المؤمنين كتابا موقوتا﴾ ، والصيام ﴿أياما معدودات﴾ كما أخبر عن ذلك رب الأرض والسموات.
إخوتي الكرام:
هذان الفرضان الصلة بينهما قوية وثيقة.
أما الفرض المؤقت فلا يقبل إلا بشرطين اثنين:
الشرط الأول:
أن يأتي الإنسان بشروط خاصة به فالصلاة تحتاج إلى طهارة ودخول وقت وإلى استقبال للقبلة وإلى غير.
وهناك شرط آخر:
في جميع العبادات المؤقتة وهو لها كالروح للجسد ألا وهو القيام بالفرض الدائم ألا وهو العبودية لرب البرية فمن خرج عن هذا الوصف بحيث عظم شعائر الكفر أو أشرك بالله فلا يقبل منه عمل لأنه ليس بعبد لله وأعماله يضرب بها وجهه فلابد من أن يحقق الفرض الدائم الذي لا يسقط عن الإنسان في وقت ولا في مكان بل ينبغي أن يقوم به على الدوام في كل زمان ومكان فإذا خرج عن ذلك الفرض حبط عمله وضل سعيه وخلده الله في نار جهنم.
نعم ـ إخوتي الكرام ـ لابد من أن يتصف الإنسان بحقيقة العبودية لربه في هذه الحياة فينبغي أن يكون صادقا في عبوديته لربه فدخوله وخروجه لله وبالله ولذلك أمر الله نبيه ﵊ وفي ذلك أمر لنا أن يكون مدخلنا ومخرجنا لربنا جل وعلا: ﴿وقل رب أدخلني مدخل صدق وأخرجني مخرج صدق واجعل لي من لدنك سلطانا نصيرا﴾ .
فالمؤمن يدخل لله وبالله ومن عداه يدخل ويخرج بطرا ورئآء وإذا دخل الإنسان مدخل الصدق وخرج مخرج الصدق في جميع شؤون حياته جعل الله له لسان صدق في هذه الحياة.
стр. 4718
وقد كانت همم أنبياء الله ورسله عليهم صلوات الله وسلامه تتطلع إلى هذا لأن ذلك الوصف لا يكون إلا لمن دخل مدخل الصدق وخرج مخرج الصدق قول خليل الرحمن إبراهيم على نبينا وعليه أفضل الصلاة وأتم التسليم كما حكى ذلك عنه رب العالمين: ﴿واجعل لي لسان صدق في الآخرين﴾ أن يثنى علي بالخير والفضيلة بحسب ما في مما يرضيك: ﴿واجعل لي لسان صدق في الآخرين﴾ في الأمم التي تأتي يثنون على بصدق ولا يكون حال من يثنى عليه كحال من يثنى عليه من أعداء الله قد ينشر للإنسان من الثناء ما يملأ ما بين المشرق والمغرب ولا يزن عند الله جناح بعوضة فليس هذا الثناء بحق إنما هو بكذب وبهتان وافتراء وإذا حقق الإنسان ذلك جعل الله له لسان صدق ويبشره بأن له عند الله قدم صدق كما ذكر الله في أول سورة نبيه يونس على نبينا وعليه وعلى سائر الأنبياء والمرسلين صلوات الله وسلامه: ﴿الر تلك آيات الكتاب الحكيم * أكان للناس عجبا أن أوحينا إلى رجل منهم أن أنذر الناس وبشر الذين آمنوا أن لهم قدم صدق عند ربهم قال الكافرون إن هذا لساحر مبين﴾ .
﴿لهم قدم صدق عند ربهم﴾ : يقدمون على منزلة حقة يستحقونها بما قدموه من عمل صالح واتباع لرسول الله ﵊ وعبادة لله وهم بالتالي في مقعد صدق كما قال الله جل وعلا: ﴿إن المتقين في جنات ونهر في مقعد صدق عند مليك مقتدر﴾ .
إخوتي الكرام:
لابد من تحقيق الفرض الدائم وهو العبودية لرب البرية في كل زمان ومكان فإذا تحقق الإنسان بذلك الوصف على وجه التمام صار عبدا لذي الجلال والإكرام تقبل منه بعد ذلك فرائضه المؤقتة وإذا أتى بما ينقض عبوديته لربه فلا يقبل منه فرض مؤقت لأنه ضيع الفرض الدائم ولذلك عباد الله الذين أضافهم الله إلى نفسه هم أولياؤه المتقون الذين لا خوف عليهم ولا هم يحزنون.
والناس نحو الفرض الأول وهو الفرض الدائم ثلاثة أقسام:
القسم الأول:
стр. 4719
حقق ذلك الفرض وقام به على وجه الكمال والتمام وهؤلاء هم عباد الرحمن المخلصون الصديقون وهم أولياء الحي القيوم لا خوف عليهم ولا هم يحزنون وهم الذين عناهم الله بقوله ﴿هذا يوم ينفع الصادقين صدقهم لهم جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها أبدا ذلك الفوز العظيم﴾ ، وهم المعنيون بقول الله : ﴿والذي جاء بالصدق وصدق به أولئك هم المتقون لهم ما يشاؤون عند ربهم ذلك جزاء المحسنين ليكفر الله عنهم أسوأ الذي عملوا ويجزيهم أجرهم بأحسن الذي كانوا يعملون أليس الله بكاف عبده ويخوفونك بالذين من دونه ومن يضلل الله فما له من هاد ومن يهد الله فما له من مضل أليس الله بعزيز ذي انتقام﴾ ، وهي عبودية الاختيار وليس عبودية الاضطرار فكل من في السموات ومن في الأرض عبد لله على رغم أنفه شاء أم أبى، جاء إلى هذه الحياة على غير اختياره، وسيخرج منها على غير اختياره، ولا يملك لنفسه فضلا عن غيره نفعا ولا ضرا: ﴿إن كل من السموات والأرض إلا آت الرحمن عبدا لقد أحصاهم وعدهم عدا وكلهم آتيه يوم القيامة فردا﴾ ، لكن الشأن في تحقيق عبودية الاختيار للعزيز القهار أن تفرده بالعبادة وحده لا شريك له، وأن تجعل هواك تبعا لشرع نبيه على نبينا وآله وصحبه صلوات الله وسلامه.
هذه العبودية هي التي نوه الله بذكرها في حق نبيه على نبينا وآله وصحبه صلوات الله وسلامه في أشرف المقامات التي حصلت له فقال جل وعلا: ﴿وإن كنتم في ريب مما نزلنا على عبدنا فأتوا بسورة من مثله وادعوا شهداءكم من دون الله إن كنتم صادقين﴾ .
حقق العبودية لربه جل وعلا على وجه التمام حب كامل وذل تام وهكذا قول الله: ﴿الحمد لله الذي أنزل على عبده الكتاب ولم يجعل له عوجا﴾ .
وهكذا قول الله ﴿سبحان الذي أسرى بعبده ليلا من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى الذي باركنا حوله لنريه من آياتنا إنه هو السميع البصير﴾ .
стр. 4720
وهكذا قول الله عندما يتحدث عن نبيه ﵊ وقيامه بالدعوة ﴿وأنه لما قام عبد الله يدعوه كادوا يكونون عليه لبدا﴾ .
وهذا أعظم وصف يتصف به المخلوق أن يقال إنه عبد للخالق ويراد من هذه العبودية عبودية الاختيار وقد كان نبينا ﵊ يحب هذا الوصف فيه وأمرنا أن نذكره به عليه صلوات الله وسلامه.
ففي مسند الإمام أحمد وصحيح البخاري والحديث رواه الإمام الترمذي في الشمائل المحمدية على نبينا خير البرية صلوات الله وسلامه ورواه الإمام الدارمي في مسنده ورواه الحميدي في مسنده وأبو داود الطيالسي في مسنده أيضا ورواه الإمام ابن أبي شيبة في مصنفه ورواه الإمام العدني وهو حديث صحيح صحيح من رواية سيدنا عمر بن الخطاب ﵁ وأرضاه قال سمعت رسول الله ﷺ يقول: [لا تطروني كما أطرت النصارى ابن مريم فإنما أنا عبد فقولوا عبد الله ورسوله] .
والإطراء: هو المدح بالباطل ومجاوزة الحد بالمدح، فإياك إياك أن ترفع نبينا ﵊ إلى مستوى ذي الجلال والإكرام.
نعم هذه العبودية لها شأن كبير عند من يعي إذا حققها ذاق حلاوة الإيمان لا خوف عليه مما يستقبله ولا يحزن على ما يتركه هو على اهتداء في هذه الحياة وله الأمن بعد الممات هذا الصنف الأول حققوا فيهم هذه العبودية لرب البرية، هم أولياء الله حقا وصدقا، فهؤلاء القليل منهم كثير عند الله الجليل ﴿إنما يتقبل الله من المتقين﴾ كما سيأتينا في خطوات البحث.
والصنف الثاني:
يقابل هذا الصنف وهم أولياء الشيطان الملعون وأعداء الحي القيوم وهم الذين زالت عنهم وصف العبودية الاختيارية لرب البرية في هذه الحياة زال عنهم ذلك الوصف فلا يقبل منهم عمل وهم كافرون بالله .
ولو قدر أنه صدر منهم بعض الطاعات تضرب بها وجوههم ولا تقبل عند رب الأرض والسموات.
стр. 4721
هذا الصنف الثاني أعداء لله ولرسله ولأوليائه وهم الذين قال الله فيهم: ﴿ويوم يحشر أعداء الله إلى النار فهم يوزعون حتى إذا ما جاؤوها شهد عليهم سمعهم وأبصارهم وجلودهم بما كانوا يعملون وقالوا لجلودهم لم شهدتم علينا قالوا أنطقنا الله الذي أنطق كل شيء وهو خلقكم أول مرة وإليه ترجعون ... ﴾ وهم الذين أشار الله إليهم بقوله: ﴿وقال الرسول يا رب إن قومي اخذوا هذا القرآن مهجورا وكذلك جعلنا لكل نبي عدوا من المجرمين وكفى بربك هاديا ونصيرا﴾ .
فلا عبدوا الله ولا اتبعوا رسول الله ﷺ هؤلاء هم الذين ظاهروا الشيطان في عداوة الرحمن كما قال ذو الجلال والإكرام ﴿ويعبدون من دون الله ما لا ينفعهم ولا يضرهم وكان الكافر على ربه ظهيرا﴾ : معينا للشيطان في معاداة الرحمن هؤلاء بينهم وبين عتاة الجن ولاية في هذه الحياة وبينهم اشتراك في العذاب بعد الممات: ﴿ويوم يحشرهم جميعا يا معشر الجن قد استكثرتم من الإنس وقال أولياؤهم من ربنا استمتع بعضنا ببعض وبلغنا أجلنا الذي أجلت لنا قال النار مثواكم خالدين فيها إلا ما شاء الله إن ربك حكيم عليم وكذلك نولي بعض الظالمين بعضا بما كانوا يكسبون﴾ هؤلاء من اتصف بوصفهم لا يقبل منه فرض مؤقت لأنه عدو لله فما وصف أعداء الله.
إخوتي الكرام:
إذا اتصف الإنسان بواحد من خمسة أمور فهو ضال كفور من أتباع الشيطان الغرور وممن ينادي على نفسه مع الشيطان يوم القيامة بالويل والثبور فيقال لهم: ﴿لا تدعوا اليوم ثبورا واحدا وادعوا ثبورا كثيرا﴾ .
стр. 4722
ثبت في مسند الإمام أحمد والبزار والحديث رواه ابن أبي شيبة في مصنفه ورواه عبد بن حميد في مسنده ورواه الإمام الطبري في تفسيره وهكذا ابن المنذر وابن أبي حاتم وابن مردويه وإسناد الحديث صحيح صححه الإمام السيوطي في الدر المنثور وقال شيخ الإسلام الإمام الهيثمي عليه وعلى أئمتنا رحمة الله في المجمع في الجزء ١٠/٣٩٢ رجاله رجال الصحيح غير علي بن زيد بن جدعان وقد وثق وعلي بن زيد خرج حديثه الإمام البخاري في الأدب المفرد وهو من رجال مسلم في صحيحه لكن روى له مقرونا وأخرج له أهل السنن الأربعة ولفظ الحديث من رواية سيدنا أنس بن مالك ﵁ وأرضاه أن النبي ﷺ قال: [أول من يكسى حلة من نار يوم القيامة إبليس فيأخذها ويضعها على حاجبيه ثم يجرها من ورائه وخلفه وذريته خلفه وراءه وهو يقول وا ثبوراه وهو يقولون وا ثبورهم فيقال لهم: ﴿لا تدعوا اليوم ثبورا واحدا وادعوا ثبورا كثيرا﴾ قال الله : ﴿بل كذبوا بالساعة وأعتدنا لمن كذب بالساعة سعيرا إذا رأتهم من مكان بعيد سمعوا لها تغيظا وزفيرا وإذا ألقوا منها مكانا ضيقا مقرنين دعوا هنالك ثبورا لا تدعوا اليوم ثبورا واحدا وادعوا ثبورا كثيرا﴾ .
نعم هؤلاء الذين يلقون في نار جهنم مقرنين فإذا ألقوا فيها بذلك الوصف الذميم دعوا هنالك ثبورا لا تدعوا اليوم ثبورا واحدا وادعوا ثبورا كثيرا فمن اتصف بواحدة من هذه الأمور الخمسة فقد نقض عبوديته لله ولم يقم بالفرض الدائم فلم يقبل منه فرض مؤقت وهذه الأمور الخمسة هي:
الكفر بالله:
والشرك بالله:
والنفاق الأكبر:
والردة عن دين الله:
والبدعة المكفرة:
стр. 4723
الكفر بالله من اتصف به فهو خالد مخلد في نار جهنم لا يقبل منه عمل عند الله ويراد بالكفر جحود الخالق جل وعلا وإنكار حقه على عباده وتكذيب آياته وتكذيب رسله على نبينا وعلى أنبياء الله ورسله صلوات الله وسلامه كما أن لفظ الكفر يستعمل استعمالا موسعا لما يقابل الإسلام وعليه يشمل هذا الوصف كل أعداء الرحمن من المرتدين والمنافقين والمشركين والمبتدعين بدعة مكفرة.
يقول الله جل وعلا في سورة النساء: ﴿إن الذين كفروا بآياتنا سوف نصليهم نارا كلما نضجت جلودهم بدلناهم جلودا غيرها ليذوقوا العذاب إن الله كان عزيزا حكيما﴾ .
فإذا حصل من الإنسان هذا الوصف فقد نقض عبوديته لله جل وعلا فلو قدر أنه قام بصلاة أو صيام أو زكاة أو غير ذلك من الفروض المؤقتة فهي باطلة عند الله ولا تقبل كما قال الله جل وعلا في سورة المائدة بعد أن أخبر أنه أتم علينا الدين وأكمل لنا النعمة وأنه أحل لنا الطيبات قال جل وعلا: ﴿ومن يكفر بالإيمان فقد حبط عمله وهو في الآخرة من الخاسرين﴾ .
كما قرر الله جزاء الكافرين في كثير من آي الذكر الحكيم فقال جل وعلا في سورة الإسراء: ﴿ومن يهد الله فهو المهتد ومن يضلل فلن تجد لهم أولياء من دونه ونحشرهم يوم القيامة على وجوههم عميا وبكما وصما مأواهم جهنم كلما خبت زدناهم سعيرا * ذلك جزاؤهم بأنهم كفروا بآياتنا وقالوا أئذا كنا عظاما ورفاتا أئنا لمبعوثون﴾ ، ﴿قل كونوا حجارة أو حديدا أو خلقا مما يكبر في صدوركم فسيقولون من يعيدنا قل الذي فطركم أول مره فسينغضون إليك رؤوسهم ويقولون متى هو قل عسى أن يكون قريبا﴾ .
стр. 4724
هذا الجزاء لهم في نار جهنم وكلما خبت خف لهيبها زادهم الله عذابا كما قال هناك في سورة النساء: ﴿كلما نضجت جلودهم بدلناهم جلودا غيرها ليذوقوا العذاب﴾ ؛ لأنهم كذبوا بآيات الله وقالوا أئذا كنا عظاما ورفاتا أئنا لمبعوثون خلقا جديدا سبحان الله الذي خلقكم من العدم ألا يستطيع أن يعيدكم بعد ذلك إذا تفتت هذه الأبدان بلى إنه على كل شيء قدير قل كونوا حجارة أو حديدا تحولوا إلى شيء لا يقبل الحياة على حسب الظاهر عندكم أو خلقا مما يكبر في صدوركم فصيروا السموات بنفسها أو تحولوا إلى الموت بحقيقته لو أن البشر كانوا موتى لأحياهم الله والله على كل شيء قدير وأقصد موتى أي صفة الموت لو أنهم صاروا هم الموت بعينه لأحياهم الله فكيف إذا تفتت الأبدان وهكذا يقول الله في سورة الحج: ﴿هذان خصمان اختصموا في ربهم فالذين كفروا قطعت لهم ثياب من نار يصب من فوق رؤوسهم الحميم * يصهر به ما في بطونهم والجلود * ولهم مقامع من حديد * كلما أرادوا أن يخرجوا منها من غم أعيدوا فيها وذوقوا عذاب الحريق *﴾ .
هذا جزاء الكافرين عند رب العالمين إخوتي الكرام من اتصف بهذا الكفر له هذا الجزاء ولا يقبل منه عمل يقول الله في سورة فاطر: ﴿والذين كفروا لهم نار جهنم لا يقضى عليهم فيموتوا ولا يخفف عنهم من عذابها كذلك نجزي كل كفور * وهم يصطرخون فيها ربنا أخرجنا نعمل صالحا غير الذي كنا نعمل أولم نعمركم ما يتذكر فيه من تذكر وجاءكم النذير فذوقوا فما للظالمين من نصير*﴾ .
وهكذا قول الله في سورة الأحزاب: ﴿إن الله لعن الكافرين وأعد لهم سعيرا * خالدين فيها أبد لا يجدون وليا ولا نصيرا * يوم تقلب وجوههم في النار يقولون يا ليتنا أطعنا الله وأطعنا الرسولا * وقالوا ربنا إنا أطعنا سادتنا وكبراءنا فأضلونا السبيلا * ربنا آتهم ضعفين من العذاب والعنهم لعنا كبيرا *﴾ .
والوصف الثاني:
стр. 4725
الشرك بالله وحقيقة الشرك أن يسوي الإنسان بين المخلوقات وبين رب الأرض والسموات في الحقوق والواجبات والصفات فإذا سويت بين المخلوق الحقير وبين الخالق الجليل فيما يستحقه الله وفيما يتصف به فقد جعلت لله ندا وأشركت بالله فلا يقبل منك الفرض المؤقت يقول الله جل وعلا في سورة الشعراء: ﴿وأزلفت الجنة للمتقين * وبرزت الجحيم للغاوين * وقيل لهم أين ما كنتم تعبدون * من دون الله هل ينصرونكم أو ينتصرون * فكبكبوا فيها هم والغاوون * وجنود إبليس أجمعون * قالوا وهم فيها يختصمون * تالله إن كنا لفي ضلال مبين * إذ نسويكم برب العلمين * وما أضلنا إلا المجرمون * فما لنا من شافعين * ولا صديق حميم * ... ﴾ .
فإذا سويت بين المخلوق والخالق لا يغفر لك عند الله ولا يقبل منك عمل لأنك خرجت عن رسم العبودية وحقيقتها وصرت عدوا لله جل وعلا: ﴿إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء﴾ .
وقال جل وعلا في سورة المائدة: ﴿لقد كفر الذين قالوا إن الله هو المسيح بن مريم وقال المسيح يا بني إسرائيل اعبدوا الله ربي وربكم إنه من يشرك بالله فقد حرم الله عليه الجنة ومأواه النار وما للظالمين من أنصار*﴾ .
وهكذا في سورة الأنعام بعد أن ذكر الله ثمانية عشر رسولا من أنبيائه ورسله على نبينا وعليهم جميعا صلوات الله وسلامه بدأهم بخليله إبراهيم على نبينا وعليه أفضل الصلاة وأتم التسليم: ﴿وتلك حجتنا آتيناها إبراهيم على قومه نرفع درجات من نشاء إن ربك حكيم عليم * ووهبنا له إسحاق ويعقوب كلا هدينا ونوحا هدينا من قبل ومن ذريته داود وسليمان وأيوب ويوسف وموسى وهارون وكذلك نجزي المحسنين * وزكريا ويحيى وعيسى وإلياس كل من الصالحين * وإسماعيل واليسع ويونس ولوطا وكلا فضلنا على العالمين * ومن آبائهم وذرياتهم وإخوانهم واجتبيناهم وهديناهم إلى صراط مستقيم *﴾ .
стр. 4726
بعد أن عدد الله هؤلاء الأنبياء والرسل على نبينا وعليهم جميعا صلوات الله وسلامه قال: ﴿ذلك هدى الله يهدي به من يشاء من عباده ولو أشركوا لحبط عنهم ما كانوا يعملون﴾ .
وهكذا وجه الله الأمر لنبيه خير خلقه ﵊ فقال كما في سورة الرعد: ﴿قل إنما أمرت أن أعبد الله ولا أشرك به إليه أدعو وإليه مآب﴾ .
وقال جل وعلا في سورة الزمر: ﴿ولقد أوحي إليك وإلى الذين من قبلك لإن أشركت ليحبطن عملك ولتكونن من الخاسرين بل الله فاعبد وكن من الشاكرين﴾ .
وقال العبد الصالح لقمان عليه وعلى سائر الصديقين الرحمة والرضوان: ﴿يا بني لا تشرك بالله إن الشرك لظلم عظيم﴾ .
وأمر الله الموحدين أن يقولوا لمن يدعون عبادة رب العالمين من أهل الكتاب السابقين: ﴿قل يا أهل الكتاب تعالوا إلى كلمة سواء بيننا وبينكم أن لا نعبد إلا الله ولا نشرك به شيئا ولا يتخذ بعضنا بعضا أربابا من دون الله فإن تولوا فقولوا اشهدوا بأنا مسلمون﴾ .
فمن اتصف بهذا الوصف الثاني فقد نقض عبوديته ولا يقبل منه فرض مؤقت.
والأمر الثالث النفاق:
ويراد منه النفاق الأكبر وهو أن يظهر الإنسان الإيمان ويبطن الكفران بالرحمن ويدخل في هذا أن لا يرى من ينتمي إلى الإسلام وجوب طاعة النبي ﵊ فيما أمر ولا تصديقه فيما أخبر ولا الانتهاء عما عنه زجر وحذر ﵊ وأن يسر الإنسان بانخفاض أهل الإيمان وأن يظهر البهجة والسرور لظهور أهل الكفران فمن وجد فيه هذا الوصف الملعون فهو كافر منافق النفاق الأكبر وهو عدو للحي القيوم وقد جمع الله بين المنافقين وبين المشركين والكافرين في الحكم في الدنيا والآخرة فقال جل وعلا في سورة التوبة ونظير هذه الآية في سورة التحريم: ﴿يا أيها النبي جاهد الكفار والمنافقين واغلظ عليهم ومأواهم جهنم وبئس المصير﴾ .
стр. 4727
وقال جل وعلا في آخر سورة الأحزاب: ﴿إنا عرضنا الأمانة على السموات والأرض والجبال فأبين أن يحملنها وأشفقن منها وحملها الإنسان إنه كان ظلوما جهولا * ليعذب الله المنافقين والمنافقات والمشركين والمشركات ويتوب الله على المؤمنين والمؤمنات وكان الله غفورا رحيما*﴾ .
وقال جل وعلا في سورة النساء: ﴿بشر المنافقين بأن لهم عذابا أليما * الذين يتخذون الكافرين أولياء من دون المؤمنين أيبتغون عندهم العزة فإن العزة لله جميعا * وقد نزل عليكم في الكتاب أن إذا سمعتم آيات الله يكفر بها ويستهزأ بها فلا تقعدوا معهم حتى يخوضوا في حديث غيره إنكم إذا مثلهم إن الله جامع المنافقين والكافرين في جهنم جميعا * الذين يتربصون بكم فإن كان لكم فتح من الله قالوا ألم نكن معكم وإن كان للكافرين نصيب قالوا ألم نستحوذ عليكم ونمنعكم من المؤمنين فالله يحكم بينكم يوم القيامة ولن يجعل الله للكافرين على المؤمنين سبيلا * إن المنافقين يخادعون الله وهو خادعهم وإذا قاموا إلى الصلاة قاموا كسالى يراؤون الناس ولا يذكرون الله إلا قليلا * مذبذبين بين ذلك لا إلى هؤلاء ولا إلى هؤلاء ومن يضلل الله فلن تجد له سبيلا * يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا الكافرين أولياء من دون المؤمنين أتريدون أن تجعلوا لله عليكم سلطانا مبينا * إن المنافقين في الدرك الأسفل من النار ولن تجد لهم نصيرا * إلا الذين تابوا وأصلحوا واعتصموا بالله وأخلصوا دينهم لله فأولئك مع المؤمنين وسوف يؤتي الله المؤمنين أجرا عظيما *﴾ .
والوصف الرابع الردة:
стр. 4728
وهي الخروج من الدين بعد الدخول فيه كفر بعد الإيمان من اتصف بهذا نقض عبوديته لله فلا يقبل منه الفرض المؤقت وقد أشار الله إلى هذا في كثير من آيات كتابه فقال جل وعلا في سورة آل عمران: ﴿كيف يهدي الله قوما كفروا بعد إيمانهم وشهدوا أن الرسول حق وجاءهم البينات والله لا يهدي القوم الظالمين * أولئك جزاؤهم أن عليهم لعنة الله والملائكة والناس أجمعين * خالدين فيها لا يخفف عنهم العذاب ولاهم ينصرون * إلا الذين تابوا من بعد ذلك وأصلحوا فإن الله غفور رحيم * إن الذين كفروا بعد إيمانهم ثم ازدادوا كفرا لن تقبل توبتهم وأولئك هم الضالون * إن الذين كفروا وماتوا وهم كفار فلن يقبل من أحدهم ملء الأرض ذهبا ولو افتدى به أولئك لهم عذاب أليم وما لهم من ناصرين *﴾ .
يقول الله جل وعلا في سورة النساء: ﴿إن الذين آمنوا ثم كفروا ثم آمنوا ثم كفروا ثم ازدادوا كفرا لم يكن الله ليغفر لهم ولا ليهديهم سبيلا﴾ .
وهكذا قول الله جل وعلا في سورة البقرة: ﴿ولا يزالون يقاتلونكم حتى يردونكم عن دينكم إن استطاعوا ومن يرتدد منكم عن دينه فيمت وهو كافر فأولئك حبطت أعمالهم في الدنيا والآخرة وأولئك أصحاب النار هم فيها خالدون *﴾ .
وقد حكم الله بالردة على أناس في أول الأمر قالوا للكفار سنطيعكم في بعض الأمر يقول الله جل وعلا في سورة نبيه محمد ﷺ : ﴿إن الذين ارتدوا على أدبارهم من بعد ما تبين لهم الهدى الشيطان سول لهم وأملى لهم * ذلك بأنهم قالوا للذين كرهوا ما نزل الله سنطيعكم في بعض الأمر والله يعلم إصرارهم * فكيف إذا توفتهم الملائكة يضربون وجوههم وأدبارهم * ذلك بأنهم اتبعوا ما أسخط الله وكرهوا رضوانه فأحبط أعمالهم *﴾ .
стр. 4729
فمن قدم لكافر بيضة في يوم عيده تعظيما لذلك اليوم فقد عظم شعائر الكفر وهذه ردة منه لو عبد الله خمسين سنة حبط عمله وهو من الكافرين عند رب العالمين: ﴿يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا اليهود والنصارى أولياء بعضهم أولياء بعض ومن يتولهم منكم فإنه منهم إن الله لا يهدي القوم الظالمين * فترى الذين في قلوبهم مرض يسارعون فيهم يقولون نخشى أن تصيبنا دائرة فعسى الله أن يأتي بالفتح أو أمر من عنده فيصبحوا على ما أسروا في أنفسهم نادمين * ويقول الذين آمنوا أهؤلاء الذين أقسموا بالله جهد أيمانهم إنهم لمعكم حبطت أعمالهم فأصبحوا خاسرين * يا أيها الذين آمنوا من يرتد منكم عن دينه فسوف يأت الله بقوم يحبهم ويحبونه أذلة على المؤمنين أعزة على الكافرين يجاهدون في سبيل الله ولا يخافون لومة لائم ذلك فص ضل الله يؤتيه من يشاء والله واسع عليم * إنما وليكم الله ورسوله والذين آمنوا الذين يقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة وهم راكعون * ومن يتولى الله ورسوله والذين آمنوا فإن حزب الله هم الغالبون * يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا الذين اتخذوا دينكم هزوا ولعبا من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم والكفار أولياء واتقوا الله إن كنتم مؤمنين *﴾ .
وقد حكم الله بالردة والكفر على أناس في أول الأمر أيضا استهزءوا ببعض شعائر الله فقال جل وعلا: ﴿يحذر المنافقون أن تنزل عليهم سورة تنبؤهم بما في قلوبهم قل استهزءوا إن الله مخرج ما تحذرون * ولئن سألتهم ليقولن إنما كنا نخوض ونلعب قل أبالله وآياته ورسوله كنتم تستهزءون * لا تعتذروا قد كفرتم بعد إيمانكم إن نعف عن طائفة منكم نعذب طائفة بأنهم كانوا مجرمين *﴾ .
والآيات نازلة في فريقين من المنافقين كما في كتب السير في مغازي الإمام ابن إسحاق وغيره عليهم جميعا رحمة الله.
стр. 4730
الفريق الأول: هم الذين وقعوا في أعراض القراء امتهانا لشعائر رب الأرض والسماء فقالوا قراؤنا أكذب الناس ألسنة وأرغبهم بطونا وأجبنهم عند اللقاء.
والصنف الثاني: عندما تهيأ النبي ﵊ لغزو بني الأصفر بلاد الروم قال المنافقون وأرجفوا أتظنون أن جلاد بني الأصفر كقتال العرب بعضهم بعضا والله لو قابلتموهم لأصبحتم مقرنين في الحبال فلما أخبر نبينا ﵊ بذلك وقال لهم علام قلتم هذا قالوا يا رسول الله ﵊ نمزح نلعب لا نقصد الاستهزاء بالقراء ولا التثبيط والخوف من أعداء رب الأرض والسماء فأنزل الله: ﴿ولئن سألتهم ليقولن إنما كنا نخوض ونلعب قل أبالله وآياته ورسوله كنتم تستهزءون * لا تعتذروا قد كفرتم بعد إيمانكم﴾ .
والوصف الخامس الذي ينقض وصف العبودية البدعة المكفرة:
وضابطها أن يعتقد الإنسان شيئا لم ترد به شريعة الله المطهرة بل ورد بخلافه إثباتا ونفيا ويكون ذلك الوارد معلوما من الدين بالضرورة ثم قال هؤلاء بدعة تنقض ذلك المعلوم من دين الله بالضرورة فهذه البدعة مكفرة كما هو الحال في بدعة القدرية الغلاة الذين نفوا علم الله بالأشياء قبل حدوثها ووقوعها كما هو الحال في بدعة الشيعة الغلاة الذين ألهوا علي وغيره على سيدنا علي وعلى جميع الصحابة رضوان الله أجمعين كما هو الحال في بدعة زنادقة الصوفية الذين قالوا بحلول الخالق في بعض المخلوقات كما هو الحال في بدعة سفهاء بعض من ينتمي إلى السلفية في هذه الأيام فيصول ويجول على عباد الرحمن بالتكفير من أجل أنهم خالفوه في رأي وذلك الرأي على غاية ما يمكن أن يقال إنه راجح أو مرجوح أو خطأ؛ هذا كله من البدع المكفرة التي انتشرت في هذه الأمة.
إخوتي الكرام: